← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

وقال الإمام أحمد: حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا حَمَّادٌ، حدثنا عليّ بن زَيْد، عن خالد بن الحُوْيَرث، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الآياتُ، خرَزَاتٌ مَنْظُوماتٌ في سِلْكٍ، فإن يُقطعِ السلكُ يَتْبَعْ بَعْضُها بَعْضًا". انفرد به أحمد (١). باب ذكر أمور لا تقوم الساعة حتى تكون منها ما قد وقع ومنها ما لم يقع بعدُ قد تقدّم من ذلك شيء كثير، ولنذكر أشياء أُخَرَ من ذلك، وإيراد شيء من أشراط الساعة، وما يدل على اقترابها، وباللَّه المستعان. تقدّم ما رواه البخاريّ عن أبي اليمان، عن شُعَيْب، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حَتّى يَتَطاولَ الناسُ في البُنْيانِ، ولا تقومُ الساعةُ حتى تقتتِلَ فِئَتانِ عَظِيمتَانِ يكون بينهما مَقْتَلةٌ عظيمةٌ، دعواهما واحدة، ولا تقوم الساعة حتى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتكْثر الزلازلُ، وَيتَقارَبَ الزَّمَانُ، وتكثُرَ الفِتَنُ، ويكثُرَ الهَرْج، ولا تقوم الساعةُ حتى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كذّابُون قَرِيبٌ مِن ثَلاثِين، كلُّهمْ يزْعُم أنّه رسول اللَّه، ولا تقوم الساعة حتى يَمرّ الرجُلُ بقَبْرِ الرَّجُلِ فيقول: ليتني مكَانكَ، ولا تقوم الساعةُ حتّى تطلُع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ولا تقوم الساعة حتى يكثُر فيكم المالُ، حتَّى يُهِمّ رَبَّ المالِ مَنْ يقْبَلُه منه". ورواه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة (٢). وتقدّم الحديث عن أبي هريرة، وبُرَيْدةَ، وأبي بَكْرَةَ، ﵃، وغيرهم: "لا تقومِ الساعةُ حَتّى تُقاتلُوا التُّرْكَ عِراضَ الوجُوه، ذُلْفَ الأنُوف، كأن وجُوهَهُمُ المَجانُ المُطْرَقَةُ يَنْتَعِلُون الشّعَرَ. . . " الحديث (٣) وهم بنو قَنْطُوراء، وهي جارية الخليل ﵊. وفي "الصحيحين" من حديث شُعْبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من أشراط الساعة، أن يَقِلّ العِلْمُ، ويظْهَرَ الجَهْلُ والزِّنى، وتُشرَبَ الخَمْرُ، وتقِلَّ الرِّجالُ،

стр. 7877

ويكْثُرَ النِّساءُ، حَتى يكونَ لخَمسِين امرأةً القَيِّمُ الوَاحِدُ" (١). وروى سفيان الثوري، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لا تذهبُ الأيَّامُ والليالي حتى تعودَ أرضُ العَربِ مُرُوجًا وأنهارًا، أو حتى يحسِر الفُراتُ عَنْ جَبَل مِنْ ذَهَبٍ، فيَقْتَتلُونَ عَلَيهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مئةٍ تِسعَةٌ وتِسْعون، وَيَنجُو واحد". وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سُهْيَل (٢). ورَوى البخاريّ، عن أبي اليمان، عن شُعَيْب، وأخرج مسلم من حديث مَعْمَر، كلاهما عن الزُّهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى تضطرب أَلَيَاتُ نِساءِ دَوْسٍ حول ذِي الخَلَصَة طاغِيةِ دَوْس التي كانوا يَعْبُدونَ في الجاهلية" (٣). وفي "صحيح مسلم"، من حديث الأسود بن العَلاء، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار، حتَّى تُعْبَد اللاتُ، والعُزَّى" فقلت: يا رسول اللَّه، إن كنتُ لأَظُنُّ حِين أنزل اللَّه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة] أن ذَلك تامًّا، فقال: "إنّه سيكون من ذلك ما شاء اللَّه، ثم يَبْعَثُ اللَّه رِيحًا طيبة، فتَوفى كل مَنْ كانَ في قلبه مثْقالُ حبة خردلٍ من إيمان، فيَبقَى مَنْ لَا خَيْرَ فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (٤). وفي "جزء الأنصاري"، عن حُمَيْد، عن أنس: أن عبد اللَّه بن سَلَام سأل رسول اللَّه ﷺ : ما أوّلُ أشراطِ الساعة؟ قال: "نارٌ تَحْشُر النَّاسَ من المشرق إلى المَغْرِب. . . " الحديث بتمامه، ورواه البخاريّ من حديث حُمَيْد، عن أنس (٥). وفي حديث أبي زُرْعة، عن أبي هريرة: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يومًا بارزًا للناس، إذ أتاه أعرابيّ، فسأله عن الإيمان. . . الحديث. إلى أن قال: يا رسول اللَّه، فمتى الساعة؟ فقال: "ما المَسْؤولُ عَنْها بأعْلَمَ من السائل، ولكن سأحدّثك عن أَشْرَاطها: إذا وَلَدتِ الأَمَةُ رَبَّتَها فذاك من أشراطها، واذا كان الحفاةُ العراة رؤوسَ الناس فذاك من أشراطها، في خمس لا يَعْلمُهن إلا اللَّه" ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان] ثم انصرف الرحلُ، فقال: "رُدُّوه عَليّ"

стр. 7878

فلم يَرَوا شيئًا، فقال: "هذا جبريلُ جاء ليُعَلِّم النَّاسَ دِينَهم" أخرجاه في "الصحيحين" (١). وعند مسلم عن عمر بن الخطاب نحو هذا بأبسط منه (٢) فقوله ﵇: "أن تلد الأمة رَبَّتها" يعني به أن الإماء يكنَ في آخر الزمان هن المشَارُ إليهن بالحِشْمةِ، تكون الأمة تحت الرجل الكبير دون غيرها مِنَ الحرائر، ولذلك قَرَن ذلك بقوله: "وأَنْ ترى الحُفَاةَ العُراةَ العَالة يتطاولون في البُنْيانِ" يعني بذلك أنّهم يكونون رؤوس الناس، قد كَثُرتْ أموالُهم، وامتدّت وجَاهتُهم، فليس لهم دَأب ولا هِمّة إلّا التطاول في البناء، وهذا كما في الحديث المتقدّم: "لا تقومُ الساعةُ حتى يكون أحظَى الناس بالدُّنيا لُكَعُ ابن لُكَع" (٣). وفي الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يَسُودَ كلَّ قبيلة رُذَالُها" (٤) وفي الحديث الآخر: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (٥) ومَنْ فَسّر هذا بكثرة السراري لكثرةِ الفُتوحات، فقد كان هذا في صدر هذه الأمة كثيرًا جِدًّا، وليس هذا بهذه الصفة من أشراط الساعة المتاخمة لوقتها، واللَّه أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البَيْهَقيّ في كتابه "البعث والنشور": أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق قالا: حدَّثنا عبد الباقي بن قانع الحافظ، حدثنا عبد الوراث بن إبراهيم العسكريّ، حدثنا سيف بن مِسكين، حدَّثنا المبارك بن فَضالة، عن الحسن، قال: قال عُتَيّ: خرجتُ في طَلب العلم، فقدمتُ الكوفة، فإذا أنا بعبد اللَّه بن مسعود، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، هل للساعة مِن عَلَم تُعرَفُ به؟ فقال: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "إن من أشراط الساعة أن يكون الولدُ غَيْظًا والمطرُ قَيْظًا، وتَفيض الأشرار فَيْضًا، وتغيض الأخيار غيضًا، ويُصَدَّق الكاذبُ، ويكذَّب الصادق، ويُؤتَمن الخَائن، ويُخوّنُ الأمين، ويَسودُ كلَّ قبيلة مُنافقُوها، وكلّ سوق فُخارها، وتُزخْرفُ المحاريبُ، وتَخْرَبُ القُلوبُ، ويكْتفِي الرَّجالُ بالرجال، والنِّساءُ بالنِّساء، ويَخْرَبُ عُمرانُ الدُّنيا، ويَعْمُرُ خَرابُها، وتَظْهَرُ الْفِتنَةُ، وأكلُ الرِّبا، وتَظْهَرُ المَعازف، والكُبور (٦)، وشُرْب الخَمْرِ، وتكثر الشُّرَط، والغَمَّازُونَ والهمَّازون". ثم قال البَيهَقِيّ: هذا إسناد فيه ضعف، إلّا أن أكثر ألفاظه، قد رُويت بأسانيد أُخَر مُتَفَرِّقَة.

стр. 7879

قلت: قد تقدّم في أولّ هذا الكتاب فصلٌ فيه ما يقع من الشرور في آخر الزمان، وفيه شواهد كثيرة لهذا الحديث. وفي "صحيح البخاريّ" من حديث عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة: أنّ أعرابيًا سألَ رسولَ اللَّه ﷺ فقال: متى الساعة؟ فقال: "إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر الساعة" قال: يا رسول اللَّه، كيف إضَاعتُها؟ فقال: "إذا وُسّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبةُ، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: وأحْسَبه رَفَعه إلى النبيّ ﷺ قال: "بين يَدَي الساعة أيّام الهَرْج، أيام يزولُ فيها العلم، ويَظْهَرُ فيها الجَهْلُ" فقال أبو موسى: الهرج بلسان الحبش القتل (٢). ورَوى الإمام أحمد، عن أبي اليَمانِ، عن شُعَيْب، عن عبد اللَّه بن أبي حُسَيْن، عن شَهْرٍ، عن أبي سعيد: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتّى يَخْرُج الرجل من أهله، فيخبره نعلُه، أو سَوْطه، أو عصاه، بما أحدث أهْلُه بَعْدَه" (٣)، وروى أيضًا عن يزيد بن هارون، عن القاسم بن الفضل الحُدّانِيّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تقومُ الساعةُ حتى يكلِّم السِّباعُ الإنسّ، ويكلم الرَّجُلَ عَذَبةُ سَوْطَه وشِرَاك نَعْلِهِ، ويُخْبِرَه فخذُه بما أحْدَثَ أهْلُه بعدَه" (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفّان، حدثنا حمّاد، هو ابن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، قال: كنا نتحدّثُ: أنه لا تَقومُ الساعةُ حتّى تمطر السماءُ ولا تُنبِتَ الأرض، وحتّى يكُون لِخَمْسِينَ امرأةً القيِّمُ الواحِدُ، وحتى إنّ المرأةَ لتَمُرّ بالبَعلِ فينظرُ إلَيْهَا، فيقول: لَقَدْ كان لِهَذِهِ مَرَّة رجلٌ"، قال أحمد: ذكرَه حمّادٌ مَرّة هكذا، وقد ذكره عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ لا يشكُّ فيه، وقد قال أيضًا: عن أنس عن النبي ﷺ فيما يَحْسبُ. إسنادُه جيّد ولم يُخْرِجُوه من هذا الوجه (٥). وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا هُشَيْم، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قتادة، عن أنس بن مالك يرفع الحديث، قال: "لا تقوم الساعةُ حتى يُرْفَعَ العِلْمُ، ويَظْهَرَ الجَهْلُ، ويَقِل الرِّجالُ، ويَكْثُرَ النِّساء، حتى يَكُونَ قَيمَ خَمْسِينَ امْرَأَةً رَجَلٌ واحد" (٦). تقدّم له شاهد في الصحيح.

стр. 7880

وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمَر، عن الزُّهريّ، أخبرني أنس بن مالك: أنّ رسول اللَّه ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلَّى الظهر، فلمَّا سلّم قام على المِنْبر، فذكر الساعة، وذكر أن بَيْن يَدَيْها أمورًا عِظَامًا. . . وذكر تمام الحديث (١). وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا هاشم، وأبو كامل، قالا: حدّثنَا زُهَيْر، حدّثنا سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يَتَقاربَ الزَّمانُ، فتكونَ السنَةُ كالشهْر، ويكونَ الشهْرُ كالجُمعَةِ، وتكون الجُمُعة كاليوم، ويكونَ اليومُ كالساعة، وتكون الساعة كإحرَاقِ السَّعَفَة". (والسَّعَفَة الخوصة، زعم سهيل). وهذا الإسناد على شَرْط مُسْلِمٍ (٢). وقال أحمد: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه، حدّثنا كامل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لن تذهب الدنيا حتى تَصِير لِلُكَعَ بنِ لُكَع". إسناد جيد قوي (٣). وقال أحمد: حدثنا يونس وسُرَيْجٌ قالا: حدثنا فُلَيْح، عن سعيد بن عبيد بن السَّبَّاق، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قَبْلَ الساعة سِنُون خَدَّاعةٌ، يُكَذَّبُ فيهَا الصَّادقُ، ويُصَدّقُ فِيهَا الكَاذِبُ، ويُخَوَّنُ فيها الأمين، ويُؤْتَمَنُ فيها الخَائن، ويَنْطِقُ فيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قال سُرَيج: "ويُنظَر فيها للرُّويبضة" (٤). وهذا إسناد جيّد، ولم يخرجوه من هذا الوجه (٥). وقال أحمد: حدّثنا هَوْذَةُ، حدَّثنا عَوف، عن شَهْر بن حَوْشَبٍ، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ من أشراط الساعةِ أنْ يُرَى رُعَاةُ الشاء رُؤوُسَ الناس، وأن يُرى الحُفَاةُ العُراةُ الجُوَّعُ يتَبَارَوْنَ في البناء، وأَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، أو رَبَّهَا". وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه من هذا الوجه (٦). وقال أحمد: حدّثنا عمار بن محمد، عن الصَّلت بن قُوَيْد، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقومُ الساعة حتى لا تَنْطَحَ ذَاتُ قَرْنٍ جَمّاءَ" تفرد به أحمد، ولا بأس بإسناده (٧).

стр. 7881

وقال أحمد: حدَّثنا يحيى، عن ابن عَجْلان، قال: سمعت أبي يحدّث، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يُقْبَضَ العِلْمُ، ويَظْهَر الجَهْلُ، ويَكْثُرَ الهَرْجُ" قيل: وما الهَرْجُ؟ قال: "القتل". تفرد به أحمد، وهو على شرط مسلم (١). وقال أحمد: حدثنا عبد الرزّاق، أنا مَعْمَر، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يَكْثُرَ فِيكُمُ المالُ فَيفِيضَ، حتَّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ صدقةَ ماله، ويُقْبَضَ العِلْمُ، ويقترب الزمان، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويَكْثُرَ الهَرْجُ" قالوا: الهرج أيّما هو يا رسول اللَّه؟ قال: "القتل، القتل". وقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعةُ حتى تَقتَتل فِئتَانِ عَظِيمتَان دعواهما واحدة، وتكون بينهم مَقْتَلة عظيمة". وقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يُبعَث دَجَّالُونَ كذَّابُون قَرِيبٌ مِنْ ثَلاثَين كُلُّهم يَزْعُم أنه رسول اللَّه". وقال رسول اللَّه ﷺ : لا تقُوم الساعةُ حتَّى تَطْلُع الشمسُ من مَغْرِبها، فإِذَا طَلَعت ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] " وهذا ثابت في الصحيح (٢). وقال الحافظ أبو بكر البزَّار: حدّثنا أحمد بن محمد، حدّثنا القاسمُ بن الحَكَم، عن سليمان بن داود اليماميّ، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "والذي بَعَثَنِي بالحَق لَا تنْقَضِي هَذِه الدُّنيَا حَتّى يقَعَ بهم الخَسفُ والقَذْفُ والمَسْخِ" قالوا: ومتَى ذَلِكَ يا رسول اللَّه؟ قال: "إذَا رَأَيْتَ النِّساءَ رَكِبْنَ السُّرُوجَ، وكَثُرَتِ القَيْناتُ، وفشَتْ شَهَادَاتُ الزُّور، واستَغْنَى الرِّجَالُ بالرِّجَال، والنِّساءُ بالنِّساءِ" (٣). وروى الطبرانيّ من حديث كثير بنُ مرّة، عن عبد اللَّه بن عمر: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إن مِنْ أشراط الساعة أنْ تَعْزُبَ العُقُولُ (٤) وتَنْقُصَ الأحلامُ" (٥). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا أبو أحمد الزبيريُّ، حدّثنا بَشِيرُ بن سَلْمان، وهو أبو إسماعيل، عن سَيّار أبي الحَكَم، عن طارق بن شَهاب، قال: كُنّا عِنْد عبد اللَّه بن مسعود جُلُوسًا، فجاء رجل،

стр. 7882

فقال: قد أُقيمتِ الصلاة، فقام، وقُمنا معه، فلما دخلنا المسجدَ رأينا النَّاسَ رُكوعًا في مقدَّم المسجد، فكبّر ورَكَع، وركَعْنَا، ثم مَشَيْنَا، وصَنَعْنَا مِثْلَ الَّذي صَنَع، فمرَّ رَجُل يُسْرعُ، فقال: عَلَيْكَ السلامُ يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق اللَّه ورسوله، فلمَّا صَلّينا ورَجعنَا دَخَل إلى أهله وجلَسْنَا، فقال بعضُنا لبَعض: أما سمعتم رَدَّه على الرجل: صَدَق اللَّهُ ورسوله، أو قال: وبلَّغَت رُسُلُه؟ أيُّكمُ يَسْألُه؟ فقال طارق: أنا أسأله، فسأله حين خرج، فذكر عن النبيّ ﷺ : "إنّ بَيْنَ يدي الساعة تَسْلِيمَ الخاصة، وفشُوَّ التّجارة، حتى تُعين المرأة زَوْجَها على التِّجَارَة، وقَطْعَ الأرحام، وشهادَة الزور، وكتمانَ شَهَادة الحق، وظهور القلم". ثم روى أحمد عن عبد الرزاق عن سفيان عن بشير عن سيّار أبي حمزة، قال أحمد: وهذا هو الصواب، وسيّار أبو الحَكَم لم يَرو عن طَارق شيئًا (١). صفة أهل آخر الزَّمان قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا هَمَّام، حدَّثنا قتَادَةُ، عن الحسن، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يأخُدَّ اللَّه شَرِيطته (٢) من أهل الأرض، فيبقى فيها عَجَاجةٌ لا يعرفون معروفًا، ولا يُنكِرون مُنكرًا"، وحدّثناه عفان، حدّثنا هَمَّامٌ، عن قتادَة، عن الحسن، عن عبد اللَّه بن عمرو، ولم يرفعه، وقال: حتَّى يأْخُذَ اللَّه شريطته من الناس (٣). وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفان، حدَّثنا قيس، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبِيدَة السَّلْمَاني، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ من البيَان سِحْرًا، وشِرارُ الناس الذينَ تُدْرِكُهُمُ الساعة وهم أحياء، والذينَ يَتَخِذُون قُبورَهُم مساجدَ". وهذا إسناد صحيح. ولم يخرجوه من هذا الوجه (٤). وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا بَهْز، حدثنا شُعْبَةُ، حدثنا علي بن الأقمر، سمعتُ أبا الأحوص يُحَدّث عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعةُ إلَّا على شِرَار الناس". ورواه مسلم عن زُهَير بن حَرْب، عن عبد الرحمن بن مَهدِيّ، عن شعبة (٥)، عن علي بن الأقمر به (٦).

стр. 7883

وقد تقدّم في الأحاديث السابقة: أنّه يَقِلُّ الرجالُ، وتكْثُرُ النِّساءُ، حَتّى يكونَ لِخَمْسِينَ امرأةً القَيِّمُ الواحدُ، يَلُذْنَ به، وأنّهم يَتسَافَدُونَ في الطُّرقات، كما تتسافد البهائم. وقد أوردناها بأسانيدها، وألفاظها بما أغنى عن إعادتها، وللَّه الحمد. وقال أحمد: حدّثنا عفان، حدّثنا حمّاد، أخبرنا ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تقوم الساعةُ حتى لا يُقال في الأرض: لا إله إلّا اللَّه". ورواه مُسْلم، عن زُهَير بن حَرْب، عن عفّان، به، ولفظه: "لا تقومُ الساعةُ حتى لا يقَال في الأرض: اللَّه، اللَّه" (١). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ على أحد يقولُ: اللَّه، اللَّه" ورواه مسلم عن عَبْدِ بن حُمَيْد، عن عبد الرزاق، به (٢). وقال أحمد: حدثنا ابن أبي عديّ، عن حُمَيْد، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى لا يُقَالَ في الأَرْض: اللَّه، اللَّه" وهذا الإسناد ثلاثي على شرط "الصحيحين"، وإنّما رواه الترمذيّ، عن بُنْدار، عن محمد بن عبد اللَّه ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس مرفوعًا، وقال: حسن، ثم رواه عن محمد بن المُثَنَّى، عن خالد بن الحارث عن حُمَيْد عن أنس موقوفًا، ثم قال: وهذا أصحّ مِنَ الأول (٣). وفي معنى قوله ﷺ : "حتى لا يقال في الأرض: اللَّه، اللَّه" قولان؛ أحدهما: أنّ معناه: أنّ أحدًا لا يُنكرُ مُنكرًا، ولا يَزْجُر أحدٌ أحدًا إذا رآهُ قَدْ تعَاطَى مُنكرًا، وعبر عن ذلك بقوله: "حتى لا يقالَ: اللَّه، اللَّه"، كما تقدّم في حديث عبد اللَّه بن عمرو: "فيبقى فِيهَا عَجَاجَةٌ لا يَعْرفُونَ مَعْرُوفًا، ولا يُنكرُونَ مُنْكرًا (٤) والقول الثاني: حتى لا يُذْكَرَ اللَّه في الأرض، ولا يُعْرَفَ اسمه فيها، وذلك عند فساد الزمان، ودَمَار نوع الإنسان، وكثرة الكفْر والفسوق والعِصْيان، يتواكلون الخير بينهم، حتى لا يقول أحد لأحد: اتق اللَّه، خف اللَّه، وهذا كما في الحديث الآخر: "لا تَقُومُ السَّاعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلّا اللَّه"، وكما تقدم في الحديث الآخر أنّ الشَّيخَ الكَبِيرَ والعجوز الكبيرة يَقُولان: أَدَركْنا الناس وَهُمْ يقولون: لَا إله إلّا اللَّه (٥) ثم يَتفَاقمُ الأمْرُ وَيتزَايَدُ الحالُ، حتى يُتْرَكَ ذِكْرُ اللَّه جُملةً

стр. 7884

في الأرض، ويُنْسَى بالكُلِّية، فلا يُعْرَفُ فيها، وأولئك هم ضرارُ الناس، وعَليْهِم تَقُومُ الساعة، كما تقدم في الحديث: "وَلا تَقومُ السَّاعَةُ إلَّا على شِرار النَّاس" (١) وفي لفظ: "شِرارُ الناس: الذين تُدْرِكُهُمُ الساعةُ وهم أحياءٌ" (٢). وفي حديث عبد العزيز بن صُهَيْب، عن أنس، عن النبيّ ﷺ : "لا يَزدَادُ الناسُ إلَّا شُحًّا ولا يزداد الزَّمانُ إلَّا شِدَّةً، ولا تقومُ السَّاعةُ إلَّا على شِرَار الناس" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: دخلَ عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ وهو يقول: "يا عائشة، قَوْمُكِ أَسْرَعُ أُمتي لَحَاقًا بي"، قالت: فَلما جلَس قلت: يا رسول اللَّه، جَعَلني اللَّه فِدَاكَ، لَقَدْ دخلتَ وأنتَ تقول كلامًا أذعرني، قال: "وما هو؟ " قالت: تزِعم أنَّ قومي أسرع أمَّتِكَ بِكَ لَحَاقًا، قال: "نعم" قالت: وعمَّ ذاك؟ قال: "تَسْتحلُّهم المنايا، فَتْنفِس (٤) عَلَيْهم أُمَّتُهُم" قالت: فقلت: وكيف الناس بعد ذلك؟ قال: "دَبًى، يأكلُ شِدَادُه ضِعَافَه، حتى تَقُوم عليهم الساعة"، والدَّبى: الجنادب التي لم تَنْبُتْ أَجْنحَتُها. تفرد به أحمد (٥). وقال أحمد: حدَّثنا علي بن ثابت، حدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن علباء السُّلَمِيِّ، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقومُ الساعةُ إلّا على حُثَالَةٍ مِن النَّاسِ". تفرّد به، وقد رواه أبو خَيْثمة، عن عليّ بن ثابت به (٦). ولأبي نُعَيْم من طريقه، بإسناده: "لا تقومُ الساعةُ حتى يَمْلِك رَجُلٌ مِنَ المَوالي يُقالُ لَهُ: جَهْجَاهُ" (٧).

стр. 7885

ذكر طرق الحديث الذي روى عن رسول اللَّه ﷺ كلَّ طرفة عين، أنه قال ﷺ : "بُعِثْتُ أنَا والساعةَ كهَاتيْنِ" رواية أنسِ بنِ مالك، ﵁ قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعيّ، حدثنا إسماعيل بن عُبَيْد اللَّه، يعني ابن أبي المهاجر الدمشقي، قال: قدم أنس بن مالك ﵁ على الوليد بن عبد الملك، فسأله: ماذا سَمِعْتَ من رسول اللَّه ﷺ يَذْكُر به الساعة؟ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أنْتُمْ والساعةُ كَتَيْنِ" (١)، تفرد به أحمد من هذا الوجه (٢). طريق أخرى عنه قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا شُعْبَةُ، عن أبي التّيّاح، وقتَادَةَ، وحَمْزةَ، وهو ابن عمرو الضَّبيُّ: أنّهم سَمعُوا أنس بنَ مالكِ يقول عن النبي ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والساعة هكذا" وأشارَ بالسبابةِ والوُسْطَى، وكان قتادة يقول: كفَضْلِ إِحداهما على الأخرى. وأخرجه مسلم من حديث شُعْبَةَ عن حمزة الضبيّ هذا، وأبي التياح، كلاهما عن أنس، به (٣). طريق أخرى عنه قال الإمامُ أحمد: حدّثنا يَزيدُ، حدّثنا شُعْبةُ، عن قتادةَ، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ قال: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، وأشار بالسبّابة والوسْطَى. وأخرجه البخاريّ، ومُسلم، والترمذيّ من حديث شُعْبة به، وفي رواية لمسلم عن شُعْبَة، عن قتادة، وأبي التيّاح، كلاهمَا عن أنس به، وقال الترمذيّ: حسن صحيح (٤). طريق أخرى عنه روَى الإمامُ أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن زياد بن أبي زياد المدني، عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "بُعثتُ

стр. 7886

وَالساعة كهَاتين" ومدَّ إصبَعَيه السبّابة والوُسْطَى. تفرّد به أحمد، وإسناده لا بأس به (١). طريق أخرى عنه قال مسلم في "صحيحه": حدَّثنا أبو غَسّانَ، مالك بن عبد الواحد، حدّثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ، عن أبيه، عن مَعْبد بن هِلَال العَنَزِيّ، عن أنس بن مالك أنّ رَسولَ اللَّه ﷺ قال: "بُعثتُ أنا والساعة كهَاتينِ". تفرد به مُسلم (٢). طريق أخرى عنه قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبةُ، عن أبي التياح، سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهَاتينِ، وبَسطَ إصْبَعَيْهِ السبّابةَ والوُسطَى. وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث شُعْبَةَ، عن أبي التياح يَزيدَ بن حُميد -وزاد مسلم: وحمزةَ الضبي- عن أنسٍ، به (٣). رواية جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال الإمام أحمد: حدثنا مُصْعَب بن سَلَّام، حدَّثنا جعفر، هو ابن محمد بن علي بن الحُسَيْن، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: خَطَبنا رسولُ اللَّه ﷺ ، فَحمِدَ اللَّه وَأثْنَى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بَعْدُ، فإنّ أصْدَق الحَدِيث كتابُ اللَّه، وإنّ أَفْضَل الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدثَاتُها، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ" ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتهُ وَتَحْمَرُّ وَجْنَتاهُ، وَيَشْتَدُّ غَضَبُه إذَا ذَكَرَ الساعةَ كأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، ثم يقول: "أتَتْكُم الساعةُ، بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة هكَذَا" وأشار بأصْبَعَيْهِ السَّبَابةِ وَالوُسْطَى، "صَبَّحَتْكُمُ السَّاعَةُ ومسَّتْكم، من ترك مالًا فَلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَركَ دَينًا أو ضَياعًا فإليَّ، وعليّ" وَالضَّيَاعُ: وَلَدُه المسَاكِينُ. وقد رواه مُسلم، والنَّسائيّ، وابن ماجه، من طرق، عن جعفر بن محمد، به، وعند مسلم قال: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهَاتين" (٤). رواية سهل بن سعد، ﵁ قال مسلم: حدّثنا سعيد بن منصور، قال: وحدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيد، واللفظ له، حدَّثنا يعقوب،

стр. 7887

هو ابن عبد الرحمن، عن أبي حازم: أنّه سَمعَ سَهْلًا يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يُشِيرُ بإصْبَعهِ التي تَلِي الإبْهامَ، والوُسْطَى، وهو يقول: "بُعِثْتُ أنا والساعة هكذا". تفرّد به مسلم (١). رواية أبي هريرة ﵁ قال الحافظ أبو يَعْلَى الموصلي: حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حَصِينٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهَاتَيْنِ" وضَمَّ إِصْبَعَيْه. وقد رواه البخاري، عن يحيى بن يوسف، عن أبي بكر بن عَيّاش، عن أبي حَصِين، عُثْمانَ بن عَاصِم، عن أبي صالح، ذَكْوَان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "بُعِثْتُ أنا والساعة كَهَاتَيْن". ثم قال البخاري: وتابعه إسرائيل. ورواه ابن ماجه، عن هَنّاد بن السَّرِيِّ، وأبي هشام الرفاعي، عن أبي بكر بن عَيّاش به، وقال: وجمع بين إصبعيه (٢). [رواية أبي جبيرة بن الضحاك] وقال أبو بكر بن أبي الدُّنْيَا: حَدثنا أبو مسلم، عبد الرحمن بن يونس، حدثنا سُفْيانُ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْس بن أبي حازم، عن أبي جَبِيرةَ بن الضّحّاك، ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بُعِثْتُ في نسمِ الساعة" يقول: حين بَدَتْ في أوّل وَقْتِها. وهذا إسنادٌ جَيّد، وليس هو في شيء من الكتُب، ولا رواه أحمد بن حَنْبَل (٣) وإنّما رَوى لأبي جَبِيرةَ حَديثًا آخر في النهي عن التَّنابُز بالألقاب (٤). حديث في تقريب يوم القيامة بالنسبة إلى ما سلف من الأزمنة قال الإمامُ أحمد: حدّثنا أبو اليَمانِ، حدّثنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهريّ، أخبرني سالم بن عبد اللَّه، أنّ عبد اللَّه بن عَمُرَ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ وهو قائم على المِنبَر، يقول: "إنما بقاؤكم فيما سَلَفَ قَبْلَكُمْ من الأُمم، كما بَيْنَ صلَاةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُعطيَ أَهْلُ التَّورَاةِ التَّورَاةَ فعملوا بها، حتَّى إذا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثم أُعْطِي أَهْلُ الإِنْجِيل الإِنْجِيلَ فعَمِلُوا به حَتَّى صَلاةِ العَصْرِ [ثم عجزوا]، فأُعْطُوا قِيراطًا قِيرَاطًا، ثُمّ أُعْطِيتُم القرْآنَ فعَمِلتُمْ بِه حَتَّى غَرَبَت الشَّمْسُ

стр. 7888

فأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْن قِيرَاطَيْن، فقال أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيل: رَبّنا، هَؤُلَاءِ أَقَلُّ عَمَلًا، وأَكْثَرُ أَجْرًا؟ فقال: هَلْ ظَلَمْتكُمْ مِنْ أجْرِكُمْ مِنْ شَيْء؟ قالوا: لا، فقال: فذاك فضلي أوتِيه مَنْ أَشاءُ". وهكذا رواه البخاريّ عن أبي اليمانِ (١). وللبخاريّ من حديث سُفْيانَ الثوريّ، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّما أَجَلُكُمْ في أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، كمَا بَيْن صَلَاةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشّمْسِ، ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنّصَارَى. . . " فذكر الحديث بتمامه، وطولِه (٢). طريق أخرى عن ابن عمر ﵄ قال الإمامُ أحمد: حدَّثنا الْفَضلُ بنُ دُكَيْنٍ، حدَّثنا شَرِيكٌ، سمعتُ سلَمَةَ بنَ كُهَيلٍ، يُحَدّث عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: كُنَّا جُلُوسًا عند النبيِّ ﷺ ، والشمسُ على قُعَيْقِعانَ (٣)، بعدَ العَصْرِ، فقال: "ما أعمارُكُمْ في أعْمارِ مَنْ مَضَى إلّا كمَا بَقِيَ مِنَ النَّهارِ، فيما مَضَى مِنْهُ". تفرّد به أحمد. وهذا إسناد حسن، لا بأس به (٤). طريق أخرى عنه قال أحمد: حدَّثنا إسماعيل بن عمر، حدّثني كَثِير بن زيد، عن المطلب بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر: أنّه كان واقفًا بعَرَفاتٍ، فنظر إلى الشمس، حين تدنَّت مثلَ التُّرْس للغُروب، فَبَكَى، واشتدّ بكاؤه، فقال له رجل عنده: يا أبا عبد الرحمن، قد وقفتَ معي مرارًا فلم تصنع هذا؟! فقال: ذَكَرْتُ رسول اللَّه ﷺ ، وهو واقف بمكاني هذا، فقال: "أَيُّها الناس إنّه لم يَبْقَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فِيمَا مَضَى مِنْهَا إلّا كمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا، فيما مضى منه". تفرّد به أحمدٌ (٥). طريق أخرى عنه قال الإمامُ أحمد: حَدّثنا يُونُس، حدثنا حماد، يعني ابن زَيْد (٦)، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألَا إنّ مَثل آجالكم في آجال الأُممِ قَبْلَكُمْ، كما بَيْنَ صلاة

стр. 7889

العصر إلى مُغَيرِبان (١) الشَّمْس". ورواه البخاريّ عن سُلَيمانَ بن حَرْب عن حمّاد بن زَيْد، به، نحوَه، بأبْسَط مِنْهُ (٢). وروى الحافظ أبو القاسم الطَّبرَانيُّ، من حديث عَطِيّة العَوْفِيّ، ووَهْب بن كيسان، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ بنحو ذلك (٣). وهذا كلُّه يَدُلّ على أنّ ما بقي من الدنيا بالنِّسْبةِ إلى ما مَضَى منها شيءٌ يَسِيرٌ، لكن لا يَعْلَمُ مِقْدَارَ ما مَضَى منها إلّا اللَّهُ تعالى، ولا ما بقي إلا اللَّه تعالى، ولكن لها أشراط إذا وُجدت كانت قريبة واللَّه أعلم، ولَمْ يَجِئ في حديث تَحْدِيدٌ يَصِحّ سَنَدُه عن المعصوم، حتى يُصَارَ إليه، ويُعْلَمَ نِسْبَةُ ما بَقِي بالنِّسْبة إليه، ولكنَّه قلِيلٌ جِدًا بالنِّسْبةِ إلى الماضي، وتعيينُ وقت الساعة، لم يأت به حديث صَحِيح، بل الآياتُ والأحاديثُ دالَّةٌ على أن عِلْمَ ذَلِك ممّا استأثَر اللَّهُ تعالى به، دون خَلْقه، كما سيأتي تقريرُه في أول الجزء الآتي بعد هذا، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة وعليه التكْلانُ. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حَنْبَل، ﵀ في "مُسْنَدِه" قائلًا: حدثنا أبو اليمان، أنبأَنا شُعَيبٌ، عن الزُّهريّ، حدّثني سالم بن عبد اللَّه، وأبو بكر بن أبي حَثْمة (٤) أن عبد اللَّه بن عمر قال: صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة العِشَاءِ في آخرِ حَياتِه، فلَمّا سلم قام، فقال: "أَرَأَيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِه؟ فإنّ على رأسِ مئةِ سنةٍ منها لا يبقَى مِمَّنْ هو اليومَ على ظَهْرِ الأرض أَحَدٌ" قال عبد اللَّه: فَوَهَلَ (٥) الناسُ في مَقَالةِ رسول اللَّه ﷺ تِلْك، إلى ما يُحَدِّثُون مِنْ هَذِه الأحاديث، عن مئةِ سَنَةٍ. وَإِنّما قال النبيُّ ﷺ : "لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَومَ على ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ" يريد بذلك أنّه يَنْخَرِمُ ذَلِكَ القرْنُ. وهكذا رواه البخاريّ عن أبي اليمَانِ بسنده ولفظه سواء. ورواه مسلم عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان الحَكَم بن نَافعٍ عن شُعَيْبٍ، به (٦). فقد فسّر الصحابيُّ المرادَ من هذا الحديث بما فهِمَهُ، وهو أولى بالفَهْم من كُلِّ أحَدٍ، مِنْ أنّه يُريدُ ﵊ بذلك أنْ يَنْخَرِم قَرْنُه ذَلِكَ، فلا يَبْقَى أحد مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ على وَجْهِ الأرض مِنْ أهْلِ ذلك الزَّمانِ من حين قال هذه المقالة إلى مِئَةِ سَنةٍ. وقد اختلف العلماءُ، هل ذلك خاصٌّ بذلك القرن، أو عامّ في كلّ قَرْنٍ أنه لا يبقى أحَدٌ أكْثَرَ مِنْ مئةِ سَنَةٍ؟ على قولين، والتخصيص بذلك القرن المُعَيّن الأوّلِ أوْلَى، فإنّه قد

стр. 7890

شُوهِدَ أن بعضَ الناس قد جاوز مئةَ سَنَةٍ، وذلك طائفة كثيرة من الناس، كما قد ذكرنا هذا في كتابنا هذا في وفيات الأعيان، فاللَّه أعلم. ولهذا الحديث طرق أخرى عن النبي ﷺ . رواية جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال أحمد: حدثنا أبو النّضْر، حدثنا المباركُ، حدّثنا الحَسَن، عن جابر بن عبد اللَّه: أنّ رسول اللَّه ﷺ سُئِل عن الساعة قَبْلَ أن يَمُوتَ بشَهْرٍ، فقال: "تَسْأَلُوني عن الساعة، وإنّما عِلْمُها عند اللَّه، فوالّذِي نَفْسِي بِيَدِه، ما أعْلَمُ اليومَ نَفْسًا يَأتِي عَلَيْها مئَةُ سَنَةٍ". تفرّد به أحمدُ، وهو إسناد جيّد حسن، رجالُه ثقات، أبو النّضْر هاشمُ بن القاسم، من رجال "الصحيحين"، ومبارَكُ بن فَضَالَةَ، حديثُه عند أهل السُّنَن، والحسنُ بن أبي الحَسن البَصْرِيّ من الأئمّة الثِّقَاتِ الكِبارِ، وروايتُه مُخَرَّجَةٌ في الصِّحاح كُلِّها، وَغيرِها (١). طريق أخرى عن جابر ﵁ قال الإمامُ أحمد: حدّثنا حَجّاج، قال ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبَيْر: أنّه سمع جابرَ بن عبد اللَّه يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بشَهْرٍ: "تَسْألُونِي عَنِ السَّاعةِ وإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وأُقْسِمُ باللَّهِ ما على الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم يأتي عليها مئةُ سنةٍ". وكذا رواه مسلم، عن هارون بن عبد اللَّه، وحجّاج بن الشاعر، عن حَجّاج بن محمد الأعور، وعن محمد بن حاتم، عن محمد بن بكر، كلاهما عن ابن جُرَيْج، به (٢). وقال مسلم في "الصحيح": باب تقريب قيام الساعةِ. حدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ وأبو كُرَيب، قالا: حَدّثنا أبو أسامَةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان الأعرابُ إذَا قَدِمُوا على رسول اللَّه ﷺ سألوه عن الساعة، فنَظر إلى أحْدَث إنسانٍ مِنْهُم، فقال: "إنْ يعشْ هذا لم يُدْرِكْه الهَرَمُ، قامت عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ". تفرّد به الإمام مُسلم ﵀ (٣). ثم قال مسلم: حدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، حدّثنا يونس بن محمد، عن حمّادِ بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس: أنّ رَجُلًا سأل رَسُولَ اللَّه ﷺ : متى تقومُ الساعة؟ وعنده غُلَامٌ من الأنصار، يقال له: محمد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إِنْ يَعِشْ هذا الغلامُ، فعسى أَلّا يُدْرِكَهُ الهَرَمُ حتّى تَقُومَ الساعة". تفرّد به مسلم من هذا الوجه.

стр. 7891

ثم قال مسلم: وحدّثني حَجّاجُ بنُ الشاعر، حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب، حدثنا حمّادٌ، يعني ابنَ زَيْدٍ، حدثنا مَعْبَدُ بنُ هِلَالٍ العنَزِي، عن أنس بن مالك: أنّ رَجُلًا سأل النبيِّ ﷺ ، قال: متَى تقُومُ الساعة؟ قال: فسكت النبيُّ ﷺ هُنَيهَةً، ثمّ نظرَ إلى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أزْدِ شَنُوءَةَ، فقال: "إنْ عُمِّرَ هذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ" قال أنس: ذاك الغُلَامُ من أتْرابِي يومئذ. تفرّد به مسلم أيضًا، من هذا الوجه. ثم قال مسلم: حدّثنا هارونُ بنُ عبد اللَّه، حدثنا عَفانُ بنُ مُسْلم، حدّثنا هَمَّامٌ، حدَّثنا قَتَادَةُ، عن أنس قال: مَرَّ غُلامٌ لِلمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَكَان مِنْ أَقْراني، فقالَ رَسولُ اللَّه ﷺ : "إِنْ يُؤَخَّرْ هذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الهَرَمُ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". ورواه البخاري، عن عمرو بن عاصم، عن هَمَّام، به (١). وهذه الرواياتُ تدلّ على تَعْدادِ هذا السؤال، وهذا الجواب، وليس المراد بذلك تحديدَ وَقْتِ الساعة العُظْمَى إلى وَقْتِ هَرَمِ هذا الغلام المُشارِ إلَيه، وإنّما المراد سَاعَتَهُمْ، وهو انْقِراضُ قَرْنِهِمْ، وَعصْرِهِم، وأن قُصَارَاهُ تتَناهَى في مُدَّةِ عُمُرِ دَّلك الغُلام، كما تقدّم في الحديث: "تَسْألونِي عَنِ السَّاعَةِ وإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وأُقْسِمُ باللَّهِ مَا على الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ يَأتِي عَلَيْها مِئَةُ سنةٍ" وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوايةُ عَائِشةَ ﵂: قَامَتْ عَلَيْكُمْ ساعتكم؟ وذلك أنَّهُ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ في حُكْمِ القيَامَةِ، فإنَّ عَالَم البَرْزَخِ قَرِيبٌ مِنْ عَالَمِ يَومِ القِيَامةِ، وفيه شَبَهٌ مِنَ الدُّنيَا أيضًا، ولكنْ هُوَ أشْبَهُ بِالآخِرة، ثُمَّ إذا تَنَاهَتِ المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ لِلدُّنْيَا، أَمَر اللَّهُ بِقِيام السَّاعَةِ، فَجُمِعَ الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ لِميقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، كما سيأتي بيانُ ذلك من الكتاب والسنَّة، واللَّه سبحانه المستعان (٢). ذِكر دُنوِّ الساعة واقترابها وأَنها آتيةٌ لا ريب فيها، وأنها لَا تأْتي إلّا بَغْتَةً، ولا يعْلَم وقتَها على التعيين إلّا اللَّهُ تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. وقال تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب]. وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج]. وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ

стр. 7892

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس]. وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه]. وقال تعالى ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان]. ولهذا لمّا سَأَلَ جبريلُ ﵇ رسولَ اللَّه ﷺ عن الساعة، قال له: "مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلمَ مِنَ السَّائِل" -يعني قد استوى فيها عِلْمُ كُلّ مسؤولٍ وسائل بطريق الأولى والأَحْرَى، لأنّه إنْ كانَت الأَلف واللَّامُ في المَسْؤول والسائل للعَهْدِ عائدة عليه وعلى جبريل، فكل أحدٍ ممّن سواهُما لا يَعْلَمُ ذَلِكَ بطريق الأَوْلَى والأَحْرَى، وإنْ كانت للجِنْسِ عَضتْ بطريق اللفظِ واللَّهُ أعلم-. ثم ذكر النبيُّ ﷺ شيئًا مِنْ أشراط الساعة، ثم قال: "في خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُن إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . .﴾ الآية [لقمان: ٣٤] (١)، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ [سبأ]. وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن]. فهذه ثلاثُ آياتٍ، أمر اللَّهُ سبحانه رسولَه أن يُقْسِمَ به فيهن على إتيان المَعَادِ، وإعادة الخلق،

стр. 7893

وجمعهم ليوم لا ريب فيه، ولا رابع لهن مِثْلُهنَّ، ولكن في مَعناهُنّ كثير، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل]. وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر]. وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ إلى آخر السورة [النازعات: ٢٧ - ٤٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧). . .﴾ إلى آخر السورة [يس: ٧٧ - ٨٣]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ [المؤمنون]. فيَسْتَدِلّ تعالى بإحياء الأرض الميتة على إحياء الأجساد بعد موتها وفنائها، وتمزّقها، وصيروتها

стр. 7894

تُرابًا وعظامًا، ورُفاتًا، وكذلك يَسْتَدِل بِبَدْأَة الخلق على إعادة النشأة الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [العنكبوت]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾ [الزخرف]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر] فاطر، وفي الأعراف: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف]. وكذلك سورة ﴿ق﴾ من أولها إلى آخرها، فيها ذِكر بعث ونشور، وكذلك سورة الواقعة، والقرآن كُلُّه طافح بهذا، ولا تبديل لكلمات اللَّه. وقال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾ [الإنسان] وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ [المعارج]. وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات]. وسورة الصافات فيها آيات كثيرة تدل على المعاد، وكذلك سورة الكهف وغيرها. وقد ذكر اللَّه سبحانه إحياء الموتى وأنه أحيا قومًا بعد موتهم في هذه الحياة الدنيا في سورة البقرة في خمسة مواضع منها: في قضة بني إسرائيل، حين قَتل بعضُهم بعضًا لمّا عبدُوا العجل، في أول السورة فقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة] وفي قصة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة] البقرة، فإنه أحيا ذلك الميت لما ضربوه ببعضها، وفي قصة: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وفي قصة الذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ ثم أحيا حماره، والقصة معروفة ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة] والخامسة قصة إبراهيم ﵇ والطير ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة]. وذكر تعالى قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم في نومهم ثلاثمئة سنة شمسية، وهي ثلاثمئة وتسعُ سنين قمرية، وقال فيها: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١].

стр. 7895

فجعل سبحانه ذلك دلالة على إحياء الموتى، وإتيان الساعة لا ريب فيها، واللَّه سبحانه أعلم. ذِكر زوال الدنيا وإقبال الآخرة أوّل شيء يطرق أهلَ الدنيا بعد وقوع أشراط الساعة نَفْخَةُ الفَزَع، وذلك أن اللَّهَ يأمر إسرافيلَ فينفُخ في الصور نفخةَ الفَزع، فُيطَوّلها، فلا يبقى أحد من أهل الأرض ولا السماوات إلَّا فزع، إلّا مَنْ شاء اللَّه، ولا يَسمعُها أحدٌ من أهل الأرض إلّا أصْغَى لِيتًا ورَفَع لِيتًا، أي رفع صَفْحَةَ عُنقِه، وأمالَ الأخرى، يستمع هذا الأمر العظيم الذي قد قال الناس، وأزعجهم عما كانوا فيه من أمرِ الدنيا، وشغلِهم بها، ووقوع هذا الأمر العظيم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يفعلون (١) (٨٨)﴾ [النمل]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر]. وقال تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ [الأنعام]. ثم بعد ذلك بمدَّة يأمرُ اللَّه تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق، فيَصْعَقُ مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض، إلَّا مَنْ شاء اللَّه، ثم يأْمرُهُ فيَنْفخ فيه أخرى فيقومُ الناسُ لربّ العالمين. كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ [الزمر]. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ [يس: ٤٨ - ٦٧]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة].

стр. 7896

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ الآية [النبأ: ١٨]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه: ١٠٢] الآيات. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيلُ، حدثنا سُلَيمان التيمي عن أسْلم العِجْليّ، عن بِشر بن شَغَاف، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال أعرابى: يا رسول اللَّه، ما الصُّور؟ قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه". ثمّ رواه عن يَحْيى بن سَعِيد القَطَّان، عن سُلَيْمانَ بن طَرْخَانَ التَّيميّ، به، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنَّسائيّ، من طُرق، عن سُلَيْمانَ التيمي، عن أَسْلمَ العِجلي به، وقال الترمذيّ: حسن، ولا نعرفه إلّا من حديث أسَلم العجلي (١) (٢). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا أَسْبَاط، حدثنا مُطَرِّف، عن عَطِيَّة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كَيْفَ أنعم وَصَاحِبُ القَرْد قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ، وحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيْنفُخُ؟! " فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، كيف نَقُول؟ قال: "قُولُوا: حَسْبُنا اللَّه ونِعْمَ الوكيلُ، على اللَّه تَوكلْنَا". انفرد به أحمد، وقد رواه أبو كُدَيْنَةَ، يحيى بن المُهَلَّب، عن مُطَرِّف به (٣). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا سُفْيانُ، عن مُطرِّف، عن عَطِية، عن أبي سَعيد، عن النبيّ ﷺ ، قال: "كيف أَنْعَمُ وقد التقم صاحبُ القَرْنِ القَرْنَ، وحنى جَبْهَتَه، وأصْغَى سَمْعَهُ ينظر متى يؤمر؟! " قال المسلمون: يا رسول اللَّه، فما نقول؟ قال: "قولُوا: حَسْبُنا اللَّه ونعْمَ الوكيلُ، على اللَّه تَوَكَّلنا". وأخرجه الترمذيّ، عن ابن أبي عمر، عن سُفْيان بن عُيَيْنَةَ، وقال: حسن، ثم رواه من حديث خالد بن طَهْمَانَ، عن عَطِيّة، عن أبي سعيد به، وحَسَّنه أيضًا. وقال شيخنا أبو الحجاج المِزِّيّ في "الأطراف": ورواه إسماعيل بن إبراهيم أبو يَحْيَى التيمي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. هكذا قال ﵀، وكذا رواه أبو بكر بن أبي الدُّنيا، في كتاب "الأهوال"، فقال: حدثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبَةَ، حدَّثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنعم وصاحِبُ الصُّورِ قد الْتَقَم الصُّورَ، وحَنَى جَبْهَتَهُ ينتظر مَتَى يؤْمر أنْ يَنْفُخَ فينفخ؟! " قلنا:

стр. 7897

يا رسول اللَّه، ما نقول؟ قال: "قولوا: حَسْبُنا اللَّه، ونِعْمَ الوَكِيلُ" (١). وقد قال أبو يَعْلَى الموْصِليّ في مُسْندِ أبي هريرة -أبو صالح عن أبي هريرة-: حدثنا أبو طالب، عبد الجبار بن عاصم (٢)، حدّثني موسى بن أعْينَ الحرّانيّ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وعن عمران عن عَطِية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنعم، أو كيف أنْتُمْ، (شَكّ أبو طالب)، وصاحبُ الصُّورِ قَد الْتَقَم القَرْنَ بفيه وأصْغَى سَمْعَهُ، وَحَنَى جبينه ينتظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَينفخُ؟! " قالوا: يا رسول اللَّه، كيف نقول؟ قال:! قولوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، على اللَّهِ تَوكلنا". وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن سعد الطائي، عن عَطِيّة العَوْفيّ، عن أبي سَعِيد الخُدْرِيّ، قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ صاحبَ الصُّور، فقال: "عَنْ يَمِينه جِبريل، وعن يساره مِيكَائيلُ، ﵈" (٣). وقال ابنُ ماجه: حَدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، حدّثنا عَبّاد بن العوّام، عن حجَّاج، عن عَطِية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه: "إنّ صاحِبَي الصُّورِ بأيْدِيهِمَا" -أَوْ "في أيْدِيهِما- قَرْنَانِ، يُلَاحِظان النَّظَر: مَتَى يُؤْمرانِ" (٤). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا يحيى بنُ سعيد، عن التيميّ، عن أسلم عن أبي مُرَيَّة (٥) عن النبي ﷺ أو عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيِّ ﷺ قال: "النّفاخان في السماء الثانية، رأْسُ أحدهما بالمَشْرِق ورِجْلَاهُ بالمَغْرب" -أو قال: "رأسُ أحدهما بالمغرب، ورجلاه بالمشرق- ينْتَظران مَتَى يُؤْمران يَنْفُخَانِ في الصُّورِ فَيْنفخان". تفرّد به أحمد، وأبو مُرَيَّةَ هذا اسمه عبدُ اللَّه بن عمرو العِجْلِيّ، وليس بالمشهور (٦) ولعل هذين الملَكين، أحدهما إسرافيل وهو الذي ينفخ في الصُّور كما سيأتي بيانه في حديث الصُّور بطوله، والآخر هو الذي يَنْقُرُ فِي النَّاقُورِ، وقد يكونُ الصُّور والنّاقُور اسم جِنْسٍ يَعُمُّ أفرادًا كثيرةً، أو الألف واللام فيهما للعَهْد، ويكون لكلِّ واحدٍ منهما أَتْباعٌ يفعلون كفِعْلِه، واللَّه أعلم بالصواب.

стр. 7898

وقال ابن أبي الدُّنيا: أخبرنا عُبَيدُ اللَّه بنُ جرير، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصم (١) عن يزيد بن الأصَمّ، قال: قال ابنُ عبّاس: إن صاحِبَ الصورِ لَمْ يَطْرِفْ مُنْذُ وُكِّل به، كَأنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيّانِ يَنْظُر تُجَاهَ العَرْشِ مَخَافة أَنْ يُؤْمَر أَنْ يَنْفُخَ فيه، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدّ إلَيْه طَرْفُه (٢). وحَدّثنا أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن عمر مُشْكُدانه (٣) حدثنا مروانُ بنُ معاوية، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصَمّ، عن يَزِيدَ بن الأصَمّ، عن أبي هريرة، قال: رسول اللَّه ﷺ : "ما أطْرَفَ صاحبُ الصُّورِ مْنذُ وُكِّل به، مُسْتَعِدٌّ يَنْظُرُ نَحْوَ العَرْشِ مَخَافة أنْ يُؤْمَرَ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْه طَرْفُه، كان عَيْنيه كَوكَبانِ دُرِّيَّانِ" (٤). حديث الصور بطوله قال الحافظ أبو يَعْلَى المَوْصِليّ في "مُسْندِه": حدّثنا عمرو [بن] الضحَّاك بن مَخْلَد، حدّثنا أبو عاصم الضحّاك بن مَخْلد، حدَّثنا أبو رافع، إسماعيلُ بن رافع، عن محمد بن [يزيد بن أبي] زياد، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال: حدّثنا رسولُ اللَّه ﷺ وهو في طائفةٍ من أصحابه، قال: "إن اللَّهَ تَعالَى لَمّا فَرغَ مِنْ خَلْق السَّماواتِ وَالأَرض خَلقَ الصُّورَ، فأعطاهُ إسْرَافيل، فَهُو واضِعُه على فيه شَاخصًا إلى العَرْشِ بِبَصرِه، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فينفخ"، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، ما الصُّور؟ قال: "قَرْنٌ"، قلت: كيفَ هُوَ؟ قال: "عَظِيمٌ"، قال: "والذي بعثني بالحقّ، إنَّ عِظَم دَائرَةٍ فيه كعَرْض السَّماواتِ والأَرضِ، يُنْفَخُ فيه ثَلَاثُ نَفَخَاتٍ، الأولى نَفْخَةُ الفَزَع، والثَّانيَةُ نَفْخَةُ الصّعْقٍ، والثالثةُ نَفْخَةُ القِيامِ لربّ العالمين، يأمرُ اللَّهُ إسرافيلَ بالنّفْخة الأولى، فيقول: انفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعَ، فينفُخُ نَفْخَةَ الفَزَع، فَيفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ والأَرضِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ويأمره تعالى، فَيمُدُّها ويُطيلها، ولا يَفْتُرُ، وهِيَ التي يقول اللَّهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ [ص]، فتَسِيرُ الجبالُ سَيْر السَّحَاب، فتكونُ سَرَابًا، وَترتَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رَجًّا، فتكونُ كالسَّفَينِةِ المُوبَقَةِ (٥) في البَحْر، تضرِبُها الأمواجُ تُكْفَأُ بأهلِها، كالقِنْديل المُعَلَّق بالعَرْش تُرجِّحُه الأَرواحُ، ألَا وهو الذي

стр. 7899

يقول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ [النازعات]. فَتَمِيدُ بالناس على وجهها، وَتَذْهَلُ المَراضِعُ، وَتضَعُ الحَوامِلُ، وَيَشِيبُ الوِلْدَانُ، وتَطيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبةً مِنَ الفَزَع، حتّى تَأْتِيَ الأَقْطَارَ، فَتلقَاهَا الملائكة تَضْرِبُ وُجوهَهَا، فتَرْجِعُ، ثم توَلُّونَ مُدبِرِينَ: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصمٍ، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر] فبينما هم على ذلك، إذ تصدّعت الأرضُ تَصَدُّعَيْنِ من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرأَوْا أمرًا عَظِيمًا لم يَروا مِثْلَهُ، وأَخَذهمْ لِذَلِك من الكَرْبِ والهَوْلِ ما اللَّهُ بِه عَلِيمٌ، ثم تُطْوَى السَّماءُ، فإذا هِيَ كالمُهْلِ، ثم انْشَفتِ السَّماءُ فانْتَثَرتْ نُجُومُها، وخَسَفَتْ شَمْسُها، وقَمرُهَا. قال رسول اللَّه ﷺ : "الأمواتُ لا يَعْلَمونَ بشَيْءٍ مِنْ ذلك" قال أبو هريرة: يا رسول اللَّه، مَنِ استَثْنى اللَّهُ حِينَ يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قال: "أولئِكَ الشُّهَداءُ، إنّما يَصِلُ الفَزَع إلى الأحياء وهم أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهم يُرْزَقُونَ، فوقاهُمُ اللَّهُ فَزَع ذلك اليومِ، وأمنهم منه، وهو عذاب اللَّه يَبْعثُه على شِرار خَلْقه، وهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢]. فيمكثون في ذلك العذاب ما شاء اللَّه سبحانه، إلا أنه يطولُ، ثم يأمر اللَّه إسرافيلَ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فيَصعق أهل السماوات، والأرض، إلا مَنْ شاء اللَّه، فإذا هم خَمَدُوا، جاء ملكُ الموت إلى الجبّار تعالى، فيقول: يا رَبِّ، مات أهلُ السماوات، والأرض، إلا مَنْ شِئْتَ، فيقول اللَّه تعالى له، وهو أعلم بمن بقي: مَن بقي؟ فيقول: يا رَبِّ، بقيتَ أنْتَ الحَيُّ الّذِي لَا يموت، وبَقِيَتْ حَمَلَةُ عَرْشك، وبقي جِبْرِيلُ، ومِيكَائِيلُ، وبَقِيتُ أنا، فيقول اللَّهُ : لِيَمُتْ جبريلُ، وميكائيلُ، فيُنْطِقُ سبحانه العرشَ فيقول: يا رب يموتُ جبريلُ، وميكائيل؟!، فيقول اللَّه سبحانه للعرش: اسكتْ، إني كتبْتُ الموتَ عَلَى كُلِّ مَنْ كان تَحْتَ عَرْشي، فيموتان، ثم يأتي مَلكُ الموت إلى الجبّار فيقول: يا رَبِّ، قد مات جبريلُ، وميكائيلُ، فيقول، وهو أعلم بمن بقي: فَمَن بقي؟، فَيقُولُ: يَا رَبِّ، بَقِيتَ أنت الحَيِّ الذي لا يمُوتُ، وبقِيَ حَمَلةُ عَرْشِكَ، وبقَيِتُ أنا، فيقول اللَّهُ تعالى: فَلْيَمُتْ حَمَلةُ عَرْشي، فيَمُوتُونَ، ثم يأمرُ اللَّهُ سبحانه العَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ مِنْ إسرافيلَ، وإسرافيل من جملة حملة العرش، ثم يأتي ملَكُ الموت إلى الجَبَّار ، فيقول: يا رب قد مات حمَلةُ عَرشِك، فيقول ﵎ وهو أعلمُ بِمَن بقِي: فمن بقي؟ فيقول: يا ربّ، بقيتَ أَنْتَ الحي الذي لا يموت، وبقيتُ أنا، فيقول اللَّه له: أنْتَ خَلْق مِنْ خَلْقِي، خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ، فَمتْ، فيموتُ، فإذَا لم يبْقَ إلا اللَّهُ- قال ابن أبي الدنيا: ثنا محمدُ بن الحسين، ثنا يونس بن يحيى الأمويُّ أبو نباتة، ثنا إسماعيلُ بن

стр. 7900

رافع، عن محمد بن كعبٍ القُرَظيِّ قال: بَلغني أنَّ آخرَ مَن يموتُ مِنَ الخلقِ ملَكُ [الموتِ]، يقال له: يا ملَك الموت، مُتْ مَوْتًا لا تَحْيا بعدَه أبدًا. قال: فيَصْرُخُ عندَ ذلك صرخةً لو سمِعها أهل السماوات والأرض، لماتوا فزعًا، ثم يقول تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر] (١). وقد رواه ابنُ أبي الدنيا أيضًا عن إسحاقَ بن إسماعيل، عن إبراهيم بن عُيَينةَ، عن إسماعيلَ بن رافع، [عن محمد بن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ]، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ، مرفوعًا بهذا (٢). ورواه الحافظ أبو موسى المدينيُّ من طريق محمد بن شعيب بن شَابُورَ، عن إسماعيلَ بن رافع، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرِة، عن النبيِّ ﷺ نحو هذا الحديث، وفيه: "يَا ملَكُ، أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي، خَلْقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ، فمُتْ، ثُمَّ لا تَحْيَا أَبَدًا". قال أبو موسى: لم يُتَابَعْ إسماعيلُ على هذه اللفظةِ، ولم يقلْها أكثر الرواةِ- قال: "فَإِذَا مَاتَ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّهُ الواحدُ الأحدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ وَلَمْ يُولدْ ولم يكن له كفوًا أحد، كان آخرًا كما كَانَ أَوّلًا، طَوَى السماواتِ والأرضَ، كطَيِّ السِّجِلّ للكتاب، ثم دحاهُمَا، ثم تَلَقَّفَهُمَا ثَلاثَ مَرّاتٍ، وقال: أنَا الجَبّار، ثلاثًا، ثم يَهتِفُ بصَوْته: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ ثلاثَ مَرّاتٍ، فلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ثم يقول لنفسه تعالى: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، ويُبَدِّلُ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرضِ والسَّماواتِ، فَيَبْسُطها، ويَسْطَحُهَا، ويَمُدُّها مَدَّ الأديم العُكَاظِيِّ، لا تَرى فيها عِوجًا ولا أمْتًا، ثم يَزْجُرُ اللَّهُ الخَلْقَ زَجْرَةً وَاحِدَةً، فإذا هُم في مثل هذه المُبدَّلَةِ في مثل ما كانوا فيه من الأولى، مَنْ كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم يُنزل اللَّه عليهم ماءً من تحت العرش، ثم يأْمر اللَّه السَّمَاء أن تُمطرَ، فتُمْطر أربعين يومًا، حتى يكون الماءُ فوقهم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمرُ اللَّه الأجْسَاد أن تنْبُت كَنبات الطَراثيت (٣)، أو كَنبات البَقْل، حتّى إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت قبل الموت، قال اللَّه تعالى: لِتَحْيَ حَمَلةُ عَرشي، فيَحْيَون ويأمر اللَّه إسرافيلَ فَيأخذ الصُّورَ، فَيَضَعُه على فيه، ثم يقول: لِيَحْيَ جبريل، وميكَائيل، فيحيَيَان، ثم يدْعو اللَّه بالأرْواح فَيؤْتى بها تَتَوَهَّجُ أرواحُ المسلمين نُورًا، والأخرى ظُلمَةً، فَيقْبضُها جَمِيعًا، ثم يُلقيها في الصُّور، ثم يأمر اللَّه إسرافيلَ أن ينْفُخ فيه نفخَةَ البَعْثِ، فينفخ نفخة البعث فَتخْرُج الأرواحُ من الصور كأنها النَّحْلُ، قد مَلأَتْ ما بَيْنَ السماءَ والأرض. فيقول اللَّه تعالى: وعِزَّتي وجَلَالي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ روح

стр. 7901

إلى جَسدها. فتدخُل الأرواحُ في الأرض إلى الأجساد. فتدخُل في الخَيَاشيم، ثم تمْشِي في الأجساد مَشْيَ السُّمِّ في اللَّدِيغ، ثم تنشَقّ الأرض عنكم، وأنا أوّل مَنْ تَنْشَق الأرض عنه، فتَخْرُجُون منها سراعًا إلى رَبكم تَنْسلون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨] حُفاةً عراة غُلفًا غُرلًا، ثم تقفون مَوْقفًا واحدًا مقدار سَبْعِينَ عامًا، لا يُنظر إليكم ولا يُقْضَى بينكم، فتبكون حتّى تَنْقَطع الدموع، ثم تدمَعُون دمًا، وتَعْرَقُون حتى يَبْلُغَ ذلك منكم أن يُلْجمكُمْ أو يبلغ الأذْقان، فَتَضِجُّون وتقولون: مَنْ يَشْفَعُ لنَا إلى رَبِّنا ليَقْضي بَيْننَا؟ فيقولون: مَنْ أَحَقُّ بِذَلك من أَبيكم آدم؟ خَلَقه اللَّه بِيَدِه، وَنفَخ فيهِ مِنْ رُوحه، وكلَّمَهُ قِبَلًا (١)، فيأتون آدم، فيطلبون ذلك إليه، فيأبى، فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ثم يَستَقْرُونَ الأنبياءَ نبِيًّا نبِيًّا، كلما جاؤوا نبِيًّا أبى عليهم" قال رسول اللَّه ﷺ : "حتّى يأتوني، فأنْطلِقُ، حتّى آتيَ الفَحْصَ، فأخرُّ ساجدًا" قال أبو هرِيرة: يا رسول اللَّه، ما الفحص؟ قال: "قُدّام العَرْش، حتّى يَبْعَثَ اللَّه إليّ مَلكًا، فَيأخُذَ بِعَضُدي فَيرْفعُنِي، فيقول لي: يا محمد، فأقول: نعم، لبَّيْكَ يا رب، فقال: ما شأنك؟ وهو أعلم، فأقول: يا ربّ، وَعدتني الشَّفَاعة، فشَقعني في خَلْقِك، فاقْضِ بَيْنهُمْ، فيقول: شَفَّعتكَ، أنا آتيكم فأقضي بينكم" قال رسول اللَّه ﷺ : "فارْجع، فأقفُ مع الناس، فبينما نحنُ وقوف، إذْ سَمِعْنَا حِسًّا من السماء شديدًا، فنزل أهْلُ السماء الدنيا مِثلَ مَنْ في الأرض من الجنّ والإنس، حتّى إذا دَنَوْا من الأرض أَشرَقَتِ الأرضُ بِنُورهم، وأخَذُوا مَصافَّهم، قلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ، ثم ينزل أهل السماء الثانية، بمثل مَنْ نَزل من الملائكة، من أهل السماء الدنيا، ومِثْلِ مَنْ فيها من الجنّ، والإنس، حتى إذا دَنَوْا منَ الأرض أشْرَقتِ الأرض بنورهم، وأخذوا مَصافَّهم، وقلنا لهم: أفيكُمْ رَبُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ، ثم ينزل أهل كل سماءٍ على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزلَ الجبّار ﵎ في ظُلَل من الغَمام والملائكة، وَيَحْمِلُ عَرْشَه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تُخوم الأرض السُّفْلَى، والسمواتُ إلى حُجَزِهم، والعَرْش على مَنَاكبهم، لهم زَجَلٌ (٢) من تَسْبِيحهم، يقولون: سُبْحانَ ذي العِزَّة والجَبَروت، سُبْحَان ذي المُلك والمَلكُوت، سبحان الحيّ الذي لا يموت، سبحان الذي يميتُ الخلائقَ، ولا يموتُ، سبُّوح قُدُّوس، سبحان ربنا الأعلى، رب الملائكة والروح، الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع اللَّه تعالى كُرْسيَّهُ حَيْثُ يشاءُ من أرضه، ثم يَهتِف بِصَوْتِه فيقول تعالى: يا مَعْشَر الجنِّ والإنس، إني قَدْ أنْصَتُّ لكُمْ مِنْ يومِ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسْمَعُ قولكم، وأرى أعمالكم، فأَنْصتُوا لي اليوم، إنّما هي أعْمالُكُم وصُحُفكم تُقرأ عليكم، فمن وجد خَيْرًا فليحمد اللَّه، ومَنْ وجَدَ غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلّا

стр. 7902

نَفْسَه، ثم يأمر اللَّه جَهَنَّم فَيخْرج مِنها عُنُق سَاطِعٌ، مُظْلِمٌ، ثم يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ [يس] أو بها تكذبون (شك أبو عاصم) ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس] فيَمِيزُ اللَّهُ النَّاسَ وتَجثُو الأمم، يقول اللَّه تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ [الجاثية] فيقضي اللَّهُ بين خلقه، إلّا الثَّقَلَيْن -الإنس، والجِنّ- فيقضي بين الوحوش، والبهائم، حتّى إنّه لَيُقِيدُ الجَفاءَ من ذَاتِ القَرْن، فإذا فرغ اللَّهُ من ذلك، فلم تَبْقَ تَبِعةٌ عِنْدَ واحدةٍ لأُخْرى، قال اللَّهُ لهَا: كُوني تُرابًا، فعند ذلك يقول الكافرُ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ] ثم يَقْضِي اللَّهُ تعالى بَيْنَ العِبادِ، فيكونُ أوَّلَ ما يَقْضي فيهِ الدِّماءُ، ويَأتِي كُلُّ قَتِيلٍ قُتل في سَبِيلِ اللَّهِ، فيأْمر اللَّهُ مَنْ قُتِلَ فَيَحمِلُ رَأْسَهُ تَشْخُبُ أَوْدَاجُه دمًا، فيقول: يا ربّ سَلْ هذا فِيمَ قَتَلنِي؟ فيقول تعالى وهو أعلم: فِيمَ قَتَلْتَهُ؟ فيقول: يا رَبّ قَتلْتُه لِتكُونَ العِزَّةُ لَكَ، فيقول اللَّه: صَدَقْتَ، فيَجْعَلُ اللَّهُ تعالى وَجْهَهُ مِثْلَ نُورِ السَّمَواتِ، ثمّ تَسوقه المَلائِكَةُ إلى الجَنَّةِ، ثم يَأْتِي كُل مَنْ كَانَ قُتل عَلَى غَيْرِ ذَلِك، فيأْمُرُ مَنْ قُتِلَ فَيَحْمِلُ رَأْسَهُ تَشْخُبُ أَوْدَاجُه دمًا، فيقول: يا رَبّ، سل هذا فِيمَ قَتَلَنِي؟ فيقول وهو أعلم: فِيمَ قَتَلْتَهُ، فيقول: يا رَبّ، قَتَلْتُه لِتَكُون العِزَّةُ لِي، فيقول له: تَعِسْتَ، ثم ما تَبْقَى نَفْسٌ قَتَلَهَا إلّا قُتِلَ بِهَا، ولا مَظْلِمَةٌ إلّا أُخِذَ بِهَا، وكان في مَشِيئةِ اللَّه، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ رَحِمهُ، ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِهِ حتّى لَا تَبْقَى مَظلِمَةٌ لأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إلّا أَخَذَها اللَّهُ لِلْمَظَلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، حتَّى إنَّهُ لَيُكَلِّفُ شَائِبَ اللَّبَنِ بالمَاءِ ثُمَّ يَبِيعُه أَنْ يُخَلِّصَ اللبَن مِنَ المَاءِ، فَإذَا فَرَغ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، نادَى مُنَادٍ يُسْمِعُ الخَلائِقَ كُلَّهُمْ: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بآلِهَتِهمْ وَما كَانُوا يَعْبُدُونَ من دون اللَّهِ، فَلَا يبْقَى أَحَدٌ عَبدَ شيئًا مِنْ دَونِ اللَّهِ، إلّا مُثِّلَتْ لَهُ آلِهَتُه بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُجْعَلُ يَومئِذٍ ملَك مِنَ المَلائِكَةِ على صورَةِ عُزَيرٍ، ومَلَكٌ على صورةِ المسيح عِيسَى ابن مريم، فَيتْبَعُ هَذَا اليَهُودُ، وَيتْبَعُ هذَا النَّصَارى، ثم تقودهم آلِهَتُهُمْ إلى النَّارِ، فهذا الذي يقولُ اللَّهُ تَعَالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء] فإذَا لم يَبْقَ إلّا المُؤْمِنون فِيهمُ المُنَافِقُونَ، جَاءَهُمُ اللَّهُ فيمَا شَاءَ مِنْ هيئته، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، ذَهَب النَّاسُ فَالْحَقُوا بآلِهتِكُمْ، وما كُنْتُم تَعْبدُونَ، فيقولون: واللَّهِ مالنَا إله إلّا اللَّهُ، ما كُنَّا نَعْبُد غَيْرَهُ، فَينْصَرِفُ عَنْهُمْ وهو اللَّه الذي يَأْتِيهِمْ، فَيمكثُ عنهم ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يمْكُثَ ثمّ يَأْتِيهِمْ، فيَقُولُ: يا أيها الناس ذَهَبَ الناسُ، فالحَقُوا بآلِهتِكُمْ، وما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فيقولون: واللَّه مالَنا إله إلّا اللَّهُ، وَما كُنّا نَعْبُدَ غَيْرَهُ، فينصرف عنهم، وهو اللَّه الذي يأتيهم، فيمكث عنهم ما شاء اللَّه أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: واللَّه ما لنا إله إلا اللَّه وما كنا نعبد غيره، فَيكْشِفُ عَنْ سَاقِه وَيتَجَلَّى لَهُمْ مِنْ عَظَمتِه مَا يَعْرِفُونَ أنّه رَبُّهُمْ، فيَخِرُّونَ سُجَّدًا له على وجُوهِهمْ، ويَخرُّ كُلُّ مُنَافِقٍ على قَفَاهُ، وَيجعَلُ اللَّهُ سبحانه أصْلَابَ المنافقين

стр. 7903

كَصَياصي (١) البَقَر، ثم يَأذنُ اللَّهُ لَهُمْ فَيْرفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ بالصِّرَاطِ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَم كَقدِّ الشَّعر، أو كعقْدِ الشَّعْرِ، وكحَدِّ السَّيْف، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وخَطَاطِيفُ، وحسكٌ كحسك السعدان، دُونَهُ جِسْرٌ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، فَيمُرّونَ كَطَرْف البَصَر، أَو كَلَمْحِ البَرْقِ، أَو كَمرّ الرِّيحِ، أَوْ كَجِيَادِ الْخَيلِ، أَوْ كَجِيادِ الرِّكَابِ، أَوْ كَجِيَادِ الرِّجَالِ، فَنَاجٍ سَالِمٌ، ونَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ (٢) على وَجْهِهِ في جَهَنَّم، فَإِذَا أَفْضَى أَهْلُ الجَنَّةِ إلى الجنَّةِ، حُبسوا دونها، قالوا: مَنْ يَشْفَعُ لنَا إِلَى رَبِّنَا فَندْخُلَ الجَنَّةَ؟ فيقولون: مَنْ أَحَقّ بِذَلِك مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ، خَلَقه اللَّهُ بِيدِهِ، وَنَفَخ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَكَلَّمَهُ قِبَلًا، فَيأْتُونَ آدمَ، فَيُطلَبُ ذَلِك إليه، فَيذْكُرُ ذَنْبًا وَيقُولُ: ما أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِنُوحٍ، فإِنه أول رُسُلِ اللَّهِ، فَيُؤْتَى نُوحٌ، فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَيذْكُرُ ذَنْبًا، ويقول: ما أنا بِصَاحِب ذَلِك، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بإِبرَاهِيمَ، فيأتون إبراهيم فَيَطْلُبونَ ذَلِك إلَيْه، فَيذْكُر ذَنْبًا، ويقول: ما أنا بِصَاحِبكُمْ، ولكن عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، فيأتون موسى فَيذْكُرُ ذَنْبًا، وَيقُول: ما أنا بِصَاحِبِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عليكُمْ بِرُوحِ اللَّهِ وَكَلِمتهِ عيسَى ابْن مَرْيَم، فيأتون عيسى فيطلبون ذلك إلَيْهِ، فيقول: ما أنا بِصَاحِبِ ذَلِك، وَلَكِنْ عَلَيكُمْ بِمُحَمّدٍ ﷺ " قال رسول اللَّه ﷺ : "فَيأَتُونِيِ وَلي عِنْد رَبيِّ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ وَعَدنِيهِنَّ، فأَنطَلِقُ فآتي الجَنَّةَ، فاَخُذُ بَحلْقَةِ الباب، فَأَسْتَفْتِحُ، فيُفْتَحُ لِي، فأُحَيَّا، ويُرَحَّبُ بِي، فإذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَنَظَرْتُ إِلى رَبيِّ خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيأْذَنُ اللَّهُ لي مِنْ حَمْدِهِ وَتَمْجِيدهِ بشَيْءٍ ما أَذِنَ بِه لأَحدٍ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ يقول اللَّه لي: ارْفَعْ رأسَك يا مُحَمّد، وَاشْفَعْ تُشفَّع، وَسَلْ تُعْطَهْ، فإذا رَفَعْتُ رَأْسي قال اللَّه وهو أعلم: مَا شَأْنُكَ؟ فأقول: يا ربِّ، وَعَدْتَنِي الشَّفَاعةَ، فشَفعنِي في أهل الجَنَّةِ يَدْخُلون الجَنَّةَ، فيقول اللَّه : قَدْ شَفَّعْتُك، وَأَذِنْتُ لَهُم في دخول الجنة" فكان رسول اللَّه ﷺ يقول: "والذي بعثني بالحَقّ ما أَنْتُمْ في الدُّنيَا بأَعْرَفَ بأَزْواجِكُمْ وَمساكِنكُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنّةِ بِأَزْوَاجِهِمْ وَمسَاكِنهِمْ، فَيدْخُلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سبعين مِمَّا يُنْشِئُ اللَّهُ، وَثِنْتَيْنِ آدَمِيَّتَيْنِ مِنْ بَنَاتِ آدَم، لَهُمَا فضْلٌ على مَنْ أَنْشأ اللَّهُ، بِعِبَادتِهما اللَّهَ في الدُّنْيَا، يَدْخُلُ على الأولى منهما في غُرْفَةٍ مِنْ ياقُوتَةٍ، على سَرِير مِنْ ذَهَب مُكَلَّلٍ باللُّؤْلُؤ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجًا منْ سُنْدُسٍ، وَإِسْتَبْرقٍ، وَإنَّه لَيَضَع يَدَهُ بَيْن كَتفيها، ثُمّ يَنْظُرُ إِلى يده مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَراءِ ثِيَابِهَا، وَجِلْدِهَا، ولَحْمِها، وَإِنّه لَينْظُرُ إِلى مُخّ ساقها كما يَنْظُر أَحَدُكُمْ إلى السِّلْكِ في قَصَبَةِ اليَاقُوتَةِ، كَبِدُه لَهَا مِرْآةٌ، وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآةٌ، فبَيْنمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَملُّهَا وَلَا تَمَلُّه، لَا يَأْتيهَا مَرَّةً إِلَّا وَجَدَهَا عَذْرَاءَ مَا يَفْتُرُ ذَكَرُهُ، وَلا يَشْتكي قُبُلُهَا، إِلّا أَنَّهُ لَا مَنِيّ وَلا مَنِية، فَبَيْنمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ نُودِي: إِنَا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لا تَمَلُّ، وَلَا تُمَلّ، إِلّا أَنّ لَكَ أَزْواجًا غَيْرَها، فيَخْرُجُ فَيأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً، وَاحِدَةً، كلّما جَاءَ

стр. 7904

وَاحِدَةً قالت: واللَّه ما في الجَنَّةِ شيء أَحْسَنُ مِنْكَ، وَما في الجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِليَّ مِنْكَ". قال: "وإذا وَفَعَ أهْل النَّار في النار، وقد وقَعَ فِيهَا خَلْقٌ كثير مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ أَوْبَقَتْهمْ أعْمالُهُمْ، فمِنْهُمْ مَنْ تَأَخُذُه النار إلى قَدَمَيْهِ لَا تُجَاوزُ ذَلِكَ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إلَى حَقْوَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُ جَسَدَهُ كُلَّهُ إلّا وَجْهَهُ، وحَرَّمَ اللَّهُ صُورَتَهُ على النار" قال رسول اللَّه ﷺ : فأقول: يا رَبِّ، شَفّعِنِي فِي مَنْ وَقَعَ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّتِي، فيقولُ اللَّهُ : أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فيَخْرُجُ أولئَكَ حَتى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحد، ثم يَأْذَنُ اللَّهُ في الشَّفاعة، فلا يَبْقَى نبِيٌّ، ولا شَهِيدٌ، إلّا شُفِّعَ، فيَقُولُ اللَّهُ : أَخْرجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ زِنةَ الدِّينَارِ إيمَانًا، فيَخْرُجُ أولئِكَ حَتّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحَدٌ، ثُمَّ يَشْفَعُ من شاء اللَّهُ فيقول: أَخْرِجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ في قَلْبِه إيمانًا ثُلُثَيْ دِينَارٍ، ونصف دينار، وثُلُثَ دِينَارٍ، وربع دينار، ثم يقول: وَسُدُسَ دينَارٍ، ثمَّ يقولُ: وقيراطًا. ثم يقول: حَبّةً مِنْ خَردَل، فيَخْرُجُ أَولئكَ حَتَّى لا يَبْقى مِنْهُمْ أَحَدٌ، وحَتَّى لا يَبْقَى فِي النَّارِ مَنْ عَملِ للَّه خَيْرًا قَطّ، وحَتَّى لَا يَبْقَى أحَدٌ لَهُ شَفَاعَةٌ إلّا شُفِّعَ، حَتّى إنّ إِبليس لَيَتَطَاوَلُ لِمَا يَرَى مِن رَحْمةِ اللَّهِ سبحانه، رجاء أَنْ يُشْفَعَ لَه، ثمّ يقول اللَّه : بَقِيتُ أنا، وأَنَا أرْحَمُ الرّاحمِين، فيُدْخلُ اللَّهُ يَدَهُ فِي جَهَنّمَ، فَيُخْرِجُ مِنْها مَا لَا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ، كأنَّهُمْ خَشَبٌ مُحْتَرِقٌ، فَيَبُثُّهم اللَّهُ على نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الحَيَوان، فَيَنْبُتُون كمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ (١) فِي حَمِيل (٢) السَّيْلِ، فمَا يَلي الشمس مِنْها أُخَيْضِرٌ، ومَا يلي الظِّل مِنْها أُصَيْفِرٌ، فيَنْبُتون نَباتَ الطَّرَاثِيثِ، حَتَّى يكُونوا أمْثالَ الدَّرْمَكِ (٣)، مكْتوبٌ فِي رِقَابِهمُ: الجَهَنَّميُّونَ، عُتَقاءُ الرَّحْمَنِ ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الجَنّة بذلك الكتاب، ما عملوا خَيْرًا قط، فيبقون في الجَنَّة". فذِكره إلى هُنَا كانَ في أصْل أبي بَكْر بن المقرئ، عن أبي يَعْلَى، رحمه اللَّه تعالى، هذا حديث مشهور، رواه جماعة من الأئمة في كتبهم، كابن جرير في "تفسيره"، والطبرانيّ في "الطِّوالات"، وغيرها، والبَيهَقيّ في كتاب "البَعْث والنشور"، والحافظ أبي موسى المدينيّ في "الطِّوالات" أيضًا، من طرق متعدّدة، عن إسماعيل بن رافع قاصّ أَهْلِ المدينَةِ، وقد تُكُلِّم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نَكَارَةٌ، واختلاف، وقد بَيَّنتُ طُرقَه في جُزْءٍ مُفْرَدٍ. قلت: وإسماعيل بن رافع المديني ليس من الوضّاعين، وكأنّه جمع هذا الحديث من طرق، وأماكن متفرّقة، وساقه سياقةً واحدةً، فكان يقصُّ به على أَهْلِ المدينة، وقد حضره جماعةٌ من أعيان الناس في عصره، ورواه عنه جماعة من الكبار، كأبي عاصم النّبيل، والوليد بن مُسلم، ومكي بن

стр. 7905

إبراهيم، ومحمد بن شُعَيب بن شابور، وعَبْدَةَ بنِ سلَيْمانَ، وغيرِهم، واختلف عليه فيه قتادَةُ، يقول: عن محمّد بن [يزيد بن أبي] زياد، عن محمد بن كعب، عن رجلٍ، عن أبي هريرة، عن النبي، وتارة يُسْقِطُ الرَّجُل. وقد رواه إسحاق بن رَاهَوَيهِ، عن عَبْدَةَ بنِ سُلَيْمانَ، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد ابن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ . ومنهم من أسقط الرجُلَ الأول. قال شيخنا الحافظُ المِزِّيّ: وهذا أقربُ، قال: وقد رواه عن إسماعيل بن رافع الوليدُ بنُ مسلم، وله عليه مُصَنَّف بَيّن شَواهِدَه من الأحاديث الصحيحة، وقال الحافظ أبو موسى المدينيّ بعد إيراده له بتمامه: وهذا الحديثُ وإن كان في إسناده من تُكُلِّمَ فيه، فعامّة ما فيه يُرْوَى مُفَرَّقًا بأسانيد ثَابتة، ثم تَكَلَّم على غَرِيبه، قلت: ونحنُ نَتَكلّم عليه فصْلا فَصْلًا، وباللَّه المُسْتَعانُ (١): فصل فأما النَّفَخَاتُ في الصُّور، فثلاث: نفخةُ الفزَع، ثم نفخة الصَّعْقِ، ثم نَفْخَة البَعْث، كما تقدّم بيانُ ذلك في حديث الصُّور بطوله. وقد قال مسلم في "صحيحه": حدّثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بَيْن النَّفْخَتَيْن أربعون" قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أَبيتُ (٢)، قالوا: أربعوِن شهرًا؟ قال: أَبَيْتُ، قالوا: أربعون سَنَةً؟ قال: أبَيْتُ، قال: "ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّه مِنَ السَّماءَ ماءً، فيْنبُتُونَ كما يَنْبتُ البَقْلُ". قال: "وليس مِنَ الإنسان شَيْءٌ إلا يَبْلَى إلّا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذنَبِ (٣) ومنه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامة". ورواه البخاري من حديث الأعمش (٤). وحديثُ عجب الذَّنَب وأنَّهُ لَا يَبْلَى وأنّ الخَلق يَبْدَأ منه، ومنه يركَّب يوم القيامة، ثابثٌ من رواية أحمد، عن عبد الرزّاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، ورواه أحمد أيضًا عن يحيى القطّان، عن محمد بن عَجْلان، [عن أبي الزِّناد] عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كُلّ ابن آدَمَ يَبْلَى وَيَأْكُلُهُ

стр. 7906

التُّرَابُ إلّا عَجْبَ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ، ومِنْهُ يُركَّب". انفرد به أحمد، وهو على شرط مسلم، ورواه أحمد أيضًا، من حديث إبراهيم (١) الهَجَرِيّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرة مرفوعًا، بنحوه (٢). وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَةَ، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "يأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الإنسان إلّا عَجْبَ ذنبه" قيل: ومثلُ ما هو يا رسول اللَّه؟ قال: "مِثْلُ حَبَّة خَرْدَلٍ، منه تَنْبتون" (٣)، والمقصود هنا إنما هو ذِكر النَّفْخَتَيْنِ، وأنّ بينهما أربعينَ: إمّا أربعين يوْمًا، أو شَهْرًا، أو سَنَةً، وهاتان النفختان هما واللَّه أعلمُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيام للبَعْثِ والنشور، بدليل إنزال الماء بينهما، وذِكر عَجْبِ الذّنب الذي منه يُخْلَقُ الإنسان، وفيه يُرَكّب عند بعثه يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المراد منهما ما بين نفخة الفزع ونفخة الصَّعق، وهو الذي يريد ذِكره في هذا المقام، وعلى كلّ تقدير فلا بد من مدة بين نفختي الفزع، والصعق. وقد ذُكِر في حديث الصور أنه يكون فيها أمور عظام، من ذلك زلزلة الأرض، وارتجاجها، ومَيَدَانِها بأهلها، وتَكَفِّيها يمينًا وشِمَالًا، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ١ - ٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج]. وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ الآيات كلها إلى قوله: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ [الواقعة: ١ - ٥٦]. ولما كانت هذه النفخة -أعني نفخة الفزَع- أولَ مبادئ القيامة، كان اسم يوم القيامة صادقًا على ذلك كُلِّه، كما ثبت في "صحيح البُخاري" عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "وَلتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرّجُلَانِ ثَوْبَهُما فَلَا يَتَبَايَعَانِه، وَلَا يَطْوِيَانِه، وَلتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَد انْصَرَف الرَّجُلَ بِلَبَنِ لِقْحَتهِ، فلَا يَطْعَمُه، وَلتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقدْ رَفَع أُكْلَتَه إلى فيه فَلَا يَطْعَمُها" (٤)، وهذا إنما يتجه على ما قبل نفخة الفزع، وعبَّر عن نفخة الفزع بأنها الساعة لمَّا كانت أول مبادئِها، وتقدم في الحديث في صفة أهل آخر الزمان: أنهم شِرَارُ الناس، وعليهم تقوم الساعة (٥).

стр. 7907

وقد ذُكِر في حديث إسماعيل بن رافع في حديث الصُّور المتقدم: أن السماء تَنْشَقُّ فيما بين نفختي الفزع، والصَّعْقِ، وأن نُجُومَها تَتناثَرُ، ويَخْسِفُ شَمْسُها وقمَرُها، والظاهر واللَّه أعلم أن هذا إنما يكون بعد نفخة الصَّعْق حين ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ الآيات [الإنشقاق] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة]. وسيأتى تقرير هذا كُلِّه، وأنه إنما يكون بعد نفخة الصَّعْق، وأما زلزال الأرض وانشقاقها بسبب تلك الزلزلة وفِرارُ الناس إلى أقطارها وأرجائها، فمُناسِبٌ أنه بَعْدَ نفخة الفزع، وقبل الصَّعْق، قال اللَّه تعالى إخبارًا عن مُؤْمِن آل فرعون أنه قال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣]. وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٣٦]. وقد تقدم الحديث في "مُسند أحمد" و"صحيح مُسلم" والسنن الأربعة، عن أبي سَريحةَ حُذَيْفَة بن أَسِيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ السَّاعةَ لَنْ تَقْومَ حَتَّى تَروْا عشر آياتٍ. . . " فذكرهُنَّ، إلى أن قال: "وآخِرُ ذلك نارٌ تَخرُج من قعر عَدَن، تسوقُ الناس إلى المَحْشر" (١) وهذه النار تسوق الموجودين في آخر الزمان في سائر أقطار الأرض إلى أرض الشام منها، وهي بقعة المحشر والمنشر. ذِكر أمر هذه النار وحشرها الناس إلى أرض الشام ثبت في "الصحيحين" من حديث وهيب، عن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُحْشَر الناس على ثلاثِ طرائقَ: راغبينَ، ورَاهبينَ، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير [وأربعةٌ على بعيرٍ] وعشرةٌ على بعير، وتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قالوا، وتبيتُ مَعَهمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْث أَصْبَحُوا، وتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا" (٢). وروى أحمد عن عفان، عن حماد، عن ثابت، عن أنس: أن عبد اللَّه بن سَلَام سأل رسولَ اللَّه ﷺ

стр. 7908

عن أول أشراط السَّاعَةِ؟ فقال: "نارٌ تَحْشُرُ النَّاس منَ الْمشرِق إلى المَغْرب. . . " الحديث بطوله، وهو في "الصحيح" (١). وروى الإمامُ أحمد، عن حسن، وعفّان، عن حمّاد بن سَلَمة، عن علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْم القِيَامةِ ثلاثة أصنافٍ، صِنْفٌ مُشَاةٌ، وصِنْفٌ رُكْبَانٌ، وصِنْفٌ على وُجُوهِهمْ" قالوا: يا رسول اللَّه، وَكَيْفَ يَمْشُون على وجُوهِهم؟ قال: "إنّ الذي أَمْشاهُمْ على أَرْجُلِهمْ قَادِرٌ على أَنْ يُمْشِيَهُمْ على وُجُوهِهِمْ، أَمَا إنَّهُمْ يَتَقُونَ بِوُجُوهِهم كُلَّ حَدَبٍ وشوكٍ". وقد رواه أبو داود الطيالِسى في "مُسنده"، عن حماد بن سَلمةَ، بنحوٍ من هذا السياق (٢). وقال الإمامُ أحمد: حدثنا عبد الرَّزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن قَتَادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَب، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّها ستَكُونُ هِجْرَةٌ بعد هجرة، ينْحَازُ النَّاس إلى مُهَاجَرِ إبراهيم، لَا يبْقَى في الأرض إلّا شِرَارُ أهْلِهَا، تَلفظُهُم أَرَضُوهُمْ، وتَقْذَرُهُم نَفْسُ الرحمن، تَحْشُرُهُم النَّارُ مَعَ القِردَةِ والخَنازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إذَا باتوا، وتَقيل معهم إذا قَالُوا، وتَأْكُلُ مَنْ تخلّف" ورواه الطبرانيّ من حديث المُهَلّب بن أبي صُفْرَةَ، عن عبد اللَّه بن عمرو، بنحوه (٣). وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في كتابه "البعث والنُّشور": أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عُبَيد اللَّه الحُرْفي بِبَغْدَادَ، حدّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القُرَشِيّ، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني الوليد بن جُمَيع القرشي. ح وأخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، حدّثنا أبو العبّاس محمد بن أحمد المحبوبيّ، حدّثنا سعيد بن مسعود، حدّثنا يزيدُ بن هارون، أخبرنا الوليدُ بن عبد اللَّه بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل، عامر بن واثِلَةَ، عن أبي سريحَةَ حُذَيْفَةَ بن أَسِيد الغفاريّ، سمعت أبا ذر الغفاري ﵁ وتلا هذه الآية ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] فقال أبو ذرّ: حدّثني الصادق المصدوق ﷺ : "إنّ النَّاسَ يُحْشَرُون يوم القيامة على ثلاثة أفْواجٍ، فوج طاعِمِين كاسِين راكبِين، وفوج يَمْشُونَ وَيسْعَوْن، وفوج تَسْحَبُهُم الملائكةُ على وُجوههم" قلنا: قد عرفنا هذين، فما بال الذين يمشون وَيسْعَوْن؟ قال: "يُلْقي اللَّهُ الآفَةَ على الظَّهْر (٤) حَتى لَا يبْقَى ذَاتُ ظَهْرٍ، حتّى إن الرَّجُلَ

стр. 7909

لَيُعْطِي الحديقَةَ المُعْجِبةَ بالشارف (١) ذاتِ القَتَبِ" لفظ الحاكم. وهكذا رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، ولم يذكر تلاوة أبي ذرّ للآية، وزاد في آخره: "فلا يقدر عليها" (٢). وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث بَهْز، وغيره، عن أبيه حكيم بن معاوية، عن جدّه معاوية بن حَيْدة القُشَيْرِيّ، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "تُحْشَرُونَ هاهُنَا" وأومأ بِيَده إلى نَحْو الشام "مشاةً ورُكْبَانًا، وتُجَرّونَ على وجوهكم، وتُعْرَضُون على اللَّه تعالى وعلى أفواهكم الفِدَام (٣) فأوّلُ ما يُعْرِبُ عن أحدكم فَخِذهُ وكفُّه". وقد رواه الترمذي، عن أحمد بن مَنِيع، عن يزيد بن هارون، عن بَهْزِ بن حَكِيم، عن أبيه، عن جدّه بنحوه، وقال: حسن صحيح (٤). وقال أحمد: ثنا عثمانُ بن عمرَ، ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا أبو جعفر محمد بن عليٍّ، عن رافع بن بِشْرٍ السَّلَميِّ، عن أبيهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ حِبْسِ سَيَلٍ (٥) تَسِيرُ سَيْرَ مَطِيَّةِ الإبِلِ (٦)، تَسِيرُ النَّهارَ وتُقِيمُ اللَّيْلَ، تَغْدُو وَتَرُوحُ، يُقَالُ: غَدَتِ النَّارُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَاغْدُوا، قَالَتِ النَّارُ، يا أَيُّهَا النَّاسُ فَقِيلُوا، رَاحَتِ النَّارُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ فَرُوحُوا، مَنْ أَدْرَكَتْهُ أَكَلَتْهُ". تفرد به. ورواه أبو نُعَيْمٍ في ترجمةِ بِشْرٍ أبي رافعٍ السَّلَمِيِّ، وفيه: "تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الإبِلِ بِبُصْرَى" (٧). فهذه السياقاتُ تدلّ على أن هذا الحشر هو حشرُ الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى مَحَلّة المَحْشر، وهي أرضُ الشام، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة، فقسمٍ طاعمين كاسين راكبين، وقسم يمشون تارةً ويركبون أخرى، وهم يَعْتَقِبُون (٨) على البعير الواحد، كما تقدّم في "الصحيحين": "اثنانِ على بعير، وثلاثةٌ على بعير" إلى أن قال: "وعَشَرةٌ على بعير، يَعْتَقِبُونَه مِن قِلّة الظَّهر" كما تقدّم في الحديث، وكما جاء مفَسَّرًا في الحديث الآخر: "وتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النارُ". وهي التي تخرج من قَعْرِ عدَنَ، فتُحيط بالناس من ورائهم، تسوقهم من كلّ جانب، إلى أرض المحشر، ومن تخلّف منهم أَكَلَتْهُ النار.

стр. 7910

وهذا كلّه مما يدل على أن هذا إنما يكون في آخر الزمان آخرِ الدنيا، حيثُ يكون الأكلُ والشربُ والركوبُ موجودًا والمشترى وغيرُه، وحيثُ تُهْلِكُ المُتخلّفين منهم النارُ، ولو كان هذا بعد نفخة البعث، لم يبق موتٌ، ولا ظَهْرٌ يُشْتَرى، ولا أكلٌ، ولا شُرْبٌ، ولا لُبْس في العَرَصَاتِ، والعجبُ كلُّ العجَبِ أن الحافظ أبا بكر البيهقيّ بعدَ روايته لأكثر هذه الأحاديث، حمَلَ هذا الركوب على أنّه يوم القيامة، وصحّح ذلك، وضعّف ما قلناه، واستدل على ما قاله بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم]. وكيف يصحّ ما ادّعاه في تفسير الآية بالحديث، وفيه أنّ: منهم اثنان على بعير، وثلاثةٌ على بعير، وعشرة على بعير، وقد جاء التصريح بأن ذلك من قلة الظهر، هذا لا يلتئم مع هذا، واللَّه أعلم، فإنَّ نَجائِبَ المتقين من الجَنَّةِ يركَبُها المتقون إذا خرجوا من قبورهم إلى العَرَصات، ومن العرصات إلى الجَنّات، على غير هذه الصفة، كما سيأتي تقريرُ ذلك في موضعه. فأما الحديث الآخر الوارد من طرق أُخَر، عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس وابن مسعود وعائشة، وغيرهم: "إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلى اللَّه حُفَاة عُراةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] " (١) فذلك حَشْرٌ غيرُ هذا، ذاك في يوم القيامة بَعْد نَفْخَة البَعْث، يوم يقوم الناسُ من قبورهم حُفَاةً عُراة غُرْلًا، أي غير مُخْتَتَنينَ، وكذلك حَشْرُ الكافِرين إلَى جَهنَّم وِرْدًا، أي عِطَاشًا. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء]، فذلك يحصل لهم حين يُؤْمر بهم إلى النار من مقام المَحْشَرِ، كما سيأتي بيان ذلك كلّه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى. وقد ذُكِر في حديث الصُّور: أن الأَمْواتَ لا يَشْعُرونُ بشيْءٍ مِمّا يقَعَ من ذلك بسبب نَفْخةِ الفَزَع، وأنّ الذين استثنى اللَّهُ تعالى، إنما هُم الشهداء، لأنّهم أحياءٌ عِند رَبّهم يُرزَقُون، فهم يشعرون بذلك ولَا يفْزَعُون منها، وكذلك لا يصْعَقُون بسبب نَفْخَة الصَّعْق. وقد اختلف المفسرون في المستثْنَيْنَ منها على أقوال: أحدها هذا كما جاء مُصَرّحًا به فيه، وقيل: بل هم جبريلُ، وميكائيلُ، وإسرافيل، وَمَلَكُ الموت، وقيل: وحَمَلةُ العَرْش أيضًا، وقيل غير ذلك، فاللَّه أعلم. وقد ذكر في حديث الصُّورِ، أنّه يَطُولُ على أهل الدنيا مُدَّةُ ما بين نفخة الفزع، ونفخة الصعق، وهم يشاهدون تلك الأهوال، والأمور العظام.

стр. 7911

نفخة الصَّعق يموت بسببها جميع الموجودين من أهل السماوات والأرض، من الإنس، والجِنّ، والملائكة، إلّا مَنْ شاء اللَّه، فقيل: هم حَمَلةُ العرش، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وملَك الموت، وقيل: هم الشهداء، وقيل غير ذلك. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨] وتقدّم في حديث الصُّور أنّ اللَّه تعالى يأمر إسرافيل فيقول له: انفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فينفُخ، فيَصْعَقُ من في السماوات والأرض إلّا من شاء اللَّهُ، فيقول اللَّه تعالى لملَك الموت، وهو أعلم بمن بَقِيَ: فمن بقي؟ فيقول: بقيتَ أنتَ الحَيّ الذي لا يموت، وبَقيَتْ حَملةُ عَرْشِك، وبقي جبريلُ وميكائيل، فيأمره اللَّه بقبض روح جبريل وميكائيل، ثم يأمره بقبض أرواح حملة العرش، ثم يأمره أن يموت، وهو آخِرُ من يموت من الخلائق. وقد تقدم ما رواه ابنُ أبي الدُّنْيا من طريق إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب، من قوله فيما بلغه، وعنه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أن اللَّه تعالى يقول لملَك الموت: أنتَ خَلْقٌ من خلقي، خلقتك لِمَا رأيتَ، فمُتْ، ثم لا تَحْيَا. وقال محمد بن كعب فيما بلغه: فيقول له: مُتْ مَوْتًا لا تَحيا بعده أبدًا، فيَصْرُخ عند ذلك صَرْخَةً لَوْ سَمِعَها أَهْلُ السماوات والأرض لمَاتُوا فزَعًا. قال الحافظ أبو موسى المديني: لم يُتابَع إسماعيل بن رافع على هذه اللفظة، ولم يَقُلْها أكثر الرواة. قلت: وقد قال بعضُهم في معنى هذا: مُت موتًا لا تحيا بعده أبدًا، يعني: لا تكون بعد هذا مَلَكَ مَوْتٍ أبدًا، لأنّه لا موتَ بَعد هذا اليوم، كما ثبت في "الصحيح": "يُؤْتَى بالْمَوْتِ يَوم القِيامة في صورة كَبْشٍ أمْلَحَ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، ثم يقال: يا أهْل النّارِ خُلُودٌ ولَا مَوْت، ويا أَهْلَ الْجَنّة خُلُودٌ وَلَا موت" (١)، فمَلَك الموت وإن حَيِيَ بعد ذلك لا يكون مَلَكَ موْتٍ بعدَها أبدًا، واللَّه أعلم، بل ينشئه اللَّه خلقًا آخر غير ذلك كالملائكة. وبثقدير صحة هذا اللفظ عن النبيّ ﷺ فظاهر ذلك أنه لا يَحْيا بعدَ موته أبدًا، فيكون التأويل المتقدم بعيدَ الصحة، واللَّه أعلم.

стр. 7912

فصل قال في حديث الصور: فإذَا لم يبقَ إلا اللَّهُ الواحد الأحدُ الفردُ الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحَدٌ، كان آخِرًا كما كان أوّلًا، طَوَى السماوات والأرض، كَطّي السِّجِلِّ لِلْكتاب، ثم دَحَاهُما، ثم تَلَقَّفَهُمَا ثلاثَ مَرّاتٍ، وقال: أنا الجبّار، ثلاثًا، ثم يُنادِي: لِمَن المُلكُ اليَوْمَ؟ ثلاث مرات، فلا يُجيبه أحد، ثم يقول تعالى مُجِيبًا لِنَفْسِه: للَّه الواحدِ القَهّار. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (١) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]. وثَبت في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "يَقْبِضُ اللَّهُ تعالى الأَرْضَ، ويطْوِي السَّماءَ بيمينِه، ثم يقول: أنا المَلِكُ، أنَا الجَبّار، أيْنَ مُلُوكُ الأرض؟ أيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ" (٢). وفيهما، عن ابن عمر: أنّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّهَ يَقْبضُ يَوْمَ القِيَامةِ الأرَضِينَ، وَتكُونُ السَّمَاواتُ بِيَميِنِه ثُمَّ يَقُولُ: أنَا المَلِكُ" (٣). وفي "مُسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، من حديث عُبَيْد اللَّه بن مِقْسَم، عن ابن عمر: أنّ رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية ذاتَ يَوْمٍ على المِنْبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر]. ورسول اللَّه ﷺ يقول هكذا بِيَدهِ، يُحَرّكُها، يُقْبِلُ بِها وَيُدْبِرُ: "يُمَجِّدُ الرَّبُّ سُبحانَه نَفْسَه: أنَا الجَبّارُ، أنا المُتَكَبِّرُ أنا الملك، أنا العزيزُ، أنا الكريم" فرجف برسول اللَّه ﷺ المنبرُ حتى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ به. وهذا لفظ أحمد (٤) وقد ذكرنا الأحاديث المتعلّقة بهذا المقام عند تفسير هذه الآية من كتابنا "التفسير"، بأسانيدها وألفاظها بما فيه كفاية وللَّه الحمد.

стр. 7913

فصل قال في حديث الصُّور: "وَيُبدِّلُ اللَّهُ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ فَيبْسُطُها، وَيسْطَحُهاِ، وَيمُدُّها مدّ الأديم العُكَاظِيّ. . . " إلى آخر الكلام كما تقدم. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم]. وفي "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ قالت: إنّ رسول اللَّه سُئِل: أينَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْم تُبَدَّلُ الأَرْضُ والسماوات؟ فقال: "هم في الظُّلْمةِ دون الجسر" (١)، وقد يكون المراد بذلك تبديلٌ آخرُ غيرُ هذا المذكور في هذا الحديث، وهو أن تُبَدَّلَ مَعَالمُ الأرض فيما بين النفختين، نفخةِ الصَّعْقِ، وَنفْخةِ البَعْث، فتسِيرُ الجبال وتُمَدُّ الأَرْضُ، وَيبْقَى الجمِيعُ صَعِيدًا واحِدًا لا اعْوِجَاج فيهِ ولا روَابِيَ ولا أوْدِيَة، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه] أي لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ] وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة] وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ [الكهف]. فصل قال في حديث الصور: "ثم يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ تَحتِ العَرْشِ ماءً، فتُمْطِر السَّماءُ أربعينَ يَوْمًا حَتّى يكون الماءُ فَوْقَكُمُ اثْنَي عَشَر ذِرَاعًا، ثمّ يأمر اللَّه الأجسادَ أنْ تَنْبُتَ كَنبَاتِ الطَّرَاثيثِ، وهي صِغَارُ القِثَّاء، أو كَنبَاتِ البَقْل". وتقدّم في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمدُ ومسلم: "ثم يُرسل مطرًا كأنَّه الطَّلُّ، أو الظِّلّ، فتنْبتُ مِنْهُ أجساد الناسِ، ثم يُنْفَخُ فيه أخرى، فإذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون، ثم يقال: يا أيُّها الناسُ هَلُمُّوا إلى ربكم. . . " إلى آخر الحديث، وقد تقدم بطوله من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص (٢). وروى مسلم عن أَبي كُرَيْب، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. . . وذكر الحديث، ثم قال في الثالثة بعد قوله: أبيتُ، قال: "ثمّ يُنْزِلُ اللَّه منَ السَّماءِ مَاءً

стр. 7914

فَتَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ" قال: "وليس من الإنسان شيءٌ إلّا يَبْلَى، إلّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْب الذَّنَبِ، ومنه يُرَكَّب الخَلْق يَوم القيامة". وقد تقدم هذا الحديث من رواية البخاري ومسلم، وليس عند البخاري ما ذكرنا من هذه الزيادة، وهي ذكر نزول الماء. . . إلى آخره (١). وقال أبو بكر بن أبي الدُّنْيا في كتاب "أهوال يوم القيامة": حدّثنا أبو عمّار الحسين بن حُرَيْث المَرْوَزِيّ، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، حدّثني أُبَي بن كَعْبٍ قال: سِتُّ آياتٍ قَبْل يَوْمِ القيامةِ: بينَما الناسُ في أَسْوَاقِهِمْ إذ ذهب ضوءُ الشمس، فبينما هم كذلك إذْ وقعت الجبالُ على وَجْه الأرض، فتحرَّكَتْ، واضْطَرَبَتْ، واختلطت، وفَزِعَتِ الجِنّ إلى الإِنْس، والإنس إلى الجِنّ، واخْتَلَطَتِ الدّوابُّ والطير والوَحْشُ، فماجوا بعضُهم في بعض، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير] قال: انْطَلَقَتْ ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير] قال: أهملها أهْلُها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير] قال الجن للإنس: نحنُ نأتيكم بالخَبر، فانطلقوا إلى البَحْر، فإذَا هو نَارٌ تَأَجَّحُ، فبينما هُمْ كذلك إذ تَصَدَّعَتِ الأَرْضُ صَدْعَةً وَاحِدةً، إلى الأَرْض السابعة السُّفْلَى، وإلى السَّماءَ السابعة العُلْيَا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم رِيحٌ فأمَاتَتْهُم (٢). وقال ابن أبي الدّنيا: حدّثنا هارون بن عُمَر القُرَشِيّ، حدثنا الوليد بن مُسْلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السَّكْسَكِيّ، قال: يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طيِّبَةً بَعْدَ قَبْض عِيسَى ابن مَرْيم، ﵊، وعند دُنُوٍّ من الساعة، فتقْبضُ روح كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَةٍ، ويَبقى شِرارُ النَّاسِ يَتهَارَجَونَ تَهَارُجَ الحُمُر، عليهم تقوم الساعة، فبينما هم على ذلك إذ بعث اللَّه على أهل الأرض الخوف، فتَرْجُفُ بهم أقدامُهم ومساكنُهم، فتخرجُ الجِن والإنس والشياطينُ إلى سِيف (٣) البَحْرِ، فيمكثون كذلك ما شاء اللَّهُ، ثم تقول الجِنُّ والشياطين: هَلُمَّ نلتمس المَخْرَج، فيأتون خَافِقَ المَغْرِب (٤)، فيَجِدُونَه قَدْ سُدَّ، وعليه الحَفَظَةُ، ثم يرجعون إلى الناس، فبينما هُمْ على ذلك، إذ أَشْرَفتْ عليهم الساعةُ، ويسمعون مُنادِيًا يُنادِي: يا أيُّها الناسُ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] قال: فما المرأةُ بأشَدّ استماعًا من الوليد في حَجْرِها، ثمّ يُنْفَخُ في الصُّورِ فيَصْعَقُ مَنْ فِي السّموات، ومن في الأرض، إلّا من شاء اللَّه (٥). وقال أيضًا: حدّثنا هارون بن سفيان، حدّثنا محمد بن عمر، حدّثنا معاوية بن صالح، عن

стр. 7915

عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَير، عن أبيه، عن فضالة بن عُبَيد، عن النبيّ ﷺ . ح وحدّثنا هِشامُ بن سَعْد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن حُجَيْرَة، عن عُقْبة بن عامر، عن النبيّ ﷺ قال: "تَطْلعُ الساعةُ عليكم سحابةً سوداءَ مثلَ التُّرْسِ من قِبَل المَغْرِب، فما تزال ترتفع وترتفع، حتى تملأ السماء، ويُنادي مناب: أيُّها الناسُ، إنّ أَمْرَ اللَّهِ قد أتى، فوالذي نفسي بِيَدِه، إنّ الرجلين لَيَنْشُرانِ الثَّوْبَ فَمَا يَطْوِيانه، وإنّ الرَّجلَ لَيَلُوطُ حَوْضَه فَما يَشْرَب منه، وإنّ الرَّجُلَ ليَحْلِبُ لِقْحَتَهُ، فما يَشْرَبُ مِنْها شَيْئًا" (١). وقال محارب بن دِثَار: وإنَّ الطَّيْر يَوْمَ القِيامَةِ لَتَضْرِبُ بأَذْنَابِها، وتَرْمِي بما في حَواصِلها من هول ما تَرى، ليس عندها طَلِبَةٌ. رواه ابن أبي الدُّنْيَا في "الأهوال" (٢). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا الحسن بن يحيى العَبْدِيّ، حدّثنا عبد الرزّاق، حدّثنا عبد اللَّه بن بَحِير، سمعت عبد الرحمن بن يزيد الصَّنْعانِيّ، سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ سَرّه أَنْ يَنْظُرَ إلى يَوْم القيامة رأي العين فلْيقْرأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ". ورواه أحمدُ، والترمذيّ، من حديث عبد اللَّه بن بَحير (٣). نفخة البعث قال اللَّه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ [الزمر: ٦٨ - ٧٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ١٨ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس: ٥١ - ٥٤]. وذُكِرَ في حديث الصُّورِ بعد نَفْخَةِ الصَّعق، وفناء الخلق، وبقاء الحَيّ القَيّوم الذي لا يموتُ، الذي
следующие страницы →