← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

فصل قال اللَّه تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. . .﴾ الآيات [الواقعة: ٦ - ١٢]. فإذا نُصِب كرسيُّ فَصْل القضاء، انْمازَ الكافرُون عن المُؤْمنين في المَوْقفِ إلى ناحية الشِّمال، وبقي المؤمنون عن يمين العرش، ومنهم من يكون بين يديه. قال اللَّه تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ. . .﴾ الآية [يونس: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] فالخلق كلهم قيامٌ لرَبِّ العالمين بين يديه، والعَرَقُ قد غَمَر أكثرهم، وبلغ الجهد منهم كلَّ مَبْلَغ، والناسُ فيه بحَسب الأعمال كما تقدّم في الأحاديث، خاضعينَ صامتين، لا يتكلّم أحدٌ إِلَّا بإذنه تعالى، ولا يتكلَّم يومئذِ إلَّا الأنبياءُ والرُّسل، حولهم أُمَمهُم، وكِتابُ الأعمال قد اشتمل على عمل الأَوَّلين، والآخرين، موضوعٌ لا يغادر صغيرةً، ولا كبيرةً إلَّا أحصاها، مما كان يعمل الخلق، وأحصاه اللَّه ونَسُوه، وكتبتْه عليهم الحَفظةُ كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]. قال الحسن البصريّ: لقد أنصفك يا ابن آدم من جعلك حسيب نفسك، والميزانُ منصوب لوزْن أعمال الخير والشرّ، والصراط قد مُدَّ على متن جهنم، والملائكة مُحْدقونَ ببني آدم وبالجنِّ، وقد بُرِّزَت الجحيمُ، وأزلفت دارُ النعيم، وتجلى الربُّ تعالى لفصل القضاء [بين عباده]، وأشرقت الأرضُ بنُور رَبِّها، وقرئت الصحف، وشَهِدَت على بني آدم الملائكةُ بما فعلوا، والأرضُ بما عملوا على ظهرها، فمن اعترف منهم، وإلا خُتِمَ على فِيهِ، ونَطَقَتْ جوارِحُه بما عَمِل بها في أوقات عمله، من لَيْلٍ أو نَهار، وقال اللَّه تعالى عن الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٤ - ٢٥]. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٥ - ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ

стр. 8017

الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١١ - ١١٢]. أي لا ينقص من حسناته شيء، وهو الهَضْمُ، ولا يُحمل عليه من سيِّئات غيره، وهو الظُّلم. فصل فأول ما يقضي اللَّه تعالى بينهم من المخلوقات الحيواناتُ، قبل الْجِنّ، والإنس، وهما الثَّقَلانِ، فالإنس ثَقَل، والجن ثقل. والدليل على حَشْر بقيّة الحيوانات يوم القيامة قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥]. وقال عبدُ اللَّه بن أحمد: حدَّثنا عباسُ بن محمد، وأبو يحيى البزاز، قالا: حدَّثنا حجَّاجُ بن نُصير، حدَّثنا شُعبَةُ، عن العوَّام بن مراجم (١)، من بني قيس بن ثَعْلبةَ، عن أبي عُثْمانَ النَّهْديّ، عن عثمان بن عفّان ﵁: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الْجَمَّاءَ لَتُقَصُّ من القَرْنَاءَ يَوْم القِيَامَةِ" (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا ابنُ أبي عدِيّ، ومحمد بن جعفر، عن شُعبَةَ: سمعتُ العَلاء يُحَدِّثُ، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَتُؤدَنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقَصَّ للشاة الْجَمَّاءِ من الشاةِ القَرْناءِ تنطِحُها". وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجوه (٣). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حمَّاد، عن واصل، عن يحيى بن عُقَيل، عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يُقْتصُّ للْخَلْقِ بعضِهم من بعْضٍ، حتى للْجَمَّاءَ من القرْناء، وحتّى للذرَّةِ من الذرَّة". تفرد به أحمد (٤). وقال عبد اللَّه بن أحمد: وجدتُ هذَا الحديث في كتاب أبي بخَطّ يده: حدَّثنا عُبيد اللَّه (٥) بن محمد، حدَّثنا حمّاد بن سَلَمة، حدَّثنا لَيْثٌ، عن عبد الرحمن بن ثَرْوانَ، عن الهُزَيْل بن شُرَحْبيل، عن أبي ذرّ أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان جالسًا وشاتان تعْتلِفان فنطَحتْ إحداهما الأخرى، فأجْهَضتْها، قال: فضحِك رسول اللَّه ﷺ ، فقيل له: ما يُضحِكُكَ يا رسول اللَّه؟ قال: "عَجِبْتُ لها، والذي نفسي بيده لَيُقَادَنَّ لها يوم القيامة" (٦).

стр. 8018

وقال الإمام أحمد: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن سُلَيْمان، هو الأعمش، عن مُنْذرٍ الثَّوْريّ، عن أشياخٍ لهم، عن أبي ذَرٍّ: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال (ح). وأبو معاويةَ، حدَّثنا الأعمش، عن منذر بن يعلى، عن أشياخه، عن أبي ذرٍّ، فذكر معناه: أنَّ رسول اللَّه ﷺ رأى شاتين تَنْتَطِحَانِ، فقال: "يا أبا ذرّ، هل تدري فيم تَنْتَطحان؟ " قال: لا، قال: "لكنَّ اللَّهَ يَدْري، وسيقضي بَيْنَهُما" وهذا إسناد جيد حسن (١) قال القرطبيّ: رواه شُعْبةُ، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، بمثله. قال القرطبيُّ: وروى لَيْثُ بن أبي سُلَيْم، عن عبد الرحمن بن ثَرْوان، عن الهُزيْل، عن أبي ذَرٍّ: أنَّ رسول اللَّه ﷺ مَرَّ بشاتَيْن تَنْتطِحان، فقال: "لَيَقْتصنَ اللَّهُ يوم القيامة لهذه الْجَلْحاء من هذه القَرْناء" (٢) قال: وذكر ابنُ وَهْبٍ عن ابن لَهِيعَةَ، وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سَوادة: أن أبا سالم الْجَيْشانيّ حدّثه أنَّ ثابت بن طَرِيف استأذن على أبي ذَرّ فسمعه رافعًا صوتَه، فقال: أما واللَّه لولا يوم الخصومة لَسوَّأتكِ. فدخلتُ، فقلت: ما شأنُك يا أبا ذَرّ؟ فقال: هذه، قلت: وما عليك ألَّا تَضْربها؟ فقال: أما والذي نفسي بيده -أو قال: والذي نفس محمَّدٍ بيَدِهٍ-: لَتُسْألَنَّ الشاةُ فيمَ نطحَتْ صاحبتها، وليُسْألَنَّ الْجمادُ فيمَ نَكَبَ إصْبع الرَّجُل. وقال أحمد: حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لَهيعةَ، حدَّثنا دَرَّاج، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سعيد: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، إنّه لَيَخْتَصمُ الخلق يوم القيامة حتَّى الشَّاتانِ فيما انْتَطَحتا" (٣). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ، حدَّثنا أبو حيَّان، عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ يومًا، فذكر الغُلُولَ، فعَظَّمَه، وعَظَّمَ أمره، ثمّ قال: "لا أُلفِيَنَ أحَدَكُمْ يَجيءُ يَوْمَ القِيَامةِ على رَقَبَته بَعيرٌ له رُغاءٌ، فيقول: يا رسول اللَّه أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاءٌ، فيقول: يا رِسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك. لا ألفِيَنَّ أحدكم يجيءُ يومِ القيامة على رَقَبته فرسٌ لها حَمْحَمةٌ، فيقول: يا رسول اللَّه أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبْلغتكَ. لا أُلفينَ أحدكم يجيء يوم القيامة على رَقَبتهِ نَفْسٌ لَها صِياحٌ فيقول: يا رسول اللَّه، أغِثْني، فأقول:

стр. 8019

لا أملك لك شيئًا، قد أبلَغْتُك. [لا أُلْفين أحدكم يَجيءُ يَوْم القيامة على رَقبته رفاع تخفِق، فيقول: يا رسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك]. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صَامتٌ (١)، فيقول: يا رسول اللَّه، أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا فد أبْلَغتكَ". وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث أبي حيَّان، واسمه يحيى بن سعيد بن حيَّان التَّيْميّ، به (٢). وتقدَّم في حديث أبي هريرة: "ما مِنْ صاحب إبل لا يُؤدّي زَكاتَها إِلَّا بُطِحَ لها يوم القيامة بِقاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَطَؤُهُ بأخْفافِهَا، كلَّما مرَّت عليه أُخْراها رُدَّتْ عليه أُولاها. . . " وذكَرَ تمام الحديث في البقر، والغنم (٣). فهذه الأحاديثُ مع الآيات فيها دلالة على حَشْر الْحَيواناتِ كُلّها. وتقدَّم في حديث الصُّور: [فيقضي اللَّه تعالى بين خلقه إلّا الثَّقَلَيْن، الإنسِ، والجِنّ] فيقضي بين البهائم والوحوش، حتَّى إنَّه ليُقيدُ الْجَمَّاءَ من ذات القرن، حتَّى إذا فرغ اللِّه من ذلك، فلم يبق لواحدة تَبعَةٌ عند أخرى، قال لها اللَّه: كوني تُرابًا، فعند ذلك يقول ﴿الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ]. وقد قال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا هارون بن عبد اللَّه، أنبأنا سيَّار، أنبأنا جعفر بنُ سليمان: سمعت أبا عِمْرَانَ الْجَوْني يقول: حُدِّثْتُ أن البهائمَ إذا رأت بني آدم يوم القيامة وقد تَصَدّعُوا من بينِ يدي اللَّه ، صِنْفًا إلى الجنَّةِ، وصِنْفًا إلى النار؛ أنَّ البهائم تُناديهم: الْحَمْدُ للَّه يا بني آدم، الذي لم يَجْعلنا اليوم مِثْلَكُمْ، فلا جَنَّةَ نرجُو، ولا عِقابَ نخافُ (٤). وذكر القرطبيّ عن أبي القاسم القُشَيْريّ في "شرح الأسماء الْحُسْنى" عند قوله: المُقْسطُ الجامِعُ، قال: وفي خبر: أن الوحوش، والبهائم، تُحْشرُ يوم القيامة فتَسْجُد للَّه سجدة فتقول الملائكة: ليس هذا يوم سجود، هذا يوم الثواب والعقاب، فتقول البهائم: هذا سجود شكر للَّه، حيث لم يجعلنا اللَّهُ من بني آدم، قال: ويقال: إنَّ الملائكةَ تقول للبهائم: إنّ اللَّه لم يحشركم لثوابٍ ولا لعقابٍ، وإنّما حشركم لتَشْهَدُوا فضَاِئحَ بني آدم. وحكى القرطبي أنَّ البهائم إذا حُوسِبَتْ وحُشِرْت تعود ثُرابًا، ثم يَحْثي بها اللَّه في وجوه فَجَرَةِ بني آدم، قال: وذلك قوله ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠]. واللَّه سبحانه أعلم، وفيما ذكره نظر.

стр. 8020

فصل قال في حديث الصور: ثم يَقْضي اللَّهُ بين العباد، فيكون أوَّلَ ما يقضي فيه الدماءُ. وهذا هو الواقع يوم القيامة، وهو أنه بعد أن يَفرُغ اللَّه سبحانه من الفصل بين البهائم، يَشْرَعُ في القضاء بين العباد، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ [يونس: ٤٧] ويكون أولَ الأمم يُقْضى بينهم هذه الأفة، لشرف نَبيّها ﷺ وفضلها، كما أنهم أولُ من يجوز على الصِّراط، وأول من يدخلُ الجنّة، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عبد الرزّاق، عن مَعْمر، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحنُ الآخرُونَ السَّابقُونَ يوم القيامة" (١)، وفي رواية: "المقْضيُّ لهم قبلَ الخلائق" (٢). وقال ابن ماجه: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدْثنا أبو سَلَمة، حدَّثنا حماد بن سَلَمة (٣)، عن سعيد بن إياس الْجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن ابن عبَّاس: أن النَّبِيّ ﷺ قال: "نَحْنُ آخرُ الأمم، وأوَّلُ منْ يُحاسَب، يقال: أين الأُمَّة الأُمِّيةُ ونَبيُّها؟ فنحن الآخِرُون الأولون" (٤). ذكر أول ما يُقضى بين الناس فيه يوم القيامة ومن يناقَش في الحساب، ومن يُسامَح فيه قد تقدَّم في الحديث: "لَتُؤدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقْتصَّ للشاةِ الْجَمَّاءَ من الشاة القَرْناءِ" (٥). وفي حديث [يحيى بن عقيل، عن] أبي هريرة: "وحتَّى للذَّرَّةِ من الذَّرَّةِ" (٦) والمراد بالذرَّة هنا النملةُ، واللَّه أعلم. وإذا كان هذا حكم الحيوانات التي ليست مُكلَّفةً، فَلتَخليصُ الْحُقوقِ من الآدميّين والجانّ بعضِهم من بعضٍ يوم القيامة أولى وأحْرى، وقد ثبت في "الصحيحين"، و"مُسند أحمد"، و"سنن

стр. 8021

التِّرْمذيّ"، و"النَّسائيّ"، "وابن ماجه"، من حديث سليمان بن مِهْرانَ الأعْمَش، عن أبي وائل، شَقيقِ بن سَلَمةَ، عن عبد اللَّه بن مسعود: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أَوَّلُ ما يُقْضى فيه بين الناس يوم القيامة في الدِّماء" (١). وقد تقدَّم في حديث الصُّور؛ أنَّ المقتول يأتي يوم القيامة تَشْخُبُ أوْدَاجُه دَمًا -وفي بعض الأحاديث: ورأسهُ في يَدِه (٢) - فيتعلّق بالقاتل، حتّى ولو كان قَتَلهُ في سبيل اللَّه، فيقول: يا رَبّ، سَلْ هذا فِيمَ قَتلني؟ فيقول اللَّه تعالى: لم قتلته؟ فيقول: يا ربِّ قتلته لتكونَ العِزَّةُ لك، فيقول اللَّه تعالى: صدقت، ويقول المقتول ظُلْمًا: يا رب سَلْ هذا: فبمَ قتلني؟ فيقول اللَّه: فيم قتلته؟ فيقول: لِتكونَ العِزَّةُ لي -وفي رواية: [لتكون العزة] لفلانٍ (٣) - فيقول اللَّه تعالى: تَعِسْتَ، ثم يَقْتَصُّ مِنه لِكُلّ منْ قتله ظُلْمًا، ثمّ يَبْقَى في مشيئة اللَّه تعالى، إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه. وهذا دليل على أن القاتل لا يَتَعين عَذابهُ في نار جَهنّم، [فضلًا عن خلوده فيها أبدًا] كما يُنْقَلُ عن ابن عباس، وغيرِه من السلف، حتّى نَقلَ بعضهم عنه: أنَّ القاتل لا تَوْبةَ له (٤)، وهذا إذا حُمل على أن القتل من حقوق الآدَميّين، -وهي لا تَسْقُط بالتوبة- صحيح، وإن حُمل على أنّه لا بدّ من عِقابِه، فليس بلازمٍ، بدليل حديث الذي قتل تِسعةً وتسعِين، ثم أكمل المئةَ، ثم سأل عالِمًا منْ بني إسرائيل: هل له من توبة؟ فقال: ومنْ يَحُول بَيْنَك وبين التوبة، ائتِ بَلَد كذا وكذا، فإنه يُعْبدُ اللَّهُ بها، فاعبد اللَّه معهم، فلمَّا توجّه نحوها، وتوسّطَ بَيْنها وبين التي خرج منها أدركه الموت، فنأى بصَدْرِه نحو التي هاجر إليها، فتَوفَّتْهُ ملائكة الرحمة. . . الحديث بطوله (٥). وفي سورة الفرقان نصّ على قبول تَوْبةِ القاتل، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ. . . .﴾ الآية والتي بعدها [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وموضع تقرير هذا في كتاب "الأحكام"، وباللَّه المستعان. وقال الأعمش: عن شَمِر بن عَطيّة، عن شَهْر بن حَوْشَبٍ، [عن أم الدرداء]، عن أبي الدّرداء، قال: يَجيءُ المَقتولُ يوم القيامة، فيجلسُ على الجادةِ، فإذا مَرَّ به القاتلُ قام إليه،

стр. 8022

فأخذ بتَلابيبه فقال: يا ربّ، سلْ هذا: فيم قتلني؟ فيقول: أمرني فلان، فيؤخذ الآمِرُ، والقاتل، فيُلْقيانِ في النار (١). وعن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لخراب السماوات والأرض -" وفي رواية: "لزوال الدنيا- أهون على اللَّه من قتل مؤمن" (٢). وقال في حديث الصور: ثم يقضي اللَّهُ بين خلقه، [حتى لا يبْقى مَظْلِمةٌ لأحدٍ عند أحدٍ إِلَّا أخذها منه]، حتَّى إنَّه ليُكَلِّفُ شَائب اللَّبَنِ بالماء ثُمَّ يَبيعُه، أنْ يُخَلِّصَ اللبنَ من الماء، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وفي "الصحيحين" عن سعيد بن زيد، وغيره، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من ظلم قِيدَ شِبْر من أرض طُوِّقَه منْ سَبْعِ أرضين يوم القيامة" (٣). وفي "الصحيحين": مَنْ صَوَّرَ صُورةً [في الدنيا] كُلِّفَ يوم القيامة أنْ يَنْفُخَ فيها الرُّوح، وليس بنافِخٍ (٤)، وفي روايةٍ: إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون، ويُقالُ لهم: أحْيُوا ما خلَقْتُمْ (٥). وفي الصحيح: "منْ تحَلّم بحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ يومَ القيامة أن يَعْقِدَ بَيْنَ شَعيرَتَيْنِ، وليس بفاعل" (٦). وتقدَّم حديثُ أبي زُرْعةَ عن أبي هريرة في أمر الغُلول، وقوله ﷺ : "لا أُلْفينَّ أحدَكم يجيءُ يوم القيامة، وعلى رقبته بعيرٌ له رُغاء، أو بقرةٌ لها خُوارٌ، أو شاةٌ تَيْعرُ، أو فرس له حَمْحمةٌ، فيقول: يا محمد، أغثني، فاقول: لا أملكُ لك شيئًا، قد أبْلَغْتُك". وهو في "الصحيحين" بطوله (٧). وقال الحافظ أبو يَعْلَى: حدَّثنا محمد بن بَكَّار البَصْريّ، حدَّثنا أبو مِحْصن، حُصَيْن بن نُمَيْر، عن حُسَيْن بن قَيْس، عن عطاءٍ، عن ابن عمر، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنَّه لا تزولُ قدما ابنِ آدمَ يوم القيامة حتى يُسْألَ عن خَمْس: عن عُمْرِكَ فيما أفْنَيْتَ؟ وعن شَبابِك

стр. 8023

فيما أبْلَيْتَ؟ وعن مالك من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ وما عملتَ فيما علمت؟ " (١). وروى البيهقيّ من طريق عبد اللَّه بن المُبارك، عن شريك بن عبد اللَّه، عن هلال، عن عبد اللَّه بن عُكَيم، قال: كان عبد اللَّه بن مسعود إذا حدّث بهذا الحديث قال: ما منكم من أحدٍ إلَّا سيخلو اللَّه به، كما يَخْلُو أحدُكم بالقمر ليلةَ البَدْر، فيقول الربُّ تعالى: يا عبدي ما غَرَّكَ بي؟ يا عبدي ماذا عمِلْتَ فيما علمت؟ ماذا أجَبْتَ المُرْسلين؟ هكذا أورده البيهقيّ بعد الحديث الذي رواه من طريق مُحلِّ بن خَلِيفةَ، عن عديّ بن حاتم، عن رسول اللَّه ﷺ : أنّه قال: "وَلَيقفَنَّ أحدُكم بين يدَي اللَّه تعالى ليس بينه وبينه حجاب يحجبُ، ولا تَرْجمانٌ يُتَرْجِمُ له، فيقول: ألم أُوتِكَ مالًا؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُرسل إليك رسولًا؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلّا النار، وينظُر عن شِماله فلا يرى إِلَّا النار، فليتّقِ أحدُكم النَّارَ ولو بشق تَمرةٍ. فإنْ لم يجد فبِكلمةٍ طيِّبَةٍ". وقد رواه البخاريّ في "صحيحه" (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا بَهْزٌ، وعفّان، قالا: حدَّثنا هَمَّامٌ، عن قَتادةَ، عن صفْوانَ بن مُحْرِز، قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، فجاء رجلٌ، فقال: كيف سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعثُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يُدْني المُؤْمنَ، فيَضَعُ عليه كنَفه، ويَسْتُرهُ من الناس، ويُقَرِّرُه بذُنُوبه، فيقول له: أتعرفُ ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتّى إذا قررّه بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإنِّي سَتَرْتُها عليكَ في الدُّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يُعْطَى كتاب حَسَناتِه بِيَمينهِ. وأَمَّا الكفّار، والمُنافقون، فيقول الأشهادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]. وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث قَتَادَةَ (٣). وقال أحمد: حدَّثنا بَهْزٌ وعَفَّان، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا إسحاق بن عبد اللَّه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "يقول اللَّه يوم القيامة: يا ابن آدمَ حَمَلْتُكَ على الْخَيْل، والإبل، وزوّجْتُك النساء، وجعلتُك تَرْبَعُ وَتَرْأس فأين شكرُ ذلك؟ " (٤). وروى مسلم من حديث سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ في حديث

стр. 8024

طويل قال فيه: "فيَلْقَى اللَّهُ العبدَ فيقول: أيْ فُلُ (١) ألم أُكرمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وأُزَوِّجْكَ، وأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ، والإبل، وأذَرْكَ تَرْأَسُ وَترْبَع؟ فيقول: بلى، أيْ رَبّ، فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنَك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإنِّي أنساكَ، كما نسيتني، ثم يَلْقَى الثانيَ، فيقول: أيْ فُلُ ألَمْ أُكْرمْكَ، وأُزَوَّجْكَ، وأسَوِّدْكَ، وأسَخَرْ لكَ الْخَيْلَ، والإبلَ، وأذَرْكَ تَرْأس وَتَرْبع؟ فيقول: بلى، أيْ رَبّ، فيقول: أفظننتَ أنّك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإنِّي أنْساكَ، كما نَسِيتنيَ، ثم يَلْقَى الثالثَ، فيقول له مثلَ ذلك، فيقول: [يا ربّ] آمنتُ بكَ، وبِكتابِك، وبرسولك، وصلَّيْتُ، وصُمْتُ، وَتَصدَّقْتُ، ويُثْنِي بخيْرٍ ما استطاع، فيقول: فهاهُنا إذًا" قال: "ثُمَّ يُقال: الآن نَبْعثُ عليك شاهدًا، فيذكر في نفسه: من الذي يشهد عليّ؟ فيُخْتمُ على فيهِ، ويقال لِفَخذِه ولَحْمهِ وعِظامه: انطقي، فتنطِق فَخِذُه، ولحمه، وعظامه، بعَمَلِه كائنأ ما كان، ذلك لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِه، وذلك المُنافِقُ، وذلك [الذي] يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ. ثم ينادي منادٍ: تتبع كُلُّ أمَّة ما كانتْ تَعْبُدُ" (٢) وسيأتي الحديث بطوله. وقد روى البزَّار عن عبد اللَّه بن محمد الزّهريّ، عن مالك بن سُعَيْرِ بن الخِمْس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عنِ أبي هريرة، وأبي سعيد، رفعاه إلى رسول اللَّه ﷺ . . .، فذكرا مثله إلى قوله: "فاليومَ أنساكَ كما نسيتني". وروى مسلم، والبيهقيّ واللفظ له، من حديث سُفْيان الثوريّ، عن عُبَيْدٍ المُكْتِب، عن فُضَيْل بن عمرو، عن عامر الشعبيّ، عن أنس بن مالك، قال: كُنّا مع رسول اللَّه ﷺ ، فضَحِكَ، وقال: "هل تدرون مِمَّ أضْحَك؟ " قال: قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "من مُخَاطبَة العبد ربه" -يعني يوم القيامة- "يقول: يا ربّ، ألم تُجِرْني من الظلم، قال: يقول: بلى" قال: "فيقول: فإني لا أُجيزُ على نَفْسي إلَّا شاهدًا منِّي" قال: "فيقول: كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عليك حَسيبًا، وبالكِرامِ الكاتبين شُهودًا" قال: "فيُختمُ على فِيه، ويُقال لأرْكانِه: انطقي" قال: "فتنطق بأعماله، ثم يُخلَّى بينَه وبين الكلام" قال: "فيقول: بُعْدًا لَكُنَّ، وسُحْقًا، فعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ" (٣). وقال أبو يَعْلى: حدَّثنا زُهير، حدَّثنا الحسن، حدَّثنا ابن لَهيعَة، عن دَرَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامة عُرِّف الكافرُ بعَملِه، فجَحَد، وخاصم، فيقال: هَؤلاء جِيرانُك يَشْهَدُون عَليك، فيقول: كَذَبُوا، فيقول: أهْلُكَ وعشيرتُكَ، فيقول: كَذَبُوا، فيقول: احلِفُوا، فيحلفون، ثم يُصْمِتهُم اللَّهُ وتَشْهَدُ ألسِنتُهم، ويُدخلهم النَّارَ" (٤).

стр. 8025

وروى أحمد، والبيهقيّ، من حديث يَزيدَ بن هارون، عن الجُريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تَجيئونَ يوم القيامة على أفواهكم الفِدَامُ (١) فأَوَّل ما يَتكلّم من ابن آدم فَخِذُه، وكفُّه" (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا أحمد بن الوليد بن أبَان، حدَّثنا محمَّد بن الحسن المخزوميّ، حدَّثنا عبد اللَّه بن عبد العزيز اللّيْثيّ، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثيِّ، عن أبي أيّوب، ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أَوَّل ما يَخْتِصمُ يوم القيامةِ الرجلُ وامرأته، واللَّهِ ما يَتَكلَّمُ لسانُها، ولكن يَدَاهَا، وَرِجْلاها، يَشْهَدانِ عليها بما كانت تُغيِّبُ لِزَوْجها، وتشهد يداه ورجلاه بما كان يُوليها، ثم يُدْعى بالرجل وخَدَمِهِ مثلَ ذلك، ثم يُدعى بأهل الأسواق، فما يُؤخذُ منهم دَوانيقُ، ولا قَراريطُ، ولكن حَسَناتُ هذا تُدْفع إلى هذا الذي ظُلِمَ، وتُدْفعُ سَيِّئاتُ هذا إلى الذي ظَلَمهُ، ثم يُؤْتى بالجبَّارين في مَقَامِعَ من حديد، فيقال: سوقوهم إلى النار، فواللَّه ما أدري أيدخلونها، أم كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم] " (٣). ثم قال البَيْهقيّ: حدَّثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، حدَّثنا محمد بن صالح، والحسن بن يعقوب، حدَّثنا السَّريّ بنُ خُزَيمة، حدَّثنا عبد اللَّه بن يَزيد المُقْرئ، حدَّثنا سعيد بن أبي أيّوب، حدَّثنا يحيى بن أبي سُلَيْمان، عن سعيد المَقْبُريّ، عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة] قال: "أتدرون ما أخبارُها؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "فإنَّ أخبارَها أنْ تَشهَدَ على كُل عبد وأمة بكل ما عمل على ظهرها، أن تقول: عَمِل كذا وكذا، في يوم كَذا وكَذا، فذلك أخبارُها". وقد رواه الترمذي والنسائى، من حديث عبد اللَّه بن المُبارك، عن سعيد بن أبي أيّوب، به، وقال الترمذيّ: حسن غريب صحيح (٤). وروى البَيْهقيُّ من حديث الحسن البصريّ، حدَّثنا صعصعة عمّ الفرزدق، أنّه قال: قدمتُ على رسول اللَّه ﷺ فسمعتُه يقرأ هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] فقال: واللَّه لا أبالي ألّا أسمع غيرَها، حَسْبي حَسْبي (٥).

стр. 8026

وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدَّثنا الحسن بن عيسى، حدَّثنا عبدُ اللَّه بن المُبارك، حدَّثنا حَيْوةُ بن شُرَيْح، حدَّثنا الوليد بن أبي الوليد، أبو عثمان المَدينيّ: أنَّ عقبةَ بن مُسلم حدّثه: أنَّ شُفَيًّا (١) حدّثه: أنّه دخل المدينة، فإذَا هو بِرَجُل قد اجتمع عليه الناس. فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، قال: فدنوتُ منه، حتى قَعَدْتُ بين يَديْه، وهو يُحدّث الناس، فلما سكت وَخَلا قلت له: أنْشُدُكَ بحَقِّ وحَقِّ لما حَدَّثْثَني حديثًا سَمِعْتَهُ من رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدِّثنك حديثًا حدثنيه رسول اللَّه ﷺ عَقَلْتُهُ وعَلِمْتُهُ، ثم نَشَغَ (٢) أبو هريرة نَشْغةَ، فمكث طويلًا، ثم أفاق، ثم قال: لأحَدِّثَنَّكَ حديثًا حَدَّثَنيه رسولُ اللَّه ﷺ في هذا البَيْت، ما مَعَنا أحدٌ غيري، وغيرُه، ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغةً أخرى، فمكث طويلًا كذلك، ثم أفاق، ثم مسح وجهه، ثم قال: أفعلُ، لأُحَدِّثَنَّكَ حَديثًا حَدَّثَنِيه رسولُ اللَّه ﷺ في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيرُه، ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغةً شَديدةً، ثم مال خارًّا على وجهه، وأسندته طويلًا، ثم أفاق، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه تعالى إذا كانَ يَوْمُ القيامة نَزَل إلى العباد لِيقْضيَ بينهم، وكل أُمَّةٍ جَاثيةٌ، فأوَّل من يُدْعَى رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورجلٌ كثيرُ المال، فيقول اللَّه تعالى للقارئ: ألَمْ أُعَلِّمْك ما أَنْزَلْتُ على رسولي؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملتَ فيما عَلِمتَ؟ قال: كنتُ أقوم به آناء الليل، وآناء النهار، فيقول اللَّه له: كذبْتَ، وتقول الملائكةُ: كذَبْتَ، ويقول اللَّه تعالى: إنّما أردْتَ أنْ يُقَالَ: فلانٌ قارئ، فقد قيل ذلك، ويُؤتى بصاحب المال، فيقول اللَّه تعالى له: ألم أوَسِّعْ عَلَيكَ حتَّى لم أدَعْكَ تَحتاجُ إلى أحدٍ، قال: بلى، يا رَبِّ، قال: فماذا عملت فيما آتَيْتُكَ؟ قال: كنتُ أصلُ الرَّحِم، وأتَصَدَّق، فيقول اللَّه له: كذَبْتَ، وتقول الملائكة: كذبتَ، ويقول اللَّهُ تعالى له: بل أردتَ أن يقال: فلان جَوادٌ، فقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل اللَّه، فيقال له: فيما قُتِلْتَ؟ فيقول: يا رب أَمرتَ بالجهاد في سبيلك، فقاتلتُ حتى قُتِلت، فيقول اللَّه له: كذبت، وتقول الملائكة: كذَبْتَ، ويقول اللَّه تعالى: بَلْ أردت أن يُقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك" قال أبو هريرة: ثم ضربَ رسول اللَّه على منكبي فقال: "يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أوَّلُ خَلق اللَّه تُسعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامة". قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عُقْبةُ أن شُفَيًّا وكان سيَّافًا لمُعاويةَ دخل على معاوية فأخبره بحديث أبي هريرة هذا، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاويةُ بكاءً شديدًا، حتى ظَنَنَّا أنّه هالك، ثم أفاق، ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللَّه ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود].

стр. 8027

وهذا الحديث له شاهد صحيح في "صحيح مسلم" من طريق أخرى عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : "أول ما تُسعَّر النار يوم القيامة بثلاثة، بالعالم، والمتصدق، والمجاهد، الذين أرادوا بأعمالهم الدنيا" (١). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا [محمد بن] عثمان بن معبد، حدَّثنا محمد بن بكَّار بن بلال، قاضي دمشق، حدَّثنا سعيدُ بن بشير، عن قتادةَ، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "أول ما يُحاسب به الرجل صلاتُه، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائرُ عمله، ثم يقول اللَّه : انظروا هل لعبدي نافلة، فإن كانت له نافلة، أُتِمَّت بها الفريضةُ، ثم الفرائض كذلك". ورواه الترمذي، والنسائي، من حديث همَّامٍ، عن قتادة، وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه النسائى أيضًا، من حديث عِمْران بن داود أبي العوَّام، عن قتادةَ، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا المبارك، هو ابن فضالة، عن الحسن، عن أبي هريرة، أُراه ذكره عن النبيّ ﷺ : "إنَّ العبد المملوك لَيُحَاسبُ بصَلاتهِ، فإذا نَقصَ منها قيل: لم نَقَصْتَ منها؟ فيقول: يا ربّ سلّطتَ عليَّ مَليكًا شغلني عن صلاتي، فيقول له: قد رأيتُك تسرق من مالِهِ لِنَفْسِك، فهَلَّا سَرَقْتَ لِنَفْسِك من عَمِلك، أو عمله؟ قال: فيَتَّخذُ اللَّهُ عليه الحُجَّةَ" (٣). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا [عليّ بن الْجَعْد، أنبأنا] مُبَارك بن فَضَالَة، حدَّثنا الحسنُ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَوَّل ما تُسْألُ عنه المرأةُ يومَ القيامةِ، عن صلاتِها، ثم عن بَعْلِها كيف فعلت إليه؟ ". وهذا مرسل جَيّد. وقال أحمد: حدَّثنا أبو سعيد، مولى بني هاشم، حدَّثنا عبّاد بن راشد، قال: حدَّثنا الحسن، حدَّثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدينة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تَجيءُ الأعمالُ يومَ القيامة، فتَجِيءُ الصلاةُ فتقول: يا ربّ، أنا الصلاةُ، فيقول: إنّكِ على خير، ثم تَجِيءُ الصدقةُ، فتقول: يا رَبّ، أنا الصدقةُ، فيقول: إنكِ على خَيْر، ثم يجيءُ الصيامُ، فيقول: يا رَبِّ، أنا الصيامُ، فيقول: إنّكَ على خير، ثم تجيء الأعمال، كل ذلك يقول: إنك على خير، ثم يَجيء الإسلامُ فيقول: يا رَب، أنتَ السَّلامُ، وأنا الإسلام، فيقول اللَّه: إنّكَ على خير، بكَ اليومَ آخُذ، وبِكَ

стр. 8028

أُعْطي، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] " (١). وقال ابنُ أبي الدنيا: حدَّثنا عَبْدةُ بن عبد الرحيم المَرْوزيّ، أنبأنا بَقيَّةُ بن الوليد الكَلَاعِيّ، حدَّثنا سَلَمةُ بن كُلْثوم، عن أنس بن مالك، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُؤْتى بالْحُكَّام يوم القيامة، بمنْ قَصَّر، وبِمَنْ تَعَدَّى، فيقول اللَّه تعالى: أنتم خُزَّان أرْضي، ورُعاةُ غَنَمي، وعندكم بُغْيَتي، فيقول للذي قصّر: ما حملك على ما صنعتَ (٢)؟ فيقول: الرحمةُ، فيقول اللَّه ﷻ : أنت أرْحَمُ بعبادي مني؟ ويقول للذي تَعَدّى: ما حَملك على ما صنعت؟ فيقول: غَضِبْتُ لك، فيقول اللَّه: أنْتَ أشدُّ غَضَبًا مِنِّي؟! فيقول: انطلقوا بهم، فسُدُّوا بهم رُكْنًا من أركان جَهنَّم" (٣). وقال ابن أبي الدنيا رحمه اللَّه تعالى: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم، حدَّثنا يحيى بن سُلَيم، عن ابن خُثيم، عن أبي الزُّبَير، عن جَابر، قال: لمَّا رجعَتْ مُهاجِرَةُ الْحَبشة إلى رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا تُخبروني بأعجب ما رأيتم في أرض الحبشة؟ " فقال فتْيَةٌ منهم: [بلى، يا رسول اللَّه، بينما نحنُ جلوسٌ إذ مرَّت بنا عجوز من عجائزهم، تحمل على رأسها قُلَّةً من ماءٍ، فمَرّت بفَتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كَتفيْها، ثم دفعها، فخَرَّتْ على رُكْبَتَيْها، وانْكسَرت قُلَّتُها، فلمَّا ارتفعت التفتتْ إليه، وقالت: سوف تعلم يا غُدَر، إذا وَضَع اللَّهُ الكرسِيَّ لفصل القضاء، وجمعَ الأولين، والآخِرين، وتَكلَّمَت الأيْدِي والأرجُل بما كانوا يَكْسِبُونَ، فسوف تعلم كيف أمري وأمرُك عنده غدًا، قال: يقول رسول اللَّه ﷺ : "صَدَقَتْ، كيف يُقَدِّسُ اللَّهُ قومًا لا يُؤْخذُ من شَديدهم لِضَعِيفهم" (٤). وقد تقدَّم في حديث عبد اللَّه بن أُنَيس: أن اللَّه تعالى يُنادي العبادَ يوم القيامة، فيقول: أنا المَلِكُ، أنا الدّيّان، لا ينبغي لأحَدٍ من أهل الْجَنَة أن يَدْخُل الْجَنَّةَ، وَلأحَدِ من أهل النار عنده مَظْلِمة، [ولا لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النار ولأحدٍ من أهل الجنة عنده مَظْلمةٌ حتَّى أقْضيها مِنْهُ، حتّى اللّطمةَ"]. رواه أحمد، وعلّقه البخاريّ في "صحيحه" (٥). وقال الإمامُ مالك عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ،

стр. 8029

قال: "من كانتْ لأخيه عنده مظْلِمةٌ فلْيَتَحَلَّلْهُ منها، فإنّه ليس ثَمَّ دينارٌ، ولا دِرْهمٌ، منْ قَبْل أن يُؤْخَذَ من حَسَناتِه، فإن لم تكن له حسناتٌ، أُخِذَ من سَيِّئاتِ أخيه فطُرِحَتْ عليه". ورواه البخاري ومسلم (١). وروى ابن أبي الدُّنيا من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أتدرونَ مَنِ المُفلس؟ " قالوا: منْ لا دِرْهَم له ولا دينار، فقال: "بل المفلسُ من أمَّتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ، وصيام، وزكاةٍ، ويأتي قد شَتم هذا، وقذف هذا، وِأكلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذَا، وضربَ هذا، فيُقضى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإنْ فنيتْ حسناتُه قَبْلَ أن يُقْضى ما عليه، أُخذَ من خطاياهم، فطُرِحتْ عليه، ثم طُرِح في النار" (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا الوليد بن شُجاع السَّكوني (٣)، أنبأنا القاسم بن مالك المُزَنِيّ، عن ليْث، عن مُجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تَمُوتَنَّ وعليك دَيْنٌ، فإنه ليس ثَمَّ دِينارٌ، ولا درهم، إنَّما هي الحسناتُ جَزاءً بِجَزاءً، ولا يَظْلم رَبُّك أحدًا". ورُوي من وجهين آخرين، عن ابن عمر مرفوعًا مثله (٤). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثنا ابن أبي شَيْبَةَ، حدَّثنا بكر بن يونس بن بُكَير، عن موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن محمد بن المُنْكدر، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه ليأتي العبدُ يوم القيامة، وقد سَرَّتْهُ حسناتُه، فيجيء الرجُل فيقول: يا رَب، ظلمني هذا، فيُؤْخذ من حَسَناتِه، فتُجْعَلُ في حسنات الذي ظلمه، فما يزال كذلك حتى ما يَبْقى له حسناتٌ، فإذا جاء من يسألُه، نُظر إلى سَيِّئاتهِ فجُعِلَتْ مع سيئات الرجل، فلا يزال يُسْتَوفى من حسناته، وتردُّ عليه سيئات من ظلمه، فما زال يُستوفى منه حتى يَدْخُلَ النار" (٥). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا يزيد، حدَّثنا صَدَقةُ بن موسى، حدّشْا أبو عمران الجَوْني، عن يزيد بن بابَنُوس، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الدواوينُ غند اللَّه ثلاثة: ديوان لا يعبأ اللَّه به شيئًا، وديوان لا يترك اللَّه منه شيئًا، وديوان لا يغفره اللَّهُ، فأما الديوانُ الذي لا يغفره اللَّه، فالشرك. قال اللَّه : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وأما الديوان الذي لا يعبأ اللَّه به شيئًا، فظُلْم العَبْدِ نَفسَهُ، فيما بَينه وبين رَبّه، من صوم يومٍ تَرَكه، أو صلاةٍ تركَها، فإن

стр. 8030

اللَّه يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يَتْرُك اللَّهُ منه شيئًا، فظُلْم العِبادِ بَعْضِهم بَعْضًا، فيه القصاصُ لا محالة" (١). وروى البيهقيّ من طريق زائدة بن أبي الرُّقاد (٢)، عن زياد النُّميريّ، عن أنس، مرفوعًا: "الظلمُ ثلاثة: فظلمٌ لا يغفره اللَّه، وهو الشِّرك، وظلم يغفره اللَّه، وهو ظُلْمُ العِباد أنْفُسهم فيما بينهم وبين رَبّهم، وظلم لا يَتْرُك اللَّه منهُ شيئًا وهو ظُلْمُ العِباد بعضهم بَعْضًا، حتى يَدين بعضهم من بعض" ثم ساقه من طريق يزيد الرَّقاشيّ، عن أنس، مرفوعًا، بنحوه، وكلا الطريقين ضعيف (٣). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثنا أبو عبد اللَّه، تميمُ بن المنتصر، حدَّثنا إسحاق بن يوسف، عن شَرِيك، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن السائب، عن زَاذَان، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيّ ﷺ ، قال: "القتلُ في سبيل اللَّه يكفرُ كُلَّ شيء -" أو قال: "يكفِّر الذنوبَ كُلها- إلَّا الأمانة" قال: "يُؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أدِّ أمانَتَك، فيقول: أنَّى لي، وقد ذهبت الدُّنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيُذْهَبُ به إليها، فيهْوي فيها، حتى ينتهيَ إلى قَعْرها، فيجدُها هناك كَهَيئتها، فيَحْمِلُها فيضَعُها على عاتِقه، فيَصْعدُ بها في نار جهئم، حتى إذا رأى أنّه قد خرج زَلّتْ فهوت، وهوى في إثْرها فهو كذلك أبدَ الآبدين" قال: "والأمانةُ في الصلاة، والأمانةُ في الصيام، والأمانةُ في الوضوء، والأمانةُ في الحديث، وأشدّ ذلك الودائِعُ" قال: فلَقيتُ البَراءَ، فقلت: ألا تَسْمعُ إلى ما يقول أخوك عبدُ اللَّه؟ قال: صدق. قال شَريكٌ: وحَدَّثَنَا عبَّاس العامِريّ، عن زَاذَان، عن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ ، بمثله، ولم يذكر الأمانة في الصلاة، والأمانةَ في كلّ شيء. إسناده جيِّد ولم يروه أحمد، ولا أحد من الكتب الستة (٤)، وله شاهد من الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد: أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أرأيْتَ إن قُتِلْتُ في سبيل اللَّه صابرًا مُحْتَسبًا مُقْبلًا غيرَ مُدْبر يُكفِّر اللَّهُ عنِّي خَطاياي؟ قال: "نعم، إلَّا الدَّيْنَ" (٥). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد اللَّه بن الزُّبَيْر، قال: لمَّا نزلت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر] قال الزُّبَيْر: يا رسول اللَّه، أيكرّر

стр. 8031

علينا ما يكونُ بَيْننا في الدنيا مع خواصّ الذنوب؟ قال: "نعم ليُكرَّرن عليكم، حتَّى تُؤدُّوا إلى كلِّ ذي حَقٍّ حَقّه" فقال الزُّبير: واللَّه إن الأمر لشَديد (١). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا محمد بن موسى، حدَّثنا إسحاق بن سُلَيْمانَ، حدَّثنا أبو سنان (٢)، عن عبد اللَّه بن السَّائب، عن زَاذَان، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: الأممُ جاثُونَ للحساب، فلَهُمْ يَومئذٍ أشدُّ تَعَلُّقا بعضُهم ببَعْض منهم في الدُّنيا، الأبُ بابنه، والابنُ بأبيه، والأخْتُ بأخيها، والأخ بأخته، والزوجُ بامرأته، والمرأةُ بزَوْجها، ثم تلا عبدُ اللَّه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] (٣). وقال الحافظ أبو بكر البزّار: حدَّثنا الفضل بن يعقوب، حدَّثنا سعيد بن مَسْلَمة، عن لَيْث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: "يُؤْتَى بالمَليكِ والمَمْلوك، والزوج والزوجة، فيحاسَبُ المليك والمملوك، والزوج والزِوجة، حتى يُقال للرجل: شَرِبْتَ يومَ كذا وكذا على لَذَّةٍ، ويقال للزوج: خَطَبْتَ فلانةً مع خُطَابٍ فزَوَّجْتُكهَا وتركتُهم" (٤). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا عمرو بن حِبَّان، مولى بني تَميم، حدَّثنا عَبْدُ بن حُمَيد، عن إبراهيم بن مسلم، عن أبي الأحْوصِ، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يَدْعو العبدَ، يوم القيامة، فيذكِّره ويَعُدُّ عليه: دَعَوْتني يوم كذا وكذا، فأجبتك، حتَّى يَعُدَّ عليه فيما يُعَدّ: وقلتَ: يا ربّ زَوّجْني فُلانةً، ويُسمِّيها باسمها، فزوّجناكها" (٥). ورُوي من حديث لَيْث بن أبي سُلَيْم، عن أبي بُردْةَ، عن عبد اللَّه بن سَلام، موقوفًا (٦)، بنحوه (٧). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعيد، حدَّثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدَّثنا الفَضْلُ بن عيسى، حدَّثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن العار ليلزمُ العَبْدَ يوم القيامة، حتَّى يقول: يا رَبّ، لإرْسألُك بي إلى النار أيْسرُ عليَّ ممَّا ألْقَى من العار، وإنَّه ليَعْلمُ ما فيها من شدَّةِ العذاب، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] " (٨).

стр. 8032

وفي الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ لمَّا أكلَ هو وأصحابُه في حديقة أبي الهَيْثَم بن التَّيِّهان من تلك الشَّاة التي ذُبِحَتْ له، وأكلُوا من الرُّطَبِ، وشَرِبُوا من ذلك الماء قال: "هذا من النعيم الذي تُسْألُونَ عنه" (١) أي عن القيام بشُكْرِه، وماذا عمِلتُم في مقابلة ذلك؟ كما ورد في الحديث: "أذيبُوا طعامكم بذكر اللَّه، وبالصلاة، ولا تناموا عليه، فتَقسُوَ قلوبكم" (٢). وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا وَكيعٌ، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن ثابت، أو أبي ثابت، أن رَجُلًا دخل مسجد دمشق، فقال: اللَّهمَّ آنِسْ وَحْشَتي، وارْحَمْ غُرْبتي، وارْزُقْني جَلِيسًا صَالِحًا، فسمعه أبو الدّرْداءَ، قال: لئنْ كنتَ صادِقًا لأنا أسعدُ بما قلتَ منك، سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: "الظالمُ الذي يُؤخَذُ منه في مقامه ذلك، وذلك الحزَن والغَمّ الذي يصيبه في مقامه يوم القيامة" ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: "يُحاسَبُ حِسَابًا يَسيرًا" ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قال: "يَدخُل الْجَنَّة بغير حساب" (٣). وستأتي الأحاديثُ في من يدخلُ الْجَنّة بغير حساب، وكم عِدّتُهم؟ حديث فيه أن اللَّه تعالى يصالح عن عبده الذي له به عنايةُ من ظلمه بما يريه من قصور الجنة ونعيمها قال أبو يعلى: حدَّثنا مُجاهد بن موسى، حدَّثنا عبد اللَّه بن بكر (٤)، حدَّثنا عبَّاد بن شَيْبَةَ الحبَطيّ، عن سعيد بن أنس، عن أنس، قال: بينا رسولُ اللَّه ﷺ جالسٌ إذ رأيناهُ ضَحِكَ حتَّى بدتْ ثَناياهُ، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمِّي؟ قال: "رجلان من أمّتي جَثَيَا بين يدي اللَّه تعالى، فقال أحدهما: يا رَبّ خُذْ لي مظلِمتي من أخي، قال اللَّه تعالى: أعْطِ أخاك مظلِمته، قال: يا ربّ، لم يَبْقَ من حَسناتي شيء، قال اللَّه تعالى للطالب: كيف تصنَعُ بأخيك؟ لم يبق من حسناته شيء، قال: يا رَبِّ فليحمل عنِّي من أوْزاري" قال: وفاضَتْ عينا رسولِ اللَّه ﷺ بالبُكاء، ثم قال: "إنّ ذلك ليَوْمٌ عظيم، يومٌ يَحتاجُ فيه الناس إلى أن يُحْمَلَ عنهم من أوزارهم، فقال اللَّه تعالى للطالب: ارفع بصرك، فانظرْ في الْجِنان، فرفع رأسه، فقال: يا رَبِّ، أرى مَدَائنَ من فِضَّة، وقصورًا من ذهب مُكلَّلَةً باللؤلؤ، لأيِّ نبيّ هذا؟ لأيّ صدِّيق هذا؟ لأيّ شهيدٍ هذا؟ قال: هذا لمن أعْطَى الثَّمَنَ،

стр. 8033

قال: يا رَبِّ، ومنْ يَملِكُ ذلك. قال: أنتَ تملكه، قال: بماذا يا رَبّ؟ قال: بعَفْوِك عن أخيك، قال: يا رَبّ، فإنّي قد عَفَوتُ عنه، قال اللَّه تعالى: خُذْ بيدِ أخيك، فَأدخلْه الْجنَّة" قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: " ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فإنّ اللَّه يُصْلِحُ بَيْن المُؤْمنينَ يوم القيامة". إسناد غريب، وسياق غريب، ومعنى حسنٌ عجيب. وقد رواه البَيْهَقيّ من حديث عبد اللَّه بن بكر، به، وحَكَى عن البخاريّ أنه قال: سعيدُ بن أنس عن أبيه في المظالم لا يُتابَع عليه (١)، ثم أورده البيهقيّ من طريق زياد بن مَيْمون البَصْريّ، عن أنس مرفوعًا، بنحوه، وفيه نظر أيضًا. وقد يُسْتَشْهَدُ له بما رواه البخاريّ في "صحيحه" أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أخَذَ أموال الناس يُريد أداءها أدّاها اللَّه عنه، ومن أخذها يريد إتْلافَها أتلفه اللَّه" (٢). وقد روى أبو الوليد (٣) الطَّيالسيُّ عن عبد القاهر بن السَّرِيّ، ورواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديثه، عن ابنٍ لكنانة بن عباس بن مرداس السلمي -وفي رواية ابن ماجه: عن عبد اللَّه بن كنانة بنِ عباس بن مرداس- عن أبيه، عن جَدّه عباس بن مِرْداس: أنّ رسول اللَّه ﷺ : دعا لأُمّتِه عَشِيَّةَ عَرَفةَ بالمغفرة والرَّحمة، فأكثرَ الدّعاءَ، فأجابه اللَّه تعالى: إنّي قد فعلتُ، إلّا ظُلْمَ بعضهم بعضًا، قال: "يا رب إنك قادر على أن تُثيبَ هذا المظلوم خيرًا من مَظْلِمَتِهِ، وتَغْفرَ لهذا الظالم" فلم يجبه تلك العَشيَّةَ، فلمَّا كان غداةَ المُزْدَلفةِ أعاد الدُّعاءَ، فأجابه اللَّه: إني قد غفرتُ لهم، فتَبَسَّم الرسولُ ﷺ ، فقال بعضُ أصحابه: يا رسول اللَّه، تَبَسَّمْتَ في ساعة لم تكن تَبسَّمُ فيها؟! فقال: "تَبسَّمْتُ من عدوّ اللَّهِ إبليس، إنَّه لمَّا علم أن اللَّهَ قد استجابَ لي في أمَّتي أهْوَى يدعو بالويْلِ والثُّبُور، ويَحْثُو الترابَ على رأسه". قال البيهقيّ: وهذا العفو يحتمل أن يكون بعد عذاب يَمَسّهم، ويحتمل أن يكون خاصًّا ببعض الناس، ويحتمل أن يكون عامًّا في كلّ أحدٍ (٤). وقال أبو داود الطيالسيُّ: حدَّثنا صدقةُ بن موسى، حدَّثنا أبو عمْران الْجَوْني، عن زيد بن قَيْس، أو قيس بن زيد، عن قاضي المصرَين شُريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؟ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه يدعو صاحبَ الدَّينِ يوم القيامة، فيقول: يا ابن آدم، فيمَ أضَعْتَ حقوق الناس؟ فيم أذْهَبْتَ أموالهم؟ فيقول: يا رَبّ، لم أُفسد، ولكني أُصِبْتُ، إمَّا غَرَقًا، وإما سَرَقًا،

стр. 8034

فيقول: أنا أحَقُّ منْ قَضى عنك اليوم، فَتَرْجَحُ حَسَناته على سَيّئاته، فيؤمَرُ به إلى الجَنَّة؟ " (١). وثبت في "صحيح مسلم"، عن أبي ذرّ، عن النبيّ ﷺ في الرجل الذي يقول اللَّه تعالى: اعْرِضُوا عليه صغارَ ذُنُوبه، واتركوا كبارها، فيقال له: هل تنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا، وهو مُشفِق من كبار ذُنوبه أن تُعْرض عليه، فيقول اللَّه تعالى: إنَّا قَدْ أبدلناك مكانَ كلِّ سَيّئةٍ حَسَنةً، فيقول: يا رَبّ إنّي قد عَمِلْتُ ذُنوبًا لا أَراها هُنا؟ قال: وضَحِكَ رسولُ اللَّه ﷺ حتى بدَتْ نَواجِذه (٢). وتقدم في حديث عبد اللَّه بن عمر في حديث النجوى: يُدْني اللَّهُ العَبْد يوم القيامة، حتَّى يضع عليه كنَفَهُ ويقررّه بذنوبه، حتّى إذا ظنَّ أنّه قد هلك، قال: سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ويُعْطَى كِتاب حَسَنَاتِه بِيَمينه (٣). وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا هارون بن عبد اللَّه، حدَّثنا سيار بن حاتم، حدَّثنا جعفر بن سُلَيْمان، حدَّثنا أبو عِمْران الْجَوْنيّ، عن أبي هريرة، قال: يُدْني اللَّهُ العبد يوم القيامة، فيَضعُ عليه كنفه لِيَسْتُرهُ من الخلائق كُلِّها، ويدفعُ إليه كتابه في ذلك السِّتر، فيقول تعالى: اقرأ يا ابن آدم كتابك، فيَمُرّ بالحسنة فيَبيضُّ لها وجهُه، ويُسَرُّ بها قلبه، قال: فيقول اللَّه تعالى: أتعرفُ يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رَبِّ أعرف، فيقول: إنِّي قد تَقَبَّلْتُها مِنْك، قال: فيَخِزُ ساجدًا، قال: فيقول اللَّه تعالى: ارفع رأسك، وخذ في قراءة كتابك، فيَمُرُّ بالسَّيّئة، فتسوؤه ويسودُّ لها وَجْهُه، ويَوْجلُ منها قَلْبُه، وتُرْعَدُ منها فَرائصُه، ويأخذُه من الحياء من رَبّه ما لا يعلمه غيرُه، فيقول اللَّه تعالى له: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رَبّ أعرف، فيقول اللَّه سبحانه: فإنّي قد غفرتها لك، فيخرُّ ساجدًا فيقول اللَّه : ارفع رأسك فلا يزال في حَسَنةٍ تُقبَل، وسيئة تُغْفرُ، وسجود عند كل حسنة وسيئة لا يرى الخلائقُ منه إلَّا ذاك السجود، حتى يُنادي الخلائقُ بعضها بعضًا: طوبَى لِهَذا العبد، الذي لم يعصِ اللَّه قط، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين اللَّه تعالى، مما قد وَقَفه عليه. وقال ابن أبي الدّنيا: وقال أبو ياسر، عمّار بن نصر: حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا عُثمان بن أبي العاتكة، أو غيرُه، قال: من أُوتي كتابَه بيمينه، اتي بكتاب في باطنه سَيِّئاتُه، وفي ظاهره حَسَناتُه، فيقال له: اقرأ كتابك، فيقرأ باطِنَهُ، فَيُساء بما فيه من سَيِّئاته، حتى إذا أتى على آخرها قرأ فيه: هذه سَيِّئاتُك، وقد سترتها عليك في الدنيا، وغفرتها لك اليوم، ويَغْبطُه بها الأشْهادُ، أو قال: أهل الجمع، بما يقرؤون في ظاهر كتابه من حَسَناته، ويقولون: سَعِد هذا، ثم يُؤمرُ بتحويله،

стр. 8035

وقراءة ما في ظاهره، فيُحَوِّلُه، ويُبذَلُ اللَّه ما كان في باطنه من سَيِّئاته، فيجعلُها اللَّهُ له حَسَناتٍ، ويقرأ حسناته حتى يأتيَ على آخرها، ثم يقول: هذه حَسَناتُك، قد قَبِلْتُها منك، فعند ذلك يقول لأهل الجمع: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠] قال: وأَمَّا من أوتي كتابه وراء ظهره يأخذه بشماله، ثمْ يقال له: اقرأ كتابك، فيقرأ كتابه، في باطنه حسناته، وفي ظاهره سيِّئاتُه، فيقرؤها أهل الموقف أو قال أهل الجمع، ويقولون: هلك هذا، فإذا أتى على آخر حسناته، قيل: هذه حَسَناتُك، وقد رَدَدْتُها عليك، ويُؤمَرُ بتحويله، ويقرأ سَيِّئاته، حتى يأتيَ على آخرها، فعند ذلك يقول لأهل الجمع: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ [الحاقة]. وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا عليّ بن الْجَعْد، حدَّثنا المُبارك بن فَضَالة، عن الحسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنّه بَذَجٌ، والبَذَجُ وَلَدُ الشاة، فيقول له رَبُّه: أيْنَ ما خَوَّلْتُك؟ أين ما ملَّكْتُك؟ أيْنَ ما أعطيتك؟ فيقول: يا رَبّ جمعتُه وثَمَّرْتُه، وتَرَكْتُه أكثر ما كان فيقول: ما قدَّمْتَ منه؟ فلا يَرَى قدَّم شيئًا، فيطلب من اللَّه الرجعة إلى الدنيا، وليس براجعٍ إلى الدنيا أبدًا". وحدثني حمزة بن العبَّاس، أنبأنا عبد اللَّه بن عُثْمان، حدَّثنا ابن المبارك، حدَّثنا إسماعيل بنُ مسلم، عن الحسن، وقتادةَ، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ ، نحوه، وزاد فيه فيقول: يا رَبِّ ارْجعْني آتِكَ به كُلِّه، فإذا أُعيد لَم يُقدّم شيئًا، فيُمْضى به إلى النار. ثم ساقه من طريق يزيد الرَّقاشيّ، عن أنس عن النبيّ ﷺ بنحوه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] (١). وفي "صحيح مسلم": أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك إِلَّا ما أكلت فأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ، وما سِوَى ذلك فذاهبٌ وتَارِكُه للناس" (٢). وقال اللَّه تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٦ - ٧]. وقال ابن أبي الدُّنيا: حدَّثنا سُرَيْج بن يونس، حدَّثنا سيف بن محمد ابن أخت سُفْيَان الثَّوْريّ، عن لَيْث بن أبي سُلَيم، عن عديّ بن عديّ، عن الصُّنابِحيّ، عن مُعاذ بن جَبَل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تَزُولُ قَدَما العَبْد يوم القيامة حتَّى يُسْأل عن أربع: عن عُمره فيمَ أفناه؟ وعن

стр. 8036

جسده فيمَ أبلاه؟ وعن عِلمه ماذا عملِ فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ " (١) وقد تقدَّم عن ابن مسعود نحوُه (٢). وروي عن أبي ذَرّ (٣) قريب منه، واللَّه أعلم. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا سُرَيْج بن يُونس، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن الغَضَوَّر بن عُتَيق (٤)، عن مكحول، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا عويمر يا أبا الدَّرْداء، كيف بك إذا قيل لك يوم القيامة: عَلِمْتَ أو جَهِلت؟ فإنْ قلتَ: علمتُ، قيل لك: فماذا عَمِلْتَ فيما عَلِمْت؟ وإن قلت: جَهِلْتُ، قيل: فماذا كان عُذْركَ فيما جَهِلْتَ؟ ألا تَعَلّمتَ؟ ". وقد رويَ من وجهٍ آخر موقوف على أبي الدرداء (٥)، فاللَّه أعلم. فصل قال البخاري ﵀: باب: يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم، ثمّ أورد حديث عبد اللَّه بن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُرْفعُ لِكُلّ غادِرٍ لواءٌ يوم القيامة عند اسْته فيقال: هذه غَدْرةُ فُلان ابنِ فُلان" (٦). قال بعض أهل العلم: إذا رفع للغادر لواء يعرف به ليفتضح، فكيف حال من هو متلبِّس بأمور هي أعظم من الغدر، كيف لا ترفع لهم ألوية، ولكن الرب يستر ولا يفضح كما تقدم في الأحاديث. وكذا روي عن أحمد عن هشيم عن أبي الجهم عن الزُّهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار يوم القيامة" (٧) قالوا: فإذا كان هذا لهؤلاء، فلأن ترفع الألوية لأئمة الهدى والدعاء إلى الخير من الأنبياء وأتباعهم بطريق الأولى والأحرى، وهذا كلام حسن، وكذاك أئمة الجَوْر والظلم، واللَّه أعلم. وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدَّثنا علي بن الْجَعْد، ومحمد بن بكَار، قالا: حدَّثنا هُشَيْم، عن داود بن عمرو، وعن عبد اللَّه بن أبي زكريّا، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 8037

"إنّكم تدْعَون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فحَسِّنوا أسماءكم" (١). وقال البزَّار: حدَّثنا علي بن المُنذر، حدَّثنا [محمد بن] فُضَيْل، حدّثني أبي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال النبيّ ﷺ : "تقيء الأرْضُ أفلاذ كَبِدها، فيَمُرّ السارق، فيقول: في هذا قُطِعَتْ يَدي، ويَجِيءُ القاتِلُ، فيقول: في هذا قَتَلْتُ، ويجيءُ قاطع الرَّحم، فيقول: في هذا قَطَعْتُ رَحِمي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلا يَأْخُذونَ منه شَيْئًا" (٢). فصل قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦ - ٢٧]. وقال الحافظ أبو بكر البزّار: حدَّثنا محمد بن مَعْمر، ومحمد بن عُثْمان بن كَرامة، قالا: قال عُبَيْدُ اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدِّيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء] قال: "يُدْعى أحدهم فيُعطى كتابَه بيمينه، ويُمَدُّ له في جسمه، ويُبَيَّضُ وَجْهُهُ، ويُجْعلُ على رأسه تاجٌ من لؤلؤة تتلألأ، فينْطَلِقُ إلى أصحابه، فَيَرَوْنَهُ، من بعيد، فيقولون: اللهمَّ ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فَيأتيهمْ، فيقول: أبشرُوا، فإنَّ لكلّ رجل منكم مثل هذا، وأمَّا الكافر فيَسْودّ وَجْهه، ويُمَدّ له في جِسْمِه، فيراه أصحابهُ، فيقولون: نَعُوذ باللَّه من هذا، ومن شرّ هذا، اللّهمَّ لا تأتنا به، فيأتيهم، فيقولون: اللَّهم أخْزِه، فيقول: أبْعَدَكم اللَّه، فإنَّ لكُل رجل منكم مثلَ هذا" ثم قال: لا نعرفه إلَّا بهذا الإسناد، ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن العبَّاس بن محمد بن عُبَيد اللَّه بن موسى العَبْسيّ، به (٣).

стр. 8038

وروى أبو داود من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن من عباد اللَّه لأُناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من اللَّه" قالوا: يا رسول اللَّه، فخبِّرنا من هم؟ قال: "هم قوم تحابُّوا بِرَوْح اللَّه سبحانه على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فواللَّه إن لوجوههم لَنُورًا، وإنهم لعلى كراسيَّ من نُور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس] (١). وروى ابن أبي الدُّنيا عن بعض السلف، وهو الحسن البصريّ: أنهُ قال: إذا قال اللَّه تعالى للملائكة: خُذُوه فَغُلُّوه، ابتدره سبعونَ ألف ملَكٍ، فتسلك السِّلْسلةُ منْ فيهِ، فَتَخرجُ منْ دُبُرهِ، وَيُنْظم في السلْسلةِ كما يُنْظَمُ الخَرَزُ في الْخَيْط، ويُغْمسُ في النَّارِ غَمْسةً، فيَخْرُج عِظامًا تقَعقعُ، ثُمَّ تُسْجَرُ تِلْكَ العِظامُ في النَارِ، ثم يُعادُ غَضًّا طَريًا. وقال بعضهم: إذا قال اللَّه: خُذُوه، ابتدره أكثرُ من رَبيعه ومُضر. وعن مُعْتَمر بن سُلَيْمانَ، عن أبيه: أنه قال: لا يَبْقَى شيء إلَّا ذَمَّه، فيقول: أما تَرْحَمني؟ فيقول: كيف أرحمك، ولم يَرْحَمْكَ أرْحَمُ الراحمين؟! فصل قال ابن ماجه في كتاب الرقائق [من "سننه"]: باب ما يرجى من رحمة اللَّه تعالى يوم القيامة. حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا يزيدُ بن هارون، حدَّثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إن للَّهِ مئةَ رَحْمةٍ، قَسَم منها رحْمَةً بين جميع الخلائق، فَبِها يَتَراحمُون، وبها يَتَعَاطفُون، وبها تَعْطِفُ الوَحْشُ على أولادها، وأخَّر تسعًا وتسعين رحمةً يَرْحم بها عباده يوم القيامة". ورواه مسلم، عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، عن أبيه، عن عبد الملك بن أبي سُلَيْمانَ، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، بنحوه (٢).

стр. 8039

وقال البخاريُّ: حدَّثنا قُتَيْبةُ بنُ سعيد، حدَّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ اللَّه خَلقَ الرَّحْمةَ يَوْمَ خَلَقَها مئة رحمة، فأمسك عِنْدَه تِسْعًا وتسعين رَحْمةً، وأرسل في خلقه كُلِّهِمْ رَحْمة واحِدَةً، فلو يعلمُ الكافرُ بكُلّ الذي عند اللَّه من الرحمة لم يَيْأسْ من الْجَنَّة، ولو يعلم المُؤْمنُ بكل الذي عند اللَّه من العذاب لم يأْمَنْ من النار". انفرد به البخاريّ من هذا الوجه (١). ثم قال ابن ماجه: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، وأحمد بن سِنَان، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خلق اللَّه يوم خلق السماوات والأرض مئةَ رحمةٍ، فجعل في الأرض منها رحمةً، فبِها تَعْطِفُ الوالدةُ على وَلَدها، والبهائمُ بعضُها على بعضٍ، والطيرُ، وأخَّر تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أكملَها اللَّه بهذه الرحمة". انفرد به، وهو على شرط "الصحيحين" (٢). ثم أورد ابن ماجه ما أخرجاه في "الصحيحين" من طرق عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : "إنَّ اللَّه كَتَبَ كِتابًا يَوْمَ خَلق السماوات، والأرض: إنَّ رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضبي" وفي رواية: "سبقت غضبي"، وفي رواية: "فهو موضوع عنده على العرش" وفي رواية: "فوق العرش" (٣) وكلُّها روايات صحيحة. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] هذا إخبار من الملائكة عن اللَّه سبحانه أنه وسع كل [شيء] رحمة وعلمًا. وقال: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ [الأنعام]. ثم أورد ابن ماجه حديث [ابن أبي ليلى، عن] مُعاذ [بن جبل عن النبيّ ﷺ أنه قال له: "يا معاذ]: أتدري ما حقُّ اللَّه على عباده؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْركُوا به شَيْئًا" ثم قال: "أتدري ما حَقّ العِبادِ على اللَّه إذا هُمْ فعلوا ذلك؟ ألّا يُعَذِّبهم". وهو ثابت في "صحيح البخاري"، من طريق الأسود بن هلال، وأنس بن مالك، عن مُعاذٍ (٤).

стр. 8040

وقال ابن ماجه: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، حدَّثنا زيد بن الْحُبَاب، حدَّثنا سُهَيْل (١) بن عبد اللَّه، أخو حَزْم القُطَعيّ، حدَّثنا ثابت البُنَانيّ، عن أنس بن مالك، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قرأ أو تلا هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: "قال اللَّه تعالى: أنا أهلٌ أن أُتَّقى فلا يُجْعَلَ معي إلهٌ آخر، فَمنِ اتَّقى أنْ يَجْعل مَعي إلهًا آخَرَ فأنا أهلٌ أنْ أغفر له" (٢). وقال ابن ماجه: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّار، حدَّثنا إبراهيمُ بن أعْيَن، حدَّثنا إسماعيلُ بن يحيى الشَّيْبَانيّ، عن عبد اللَّه بن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كُنَّا مع النَّبِيّ ﷺ في بعض غَزَواته، فمَرَّ بقوم فقال: "مَنِ القومُ؟ " ففالوا: نحنُ المسلمون، وامرأةٌ تَحْصبُ تَتورَها، ومعها ابنٌ لها، فإذا ارتفع وَهَجُ التَّنُّور تَنَحَّتْ به، فأتت النبيَّ ﷺ ، فقالت: أنت رسولُ اللَّه؟ فقال: "نعم" فقالت: بأبي أنْتَ وأمِّي، ألَيْسَ [اللَّهُ بأرْحَمِ الراحمين؟ قال: "بَلَى" قالت: أوَ لَيْس] اللَّهُ بأرْحَمَ بعبادِهِ من الأمّ بوَلَدِها؟ قال: "بَلَى" قالت: إن الأمّ لا تُلْقي وَلَدَها في النار، فأكبَّ رسولُ اللَّه ﷺ يَبْكي، ثمَّ رفع رأسه إليها، فقال: "إنَّ اللَّهَ لا يُعذِّبُ من عباده إلَّا المارِد المُتمَرِّد الذي يَتَمَرَّدُ على اللَّه، ويأْبى أنْ يقولَ: لا إله إِلَّا اللَّه". إسناده فيه ضعف وسياقُه فيه غرابة (٣). وقد قال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٤]. وقال البخاريّ: حدَّثنا سعيد بن أبي مَرْيم، حدَّثنا أبو غَسَّان، حدَّثنا زيد بن أسْلَم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: قدم على رسول اللَّه ﷺ سَبْيٌ، فإذا امرأةٌ من السَّبْي قد تَحَلَّب ثَدْيُها، تَسْعَى، وإذا وَجَدَتْ صَبِيًّا في السبي أخذته فألصَقَتْه بِبَطْنها، فأرْضَعَتْهُ، فقال لنا النَّبِيّ ﷺ : "أترَوْنَ هذه طارِحةً وَلَدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي تقدر على ألّا تطرحه، فقال: "لَلَّهُ أرحمُ بعباده من هذه بوَلِدها". ورواه مسلم عن حسن الحُلْوانيّ ومحمد بن سهل بن عَسْكَر، كلاهما عن سعيد بن أبي مَرْيم، عن أبي غَسَّان، محمد بن مُطَرِّف به (٤). وفي روايةٍ: "واللَّهِ لَلَّهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدها" (٥). ثم قال ابن ماجه: حدَّثنا العبَّاس بنُ الوليد الدّمَشقيّ، حدَّثنا عمرو بن هاشم، حدَّثنا ابنُ لَهيعَةَ،

стр. 8041

عن عبد ربِّه بن سعيد (١)، عن سعيد الْمقْبُريّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَدْخُلُ النَّار إلّا شَقِيّ" قيل: يا رسول اللَّه، ومَنِ الشقيّ؟ قال: "من لم يعملْ للَّه بطاعةٍ، ولم يَتْرُك له مَعْصية". وفي إسناده هذا ضعف أيضًا (٢). وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي بُرْدة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا كان يومُ القيامة دَفَع اللَّه ، إلى كلِّ مُسلم يَهُوديًّا، أو نَصْرانيًّا، فيقول: هذا فِكَاكُكَ من النار"، وفي روايةٍ: "لا يموتُ رجل مُسْلم إلّا أدْخلَ اللَّه مكانَهَ إلى النار يَهُوديًّا أو نصْرانيًّا" قال: فاستحْلف عمرُ بنُ عبد العزيز أبا بُرْدة باللَّه الذي لا إله إلّا هو ثلاثَ مرَّاتٍ أنَّ أباه حدَّثه عن رسول اللَّه ﷺ بهذا، قال: فحلف له. وفي رواية لمسلم أيضًا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجيء ناس من المسلمين يوم القيامة بذنوب أمثالِ الجِبَال، فيغفرُها اللَّه لهم، ويَضعُها على اليهود، والنصارى" (٣). وقال ابن ماجه: حدَّثنا جُبَارَةُ بن المُغلِّس، حدَّثنا عبد الأعلى بن أبي المُساور، عن أبي بُرْدَة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جمع اللَّهُ الخَلائِقَ يوم القيامة أُذِنَ لأمّة محمد ﷺ في السجود، فيسجدون له طويلًا (٤). ثم يُقال: ارفعوا رُؤوسكم، فقد جعلنا عِدّتكم فداءكم من النار" (٥). وقال الطبرانيّ: حدَّثنا محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَة، حدَّثنا أحمدُ بن يونس، حدَّثنا سعد أبو غيلان الشيباني، عن حمَّاد بن أبي سُليمان، عن إبراهيم، عن صِلَة بن زُفَر، عن حُذَيْفةَ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لَيَدْخُلَنَّ الْجنَّةَ الفاجرُ في دِينه، الأحمقُ في مَعيشَتِه، والذي نفسي بيده لَيَدْخُلَنّ الْجَنَّةَ الذي قد مَحَشَتْه النار بذَنْبه]، والذي نفسي بيده لَيَغْفرنَّ اللَّهُ يوم القيامة مَغْفرةً يَتطاوَلُ لها إبْليسُ رَجاءَ أن تُصيبَهُ" (٦). ذكر من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب قال البخاريّ: حدَّثنا عِمْرانُ بن مَيْسَرة، حدَّثنا ابن فُضَيْل، حدَّثنا حُصَيْن (ح) وحَدَّثَنَا أَسيد بن زيد، حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن حُصَيْن قال: كنتُ عند سعيد بن جُبَيْر، فقال: حدثني ابن عباس قال: قال

стр. 8042

رسول اللَّه ﷺ : "عُرِضَتْ عليَّ الأُمَمُ فأجد النَّبِيّ يَمرُّ معه الأُمَّةُ، والنبيَّ يَمُرُّ معه النَّفَر، والنبيَّ يمرُ معه العَشَرةُ، والنبيَّ يَمُرّ معه الْخَمسةُ، والنبيَّ يَمُرُّ وحده، فنظرتُ، فإذا سوَادٌ كَثيرٌ، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ أمّتي؟ قال: لا، ولكن انْظُرْ إلى الأُفق، فنظرتُ فإذا سوادٌ كثير، فقال: هؤلاء أُمَّتُكَ، وهؤلاء سبعون ألفًا قُدَّامَهم لا حِسَابَ عَلَيْهم، ولا عذاب، قل: ولمَ؟ قال: كانوا لا يَكْتَوون، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرونَ، وعلى رَبِّهمْ يَتَوكَّلُون" فقام إليه عُكَاشةُ بن مِحْصَن، فقال: ادع اللَّه أن يجْعلني منهم، فقال: "اللهمّ اجعلْه منهم" ثم قام إليه رجل آخر، فقال: ادعُ اللَّه أنْ يجعلني منهم، قال: "سَبَقكَ بها عُكَّاشة". ورواه مسلم، عن سعيد بن منصور، عن هُشَيْم، [به] بنحوه، وهو أطولُ من هذا. ثم أورد البخاريّ ومسلم أيضًا من طريق يونس، عن الزُّهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، بنحوه، وقال فيه: ثمّ قام رجل من الأنصار، فقال: ادع اللَّهَ أن يجعلني منهم، فقال: "سَبَقكَ بها عُكَّاشة" (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، حدَّثنا زُهَيْر بن محمد، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "سألتُ رَبي ، فوعدني أن يُدْخِل من أُمَّتي الجنة سبعين ألفًا على صورةِ القَمر ليلة البدر، فاستزدتُ، فزادني مع كلّ ألفٍ سبعين ألفًا، فقلت: أي رب، إن لم يك هؤلاء مُهاجري أمَّتي؟ قال: إذًا أُكْمِلَهُمْ لك من الأعراب" (٢). وقال أحمد: حدَّثنا يزيدُ، أخبرنا إسماعيلُ، عن زياد المَخْزومي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحنُ الأخِرُونَ السَّابقُونَ يوم القيامة، أَوَّلُ زُمْرةٍ من أمّتي تدخل الجنة سَبْعُون ألفًا لا حِساب عليهم، صُورة كل رجل منهم على صورة القمر ليلةَ البدر، ثمَّ الذين يَلُونهم على أشدّ ضَوْءَ كوكب في السماء، ثم هم بعد ذلك منازل". ثم رواه أحمد عن حسن، عن ابن لَهيعَةَ، عن أبي يونس، سُليم بن جُبَير، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ ﷺ ، بنحو ما تقدَّم. وكذا رواه أحمدُ عن ابن مهديّ، عن حمّاد بن سَلَمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وفيه ذِكر عُكَّاشة (٣). ورواه الطَّبراني من حديث إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد، عن أبي أُمامة، كما سيأتي (٤).

стр. 8043

حديث آخر قال البخاريّ: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مَرْيم، حدَّثنا أبو غَسّان قال: حدّثني أبو حازم، عن سهل بن سَعْد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أمّتي سَبْعُونَ ألفًا، أو سَبْعُمئِة ألف" شكّ في أحدهما "مُتماسكينَ آخذٌ بَعْضُهم بِبعْضٍ، حتَّى يدخُل أَوَّلُهم وآخِرُهم الجنَّة، وجوههم على ضوء القمر ليلة البدر". وقد رواه البخاريّ ومسلم عن قُتَيْبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، به (١). حديث آخر قال الإمام أحمد: حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا المسعوديّ، حدّثني بُكَيْر بن الأخْنَس، عن رجل، عن أبي بكر الصدِّيق ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أُعْطيت سبْعين ألفًا يدْخُلونَ الجَنَّة بِغَيْرِ حساب، وُجُوههم كالقَمر لَيْلةَ البدر، وقلوبهم على قَلْبِ رجلٍ واحدٍ، فاستزَدْتُ رَبِّي ، فزادني مع كلِّ واحدٍ سبعينَ ألفًا". قال أبو بكر: [فرأيتُ] أنَّ ذلك آتٍ على أهل القُرَى، ومُصيبٌ من حَافَاتِ البوادي (٢). حديث آخر وقال أحمد: حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حمّاد، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن ابن مسعود، أنّ رسول اللَّه ﷺ أُرِيَ الأُمَمَ في الموسم، فراثَتْ (٣) عليه أُمَّته، قال: "فأُرِيتُ أُمَّتي، فأعجبني كَثْرَتُهم، قد ملَؤوا السَّهْل، والجَبَل، فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يكتوُون، ولا يَسْتَرْقُون، ولا يَتَطَيَّرون، وعلى رَبِّهم يتوكَّلون" فقال عكَّاشة: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّه أن يجعلني منهم، فدعا له، ثمّ قام يَعْني آخَرَ فقال: يا رسول اللَّهِ، ادعُ اللَّه أن يجعلني منهم، فقال: "سَبَقك بها عُكَّاشة" (٤). قال الحافظ أيضًا: هذا عندي على شرط [مسلم] (٥).

стр. 8044

طريق أخرى عنه قال أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمَرُ، عن قَتَادةَ، عن الحسن، عنِ عمران بن حُصَيْن، عن ابن مسعود، قال: أكْثَرْنا الحديثَ عند رسول اللَّه ﷺ ذاتَ لَيْلةٍ، ثم غَدَوْنا عليه، فقال: "عُرِضَتْ عليّ الأنبياءُ اللَّيْلةَ بأُمَمِها، فجَعل النَّبِيُّ يَمُرُّ ومعه الثلاثةُ، والنبيُّ ومعه العِصَابة، والنبي ومعه النفَرُ، والنبيُّ ليس معه أحد، حتّى مرّ عليَّ موسى معه كُبكُبة (١) من بني إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: منْ هؤلاء؟ فقيل لي: هذا أخوك موسى، معه بنو إسرائيل" قال: "فقلت: فأيْنَ أُمّتي؟ فقيل لي: انظر عن يمينك، فنظَرْتُ، فإذا الظِّراب (٢) قد سُدّت بوجوه الرجال [ثم قيل لي: انظر عن يسارك، فنظرت، فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيتَ؟ فقلت: رَضِيتُ يا رَبِّ، رضيتُ يا رب" قال: "فقيل لي: إنّ مع هؤلاء سبعينَ ألفًا يدخلون الجَنَّة بغير حساب" فقال النبيُّ ﷺ : "فِدًى لكم أبي وأُمِّي، إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفًا فافعلوا، فإنْ قَصَّرتُمْ فكونوا من أهل الظِّراب، فإنْ قَصَّرْتُمْ فكُونوا من أهْل الأفُق، فإنّي قد رأيتُ ثَمَّ ناسًا يتهاوشون، فقام عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، فقال: ادعُ لي يا رسول اللَّه أن يجعلني من السبعين ألفًا، فدعا له، فقام رجل آخَرُ، فقال: ادعُ اللَّه لي يا رسول اللَّه أنْ يجعلني منهم، فقال: "قد سبقك بها عُكَّاشَة" قال: ثم تحَدَّثنا، فقلنا: منْ ترَوْنَ هؤلاء السَّبعين؟ قالوا: قوم وُلدُوا في الإسلام، لم يُشركوا باللَّه شيئًا، حتّى ماتُوا، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: "همُ الذين لا يَكْتَوُون، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرونَ، وعلى ربِّهم يتوكَّلون" (٣). حديث آخر قال الطَّبراني: حدَّثنا محمد بن محمَّد الجذوعي، حدَّثنا عُقْبةُ بن مكْرَم، حدَّثنا محمد بن أبي عَديّ، عن هشام بن حَسَّان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حُصَيْن؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدْخُلُ الْجنَة منْ أُمَّتي سبعون ألفًا بغير حساب، ولا عذاب" قيل: ومنْ هم يا رسول اللَّه؟ قال: "همُ الذين لا يكتوون، ولا يَسْتَرْقُون، ولا يَتَطيَّرون، وعلى ربِّهم يَتَوكَّلون". ورواه مسلم عن يحيى بن خَلَف، عن المُعْتمر، عن هشام بن حَسّان، به، وعنده ذِكْرُ عُكَّاشة، وليس

стр. 8045

عنده في هذه الرواية: "يتطيَّرون". وقال الحافظ الضياءُ: وقد رُوي عن عمرانَ من غير طريق (١). حديث آخر قال أحمد: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عبادة، حدَّثنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزُّبَيْر: أنّه سمع جابر بن عبد اللَّه قال: سمعْتُ رسول اللَّه ﷺ . . . فذكر حديثًا، وفيه: "فتنجو أوّل زُمْرةٍ، وُجوههم كالقمر لَيْلةَ البَدْر، سبعون ألفًا لا يُحاسبُونَ، ثم الذين يَلُونهم كأضْوأ نجْمٍ في السماء" كذلك، وذكر تقئته. ورواه مسلم، من حديث رَوْح، ولم يَرْفَعْهُ، وقد روَى البزار عن عمر بن إسماعيل بن مُجَالدٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن الشَّعْبي، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ ، نحو الذي قبله سواء (٢). حديث آخر قال البزّارُ: حدَّثنا محمد بن مِرْداس، حدَّثنا مبارك، عن عبد العزيز بن صُهَيْبٍ، عن أنس، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنّه قال: "سبعون ألفًا من أُمَّتي يَدْخُلون الْجنَّةَ بغير حساب، هُمُ الَّذين لا يَكْتَوون، ولا يَسْتَرقُون، ولا يَتَطيَّرُونَ، وعلى ربِّهم يتوكلون" (٣). حديث آخر قال البزّار: حدَّثنا محمد بن عبد الملك، حدَّثنا أبو عاصم العبَّاداني، حدَّثنا حُمَيْدٌ، عن أَنَس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدخل الْجنَّة من أُمَّتي سبعون ألفًا، مع كلِّ واحد من السبعين ألفًا سبعون ألفًا" (٤) وهذا يحتمل أن يكون مع كل واحدٍ من الألوف، وَيحْتملُ أنْ يكونَ مع كُلِّ واحدٍ من الآحاد، وهو أشمل، وأكثر. وقد قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمر، عن قَتادَةَ، عن أنس، أو عن النضر بن أنس، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه ، وعدني أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ من أُمَّتي أربعمئة ألف" فقال أبو بكر ﵁: زِدْنا يا رسول اللَّه، قال: "وهكذا" وجمع كفَّيه، فقال: زدنا يا رسول اللَّه، قال: "وهكذا " فقال عمر: حَسْبُك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دَعْني يا عُمر،

стр. 8046

وما عَليك أن يُدْخِلنا اللَّهُ الْجَنَة كُلَّنا؟ فقال عمر: إن اللَّه إن شاء أدخَل خلْقَه الْجنَّة بكفٍّ واحد. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ عُمر" (١). طريق أخرى عن أنس ﵁ قال الحافظ أبو يَعْلى: حدَّثنا محمد بن أبي بكر، حدَّثنا عبد القاهر بن السرِيّ السُّلمِيّ، حدَّثنا حُمَيْدٌ، عن أنس، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "يدخُل الْجنَّة من أُمَّتي سبعون ألفًا"، قالوا: زِدْنا يا رسول اللَّه، قال: "لِكُلِّ رَجُلٍ سبعون ألفًا"، قالوا: زِدْنا [يا رسول اللَّه]، وكان على كَثيبٍ فحَثَى بِيَديْهِ، قالوا: زِدْنا يا رسول اللَّه، فقال: وهكذا، وحَثى بِيَدهِ، قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، أبْعَدَ اللَّهُ منْ دَخَلَ النَّارَ بَعْد هذا". قال الحافظ الضياء: لا أعْلَمهُ رُوي عن أنس إلَّا بهذا الإسناد. وقد سُئلَ ابنُ مَعين عن عبد القاهر، فقال: صالح (٢). حديث آخر غريب قال الطبرانيّ: حدَّثنا محمد بن صالح بن الوليد النَّرْسِي، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَةَ الأصْبَهاني، قالا: حدَّثنا أبو حفص عمرو بن على، حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عُمَير، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنَّ اللَّه تعالى وَعَدني أنْ يُدْخِلَ من أمّتي ثلثمئة ألفٍ الجَنَّةَ" فقال عُمَيْر: يا رسول اللَّه، زِدْنا، فقال: وهكذا بِيَدِه، فقال عُمَير: يا رسول اللَّه، زِدْنا، فقال عُمر: حَسْبُك يا عُمَيْر، فقال: ما لنا ولك يا ابن الخطاب، وما عليك أن يُدْخِلَنا اللَّهُ الجَنة؟ فقال عمر: إنَّ اللَّهَ إنْ شاء أدْخَل النَّاسَ الْجَنةَ بحَفْنةٍ أو بحَثْيةٍ واحدة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق عُمر". قال الحافظ الضياءُ: لا أعرف لعُمَيْر حدِيثًا غيرَه (٣). حديث آخر قال أبو بكر بن أبي شَيْبَة: حدّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاش، سمعت محمد بن زياد، يُحدِّثُ عن أبي أُمَامةَ الباهليّ، عن النبيّ ﷺ (ح) وقال الطَّبراني: حدَّثنا أحمدُ بن المُعلَّى الدِّمَشْقيّ، والحُسَيْنُ بن إسحاق التُّسْتَرِيّ، قالا: قال هِشَامُ بن عَمَّار: حدَّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاش، أخبرني محمد بن زياد،

стр. 8047

قال: سمعت أبا أُمَامةَ، يقول: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يُدْخِلَ الْجَنَّةَ من أُمَّتي سبعينَ ألفًا، مع كل ألف سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ولا عذاب، وثلاث حثيات من حَثَياتِ رَبِّي ". واللفظ لابن أبي شَيْبَةَ، وليس عند الطَّبرانيّ: "مع كل ألف سبعين ألفًا" (١). طريق أخرى عنه قال أبو بكر بن أبي عاصم: حدَّثنا دُحَيْم، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا صَفْوانُ بن عمرو، عن سُلَيْم بن عامر، وأبي (٢) اليَمانِ الهَوْزَنيّ، عن أبي أمامة، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إنَّ اللَّهَ وَعدَني أن يُدْخِلَ الْجنَّةَ من أُمَّتي سبعين ألفًا بغير حساب" قال يزيد بن الأخنس: واللَّه ما أولئك في أُمَّتك يا رسول اللَّه إلَّا مثلَ الذُّبَابِ الأصْهَبِ في الذِّبَّان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإنَّ اللَّهَ قد وَعدني سَبْعينَ ألفًا مع كُلِّ ألف سبعينَ ألفًا، وزادني ثلاثَ حَثَياتٍ". قال الضياء: رِجَالُه رِجالُ الصحيح، إلَّا الهوْزَنِيّ، واسمه عامر بن عبد اللَّه بن لُحَيّ، وما علمتُ فيه جَرْحًا (٣). حديث آخر قال الطبرانيّ: حدَّثنا أحمد بن خُلَيْد، حدَّثنا أبو تَوْبَة، حدَّثنا معاوية بن سَلَّام، عن زيد بن سَلَّام: أنَّه سمع أبا سلَّام، يقول: حدّثني عامر بن زيد البِكَالِيّ: أنّه سمع عُتْبةَ بن عَبْدِ السُّلميّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ رَبِّي وعدني أن يُدْخِلَ الْجَنَّةَ من أُمَّتي سَبْعِينَ ألفًا بغير حساب، ثُمَّ [يَشْفَع] كلُّ ألف لسبعين ألفًا، ثم يَحْثي رَبي تعالى بكفيْهِ ثَلاثَ حَثياتٍ" فكبَّر عمر، وقال: إنَّ السبعين الأُولى، يُشَفِّعُهم [اللَّهُ] في آبائهم، وأبْنائهم، وعَشائرِهم، وأرجو أن يَجْعَلني اللَّهُ في أحدِ الحَثَياتِ الأوَاخر. قال الحافظ الضياء: لا أعلمُ لِهذَا الإسناد عِلَّة، واللَّه أعلم (٤). حديث آخر قال الإمامُ أحمد: حدَّثنا يحيى بن سَعِيد، حدَّثنا هِشامٌ يعنِي الدَّسْتُوائي، حدَّثنا يحيى بن أبي كَثير، عن هِلال بن أبي مَيْمونةَ، عن عطاء بن يسار، أن رِفَاعَةَ الْجُهَنيِّ حَدَّثه، قال: أقبلنا مع

стр. 8048

رسول اللَّه ﷺ ، حتّى إذا كُنّا بالكَديد أو قال: بقُدَيْدٍ، فذكر حديثًا فيه: ثم قال: "وعدني رَبّي أن يُدْخِلَ الجنَّةَ من أُمَّتي سبعين ألفًا، بغير حساب، وإني لأرْجُو ألّا يدخلوها حتى تبوؤُوا أنتم، ومن صَلَح من أزْواجِكُم وذَرَارِيكم مَساكِنَ في الْجنَّة". ورواه يعقوبُ بن سفيان، عن آدم بن أبي إياس، عن شَيْبانَ، عن يحيى بن أبي كَثير، به، قال الحافظ الضياء: هذا عندي على شرط الصحيح، واللَّه أعلم (١). حديث آخر قال الطَّبراني: حدَّثنا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق (٢) الحِمْصي، حدَّثنا محمد بن إسماعيل، حدّثني أبي، عن ضَمْضَم بن زُرْعة، عن شُرَيح بن عُبَيد، عن أبي أسماء الرَّحَبيّ، عن ثَوْبان قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ رَبِّي وعدني من أُمَّتي سبعين ألفًا لا يحاسَبُونَ، مع كُلِّ ألف سبعونَ ألفًا" (٣). حديث آخر قال الطَّبرانيّ: حدَّثنا أحمد بن خُلَيْد، حدَّثنا أبو تَوْبَة، حدَّثنا معاوية بن سَلَّام، عن زيد بن سَلَّام: أنه سمع أبا سَلَّام، يقول: حدّثني عبد اللَّه بن عامر: أن قَيْسًا الكِنْديّ حدَّثه: أن أبا سعيد الأنْماريّ (٤) حَدَّثه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ رَبِّي وعدني أن يُدْخِلَ الجنة من أُمَّتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويَشْفَعَ كُل ألفٍ لسبعين ألفًا، ثم يَحْثي رَبِّي ثَلاثَ حَثَياتٍ بكَفَّيْه" قال قيس: فقلت لأبي سعيد: أنت سمعتَ هذا من رسول اللَّه ﷺ قال: نعم بأُذُنَي، ووعاه قلبي. قال أبو سعيد: فقال رسول اللَّه ﷺ : "وذلك إن شاء اللَّه يَسْتَوْعبُ مُهَاجِري أُمَّتي، ويُوفَي اللَّهُ بَقِيَّتَه من أعْرَابنا" قال الطَّبراني: لم يُرْوَ عن أبي سعيد الأنماريّ إلّا بهذا الإسناد، تفرَّد به معاوية بن سَلَّام. وقال الحافظ الضياء: وقد رواه محمد بن سَهْل بن عسكر، عن أبي تَوْبَة الرَّبيع بن نافع، بإسناده، قال أبو سعيد: فحُسِبَ [ذلكَ] عند رسول اللَّه ﷺ ، فبلغ أرْبَعَةَ آلافِ ألفِ ألفٍ وتسعمئةِ (٥)

стр. 8049

ألف، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ ذلك يَسْتَوْعبُ إن شاء اللَّه مهَاجري أُمَّتي" (١). حديث آخر قال البزّار: حدَّثنا محمود بن بكر، حدَّثنا أبي، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عَطِيَّة، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تدْخلُ الْجَنة من أُمَّتي سبعونَ ألفًا لا حسابَ عليهم" فقام عُكَّاشةُ فقال يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجْعَلني منهم، فقال: "اللهم اجعله منهم" فقال رجل آخر: ادعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم، قال: "اللَّهمّ اجعلْهُ منهم" فسكت القوم، ثم قال بعضهم لِبَعْضٍ: لو قُلْنا: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجْعَلَنا منهم، قال: "سَبقكمْ بها عُكَّاشةُ وصاحِبُه، أما إنَّكُمْ لو قلتم لقلتُ، ولو قلت لوَجَبَتْ" (٢). حديث آخر رواه البيهقيّ في كتاب "البعث والنشور" من حديث الضحاك بن نبراس حدّثني ثابتُ بنُ أسلم البُنَانيّ، عن أبي يَزيد المَدينيّ، عن عمرو بن حزم الأنْصاريّ، قال: تَغَيَّب عَنَّا رسولُ اللَّه ﷺ ثلاثًا، لا يخرُج إلَّا لِصَلاةِ مكتوبة، ثم يَرْجِعُ. فلمَّا كان يوم الرابع خرج إلَيْنا، فقلنا: يا رسول اللَّه احْتبسْتَ عنّا، حتَّى ظَنَنَّا أنه قد حدث حدَثٌ؟ فقال: "إنه لم يَحْدُث إلّا خير، إنَّ ربِّي وعدني أنْ يُدْخلَ الْجنَّة من أُمَّتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم، وإنِّي سألتُ ربّي في هذه الثلاثة الأيام المزيد فوجدتُ رَبِّي واجدًا ماجدًا كَريمًا، فأعطاني مع كل واحدٍ من السبعين ألفًا سَبْعينَ ألفًا" قال: "قلت: يا رَبّ، وتبلُغ أُمَّتي هذا؟ قال: أُكْمل لكَ العَدّدَ من الأعراب". الضحّاك هذا قد تَكَلَّموا فيه، وقال النسائي: متروك. وتقدّم في أحاديث الحوض من حديث سعيد، عن حُذَيْفَة، عن النبيّ ﷺ في حديث طويل كما تقدّم، وفيه: "وَبَشَّرَني أنّ مَعي سبعينَ ألفًا، مع كُلِّ ألفٍ سبعون ألفًا ليس عليهم حِساب". رواه أحمد (٣). وذكر ابن الأثير في ترجمة عامر بن عُمَيْر، وكان قد شهد حَجَّةَ الوداع، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنِّي وَجَدْت رَبِّي ماجِدًا أعْطَاني سَبْعينَ ألفًا يَدْخُلونَ الْجنَّة بغير حساب، مع كلِّ واحدٍ سبعونَ

стр. 8050

ألْفاً، فقلت: إن أُمَّتي لا تبلغ هذا؟ فقال: أكْمِلُهم لك من الأعراب" قال: رواه ثابتٌ البُنَانيّ، عن أبي يزيد المَدنيّ، عنه (١). حديث آخر قال الطبراني: حدّثنا هاشمُ بن مَرْثَد الطبرانيّ، حدّثنا محمد بن إسماعيل بن عيَّاش، حدّثنا أبي، حدّثني ضَمْضَمُ بن زُرْعةَ، عن شُرَيْح بن عُبَيْد، عن أبي مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "أما والَّذي نفس محمَّد بيده لَيَبْعَثنَّ اللهُ منكم يومَ القيامة إلى الْجنّة مِثلَ اللّيْلِ الأسْود زُمْرةً جميعها يَخبطُونَ الأرْضَ، تقول الملائكةُ: لَمَا جاء مع محمدٍ أكثر مِمَّا جاء مع الأنبياء" (٢). ذكر كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب، وما إليه أمرهم يصير ففريق في الجنة، وفريق في السعير قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم:١٤ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٢٧ - ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ

стр. 8051

رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧٥]. وذكر أن هؤلاءَ سيقوا إلى الجنة، وهؤلاء [سيقوا] إلى جهنم بعد [موقف] الحساب [وانصرافهم عنه] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٩ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧]. والآيات في هذا كثيرة جداً، ولنذكر من الأحاديث ما يُناسب هذا المقام، وهي مشتملة على مقاصدَ كثيرةٍ غيرِ هذا الفصل، وسَنُشير إليها. وقال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا محمد بن عُثْمان العِجْليّ، حدّثنا أبو أُسامةَ، عن مالك بن مِغْوَل، عن القاسم بن الوليد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤]. قال: حين سيق أهلُ الجنَّة إلى الْجَنَّة، وأهلُ النَّار إلى النار. إيراد الأحاديت في ذلك قال البخاريّ: حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزهريّ، أخبرني سَعيد، وعطاء بنُ يَزيد، أنّ أبا هريرة أخبرهما، عن النبيِّ ﷺ (ح) وحدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمر، عن الزهريّ، عن عَطاءِ بن يزيد اللَّيْثيّ، عن أبي هريرة، قال: قال أُناس: يا رسول الله، هَلْ نَرَى رَبّنا يوم القيامة؟ فقال: " هل تُضارُّون في رؤية الشمس ليس دُونها سَحابٌ؟ " قالوا: لا، يا رسول الله، قال: "هل تُضارُّونَ في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا، يا رسول الله، قال:

стр. 8052

"فإنّكمْ تَرَوْنهُ يَوْمَ القيامة كذلك، يجمعُ الله الناسَ فيقول: من كان يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتبَعُ من كان يَعْبُد الشمس الشمس، ويتبعُ منْ كانَ يَعْبُدُ القَمرَ القَمَر، ويَتبعُ منْ كان يعبُدُ الطواغيت الطّواغيتَ، وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا رَبّكم، فيقولون: نعوذُ بالله منك، هذا مكانُنَا حتّى يَأْتينا رَبُّنا، فإذا جاء رَبّنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا رَبُّكم، فيقولون: أنْتَ رَبُّنَا، فيتبَعُونه ويُضْرَبُ جِسْرُ جَهنَّم" قال رسول الله ﷺ : "فأكونُ أنا وأمتي أوَّلَ منْ يُجيزُ، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودُعاءُ الرُّسُل يومئذٍ: اللهمّ سَلِّم سَلِّم، وفيه كلاليبُ مثل شَوْك السَّعْدان، أما رأيتم شعَوْك السّعْدان؟ " قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: "فإنَّها مثلُ شَوْك السّعْدانِ، غيرَ أنّها لا يَعْلمُ قَدْر عِظَمها إلا الله تعالى، فتخْطَفُ النَّاسَ بأعمالهم، فمِنْهُمْ المُوبَقُ بعَمله، ومنهمُ الْمُخَردل (١)، ثم ينجو، حتَّى إذا فرغ اللهُ من القضاء بَيْن عباده، وأراد أن يُخْرِجَ من النار منْ أراد أن يُخرجه، ممَّنْ كانَ يَشْهدُ أنْ لا إله إلا الله، أمر الملائكة أنْ يُخْرِجُوهم، فيَعْرفُونَهم بعَلامَةِ آثارِ السّجود، وحرَّم الله على النار أن تَأكُلَ منِ ابن آدمَ أثَر السجود، فيُخْرِجُونهم قد امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عليهم ماءٌ، يُقال له: ماءُ الحياة، فيَنْبُتُونَ نباتَ الحِبَّةِ في حَميل السَّيْل، ويَبْقَى رَجُلٌ مُقْبلٌ بوجْهه على النار، فيقول: يا رَبّ، قد قشَبَني (٢) ريحُها، وأحرقني ذكاؤها (٣)، فاصرف وَجْهِي عن النار، فلا يزالُ يدعُو اللهَ فيقول: لعلّك إنْ أعْطيتُك ذلك تَسْألني غَيْرَه؟ قيقول: لا، وعِزّتِكَ لا أسالُكَ غيرَه، فيَصْرِفُ وَجْههُ عنِ النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رَبّ، قرِّبْني إلى بَابِ الْجنَّة، فيقول: ألَيْسَ قد زَعَمْتَ ألاّ تَسْألَني غيرَه؟ ويْلَكَ يا ابن آدم، ما أغْدَركَ، فلا يزال يَدْعو، فيقوله: لَعليّ إن أعطيتُك ذلك تسألني غيرَه؟ فيقول: لا، وعِزَّتِكِ، لا أسألُكَ غيرَه، فيُعْطي اللهَ من عُهودٍ ومَواثيقَ ألَّا يسَأَلَهُ غيرَه، فيُقَرّبه إلى باب الجنَّة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أنْ يَسكُتَ، ثم يقول: رَبّ أدْخلْني الْجنّة، فيقول: أولَيْسَ قد زَعَمْتَ ألّا تَسألني غيرَه؟ وَيْلَكَ يا ابن آدم، ما اْغْدرَك! فيقول: يا رَبِّ، لا تَجْعَلني أشْقَى خَلْقِكَ، فلا يزال يدعو اللهَ حتى يضْحَكَ الله منه، فإذا ضَحِك منه أَذِنَ له بالدخول فيها، فإذا دَخَلَ فيها قيل له: تَمَنَّ [منْ كذا]، فيتمنّى، ثم يقالُ له: تمنَّ من كذا، فيتمَنّى، حتّى تَنقطع به الأماني، فيقول: هذا لك، ومثلُه معه"، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخرُ أهْلِ الْجَنَّة دُخُولًا الْجَنّة. قال: وأبو سعيد الخُدْريُّ جالسٌ مع أبي هريرة لا يُغَيِّر عليه شيئاً من حديثه، حتى إذا انتهى إلى قوله: "هذا لك ومثله معه"، قال أبو سعيد: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "هذا لك وعَشَرةُ أمثاله"، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا: "ومثله معه". وهكذا رواه

стр. 8053

البخاريّ من حديث إبراهيم بن سعْدٍ، عن الزهريّ، به، وزاد: فقال أبو سعيد: أشْهَدُ أنِّي حَفِظتُ من رسول الله ﷺ قوله: "ذَلِكَ لكَ وعَشَرةُ أمثاله" (١). وهذأ الإثباتُ من أبي سعيد مُقدَّمٌ على ما لم يَحْفَظه أبو هريرة، حتى ولو نفاه أبو هريرة قدَّمنا إثباتَ أبي سعيد، لمَا معه من زيادة الثِّقَةِ المقبولةِ، لا سيَّما وقد تابعه غيرُه من الصحابة، كابن مسعود، كما سيأتي قريباً إنْ شاء الله تعالى. وقال البخاريّ: حدّثنا يحيى بن بُكَيْر، حدّثنا اللَّيثُ، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هِلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى رَبَّنا؟ قال: " هل تضارُّونَ في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر إذا كانت صَحْواً؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تُضارُّونَ في رؤية ربكم إلا كما تُضارُّونَ في رؤيتهما" قال: "ثم ينادي مُنادٍ: لِيَذْهبْ كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحابُ الصليب مع صليبهم، وأصحابُ الأوثان مع أوثانهم، وأصحابُ كُلِّ آلههٍ مع آلهَتِهمْ، حتّى لا يَبْقَى إلا منْ كان يَعْبُد اللهَ مِنْ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ، وغُبَّراتُ (٢) من أهل الكتاب، ثم يُؤتى بجهنم تُعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عُزَيرًا ابنَ الله، فيقال لهم: كَذَبْتُمْ، لمِ يكن لله صاحِبَةٌ، ولا وَلَد، فما تريدون؟ قالوا: نُريد أن تَسْقيَنا" قال: "فيقال: اشْرَبُوا، فيَتَساقَطُون في جهنَّم، ثم يقال للنّصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كُنَّا نَعْبُدُ المسيحَ ابنَ اللهِ، فيُقال لهم: كذبتم، لم يكن لله صَاحبةٌ ولا وَلَدٌ، فيقال: ما تريدون؟ فحقولون.: نريد أن تسْقيَنا، فيُقال: اشربوا، فيَتَساقطُونَ فيها حَتَّى لا يَبْقَى إلا من كان يَعْبُدُ اللهَ تعالى منْ برٍّ أو فَاجِرٍ، فيقال لهم: ما يُجلسكم وقد ذهب الناس، فيقولون: إن لنا إلهاً كنا نعبده فارقنا الناس ونحن أحوجُ منّا إليه اليوم، وإنَّا سَمعنا مُنادياً يُنادي: لِيَلْحقْ كُلُّ قَوْم بما كانوا يعبدون، وإنّنا نَنْتَظرُ رَبَّنا ، قال: فيأتيهم الجَبّارُ في صورةٍ غيرِ صورته التي رَأوْهُ فيها أوَّل مَرَّة، فيقول: أنا رَبُّكُمْ، فيقولون: أنْتَ رَبُّنا، ولا يُكَلِّمُه [يومئذ] إلّا الأنْبياء، فيقال: هل بينكم وبينه علامة تعرفونها بها، فيقولون: الساقُ، فيَكْشِفُ عن ساقِهِ فَيَسْجُد لَهُ كُلُّ مُؤْمن، وَيَبْقى منْ كان يَسْجُد للهِ رِياءً وَسُمْعةً، فيَذْهَبُ كَيْما يَسْجُدَ، فيعودُ ظَهْرُه طَبَقاً وَاحِداً، ثم يُؤْتى بالجِسْر فيُجعل بَيْنَ ظَهْريْ جَهنَّم " قلنا: يا رسول الله، وما الجِسْر؟ قال: "محَدْحضةٌ مَزَلَّة، عليه خَطَاطيفُ وكَلاليبُ، وحَسَكةٌ مُفْلطَحةٌ لها شَوْكةٌ عَقيفةُ (٣) تكونُ بِنَجْدٍ، يُقالُ لهَا: السَّعْدانُ، المؤمنُ عليها كالطَّرْف، وكالبرق، وكالرّيح، وكأجاويدِ الْخَيْلِ، والرِّكاب، فناج مُسَلّم، وناج مَخْدُوش، ومكدوس (٤) في نار جهنم، حتى يَمُرّ آخِرُهم، يُسْحَبُ سَحْباً، فما أنتم بأشدَّ

стр. 8054

لي مُناشدةً في الْحَقِّ، قد تَبيَّن لكم من المؤمنين يَوْمئذٍ للجَبَّار، إذا رأوا أنَّهم قد نَجَوْا، في إخوانهم، يقولون: رَبّنا إخوانُنا كانوا يُصلُّون مَعَنا، ويَصُومُون مَعَنا، ويَعْمَلونَ مَعَنا؟ فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتُمْ في قلبه مِثْقال دينار من إيمان فأخرجُوهم، وُيحَرِّمُ الله صُوَرَهم على النار، [فيأتونهم] وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، فيُخْرِجُونَ منْ عَرفُوا، ثم يعودون، فيقول: اذْهَبُوا فمنْ وجدْتُمْ في قلبه مِثقالَ نِصْف دينارٍ، فأخْرِجُوه، فيُخْرجُون منْ عَرفُوا. ثم يَعُودون، فيقول: اذْهبُوا فمنْ وَجَدْتُم في قلبه مِثْقال ذَرَّةٍ من إيمان فأخرجوه، فيُخْرجُونَ منْ عَرفُوا، قال أبو سعيد: فإن لم تُصَدّقوني، فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] فيَشْفعُ النَّبيُّون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبَّارُ : بقِيَتْ شَفَاعَتي، فيَقْبضُ قَبْضةً، فيُخْرِجُ أقواماً قد امْتَحشُوا فيُلْقَوْنَ في نَهْرٍ بأفواهِ الجنَّة، يقال له: نهر الحياة، فيَنْبُتُونَ في حافَتيه كما تنبت الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيْلِ، قد رَأيْتُموها إلى جانب الصّخْرَةِ، وإلى جانب الشَّجَرَةِ، فما كانَ إلى الشمس منها كان أخضرَ، وما كان منها إلى الظِلِّ كانَ أبيضَ، فيخْرجُون كأنَّهم اللؤلؤُ، فيُجْعلُ في رقابهم الخواتيمُ، فيَدْخُلونَ الجنَّة، فيقول أهلُ الجَنَّة: هؤلاء عُتقاءُ الرَّحْمنِ، أدخَلهُم الجنة بِغَيْرِ عمل عَمِلُوه، ولا خَيْرٍ قَدّموه، فيقال لهم: لكُمْ ما رأيتُم ومِثلُه معه" (١). وقال مسلم: حدّثنا عُبَيد الله بن سعيد، وإسحاق بن منصور، كلاهما عن رَوْح، قال عُبَيْدُ الله: حدّثنا رَوْح بنُ عُبادَةَ القَيْسيّ، حدّثنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزُّبَيْر: أنّه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود، فقال: نجيءُ نحنُ يوم القيامة عن كذا وكذا -انظر: أيْ ذلك فوق الناس (٢) - قال: فَتُدْعى الأمم بأوثانها، وما كانت تَعْبُد، الأول فالأول، ثمَّ يأتينا رَبُّنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر رَبّنا، فيقول: أنا رَبُّكم، فيقولون: حتَّى ننْظُرَ إليكَ، فيَتَجلَّى لهم، يَضْحَكُ" قال: "فينطلق بهم، وَيتَبعُونه، ويُعْطى كلّ إنسان منهم منافقٍ، أو مؤمنٍ نُوراً، ثم يتَّبعونه. وعلى جسر جَهنَّم كَلاليبُ، وحَسَكٌ، تَأْخُذُ منْ شاءَ اللهُ، [ثم] يُطْفأ نور المُنافقين، ثم يَنْجو المؤمنون، فَتَنْجو أوَّلُ زُمْرةٍ، وجوهُهُم كالقمر ليلة البدر، سَبْعُونَ ألفاً لا يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، كأضْوأ نَجْم في السماء، ثم

стр. 8055

كذلك، ثم تَحلّ الشَّفَاعةُ، فيشفعون، حتَّى يخرُج من النار منْ قال: لا إله إلا اللهُ، وكان في قلبه من الْخَيْر ما يَزِنُ شَعيرةً، فيُجْعَلُونَ بِفِناءِ الْجنَّة، ويَجعْلُ أهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عليهم الماءَ، حتَّى يَنبُتوا نَباتَ الشَّيْءِ في السَّيْل، وَيَذْهبُ حُراقُه ثم يَسألُ حتَّى تُجْعلَ لَهُ الدُّنيا، وعَشَرةُ أمثالها معها (١). وقال مسلم: حدّثنا محمد بن طَريف بن خَلِيفَة البَجَليّ، حدّثنا محمد بن فُضَيْلِ، حدّثنا أبو مالك الأشْجَعيّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأبو مالك، عن رِبْعيٍّ، عن حُذيْفَةَ، قالا: قال رسول الله ﷺ : "يَجْمَعُ اللهُ تعالى الناس، فيقوم المؤمنون حين تُزْلَفُ لَهمُ الْجنّة، فيأتُون آدمَ، فيقولون: يا أبانا، استفتحْ لنا الْجنَّة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنَّةِ إلّا خطيئةُ أبيكم آدم؟ لستُ بصاحب ذلك، اذْهَبُوا إلى ابني إبراهيم، خليلِ اللهِ" قال: "فيقول إبراهيم ﵇: لست بصاحب ذلك، إنّما كنتُ خَليلاً من وراءَ وراءَ، اعْمِدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليماً، فيأتون موسى ﵇ فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى، كلمة الله ورُوحه، فيقولُ عيسى ﷺ : لستُ بصاحب ذلك، اذهبوا إلى محمد فيأتون محمداً ﷺ فيقوم ويُؤذَن له، وتُرْسلُ الأمانةُ والرَّحِمُ، فيَقُومانِ جَنَبَتَي الصِّراطِ يَميناً وشمالاً، فيَمرُّ أوَّلُكم كالْبَرْقِ" قال: قلت: بأبي أنْتَ وأمِّي، أيُّ شيءٍ كمَرِّ البرق؟ فقال: " ألم تَرَوْا إلى البرق، كيفَ يَمُرّ، ويَرْجعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمّ كَمَرِّ الريح، ثم كمَرِّ الطَّيْر، وشَدِّ الرجال (٢)، تجري بهمْ أعمالُهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رَبِّ سلِّمْ سلِّمْ، حتى تَعْجِزَ أعمالُ العِباد، حتى يَجِيء الرَّجُلُ فلا يستطيع السَّيْر إلّا زَحْفاً "، قال: " وفي حافَتي الصِّراط كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مأْمورةٌ تأخُذُ منْ أُمِرَتْ به، فمَخْدوشٌ نَاجٍ، ومكدوس في النار " والذي نَفْسُ أبي هريرة بيده، إنَّ قَعْرَ جَهنَّم لَسَبعُونَ خريفاً (٣). وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أبو خَيْثمة، حدّثنا عفَّانُ بن مسلم، حدّثنا حمَّادُ بن سَلَمة، عن عليّ بن زيد، عن عُمَارة القرشيّ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى الأشعَريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "يَحْشُرُ اللهُ الأممَ في صعيدٍ واحدٍ، فإذا أراد أن يَصْدَعَ بَيْنَ خَلْقِهِ مَثَّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما كانُوا يَعْبُدُون، فَيَتَّبعُونَهُمْ حتى يُقْحمُونهم النار، ثم يأتينا ربُّنا، ونَحْنُ في مكان رفيعٍ، فيقول: ما أنتم؟ فنقول: نحنُ المسلمون، فيقول: ما تَنْتَظرون؟ فنقول: ننتظر رَبَّنا، فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فنقول: نعم، فيقول: وكيف تعرفونه ولمْ تَرَوْهُ؟ فنقول: إنه لا عَدْل لهُ، فيتَجَلَّى لنَا ضاحِكاً، فيقول: أبْشرُوا مَعْشَرَ المُسلمين، فإنَّه ليس منكم أحدٌ إلا قد جَعَلْتُ مكانَهُ في النّار يَهُودياً، أو نَصْرانيّاً ".
следующие страницы →