← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

نفخة الصَّعق يموت بسببها جميع الموجودين من أهل السماوات والأرض، من الإنس، والجِنّ، والملائكة، إلّا مَنْ شاء اللَّه، فقيل: هم حَمَلةُ العرش، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وملَك الموت، وقيل: هم الشهداء، وقيل غير ذلك. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨] وتقدّم في حديث الصُّور أنّ اللَّه تعالى يأمر إسرافيل فيقول له: انفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فينفُخ، فيَصْعَقُ من في السماوات والأرض إلّا من شاء اللَّهُ، فيقول اللَّه تعالى لملَك الموت، وهو أعلم بمن بَقِيَ: فمن بقي؟ فيقول: بقيتَ أنتَ الحَيّ الذي لا يموت، وبَقيَتْ حَملةُ عَرْشِك، وبقي جبريلُ وميكائيل، فيأمره اللَّه بقبض روح جبريل وميكائيل، ثم يأمره بقبض أرواح حملة العرش، ثم يأمره أن يموت، وهو آخِرُ من يموت من الخلائق. وقد تقدم ما رواه ابنُ أبي الدُّنْيا من طريق إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب، من قوله فيما بلغه، وعنه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أن اللَّه تعالى يقول لملَك الموت: أنتَ خَلْقٌ من خلقي، خلقتك لِمَا رأيتَ، فمُتْ، ثم لا تَحْيَا. وقال محمد بن كعب فيما بلغه: فيقول له: مُتْ مَوْتًا لا تَحيا بعده أبدًا، فيَصْرُخ عند ذلك صَرْخَةً لَوْ سَمِعَها أَهْلُ السماوات والأرض لمَاتُوا فزَعًا. قال الحافظ أبو موسى المديني: لم يُتابَع إسماعيل بن رافع على هذه اللفظة، ولم يَقُلْها أكثر الرواة. قلت: وقد قال بعضُهم في معنى هذا: مُت موتًا لا تحيا بعده أبدًا، يعني: لا تكون بعد هذا مَلَكَ مَوْتٍ أبدًا، لأنّه لا موتَ بَعد هذا اليوم، كما ثبت في "الصحيح": "يُؤْتَى بالْمَوْتِ يَوم القِيامة في صورة كَبْشٍ أمْلَحَ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، ثم يقال: يا أهْل النّارِ خُلُودٌ ولَا مَوْت، ويا أَهْلَ الْجَنّة خُلُودٌ وَلَا موت" (١)، فمَلَك الموت وإن حَيِيَ بعد ذلك لا يكون مَلَكَ موْتٍ بعدَها أبدًا، واللَّه أعلم، بل ينشئه اللَّه خلقًا آخر غير ذلك كالملائكة. وبثقدير صحة هذا اللفظ عن النبيّ ﷺ فظاهر ذلك أنه لا يَحْيا بعدَ موته أبدًا، فيكون التأويل المتقدم بعيدَ الصحة، واللَّه أعلم.

стр. 7912

فصل قال في حديث الصور: فإذَا لم يبقَ إلا اللَّهُ الواحد الأحدُ الفردُ الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحَدٌ، كان آخِرًا كما كان أوّلًا، طَوَى السماوات والأرض، كَطّي السِّجِلِّ لِلْكتاب، ثم دَحَاهُما، ثم تَلَقَّفَهُمَا ثلاثَ مَرّاتٍ، وقال: أنا الجبّار، ثلاثًا، ثم يُنادِي: لِمَن المُلكُ اليَوْمَ؟ ثلاث مرات، فلا يُجيبه أحد، ثم يقول تعالى مُجِيبًا لِنَفْسِه: للَّه الواحدِ القَهّار. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (١) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]. وثَبت في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "يَقْبِضُ اللَّهُ تعالى الأَرْضَ، ويطْوِي السَّماءَ بيمينِه، ثم يقول: أنا المَلِكُ، أنَا الجَبّار، أيْنَ مُلُوكُ الأرض؟ أيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ" (٢). وفيهما، عن ابن عمر: أنّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّهَ يَقْبضُ يَوْمَ القِيَامةِ الأرَضِينَ، وَتكُونُ السَّمَاواتُ بِيَميِنِه ثُمَّ يَقُولُ: أنَا المَلِكُ" (٣). وفي "مُسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، من حديث عُبَيْد اللَّه بن مِقْسَم، عن ابن عمر: أنّ رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية ذاتَ يَوْمٍ على المِنْبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر]. ورسول اللَّه ﷺ يقول هكذا بِيَدهِ، يُحَرّكُها، يُقْبِلُ بِها وَيُدْبِرُ: "يُمَجِّدُ الرَّبُّ سُبحانَه نَفْسَه: أنَا الجَبّارُ، أنا المُتَكَبِّرُ أنا الملك، أنا العزيزُ، أنا الكريم" فرجف برسول اللَّه ﷺ المنبرُ حتى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ به. وهذا لفظ أحمد (٤) وقد ذكرنا الأحاديث المتعلّقة بهذا المقام عند تفسير هذه الآية من كتابنا "التفسير"، بأسانيدها وألفاظها بما فيه كفاية وللَّه الحمد.

стр. 7913

فصل قال في حديث الصُّور: "وَيُبدِّلُ اللَّهُ الأَرْضَ غَيْرَ الأَرْضِ فَيبْسُطُها، وَيسْطَحُهاِ، وَيمُدُّها مدّ الأديم العُكَاظِيّ. . . " إلى آخر الكلام كما تقدم. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم]. وفي "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ قالت: إنّ رسول اللَّه سُئِل: أينَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْم تُبَدَّلُ الأَرْضُ والسماوات؟ فقال: "هم في الظُّلْمةِ دون الجسر" (١)، وقد يكون المراد بذلك تبديلٌ آخرُ غيرُ هذا المذكور في هذا الحديث، وهو أن تُبَدَّلَ مَعَالمُ الأرض فيما بين النفختين، نفخةِ الصَّعْقِ، وَنفْخةِ البَعْث، فتسِيرُ الجبال وتُمَدُّ الأَرْضُ، وَيبْقَى الجمِيعُ صَعِيدًا واحِدًا لا اعْوِجَاج فيهِ ولا روَابِيَ ولا أوْدِيَة، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه] أي لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ] وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة] وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ [الكهف]. فصل قال في حديث الصور: "ثم يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ تَحتِ العَرْشِ ماءً، فتُمْطِر السَّماءُ أربعينَ يَوْمًا حَتّى يكون الماءُ فَوْقَكُمُ اثْنَي عَشَر ذِرَاعًا، ثمّ يأمر اللَّه الأجسادَ أنْ تَنْبُتَ كَنبَاتِ الطَّرَاثيثِ، وهي صِغَارُ القِثَّاء، أو كَنبَاتِ البَقْل". وتقدّم في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمدُ ومسلم: "ثم يُرسل مطرًا كأنَّه الطَّلُّ، أو الظِّلّ، فتنْبتُ مِنْهُ أجساد الناسِ، ثم يُنْفَخُ فيه أخرى، فإذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون، ثم يقال: يا أيُّها الناسُ هَلُمُّوا إلى ربكم. . . " إلى آخر الحديث، وقد تقدم بطوله من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص (٢). وروى مسلم عن أَبي كُرَيْب، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. . . وذكر الحديث، ثم قال في الثالثة بعد قوله: أبيتُ، قال: "ثمّ يُنْزِلُ اللَّه منَ السَّماءِ مَاءً

стр. 7914

فَتَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ" قال: "وليس من الإنسان شيءٌ إلّا يَبْلَى، إلّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْب الذَّنَبِ، ومنه يُرَكَّب الخَلْق يَوم القيامة". وقد تقدم هذا الحديث من رواية البخاري ومسلم، وليس عند البخاري ما ذكرنا من هذه الزيادة، وهي ذكر نزول الماء. . . إلى آخره (١). وقال أبو بكر بن أبي الدُّنْيا في كتاب "أهوال يوم القيامة": حدّثنا أبو عمّار الحسين بن حُرَيْث المَرْوَزِيّ، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، حدّثني أُبَي بن كَعْبٍ قال: سِتُّ آياتٍ قَبْل يَوْمِ القيامةِ: بينَما الناسُ في أَسْوَاقِهِمْ إذ ذهب ضوءُ الشمس، فبينما هم كذلك إذْ وقعت الجبالُ على وَجْه الأرض، فتحرَّكَتْ، واضْطَرَبَتْ، واختلطت، وفَزِعَتِ الجِنّ إلى الإِنْس، والإنس إلى الجِنّ، واخْتَلَطَتِ الدّوابُّ والطير والوَحْشُ، فماجوا بعضُهم في بعض، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير] قال: انْطَلَقَتْ ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير] قال: أهملها أهْلُها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير] قال الجن للإنس: نحنُ نأتيكم بالخَبر، فانطلقوا إلى البَحْر، فإذَا هو نَارٌ تَأَجَّحُ، فبينما هُمْ كذلك إذ تَصَدَّعَتِ الأَرْضُ صَدْعَةً وَاحِدةً، إلى الأَرْض السابعة السُّفْلَى، وإلى السَّماءَ السابعة العُلْيَا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم رِيحٌ فأمَاتَتْهُم (٢). وقال ابن أبي الدّنيا: حدّثنا هارون بن عُمَر القُرَشِيّ، حدثنا الوليد بن مُسْلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السَّكْسَكِيّ، قال: يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طيِّبَةً بَعْدَ قَبْض عِيسَى ابن مَرْيم، ﵊، وعند دُنُوٍّ من الساعة، فتقْبضُ روح كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَةٍ، ويَبقى شِرارُ النَّاسِ يَتهَارَجَونَ تَهَارُجَ الحُمُر، عليهم تقوم الساعة، فبينما هم على ذلك إذ بعث اللَّه على أهل الأرض الخوف، فتَرْجُفُ بهم أقدامُهم ومساكنُهم، فتخرجُ الجِن والإنس والشياطينُ إلى سِيف (٣) البَحْرِ، فيمكثون كذلك ما شاء اللَّهُ، ثم تقول الجِنُّ والشياطين: هَلُمَّ نلتمس المَخْرَج، فيأتون خَافِقَ المَغْرِب (٤)، فيَجِدُونَه قَدْ سُدَّ، وعليه الحَفَظَةُ، ثم يرجعون إلى الناس، فبينما هُمْ على ذلك، إذ أَشْرَفتْ عليهم الساعةُ، ويسمعون مُنادِيًا يُنادِي: يا أيُّها الناسُ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] قال: فما المرأةُ بأشَدّ استماعًا من الوليد في حَجْرِها، ثمّ يُنْفَخُ في الصُّورِ فيَصْعَقُ مَنْ فِي السّموات، ومن في الأرض، إلّا من شاء اللَّه (٥). وقال أيضًا: حدّثنا هارون بن سفيان، حدّثنا محمد بن عمر، حدّثنا معاوية بن صالح، عن

стр. 7915

عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَير، عن أبيه، عن فضالة بن عُبَيد، عن النبيّ ﷺ . ح وحدّثنا هِشامُ بن سَعْد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن حُجَيْرَة، عن عُقْبة بن عامر، عن النبيّ ﷺ قال: "تَطْلعُ الساعةُ عليكم سحابةً سوداءَ مثلَ التُّرْسِ من قِبَل المَغْرِب، فما تزال ترتفع وترتفع، حتى تملأ السماء، ويُنادي مناب: أيُّها الناسُ، إنّ أَمْرَ اللَّهِ قد أتى، فوالذي نفسي بِيَدِه، إنّ الرجلين لَيَنْشُرانِ الثَّوْبَ فَمَا يَطْوِيانه، وإنّ الرَّجلَ لَيَلُوطُ حَوْضَه فَما يَشْرَب منه، وإنّ الرَّجُلَ ليَحْلِبُ لِقْحَتَهُ، فما يَشْرَبُ مِنْها شَيْئًا" (١). وقال محارب بن دِثَار: وإنَّ الطَّيْر يَوْمَ القِيامَةِ لَتَضْرِبُ بأَذْنَابِها، وتَرْمِي بما في حَواصِلها من هول ما تَرى، ليس عندها طَلِبَةٌ. رواه ابن أبي الدُّنْيَا في "الأهوال" (٢). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا الحسن بن يحيى العَبْدِيّ، حدّثنا عبد الرزّاق، حدّثنا عبد اللَّه بن بَحِير، سمعت عبد الرحمن بن يزيد الصَّنْعانِيّ، سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ سَرّه أَنْ يَنْظُرَ إلى يَوْم القيامة رأي العين فلْيقْرأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ". ورواه أحمدُ، والترمذيّ، من حديث عبد اللَّه بن بَحير (٣). نفخة البعث قال اللَّه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ [الزمر: ٦٨ - ٧٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ١٨ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس: ٥١ - ٥٤]. وذُكِرَ في حديث الصُّورِ بعد نَفْخَةِ الصَّعق، وفناء الخلق، وبقاء الحَيّ القَيّوم الذي لا يموتُ، الذي

стр. 7916

كان قبل كلِّ شيء، وهو الآخِرُ بَعْدَ كلّ شيء، وأنّهُ يُبَدِّل السماواتِ والأرضَ بين النفختين، ثم يأمر بإنزال الماء على الأرض، الذي تُخْلَق منه الأجساد في قبورها، وتتركب في أجداثها، كما كانت في حياتها، في هذه الدنيا، ثم يدعو اللَّهُ بالأَرْواحِ فيُؤْتَى بِهَا، تَتَوَهَّجُ أرْواحُ المُؤْمِنين نُورًا، والأُخْرى ظُلْمةً، فتوضع في الصُّور، ويَأْمُرُ اللَّه تعالى إسرافيلَ أَنْ يَنْفُخَ نَفْخَةَ البَعْثِ، فتَخْرجُ الأَرْواحُ كأنّها النَّحْلُ، قد مَلأَتْ ما بَيْن السَّماءِ وَالأَرضِ، فتدخل كل روح على جسدها التي كانت فيه في هذه الدار، فتمشي الأرواح في الأجساد مَشْيَ السُّم في اللَّدِيغ، ثمّ تنشق الأرضُ عنهم، كما تنشق عن نباثها، فيخْرجُونَ مِنها سِراعًا إِلَى رَبّهمْ ينْسِلُون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر] حُفاةً عُراةً غُرْلًا. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤). . .﴾ إلى آخر السورة [المعارج]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢). . .﴾ إلى آخر السورة [ق: ٤١ - ٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر] وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح]. إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على البعث والنشور. وقال ابن أبي الدُّنيا: حدثنا [حمزة بن العباس،، حدّثنا عبد اللَّه بن عثمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سفيان، عن سَلمةَ بن كُهَيْل، عن أبي الزَّعْراء، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: يُرْسِلُ اللَّه قبل يوم القيامة ريحًا فِيهَا صِرُّ (١) بارِدَة وزَمْهَرِيرًا باردًا، فلا تذَرُ على الأرض مُؤْمِنًا إلّا كُفِتَ بتلْكَ الريح، ثم تقوم الساعةُ على الناس، فيقوم ملَكٌ بَيْن السَّماء والأَرضِ بالصُّور، فينفخُ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلّا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء اللَّه أن يكون، فيُرسل اللَّه ماءً من تحت العَرْش فَتنْبُتُ جُسْمَانُهم ولُحْمانُهمْ من ذلك الماء، كما تَنْبُت الأرض من الثَّرى، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر] ثم يقوم ملَك بين السماء والأرض بالصُّور، فينفخُ فيه، فَتنْطَلِقُ كُلُّ نَفْس إلى جَسَدها، فتَدْخُل فِيهِ، وَيقُومُونَ، فيجيئون قيامًا لربّ العَالمِينَ (٢). وعن وهب بن منبه، قال: يَبْلَوْنَ في القُبور، فإذَا سَمِعُوا الصَّرْخَةَ عادتِ الأرواحُ في الأبدان،

стр. 7917

والمفاصلُ بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا الصرخة الثانية وثب القومُ قيامًا على أرْجُلِهِم، يَنْفُضُون التُّرابَ عن رؤوسهم، يقول المؤمنون: سُبْحَانَك ما عَبَدْناك حَقَّ عِبَادَتِكَ (١). ذكر أحاديث في البعث قال سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهَيْل، عن أبي الزَّعْراء، عن عبد اللَّه قال: يُرْسِلُ اللَّه رِيحًا فيهَا صِرٌّ باردةً، وزمهَرِيرًا بَارِدَةً، فلا يبقى على الأرض مُؤْمِنٌ إلّا كُفِتَ (٢) بِتلكَ الرِّيح، ثم تقوم الساعة. . . وذكر الحديث كما تقدم في المقال قبله. وقال ابن أبي الدُّنيا: أخبرنا أبو خيثمة، حدثنا يزيدُ بن هارون، حدثنا حمّاد بنُ سَلمة، عن يعلى ابن عطاء، عن وَكيع بن عُدُس، عن عمه أبي رَزِين، قال: قلت: يا رسول اللَّه، كيف يُحْيي اللَّهُ المَوْتى؟ وما آيةُ ذلك في خَلْقه؟ قال: "يا أبا رَزِين، أَما مَرْرتَ، بِوَادِي أهْلِكَ مَحْلًا (٣) ثُمَّ مَرَرْتَ بِه يهْتَزّ خَضِرًا؟ " قلت: بَلَى، قال: "فكذلك يُحْيي اللَّهُ المَوْتَى، وذلك آيتُه في خَلْقِه". وقد رواه أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، وغُنْدَر، كلاهما عن شُعْبةَ، عن يعلى بن عطاء، به نحوه، أو مثْلَه (٤). وقد رواه أحمد من وجه آخر، فقال: حَدّثنا عليّ بن إسحاق، حدثنا عبد اللَّه بن المُبارك، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليمان بن موسى، عن أبي رَزِين العُقَيْلِيّ، قال: أَتَيْتُ رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه، كَيْفَ يُحْيي اللَّه المَوْتَى؟ قال: "أَمَررْتَ بأَرْضٍ مِنْ أرْضِكَ مُجْدِبَةً، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهَا مُخْصِبةً؟ " قال: قلت: نعم، قال: "كذلك النُّشُور"، وقال: قلت: يا رسول اللَّه، ما الإيمان؟ قال: "أنْ تَشْهَد أنْ لَا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن يكون اللَّهُ ورسولُه أحَبّ إلَيْكَ مما سِواهُمَا، وَأَنْ تُحْرَق بالنار أحَبُّ إلَيْكَ مِنْ أَنْ تُشْرِكَ باللَّهِ، وأنْ تُحِبَّ غَيْر ذِي نَسَب لا تُحِبُّه إلا للَّه ، فإذا كنتَ كذَلِك، فَقْد دَخَل حُبُّ الإيمانِ في قَلْبِك، كما دَخَل حُبُّ المَاء قلبَ الظمآن في الْيَوْمِ القَائِظِ". قلت: يا رسول اللَّه، كيف لي بأن أعلمَ أنِّي مُؤمن؟ قال: "ما من أمَّتي أو هذه الأمة عبدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً، فيَعْلَمُ أنّها حَسَنةٌ، وأن اللَّه جازيه بها خيرًا، ولَا يعْمَلُ سَيِّئَةً فَيْعلَم أنّها سَيِّئة، ويستغفر اللَّه منها، وَيعلَم أنّه لَا يغْفِرُ إلّا هُوَ، إلا وَهُوَ مؤْمِن" تفرّد به أحمد (٥).

стр. 7918

حديث أبي رزين في البعث والنشور أخبرني شيخُنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِزِّيّ، تغمّده اللَّه برحمته، وغيرُ واحدٍ من المشايخ، قراءةً عليهم وأنا أسمع، قالوا: أخبرنا فخرُ الدين عليّ بن عبد الواحد، ابن البخاريّ، وغيرُ واحدٍ، قالوا: أخبرنا حنبل بن عبد اللَّه المكبِّر، أخبرنا أبو القاسم هبةُ اللَّه بن الحُصَين الشيبانيّ، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي ابن المُذْهِب التميميّ، أخبرنا أبو بكر، أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعيّ، أخبرنا عبد اللَّه ابن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في "مُسند أبيه"، قال: كتب إليّ إبراهيمُ بنُ حمزة بن محمد بن حمزة بن مُصْعَب بن الزُّبَيْر الزُّبَيْرِيّ: كتبتُ إلَيكَ بهذا الحديث، وقد عَرَضْتُهُ، وسمعته على ما كتبتُ به إليكَ، فحدِّث بذلك عنِّي، قال: حدثني عبد الرحمن بن المُغيرة الحِزامي، قال: حدّثني عبد الرحمن بن عيّاش السَّمعي الأنْصارِيّ القُبَائِيّ، من بني عمرو بن عَوف، عن دَلْهَم بنِ الأَسْودِ بن عبد اللَّه بن حاجب بن عامر بن المُنْتَفِق العُقَيْلِيّ، عن أبيه، عن عمّه لَقِيطِ بن عامر، قال دَلْهَم: وحدّثنيه أبي الأسودُ، عن عاصم بن لَقِيط، أنّ لَقِيطًا خرج وافدًا إلى رسول اللَّه ﷺ ومعه صاحبٌ له، يقال له: نَهِيك بن عاصم بن مالك بن المُنْتَفِق، قال لقيط: فخرجتُ أنا وصاحبي حتّى قَدِمْنا على رسول اللَّه ﷺ [لانسلاخ رجب، فأتينا رسول اللَّه ﷺ فوافيناه] (١) حين انصرف من صلاة الغَدَاةِ، فقام في الناس خطيبًا فقال: "أيُّها الناس، ألَا إني قَدْ خَبأْتُ لَكُمْ صَوْتِي منذ أَرْبعَةِ أيام، ألَا لأُسمِعَنَّكُمْ، ألَا فَهَلْ مِن امْرئٍ بعَثَهُ قَوْمُه؟ " فقالوا: اعلمْ لنَا ما يَقُولُ رسول اللَّه ﷺ ، "ألَا ثُمَّ لَعلّه أن يُلْهِيَهُ حَدِيثُ نَفْسِه، أو حديث صَاحِبه، أو يُلْهيه الضّلال، ألَا إني مسؤول: هلْ بَلَّغْتَ؟ ألا اسْمَعُوا تعيشوا، ألَا اجْلِسُوا، ألَا اجْلسُوا"، قال: فجلس الناس، وقُمْتُ أنا وصاحبي، حتَّى إذَا فَرَغ لنَا فُؤادُه وبَصَرُه. قلت: يا رسول اللَّه، ما عِنْدَكَ مِنْ عِلْم الغَيْبِ؟ فضحك لَعَمْرُ اللَّه، وهَزْ رَأسَهُ، وعلم أني أبْتَغي لِسَقْطِهِ، فقال: "ضَنَّ رَبُّك بمفاتيح خَمْسٍ مِنَ الغَيْب، لَا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ"، وأشار بيَدهِ، قلت: وما هن؟ قال: "عِلْمُ المَنيَّةِ، قد علم متى مَنِيَّةُ أحدكم، ولا تعلمونه، وعِلمُ المنيّ حِينَ يكونُ في الرَّحِم قَدْ علِمَه ولا تعلمون، وعِلمُ ما في غد وما أنت طَاعِمٌ غدًا، ولا تعلمه، وعِلْمُ يومِ الغَيْثِ يُشْرِفُ عليكم آزِلِينَ (٢) مُسنتين، فَيظَلُّ يَضْحَك قد علم أنّ غَيْرَكُمْ (٣) إلى قَريبٍ". قال لقيط: قلت: لن نَعْدَمَ من ربٍّ يَضْحَكُ خيرًا، "وعِلْمُ يَوْمِ الساعة". قلت: يا رسول اللَّه، عَلِّمْنَا مِمّا تُعَلِّم النَّاسَ، وَمَا تَعْلَم، فإنّا مِنْ قَبِيلٍ لَا يُصَدِّقُونَ تصديقنا أَحَدٌ مِنْ مذْحِجٍ التي

стр. 7919

تربو (١) عَلَيْنَا، وَخَثْعَم التي تُوالينا (٢)، وَعَشِيرَتِنا التي نَحْنُ منها، قال: "تَلْبَثُونَ ما لَبِثْتُمْ ثم يُتوفى نَبِيّكم، ثم تَلْبَثُونَ ما لَبِثْتُم، ثم تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، لَعَمْرُ إلهِكَ ما تَدَعُ على ظَهْرِهَا مِنْ شَيْءٍ إلّا ماتَ، والملائكةُ الذين مع ربك ، فأصبْحَ رَبُّك يطوف في البلاد وخَلَتْ عَلَيْه البلاد، فأرسلَ ربُّك السماءَ، تَهْضِبُ (٣) مِنْ عِنْد العرش، فلَعَمْرُ إلهك ما تدعُ على ظهرها من مَصْرَع قتيل، ولا مَدْفَنِ مَيِّت إلّا شَقَّت القَبْر عنهُ حَتّى تُخْلِفَه (٤) مِنْ عند رأسه، فيستوي جالسًا، يقول ربك: مَهْيَمْ (٥) لما كان فيه، فيقول: يا رب، أمسِ، اليومَ، فلِعهده بالحياة يَحْسَبُه حَدِيثًا بأهْلِه"، فقلت: يا رسول اللَّه كيف يَجْمَعُنا بعد ما تُمَزِّقُنا الرياحُ، والبِلَى، والسِّباعُ؟ قال: "أُنبِّئُك بمثل ذلك في آلاء اللَّهِ، الأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْها وهي مَدَرةٌ (٦) باليةٌ، فقلت: لا تحيا أبدًا، ثم أرسل ربك عليها السماء، فلم تَلْبَثْ عليك إلّا أيامًا حَتّى أَشْرَفْتَ عَلْيها، وهي شَربة واحدة، ولعمر إلهك لَهُو أَقْدَرُ على أَنْ يَجْمَعكُمْ من الماء، على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأَصْوَاءِ (٧) ومِن مصارعكم، فتنظرون إليه، ويَنْظُرُ إليكم". قال: قلت: يا رسول اللَّه، كيف ونحن مِلْءُ الأرض، وهو شخص واحد يَنْظُر إلينا، ونَنْظُر إِلَيْه؟ قال: "أنبِّئك بمثل ذلك في آلاء اللَّه ؟ الشمس، والقمر، آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعةً واحدةً، لا تضامون (٨) في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه منهما"، قال: قلت: يا رسول اللَّه، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: "تُعْرَضُون عليه باديةً له صَفَحَاتكُمْ، لا تَخْفَى عليه منكم خافية، فيأْخُذُ ربُّك بيده غَرْفةً من الماءَ، فيَنْضَحُ قَبِيلَكُمْ بها، فلعَمْرُ إلهك ما تُخطئ وَجْهَ أحدكم منها قطرة، فأما المؤمن فتَدَعُ وَجْهَهُ، مِثْل الرَّيْطَةِ (٩) البَيْضَاءِ، وأما الكافِرُ فتَخْطِمُه (١٠) بمثل الحُمَم (١١) الأسود، أَلا ثُمَّ ينصرف نَبِيُّكم، وينصرف الصالحون على أثَرِه، فتسلكون جِسْرًا من النار، فيَطَأُ أحَدُكُم الجَمْرَ ويقول: حَسّ (١٢) فيقول ربك : أَوَانُهُ.

стр. 7920

[ألا] فتَطَّلِعُون (١) على حَوْض الرسول على أظمإِ -واللَّه- ناهِلةٍ (٢) قطُّ رأيتها، فلعَمْرُ إلهك ما يَبْسطُ واحدٌ مِنْكُم يَدَه إلا وقع عليها قَدَحٌ يُطهِّرُهُ مِنَ الطَّوْف (٣) والبَوْل والأذَى، وتُحْبَسُ الشَّمْسُ والقَمَرُ ولا ترون منهما واحدًا"، قال: قلت: يا رسول اللَّه، فبم نُبْصِر؟ قال: "بمثلِ بصركَ ساعتَك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقَتْ فِيه الأرْضُ وواجَهَتْه الجبَالُ". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فبم نُجْزَى مِنْ سيئاتِنا، وحَسنَاتِنَا؟ قال: "الحَسَنَةُ بِعَشر أمثالها، والسيئةُ بمثلها، إلا أنْ يَعْفُوَ" قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما الجنة؟ وما النار؟ قال: "لَعَمْرُ إلهك إن للنار لَسَبْعَةَ أبواب، ما مِنْهن بابان إلا يَسِيرُ الراكب بينهما سبعين عامًا، وإن للجنة لثمانية أبواب، ما مِنْهُنَّ بابَان إلا يسيرُ الراكب بينهما سبْعين عامًا"، قال: قلت: يا رسول اللَّه، فعلامَ نطَّلِع من الجَنّة؟ قال: "على أنْهَارٍ منْ عَسَلٍ مُصَفّى، وَأَنْهارٍ مِنْ كَأْسٍ ما بِهَا مِنْ صُدَاعٍ، وَلا نَدامَةٍ، وأنهارٍ من لَبَن لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وفاكهةٍ لَعَمْرُ إلهك ما تَعْلَمُون، وَخَيْرٍ مِنْ مِثْلِهِ مَعَه، وَأَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ" قلت: يا رسول اللَّه، ولنا فيها أزواج؟ أوَ مِنْهُنّ مُصْلِحَاتٌ، قال: "الصالحاتُ للصالحين، تَلَذُّونَهُن مِثْل لَذاتِكُمْ في الدُّنيا وَيَلْذَذْن بكم، غير أنْ لا توالُدَ". قال لقيط: فقلت: يا رسول اللَّه أقصى ما نحنُ بالغونَ ومُنْتهون إليه؟ فلم يجبه النبيُّ ﷺ قلت: يا رسول اللَّه، علامَ أُبَايِعُكَ؟ فبسط رسول اللَّه ﷺ يده، وقال: "على إقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وزِيالِ المشْركِ (٤)، وألّا تُشْرِك باللَّه غيرَه". قال: قالت: وإنَّ لَنَا مَا بَيْنَ المشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؟ فقبض النبي ﷺ يده وبسط أصابعه، وظَنّ أنِّي مُشْترط شيئًا لا يُعْطِينِيهِ، قال: قلت: نَحِلُّ مِنْها حَيْثُ شِئْنا، ولا يجْني على امْرئٍ إلا نَفْسُهُ، فبسط يده وقال: "ذلك لك، تَحِلّ حَيْثُ شِئْتَ، ولا يَجْنِي عَليكَ إلَّا نَفْسُك"، قال: فانصرفنا، فقال: "إنَّ هذين لَعَمْرُ إلهك مِنْ أتقى الناس في الأولى والأخرى"، فقال له كعبُ بنُ الخُداريَّة، أحدُ بني بَكْر بن كِلاب: مَنْ هم يا رسول اللَّه؟ قال: "بنو المنتفق أهل ذلك" قال: فانصرفنا، وأقبلتُ عليه، فقلت: "يا رسول اللَّه، هل لأحَدٍ مِمَّن مضى خيرٌ في جَاهِلِيَّتِهمْ؟ ". قال: فقال رجل من عُرْضِ (٥) قرَيْشٍ: واللَّه إن أباك المنتفق لفِي النارِ، قال: فلكأنَّهُ وقع حَرٌّ بَيْن جِلْدِي وَوَجْهِي ولَحْمِي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهَمَمْتُ أن أقول: وأبوك يا رسول اللَّه، ثم إذا الأخرى أجْمَلُ، فقلت: يا رسول اللَّه، وأهلك؟ قال: "وأهلي، لَعَمْرُ اللَّه ما أتَيْتَ عليه من قَبْر

стр. 7921

عامِريّ، أو قُرَشيّ من مُشركٍ، فَقُلْ: أرْسَلنِي إلَيْك مُحَمد فأُبَشِّرُك بما يَسُوءُك: تُجَرّ على وجهك وبَطْنِك في النَّار". قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما فَعل بهم ذلك؟ وقد كانوا على عَمَل لا يُحْسِنُون إلَّا إيَّاه، وقد كانوا يحسَبون أنهم مصلِحون؟ قال: "ذلك بأن اللَّه بعث في آخر كل سَبْع أممٍ" يعني نبيًّا "فمن عصى نَبِيَّه كان من الضالِّين، ومن أطاع نبيَّه كان من الْمُهتدين". وقد رواه أبو داود في رواية أبي سعيد بن الأعرابي، عن أبي داود، عن الحسن بن علي، عن إبراهيم بن حمزة، به، قال شيخنا: لعله من زيادات ابن الأعرابي (١). وقال الوليد بن مسلم وقد جمع أحاديثَ وآثارًا في مجلد تشهد لحديث الصور في مُتَفّرقاته: أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، في قوله: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤)﴾ [ق] قال: ملَك قائم على صخرة بيت المقدس، ينادي: أيَّتُها العظامُ البالية، والأوصال المُتَقَطِّعة، إنّ اللَّه يَأْمُرُكُنَّ أن تَجْتَمعن لفَصْل القَضاءِ. وبه عن قتادة قال: لا يُفَتَّرُ عن أهل القبور عَذابُ القَبْر إلا فيما بَيْنَ نفخة الصعق، ونفخة البعث، فلذلك يقول الكافر حين يُبَعثُ: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يعني تلك الفترة، فيقول له المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس] (٢). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنى علي بن الحسين بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين، حدثني صَدَقةُ بن بكر السعدي، حدثني معدي بن سُلَيمان، قال: كان أبو مُحَلِّم (٣) الجَسْري يجتمع إليه إخوانُه، وكان حكيمًا، وكان إذا تلا هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس] بكى، ثم قال: إن في القيامة لمعاريض، صفة ذهبت فظاعَتُها بأوهام العقول، أما واللَّه لَئِن كان القومُ في رَقْدَةٍ مثل ظاهرِ قولهم، لمَا دَعَوْا بالوَيْل عند أول وَهْلَةٍ مِنْ بَعْثِهِم، ولم يُوقَفوا بَعْدُ مَوْقِف عَرْضٍ، ولا مُسَاءَلةٍ، إِلّا وَقَدْ عَايَنُوا خَطرًا عَظِيمًا، وحُقِّقت عليهم القيامة بالجلائل من أمرها، ولَئِنْ كانُوا في طُوْل الإقامةِ في البَرْزَخ كانوا يَأْلَمُونَ وَيُعَذَّبون في قبورهم، فما دَعَوْا بالويل عند انقطاع ذلك عنهم إلا وقد نُقِلُوا إلى طَامَّةٍ هي أعظمُ مِنْه، ولولا أن الأمر على ذلك، لما استصغر القوم ما كانوا فيه فسَمَّوهُ رُقادًا، بالنسبة

стр. 7922

إلى ما يستقبلون من أهوال يوم القيامة، كما يقال: هذا الشيء عند هذا الشيء رقادًا، وإن كان في الأول شدائد وأهوال، لكنَّه بالنسبة إلى ما هو أشد منه وأدهى وأمرُّ كأنه رقاد، وإن في القرآن لَدلِيلًا على ذلك، حين يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات] قال: ثم يَبْكي حتى يَبلّ لِحْيَتَه (١). وقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد اللَّه بن العلاء، حدثني بُسر بن عُبيد اللَّه الحَضْرمي: سمعت أبا إدريس الْخَولَانِيَّ يقول: اجتمع الناسُ إلى سائع بينَ العراق والشام في الجاهِليَّة، فقام فيهم، فقال: أيُّها الناسُ، إنكم مَيّتون ثم مَبْعوثون إلى الإدانة والحساب، فقام رجل، فقال: واللَّه لقد رأيتُ رجُلًا لا يَبْعَثُه اللَّهُ أبدًا، رأيته وقع عن راحِلَتِه في مَوْسمٍ من مواسم العرب، فَوطِئَتْهُ الإِبلُ بأَخْفَافها، والدَّوابُّ بحوَافرِها، والرجّالَةُ بأرْجُلِها، حتى رمَّ فلم يبق منه أُنْمُلَةٌ، فقال السائح: بَيْد أنّك من قوم سَخِيفةٍ أحلامُهم، ضعيفٍ يقينُهم، قليلٍ عِلْمُهُمْ، لو أَنَّ الضَّبُعَ بَيَّتت (٢) تلك الرِّمةَ فأكلتها، ثم ثلطتْهَا (٣) ثم غدت عليه الناب (٤) فأكَلَتْهُ وَبَعَرَتْهُ، ثم غدت عليه الجَلَّالَةُ فالْتَقَطته، ثم أَوقَدَتْه تَحْتَ قِدْرِ أَهْلِهَا، ثم نَسَفَتِ الرِّياحُ رَمَادَهُ، لأَمرَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كُلَّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا أَنْ يَرُدَّهُ فَردَّهُ، ثم بعثه اللَّه للإدانة والثواب (٥). وقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر؛ أن شيخًا من شيوخ الجاهلية القُسَاةِ قال: يا محمد، ثَلَاثٌ بَلَغني أَنَّكَ تَقُولُهُنّ، لا يَنْبغي لذي عَقل أنْ يُصَدِّقك فِيهنَّ؛ بلغني أنك تقولُ: إن العربَ تاركةٌ ما كانت تَعْبُدُ هي وآباؤها، وإنا سنظهر على كُنوز كِسْرَى وقَيْصَرَ، وإنَّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ أَنْ نَرِمَّ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَجْل، والذي نَفْسي بيده، لَتَترُكَنَّ العرَبُ ما كانت تَعْبُد هي وآباؤُهَا، وَلتَظهَرنّ على كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَر، وَلتَمُوتَن ثم لتُبْعثَن، ثُمّ لآخُذن بِيَدِكَ يَوْمَ القِيَامة فلأذَكِّرَنَّكَ مَقَالَتكَ هَذِه" قال: وَلا تَضِلَّنِي في الْمَوتَى، وَلَا تَنْسَانِي؟ قال: "ولا أَضِلُّكَ في الْمَوتَى، ولا أَنْساكَ" قال: فبقي ذلك الشيخُ حتى قُبِضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ورأى ظهور المسلمين على كنوز كِسْرى وقَيْصر، فأسْلم، وحَسُن إسلامُه، وكان كثيرًا ما يسمع عُمَرُ بنُ الخَطَّاب ﵁ نحيبه وبكاءه في مسجدِ رسول اللَّه ﷺ ، لإعظامه ما كان واجهَ به رسول اللَّه ﷺ ، وكان عُمر يأتيه، وَيُسَكِّن منه، ويقول له: قد أسلمتَ، ووعدكَ رسول اللَّه ﷺ أن يأخذ بيدك، ولا يأخذ رسول اللَّه ﷺ بيد أحدٍ إلا أفْلَح وسعد إن شاءَ اللَّهُ (٦).

стр. 7923

وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدثنا فُضَيْل بن عبد الوهاب، أخبرنا هُشَيم، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر، قال: جاء العاصُ بنُ وائلٍ إلى رسول اللَّه ﷺ بِعَظْمٍ حَائِلٍ (١)، ففَتَّهُ، وقال: يا محمد، أيبْعَثُ اللَّهُ هذا؟ قال: "نعم، يُمِيتُك اللَّهُ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُك نار جَهَنَّمَ" فنَزلَتْ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس] (٢). وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢] قال: خَلْقُ آدَمَ وخَلْقُكُم ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾ [الواقعة] قال: فهلَّا تُصَدِّقون (٣)؟ وعن أبي جعفر البافر، قال: كان يقال: عجبًا لمن يكذب بالنشأة الآخرة، وهو يرى النشأة الأولى، يا عجبًا كل العجب لِمَنْ يُكَذِّبُ بالنّشر بعد الموت، وَهُو يُنشر في كل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. رواه ابن أبي الدنيا (٤). وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] قال: إعادته أهْوَنُ عليه من ابتدائه، وكُلٌّ عليه يسيرٌ. رواه ابن أبي الدُّنيا (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزّاق، حدّثنا مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه تعالى: كَذَّبَنِي عَبْدِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، أَمّا تَكْذِيبُه إِيّايَ فَقولُه: لن يُعيدني كمَا بَدَأَني. وَأَمّا شَتْمُهُ إِيّايَ فقوله: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلدًا، وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ الّذِي لَم يلِد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحَدٌ" وهو ثابت في "الصحيحين" (٦). وفيهما قصة الذي عهد إلى بنيه إذا مات أن يَحْرِقُوه، ثم يَذْرُوا يوم ريح نِصْف رَمَادِهِ في البَرِّ، وَيصْفَهُ في البَحْرِ، وقال: وَاللَّهِ لَئِن قَدَرَ اللَّهُ عَلَي لَيُعَذبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذّبُه أحدًا مِن العَالَمِين. وذلك أنه لم يَدَّخر له عند اللَّه حَسنةً واحدةً. فلَمّا مات فَعل به بَنُوهُ ما أمرهم به، فأمر اللَّه البَرَّ، فجَمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو رجلٌ قائمٌ بين يدي ربِّه. فقال له: مَا حَملكَ

стр. 7924

على هذا؟ قال: خشْيَتُك وَأَنْتَ أعْلَمُ. قال رسول اللَّه ﷺ : "فما تَلَافاهُ أَنْ غَفَرَ لَه (١) " (٢). وعن صالح المُرِّي قال: دَخَلتُ المقابرَ نِصْفَ النهار، فنظرتُ إلى القبور كأنّهُمْ قوم صُمُوتٌ. فقلت: سُبحانَ مَنْ يُحْييكُم وَيَنْشُركُمْ مِنْ بَعْد طُول البِلَى، فهَتفَ بي هاتفٌ من بَعْضِ تِلكَ الحُفَرِ: يا صالح ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم] قال: فخَرَرْتُ وَاللَّهِ مَغْشِيًّا عَلَيّ. ذكر أسماء يوم القيامة قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي في كتاب "العاقبة": يوم القيامة، وما أدراك ما يومُ القيامة؟ يَومُ الحَسْرةِ والندامة، يوم يَجد كُل عَاملٍ عَمَلَهُ أمامهُ، يوم الدَّمْدَمةِ، يوم الزّلزلة، يَوْمُ الصاعقة، يوم الواقعة، يوم الرَّاجفة، يوم الواجفة، يوم الرَّادفة، يوم الغاشية، يوم الدَّاهية، يوم الآزفة، يوم الحاقة، يوم الطامة، يَوْمُ الصاخّة، يوم التَّلاق، يوم الفراق، يوم المساق، يوم الإشفاق، يوم الإشتاق، يوم القِصَاص، يوم لاتَ حينَ مَناصٍ، يوم التَّنادِ، يوم الأَشْهاد، يوم المَعادِ، يوم المِرْصادِ، يوم المساءلة، يومُ المناقشة، يوم الحساب، يوم المآب، يوم العذاب، يوم الثواب، يوم الفرار لو وُجِدَ الفرار، يوم القَرارِ إمّا في الجنة وإما في النار، يومُ القضاء، يوم الجزاء، يوم البُكَاء، يوم البَلَاء، يوم تَمُورُ السَّماءِ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبَالُ سَيْرًا، يَومُ الحَشْرِ، يومُ النّشر، يوم الجَمْع، يوم البَعْث، يوم العَرْض، يوم الوَزْن، يومُ الحَق، يومُ الحُكْم، يوم الفَصْل، يَومٌ عَقِيمٌ، يوم عَسِيرٌ، يَوْم قَمْطَرِير (٣)، يَوْمٌ عَصِيبٌ، يومُ النُّشُور، يومُ المَصِير، يومُ الدِّين، يومُ اليَقِين، يومُ النَّفْخَةِ، يومُ الصَّيْحَةِ، يوم الرَّجْفةِ، يوم السَّكْرةِ، يوم الرَّجَّة، يَومُ الفَزَعِ، يومُ الجَزَع، يومُ القَلَق، يومُ الفَرَق، يوم العَرَق، يَوْمُ المِيقَاتِ، يَوْم تَخْرُج الأمواتُ وَتَظْهَرُ العَوْراتُ، يومُ الانْشِقَاقِ، يومُ الانْكِدَارِ، يومُ الانْفِطَار، يومُ الانتشار، يومُ الافْتِقار، يوم الوقوف، يومُ الخُروج، يومُ الانْصِدَاع، يومُ الانقطاع، يومٌ معلومٌ، يومٌ مَوْعُودٌ، يَوْمٌ مَشْهُودٌ، يَوْم تُبْلَى السرائر، يوم يظهر ما في الضَّمائِر، ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] يومٌ يُدْعَى فيه إلى النار، يوم لا سجن إلا النار، يَوْلم تَتَقَلّبُ فيه القلوب والأبصار، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر]، يوم تُقَلّب فيه الوجوهُ في النار، يوم البُرُوزِ، يومُ الورود، يومُ الصُّدُور من القبور إلى اللَّه، يومُ لا ينفَعُ مال ولا بنون، يوم لا تنفع المعذرة، يومٌ لا يُرتَجَى فِيه إلَّا المَغْفرة.

стр. 7925

قال: وأهولُ أسمائه، وأبشع ألقابه: يومُ الخلود، وما أدراك ما يومُ الخلود، يوم لا انقطاع لِعقَابِه، ولا يُكْشَفُ فيه عن كَافرٍ ما بِهِ، فنعوذُ باللَّه، ثم نعوذ باللَّه من غضبه وعقابه وبلائه، وسوء قضائه، برحمته وكرمه وجوده وإحسانه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. ذكر أن يوم القيامة، هو يوم النفخ في الصور لبعث الأجساد من قبورها، وأن ذلك يكون في يوم الجمعة وقد ورد في ذلك أحاديث. قال الإمام مالك بن أنس، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلعَتْ فِيه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيه خُلقَ آدَمُ، وفِيهِ أُهْبِطَ، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقومُ الساعة، وما من دابّة إلّا وهي مُصِيخَةٌ (١) يوم الجمعة من حين تُصبحُ حتّى تَطْلُعَ الشمس، شَفقًا مِنَ السَّاعَةِ، إلّا الجنّ، والإنس، وفيها ساعة لا يُصَادِفُها عَبْدٌ مسلم، وهو يصَلّي يَسْألُ اللَّه شيئًا إلّا أعطاه إياه". ورواه أبو داود واللفظ له، والترمذيّ من حديث مالك، وأخرجه النسائيّ عن قُتَيْبَةَ، عن بكر بن مُضر، عن ابن الهاد، به نَحوه وهو أتم (٢). وقد روى الطبرانيُّ في "مُعْجَمه الكبير" من طريق آدم بن عليّ، عن ابن عمر مرفوعًا: "ولا تَقُومُ الساعَةُ إلّا في الأذانِ" قال الطبراني: يعني أذانَ الفَجْرِ يوم الجمعة. وقال الإمام محمد بن إدريسَ الشافعيّ في "مُسْنَدِه": حدّثنا إبراهيمُ بن محمد، حدثني موسى بن عُبَيْدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبيد اللَّه بن عُمَيْر: أنّه سمع أنس بن مالك يقول: أتى جبريلُ بمرآةٍ بَيْضَاءَ فيها نُكْتَةٌ سوداء إلى النبيّ ﷺ ، قال النبي: "ما هذه؟ " قال: "هذه الجُمُعَة فُضِّلْتَ بِهَا أنْتَ وأُمَّتُكَ، فالنَّاسُ لَكُمْ فِيهَا تَبَعٌ، اليَهُودُ، والنصارى، ولكم فيها خَيْرٌ، وفيها ساعةٌ لا يُوافقُها عَبْدٌ مُؤْمِن يدعو اللَّه بخَيرٍ إلا استُجيبَ له، وهو عندنا يومُ المَزِيد". فقال النبي ﷺ : "يا جبريل وما يومُ المَزِيد؟ " فقال: "إنّ رَبَّك اتَّخذَ في الفِرْدَوْسِ وَادِيًا أفْيَحَ (٣) فيه كثُبُ المِسْك، فإذا كانَ يومُ الجُمعة أنْزَل اللَّهُ ما شَاءَ مِنْ الملائكة، ونزل على كرسيِّه وحفَّ حَوْلَهُ مَنابِرَ مِنْ نُورٍ، عَليهَا مَقاعِدُ النّبِيِّينَ، وحَفَّ تِلْكَ المَنابِرَ بمَنابِرَ منْ ذهبٍ مُكَلَّلةٍ بالياقوتِ والزبرجد، عليها الشُّهَدَاءُ،

стр. 7926

والصّدِّيقُونَ، فجَلَسُوا مِنْ ورائهم، على تلك الكُثُب، فيقول اللَّه تعالى: أنا رَبُّكُمْ، قد صَدَقْتكم وعدي، فَسَلُوني أُعْطِكُمْ، فيقولون: رَبّنا، نسألك رِضوَانك، فيقول: قد رَضيتُ عنكم ولكم عليّ ما تَمنَّيْتُمْ، ولدَيَّ مَزِيدٌ، فهمْ يُحِبُّونَ يومَ الجُمُعة لما يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهُمْ من الخير، وهو اليومُ الذي استوى فيه رَبُّكُم على العرْشِ، وفيه خَلَقَ اللَّه آدمَ، وفيه تقوم الساعة. ثم رواه الشافعيّ عن إبراهيم بن محمد أيضًا: حدّثني أبو عِمْران إبراهيم بن الجَعْد، عن أنس شبيِهًا به، قال: وزاد فيه أشياءَ، قلت: وسيأتي ذِكرُ هذا الحديث إن شاء اللَّهُ تعالى في صِفَة الجَنَّةِ بِشَواهِده وأسانِيدِه، وباللَّه المُسْتعَان (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدّثنا حُسَيْنُ بن علي الجُعْفِيّ، عن عبد الرحمن بن يزيدَ بن جابر، عن أبي الأشعث الصَّنْعانيّ، عن أوس بن أوس الثَّقَفيّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مِن أفضل أيّامكم يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَةُ، وفيه الصَّعْقَةُ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم مَعْروضَةٌ عليّ" فقالوا: يا رسول اللَّه، وكيف تُعْرَض عليك صلاتنا وقد أرَمْتَ -يعني بَليتَ-؟ قال: "إنَّ اللَّه حَرّمَ على الأرض أنْ تَأْكُلَ أجْسادَ الأَنْبياءِ". ورواه أبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه، من حديث الحسين بن علي الجُعْفِيّ مثله، وفي رواية لابن ماجه: عن شدّاد بن أوس، بدل "أوس بن أوس" قال شيخنا: وذلك وَهْم (٢). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زُهيْر، يعني ابن محمد، عن عبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاريّ، عن أبي لُبَابة (٣) بن عبد المُنْذِر: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيِّدُ الأيّامِ يوم الجُمُعةِ، وأعظمُها عِنْدَهُ، وأعظمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْم الفِطْر، ويَوْم الأَضْحَى، وفيه خمسُ خِلَال: خَلَق اللَّهُ فيه آدَم، وأهْبَطَ اللَّه فيه آدَم إلى الأرض، وفيه توفّى اللَّهُ آدَمَ، وفيه سَاعة لا يَسْأل العَبْدُ فِيهَا شيئًا إلّا آتاه اللَّهُ إيّاه، ما لم يَسْأَل حَرامًا، وفيه تقومُ الساعةُ، ما مِنْ ملَكٍ مُقَرَّبٍ، ولا سَماءٍ، ولا أرْضٍ، ولا رياح، ولَا جِبَال، ولا بحر، إلا وهُنّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ". ورواه بن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن يحيى بن أبي بُكَيْرٍ، عن زهير، به (٤).

стр. 7927

وقد روى الطبرانيّ، عن ابن عمر مرفوعًا: "إنّ الساعةَ تَقُوم وَقْتَ الأذانِ لِلْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ". وقد حكى أبو عبد اللَّه القُرْطبيُّ في "التذكرة": أن قيام الساعة يوم جمعةٍ للنصف من شهر رمضانَ. وهذا غريبٌ يحتاجُ إلى دليل. وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدثنا أحمد بن كثير، حدّثنا قُرْط بن حُرَيْث؛ أبو سَهْل، عن رجلٍ من أصحاب الحسن، قال: قال الحسنُ: يومان وَلَيْلَتانِ لم يَسْمَعِ الخَلائِقُ بِمِثْلِهنّ قطُ، لَيْلَةٌ تبيتُ مع أهل القبور، ولم تَبِتْ لَيلةً قَبْلَها مثلها، وَليْلةٌ صَبِيحَتُها تُسْفِرُ عن يَوم القِيامة، وَيوم يَأْتِيك البَشِيرُ من اللَّه تعالى: إمّا بالجَنَّةِ وإمّا بالنار، ويومُ تُعْطى كِتَابك إمّا بِيَمينك، وإمّا بِشمالِك. وكذا رُوي عن عامر بن قَيْس، وهَرِم بن حَيَان، وغيرهما: أنّهم كانوا يستعظمون اليلة التي يُسْفِرُ صبيحتُها عَنْ يَوْم القِيَامةِ. وقال ابن أبي الدُّنْيا: حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير العَبْدِيّ، حدّثني محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مِغْوَل، عن جُنَيد، قال: بينما الحسن في يوم من رجبٍ في المسجد، وفي يده قُلَيْلَةٌ، وهُوَ يَمَصُّ ماءَها؛ ثمَّ يَمُجُّه في الحصا، إذ تَنَفّس تَنَفُّسًا شَديدًا، ثم بكى، حتّى أُرْعِدَ مَنْكِباهُ، ثمّ قال: لو أن بالقلوب حياة؟ لو أنّ بالقلوب صَلاحًا؟ لأبكيتكم من ليلةٍ صَبِيحَتُها يومُ القيامة، أي ليلة تمخَّضُ عَنْ صَبِيحَة يوم القيامة، ما سمع الخلائقُ بِيومٍ قَطُّ أكثرَ حزنًا ولا أكثر نادمًا ولا أكثر باكيًا، ولا أكثر متحسِّرًا من يوم القيامة. ذِكر أن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة رسول اللَّه ﷺ - قال مُسلم بن الحجّاج: حدثني الحكَمُ بن موسى، أبو صالح، حدثنا هِقْلٌ، يعني ابن زياد، عن الأوزاعيِّ، حدثني أبو عمّار، حدثني عبد اللَّه بن فَرُّوخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأول مَنْ يَنَشقّ عَنْهُ القَبْر، وأول شافِعٍ، وأول مُشَفّع" (١). وقال هُشَيْم، عن علي بِن زَيْد، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا سَيِّد ولد آدَم يومَ القيامة ولا فَخْر، وأنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَق عَنْهُ الأَرْضُ يَوْم القِيَامة ولا فَخْر، وأنَا أول شَافع يَوْمَ القِيامة ولا فَخْر" (٢).

стр. 7928

وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا حُجَيْن بن المُثنَّى، حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سَلمة، عن عبد اللَّه بن الفَضْل الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُنْفَخُ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه، ثم يُنفخ فيه أخرى، فأكونُ أَول مَنْ بُعِثَ، فإذا موسَى آخِذٌ بالعَرْش، فلا أدْرِي أَحُوسِبَ بصَعْقَتِهِ يَوْم الطُّورِ، أو بُعِثَ قَبْلِي؟ ". وهو في "الصحيح" بقريب من هذا السياق (١). والحديث في "صحيح مسلم": "أنا أوّل مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا (٢) بِقَائِمةِ العَرْشِ، فلا أَدْرِي أَفاقَ قبلي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّور؟ " (٣). فذِكْرُ مُوسى في هذا السياق فيه نظر، ولعله من بعض الرواة، دَخَل عليه حديثٌ في حديث. فإن الترديد هاهنا فيه لا يظهر. لا سِيَّما قوله: "أم جُوزِي بَصَعْقة الطُّور". وقال ابن أبي الدُّنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سُفْيانُ، هو ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو، هو ابن دينار، عن عطاءٍ وابنِ جُدْعَانَ، عن سعيد بن المُسَيَّب، قال: كَانَ بين أبي بكر، وبين يَهُودِيّ مُنَازَعةٌ، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على البَشَر، فَلَطَمَه أبو بكر، فأتى اليهوديُّ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "يا يَهُوديّ، أنا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فأجِدُ مُوسَى مُتَعلِّقًا بِالْعَرْشِ، فلا أَدْرِي هَلْ كَانَ قَبْلِي، أَوْ جُوزِي بالصَّعْقَة". وهذا مرسل من هذا الوجه، والحديث في "الصحيحين" (٤) من غير وجه، بألفاظ مختلفة، وفي بعضها (٥): أن اللاطم لهذا اليَهُودي إنما هو رجلٌ من الأنصار، لا الصدِّيقُ، فاللَّه أعلم. ومن أحسنها سياقًا: "إذا كان يَوْمُ القِيَامة فإن النَّاس يَصْعَقُونَ، فأكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فأجِدُ مُوسى بَاطِشًا بِقَائِمةٍ مِنْ قَوائِم العَرْشِ، فلا أدْرِي أَصَعِقَ فأفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزي بَصعقة الطُّور" (٦)، وهذا كما سيأتي بيانه يقتضي أن هذا الصَّعْقَ يكونُ في عَرَصَات القِيامةِ، وهو صَعْقٌ آخرُ غيرُ المذكور في القرآن، وكأنّ سَبَبَ هذا الصعق في هذا الحديث، يعني تَجَلِّي الرب

стр. 7929

تعالى، إذا جاء لفَصْل القَضَاءِ فَيَصْعَقُ النَّاسُ كما خرَّ موسى صَعِقًا يوم الطُّور، واللَّه أعلم. وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن الحسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كأَنِّي أَراني أَنْفُضُ رأْسىِ من التُّرابِ، فألتَفِتُ، فلا أرى أحدًا إلا مُوسى مُتَعَلِّقًا بالْعَرْش، فلا أدري أممن استَثْنى اللَّهُ أَلّا تُصيبهُ النَّفْخَةُ، أم بُعِثَ قبلي؟ ". وهذا مرسل أيضًا، وهو أضعف. وقال الحافظ أبو بكر البَيهَقِي: حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَانيُّ، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا موسى بن أعْين، عن مَعْمَر بن راشد، عن محمد بن عبد اللَّه ابن أبي يعقوب، عن بشر بن شَغَاف، عن عبد اللَّه بن سَلَام، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا سَيِّدُ ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافع ومشفَّع، بيدي لواء الحمد، تحتي آدم، فمن دُونَه". لم يخرجوه، وإسناده لا بأس به. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبو سلمةَ المَخْزُومي، حدثنا عبد اللَّه بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد اللَّه. وقال غير أبي سلمة: عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أولُ مَنْ تَنْشَقِ عنه الأرضُ، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم أذْهَبُ إلى أهل البَقِيع، فَيُحْشَرونُ مَعِي ثم أنْتظرُ أهْلَ مكَّةَ فيُحْشَرون معي، فأُحْشَرُ بين الحَرَمَيْن" (١). وقال أيضًا: حدثنا الحكمُ بن موسى، حدثنا سعيدُ بن مَسْلَمة، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: دخل رسول اللَّه ﷺ المسجد، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وهو مُتَّكِئٌ عليهما، قال: "هكذا نُبْعَثُ يَوْمَ القيامةِ" (٢). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدثني محمد بنُ الحُسَيْن، حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، حدثنا الليثُ بن سَعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُبيه بنِ وَهْب: أن كَعْب الأحبار قال: مَا مِنْ فَجْرٍ يطْلُعُ إلا نَزَل سَبْعُون ألْفًا من الملائكة، حتى يحفُّوا بالقَبْر، يضْربون بأجنِحَتهمْ، ويُصَلُّون على النبي ﷺ ، حتى إذا أمسوا عَرَجُوا، وَهَبَط مِثْلُهُمْ فصَنَعُوا مِثْل ذلك، حتى إذا انشقت الأرضُ خرج ﷺ في سبعين ألفًا من الملائكة يُوقِّرونه ﷺ . وأخبرنا هارون بن عمر القرشي، حدثنا الوليد بنُ مسلم، حدثنا مروان بن سالم، عن

стр. 7930

يونس (١) بن سيف، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُحْشر الناس رِجالًا، وأُحشرُ راكبًا على البُراقِ، وبلال بَيْن يَدَيَّ على نَاقةٍ حمراءَ، فإذا بَلَغْنَا مَجْمَع الناس، نَادَى بلال بالأذان، فإذا قال: أشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ، أشهدُ أن محمدًا رسول اللَّه، صدّقه الأولُون والآخرون". وهذا مرسل من هذا الوجه. ذكر بعث الناس حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا (٢)، وذكر أول من يُكْسَى يومئذ من الناس قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّةُ، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن عُروة، عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يُبْعَثُ الناس يوم القِيامة حُفَاةً عُراةً غُرْلًا" قال: فقالت عائشة: يا رسول اللَّه، فكيف بالعَوْرَات؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : " ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس] ". وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث حاتم بن أبي صغيرة، عن عبد اللَّه بن أبي مُلَيْكة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة بنحوه (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شُعْبةُ، حدثنا المُغيرةُ بن النُّعْمان شَيْخٌ من النَّخَع، قال: سمعتُ سعيد بن جُبَير يحدِّث، قال: سمعتُ ابنَ عباس، قال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ بموعظة، فقال: "يا أَيُّها الناس، إنكم محشورون إلى اللَّه حُفَاةً عُراةً غُزلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء] ألا وإنّ أَوَّل الخَلْق يُكْسَى يَوْم القِيامة إبراهيمُ، وَإِنه سَيُجَاءَ بأُناسٍ مِنْ أُمَّتي، فيؤخذ بِهِمْ ذات الشمال فَلأَقُولَنَّ: أصحابي، فَلَيُقالنَّ لي: إنك لا تَدْرِي ما أَحْدَثوا بَعْدَك، فلأقُولَنَّ كما قال العَبْدُ الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧). . .﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة]، فيقال: إن هؤُلاءِ لم يزالوا مُرْتَدين على أعقابهم مُنْذُ فارقتَهُم" أخرجاه في "الصحيحين" من حديث شُعْبةَ. ورواه أحمد، عن سفيان بن عيينةَ -وهو في "الصحيحين" من حديثه- عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، مرفوعًا: "إنكم محشورون إلى اللَّه حُفَاةً عُراةً غُرْلًا". ورواه البيهقي من حديث هلال بن خبَّاب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "تُحْشَرُون حُفَاة عُراةً غُرلًا" فقالت زوجته: أَيَنْظُر بَعْضُنَا إلى عَوْرَة بعْضٍ؟ فقال:

стр. 7931

"يا فُلانةُ، لكُلِّ امْرئٍ مِنْهُمْ يَوْمئِذٍ شأْنٌ يُغنيه" (١). وقال الحافظ أبو بكر البَيْهقِيّ: حدّثنا أبو بكر أحمد بن الحَسن القاضي، وأبو سعيد محمد بن موسى، قالا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوريّ، حدثنا مالك بنُ إسماعيل، حدّثنا عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدَّالَانِيّ، عن المِنْهال بن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبي هريرة، قال: يُحْشَرُ الناسُ حُفَاةً عُراةً غُرلًا قيامًا أربعين سَنَة شَاخِصةً أبصارُهُمْ إلى السماء، قال: فيُلْجِمُهم العَرَقُ مِنْ شِدَّةِ الكَربِ، ثم يقال: اكسوا إبراهيمَ، فَيُكْسى قُبْطِيّتَيْنِ (٢) مِن قَباطِيِّ الجَنَّةِ، قال: ثم ينادى لمُحمّد ﷺ فيفجرُ له الحوض، وهو ما بين أيلة إلى مكة. قال: فيشربُ وَيغتَسِلُ، وقد تقطّعت أعناقُ الخلائق يَوْمئذٍ من العَطَش، قال: ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "فأُكْسَى من حُلَلِ الجَنَّةِ فأَقُوم عن" -أو "على- يَمِين الكُرْسِيِّ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الخَلائِق يَقُومُ ذَلِك المَقَامَ يَوْمئذٍ غيري، فيُقال: سَلْ تُعْطَ، واشفع تشفع"، فقام رجل، فقال: أتَرْجُو لِوَالدَيْك شيئًا؟ فقال: "إني شافع لهما، أُعْطِيتُ أو مُنِعتُ، ولا أرجو لهما شيئًا". قال البَيْهقِيّ: قد يكون هذا قبل نزول النهي عن الاستغفار للمشركين، والصلاة على المنافقين (٣). وقال القُرطبيّ: وروى ابن المبارك، عن سُفيان، عن عمرو بن قيس، عن المِنْهال بن عمرو، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عليّ قال: أوَّلُ مَنْ يُكْسَى الخَليل قُبطيتين، ثم محمد حُلَّةَ حِبَرَةٍ، عن يمين العرش (٤). وقال أبو عبد اللَّه القُرطبيّ في كتاب "التذكرة": وروى أبو نُعَيْم الحافظ، يعني الأصبهانيّ، من حديث الأسود، وعَلْقَمةَ، وأبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إبراهيم ﵇، يقول اللَّه تعالى: اكسُوا خَلِيلِي، فُيؤتَى بِرَيْطَتَيْن (٥) بَيْضَاوَيْن، فَيلبَسُهمَا، ثم يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرْش، ثم أُوتَى بكُسْوَتِي، فألْبَسُها فأقومُ عن يمينه قيامًا لَا يقُومُه أحَدٌ غَيْرِي يَغْبِطُني فيه الأولون والآخِرون" (٦).

стр. 7932

قال القرطبيّ: وقال الحَلِيْمِي في "منهاج الدين" له: ورَوى عبَّاد بن كَثِيرٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابر قال: إنّ المؤذِّنِينَ والملبِّين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ، ويلَبِّي المُلَبِّي، وأوَّل مَنْ يُكْسَى مِنْ حُلَل الجَنَّةِ إبراهيمُ، ثم محمد، ثم النَّبِيُّونَ، ثم المُؤَذِّنُونَ. . . " وذَكَر تمامه (١). ثم شرع القُرْطُبيّ يذكر المناسبة في تقديم إبراهيمَ الخليل ﵇ في الكسوة يومئذ: من ذلك أنه أوّل من لَبِس السَّرَاويِلَ مُبَالَغَةً في شدة الحياء والسِّتر، وأنّه جُرِّد يَوْم أُلْقِيَ في النَّارِ، واللَّه أعلم. وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أُوَيْس: حدّثني أبي، عن محمد بن أبي عَيّاش، عن عطاء بن يَسارٍ، عن سَوْدَةَ زَوْج النبيِّ ﷺ قالت: قال النبي ﷺ : "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، قَدْ أَلْجَمَهُمُ العَرَقُ، فبَلَغ شُحُومَ الآذان"، قلت: يا رسول اللَّه واسوءتاه ينَظُر بَعْضُنا إلى بَعْض؟! قال: "يُشْغَلُ الناسُ عَنْ ذَلِك، لكلِّ امرئٍ مِنْهُمْ يَوْمئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ". إسناده جَيّد، وليس هو في "المُسنَد" ولا في الكتب (٢). وقد قال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا سَعِيدُ بنُ سليْمان، عن عبد الحميد بن سليمان، حدّثني محمد بن أبي موسى، عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سَلَمة، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "يُحْشَر النَّاسُ حُفَاةً عُراةً، كما بدؤوا" قالت أمّ سلَمة: يا رسول اللَّه، هل ينظُرُ بعضُنَا إلى بَعْض؟! قال: "شُغِلَ النَّاسُ"، قلت: وما شَغَلَهُمْ؟ قال: "نَشْرُ الصُّحُفِ فِيها مَثَاقِيلُ الذَّرّ، وَمَثاقِيلُ الخردَلِ" (٣). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدّثنا عمر بن شبَّة، حدّثنا الحُسين بن حَفْص، حدثنا سفيان، يعني الثوريّ، عن زُبَيدٍ، عن مُرَّةَ، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنكم محشورون حُفَاةً عُراةً غُرلًا"، قال البزار: أحْسَبُ أن عمر بن شبة غَلِط فيه، فدخل عليه متن حديث في إسناد حديث، وإنما هذا الحديث عن سفيان الثَّوْرِيِّ، عن مُغِيرة بن النُّعمان، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، قال: وليس لسفيان الثوري عن زُبَيدٍ، عن مرَّةَ، عن عبد اللَّه بن مسعود حديث مُسْنَدٌ، وهكذا رواه ابن أبي الدُّنيا، عن عمر بن شبَّة به، مثله، وزاد: "وأول مَنْ يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵊" (٤).

стр. 7933

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبو عمارٍ الحُسينُ بن حُرَيْث، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شُرَيْح، عن أنس قال: سألتْ عائشةُ رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، كيف يُحْشَرُ الرِّجالُ؟ فقال: "حُفَاة عُراةً" ثم انتظرت سَاعَةً، ثمّ قالت: يا رسول اللَّه، كيف يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قال: "كذلك حُفَاةً عُراةً". قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: "وعن أيِّ ذلك تسألين؟ إنه قد نزلت عليَّ آيةٌ لَا يضرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أَمْ لا"، قالت: أي آيةٍ يا رسول اللَّه؟ قال: " ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧] " (١). وقال الحافظ أبو يَعْلَى الموْصِليّ: حدثنا رَوْحُ بن حاتم، حدثنا هُشَيْم، عن الكوثر، وهو ابن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُحْشَرُ الناسُ كما وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُمْ حُفَاةً عُراة غُرلًا" فقالت عائشة: والنساءُ بأَبِي أنْتَ وأُمِّي؟ فقال: "نعم" فقالت: واستوأتاه! فقال رسول اللَّه ﷺ : "وَمِنْ أيِّ شيْء عَجِبْت يَا بِنْتَ أَبِي بكر"؟ فقالت: عَجِبْتُ من حديثك: يُحْشَرُ الرِّجالُ والنِّساءُ حُفَاةً عُراة غُرلًا يَنْظُر بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، قال: فَضربَ على منكبِها، فقال: "يا بِنْتَ أبي قُحَافَةَ، شُغِلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّظر، وسمَوا بأبصارهم إلى السماء موقوفون أربعينَ سَنَة لا يأكلون، ولا يشربون، شاخصين بأبصارهم إلى السماء أرْبعينَ سنةً، فمنهم من يبلع العرقُ قَدَمَيْه، ومنهم من يبلغ ساقيه، ومنهم من يبلغ بَطْنَه، ومنهم من يُلْجِمُه العَرَقُ من طُول الوقوف، ثم يترحم اللَّه من بعد ذلك على العباد، فيأمر الملائكة المقرَّبين، فيحملون عرشه من السماوات إلى الأرض حتى يوضع عرشه في أرض بَيْضاءَ لم يُسْفَكْ عليها دم، ولم تُعْمل فيها خطيئة، كأنها الفِضَّةُ البَيْضَاءُ، ثم تقوم الملائكة حافِّين مِنْ حَوْل العَرْش، وذلك أوَّل يوم نظَرتْ فيه عين إلى اللَّه تعالى، فيأمرُ منادِيًا فينادِىِ بِصَوْتٍ يسمعُه الثَّقَلان الجِنُّ والإنس: أيْنَ فُلَانُ ابنُ فُلانِ، أين فُلَانُ ابنُ فُلانِ، فَيشْرَئِبُّ النَّاسُ لذلك الصوت، ويخرج ذلك المنادى من الموقف، فَيُعرّفُه اللَّهُ النَّاسَ، ثمَّ يقال: تُخْرَجُ مَعَهُ حَسناته، فُيَعرِّفُ اللَّهُ أهلَ الموقف تلْكَ الحَسَنَاتِ، فإذا وقف بين يدي ربّ العالمين، قيل: أيْنَ أصحابُ المظالم؟ فيجيؤون رَجُلًا رَجُلًا، فيقال له: أظَلَمْتَ فُلانًا كذَا وكذَا، فيقول: نعم، يا رَبّ، فذلك اليومُ الذي تَشْهَدُ عليهم أَلْسِنَتُهُمْ وأَيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون، فتؤخَذُ حَسَناتُه، فُتدْفَعُ إلى مَنْ ظلمه، يوم لا دِينارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إلّا أَخْذٌ مِنَ الحَسَنَاتِ، ورَدٌّ من السَّيئات، فلا يزالُ أهل المظالم يَسْتَوْفُونَ مِن حَسَنَاتِه حَتّى لا تَبْقَى لَهُ حَسنَةٌ، ثم يقومُ مَنْ بقي، مِمَّنْ لم يأْخُذْ شَيْئًا، فيقولون: ما بَالُ غَيْرِنا استوفى، وبَقِينَا؟ فيقال لهم: لا تَعْجَلُوا، فيؤخذُ من سَيِّئاتهم فُترَدّ عليه، حتّى لا يبقى أحد ظَلَمَهُ بِمَظلِمَةٍ، فيُعَرِّفُ اللَّهُ أهلَ الموقف أجمعين ذلك، فإذا فرغ من حسابه قيل: ارجع إلى أُمِّكَ

стр. 7934

الهَاويةِ، فإنه لا ظُلْمَ اليوم، إنّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَاب، ولا يَبقى يومئذ مَلَكٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَا صِدِّيقٌ، ولا شَهيدٌ، ولَا بَشرٌ، إلّا ظَنَّ بما رَأى من شِدّة الحساب أنّه لا يَنْجُو، إلّا منَ عَصمهُ اللَّهُ تعالى. هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في "الصحيح"، كما سيأتي بيانه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. وقال الطبرانيُّ: ثنا الحسينُ بن إسحاقَ التُّستَريُّ، ثنا محمد بن أبانٍ الواسطيُّ، ثنا محمدُ بن الحسنِ المُزَنِيُّ، عن سعيدِ بنِ المَرْزُبان أبي سعدٍ، عن عطاء بن أبي رباح، عن الحسن بنِ عليٍّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيامَةِ حُفَاة عُرَاةً". فقالت امرأةٌ: يا رسول اللَّه، فكيفَ يرَى بعضُنا بعضًا؟ قال: "إِنَّ الأَبْصَارَ شَاخِصَةٌ". ورفع رأسَه إلى السماءِ، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يستُرَ عَوْرَتِي. [قال]: "اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَهَا" (١). قال البيهقي: فأما الحديث الذي حدّثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن إسحاق ابن الخراسانيّ العَدْلُ، حدّثنا محمدُ بن الهيثَم القاضي، حدّثنا ابن أبي مَرْيم، حدّثنا يحيى بن أيُّوبَ، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: أنّه لما حضره الموت دعا بثِيابٍ جُدُدٍ، فَلبِسَها، ثم قال: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ المسلمَ يُبْعَثُ في ثيابه التي يَمُوت فيها". فهذا حديث رواه أبو داود في كتاب "السنن"، عن الحسن بن عليّ، عن ابن أبي مريم (٢). ثم شرع البيهقيّ يُجيب عن هذا الحديث لمعارضته الأحاديثَ المتقدّمة في بعث الناس حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، بثلاثةِ أجْوِبةٍ: أحدها: أيُّها تَبْلى بعد قيامهم من قبورهم، فإذا وافَوُا الموقف يكونون عُرَاةً، ثم يُكْسَوْنَ منِ ثيَاب الجَنّة. الثاني: أنّه إذا كُسِيَ الأنبياءُ ثم الصدِّيقُونَ، ثم مَنْ بعدهم على مراتبهم، فتكونُ كُسْوَةُ كُلِّ إنسانٍ من جِنْس ما يَمُوتُ فيه، ثم إذا دَخَلُوا الجَنَّة أُلْبِسُوا من ثِيَابِ الجَنّة. الثالثُ: أن المراد بالثياب هاهنا الأعمال، أي يُبْعَثُ في أعماله التي مات فيها من خير أو شَرٍّ. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر] قال قتادة: عَمَلَكَ فَأَخْلِصْهُ.

стр. 7935

ثم اسْتَشْهَدَ البَيهَقِيّ على هذا الجواب الأخير بما رواه مسلم، من حديث الأعمش، عن أبي سُفْيانَ، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على مَا مَاتَ عَلَيهِ" (١). قال: وروينا عن فَضالةَ بنِ عُبَيْد عن رَسُول اللَّهِ ﷺ : أنّه قال: "مَنْ ماتَ على مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِه المراتِب بعثَ عَلَيْهَا يَوم القِيامَة" (٢). وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا: أخبرنا أحمدُ بنُ إبراهيم بن كثير، حدثنا زيدُ بن الحُبَابِ، عن معاوية بن صالح، أخبرني سعيد بن هانئ، عن عمرو بن الأسود، قال: أوصاني مُعاذ بامرأته، وخرج، فماتت، فدفَنّاها، فجاءنا وقد رفَعْنَا أَيْدِيَنا مِن دَفْنِها، فقال: في أيّ شَيْءٍ كَفَّنْتُموها؟ قلنا: في ثيابِها، فأمر بها فَنُبِشَتْ، وكَفَّنهَا في ثيابٍ جُدُدٍ، وقال: أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتاكُمْ فإنّهم يُحْشَرُون فِيهَا (٣). وقال أيضًا: حدّثني محمد بن الحُسَيْن، حدّثنا يحيى بن إسحاق، [أخبرنا إسحاق] بنُ سيّار بن نصر، عن الوليد بن أبي مروان (٤)، عن ابن عباس، قال: يُحْشَرُ الموتَى في أكفانهم (٥). وكذا روي عن أبي العَالية (٦). وعن صالح المُرِّيّ، قال: بلغني أنّهم يخرجون من قبورهم في أكفانٍ دَسِمَةٍ، وأبدَانٍ بَالِيَةٍ، مُتَغَيِّرَةٌ وجوهُهم، شعَثةٌ رؤوسُهُم، نَهِكَةٌ أجْسامُهُمْ، طائرة قلوبهم من صدورهم وحناجرهم، لا يَدْرِي القوم ما مَوْئِلُهُمْ إلا عِنْد انصرافهم من الموقف، فمُنْصَرَفٌ بِه إلى الجنة، ومنصرَف به إلى النَّارِ، ثم صاح بأعلى صوته: يا سوء مُنْصَرَفَاهُ إنْ أنْتَ لَمْ تَغَمَّدْنَا مِنْك بِرَحْمَةٍ واسعةٍ، لِما قَدْ ضاقَتْ صدُورنا من الذُّنُوب العِظام، والجرائم التي لا غافر لها غَيْرُك. ذكر شيء من أهوال يوم القيامة قال اللَّه تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ

стр. 7936

فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ [ق]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤). . .﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ [المزمل]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥] قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف ٤٧ - ٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ [الزمر: ٦٧ - ٧٠]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠١ - ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ [المعارج: ٨ - ١٨]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ [عبس: ٣٣ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٣٤ - ٤٦]. وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)

стр. 7937

يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢١ - ٣٠]. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢). . .﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ [الواقعة: ١ - ٥٦]. ثُمَّ ذَكَر فيها سبحانه جزاء كل من هذه الأصناف الثلاثة، كما ذكر ما يُبَشَّرُون به عند موتهم واحتضارهم في آخرها، كأن الإنسان يشاهد ذلك مشاهدة. وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦). . .﴾ الآيات، وقال في آخرها ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾. . . إلى آخر السورة [القمر: ٦ - ٥٥]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم: ٤٨ - ٥١]. وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ١٥ - ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢). . .﴾ الآيات إلى قوله ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ٩٩ - ١١٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ. . .﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . .﴾ الآية [آل عمران: ١٦١].

стр. 7938

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾ [القصص: ٦٥ - ٦٦]. وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٧]. قال ابن عباس: أي لا ينطقون بحجة تنفعهم. فأما قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤]. وكذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ [المجادلة: ١٨]. فهذا يكون في حال آخر، كما قال ابن عباس في جواب من سأله عن ذلك، كما ذكره البخاري عنه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧). . .﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ [الصافات: ٢٧ - ٧٥]. والآيات في ذكرِ يوم القيامة وأهواله كثيرة جدًا، مثل الآيات التي في آخر سورة هود: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٨] أي غير مقطوع، وكذلك سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وسورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وسورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ وسورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وسورة ﴿المطففين﴾ بكمالها، وسورة ﴿المرسلات﴾ و ﴿النازعات﴾ وسورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ وسورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وآخر ﴿العاديات﴾ و (﴿القارعة﴾) وآخر ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ و ﴿الهمزة﴾. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا عبد اللَّه بن بَحير (١) الصنعاني القاصُّ: أن عبد الرحمن ابن يزيد الصنعاني أخبره أنه سَمِع ابن عمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ [كأنه] رأي عين، فليَقْرأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾

стр. 7939

وأحْسَبُه قال: وسورة هود، وكذا رواه الترمذي عن عباس العنبري عن عبد الرزاق، به. ورواه أحمد، عن إبراهيم بن خالد، عن عبد اللَّه بن بحير، عن عبد الرحمن بن يزيد، من أهل صنعاء، وكان أعلم بالحلال والحرام من وهب بن مُنَبِّه، عن ابن عمر. . . فذكر نحوه (١). وفي الحديث الآخر: "شَيَّبَتْني هُودٌ وَأَخَوَاتُها" (٢). والآيات في هذا كثيرة جدًا في أكثر سور القرآن العظيم، وقد ذكرنا في كتابنا "التفسير". ما يتعلق بكُلِّ آيةٍ مِنْ هَذِه الآيات الدّالّةِ على صِفَةِ يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الأَحادِيثِ والآثارِ المُفَسِّرةِ لِذَلك. ذكر الأحاديث والآثار الدَّالَّة على أهوال يوم القيامة وما يكون في ذلك اليوم من الأمور الكبار والشدائد وما فيه من المغفرة والرحمة والرضوان والجِنان والنِّيران قال الإمام أحمد: حدّثنا أحمد بن عبد الملك، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء، حدّثنا نافع أبو غالب الباهليّ، حدّثني أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُبعثُ الناسُ يوْمَ القيامة والسماء تَطُشُّ عليهم". تفرّد به أحمد، وإسناده لا بأس به (٣). وفي معنى قوله ﷺ : "تَطِشُّ عليهم" احتمالان: أحدهما أن يكون ذلك من المطر، أي: تمطر عليهم، كما يقال: أصابهم طَشٌّ من مَطَر، وهو الخفيف منه، والثاني: أن يكون ذلك من شدّة الحرّ، وهو الأقرب، واللَّه أعلم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٤ - ٦]، وقد ثبت في "الصحيح" "أنهم يقومون في الرشح، أي في العَرَق إلى أنصاف آذانهم" (٤). وفي الحديث الآخر أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم، كما تقدم، وفي حديث الشفاعة كما سيأتي: أن الشمس تُدْنَى من العباد يوم القيامة، فتكون منهم على مسافة ميل، فعند ذلك يَعْرَقُونَ بحسب أعمالهم. وقال الإمام أحمد: حدّثنا قُتَيْبةُ، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ العَرَقَ يَوْمَ القيامة لَيَذْهبُ في الأرض سبعين باعًا، وإنّه لَيبْلغ

стр. 7940

إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم" شكّ ثَوْرٌ أيَّهُما قال، وكذا رواه مسلم عن قُتَيبة، وأخرجه البخاري عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، عن سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغَيْث، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ مثله (١). وقال الإمام أحمد: حدّثنا الضحّاك بن مَخْلد، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني أبي، عن سعيد بن عُمَير الأنصاريّ، قال: جلستُ إلى عبد اللَّه بن عمر، وأبي سعيد الخدريّ، فقال أحدهما لصاحبه: أيَّ شَيءٍ سَمِعْتَ من رسول اللَّه ﷺ يذكرُ أنّه يبلُغ العَرقُ من الناس يَوْمَ القيامة؟ فقال أحدهما: إلى شَحْمَتِه، وقال الآخر: يُلْجِمُه، فخَطّ ابنُ عُمَر، وأشار أبو عاصم بإصْبَعِه من [أسفل] شَحْمَةِ أذنيه إلى فيه، فقال: ما أرى ذلك إلا سواء؛ تفرَّد به أحمد، وإسناده جيّد قويّ (٢). وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا الحسنُ بن عيسى، حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدّثني سُلَيْم بن عامر، حدّثني المِقْدَادُ بن الأسْوَدِ: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة أُدنِيَتِ الشمسُ من العِبَادِ، حتّى تكونَ قِيد مِيل، أو مِيلَيْن" قال سُليم: لا أدري أيَّ الميلين أراد، أمسافة الأرض، أم الميل الذي تُكْحلُ به العين؟ قال: "فتَصْهَرُهم الشمسُ، فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذُه العرق إلى عَقِبَيْه، ومنهم من يأخذه إلى رُكْبَتَيْهِ، ومنهم من يأخذه إلى حَقْوَيْهِ (٣) ومنهم من يُلْجمُه إلْجامًا"، قال: فرأيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُشيرُ إلى فيه، قال: "يُلْجمُه إلجامًا"، وكذا رواه الترمذي عن سُوَيْد بن نصر عن ابن المبارك وقال: حسن صحيح، وأخرجه مسلم عن الْحَكَم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن ابن جابر، به، نحوه (٤). وقال ابن المبارك عن مالك بن مِغْوَل عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن العَيْزَارِ، قال: إنّ الأقْدَامَ يوم القيامة مثل النَّبلِ في القَرْنِ، والسعيدُ الذي يجد لِقَدَمَيْهِ موضعًا يَضَعُهُما فيه، وإنَّ الشَّمْسَ لَتُدْنَى من رؤوسهم، حتى يكون بينها وبين رؤوسهم إمَّا قال: مِيلًا، أو مِيلَيْن، ويُزَادُ في حَرّها تِسْعَة وستين ضِعْفًا (٥). وقال الوليد بن مُسلم، عن أبي بكر بن سعيد، عن مُغيث بن سُمَيّ، قال: تَرْكُد (٦) الشّمْسُ فوقَ رؤوسهم على أذْرعٍ، وتُفْتح أبوابُ جهنم فتهُبّ عليهم رياحُها، وسَمُومُها، ويخرج عليهم نَفَحَاتُها

стр. 7941

حتّى تَجْري الأنْهَارُ مِنْ عَرَقِهم، أنْتَنَ من الجِيَفِ، والصائمون في جنَّاتِهم في ظِلِّ العَرْش (١). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدّثنا محمد بن منصور الطُّوسي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدّثنا الفضل بن عيسى الرَّقَاشيُّ، حدّثنا محمد بن المُنْكَدر، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ العَرَق ليَلْزَمُ المَرْءَ في المَوْقِفِ حتّى يقولَ: يا رَبّ إرسالك بي إلى النار أهْون عليّ ممّا أجدُ، وهو يَعْلمُ مَا فِيها من شِدّة العذاب" إسناده ضعيف (٢). وقد ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "سَبْعَةٌ يُظلُّهُمُ اللَّهُ في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلّا ظِلُّه" -وفي رواية:، إلَّا ظلّ عَرْشه-: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة اللَّه، ورجلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمَسْجد إذا خرج منهُ حتى يَعودَ إليه، ورجل دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصبٍ وجمالٍ، فقال: إنّي أخافُ اللَّهَ، ورجلان تحابَّا في اللَّه اجْتَمعا عليه، وتَفَرَّقا عليه، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تَعْلَمَ شِمَالُه ما أنْفقتْ يَمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه" (٣). وقال الإمام أحمد: حدّثنا حسن، ويحيى بن إسحاق، قالا: حدّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، قال: حدّثنا خالد (٤) بن أبي عِمران، عن القاسم [بن محمد]، عن عائشة، عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه قال: "أتَدْرُونَ من السابقون إلى ظلّ اللَّه يوم القيامة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبلُوه، وإذا سُئلوهُ بذلوه، وحَكَمُوا للنّاس كحُكْمِهمْ لأنفسهم". تفرّد به أحمد، وإسناده مقارب، فيه ابن لَهِيعَة، وقد تكلَّموا فيه، وشيخهُ ليس بالمشهور (٥). هذا كلّه والناس موقوفون في مقام ضَنْكٍ ضَيِّق، حَرجٍ شديدٍ صعب إلا على من يَسَّرَهُ اللَّهُ عليه، فنسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يُهَوّن علينا ذلك المقام، وأن يجعله علينا يسيرًا، بردًا وسلامًا، ونعوذ باللَّه من ضيق يوم القيامة. اللهم اجعل لنا مخرجًا من ذلك، ونسألك أن توسِّع علينا في الدنيا والآخرة، اللهم اجعلنا مع الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين. وقال الإمام أحمد: حدّثنا يزيد، أخبرنا الأصْبَغُ هو ابن زيد، عن ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مَعْدانَ، حدثني ربيعة هو ابن عمرو الجُرَشِيّ الشاميّ، قال: سألتُ عائشة فقلت: ما كان رسول اللَّه ﷺ يقول إذا قام من الليل؟ وَبِمَ كان يَسْتَفْتحُ الصلاة؟ قالت: كان يُكبِّر عَشرًا، ويحمد عشرًا، ويهللُ عشرًا، ويستغفر عشرًا، ويقول: "اللهُمّ اغفر لي، واهدني وارْزُقْني" عشرًا، ويقول: "اللهُمّ إني

стр. 7942

أعوذُ بك من الضيق يوم الحساب" عشرًا. وكذا رواه النسائيُّ في "اليوم والليلة" عن أبي داود الحَرَّانيّ، عن يزيد بن هارون بإسناده مثله، وعنده: "من ضيق المَقَام يوم القيامة" (١). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني محمد بنُ قدَامة، حدّثني يعقوب بن سَلمَةَ الأحمرُ، سمعتُ ابنَ السَّمَّاك يقول: سَمعْتُ أبا واعظٍ الزاهدَ يقول: يخرجون من قبورهم يتسكَّعونَ (٢) في الظلمات ألفَ عام، والأرض يومئذٍ نار كلُّها (٣)، إن أسْعَدَ الناسِ يَومَئذٍ منْ وَجَد لِقَدَميْه مَوْضِعًا (٤). وقال أيضًا: حدثني هارون بن سُفْيَان، حدّثنا ابنُ نُفَيْلٍ، عن النَّضْر بن عَربيّ قال: بلغني أنّ الناس إذا خَرجوا من قبورهم كان شعارُهم لا إله إلا اللَّهُ، وكانت أوّل كلمةٍ يقولها بَرُّهم، وفاجرُهم: ربَّنا ارْحمْنا (٥). وحدثتي حمزة بن العباس، أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن أبي صالح، قال: بلغني أن الناس يُحشرون هكذا، ونكس رأسه ووضع يده اليمنى على كوعه اليسرى (٦). وحدثني عصمة بن الفضل، حدّثني يحيى بن يحيى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: سمعتُ سيَّارًا (٧) الشاميَّ قال: يخرجون من قبورهم وكلُّهم مذعورون، فيناديهم مُنادٍ: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] فيطمعُ فيها الخلق فيُتْبِعُها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] فَييأسُ منها الخلقُ غيرُ أهلِ الإسلام (٨). ورَوى من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس على أهل لا إله إلا اللَّه وَحْشةٌ في قبورهم، ولا يَوْمَ نُشُورِهم، وكأنِّي بأهْل لا إله إلا اللَّه يَنْفُضُون التُّرَاب عن رؤوسهم" ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] (٩). قلت: وله شاهد من القرآن العظيم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ

стр. 7943

وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١) [الأنبياء]. وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: أخبرنا أبو حفص الصفّار، حدّثنا جعفر بن سليمان، حدثنا إبراهيم بن عيسى اليشكري: بلغنا أنّ المؤمن إذا بُعث من قبره تَلَقّاه ملكان، مع أحدهما دِيباجَةٌ، فيها بَرَدٌ ومِسْك، ومع الآخر كوبٌ من أكواب الجنَّةِ فيه شراب، فإذا خرج من قبره خَلَط المَلَك ذلك البرَدَ بالمِسْكِ فرَشّهُ علَيْهِ وصَبَّ لهُ الآخرُ شَرْبةً، فيناوله إيّاها، فيَشْرَبُها، فلا يَظْمأ بَعْدَها أبدًا، حتَّى يَدخُلَ الجَنَّةَ، فأما الأشقياءُ، والعياذ باللَّه، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف]. وذكرنا في "التفسير": أنّ الكافر إذا قام من قبره أخذ بيده شيطانُه، ويلزمَهُ فلا يفارقه، حتى يُرْمى بهما في النَّار، وهكذا كل فاجر وفاسق غافل عن ذِكر اللَّه مضيِّع لأمره، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] أي مَلَكٌ يَسُوقُه إلى الْمَحْشَرِ، وآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بأعمالِه، وهذا عامّ في الأبرار والفُجَّار، وكلٌّ بِحَسَبَه ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: أيها الإنسان الغافل عما خلق له ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أي: نافذٌ قويّ حادٌّ ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] أي: هذا الذي جئتُ به هو الذي وُكِّلْتُ به، فيقول اللَّه تعالى عند ذلك للسائق والشهيد: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق: ٢٤ - ٢٥] أي: ليس فيه خير ويمنع غيره من الخير، ومع ذلك هو مُريب، أي: هو في شك ورَيْب. ثم انتقل إلى من هو متلبِّس بأعظم من ذلك، وقد تجتمع في العبد هذه الأربعة المذمومة المقبوحة التي هي أقبح الخصال، وأعظمها وأقبحها الشرك باللَّه، فقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ. . .﴾ الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. . .﴾ الآيات [ق: ٢٦ - ٣١]. وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى هو ابن سعيد القَطّان، عن ابن عَجْلان، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ قال: "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القيامةِ أمْثَالَ الدَّرِّ في صُوَر الناس، يعلوهمِ كلُّ شيءٍ مِن الضَغَارِ، حَتَّى يَدْخُلوا سِجْنًا في جَهَنَّمَ، يقال له: بُولَس فتعلوهم نار الأنْيارِ (٢)، فيُسْقَون من طينةِ الْخَبَالِ عُصَار أهْلِ النَّارِ". ورواه الترمذي والنسائي جميعًا، عن سُوَيْد بن

стр. 7944

نصر، عن عبد اللَّه بن المُبَارَك، عن محمد بن عَجْلان، به، وقال الترمذيّ: حسن (١). وقال الحافظ أبو بكر البزّار: حدّثنا محمد بن عُثْمان العُقَيْليّ، حدّثنا محمد بن راشد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُحْشَرُ الْمُتكَبِّرُونَ في صُور الذَّرّ، يوْمَ القيامَةِ" ثم قال: تفرّد به محمد بن عثمان، عن شيخه (٢). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "أهوال القيامة": حدّثنا عبدُ اللَّه بن عمر الجُشَمِيُّ، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، أبنا قَتَادةُ، عن الحسن، عن عمران بن الحُصَيْن: أنّ رسول اللَّه ﷺ كان في بعض أسفاره، وقد تفاوت (٣) بين أصحابه السيرُ، فرفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج] فلما سمع ذلك أصحابُه حَثُّوا (٤) المَطيَّ، وعلموا أنّه عند قولٍ يقولُه، فلمّا تَأشَّبُوا (٥) حَوْلَه، قال: "أتدرُونَ أيَّ يوْمٍ ذاك؟ يومَ يُنادَى آدم، يُنَاديهِ رَبُّه، يقولُ: يا آدمُ، ابْعَثْ بَعْثَ النَّار، قال: يا رَبِّ، ومَا بَعْثُ النَّارِ؟ قال: منْ كلِّ ألف تِسْعُمئةٍ وتِسْعةٌ وتِسْعُونَ إلى النار، وواحدٌ إلى الجَنَّة" قال: فأُبلس (٦) أصحابه، حتى ما أوضحُوا بِضَاحِكةٍ، فلما رأى ذلك قال: "اعملوا، وأبشروا، فوَالذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه إنَّكم لَمَع خَلِيقَتَيْن ما كانتَا مع شيء إلّا كَثَّرَتاهُ: يأجُوجَ ومأجوجَ، ومن هلَك من بني آدم، ومنْ بَني إبليس" قال: فَسُرِّي عنهم، ثم قال: "اعملوا، وأبشروا، فوالذي نفسُ محمد بيده ما أنْتُم في الناس إلّا كالشامَةِ في جَنْبِ البَعير، أو كالرَّقْمَةِ في ذراع الدَّابة" وقد رواه الترمذيّ والنسائيّ جميعًا، عن محمد بن بَشّار (بُنْدار)، عن يحيى بن سعيد القطّان، به، وقال الترمذي: هذا حسن صحيح (٧). فصل فإذا قام الناس من قبورهم وجدوا الأرض غير صِفَةِ الأرض التي كانوا فيها وفارقوها، قد دُكَّتْ جبالُها، وزالت تِلالُها، وتغيّرتْ أحوالها، وانقطعت أنْهارها، وبادتْ أشجارُها ومساكنها ومدنها

стр. 7945

وبلادها، وسُجِّرَت بحارُها، وتساوَتْ وهادها ورُبَاها، وخَرِبَتْ مدائنُها وقُرَاها، وزالت قصورها وبيوتها وأسواقها، وزُلْزِلتْ زِلْزالَها، وأخْرَجَتْ أثْقَالها، وقال الإنسانُ: ما لَها؟ يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها. وكذلك يجدون السماوات قد بُدِّلَتْ، ونُجُومُها قد انْكَدَرَت وانتثرَثْ، ونواحيها قد تشقّقَتْ، وأرجَاؤُها قد تَفَطّرَتْ، والملائكة على أرجائها قد أحدَقت. وشمسها وقمرها مكسوفان، بل مخسوفان، وفي مكان واحدٍ مجموعان، ثم يُكوَّرَان بعد ذلك ثم يُلْقَيان في النار. كما في الحديث الذي سَنُورده في "النَّيِّران" يُكوَّران كأنهما ثَوْرانِ عَقِيرانِ. قال أبو بكر بن عيَّاش: قال ابن عبَّاس: يخرجون من قبورهم فينظرون إلى الأرض غيرَ الأرض التي عَهِدُوها. وإلى الناس غيرَ الناس الذين كانوا يعرفون ويعهدون. قال: ثم تمثل ابنُ عبَّاس: فمَا النَّاسُ بالنَّاس الّذِين عَهِدْتَهُمْ … وَلا الدَّارُ بِالدَّار التي كُنْتَ تَعْرِفُ وقد قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور: ٩ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ [الرحمن]، وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤). . .﴾ الآيات [الحاقة: ١٤]. وقال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤). . .﴾ الآيات [التكوير: ١ - ٤]. وثبت في "الصحيحين" من حديث أبي حازم، عن سَهْل بن سعد، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "يُحْشرُ الناسُ يوم القيامة على أرضٍ بيْضَاءَ عَفْراءَ (١) كقُرْصَةٍ النَّقِيِّ (٢) ليس فيها مَعْلَم لأحَدٍ" (٣). وقال محمد بن قيس، وسعيد بن جُبَيْرٍ: تُبَدَّلُ الأرْضُ خُبْزةً بَيْضَاءَ، يَأْكُلُ مِنْها الْمُؤْمنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ. وقال الأعمش، عن خَيْثمة، عن ابن مسعود، قال: الأرْضُ كُلُّها يومَ القيامة نار، والْجَنَّةُ منْ ورائها يُرَى كواعبُها، وأكوابُها، ويُلْجمُهُم العَرَقُ، ويبلغ منهم كل مبلغ، ولم يَبْلُغُوا الحِسَابَ. وكذا رواه الأعمش، عن الْمِنْهالِ، عنْ قَيْس بن السَّكَن، عن ابن مسعود. . . فذكره. وقال إسرائيل وشعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: أرض بيضاء كالفضة البيضاء، نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل فيها خطيئة، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا، أراه قال: قيامًا حتى يلجمهم العرق.

стр. 7946

وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا عفان، حدّثنا القاسمِ بن الفضل، قال: قال الحسن: قالت عائشة: يا رسول اللَّه، أرأيت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أيْن يكون النَّاسُ يومئذ؟ قال: "إن هذا لشيء ما سألني عنه أحدٌ منْ أُمَّتي قبلَكِ، النَّاسُ على الصراط"، تفرَّد به أحمد. ورواه أبو بكر بن أبي الدّنيا، حدّثنا علي بن الجَعد، حدّثنا القاسم بن الفضل، سمعتُ الحسن قال: قالت عائشة:. . . فذكره، ورواه قتادةُ، عن حَسّان بن بلال المزني، عن عائشة بمثل هذا سواءً (١). وقال ابن أبي الدنيا: أبنا عُبَيْد بن جرير العَتكيّ، حدّثنا محمد بن بكَّار الصَّيْرَفيّ، حدّثنا الفضل بن معروف القُطَعيّ، حدثنا بشرُ بن حرب، عن أبي سعيد، عن عائشة، قالت: بينما النبيُّ ﷺ واضعٌ رأسه في حِجْري بَكيْتُ، فرفع رأْسهُ، فِقال: "ما أبكاكِ؟ " قلت: بأبي أنتَ وأُمِّي، ذكرْتُ قولَ اللَّه : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أين الناس يومئذ؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "الناس يومئذ على جسر جهنم. والملائكة وقوف تقول: رب سلم، سلم؛ فمن بَيْنِ زَالّ وزَالةٍ". هذا حديث كريب من هذا الوجه، لم يخرجه أحمد ولا أحد من أصحاب الكتب الستة (٢). وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمد بن أبي عديّ، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: أنا أوَّلُ النّاسِ سأل رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قالت: قلت: أين الناسُ يومئذٍ يا رسول اللَّه؟ قال: "على الصراط". وأخرجه مسلم بن الحجاج في "صحيحه" والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هِنْد. وقال الترمذيّ: حسن صحيح. ورواه أحمد أيضًا، عن عفان، عن وُهَيْب، عنْ داود، عن الشعبيّ، عنها، ولم يذكر مسروقًا (٣). وروى أحمد أيضًا من حديث حبيب بن أبي عَمْرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن عائشة: أنَّها سألت رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية، ثمّ قالت: أين الناسُ يومئذ يا رسول اللَّه؟ قال: "هم على مَتْن جَهنّم" (٤).

стр. 7947

وروى مسلم من حديث أبي سَلَّام، عن أبي أسْمَاءَ الرحَبيّ، عن ثَوْبَان أن حَبْرًا من اليهود سأل رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية: أيْنَ يكونُ الناسُ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هم في الظلْمةِ دون الجِسْر" (١). وقال ابن جرير: حدثني ابن عوف، حدّثنا أبو المُغيرة، حدّثنا ابنُ أبي مَرْيم، حدّثنا سعيد بن ثَوْبان الكَلاعيّ، عن أبي أيُّوبَ الأنصاريّ قال: أتى النبيَّ ﷺ حَبْرٌ منَ اليهود، قال: أرأيتَ إذْ يقولُ اللَّه في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأيْنَ الخَلْقُ عِنْدَ ذلكَ؟ فقال: "أضْيافُ اللَّهِ، فلن يُعْجزَهُمْ مَا لَدَيْهِ"، وكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي بكر بن أبي مَرْيَم. وقد يكون هذا التبديل بعد المَحْشر، ويكون تبديلًا ثانيًا إلى صِفَةٍ أُخْرى غير الأولى وبعدها، واللَّه أعلم، كما قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا يوسف بن موسى، حدّثنا وَكيع، حدّثنا شُعْبة، عن المُغيرة بن مالك، عن رجل من بني مُجَاشع، يقال له: عبد الكريم، أو يكنى بأبي عبد الكريم، قال: أقامني على رجل بخِراسان، فقال: حدّثني هذا أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال: ذُكر لنا أنّ الأرض تُبدّل فِضَّةً والسَّماوات ذهبًا (٢)، وكذا رُوي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، ومجاهد بن جبر، وغيرهم، واللَّه سبحانه أعلم. ذكر طول يوم القيامة وما ورد في مقداره قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الجج] قال بعض المفسرين: هو يوم القيامة. وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ١ - ٥]. وقد ذكرنا في "التفسير" اختلاف السلف، والخلف، في معنى هذه الآية، فروى ليث بن أبي سُليم وغيرُه، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: ذلك هو مقدارُ ما بين العرش إلى الأرض السابعة. وقال ابن عبَّاس في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك: أن الأمْر ينزل من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى

стр. 7948

السماء، لأنّ ما بين السماء والأرْض مَسِيرةُ خَمْسمئةِ عام، ومن كل أرض إلى التي تحتها خمسمئة عام. رواه ابن أبي حاتم. ورواه ابن جرير عن مجاهد أيضًا، وذهب إليه الفَرّاء، وقاله أبو عبد اللَّه الحَلِيميُّ، فيما حكاه عنه الحافظ أبو بكر البَيْهقيّ، في كتاب "البعث والنشور"، قال الْحَلِيميّ: فالمَلَكُ يَقطع هذه المسافة في بعض يوم، ولو أنها مسافة يمكن البشر قطعها، لم يتمكَّن أحدٌ من قطعها، إلا في مقدار خمسين ألف سنة، قال: وليس هذا مقدار يوم القيامة بسبيل، بل هذا مقدار ما بين العرش إلى الأرض السابعة، ورجّح الحَلِيمي هذا بقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج]، وذو المعارج، أي: العلو والعظمة. كما قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] ثم فسر ذلك بقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ أي: مَسافَةٍ كان مقدارُها ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي بُعْدها، واتِّسَاعها هذه المدة. فعلى هذا القول المراد بذلك مسافةُ المكان، هذا قول، وقد حاول البيهقي الجمع بين هذه الآية، وبين قوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ بأن الملائكة تقطع هذه المسافة في الدنيا في ألف سنة، فإذا كان يوم القيامة لا تقطعها إلا في خمسين ألف سنة، لما يشاهدون من هول ذلك اليوم وعظمته وغضب الرب ، واللَّه أعلم (١). والقول الثاني: إن المراد بذلك مُدّة عمر الدُّنيا، قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في "تفسيره": حدّثنا أبو زُرْعَة، حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا ابن أبي زائدة، عن ابن جُريج، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: الدنيا عُمرها خمسون ألف سنة، ذلك عمرها يوم سَمَّاها اللَّهُ تعالى يومًا ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: اليومُ الدُّنيا. وقال عبد الرزّاق: حدّثنا مَعْمر، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، وعن الحكم بن أبانَ، عن عِكْرمةَ ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قالا (٢): الدُّنيا من أوَّلها إلى آخرها خمسون ألف سنةً، لا يَدْري أحدٌ كمْ مَضَى، ولا كم تقي؟ ولا يدري ذلك إلَّا اللَّه ، وذكره البَيْهَقيّ من طريق محمد بن ثَوْر، عن مَعْمرٍ، به، وهذا قول غريب جدًّا، لا يوجد في كثير من الكتب المشهورة، واللَّه أعلم. القول الثالث: أن المراد بذلك فصل ما بين الدنيا ويوم القيامة، وهو مدة المقام في البرزخ، رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القُرَظيِّ، وهو غريب أيضًا.

стр. 7949

القول الرابع: إن المراد بذلك مقدار الفصل بين العباد يوم القيامة، قال ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد بن سِنَان الواسطيّ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عبَّاس ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: يوم القيامة. إسناده صحيح، ورواه الثوريُّ عن سمَاكٍ، عن عِكْرِمة من قوله، وبه قال الضحَّاك، والحسن، وابن زيد. وقال ابن أبي الدّنيا: حدّثنا محمد بن إدريس، حدّثنا الحسن بن واقع، حدّثنا ضَمْرَة، عن ابن شَوْذَب، عن يزيد الرِّشْك قال: يقوم الناس يوم القيامة أربعين ألف سنة، ويُقْضَى بينهم في مقدار عَشَرةِ آلاف سنةٍ. وقال علي بن أبي طَلْحة عن ابن عباس قال: يوم القيامة جعله اللَّه على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وقال الكَلْبيّ في "تفسيره" وهو يرويه عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لو وَليَ مُحاسبَةَ العباد غيرُ اللَّهِ تعالى لم يَفْرُغ في خمسين ألف سنة. قال البيهقيّ: وفيما ذكر حَمّاد بن زَيْد، عن أيُّوب، قال: قال الحسن: ما ظنُّك بيَوْمٍ قام العباد فيه على أقدامهم مقدارَ خمسين ألف سنة، لم يأكلُوا فيها أكْلَة، ولم يشربوا فيها شَرْبةً، حتى تَقَطَّعَتْ أعْنَاقُهُمْ عَطَشًا، واحْتَرَقَتْ أجوافهم جُوعًا، ثم انْصُرِفَ بهم إلى النار فسُقُوا من عَيْن آنيةٍ، قد أنى حَرُّها (١)، واشتدّ نُضْجُها؟ وقد ورد هذا في أحاديث متعدّدة، فاللَّه أعلم. قال الإمام أحمد: حدّثنا الحسن بن موسى، حدّثنا ابن لَهيعة، حدّثنا دَرَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد، قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ما أطول هذا اليوم! فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنّه لَيُخَفّفُ على المؤمن، حتّى يكون أخَفّ عليه من صلاة مكتوبةٍ يُصلِّيها في الدُّنيا". ورواه ابن جرير في "تفسيره" عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرّاج، به. ودرّاج أبو السمح، وشيخه أبو الهَيْثم، سليمان بن عمرو العُتْوَاريّ، ضعيفان. على أنّه قد رواه البيهقي بلفظ آخر فقال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، حدّثنا محمد بن إسحاق الصَّغاني، حدّثنا أبو سَلمةَ الخُزَاعيّ، حدّثنا خلّاد بن سُلَيْمَان الحَضْرَميُّ، وكان رجلًا من الخائفين، قال: سمعتُ دَرَّاجًا أبا السمح يُخْبرُ عمّنْ حَدّثه، عن أبي سعيد الخدري: أنّه أتى رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 7950

فقال: أخْبِرني بمنْ يَقْوى على القيام يوم القيامة، الذي قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] فقال: "يخَفّف على المُؤمن حَتّى يكونَ عليه كالصلاة المكتوبة" (١). وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: إنَّ للمؤمنين يوم القيامة كراسيَّ من نور، يجْلسون عليها، ويُظَلِّلُ عليهم الغَمامُ، ويكون يومُ القيامة عليهم كساعةٍ من نهار، أو كأحد طَرفيه. رواه ابن أبي الدنيا في "الأهوال". وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو كامل، حدّثنا حمَّاد، عن سهيل بن أبي صالح، [عن أبيه]، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من صاحب كَنْزٍ لا يُؤَدي حَقّه إلّا جُعل كنُزه صَفَائحَ يُحْمى عَلَيها في نارِ جهنَّم، فتكوى بها جَبْهَتُه، وجَنبُه، وظَهْرُه، حتَّى يَحْكُم اللَّه بين عباده، في يوم كان مقدارُه خمسينَ ألف سنة ممَّا تَعُدُّون، ثم يُرى سبيله إمَّا إلى الجنَّة، وإمَّا إلى النار. . . " وذكر بقية الحديث في مانع زكاة الغنم، والبقر، والإبل، أنَّه يُبْطحُ لها بقاعٍ قَرْقرٍ تَطؤُهُ بأخفْافِها، وأظلافها، وتَنْطَحُه بقرونها، كلّما مرَّت عليه أُخْرَاها أُعيدتَ علَيْهِ أولاها، حتى يُقضى بَيْنَ العباد، في يوم كان مقدارُه خمسين ألف سنة مما تعدُّون، ثم يَرى سبيلَه إمَّا إلى الجنَّة، وإما إلى النار (٢). وهكذا رواه أبو داود الطَّيالسي، في "مسنده": أخبرنا وهيب بن خالد، وكان ثقةً، حدّثنا سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . . . فذكر نحوَه. وأخرجه مسلم من حديث رَوْح بن القاسم، وعبد العزيز بن المختار، كلاهما عن سُهَيْل به مثلَه. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا في الذهب والفضة، والإبل، والبقر، والغنم (٣). وقد رواه الإمامُ أحمد وأبو داود من حديث شُعبة، والنسائي من حديث سعيد بن أبي عَرُوبة، كلاهما عن قَتادَةَ، عن أبي عمر الغُدَانِيّ، عن أبي هريرة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "منْ كانت له إبل، لا يُعْطي حَقَّها في نَجْدَتِها وَرِسْلها" -يعني في عُسْرِها ويُسْرِها- "فإنها تأتي يوم القيامة كأغَذِّ ما كانت وأسْمَنِه، وأكبره، وآشره (٤)، حتَّى يُبْطحَ لها، بقاعٍ قَرقرٍ، فتطؤه بأخفافها، فإذا جاوزته أُخْرَاها أُعيدَتْ عليه أُولاها، في يوم كان مقدارُه خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين الناس، فَيُرَى سبيلَه. وإذا كانت له بقر، لا يُعطي حَقّها في نَجْدتها ورِسْلها، فإنها تَأتي يومَ القيامة كَأَغذّ ما كانت، وأكبره وأَسمَنِه وآشَرِه، ثم يُبطحُ لها بقاع قَرْقرٍ، فتطؤه كلُّ ذاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفها، وتَنْطَحُه كلُّ ذات قَرْنٍ
следующие страницы →