← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

رواية أبي ذر الغفاري ﵁ قال مسلم بن الْحَجَّاج في "صحيحه": حدّثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، وإسحاقُ بن إبراهيم، وابن أبي عمر المَكيّ، واللفظ لأبي بكْر بن أبي شَيْبَة، (قال إسحاق: أنبأنا وقال الآخران: حدّثنا) عبدُ العزيز بن عبد الصمد، عن أبي عِمْرَان الْجَونيّ، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما آنيةُ الحَوْض؟ قال: "والذي نفسُ محمدٍ بِيَدِهِ، لآنيتهُ أكْثَرُ من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المُظْلمةِ الْمُصْحية، آنِيَةُ الْجنَّة من شَربِ منها لم يَظْمأْ آخِرَ ما عليه، يَشْخُبُ فيه مِيزَابان من الْجنَّة، من شرب منه، لم يظما، عَرْضه مثلُ طُوله، ما بين عَمَّان إلى أيْلَةَ، ماؤه أشدُّ بَياضًا من اللّبن، وأحْلَى من العسل". هذا لفظه إسنادًا، ومَتْنًا (١). رواية أبي سعيد الخدري ﵁ قال ابن أبي عاصم: حدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، حدّثنا محمد بن بِشْر، حدّثنا زكريّا، عن عَطيَّةَ العَوْفيّ، عن أبي سعيد الخُدْريّ، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنّ لي حَوْضًا، طولُه ما بَيْنَ الكَعْبةِ إلى بيت المَقْدِس، أبيضَ مثلَ اللبن، آنيَتُه عددُ النجوم، وإنّي لأكْثرُ الأنْبياء تَبَعًا يوم القيامة". ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة (٢). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا محمد بن سُليْمان الأسَديّ، حدّثنا عيسى بن يونس، عن زكَريّا، عن عَطيَّة، عن أبي سعيد: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ لي حوضًا طولُه من الكَعْبَة إلى بَيْت المَقْدِس، أشدّ بياضًا من اللبن، آنِيَته عددُ النجوم، وكلّ نبيٍّ يدعُو أمَّته إلى حوضه، ولكلّ نبيٍّ حوضٌ، فمنهم من يأتيه الفِئَام، ومنهم من يَأْتيه العصبة، ومنهم من يأتيه النَّفَرُ، ومنهم من يأتيه الرجل والرَّجُلان، ومنهم من لا يأتيه أحد، فيقال: قد بلّغت، وإني لأكثرُ الأنبياء تبعًا يوم القيامة" (٣). وروى البَيْهقيُّ من طريق رَوْح بن عُبَادة، عن مالك، عن خُبيب (٤) بن عبد الرحمن، عن حَفْص بن عاصم، عن أبي هريرة، وأبي سعيد: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما بين بَيْتي ومِنْبري رَوْضةٌ منْ رِيَاضِ الجنَّة" ثم قال: ورواه البخاريّ من وجهٍ آخر، عن مالك، وأخرجاه

стр. 7982

من حديث عبَيْد اللَّه بن عمر، عن خُبيب، بدون ذكر أبي سعيد، واللَّه أعلم (١). رواية أبي هريرة الدوسي ﵁ قال البخاريُّ: حدّثنا إبراهيم بن المُنْذِر، حدّثنا أنس بن عِياض، عن عُبَيْد اللَّه، عن خُبَيْبٍ، عن حَفْص بن عاصم، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما بَين بَيْتي ومِنْبَري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حَوْضي". ورواه البخاري أيضًا، ومسلم من طرق عن عبيد اللَّه بن عمر. وأخرجه البخاري أيضًا من حديث مالك، كلاهما عن خبيب بن عبد الرحمن، به (٢). طريق أخرى عنه ﵁ قال البخاريُّ: حدّثنا إبراهيم بن المُنذر، حدّثنا محمد بن فُلَيْح، حدّثنا أبي، حدّثني هلال، عن عطاء بن يَسارٍ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "بَيْنما أنا قائم على الحوض إذا زُمْرَةٌ، حتَّى إذَا عَرَفْتُهم خَرج رجلٌ من بَيْني وَبيْنِهمْ، فقال: هَلُمَّ، فقلت: أيْنَ؟ قال: إلى النار واللَّهِ، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القَهْقَرَى، ثم إذا [زُمْرة] حتى إذا عَرْفتُهُمْ خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلُمّ، قلت: أين؟ قال: إلى النارِ واللَّهِ. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القَهْقَرَى، فلا أُراه يَخْلُصُ منهم إلّا مثل هَمَلِ النَّعَم (٣) ". انفرد به البخاري (٤). طريق أخرى عنه ﵁ قال مسلم: حدّثنا عبد الرحمن بن سَلّام الجُمَحيّ، حدّثنا الربيعُ يعني ابنَ مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﷺ قال: "لأذُودَنَّ عنْ حَوْضي رجالًا كما تُذادُ الغَريبةُ من الإبل" وحدّثنيهِ عُبَيْدُ [اللَّه] بنُ معاذٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا شُعْبةُ، عن محمد بن زياد، سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ . . . بمثله (٥).

стр. 7983

طريق أخرى عنه ﵁ قال مسلم: حدّثنا سُوَيْدُ بن سعيد، وابن أبي عمر جميعًا، عن مَرْوانَ الفَزَاريّ [قال ابنُ أبي عمر: حدّثنا مَرْوانُ الفَزاريّ] عن أبي مالك الأشْجَعي، سعد بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ حوضي أبْعدُ من أيْلة منْ عَدَن، لهو أشدُّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنِيتهُ أكْثَرُ من عدد النجوم، وإنّي لأصُدُّ الناس عنه، كما يَصد الرَّجُلُ إبل الناس عن حَوْضِه" قالوا: يا رسول اللَّه، أتَعْرِفُنا يَومئذٍ؟ قال: "نعم، لكم سيما لَيْسَت لأحَدٍ من الأمم، تَرِدُون عليَّ غُرًّا مُحجَّلينَ من أثرِ الوُضوء" هذا لفظه (١). طريق أخرى عنه ﵁ أخرجه مسلم، من حديث إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، به (٢). طريق أخرى عنه ﵁ روى الحافظ الضياء من حديث يحيى بن صالح، حدّثنا سُليمان بنُ بلال، حدّثنا إبراهيمُ بن أبي أَسيد، عن جَدّه، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أنا هَلَكْتُ فإنّي فَرَطُكُمْ على الحوض" قيل: يا رسول اللَّه، [وما الحوض؟] قال: "عَرْضُه مِثْلُ ما وبيْنَ جَرْباء وأذْرُح، بياضُه بياضُ اللبن، وهو أحلى من العسل والسُّكَّرِ (٣) آنيتُهُ مثل نجوم [السماء]، من ورد عليّ شرب، ومن شرب منه لم يَظْمأ أبدًا، وإيَّاكُمْ أن ترِد عليّ أقوامٌ أعْرِفُهم ويعرفوني، فيُحالُ بيني وبينهم، فأقول: إنَّهُمْ من أمّتي، فيقال: إنّك لا تَدْري ما أحدثوا بعدك، فأقول: بُعْدًا، وسُحْقًا لمنْ بدّل بعدي" (٤). ثم قال الحافظ الضياء: لا أعلم أنِّي سمعتُ بلفظ السّكّر عن رسول اللَّه ﷺ إلا في هذا الحديث. قلت: [بلى]، قد ورد لفظُ السكَّر في حديث رواه البيهقي في باب الوليمة والنِّثارِ: أنّ رسول اللَّه ﷺ حضر عَقْدًا، فأُتي بأطْباقِ اللَّوْز، والسّكّر، فنُثر، فجَعَل يُخَاطِفهم، ويُخاطِفُونهُ. . . الحديث بتمامه، وهو غريب جدًّا (٥).

стр. 7984

طريق أخرى عنه قال البخاريّ: وقال أحمد بن شَبيب بن سعيد الحَبطيّ (١): حدّثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي هريرة: أنّه كان يُحَدّث أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يَرِدُ عليَّ يومَ القيامة رَهْطٌ منْ أصحابي، فَيُحلَّؤون (٢) عن الحوض، فأقول: يا ربّ، أصحابي، فيُقال: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدُّوا على أدبارهم القَهْقَرى" (٣). قال: وقال شُعَيْبٌ عن الزُّهريّ: كان أبو هريرة يُحدّث عن النبيّ ﷺ : "فيُجلَون" وقال عُقيل: "فَيُحلَّؤون" (٤). وقال الزُّبَيْديّ، عن الزُّهريّ، عن محمد بن عليّ، عن عُبَيد اللَّه بن أبي رافع (٥)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٦). وهذا كله تعْليق، ولم أر أحدًا أسنده في شيء من هذه الوجوه عن أبي هريرة إلا أن البخاري قال بعد هذا: حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المُسيب: أنّه كان يُحدّث عن أصحاب النبيّ ﷺ : أنّ النبيّ ﷺ قال: "يَرِدُ عليّ الحوضَ رجالٌ من أصحابي، فَيُحَلَّؤون عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقرى" (٧). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثني يعقوب بن عُبَيْد، وغيرُه، عن سُلَيمان بن حرب (٨)، عن حماد بن زَيد، عن كلثومٍ إمام مَسْجد بني قشَيْر (٩)، عن الفضل بن عيسى، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن أبي هريرة: قال: كأني بكم صادرين على الحوض، يلْقَى الرجلُ الرَّجلَ، فيقول: أشَربْتَ؟ فيقول: نعم، ويَلْقَى الرجُلُ الرَّجلَ، فيقول: أشَرِبْتَ؟ فيقول: لا، واعَطَشاه (١٠).

стр. 7985

رواية أسماء بنت الصِّدِّيق ﵄ قال البخاريُّ: حدّثنا سعيدُ بن أبي مَرْيم، عن نافع بن عمر، حدّثني ابن أبي مُلَيْكة، عن أسماء بنتِ أبي بكر، قالت: قال النبيّ ﷺ : "إني على الحوض حتّى أنْظُر منْ يَرِدُ عليّ منكم، وسَيُؤْخَذُ أُناسٌ دُونِي، فأقول: يا ربّ، منِّي ومن أمَّتِي، فيُقال: هَلْ شَعَرتَ ما عَمِلُوا بعدك؟ واللَّه ما بَرِحوا يَرْجِعُون على أعقابهما" فكان ابنُ أبي مُليْكةَ يقول: اللّهم إنا نعوذُ بك أن نَرْجِعَ على أعقابنا، أو نُفْتَن عن دِيننا. ورواه مسلم عن داود بن عمرو، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن أسماء، مثلَه (١). رواية أم المؤمنين عائشة بنت الصديق ﵄ قال البيهقي: حدّثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، حدّثنا عبد الرحمن بن الْحَسَن القاضي، حدّثنا إبراهيمُ بن الْحُسَيْن، حدّثنا آدمُ، حدّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن أبي عبَيْدَةَ، قال: سألتُ عائشةَ أمّ المؤمنين عن الكوثر، فقالت: هو نَهْرٌ أُعْطيهُ نَبيكمْ ﷺ في الجنَّة، حافتاه دُرّ مُجَوَّف، عليه من الآنية عددُ النجوم". ورواه البخاري عن خالد بن يَزِيْد الكاهِليّ عن إسرائيل، واستشهد برواية مُطَرّف (٢). وقال مسلم: حدّثنا ابن أبي عُمر، حدّثنا يحيى بن سُلَيْم، عن ابن خُثَيْم، عن عبد اللَّه بن عُبَيْد اللَّه بن أبي مُلَيْكة أنه سمع عائشةَ تقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول وهو بين ظَهْرَانيْ أصحابه: "إنّي على الحوض أنْتَظرُ منْ يَرِدُ عليَّ منكم، فواللَّه لَيُقتطعنَّ دوني رجالٌ، فَلأقولَنّ: أيْ رَبّ، مني، ومِنْ أمَّتي، فيقول: إنّك لا تدري ما عَمِلوا بَعْدَك، ما زالوا يَرْجعُون على أعقابِهم". انفرد به مسلم (٣). رواية أم سلمة أم المؤمنين ﵂ قال مسلم: حدّثني يونُس بن عَبدِ الأعلى الصَّدَفيّ، حدّثنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْب، أخبرني عمرو، وهو ابن الحارث، أن بُكَيْرًا حَدَّثه، عن القاسم بن عبَّاس الهاشميّ، عن عبد اللَّه بن رافع، مولى

стр. 7986

أمِّ سَلَمة، عن أمّ سَلَمة زَوْجِ النبي ﷺ أنها قالت: كنتُ أسمعُ النَّاسَ يذكرون الحوض، ولم أسمع ذلك من رسول اللَّه ﷺ ، فلمّا كان يومًا من ذلك، والجاريَةُ تَمْشُطني، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أيُّها الناسُ" فقلت للجارية: اسْتأْخري عَنِّي، فقالت: إنَّما دعا الرجالَ، ولم يدعُ النِّساءَ، فقلت: إنّي من الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنِّي لكُمْ فَرَطٌ عَلَى الحَوْض، فإياي لا يَأْتِين أحدُكم، فَيُذَبَّ عنِّي كما يذَبُّ البَعيرُ الضَّالُّ، فأقول: فبم هذا؟ فيُقال: إنّك لا تدري ما أحْدَثُوا بعدك، فأقول: سُحْقًا". ثم رواه مسلم والنسائيّ من حديث أفلح بن سعيد، عن عبد اللَّه بن رافع، عنها (١). رواية أخٍ لزيد بن أرقم قال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن مطر، عن عبد اللَّه بن بُريدة، قال: شكَّ عبيد اللَّه بن زياد في الحوض، فأرسل إلى زيد بن أرقم، فسأله عن الحوض، فحدثه به حديثًا مُونِقًا، فأعجبه، فقال له: سمعتَ هذا من رسول اللَّه ﷺ ؟ [قال: لا] ولكن حدثنيه أخي (٢). فقد تلخّص من مجموع هذه الأحاديث المُتواتِرَة صِفَةُ هذا الحوض العظيم، والمَوْرِد الكريم، المُمَدّ من شراب الْجَنّة، من نهر الكوثر، الذي هو أشدُّ بياضًا من اللبن، وأبردُ من الثلج، وأحلى من العسل، وأطْيَبُ ريحًا من المسك، وهو في غاية الاتّساع، عَرْضُه وطوله سَواءٌ، كل زاوية من زواياه مَسيرَةُ شَهْرٍ. وفي بعض الأحاديث المتقدِّمة أن كل ما لهُ في زيادةٍ واتّساع، وأنه ينبت في حاله أي في طينه من المسك، وأن رضراضه، من اللؤلؤ، وأنه ينبت على جوانبه قُضْبانُ الذّهب، ويُثْمرُ ألوان الجواهر، فسبحان اللَّه الخالق الذي لا يُعْجزُه شيء، و [أشهد أن] لا إله إلّا اللَّه [وأن] محمَّدًا عبده ورسوله. ذكر أن لكل نبي حوضًا وأن حوض نبينا محمد ﷺ وعليهم أجمعين أعظمها وأجلها، وأكثرها واردًا جعلنا اللَّه تعالى من وُرَّاده، وسقانا منه شربة لا نظمأ بعدها، ونعوذ باللَّه سبحانه أن نذاد عنه قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "الأهوال": حدّثنا محمد بن سُلَيْمانَ الأسَديّ، حدّثنا

стр. 7987

عيسى بن يونس، عن زكريّا، عن عطيَّة، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ لي حوضًا طوله ما بين الكَعْبةِ إلى بَيْت المَقْدِس، أشدّ بياضًا من اللبن، آنيتُه عددُ النجوم، وكلُّ نبيٍّ يدعُو أمَّتَه؛ ولكُلّ نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفِئَامُ، ومنهم من يأتيه العُصْبةُ، ومنهم من يأتيه النَّفَر، ومنهم من يأتيه الرجلان والرجل، ومنهم من لا يأتيه أحد، فيقال: لقد بلّغتَ، وإنّي لأكثرُ الأنبياء تبعًا يوم القيامة". ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن محمد بن بِشْر، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن عَطِيَّة بن سعد العَوْفيّ، عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ بنحوه (١). حديث آخر قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا العبَّاس بن محمد، حدّثنا الْحُسَينُ بن محمد المَرُّوذي، حدّثنا مِحْصنُ بن عُقْبَة اليَمَاميّ، عن الزُّبَيْر بن شَبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس، قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ عن الوقوف بين يدي ربّ العالمين: هل فيه ماء؟ فقال: " [إيْ] والذي نَفْسي بِيَدِه، إنَّ فيه لَماءً، إنّ أولياء اللَّه لَيَرِدُون حيَاضَ الأنبياء، ويَبْعثُ اللَّه سبعين ألف ملَكٍ، في أيديهم عِصيٌّ من نار، يذُودونَ الكُفَّارَ عن حياض الأنبياء". هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وتقدم. وتقدَّم ما رواه الترمذيّ، والطبرانيّ، وغيرُهما، من حديث سعيد بن بَشِير، عن قتادةَ، عن الحسن، عن سَمُرة أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ لِكلّ نبيّ حَوْضًا [وإنهم] يتباهَوْنَ أيُّهم أكْثَرُ وَارِدةً، وإنّي لأرْجو أن أكون أكثرَهم وارِدةً" ثم قال الترمذيّ: هذا حديث غريب. وقد رواه أشْعَثُ بن عبد الملك، عن الحسن مُرْسلًا، وهو أصحّ، ورواه الطبرانيّ أيضًا من طريق خُبَيب بن سُلَيْمان، عن سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إن الأنبياء يتَبَاهَوْنَ يوم القيامة أيُّهم أكْثَرُ أصحابًا، وإنّي أرجو أن أكون [يومئذ] أكثرَهم كُلَّهم وَارِدةً، وإنَّ كلّ رجل منهم [يومئذ] قائمٌ على حَوْضٍ، ملآنَ، معه عَصًا يدعو منْ عَرَف من أمته، ولكلّ أمَّةٍ سِيمَا يَعْرِفُهُمْ بها نَبيُّهم" (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا خالد بن خِدَاشِ، حدّثنا حَزْمُ بن أبي حَزْم، سمعتُ الحسن البَصْريّ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا فَقَدْتُموني فأنا فرَطُكُم على الحوض، إنّ لِكُلّ نبيّ حوضًا، قائمٌ على

стр. 7988

حوضه، بيَدِهِ عَصًا، يدعو من عرف من أمّته، ألا وإنّهم يَتباهَوْنَ أيُّهم أكثرُ تبَعًا، والذي نفسي بيده إنّيْ لأرْجُو أنْ أكونَ أكثرَهُم تبَعًا. . . " وذكر تمام الحديث، وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن صَحَّحهُ يحيى بن سعيد القَطَّان، وغيرُهم، وقد أفتى شيخُنا الحافظ المِزيُّ بصِحَّةِ هذا الحديث، بهذه الطُّرق. فصل إن قال قائل: فهل يكون الحوضُ قبلَ الجَواز على الصراط أو بعده؟ فالجواب أنّ ظاهر ما تقدَّم من الأحاديث يقتضي كونَه قبلَ الصِّراط، لأنه يُذادُ عنه أقوامٌ، يقال عنهم: إنهم لم يَزالُوا يَرْتَدُّون على أدبارهم وأعقابهم، منذ فارقْتَهُمْ، فإنْ كان هؤلاء كفّارًا، فالكافرُ لا يُجَاوِزُ الصِّرَاطَ، بل يُكَبُّ على وجهه في النار قبلَ أن يُجَاوزَه، وقيل: إن الصراط طريق ومَعْبَر إلى الجنة، فهو إنما ينصب للمؤمن والعصاة والفُسَّاق والظلمة، تحفظهم عليه الكلاليب، فمنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم من يأخذ الكَلُّوب، فيهوى في النار على وجهه، وان كان المشار إليهم بالردة عُصاةً من المسلمين فيَبعُدُ حَجبُهمْ عن الحوض، لا سيَّما وعليهم سِيمَا الوضوء، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "أعرفكم غُرًّا مُحَجّلينَ من آثارِ الوُضوء" ثم من جاوز الصراط لا يكون إلّا ناجيًا مُسْلِمًا، فمثل هذا لا يُحْجَبُ عن الحوض، فالأشبَهُ واللَّه أعلم أنّ الحوضَ قبلَ الصراط. فأمَّا الحديثُ الذي قال الإمامُ أحمد: حدّثنا يونُس، حدّثنا حَرْب بنُ مَيْمونٍ، عن النَّضْر بن أنس، عن أنس قال: سألت رسول اللَّه ﷺ أنْ يَشْفَع لي يومَ القيامة، قال: "أنا فاعل" قال: فأين أطلُبك يوم القيامة يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: "اطْلُبْني أوَّلَ ما تَطْلُبني على الصراط" قلت: فإنْ لم ألْقَكَ [على الصراط؟] قال: "فأنا عند الميزان"، قال: قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثَّلاثة مَواطِنَ يوم القيامة". ورواه الترمذيّ من حديث بَدَل بن المُحَبَّر، وابن ماجه في "تفسيره" من حديث عبد الصمد، كلاهما عن حَرْب بن مَيْمُون أبي الخَطَّاب الأنصاريّ البصريّ من رجال مُسْلم، وقد وَثّقه علي بنُ المَدينيّ، وعمرو بن على الفَلّاس، وفرَّقا بينه وبين حَرْب بن [ميمون] أبي عبد الرحمن العَبْديّ [البصري] أيضًا صاحب الأغميَة، وضعّفا هذا، وأمَّا البُخاريّ فجعلهما واحدًا، وحَكَى عن سُلَيْمان بن حرب أنَّه قال: كان هذا أكْذَبَ الخلق، وأنكر الدارقطنيّ على البخاريّ ومسلم في جعلهما هذين واحدًا، وقال شيخنا الحافظ المِزّيّ: جَمَعَهُما غيرُ واحدٍ، وفرق بينهما غيرُ واحدٍ، وهو الصحيح، إن شاء اللَّه تعالى. قلت: وقد حرَّرت هذا في "التكميل" بما فيه كفاية.

стр. 7989

وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من هذا الوجه (١). والمقصود أنّ ظاهر هذا الحديث يقتضي أنّ الحوض بعد الصراط، وكذلك الميزان أيضًا، وهذا لا أعلم به قائلًا، اللهمَّ إلّا أن يكون المراد به حوضًا آخرَ، يكون بعد قطع الصراط، كما جاء في بعض الأحاديث، ويكون ذلك حوضًا ثانيًا لا يذادُ عنه أحد، واللَّه أعلم بالصواب. فصل وإذا كان الظاهر كونَه قبلَ الصراط، فهل يكون ذلك قبل وضع الكرسيّ لفصل القضاء، أو بعد ذلك. هذا ممّا يحتمل كُلًّا من الأمرين، ولم أر في ذلك شيئًا فاصلًا، فاللَّه أعلم أيّ ذلك يكون. وقال القُرْطبيّ في "التَّذكرة": واختُلف في الميزان، والحوض: أيُّهما يكون قبلَ الآخر؟ فقيل: الميزانُ قبلُ [وقيل: الحوض]، قال أبو الحسن القابسيّ: والصحيح أن الحوض قبلُ. قال القرطبيّ: والمعنى يقتضيه، فإنّ الناس يَخْرجون عِطاشًا من قبورهم، كما تقدَّم، فيُقدَّم قبل الميزان والصراط. قال أبو حامد الغزاليّ في كتاب "كشْفِ علوم الآخرة": حَكى بعضُ السَّلف من أهل التصنيف: أنّ الحوض يُوردُ بعد الصراط، وهو غلَطٌ من قائله. قال القرطبيّ: هو كما قال، ثم أورد حديثَ منع المُرْتدِّينَ على أعقابهم عن الحوض، ثم قال: وهذا الحديث مع صحّته أدَلّ دليل على أنَّ الحوض يكون في الموقف قبلَ الصراط، لأن الصراط منْ جاز عليه سَلِمَ، كما سيأتي. قلت: وهذا التوجيه قد أسلفناه وللَّه الحمد. قال القُرْطبىّ: وقد ظنّ بعضُ الناس أنّ في تحديد الحوض تارةً بجَربَاءَ وأذرُح، وتارةً كما بَيْن الكَعْبةِ إلى كذا، وتارةً بغير ذلك اضطرابًا، قال: وليس الأمر كذلك، فإنّه ﷺ حدَّث أصحابه به مَرَّاتٍ مُتعدِّدَةً، فخاطب في كلّ مرّةٍ لكل قوم بما يعرفون من الأماكن، وقد جاء في الصحيح تحديدُه بشَهْرٍ في شَهْرٍ، قال: ولا يخطُر ببالِك أنَّه في هذه الأرض، بل في الأرض المُبَدَّلةِ، وهي أرضٌ بيضاءُ كالفِضَّةِ، لم يُسْفَك فيها دم، ولم يُظْلمْ على ظهرها أحد قطّ، تُطهَّرُ لِنُزول الْجَبَّار ﷻ لِفَصْل القضاء. قال: وقد روي أنّ على كلِّ زاوية من زوايا الحوض واحدًا من الخلفاء الأربعة، فعلى الركن الأوَّل أبو بكر، وعلى الثاني عمر، وعلى الثالث عثمان، وعلى الرابع عليّ، ﵃، قلت: وقد رَوَيْناه في "الغَيْلانِيَّات"، ولا يصح إسناده، لضعف بعض رجاله (٢)، واللَّه أعلم بالصواب.

стр. 7990

فصل في مجيء الرَّبِّ كما يشاء يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه ذُكر في حديث الصور المتقدّم أنّه إذا ذهب رسولُ اللَّه ﷺ فشفع عند اللَّه ليَفْصِل بَيْن العباد، فيقول الرب تعالى: أنا آتيكم فأقضي بينكم، ثم يَرْجِعُ رسول اللَّه ﷺ فيقف مع الناس في مقامِه الأوَّل، فحينئذ تَنْشقُّ السَّماوتُ بغَمامِ النُّور وتَتَنزَّلُ المَلائكةُ تَنْزيلًا، فيَنْزلُ أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيَا، وهم قَدْرُ أهل الأرض من الجن والإنس، فيُحيطونَ بهم دَائرةً، ثمَّ تنشق السماءُ الثانية، فتنزل ملائكتها وهم قدر الجن والإنس، وقدر ملائكة سماء الدنيا، فيحيطون بمن هناك من الملائكة والجن والإنس دائرة، ثم كذلك أهل السماء الثالثة، والرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فكلّ أهل سماءٍ يُحيط بمنْ قبلهم دائرةً، ثم تنْزلُ الملائكة الكَرُوبيُّونَ وحَمَلةُ العَرْش، ومن حولهم من المُقَرَّبين، ولهم زَجَلٌ بالتسبيح، والتقديس، والتعظيم، يقولون: سبحانَ ذي العِزَّة والجَبَرُوت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الْحَىّ الذي لا يموت، سُبْحانَ الذي يُميتُ الْخَلائق ولا يَمُوت، ثم يأتيهم اللَّه لفصل القضاء. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في "الأهوال": حدّثنا حمزة بن العبَّاس، حدّثنا عبد اللَّه بن عُثمانَ، حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا عَوْفٌ، عن أبي المِنْهال، سيَّار بن سَلامة الرَّياحيِّ، حدّثنا شَهْرُ بن حَوْشَب، حدّثني ابنُ عبَّاس، قال: إذا كان يومُ القيامة مُدَّتِ الأرضُ مَدَّ الأدِيم، وزِيدَ في سَعتها كذا وكذا وجُمعَ الخَلائقُ بصعيدٍ واحدٍ، جِنُّهم وإنْسُهُمْ، فإذا كان كذلك قِيضَت (١) هذه السماء الدنيا عن أهلها، فنُثِر مَنْ فيها على وجْهِ الأرْضِ، وأهْلُ هَذِهِ السَّماءَ الدُّنْيا وَحْدَهُمْ أكْثَرُ منْ جَميع أهلِ الأرض، جنِّهم، وإنْسهم بالضِّعْفِ، فإذا رآهم أهلُ الأرض فَزِعُوا إلَيْهم، ويقولون: أفيكُمْ رَبنا؟ فيفْزَعُون منْ قولهم، ويقولون: سُبْحانَ رَبِّنا، [لَيس فينا]، وهو آتٍ، [ثم تُقاضُ السَّماءُ الثانية، ولأهْلُ السماء الثانية أكْثَرُ من أهْلِ هذه السماء الدُّنيا، ومنْ جميع أهل الأرض بالضِّعْف، فإذا نُثرُوا على وجْه الأرض فَزِعَ إليهم أهْلُ الأرض، ويقولون: أفيكمُ رَبُّنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سُبْحان رَبِّنا [ليس فينا] وهو آتٍ، ثم تُقَاضُ السماوات، سماءً، سماءً، كلّما قِيضت سماءٌ كانت أكثْرَ منْ أهل السماوات التي تَحْتَها، ومن جميع أهل الأرض بالضِّعْف، جنِّهم، وإنْسِهم، كلّما نُثرُوا على وجْه الأرض فَزِع إليهم أهْلُ الأرض، ويقولون لهم مثل ذلك ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تُقاضَ السَّماءُ السَّابعةُ، ولأهلُها وحدَهم أكْثرُ منْ أهلِ ستِّ سمواتٍ، ومن أهل الأرض من الجن والإنس بالضِّعْف، ويجيء اللَّهُ فيهم،

стр. 7991

والأمم جثًا صُفُوف، فينادي منادٍ: سَتَعْلَمون اليومَ منْ أصحابُ الكَرم، ليَقُم الْحمَّادُون للَّه على كلّ حال، فيقومون، فيُسَرَّحُون إلى الجنَّة، ثم ينادي ثانية: ستعلمون منْ أصحاب الكرم اليوم، ليَقُم الذين كانتْ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٦]، فيقومون، فيُسَرَّحُونَ إلى الْجَنَّة، ثم ينادي ثالثة: ستعلمون من أصحابُ الكرم اليوم، ليَقُم الذين كانُوا ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، فيقومون، فيسَرَّحُونَ إلى الجنَّة، فإذا لمْ يبق أحد من هؤلاء الثلاثة خَرج عُنقٌ من النار، فأشْرَف على الخلائق، له عَيْنانِ بصيرتان، ولسانٌ فصيحِ، فيقول: إنِّي وكَّلْتُ بثلاثة، وكلت بكُلِّ جبّارٍ عنيد، فيَلْقُطُهم منَ الصُّفوفِ لَقْطَ الطَّيْر حَبَّ السِّمْسِم، فيَخْنسُ بهم في جهنَّم ثم يَخْرجُ الثانية، فيقول: إنِّي وُكِّلتُ بمن آذى اللَّهَ ورَسُولَه، فيَلْقُطُهم من الصفوف لَقْط الطَّيْر حَبَّ السِّمْسِم فيخنسُ بهم في جَهَنَّم ثم يخرج الثالثة، فيقول: إنِّي وُكِّلْتُ بأصحاب التَّصاوير، فيلقُطُهم مِنَ الصفوف لَقْطَ الطَّيرِ حَبَّ السِّمْسِم فيخنسُ بهم في جهنَّم، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثةً، ومن هؤلاء ثلاثة، نُشِرَت الصُّحف، ووضِعَت الموازين، ودُعيتِ الْخَلائِقُ للحساب (١) وقد قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧٠]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٥ - ٢٦]. وقال في حديث الصور: فيضَعُ اللَّهُ كُرْسيَّهُ حَيْثُ شاء من أرضه، يعني بذلك كُرْسيَّ فَصْل القَضاء، وليس هذا بالكرسيّ المذكور في آية الكرسي، ولا المذكور في "صحيح ابن حِبَّان": "ما السماواتُ السبعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ وما فِيهنَّ، وما بَيْنَهُنّ في الكُرْسيّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ بأرْضِ فَلاةٍ، وما الكُرْسيُّ في العَرْش إلا كتِلك الْحَلْقةِ بِتلكَ الفَلاةِ، والعَرْشُ لا يَقْدُرُ قدره إلّا اللَّهُ " (٢). وقد يُطلق على هذا الكرسيّ اسمُ العرش، فقد ورد ذلك في بعض الأحاديث، كما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: "سَبْعَةٌ يُظلُّهم اللَّهُ في ظله" -وفي رواية (٣): "في ظل عرشه- يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه. . . " الحديث بتمامه (٤).

стр. 7992

وثبت في "صحيح البخاريّ" من حديث الزُّهريّ، عن أبي سلَمَةَ، وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كانَ يومُ القيامة فإنّ الناس يَصْعَقُونَ، فأكونُ أوَّلَ منْ يُفيقُ، فأجِدُ مُوسى باطِشًا بقائمةٍ من قوائم العَرْش، فلا أدري أَصَعِق فأفاقَ قَبْلِي، أم جُوزي بصَعْقَةِ الطُّور؟ " (١) فقوله: "أم جُوزي بصَعْقة الطور": يَدُلُّ على أن هذا الصَّعْق الذي يَحْصُل للناس يوم القيامة سَبَبُه تَجَلِّي الربّ تعالى لعباده، لفَصْل القضاء، فيَصْعَقُ الناسُ من تجلي العَظَمة، والجلال، كما صَعِقَ موسى يَوْم الطُّورِ حينَ سَأله الرُّؤْيَة ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فموسى ﵊ إذا صَعقَ الناسُ يوم القيامة، إمَّا أن يكون جُوزي بصعقة الطور، فلا يصعق يومئذ، وإمّا أن يكون صعق فأفاق، أي صعق صعقة خفيفة، فأفاقَ قبلَ الناس كُلّهِمْ، واللَّه أعلم. وقد ورد في بعض الأحاديث: أنَّ المؤمنينَ يَرون اللَّهَ في عَرَصاتِ القيامة، كما ثَبتَ في "الصحيحين" -واللفظ للبُخَاريّ- من طريق قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللَّه، قال: خَرَج عَلَيْنا رسول اللَّه ﷺ ليلة البدْر، فقال: "إنّكم سَتَرونَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامةِ كما تَرَوْنَ هذا لا تُضامُونُ في رُؤْيتهِ". وفي رواية للبخاريّ: "إنّكم سترون ربكم عِيانًا" (٢). وجاء: أنّهم يسجدون له تعالى، كما قال ابن ماجه: حدّثنا جبَارة بن المغلِّس الْحِمَّانىّ، حدّثنا عبد الأعلى بن أبي المُسَاور، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جمع اللَّه الخلائقَ يوم القيامة أُذِنَ لأمَّةِ محمَّد ﷺ في السجود، فيَسْجدون له طويلًا ثم يقال: ارفعوا رُؤوسكم، فقد جَعْلنا عدَّتكم فداءكم من النار". وله شواهد من وجوه أُخر، كما سيأتي (٣). وقال البزَّار: حدّثنا محمد بن المُثَنّى، حدّثنا يحيى بن حماد، حدّثنا أبو عَوَانَةَ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "حتَّى إنَّ أحدهُمْ لَيَلْتَفتُ فَيُكْشَفُ عن ساقٍ، فيَقَعونَ سُجودًا، وتَرْجعُ أصلابُ المنافقين حتى تكون عَظْمًا، كأنها صَياصي البَقَر" ثم قال: لا نعلم حَدَّث به عن الأعمش إلّا أبا عَوانةَ. قلت: وسيأتي له شاهد من وجه آخر. وذكر في حديث الصُّور: "إنّ اللَّه يُنادي العِبَاد يوم القيامة فيقول: إنّي قد أنْصَتُّ لكم مُنْذُ خَلَقْتكُمْ إلى يومكم هذا، أرى أعمالَكم، وأسمع أقوالكم، فأنصتوا لي، فإنما هي أعمالُكم،

стр. 7993

وصُحُفكم تُقْرأ عليكم، فمنْ وَجَدَ خَيْرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنّ إلّا نفسه". وروى الإمام أحمد، من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عَقيل، عن جابر بن عبد اللَّه: أنّه اشترى رَاحِلَةً، وسار إلى عبد اللَّه بن أُنَيْس شهرًا ليَسْمع منه حديثًا بلَغَهُ عَنْهُ، فلمّا سأله عنه، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُحْشَرُ الناسُ يَوْمَ القيامةِ" -أو قال: "العِبادُ- حُفاةً عُراةً غُرْلًا [بهمًا] " قلنا: وما بُهمًا؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يُناديهم بصوت يسمعُه منْ [بَعُد كما يسمعه] من قَرُبَ: أنا المَلِكُ، أنَا الديّانُ، لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أنْ يدخُل النار، وله عند أحَدٍ من أهل الْجَنّة حقّ حتّى أُقِصَّهُ مِنْهُ، ولا يَنْبغي لأحَدٍ من أهل الْجَنَّةِ أن يدخلُ الْجَنَةَ ولأحدٍ من أهل النَّار عِندهُ حقّ حَتَّى أُقصَّه منه، حتى اللطْمة" قال: قلنا: وكيف، وإنّا إنّما نأتي اللَّهَ بُهْمًا؟ قال: "بالْحَسَناتِ، والسّيئات" (١). وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذَرّ عن النبي ﷺ في الحديث الإلهي الطويل: "يا عبادي إنّما هي أعمالكم أُحْصيها لكم ثم أوفّيكم إيّاها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومنَّ إلّا نفسه" (٢). وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥]. ثم ذكر سبحانه ما أعدَّه للأشقياء، وما أعدَّهُ للسُّعداء، فقال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٧ - ٣٨]. وثبت في "الصحيحين": "ولا يتكلم يَوْمئذ إلّا الرُّسُل" (٣). وقد عقد البخاريّ ﵀ بابًا في ذلك، فقال في باب التوحيد من "صحيحه": بابُ كلام الرَّبّ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ثم أورد فيه حديث أنس في الشفاعة بتمامه. [وحديث عدي: "ما منكم من أحد إلا سيكلّمه ربه. . . "] الحديث، وحديث ابن عمر في النَّجْوَى (٤). ونحن نورد في هذه الترجمة أحاديث أُخر، مناسبةً لهذا الباب. وقد قال اللَّه تعالى:

стр. 7994

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩]. وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]. وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]. وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا حمزةُ بن العبَّاس، حدَّثنا عبد اللَّه بن عُثْمانَ، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا رِشْدين بنُ سعد، أخبرني ابن أنْعُم المَعَافِريّ، عن حبان بن أبي جَبَلَة، يُسنده إلى النبيّ ﷺ قال: "إذا جَمَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ يَوْمَ القيامةِ كان أوَّلُ منْ يُدْعَى إسرافيل؛ فيقول له رَبُّه: ما فعلتَ في عهدي؟ هل بَلَّغْتَ عَهْدي؟ فيقول: نعم، يا ربّ، قد بلّغته جبريلَ، فيُدعى جبريل، فيقال له: هل بلّغك إسرافيلُ عَهْدي؟ فيقول: نعم، قد بلّغني، فيخلَّى عن إسرافيل، ويقال لجبريل: هل بلَّغت عهدي، فيقول: نعم قد بَلغْت الرُّسُل، فيُدْعَى الرسل فيقولُ لهم: هل بَلَّغكم جِبْريلُ عَهْدي؟ فيقولون: نعم، فيخلَّى عنْ جِبْريل، ويقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بَلَّغْنا أُمَمنا، فتُدْعى الأُممُ، فيُقال لهم: هل بلَّغَكمُ الرُّسُل عَهدي؟ فمنهم المُكَذّب، ومنهم المُصَدِّق، فيقول الرُّسُل: إنّ لنا عليهم شهداء يَشْهَدُون لنا أنا قدْ بَلّغْنا عهدَك، فيقول: منْ يشهدُ لكم؟ فيقولون: أُمَّةُ أحمد ﷺ ، فيقول: أتشهدون أنّ رُسُلي هؤلاء قدْ بَلّغُوا عَهْدي إلى منْ أُرْسِلُوا إلَيْه؟ فيقولون: نعم رَبِّ شَهِدْنَا أنْ قَدْ بَلَّغُوا، فتقولُ تلك الأمم: كيفَ يَشْهدُ عَلَيْنا منْ لمْ يُدرِكْنا؟ فيقول لهمُ الربُّ تعالى: كيف تَشْهَدُونَ على منْ لم تُدْرِكُوا؟ فيقولون: رَبَّنا، بَعَثْتَ إلينا رَسُولًا، وأنْزلتَ إليْنا عَهْدَكَ وكِتابَك، وقصصت عَلينا فيه أنّهم قد بَلّغوا، فشَهِدْنا بما عَهِدت إلَيْنا، فيقول الربُّ: صَدَقُوا، فذلكَ قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ". قال ابن أنْعُم: فبلغني أن أمة محمد تشهد، إلّا منْ كانَ في قلبه حِنَةٌ (١) على أخيه (٢). ذكر كلام الرب تعالى مع آدم ﵇ قال الإمام أحمد: حدّثنا قُتَيْبةُ بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن ثَوْر، عن أبي الغَيْث، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أوَّل من يُدْعى يومَ القيامة آدمُ، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: يا رَبِّ لَبَّيْكَ وَسَعْديكَ، فيقول له ربُّنا تعالى: أخْرِجْ نَصيبَ جَهَنم منْ ذُرِّيتكَ، فيقول: يا رَبِّ وكم؟ فيقول: من كلّ مئةٍ تِسْعة وتسعين" فقلنا: يا رسول اللَّه، أرأيتَ إذا أخَذَ منّا منْ

стр. 7995

كل مئةِ تسعةً وتسعين، فماذا يَبْقَى مِنَّا؟ قال: "إن أُمتي في الأمم، كالشعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسود". ورواه البخاريُّ، عن إسماعيل بن عبد اللَّه، عن أخيه، عن سُلَيْمانَ بن بلال، عن ثور بن زيد الدِّيليِّ، عن سالم أبي الغَيْث، مولى ابن مُطيع، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أوَّل من يُدْعَى يومَ القيامة آدم، فتتراءى ذُريتُه، فيقال: هذا أبوكم آدمُ، فيقول: لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، فيقول: أخْرج بَعْثَ جَهنَّم من ذُرِّيتك. . . وذكر تمامه كما تقدم (١). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقولُ اللَّه يوم القيامة: يا آدم، قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النار، فيقول: لَبَّيْكَ وَسَعْديكَ، وَالْخَيْرُ في يَدَيْك، يا رَبِّ، وما بَعْثُ النَّار؟ فيقول: من كلِّ ألفٍ تِسْعَمئةٍ وتِسْعةً وتسعين" قال: "فيَوْمئذٍ يَشيبُ المَوْلُود، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] " قال: فيقولون: أيُّنا ذلك الواحد. فقال رسول اللَّه ﷺ : "تِسْعُمئة وتِسْعةٌ وتسعون منْ يأْجُوج ومأْجُوجَ، ومنكم واحد" قال: فقال الناس: اللَّه أكبر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "واللَّه إني لأرْجُو أنْ تَكُونوا رُبُعَ أهلِ الجَنّة، واللَّهِ إنِّي لأرْجُو أنْ تكونوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّة، واللَّهِ إنّي لأرْجُو أنْ تكونوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّة" قال: فكَبَّرَ الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أنْتُمْ في النَّاسِ إلا كالشَّعْرةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ؛ أو كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثّوْرِ الأبيض". ورواه البخاريّ، عن عمر بن حَفْص بن غِياث، عن أبيه، عن الأعمش، به. ورواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن وَكيع، به، وأخرجاه من طرق أُخَر، عن الأعمش، به (٢). وفي "صحيح البخاريّ" عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شُعْبة، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بن مَيْمون، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: كُنَّا مع رسول اللَّه ﷺ في قُبَّةٍ من أدم، فقال: "أتَرْضَوْنَ أنْ تكُونوا رُبُع أهْل الجَنّة؟ " قلنا: نعم، فقال: "والذي نفس محمد بِيَده، إنّي لأرجُو أن تكونوا نِصْفَ أهْلِ الجنّة، وذلك أنَّ الجنّة لا يدخُلها إلا نفسٌ مُسْلِمة، وما أنتم في أهل الشِّرْكِ إلَّا كالشَّعرة البيضاء في جِلْد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر" (٣).

стр. 7996

كلام الرَّبِّ تعالى مع نوح ﵇ وسؤاله إياه عن البلاغ كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦]. وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُدْعَى نوح يومَ القيامة، فيُقال له: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم، فيُدْعى قَومُه، فيُقال: هل بَلَّغَكُمْ؟ فيقولون: ما أتانا مِنْ نذير، أو ما أتانا من أحدٍ، قال: فيُقال لنوح: منْ يشْهدُ لَكَ؟ فيقول: محمد، وأُمَّتُه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " قال: "والوَسَطُ: العَدل الخيار"، قال: "فيُدْعَوْن، فيشْهدُون له بالبلاغ" قال: "ثم أشْهدُ عليكم". وهكذا رواه البخاري، والترمذيّ، والنسائيّ، من طرق عن الأعمش، به، وقال الترمذيّ: حسن صحيح (١). وقد رواه الإمام أحمد، بلفظ أعمَّ من هذا، فقال: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يَجيءُ النبيُّ يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيُّ ومعه الرجلان، وأكثرُ من ذلك، فيدعى قومُه، فيقول لهم: هل بَلّغكم هذا؟ فيقولون: [لا]، فيُقال له: هل بَلّغْتَ قَوْمَك؟ فيقول: نعم، فيُقال له: منْ يَشْهدُ لك؟ فيقول: محمد، وأمّته، فيُدْعى محمد، وأمته، فيُقال لهم: هل بَلّغ هذا قَوْمَه؟ فيقولون: نعم، فيُقال: وما عِلْمُكُم؟ فيقولون: جاءنا نَبيُّنا، وأخبرنا: أنّ الرُّسُل قد بَلَّغُوا" قال: "فذلك قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ " قال: "يقول: عَدْلًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي كُرَيْب، وأحمد بن سِنَان، كلاهما عن أبي معاوية (٢). قلت: ومضمون هذا أنّ هذه الأمّة يوم القيامة تكون عدولًا عند سائر الأمم والأنبياء، ولهذا يَسْتَشهدُ بهم سائر الأنبياء على أُمَمِهِم، ولولا اعترافُ أممهم بشرف هذه الأمة لما حصل إلزامُهم بشهادتهم. وفي حديث بَهْز بن حَكِيم، عن أبيه، عن جَدّه معاوية بن حَيْدَةَ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أنتم تُوَفُّونَ سبْعين أمَّةً أنتم خَيْرُها، وأكرمُها على اللَّه " (٣).

стр. 7997

ذِكر تشريف إبراهيم الخليل ﵇ يوم القيامة على رؤوس الأشهاد قال اللَّه تعالى ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وقال البخاريّ: حدّثنا محمد بن بَشار، حدّثنا غُنْدَر، حدّثنا شُعْبةُ، عن المغيرة بن النُّعمان، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس، قال: قام فينا النبيُّ ﷺ يخطبُ، فقال: "إنّكم محشورون إلى اللَّه حُفاة عُراةً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وإنّ أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵊، وإنه سيجاء برجال من أمّتي فيُؤْخذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقول: يا ربّ، أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك" قال: "فأقول كما قال العبدُ الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي. . .﴾ إلى قوله ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] " قال: " [فيقال]: إنهم لم يزالوا مُرْتَدَّينَ على أعقابهم" (١). ذكر موسى ﵇ وظهور شرفه وجلالته [وكرامته] يوم القيامة ووجاهته [عند اللَّه] وكثرة أتباعه وانتشار أمته قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وقال: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٣٩ - ٤١] والقرآن مملوء بذكر موسى والثناء عليه من اللَّه حتى كاد القرآن أن يكون كُلُّه فيه. وقال النبي ﷺ : "لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بالعرش" (٢) وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. وثبت في الصحيح في الإسراء أن النبي ﷺ مرَّ بموسى ليلة الإسراء وهو قائم يصلي في قبره، ورآه في السماء السابعة [وفي رواية] في السادسة ليلة الإسراء، وكانت شريعة موسى عظيمة جدًا، وأمته كثيرة جدًا، وكان فيهم الأنبياء والعلماء والربانيون والأحبار والعبَّاد والزُّهاد، والصالحون والمؤمنون والمسلمون والملوك والسادات والكبراء. وطالت أيامهم في أرغد

стр. 7998

عيش وأطيبه، مع القهر والغلبة لأهل الأرض قاطبة، ولا سيما في زمن داود وسليمان ﵉. وقد مدح اللَّه بعضهم، وأثنى عليه في القرآن. فقال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف] وقال: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ [مريم: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٦ - ١٧] وقد ذكرهم اللَّه كثيرًا في القرآن. وقد رأى النبي ﷺ سوادًا عظيمًا قد سدَّ الأفق، فظنها أمته، فقيل: هذا موسى وقومه. والآيات والأحاديث في فضل موسى في الدنيا والآخرة كثيرة جدًا. ذكر عيسى ابن مريم ﵇ وكلام الرَّبِّ معه يوم القيامة [قال اللَّه تعالى]: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ. . .﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٨] وهذا السؤال من اللَّه تعالى يوم القيامة لعيسى ابن مَرْيم مع علمه تعالى أنّه لم يَقُلْ شيئًا من ذلك ولا خطر ذلك بنفسه قط، ولا حدثته به نفسه، إنّما هو على سبيل التَّقْريع، والتَّوْبيخ لمن اعتقد فيه ذلك، من ضُلّالِ النَّصارى، وكَفَرَةِ أهْلِ الكِتابِ، فيَتبرَّأُ إلى اللَّه تعالى من هذه المقالة، وممن قالها فيه وفي أمه، كما تتبَرأ الملائكة ممَّن اعتقد فيهم شيئًا من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نحشرهم (١) جَمِيعًا ثُمَّ تقول (١) لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نحشرهم (٢) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ. . .﴾ إلى قوله ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨). . .﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠].

стр. 7999

وأما المقام المحمود المحمَّدي يوم القيامة، فلا يساويه بل ولا يدانيه أحد فيه، ويحصل له من التشريفات ما يغبطه بها الخلائق كلهم وقد تقدَّم ما ورد من الأحاديث في المقام المحمود، وأنه ﷺ أول من يسجُد بين يدي اللَّه تعالى يوم القيامة، وأوَّل من يَشْفَعُ [فيُشفَّعُ]، وأوَّل من يُكْسَى بَعْد الخليل ﷺ حُلَّتين خَضْرَاوَيْنِ، وَيَجْلسُ الْخَليلُ [﵊] بين يدي العرش، ومحمَّد ﷺ عن يَمِين العرش، فيقول: يا ربّ، إنّ هذا -ويُشير إلى جبريلَ [﵇]- أخبرني عَنْكَ أنّك أرْسَلْتَه إليّ، فيقول اللَّه تعالى: صدق جبريلُ. وقد روى لَيْثُ بن أبي سُلَيْم، وأبو يحيى القَتات، وعطاء بن السائب، وجابر الجُعْفيّ، عن مجاهد، أنّه قال في تفسير المقام المحمود: إنّه يُجْلسُه معه على العَرْش. ورُوي نحوه عن عبد اللَّه بن سَلام، وجمع فيه أبو بكر المَرُّوذي جُزءًا كبيرًا، وحكاه هو وغيرُه عن غير واحد من السلف، وأهل الحديث، كأحمدَ، وإسحاقَ بن راهَوَيْه، وخَلْقٍ، وقال ابنُ جرير: وهذا شيء لا يُنكرهُ مثْبتٌ ولا نافٍ، وقد نَظمَه الْحَافِظُ [أبو الحسن] الدارقُطْنيّ في قصيدةٍ له. قلت: ومثلُ هذا لا ينبغي قَبُولُه إلّا عن معصوم، ولم يَثْبُتْ في هذا حديثٌ يُعَوَّلُ عليه، ولا يُصارُ بسببهِ إليه، وقولُ مجاهدٍ وغيره في هذا: (إنَّه المقام المحمود) ليس بحُجَّة بمُجَرَّدِهِ، وكذلك ما روي عن عبد اللَّه بن سلام لا يصح. ولكن قد تلقاه جماعة من أهل الحديث بالقبول، ولم يصحّ إسنادُه إلى ابن سلام، واللَّه سبحانه أعلم بالصواب. وقال [أبو بكر] بن أبي الدُّنيا: حدّثنا سُرَيْج (١) بن يونس، حدّثنا أبو سُفْيانَ المَعْمَريّ، عن مَعْمَر، عن الزّهريّ، عن عليّ بن الحُسَيْن: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامة مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديم، حتى لا يكون للإنسان إلّا مَوْضِعُ قَدَمَيْه"، قال النبيُّ ﷺ : "فأكونُ أوّلَ من يُدْعى، وجبريلُ عن يَمين الرحمن، واللَّهِ ما رآه قَبْلَها، فأقول: يا ربّ، إنّ هذا أخبرني أنّك أرسلته إليّ، فيقول اللَّه تعالى: صدق، ثم أشْفَعُ فأقول: يا رَبّ عبادُك عبدوك في أطراف الأرض، فهو المقام المحمود". قلت: قد ورد في المقام المحمود أنه الشفاعة العظمى في الخلق ليقضى بينهم حين يأتون آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى فإذا جاؤوا إلى النبي ﷺ ، قال: "أنا لها، أنا لها" فهذا هو المقام المحمود الذي يحمده به الأولون والآخرون، كما روي في الأحاديث الصحيحة.

стр. 8000

ذكر ما ورد في كلام الرَّبِّ تعالى مع العلماء يوم فصل القضاء قال الطبرانيّ: حدَّثنا أحمد بن زُهَيْرٍ، حدَّثنا العلاء بن مسلمة (١)، حدَّثنا إبراهيم الطَّالقانيّ، حدَّثنا ابنُ المبارك، عن سُفْيانَ، عن سِمَاك بن حَرْبٍ، عن ثَعْلبةَ بن الحكم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه تعالى للعلماء إذا جَلَس على كُرْسيِّه لِفَصْل القَضاءِ: إِنِّي لم أجْعَل (٢) عِلْمي وحِكْمتي فيكُمْ إلَّا وأنا أريدُ أنْ أغْفِرَ لَكُمْ على ما كانَ مِنْكُمْ، ولا أبالي". [قلت]: ولا يصح، ولو صح كان المراد به العلماء العاملون، واللَّه أعلم (٣). ذِكْر أولِ كلامه مع المؤمنين قال أبو داود الطَّيالسيّ: حدَّثنا عبد اللَّه بن المُبارك، حدّثني يحيى بن أيوب، عن عُبيد اللَّه بن زَحْر، عن خالد بن أبي عِمْران، عن أبي عياش (٤)، عن مُعاذ بن جَبَل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنْ شِئْتم أنْباتكُمْ بأوَّل ما يقول اللَّه للمؤمنين يوم القيامة، وبأوَّل ما يقولون له" قالوا: نعم، يا رسول اللَّه، قال: "فإنّ اللَّهَ تعالى يقول للمؤمنين يوم القيامة: هل أحْببتُم لقائي؟ فيقولون: نعم، يا رَبَّنا، فيقول: ما حملكم على ذلك؟ فيقولون: عَفْوك وَرَحْمتُك، وَرِضْوانُك، فيقول: إني قد أوْجَبْتُ لكم رحمتي" (٥). فصل وأما الكفار فقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٤ - ١٧٥]. والمراد من هذا أنه لا يكلِّمهم، ولا ينظر إليهم؛

стр. 8001

كلامًا ينتفعون به، ونظرًا يَرْحَمُهم به، كما أنهم عن رَبَّهم يَومئذٍ لَمَحْجُوبُونَ، لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ (١) جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. [وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨ - ٤٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]. وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٣ - ٦٦] وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٤ - ٧٥]]، والآيات في هذا كثيرة جدًّا. وثبت في "الصحيحين" [كما سيأتي] من حديث [خَيثمة، عن] عَدِيِّ بن حاتم؛ أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما منكم من أحد إلّا سَيُكلِّمُهُ رَبُّه لَيْسَ بينه وبينَه تَرْجُمان" (٢)، "فيَلْقَى الرَّجُلَ فيقول: ألَمْ أُكْرِمْك؟ ألم أزوِّجْكَ، ألم أسَخِّر لكَ الخَيْلَ والإبل، وأذَرْكَ تَرأسُ وَتَربعُ؟ فيقول: بلَى، فيقول: أظننْتَ أنّكَ مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: الْيَوم أنساكَ كما نسيتني" (٣)، فهذا فيه التصريح العظيم في تكليم اللَّه تعالى، ومخاطبته لعَبْده الكافر. وأما العُصاةُ، ففي حديث ابن عمر [الذي في "الصحيحين"] حديث النجوى كما سيأتي عن رسول اللَّه ﷺ قال: "يُدْني اللَّهُ العَبْد يوم القيامة حتّى يَضع عليهِ كَنَفهُ، ثم يُقرِّرُه بذُنُوبه، فيقول: عَمِلْتَ في يوم كذا كذا وكذا [وفي يوم كذا كذا وكذا]، فيقول: نعم، يا ربّ، حتى إذا ظَنَّ أنّه قد هلك، قال اللَّه تعالى: إني قد سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا، وأنا أغْفرُها لَكَ اليوم" (٤). فصل في إبراز النِّيران، [والجنَان]، ونصب الميزان، ومحاسبة الدَّيَّان قال اللَّه : ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠ - ٩١]. وقال:

стр. 8002

﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٢ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١). . .﴾ [ق: ٣٠ - ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. . .﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. . .﴾ الآية [النساء: ٤٠]. وقال لُقْمان لابنه فيما أخبر اللَّه عنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] والآيات في هذا كثيرة جدًّا. ذِكْر إبداء عنق من النار إلى المحشر فيطّلع على الناس قال اللَّه تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر: ٢٣]. وقال مسلم في "صحيحه": حدَّثنا عمر بن حفص بن غِياث، حدَّثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهِلي، عن شَقيق، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُؤْتى بِجَهنَّم يومئذ لها سبعون ألف زِمام، مع كلّ زمام سبعون ألفَ مَلَك، يَجُرُّونها". وهكذا رواه الترمذي مرفوعًا، ومن وجه آخر هو وابن جرير مَوْقوفًا (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا معاوية، حدَّثنا شَيبانُ، عن فِرَاس، عن عَطيَّة، عن أبي سعيد الخُدْريّ، عن نبيّ اللَّه ﷺ أنه قال: "يَخْرُجُ عُنُقٌ منَ النار فيتكلّم يقولُ: وُكِّلْتُ اليومَ بِثلاثةٍ: بكُلّ جَبَّارٍ، ومن جَعَل مع اللَّه إلهًا آخر، ومن قتل نَفْسًا بغير نفس، فيَنْطوي عليهم، فيقذِفُهم في غَمَراتِ جَهنّم". تفرَّد به من هذا الوجه (٢). وسيأتي في باب الميزان عن خالد، عن القاسم، عن عائشةَ، نحوُه (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ [الفرقان: ١٣ - ١٤]. قال السُّدِّيّ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، قال: من مسيرة مئةِ عامٍ ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ أي عليهم ﴿وَزَفِيرًا﴾ أي من شِدّة حَنَقِها وبُغْضهَا لمن أشرك باللَّه، واتَّخَذ معَه إلهًا آخَر. وفي الحديث: "من كَذَب عليَّ، أو ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمَى إلى غير مَوالِيه، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْن عَيْني جَهَنَّم مَقْعَدًا" قالوا: يا رسول اللَّه، وهَلْ لَها مِنْ عَيْنَيْن؟ قال: "أمَا سَمِعْتُم اللَّهَ

стр. 8003

يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ [الفرقان: ١٢] رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدَّثنا أحمد بنُ إبراهيم الدّوْرقيّ، حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّه بنُ موسى، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: إنّ الرَّجُلَ ليُجَرُّ إلى النار، فَتَنْزَوي ويَنْقَبضُ بَعْضُها إلى بَعْض، فيقول الرحمنُ: مالكِ؟ فتقول: إنه يَسْتَجيرُ بك منِّي، فيقول: أرْسلُوا عَبْدي، وإنّ الرَّجُل لَيُجَرُّ إلى النار فيقول: يا رَبّ، ما كان هذا الظنَّ بِكَ، فيقول: فما كانَ ظنُّك؟ فيقول: أنْ تَسَعَني رَحْمتُك، فيقول: أرْسلُوا عَبدي، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُجرُّ إلى النّار، فَتَشْهقُ إلَيْهِ النّارُ شُهُوقَ البَغْلَةِ إلى الشَّعير، وتَزْفِرُ زَفْرَة لا يَبْقَى أحَدٌ إلَّا خافَ. إسناده صحيح. وقال عبد الرزاق: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن منصور، عن مجاهد، عن عُبَيْد بن عُمَيْر، قال: إنّ جَهنَّمَ تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقَى مَلَكٌ، ولا نَبيٌّ إِلَّا خَرَّ، تُرْعَدُ فَرَائصه، حتَّى إنَّ إبراهيم لَيَجْثُو على رُكْبَتَيْهِ، ويقول: يا رَبّ، لا أسْألُكَ اليومَ إلّا نَفْسي. وقال في حديث الصُّور: ثم يأمر اللَّهُ جَهنَم فيَخْرُج مِنْها عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلم، ثم يقول تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٤]. وقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فيَميزُ اللَّهُ بين الخلائق، وتجْثُو الأمم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩]. ذكر الميزان قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]. قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ: قال العلماء: إذا انقضى الحسابُ يوم القيامة كان بعده وَزْنُ الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار

стр. 8004

مقاديرها، ليكون الجَزاءُ بِحَسبها، قال: وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل أن يكون ثَمَّ مَوَازينُ مُتعدّدة، توزنُ فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد المَوْزونات، فجُمع باعتبار تَنَوّع الأعمال الموزونة، واللَّه أعلم. بيان كون الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان قال الإمام أحمد: حدَّثنا إبراهيم بن إسحاق الطَّالقَانيّ، حدَّثنا ابنُ المبارك، عن لَيْث بن سَعْد، حدّثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، واسمه عبد اللَّه بن يَزيد، سمعتُ عبد اللَّه بن عمرو، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تعالى يستخلص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيَنْشُر اللَّهُ عليه تِسعةً وتسعين سِجلًّا، كلُّ سِجِلٍّ مَدُّ البَصرِ، ثم يقول له: أتنكرُ مِنْ هذا شَيْئًا؟ أظلمكَ كَتَبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رَبِّ، فيقول اللَّه: ألَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنةٌ؟ فيُبْهتُ الرَّجُل، فيقول: لا، يا رَبِّ، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدة، إنك لا تظلم، أو قال: لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إِلَّا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: أحْضِرُوه، فيقول: يا رَبّ، ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجلات؟ فيقول: إنّك لا تُظْلم" قال: "فتوضع السِّجلاتُ في كِفَّةٍ، والبطاقةُ في كِفَّةٍ" قال: "فَطَاشَت السِّجِلَاتُ، وَثَقُلتْ البطاقة، ولا يَثْقُلُ شَيْءٌ [مع] اسم اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم" وهكذا رواه الترمذيّ وابن ماجه وابن أبي الدنيا، من حديث الليثِ، زاد الترمذي: وابن لهيعة -كلاهما- عن عامر بن يحيى، به، وقال الترمذيّ: حسن غريب (١). سياق آخر [لهذا الحديث] قال أحمد: حدَّثنا قُتيبةُ، حدَّثنا ابنُ لهيعة، عن عمرو بن يحيى (٢)، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "توضع الموازينُ يوم القيامة، فيُؤْتى بالرَّجُلِ فيُوضَع في كِفَّةٍ، فيوضع ما أُحصي عليه من أعماله فيَتَمايل به الميزان" قال:

стр. 8005

"فيَبْعثُ اللَّه به إلى النار" قال: "فإذا أُدْبرَ بِه إذا صائحٌ منْ عِنْد الرحمن ﵎ يقول: لا تَعْجَلُوا، لا تَعْجَلُوا، لا تَعْجَلُوا، فإنه قد بَقي له، فيُؤْتى ببطَاقةٍ فيها: لا إله إِلَّا اللَّهُ، فتوضعُ مع الرجل في كِفّةٍ، حتى يَميل به الميزانُ". وهذا السياق فيه غرابة (١) فيه فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله. وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا أحمد بن محمد بن البَراءَ المُقْرئ، حدَّثنا يَعْلَى بن عُبَيْد، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمرو، رفعه، قال: "يُؤْتى برجل يوم القيامة إلى الميزان، فيُخْرَج لَهُ تسعةٌ وتسعون سِجلًّا، كلُّ سِجِلّ منها مدُّ البَصرِ، فيها ذُنوبه، وخَطَاياهُ، فتُوضَعُ في كِفَّةٍ، ثم يُخْرَجُ لَهُ قِرْطاس مثل الأُنْملةِ، فيها شهادةُ أنْ لا إله إِلَّا اللَّهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُهُ، فتوضَعُ في الكِفّةِ الأخرى، فتَرْجحُ بخطاياه". وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سَلّام، حدَّثنا حجّاجٌ، عن فِطْرِ بن خَليفَةَ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن سابط، قال: لمَّا حضر أبا بكر الموتُ أرْسَل إلى عمر، فقال: إنَّما ثَقُلتْ مَوازينُ منْ ثَقُلَتْ مَوَازينُه يَوْمَ القيامةِ باتِّباعِهمُ الْحَقَّ في الدُّنيا، وثِقله عليهم، وحُقّ لِميزانٍ إذا وُضِعَ فيه الحَقُّ غدًا أنْ يكونَ ثَقيلًا، وإنَّما خَفتْ موازينُ مَنْ خَفّت مَوازينهُ يَوم القيامةِ باتّباعهم البَاطِل [في الدنيا]، وخِفّته علَيْهم، وحُقَّ لِميزانٍ إذا وُضع فيه الباطلُ غَدًا أنْ يَكُونَ خَفيفًا. وقال أحمد: عن سفيان بن عُيَيْنةَ، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن يعلى بن مَمْلَك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "أثْقَلُ شيء يوضع في الميزان خُلُقٌ حسن" (٢). وقد وردت الأحاديثُ بوزن الأعمال أنْفسها كما في "صحيح مسلم"، من طريق أبي سَلّام، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الطُّهور شَطْرُ الإيمان، والحَمدُ للَّه تَملأ الميزان، وسُبْحان اللَّه، والحمدُ للَّه تملآن [أو تملأ] ما بَيْن السماواتِ والأرض، والصلاةُ نور، والصدقة بُرْهانٌ، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيْك، كلُّ الناسِ يَغْدو فبائعٌ نَفْسَهُ فمُعْتِقُها، أو مُوبقُها" (٣). فقوله: "والحمد للَّه تملأ الميزان"، فيه دلالةٌ على أن العمل نفسه يوزن، وذلك بأحد شيئين، إما أن العمل نفسه، وإن كان عَرَضًا قَد قام بالفاعل، يُحيلُه اللَّه يوم القيامة فيجعلُه ذاتًا، تُوضعُ في

стр. 8006

الميزان، كما ورد في الحديث الذي رواه ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا أبو خيثمَةَ، ومحمَّد بن سُلَيمان، وغيرُهما، قالوا: حدَّثنا سُفْيانُ بن عُيَيْنةَ، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن يَعْلى بن مَمْلكٍ، عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "أثْقَلُ شيء يُوضَعُ في الميزان خُلُقٌ حَسن". وكذا رواه أحمد عن سُفيان بن عُيَيْنةَ، به، ورواه أحمد، عن غُنْدَر، ويحيى بن سعيد، عن شُعْبة، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن عَطاء الكَيخارانيّ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من شيء أثْقَلَ في الميزان من خُلُقٍ حسن". وقد رواه أحمد أيضًا، من حديث الحسن بن مُسلم، عن عطاء، وأخرجه أبو داود من حديث شُعبَةَ، به، والترمذيّ من حديث مُطَرِّف، عن عطاء الكَيخارانيّ، به (١). وقال أحمد: حدَّثنا عفان، حدَّثنا أبانٌ، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سَلَّام، [عن] مولى لرسول اللَّه ﷺ : أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "بَخٍ بَخٍ لخمْسٍ، ما أثقلهُنَّ في الميزان: لا إله إِلَّا اللَّه، واللَّهُ أكبرُ، وسُبْحانَ اللَّه، والحمدُ له، والوَلدُ الصَّالحُ ويُتَوَفّى فيَحْتَسبُه وَالِدُه" وقال: "بَخٍ بَخٍ لخَمْسٍ: من لَقيَ اللَّه مُسْتَيْقنًا بهنَّ دَخلَ الْجنَّة: يؤمن باللَّه، واليوم الآخر، وبالْجنَّة، والنَّار، وبالبعث بعد الموت، والحساب". انفرد به أحمد (٢). وكما ثبت في الحديث الآخر: "تأتي البقرةُ وآلُ عمرانَ يوم القيامة كأنّهُما غَمَامَتانِ، أو غيايتان، أو فِرقان من طَيْر صَوافَّ، يُحَاجَّانِ عن صاحبهما" (٣). والمراد من ذلك ثوابُ تِلاوتهما، يَصيرُ يوم القيامة كذلك، وقيل: إنهما بذاتهما يحاجان عنه لا ثوابهما. الأمر الثاني: أنّه يوزنُ العمل نفسه يوزن بوضع الصحيفة التي كُتبَ فيها العمل فيوزن العمل بالصحيفة كما في حديث البِطَاقة، واللَّه أعلم. وقد جاء أنّ العاملَ نفسه يوزن، كما قال البخاريّ: حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه، حدَّثنا سعيدُ بن أبي مَرْيم، حدَّثنا المُغيرة، حدّثني أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّه ليأتي الرجُل العَظيمُ السمين يوم القيامة لا يزنُ عند اللَّهَ جَناح بعوضَةٍ" وقال: "اقرؤوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ". قال البخاريّ: وعن يحيى بن بُكَيْر، عن المُغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، مثله. وقد

стр. 8007

أسند مسلم ما علّقه البخاريّ عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بُكيْر. . . فذكره (١). وقد رُوي من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، فقال ابنُ أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن صالح، مَوْلى التَّوأمَة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُؤتى بالرَّجُل الأُكولِ الشَّرُوبِ العَظيم، فَيُوزنُ بحَبَّةٍ فلا يَزِنُها" قال: "وقرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ". ورواه ابن جرير، عن أبي كُريب، عن ابن الصّلت (٢)، عن ابن أبي الزّناد، [عن صالح]، عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ البُخاريّ سواءً. وقد قال البزَّار: حدَّثنا العباس بن محمد، حدَّثنا عَوْنُ بن عُمارة، حدَّثنا هشامُ بن حَسّان، عن واصل، عن عبد اللَّه بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: كُنَّا عند رسول اللَّه ﷺ ، فأقبل رجلٌ من قُرَيْش يَخْطِرُ في حُلَّةٍ له، فلمّا قام على النَّبِيِّ ﷺ قال: "يا بُريدةُ؟ هذا ممَّنْ لا يُقيمُ اللَّه لهُ يومَ القِيامةِ وَزْنًا" ثم قال: تفرَّد به عون بن عُمَارة، وليس بالحافظ، ولمْ يُتابعْ عليه (٣). قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الصمد، وحسن بن موسى، قالا: حدَّثنا حمّاد، عن عاصم، عن زرّ بن حُبَيْشٍ، عن ابن مسعود: أنَّه كان يَجْتَني سِوَاكًا من الأراك، وكان دَقيق الساقين، فجعلت الريح تَكْفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مِمَّ تَضْحكون؟ " قالوا: يا رسول اللَّه من دِقَّةِ سَاقَيه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده، لَهُمَا أثْقَلُ في الميزان من أُحدٍ". تفرّد به أحمد، وإسنادُه جيِّد قويّ، فقد جاءت الروايات بهذه الصفات (٤). وفي "مسند الإمام أحمد" في بعض طرق حديث البطاقة -من طريق ابن لهيعة-: أن العامل يوزنُ مع عمله وصحيفته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب (٥). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عفّان، حدَّثنا القاسم بن الفَضْل، قال: قال الحسنُ: قالت عائشةُ: يا رسول اللَّه هل تذكرون أهليكم يومَ القيامة؟ قال: "أمَّا في مَوَاطنَ ثلاثةٍ فلا: الكتاب، والميزان، والصراط" (٦) فقوله: "الكتاب" يحتمل أن يكون كتابَ الأعمال ليَشَهْد على الأنفس بأعمالها، ويحتمل أن يكون ذلك عند تَطَاير الصحف في أيدي الناس فآخذ بيمينه وآخذ بشمالِهِ، كما قال

стр. 8008

البيهقيّ: حدَّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عليّ المُقْرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدَّثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدَّثنا محمد بن مِنْهال، حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا يونُس بن عُبَيْد، عن الحسن، أنَّ عائشةَ ذكرت النار فبكَتْ، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "ما يُبْكيك يا عائشة؟ " قالت: ذَكَرْتُ النارَ فبَكَيْتُ، هل تذكُرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: "أما في ثلاثِة مواطنَ فلا يذكُر أحدٌ أحدًا؛ حَيثُ يُوضعُ العمل في الميزان، حتى يعلم أيثْقُلُ ميزانه أمْ يَخِفّ، وحيثُ يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ حيث تَطَايَرُ الصُّحُفُ، حتى يَعْلمَ كِتابَهُ في يَمينه، أو في شِمالِهِ، أو من وراء ظَهْرِه، وحيثُ يوضَعُ الصِّراطُ على جِسْرِ جَهنَّم" قال يونس: أشُكُّ هل قال الحسن: حافتاه كَلاليب، وحَسَكٌ يَحْبسُ اللَّهُ بِهِ منْ يشاءُ من خَلْقِه، حتّى يَعلمَ أينجو أمْ لا يَنْجُو، ثم قال البيهقيّ: حدَّثنا الرُّوذَبَاريّ: حدَّثنا ابن دَاسةَ، حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، وحُمَيْدُ بن مَسْعدةَ، أن إسماعيل بن إبراهيم حدّثهم، قال: حدَّثنا يونُس، عن الحسن، عن عائشة: أنّها ذكرت النارَ فبَكَتْ. . . وذكر الحديث بنحوه، إلّا أنَّه قال: "وعند الكتاب، حين يقال ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ حتى يَعْلَم أيْنَ يَقعُ كتابُه، أفي يَمينه أمْ في شِمالِه، أمْ منْ وَراءَ ظَهْرِه، وعنْدَ الصراط، إذا وُضعَ بَيْنَ ظَهْرانَي جَهَنّم" قال يعقوب عن يونس: وهذا لفظ حديثه (١). طريق أخرى عن عائشة ﵂ قال الإمام أحمد: حدَّثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابنُ لَهِيعةَ، عن خالد بن أبي عِمْران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، هل يذكر الْحَبيبُ حَبيبهُ يَومَ القيامةَ؟ قال: "يا عائشة، أمَّا عند ثلاثٍ، فلا، [أما] عِنْدَ الميزان حتى يَثْقُلَ، أو يَخفّ فلا، وأمّا عند تَطاير الكُتب، فإمَّا أنْ يُعْطَى بِيَمينه، أو يُعْطَى بِشمَالِه، فلا، ثمَّ حين يَخرج عُنُقٌ من النار فيَنْطَوي عليهم، ويَتغيَّظُ عليهم، ويقول ذلك العُنق: وُكِّلْتُ بثلاثة، وكلت بمن ادَّعَى مع اللَّه إلهًا آخَر، ووُكِّلْتُ بمن لا يؤمِنُ بيَوْمِ الحِساب، ووكِّلْتُ بكلِّ جبَّارٍ عَنيدٍ" قال: "فيَنْطوي عليهم، ويَرْمي بهم في غَمراتٍ، ولجَهَنَّم جسر أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف، عليه كَلاليب، وحَسَك، تأخذ منْ شاء اللَّه، والناسُ عليه كالطرْف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخَيْل والرِّكابِ، والملائكةُ يقولون: ربِّ سلّم، ربّ سلّم، فناجٍ مُسلَّم، ومَخْدُوش مُسلَّم، ومُكوَّرٌ في النار على وجهه" (٢). وتقدم من رواية حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس، أنَّه قال: اشفعْ لي يا رسول اللَّه، قال: "أنا فاعل" قال: فأيْنَ أطْلُبُكَ؟ قال: "اطلبني أَوَّلَ ما تَطْلُبُني عند الصراط"

стр. 8009

قال: فإنْ لم ألْقَكَ؟ قال: "فعند الحوض"، قال: فإن لم ألقك؟ قال: "فعند الميزانِ، فإنِّي لا أخطئ هذه الثَّلاثةَ مَواطن يَوْمَ القيامة". رواه أحمد والترمذيّ (١). وقال الحافظ [أبو بكر] البَيْهقيّ: أخبرنا أبو سَهْل، أحمد بن محمد بن إبراهيم المِهْرَانيّ، حدَّثنا أحمد بنُ سَلْمان الفقيهُ بِبَغدادَ، حدَّثنا الحارث بن محمَّد، حدَّثنا داود بن المُحَبَّر، حدَّثنا صالح المُرِّيّ، عن جعفر بن زيد، عن أنس بن مالك، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: "يُؤْتَى بابن آدمَ يومَ القيامة، فيُوقفُ بين كِفَّتَي المِيزانِ، ويُوكَّل به مَلَك، فإنْ ثَقُل ميزانُهُ نادى المَلكُ بصوتٍ يُسْمعُ الخلائقَ: ألا إن فلانًا سَعد سعادةً لا يَشْقَى بَعْدَها أبدًا، وإنْ خف ميزانُه نادَى المَلكُ بصَوْتٍ يُسْمعُ الْخَلائقَ: شَقيَ فُلانٌ شقاوة لا يَسْعد بعدَها أبدًا" ثم قال البيهقيّ: إسنادُه ضعيف بمرة. وقد رواه الحافظان البزار، وابن أبي الدنيا، عن إسماعيل بن أبي الحارث، عن داود بن المُحَبَّر، حدَّثنا صالح المُرِّيّ، عن ثابت البُنَانيّ، وجعفر بن زَيْد -زاد البزَّار: ومنصور بن زاذان-، عن أنس بن مالك، يرفعه، بنَحْوه (٢). وقال عبد اللَّه بن المُبارك: حدَّثنا مالك بن مِغْوَل، عن عُبَيْد اللَّه بن العَيْزَار (٣)، قال: عند الميزان ملَكٌ إذا وُزِنَ العَبدُ نادى: ألا إنَّ فلانَ ابنَ فُلانٍ ثَقُلَتْ موازينه، وسَعِدَ سَعادَةً لا يَشْقَى بَعْدها أبدًا، ألا إنَّ فُلان ابنَ فلانٍ خَفَّتْ مَوازينُه، وشَقيَ شَقاوةً لا يَسْعدُ بَعْدها أبدًا (٤). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا يوسفُ بن موسى، حدَّثنا الفَضْل بن دُكَيْن، حدَّثنا يوسُف بن صُهَيْبٍ، حدَّثنا موسى بن أبي المُخْتارِ، عن بلالٍ العَبْسيّ، عن حُذَيْفَةَ، قال: صاحبُ الميزان يوم القيامة جبريلُ يَرُدُّ بعضُهم على بعض، ولا ذَهَب يَوْمئذٍ ولا فِضَّة، قال: فيُؤخذُ من حَسَنات الظّالِم، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أخِذَ من سيئَاتِ المظلوم، فرُدّت على الظالم. وقال أبو بكر بن أبي الدّنيا: حدَّثنا محمد بن العبَّاس بن محمد، حدَّثنا عبد اللَّه بن صالح العِجْليّ، حدَّثنا أبو الأحوص، قال: افتخَرتْ قريشٌ عند سَلْمان، فقال سلمان: لكنِّي خُلِقْتُ منْ نُطْفَةٍ قذرَةٍ، ثم أعود جيفةً مُنْتنةً، ثم يُؤتى بي إلى الميزان، فإن ثَقُلَتْ فأنا كريم، وإن خَفَّتْ فأنا لَئيمٌ، وقال أبو الأحوص: تدري من أيِّ شيء يُخافُ؟ إذا ثَقُلتْ ميزانُ عَبْدٍ نُودي في مَجْمع فيه الأولون والآخرُون: ألّا إنّ فلانَ ابن فلان قد سَعِد سعادةً لا يَشْقَى بعدها أبدًا، وإذا خَفَّت ميزانُه نودي على رؤوس الخلائق: ألا إنّ فلانَ ابن فلانٍ قد شَقيَ شقاوة لا يَسْعدُ بَعدها أبدًا.

стр. 8010

وقال البيهقيّ: حدَّثنا أبو الحسن عليّ بن أبي عليّ [السَّقاء]، حدَّثنا أبو العبَّاس محمد بن يعقوب، حدَّثنا محمد بن عبيد اللَّه المنادي، حدَّثنا يونس بن محمد، حدَّثنا المُعْتمرُ بنُ سُلَيْمانَ، عن أبيه، عن يحيى بن يَعْمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁، في حديث الإيمان، قال: يا محمَّد، ما الإيمان؟ قال: "الإيمانُ أن تُؤمنَ باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسُله، وتؤمن بالجَنَّةِ والنار، والميزان، وتُؤمن بالبَعْثِ بعد الموت، وتؤمن بالقدر خَيْرِه وشَرِّه" قال: فإذا فعلتُ هذا فأنا مؤمن؟ قال: "نعم"، قال: صدَقْتَ. وقال شُعبة: عن الأعمش، عن شَمِر بن عَطيَّة: عن أبي الأحْوَص، عن عبد اللَّه، هو ابن مسعود، قال: للناس عند الميزان تَجادُلٌ وزِحامٌ. وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا أبو نصر التَّمَّارُ، حدَّثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابتٍ البُنَانيّ، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن سَلْمانَ الفَارسيّ، قال: يوضع الميزانُ وله كِفتانِ، لو وُضع في إحداهما السماواتُ والأرضُ، وما فيهن لوَسعَتْها، فتقول الملائكة: يا رَبَّنَا، من يزن بهذا، فيقول تعالى: مَن شئتُ من خلقي، فيقولون: ربنا مَا عَبَدنَاكَ حقّ عِبَادَتِكَ. وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا حمَّاد بنُ زيد، حدَّثنا أبو حنيفة، [عن حمَّاد]، عن إبراهيم، في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قال: يجاء بعملِ الرجل فيوضعُ في كِفةِ ميزانه، ويُجاءُ بشَيْء مثل الغَمامةِ، أو مِثْلِ السحاب كَثرة فيوضَعُ في كِفَّةٍ أخرى في ميزانه، فيَرْجحُ، فيقال: أتدري ما هذا؟ فيقال: هذا العلمُ الذي تَعَلَّمْتَه، وعلَّمْتهُ النَّاسَ، فعلِموه، وعَمِلُوا به بَعْدَك. وقال ابن أبي الدُّنْيَا: حدَّثنا أحمد بن محمَّد، حدَّثنا علي بن إسحاق، حدَّثنا ابن المبارك، عن أبي بَكْر الهُذلي، قال: قال سعيد بن جُبير، وهو يُحدّث ذاك عن ابن مسعود، قال: يُحاسبُ الناسُ يوم القيامة، فمن كانت حسناتُه أكثر من سَيئاتهِ بوَاحدةٍ دخلَ الجنَّة، ومن كانت سيئاتُه أكثر من حَسنَاتِه بواحدةٍ دَخَلَ النار، ثم قرأ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، ثم قال: إن الميزانَ يَخفُّ بمثقالِ حَبَّةٍ من خردل أوْ يَرْجَحُ (١). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا هارون بن سفْيَان، [حدَّثنا] السهميّ، حدَّثنا عبَّاد بن شَيْبَة (٢)، عن سعيد بن أنس، عن الحسن قال: يعتذر اللَّه يوم القيامة إلى آدم ثلاثَ معاذيرَ، يقول: يا آدم، لولا أَنِّي لَعَنْتُ الكاذبينَ، وأُبغضُ الكذب والْخُلْفَ، لرحمتُ ذُرِّيتكَ اليومَ من شدَّةِ ما أعدَدْتُ لهم من

стр. 8011

العذاب، ولكنْ حَقّ القولُ مِنِّي لمن كَذَّب رُسُلي، وعَصَى أمري، لأمْلأنَّ جهنَّم منهم أجمعين، ويا آدم، اعلم أني لا أُعذّب بالنار أحدًا من ذُرِّيَّتك وأدخل النار أحدًا منهم إِلَّا من قد عَلِمْتُ في علمي أنه لو رددتُه إلى الدُّنيا لعادَ إلى شز مما كان عليه، ولم يرجع، ويا آدم، أنت اليومَ عَدْلٌ بَيْني وبين ذُرِّيَّتك، قم عند الميزان، فانظر ما يَرْجِعُ إليكَ من أعمالهم، فمن رَجَحَ خيرُه على شرِّه مِثْقَال ذرَّةٍ فله الْجنَّة، حتَّى تَعْلمَ أَنِّي لا أُعذِّب إلَّا كلّ ظالم (١). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا محمد بن يوسف بن الصبَّاح، حدَّثنا عبد اللَّه بن وَهْب، عن معاوية بن صالح، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي أُمامة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامة قامت ثُلَّة من الناس، يَسُدُّون الأفق، نورُهم كنور الشمس، فيقال: لمن هذه؟ فيقال: للنبي الأمي، فيتحسَّس لها أُمَّةُ كلِّ نبيّ، فيقال: هذا محمد وأُمَّته، ثم تقوم ثُلَّة أخرى تَسُدّ ما بين الأفق، نورهم كنور القمر ليلة البَدْر، فيقال: للنبيّ الأُمّي، فيتحسَّس لها كل نبيّ، فيقال: محمَّد وأُمَّته. ثم تقوم ثُلَّةٌ أخرى، نورهم مثلُ كُلِّ كوكب في السماء، فيقال: للنبيّ الأُمِّيّ، فيتحسَّس لها كلُّ نبيّ، فيقال: محمد وأُمَّته، ثم يَجيءُ الربُّ تعالى، فيقول: هذا لكَ منِّي يا محمد، وهذا لك منِّي يا محمد، ثم يوضعُ الميزانُ، ويُؤخذُ في الحساب" (٢). فصل وقد نقل الطبري عن بعضهم: أنَّ الميزان له كِفَّتان عَظِيمتانِ، لو وضعت السماواتُ والأرضُ في كلِّ واحدةٍ منهما لَوَسِعَتْها، فأمَّا كِفَّةُ الْحَسَناتِ فنور، وأَمَّا الأُخرى فظُلْمةٌ، وهو منصوب بَيْن يدي العَرْش، وعن يمينه الْجنَّةُ، وكِفَّةُ [النور] من ناحيتها، وعن يساره جَهَنَّمُ، وكِفَّةُ الظلمة من ناحيتها، قال: وقد أنكرت المُعْتزلةُ الميزانَ، وقالوا: الأعمال أعراض، لا جِرم لها، فكيف تُوزن؟ قال: وقد رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّ اللَّه يَخْلُق الأعراض أجسامًا، فتوزنُ، قال: والصحيح أنّه توزنُ كُتُبُ الأعمال. قلت: فد تقدَّم ما يَدُلّ على الأوَّل، وعلى الثاني، وعلى أن العامل نفسه يُوزنُ مع عمله. قال القرطبيّ: وقد رُوي عن مجاهد، والضَّحَّاك، والأعمش: أنَّ الميزان هُنا بمعنى العَدْل، والقضاء، وذِكْرُ الوزن والميزان ضَرْب مثل كما يُقال: هذا الكلام في وزن هذا. قلت: لعلَّ هؤلاء إنّما فسروا هذا عند قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن: ٧ - ٩]، فهاهنا المراد بالميزان أنه تعالى وضع العدل بين عباده، وأمر عبادَه، أنْ يَتعاملُوا به فيما بينهم، فأما الميزانُ الموضوع يوم القيامة، فقد تواترت بذكره

стр. 8012

الأحاديثُ كما رأيتَ، وهو ظاهر القرآن العظيم ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. . . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]، وهذا إنما يكون لشيء محْسُوس. قال القرطبيّ: فالميزانُ حَقّ، وليس هو في حق كلِّ أحدٍ، بدليل قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١]. وقوله ﷺ : "فيقول اللَّه: يا محمد، أدْخِلْ منْ أُمَّتِك منْ لا حِسَابَ عليه من الباب الأيْمن، وهم شركاءُ الناس فيما سواه من الأبواب" (١). قل: وقد تواترت الأخبارُ في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّةَ بغير حساب، لكن يلزمُ من هذا ألّا تُوزن أعمالهم، وفي هذا نظر، واللَّه أعلم. وقد توزن أعمال السعداء، وإن كانت رَاجحةً، لإظْهار شَرَفِهم وفضلهم على رؤوس الأشهاد، والتنويه بسعادتهم، ونجاتهم وإن كانوا لا حساب عليهم، وأما الكفَّار فتُوزنُ أعمالهم، وإن لم يكن لهم حَسناتٌ تنفعهم، يُقابل بها كفرُهم، فإن حسناتهم ولو بلغت ما بلغت لا تقابل كفرهم ولا توازنه، وهي غير نافعة لهم. فتوزن لإظهار شَقائهم، وفَضيحتهم على رؤوس الأشهاد. وقد جاء في الحديث: "إنَّ اللَّه لا يظلمُ أحَدًا حَسَنَةً، أما الكافِر فيُطْعمُه بحسَناتِه في الدُّنيا حتى يُوافي اللَّهَ، وليس له حَسنةٌ يَجزيه بها" (٢). وقد ذكر القرطبيّ في "التذكرة" أنّ الكافر قد يوافَى يوم القيامة بصدَقةٍ، وصِلة رحم، وعِتْقٍ، فيُخَفِّفُ اللَّه عنه بذلك من عذابه، واستشهد بقَضيةِ أبي طالب حين جعله اللَّه في ضَحْضاح من نارٍ يَغْلي منهُ دِمَاغُه (٣). وفي هذا نظر، إذ قد يكون هذا خاصًّا به، لأجل حياطةِ رسول اللَّه ﷺ ونُصْرته له، أو لأجل شفاعة فيه، أن يجعل في ذلك المكان، وكما سُقي أبو لهب في النُّقرة التي هي في ظهر الإبهام، بسبَبِ عتاقته ثُوَيْبَةَ التي أرضعَتْ رسول اللَّه ﷺ (٤)، واستدلَّ القُرطبيّ على ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]. قلت: وقُصارى هذه الآية العمومُ، فيُخصُّ من ذلك الكافرون؛ وقد سئل رسول اللَّه ﷺ عن عبد اللَّه بن جُدْعانَ، وذُكرَ له أنَّه كان يَقْري الضَّيْفَ، ويطعم الجائع، ويَصِلُ الرِّحِمَ، وَيُعْتِقُ، فهل نفعه ذلك؟ قال: "لا، إنَّه لم يَقُلْ يومًا من الدَّهر: لا إله إِلَّا اللَّه" [وفي

стр. 8013

رواية: "لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"] (١) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى عن أعمال الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩]. فصل قال القُرْطبيّ وغيره: من ثَقُلَتْ حَسَناتُه على سَيِّئاته ولو بِصُؤابةٍ دخل الجنَّة، ومن كانت سيئاتُه أثْقَلَ ولو بصؤابة (٢) دخل النار، إلَّا أنْ يَعْفُو اللَّه عنه، ومن استوت حسناتُه وسيئاته فهو من أهل الأعْرَافِ. وروي مثل هذا عن ابن مسعود ﵁. قلت: يشهدُ له قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء] لكن ما الحكم في من ثَقُلت حسناتُه على سيِّئاته بحَسَنةٍ أو بحسناتٍ؟ هل يدخل الجنَّة، فيرتفع في درجَاتها بجميع حَسَناتِه، وتكون قد أحبطت السيئات التي وازنتها وقابلَتها؟ أو يرتفع بما بقي له من الحسنات الراجحة على السِّيئات، وتكون السيئاتُ قد أسقطت ما وازنها من الحسنات فأبطلتها، وكذا إذا رجحت سيئاته على حسناته بسيئة أو بسيئات، هل يُعذب في النار بجميع سيئاته، أو بما رجح على حسناته من سيئاته. ذكر العرض على اللَّه يوم القيامة، وتطاير الصحف ومحاسبة الربِّ عباده قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧ - ٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠). . .﴾ إلى آخر السورة [الزمر: ٦٩ - ٧٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى

стр. 8014

اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (١) جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ. . .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا .. . .﴾ الآية [الأنعام: ١٢٨ - ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]، والآيات في هذا كثيرة جدًّا، وسيأتي في كلّ موطن ما يتعلَّق به من آيات القرآن. وتقدَّم في "صحيح البخاري"، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنَّكم مُلاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، كما بَدَأْنا أوَّل خَلْقٍ نُعيده" (٢)، وعن عائشة (٣) وأُمّ سلمةَ (٤) وغيرهما نحو ما تقدم (٥). وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدَّثنا أبو نصر التمَّار، حدَّثنا عُقبةُ الأصَمُّ، عن الحسن، قال: سمعتُ أبا موسى الأشعريّ، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُعْرضُ الناسُ يوم القيامة ثَلاثَ عَرَضَاتٍ، فعَرْضَتانِ جِدالٌ ومَعاذيرُ، وعَرْضَةٌ تَطَايَرُ الصُّحُفُ، فمن أُوتي كتابَهُ بيمينه، وحُوسب حسابًا يسيرًا دخل الجنَّة، ومن أوتي كتابه بشِمَالِه دخَل النار" (٦). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا علي بن علي بن رِفَاعةَ، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يُعرض الناسُ يوم القيامة ثَلاثَ عَرَضَاتٍ، فأمَّا عَرْضَتانِ فجِدَالٌ ومعاذيرُ، وأَمَّا الثالثة فعندَها تَطيرُ الصُّحُف في الأيْدي، فآخِذٌ بيَمينهِ وآخذٌ بشِماله". وكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن وَكيعٌ، به (٧). والعجب أن الترمذي روى هذا الحديث عن أبي غريب، عن وكيع، عن عليّ بن عليّ، عن الحسن، عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ . . .، فذكر مثله (٨). ثمَّ قال الترمذيّ: ولا يصحّ هذا من قِبَل أن الحسن لم يَسْمَعْ من أبي هريرة، قال: وقد رواه بعضُهم عن عليّ بن عليّ، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ . قلت: الحسن قد روى له البخاري عن أبي هريرة مقرونًا بغيره.

стр. 8015

وقد وقع في "مسند الإمام أحمد" التصريحُ بسمَاعِه منه، فاللَّه أعلم (١). وقد يكون الحديث عنده عن أبي موسى، وأبي هريرة، واللَّه أعلم. وأما الحافظُ البَيْهقيّ، فرواه من طريق مَرْوانَ الأصفر، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود من قوله، مثله سواءً. وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك: أنَّه أنشد في ذلك شعرًا: وَطَارَتِ الصُّحْفُ في الأيْدِي مُنَشَّرَةً … فِيهَا السَّرَائرُ والجَبَّارُ مُطلعُ فَكَيْفَ سَهْوُكَ وَالْأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ … عَمَّا قَلِيلٍ، وَلَا تَدْرِي بِمَا تَقَعُ إِمَّا الْجِنَانُ وَفَوْزٌ لَا انْقِضَاءَ لَهُ … أَو الْجَحِيمُ فَلَا تُبْقِي وَلَا تَدَعُ تَهْوِي بِسُكَّانِهَا طَوْرًا وَتَرْفَعُهُ … إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا لِيَنْفَعِ الْعِلْمُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَالِمَهُ … قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعَى فَمَا رَجَعُوا وقد قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق: ٦ - ١٥]. قال البخاريّ في "صحيحه": حدَّثنا إسحاق بن منصور، حدَّثنا رَوحُ بن عُبادةَ، حدَّثنا حاتم بن أبي صَغيرة، حدَّثنا عبد اللَّه بن أبي مُلَيْكةَ، حدّثني القاسمُ بن محمد، حدّثَتْني عائشةُ ﵂: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس أحدٌ يُحاسبُ يَوْمَ القِيَامةِ إلَّا هَلَكَ" فقلت: يا رسول اللَّه، ألَيْسَ قَدْ قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّما ذلك العرض، وليس أحَدٌ يُنافَشُ الْحِسابَ يَومَ القِيامَةِ إلَّا عُذِّب" (٢). أشار إلى أن اللَّه تعالى لو ناقش في حسابه لهم لعذّبهم كلهم وهو غيرُ ظالم لهم، ولكنَّه تعالى يعفو، ويصفح، ويغفِر، ويستر في الدُّنيا والآخرة، كما في حديث ابن عمر في النجوى: "يُدْني اللَّهُ العَبْدَ يوم القيامة حتّى يَضَع عليه كَنفهُ، ثُمَّ يُقرِّره بذُنُوبِهِ، حتى إذا ظَنَ أنه قد هلَك، قال اللَّه تعالى: إنِّي قد سَتَرْتُها عَلَيْك في الدُّنيا، وأنا أغْفِرُها لك اليوم" (٣).

стр. 8016

فصل قال اللَّه تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. . .﴾ الآيات [الواقعة: ٦ - ١٢]. فإذا نُصِب كرسيُّ فَصْل القضاء، انْمازَ الكافرُون عن المُؤْمنين في المَوْقفِ إلى ناحية الشِّمال، وبقي المؤمنون عن يمين العرش، ومنهم من يكون بين يديه. قال اللَّه تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ. . .﴾ الآية [يونس: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] فالخلق كلهم قيامٌ لرَبِّ العالمين بين يديه، والعَرَقُ قد غَمَر أكثرهم، وبلغ الجهد منهم كلَّ مَبْلَغ، والناسُ فيه بحَسب الأعمال كما تقدّم في الأحاديث، خاضعينَ صامتين، لا يتكلّم أحدٌ إِلَّا بإذنه تعالى، ولا يتكلَّم يومئذِ إلَّا الأنبياءُ والرُّسل، حولهم أُمَمهُم، وكِتابُ الأعمال قد اشتمل على عمل الأَوَّلين، والآخرين، موضوعٌ لا يغادر صغيرةً، ولا كبيرةً إلَّا أحصاها، مما كان يعمل الخلق، وأحصاه اللَّه ونَسُوه، وكتبتْه عليهم الحَفظةُ كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]. قال الحسن البصريّ: لقد أنصفك يا ابن آدم من جعلك حسيب نفسك، والميزانُ منصوب لوزْن أعمال الخير والشرّ، والصراط قد مُدَّ على متن جهنم، والملائكة مُحْدقونَ ببني آدم وبالجنِّ، وقد بُرِّزَت الجحيمُ، وأزلفت دارُ النعيم، وتجلى الربُّ تعالى لفصل القضاء [بين عباده]، وأشرقت الأرضُ بنُور رَبِّها، وقرئت الصحف، وشَهِدَت على بني آدم الملائكةُ بما فعلوا، والأرضُ بما عملوا على ظهرها، فمن اعترف منهم، وإلا خُتِمَ على فِيهِ، ونَطَقَتْ جوارِحُه بما عَمِل بها في أوقات عمله، من لَيْلٍ أو نَهار، وقال اللَّه تعالى عن الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٤ - ٢٥]. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٥ - ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ

стр. 8017

الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١١ - ١١٢]. أي لا ينقص من حسناته شيء، وهو الهَضْمُ، ولا يُحمل عليه من سيِّئات غيره، وهو الظُّلم. فصل فأول ما يقضي اللَّه تعالى بينهم من المخلوقات الحيواناتُ، قبل الْجِنّ، والإنس، وهما الثَّقَلانِ، فالإنس ثَقَل، والجن ثقل. والدليل على حَشْر بقيّة الحيوانات يوم القيامة قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]. وقال عبدُ اللَّه بن أحمد: حدَّثنا عباسُ بن محمد، وأبو يحيى البزاز، قالا: حدَّثنا حجَّاجُ بن نُصير، حدَّثنا شُعبَةُ، عن العوَّام بن مراجم (١)، من بني قيس بن ثَعْلبةَ، عن أبي عُثْمانَ النَّهْديّ، عن عثمان بن عفّان ﵁: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ من القَرْنَاءَ يَوْم القِيَامَةِ" (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيّ، ومحمد بن جعفر، عن شُعبَةَ: سمعتُ العَلاء يُحَدِّثُ، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَتُؤدَنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقَصَّ للشاة الْجَمَّاءِ من الشاةِ القَرْناءِ تنطِحُها". وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجوه (٣). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حمَّاد، عن واصل، عن يحيى بن عُقَيل، عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يُقْتصُّ للْخَلْقِ بعضِهم من بعْضٍ، حتى للْجَمَّاءَ من القرْناء، وحتّى للذرَّةِ من الذرَّة". تفرد به أحمد (٤). وقال عبد اللَّه بن أحمد: وجدتُ هذَا الحديث في كتاب أبي بخَطّ يده: حدَّثنا عُبيد اللَّه (٥) بن محمد، حدَّثنا حمّاد بن سَلَمة، حدَّثنا لَيْثٌ، عن عبد الرحمن بن ثَرْوانَ، عن الهُزَيْل بن شُرَحْبيل، عن أبي ذرّ أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان جالسًا وشاتان تعْتلِفان فنطَحتْ إحداهما الأخرى، فأجْهَضتْها، قال: فضحِك رسول اللَّه ﷺ ، فقيل له: ما يُضحِكُكَ يا رسول اللَّه؟ قال: "عَجِبْتُ لها، والذي نفسي بيده لَيُقَادَنَّ لها يوم القيامة" (٦).

стр. 8018

وقال الإمام أحمد: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن سُلَيْمان، هو الأعمش، عن مُنْذرٍ الثَّوْريّ، عن أشياخٍ لهم، عن أبي ذَرٍّ: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال (ح). وأبو معاويةَ، حدَّثنا الأعمش، عن منذر بن يعلى، عن أشياخه، عن أبي ذرٍّ، فذكر معناه: أنَّ رسول اللَّه ﷺ رأى شاتين تَنْتَطِحَانِ، فقال: "يا أبا ذرّ، هل تدري فيم تَنْتَطحان؟ " قال: لا، قال: "لكنَّ اللَّهَ يَدْري، وسيقضي بَيْنَهُما" وهذا إسناد جيد حسن (١) قال القرطبيّ: رواه شُعْبةُ، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، بمثله. قال القرطبيُّ: وروى لَيْثُ بن أبي سُلَيْم، عن عبد الرحمن بن ثَرْوان، عن الهُزيْل، عن أبي ذَرٍّ: أنَّ رسول اللَّه ﷺ مَرَّ بشاتَيْن تَنْتطِحان، فقال: "لَيَقْتصنَ اللَّهُ يوم القيامة لهذه الْجَلْحاء من هذه القَرْناء" (٢) قال: وذكر ابنُ وَهْبٍ عن ابن لَهِيعَةَ، وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سَوادة: أن أبا سالم الْجَيْشانيّ حدّثه أنَّ ثابت بن طَرِيف استأذن على أبي ذَرّ فسمعه رافعًا صوتَه، فقال: أما واللَّه لولا يوم الخصومة لَسوَّأتكِ. فدخلتُ، فقلت: ما شأنُك يا أبا ذَرّ؟ فقال: هذه، قلت: وما عليك ألَّا تَضْربها؟ فقال: أما والذي نفسي بيده -أو قال: والذي نفس محمَّدٍ بيَدِهٍ-: لَتُسْألَنَّ الشاةُ فيمَ نطحَتْ صاحبتها، وليُسْألَنَّ الْجمادُ فيمَ نَكَبَ إصْبع الرَّجُل. وقال أحمد: حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لَهيعةَ، حدَّثنا دَرَّاج، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سعيد: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، إنّه لَيَخْتَصمُ الخلق يوم القيامة حتَّى الشَّاتانِ فيما انْتَطَحتا" (٣). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ، حدَّثنا أبو حيَّان، عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ يومًا، فذكر الغُلُولَ، فعَظَّمَه، وعَظَّمَ أمره، ثمّ قال: "لا أُلفِيَنَ أحَدَكُمْ يَجيءُ يَوْمَ القِيَامةِ على رَقَبَته بَعيرٌ له رُغاءٌ، فيقول: يا رسول اللَّه أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاءٌ، فيقول: يا رِسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك. لا ألفِيَنَّ أحدكم يجيءُ يومِ القيامة على رَقَبته فرسٌ لها حَمْحَمةٌ، فيقول: يا رسول اللَّه أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبْلغتكَ. لا أُلفينَ أحدكم يجيء يوم القيامة على رَقَبتهِ نَفْسٌ لَها صِياحٌ فيقول: يا رسول اللَّه، أغِثْني، فأقول:

стр. 8019

لا أملك لك شيئًا، قد أبلَغْتُك. [لا أُلْفين أحدكم يَجيءُ يَوْم القيامة على رَقبته رفاع تخفِق، فيقول: يا رسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك]. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صَامتٌ (١)، فيقول: يا رسول اللَّه، أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا فد أبْلَغتكَ". وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث أبي حيَّان، واسمه يحيى بن سعيد بن حيَّان التَّيْميّ، به (٢). وتقدَّم في حديث أبي هريرة: "ما مِنْ صاحب إبل لا يُؤدّي زَكاتَها إِلَّا بُطِحَ لها يوم القيامة بِقاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَطَؤُهُ بأخْفافِهَا، كلَّما مرَّت عليه أُخْراها رُدَّتْ عليه أُولاها. . . " وذكَرَ تمام الحديث في البقر، والغنم (٣). فهذه الأحاديثُ مع الآيات فيها دلالة على حَشْر الْحَيواناتِ كُلّها. وتقدَّم في حديث الصُّور: [فيقضي اللَّه تعالى بين خلقه إلّا الثَّقَلَيْن، الإنسِ، والجِنّ] فيقضي بين البهائم والوحوش، حتَّى إنَّه ليُقيدُ الْجَمَّاءَ من ذات القرن، حتَّى إذا فرغ اللِّه من ذلك، فلم يبق لواحدة تَبعَةٌ عند أخرى، قال لها اللَّه: كوني تُرابًا، فعند ذلك يقول ﴿الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ]. وقد قال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا هارون بن عبد اللَّه، أنبأنا سيَّار، أنبأنا جعفر بنُ سليمان: سمعت أبا عِمْرَانَ الْجَوْني يقول: حُدِّثْتُ أن البهائمَ إذا رأت بني آدم يوم القيامة وقد تَصَدّعُوا من بينِ يدي اللَّه ، صِنْفًا إلى الجنَّةِ، وصِنْفًا إلى النار؛ أنَّ البهائم تُناديهم: الْحَمْدُ للَّه يا بني آدم، الذي لم يَجْعلنا اليوم مِثْلَكُمْ، فلا جَنَّةَ نرجُو، ولا عِقابَ نخافُ (٤). وذكر القرطبيّ عن أبي القاسم القُشَيْريّ في "شرح الأسماء الْحُسْنى" عند قوله: المُقْسطُ الجامِعُ، قال: وفي خبر: أن الوحوش، والبهائم، تُحْشرُ يوم القيامة فتَسْجُد للَّه سجدة فتقول الملائكة: ليس هذا يوم سجود، هذا يوم الثواب والعقاب، فتقول البهائم: هذا سجود شكر للَّه، حيث لم يجعلنا اللَّهُ من بني آدم، قال: ويقال: إنَّ الملائكةَ تقول للبهائم: إنّ اللَّه لم يحشركم لثوابٍ ولا لعقابٍ، وإنّما حشركم لتَشْهَدُوا فضَاِئحَ بني آدم. وحكى القرطبي أنَّ البهائم إذا حُوسِبَتْ وحُشِرْت تعود ثُرابًا، ثم يَحْثي بها اللَّه في وجوه فَجَرَةِ بني آدم، قال: وذلك قوله ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠]. واللَّه سبحانه أعلم، وفيما ذكره نظر.

стр. 8020

فصل قال في حديث الصور: ثم يَقْضي اللَّهُ بين العباد، فيكون أوَّلَ ما يقضي فيه الدماءُ. وهذا هو الواقع يوم القيامة، وهو أنه بعد أن يَفرُغ اللَّه سبحانه من الفصل بين البهائم، يَشْرَعُ في القضاء بين العباد، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ [يونس: ٤٧] ويكون أولَ الأمم يُقْضى بينهم هذه الأفة، لشرف نَبيّها ﷺ وفضلها، كما أنهم أولُ من يجوز على الصِّراط، وأول من يدخلُ الجنّة، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عبد الرزّاق، عن مَعْمر، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحنُ الآخرُونَ السَّابقُونَ يوم القيامة" (١)، وفي رواية: "المقْضيُّ لهم قبلَ الخلائق" (٢). وقال ابن ماجه: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدْثنا أبو سَلَمة، حدَّثنا حماد بن سَلَمة (٣)، عن سعيد بن إياس الْجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن ابن عبَّاس: أن النَّبِيّ ﷺ قال: "نَحْنُ آخرُ الأمم، وأوَّلُ منْ يُحاسَب، يقال: أين الأُمَّة الأُمِّيةُ ونَبيُّها؟ فنحن الآخِرُون الأولون" (٤). ذكر أول ما يُقضى بين الناس فيه يوم القيامة ومن يناقَش في الحساب، ومن يُسامَح فيه قد تقدَّم في الحديث: "لَتُؤدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقْتصَّ للشاةِ الْجَمَّاءَ من الشاة القَرْناءِ" (٥). وفي حديث [يحيى بن عقيل، عن] أبي هريرة: "وحتَّى للذَّرَّةِ من الذَّرَّةِ" (٦) والمراد بالذرَّة هنا النملةُ، واللَّه أعلم. وإذا كان هذا حكم الحيوانات التي ليست مُكلَّفةً، فَلتَخليصُ الْحُقوقِ من الآدميّين والجانّ بعضِهم من بعضٍ يوم القيامة أولى وأحْرى، وقد ثبت في "الصحيحين"، و"مُسند أحمد"، و"سنن
следующие страницы →