← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

يزيدون، وفيهم رجلٌ من أهل النار، فتَنَفَّس فأصابَهُم نَفسُه لأحْرَق المسجدَ ومن فيه". وهذا حديث غريب جدّاً (١). ذكر بُعد قعر جهنم، واتساعها وضخامة أهلها أجارنا الله منها قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨ - ١١] وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٤] وقال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٢٤ - ٣٠]. وقد ثبت في "الصحيحين" من غير وجهٍ عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "لا تزالُ جَهنَّمُ يُلْقى فيها ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتى يَضع عليها رَبُّ العزّةِ، قدَمه، فيَنْزوي بَعْضُها إلى بَعْض، وتقول: قطْ قَطْ (٢) وعزتك" (٣). وقال مسلم: حدّثنا محمد بن [أبي] عمر المَكِّي، حدّثنا عبد العزيز الدّرَاوَرْديّ، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طَلْحةَ، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " إن العَبْد لَيتكلَّم بالكلمة ما يتبيّن [ما] فيها، يَهْوي بها في النار أبعَدَ ما بين المَشْرق والمَغرب". ورواه البخاريّ عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز، بنحوه، ولفظُه: " يَزِلُّ بها في النار، أبْعَدَ ما بين المَشْرِق " و [لم يذكر] المغرب (٤). وقال عبد الله بن المبارك: حدّثنا الزُّبَيْر بن سعيد، عن صَفْوان بن سُلَيم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إنَّ الرجل ليَتَكلَّم بالكلمة يُضْحكُ بها جُلسَاءَه يَهْوي بها أبْعَد من الثُّرَيا". غريب، والزُّبَيْرُ فيه لينْ (٥).

стр. 8087

وقال أحمد: حدّثنا حُسَيْنُ بن محمد، حدّثنا خَلَفُ بن خَليفةَ، عن يزيد بن كَيْسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: كُنَّا عند رسول الله ﷺ يوماً فسَمِعْنا وَجْبةٌّ (١) فقال النبيُّ ﷺ : " أتدْرُونَ ما هذا؟ " قلنا: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: "هذا حَجَرٌ أُلْقِيَ في جهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعين خَريفاً، فالآنَ انْتَهى إلى قَعْرِها". ورواه مسلم عن محمد بن عبَّاد [و] ابن أبي عمر، عن مَرْوانَ، عن يَزيد بن كَيْسانَ، به، نحو (٢). حديث آخر وقال الحافظ أبو نُعيم الأصْبهانيّ: حدّثنا عبدُ الملك بن الحسن بن يوسف السَّقَطيّ، حدّثنا أحمدُ بن يحيى، حدّثنا أبو أيُّوب الأنصاريّ، أحمد بن عَبْد الصمد، حدّثنا إسماعيلُ بن قَيْس، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الحُباب سعيد بن يَسارٍ، عن أبي سعيد الخُدْريّ: أنَّهُ قال: سمِعَ رسولُ الله ﷺ صوتاً هاله ذلك، فأتاه جبريلُ فقال: " ما هذا الصوتُ يا جبريل؟ " قال: هذه صَخْرةٌ هَوَتْ من شَفير جَهنَّم، منذ سبعين عاماً، فهذا حين بلغت قَعْرَها، أحَبَّ اللهُ أن يُسْمعك صَوْتَها، قال: فما رُئي رسول الله ﷺ بَعْد ذلك اليومِ ضاحِكاً مِلْءَ فيه حتَّى قَبضَهُ اللهُ (٣). وقد روى البيهقيُّ من طريق أبي مُعاويةَ، عن الأعمش، عن يَزيد الرَّقاشيّ، عن أنس، عن النبيّ ﷺ نحواً من هذا السِّياق (٤). وثبت في "صحيح مسلم" عن عُتْبَةَ بن غَزْوانَ: أنّه قال في خطْبتِهِ: وقد ذُكِرَ لنا أنَّ الحَجَر يُلْقَى من شَفير جَهنَّم فيَهْوي فيها سَبْعين عاماً، لا يُدْرك لها قعراً، واللهِ لَتُمْلأنَّ، أفعجبتُمْ؟ وقد ذُكر لنا أنّ ما بين مِصْرَاعينِ من مصاريع الجنَّة مَسيرةُ أربعين سنة، ولَيَأتِينَّ عليه يومٌ وهو كَظيظٌ من الزِّحامِ (٥). حديث آخر قال الحافظ أبو يَعْلَى: حدّثنا عُثْمانُ بن أبي شَيْبَةَ، حدّثنا جَريرٌ، عن عطاء بن السائب، عن أبي بَكْر (٦)، عن أبيه أبي موسى [الأشعَري]، قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أنَّ حَجَراً

стр. 8088

قُذِفَ به في جَهنم لَهَوى سَبْعينَ خَريفاً قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَها" (١). حديث آخر روى الترمذيّ، والنّسائيّ، والبَيْهقيّ، والحافظ أبو نُعَيم الأصْبَهاني، واللفظُ له، من حديث عبد الله بن المُبارك: حدّثنا عَنْبسةُ، عن حبيب بن أبي عَمْرةَ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاس، قال: أتَدْرُونَ ما سَعَةُ جَهنَّم؟ فقلنا: لا، فقال: أجَلْ، والله ما تدرون، إنَّ ما بين شَحْمَةِ أُذُنِ أحَدِهم، و [بَيْنَ] عَاتِقِهِ مَسيرةُ سَبْعينَ خَريفاً، تَجْري فيه أوْدِيَةُ القيح والدَّمِ، قال: قلنا: أنهارٌ؟ قال: بل أوْديَةٌ، ثم قال: أتدرون ما سَعةُ جَهنَّم؟ قلنا: لا، قال: أجلْ، والله ما تدرون، حدَّثَتْني عائِشَةُ: أنّها سألتِ النبيَّ ﷺ عن قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أيْنَ النَّاسُ يَوْمئذٍ؟ قال: " على جِسْر جَهنَّم ". [و] إنما روى منه الترمذيّ، والنسائيّ المرفوعَ فقط، وقال الترمذيّ: صحيح غريب، من هذا الوجه (٢). وثبت في "صحيح مسلم"، من حديث العلاء بن خالد، عن أبي وائل، شَقيق بن سَلمة، عن ابن مسعود مرفوعاً: "يُجاء بجَهنَّم تُقادُ بسَبْعين ألْف زِمامٍ، مع كلِّ زِمامٍ سبعون ألفَ مَلك يَجُزُّونَها" (٣). وروي موقوفاً على ابن مسعود، ﵁، فالله أعلم (٤). وروي في حديثٍ عن علي بن موسى الرِّضا، عن آبائِه، [عن عليّ بن أبي طالب، ﵁،] مرفوعاً: "هل تدرون ما تَفسيرُ هذه الآية: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣] " قال: "إذا كان يومُ القيامة تقادُ جَهنَّم بسَبْعين ألف زِمامٍ، كُلُّ زمام بِيَدِ سَبْعينَ ألف مَلكٍ" قال: "فتشرد شردةً لَوْلا أنَّ اللهَ حبسها لأحْرَقَتِ السَّمواتِ وَالأرْضَ" (٥). وقال أحمد: حدّثنا عليّ بن إسحاق، حدّثنا عبد الله، حدّثنا سعيدُ بن يَزيد، حدّثنا أبو السَّمْحِ، عن عيسى بن هلال الصَّدَفيّ، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أنّ رَصَاصةً مِثْلَ هَذ" - وأشارَ إلى جُمْجُمةٍ - " أُرْسلتْ من السماء إلى الأرض، وهي مَسيرةُ خَمسمئة سَنَة لَبَلَغتِ

стр. 8089

الأرْضَ قبل الليل، ولو أنها أرْسلتْ من رَأسِ السِّلْسلةِ (١) لسارَتْ أرْبَعينَ سَنة الليلَ والنهار، قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أصلها أو قعْرَها". ورواه الترمذيّ (٢). وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا عبد الله بن أميّة (٣)، حدّثني محمد بن حُيَيّ، حدّثني صَفْوانُ بنُ يَعْلَى، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ ، قال: "البحرُ هو جَهنّم" (٤). ذكر تعظيم خَلقهم في النار [أعاذنا الله من النار] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. وقال أحمد: حدّثنا وَكيعٌ، حدّثني أبو يَحْيى الطَّويلُ، عن أبي يَحْيى القَتَّات، عن مُجَاهد، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ قال: " يَعْظُمُ أهل النّارِ في النار حَتَّى إنَّ بَيْن شحْمة أُذُنِ أحَدِهمْ إلى عَاتِقه مَسيرةُ سَبْعمئة عامٍ، وإن غلَظَ جِلْده سبْعُونَ ذِراعاً، وإنَّ ضرسه مثلُ أُحُدٍ ". كذا رواه أحمد في " مسنده " عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو الصحيح. وكذا رواه البيهقيّ، ثم رواه من طريق عِمْران بن زيد، عن أبي يحيى القتّات، عن مُجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، فذكر مثله، ثم صحح البيهقيّ الأوّل كما ذكرنا، والله أعلم. وهذا الحديث غريب من هذا الوجه. ولبعضه شاهدٌ من وُجُوهٍ أُخرى عن أبي هريرة، فالله أعلم (٥). فقال الإمام أحمد: حدّثنا رِبْعيُّ بن إبراهيم، حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سَعيدٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ضِرْسُ الكَافِر يَوْمَ القِيَامة مِثْلُ أُحُدٍ، وعَرْضُ جلدِه سبْعُونَ ذِراعاً، وفَخذُه مِثْلُ وَرِقان (٦)، ومَقْعدُه في النار مِثْلُ ما بَيْني وبَيْن الزَّبَذَةِ". ورواه البَيْهقيّ من طريق بِشر بن المُفَضَّل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، وزاد فيه: " وعَضُدُهُ، مِثْلُ البَيْضاءِ (٧) " (٨).

стр. 8090

طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا أبو النَّضْر، حدّثنا عبد الرحمن، يعني ابن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ضِرْسُ الكافر مثلُ أحُدٍ، وفَخِذُه مثلُ البَيْضاء، ومقعَدهُ من النَّارِ كما بَيْن قُدَيد ومكة، وكثافة جلدِهِ اثنان وأربْعون ذِرَاعاً بذِراعِ الْجَبّار (١) (٢) ". طريق أخرى قال البزّار: حدّثنا محمد بن اللَّيْث الهَدَاديّ، وأحْمدُ بنُ عثمانَ بن حكيم (٣)، قالا: حدّثنا عُبَيْد الله بن موسى، حدْثنا شَيْبانُ، يعني ابنَ عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "ضِرْسُ الكافر مِثْلُ أُحُدٍ، وغلَظُ جِلْدِه أرْبَعُونَ ذِراعاً" (٤). طريق أخرى قال البزّار: حدّثنا محمد بن المُثَنَّى، حدّثنا أبو عامر، حدّثنا محمد بن عفار، عن صالح مولى التَّوأَمةِ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ضِرْسُ الكافر مِثْلُ أُحدٍ، ومَقْعَدُه من النارِ مَسيرةُ ثلاثٍ" (٥). طريق أخرى عنه قال الحسن بن سُفْيَان: حدّثنا يوسفُ بن عيسى، حدّثنا الفَضْل بن موسى، عن الفضيل (٦) بن غَزْوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما بَيْن مَنْكبي الكافر، مَسيرةُ خَمْسةِ أيّام للرّاكِب المُسْرع" (٧). قال الحسن: وحدّثنا محمد بن طَريف البَجَليّ، حدّثنا ابن فُضَيْل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن

стр. 8091

أبي هريرة، رفعه، قال: " ما بَيْنَ مَنْكِبي الكافِرِ في النار مَسيرةُ ثَلاثةِ أيَّام للراكب المسرع ". قال البيهقي: ورواه البخاريّ عن معاذ بن أَسَد، عن الفضل بن موسى، ورواه مُسلم عن أبي كُرَيب، وغيره، عن ابن فُضَيْل ولم يَقُلْ: رفعه (١). طريق أخرى عنه قال البزّار: حدّثنا الحسين (٢) بن الأسود، حدّثنا محمد بن فُضَيْل، حدّثنا عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ضِرْسُ الكافر مثلُ أُحُدٍ، وفَخذه مثل الوَرِقَانِ، وغِلَظُ جِلْدِهِ أربعون ذِرَاعاً ". ثم قال البزّار: لا يُرْوَى عن أبي هريرة بأحسن من هذا الإسناد، ولم نسمعه إلّا من الحسين بن الأسود (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن قيس، قال: سمعت الحارث بن أُقَيْش يحدِّث [أنَّ] أبا بَززَةَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن مِنْ أُمتي لَمَنْ يَشْفَعُ لأكثر من ربيعةَ ومضر، وإن من أُمتي لمن يعظَّم للنار حتى يكون أحد زواياها ". ورواه أحمد أيضاً عن محمد بن أبي عدي عن داود بن أبي هند، به (٤). وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أبو حَيَّان [حدثني يزيد بن حَيَّان التيمي] قال: وحدثنا زيد بن أرقم قال: إن الرَّجُل من أهل النار ليعظَّم للنار، حتى يكون الضِّرْس من أضراسه كأحد" (٥). فأما الحديثُ الذي رواه الإمامُ أحمد: حدّثنا يحيى، عن ابن عَجْلان، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدّه، عن النبيّ ﷺ قال: " يُحْشرُ المُتَكبِّرُونَ يوم القيامة أمثال الذّرّ في صُوَرِ الناس يعلوهم كُلُّ شَيْءٍ من الصَّغارِ حتى يَدْخُلوا سجناً في جَهنَّم، يقال لهُ: بُولَس، فتعلوهم نار الأنيار، يُسْقَون من طينة الخَبالِ عُصارة أهْلِ النار ". وكذا رواه الترمذيّ، والنسائيُّ، عن سُوَيْد بن نَصْر، عن ابن المبارك، عن ابن عَجْلان، به، وقال الترمذيّ: حسن (٦). فالمراد أن المتكبِّرين يُحْشَرُونَ إلى الموقف هكذا، ويكونون فيه بين الخلق كذلك، فإذا سيقُوا إلى النار ودخلوها، عظُم خلقهم فيها كما دَلَّتْ عليه الأحاديثُ التي أوردناها، ليكون ذلك أنْكى وأشد

стр. 8092

في تَعْذيبهم، وأعْظَم في خزيهم، كما قال: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، والله سبحانه أعلم. ذكر أن البحر يُسجر يوم القيامة ويكون من جُملة جَهَنّم قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا عبدُ الله بن أمَيّة، حدّثنا محمد بن حُيَيّ، حدّثنا صَفْوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قال: " البَحْرُ هوَ جهنّم " قالوا لِيَعْلى. فقال: ألا ترون أن الله يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]؟ قال: لا والذي نفسُ يَعْلَى بيده، لا أدْخُلُها أبداً حتى أُعْرض على الله ، ولا يُصيبُني منها قَطْرَةٌ حَتى ألقَى الله . وقد رواه البَيْهقيُّ، من طريق يعقوب بن سُفْيَان: حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا محمد بن حُيَيّ، عن صَفْوانَ بن يَعْلَى، عن يَعْلى، قال: قال رسول الله ﷺ : "البَحْرُ هو جَهنّم" ثم تلا: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. وهكذا رأيتُه بخطّ الحافظ ابن عساكر: حدّثنا أبو عاصم، حدّثني محمد بن حُيَيّ. وفي " المسند" كما تقدّم بينهما عبد الله بن أمَيّة، وكذلك رواه أبو مسلم الكجِّي، عن أبي عاصم، عن عبد الله بن أمية (١): حدّثني رجل، عن صفوانَ بن يعلى، عن يَعْلَى قال: قال رسول الله ﷺ : "البَحْرُ هو جَهنَّم" (٢). وقال أبو داود: حدّثنا سَعيدُ بن منصور، حدّثنا إسماعيل بن زَكريّا، عن مُطرِّف، عن بشر [أبي عبد الله، عن بشير] بن مُسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يركب البَحْرَ إلا حاجٌّ أو مُعْتَمر، أو غَازٍ في سبيل الله، فإنَّ تَحْتَ البَحْر ناراً، وتَحْتَ النارِ بَحْراً" (٣). ذكر أبواب جهنم، وصفة خزنتها، وزبانيتها أعاذنا الله من ذلك بما شاء قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢].

стр. 8093

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٣ - ٤٤]. وقال البَيْهقيّ: حدّثنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو العباس الأصَمّ، حدّثنا سعيد بنُ عُثْمانَ، حدّثنا بِشْرُ بن بكر، حدّثني عبد الرحمن بن يزيد، حدّثني أبو سعيد، سمعتُ أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصِّرَاطَ بَيْن ظَهْرَي جَهنَّم، دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، فالأنْبياءُ يَقُولونَ عليه: اللَّهُتمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، والناسُ عليه كَلَمْحِ البَرْقِ، وكَطَرْفِ الْعَيْنِ، وكأجَاويدِ الْخَيْلِ والبِغالِ، والرِّكابِ، وشدّاً على الأقدام. فناج مسلَّم، ومَخْدُوشٌ مُرْسلٌ، ومَطْروحٌ فيها، ولها سَبْعةُ أبواب، لِكُلِّ بابٍ منهُمْ جزءٌ مقسوم" (١). وقال البيهقىّ: أخبرنا أبو الحُسَيْن بن بِشْران، حدّثنا إسماعيلُ بن محمد الصفّار، حدّثنا سَعْدانُ بنُ نَصْر، حدّثنا مَعْمر، عن الخليل بن مُرّة: أنَّ رسول الله ﷺ كانَ لا ينامُ حتّى يقرأ (تَبَارك) و (حم) السجدة، وقال: " الحَواميمُ سَبْعٌ، وأبوابُ جَهنَّم سَبْعٌ: جَهَنَّمُ، والْحُطمةُ، ولَظى، وسَعيرٌ، وسَقَرُ، وَالهَاويةُ، والجَحيمُ " وقال: " تَجيءُ كُلُّ (حم) منها يومَ القيامة" أحْسِبُه قال: " تقفُ على بابٍ من هذه الأبواب، فتقول: اللهمّ لا تُدْخِلْ هذه الأبوابَ منْ كانَ يُؤْمن بي ويقرؤني " ثم قال البيهقيّ: وهذا مُنقطع، والخليلُ بنُ مُرَّةَ فيه نظر (٢). وروى الترمذيّ من حديث مالك بن مِغوَل، عن جُنيد، عن ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " لِجهنّم سَبْعةُ أبوابٍ، باب منها لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ على أمّتي " [أو قال: " على أمة محمد] ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مِغْول (٣). وقال كعب (٤): لِجَهنَّم سَبْعةُ أبواب، بابٌ منها لِلْحَرُوريَّةِ (٥). وقال وهب بن مُنبّه: بَيْنَ كلِّ بَابَيْنِ من أبواب جهنم مَسيرَة سَبْعينَ سَنةً، كلُّ بابٍ أشدُّ من الذي فوقه بسبعين ضِعْفاً. وقال أبو بكر بن أبي الدّنيا: حدّثنا خَلَفُ بن هِشامِ، حدّثنا أبو شِهابٍ الحنَّاط (٦)، عن عمرو بن قَيْس المُلائيّ، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمْرة، عن علىّ، قال: إنّ أبوابَ جَهنَّم

стр. 8094

بَعْضُها فوق بَعْض، وأشار أبو شهاب بأصابعه، فيُمْلأُ هذا، ثم هذا، ثم هذا (١). حدّثني إبراهيمُ بن سعيد الجَوْهريّ، حدّثنا حجّاجٌ، حدّثنا ابنُ جُرَيْج، في قوله تعالى ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: أوَّلُها جَهنّم، ثم لَظى، ثم الحُطَمة، ثمّ السَّعيرُ، ثم سَقَر، ثم الجَحيم، وفيها أبو جَهل، ثم الهاوية، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي غلاظ الأخلاق، شداد الأبدان ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ أي: بَعزمهم ونيّتِهمْ، فهم لايريدون أن يخالفوه في شيء أبداً، لا بالعزم، ولا بالنية لاظاهراً ولا باطناً ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] أي: إن فعلهم ليس بإرادتهم ولا باختيارهم، بل إنما هو صادر عن أمر الله لهم بما أُمروا به، بل لهم قوةٌ على إبراز ما أُمروا به من العَزْمِ إلى الفِعْل، فلهم عزمٌ صادق، وأفعالٌ عظيمة، وقوى بليغةٌ، وشدَّةٌ باهرة، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ أي لكمال طاعتهم وقوتهم ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣٠ - ٣١] أي اخْتباراً، وامتحاناً، وكانَّ هؤلاء التسعةَ عشَرَ، كالمُقدَّمين الذين لهم أعوانٌ، وأتباعٌ. وقد رَوينا عند قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أن الربّ تعالى إذا قال ذلك وأمر به ابتدره سبعون ألفاً من الزَّبَانية، وقد قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦]. وروى الحافظ الضياءُ من حديث محمد بن سُلَيمان بن أبي داود، عن أبيه، عن يزيد البَصْريّ، عن الحسن البصريّ، عن أنس مرفوعاً: " والذي نفسي بيده: لقد خُلقت مَلائكةُ جهنّم قبل أن تُخْلَق جهنَّم بألف عام، فهم كلَّ يوم يَزْدادُون قُوَّةً إلى قُوَّتهمْ حتى يَقْبِضُوا على من قَبَضُوا عليه بالنواصي والأقْدامِ" (٢). ذكر سرادق النار وهو سورها المحيط بها وما فيها من المقامع والأغلال والسلاسل والأنكال أجارنا الله تعالى من ذلك جميعه قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨ - ٩] مُؤْصَدَة، أي مُطبَقَةٌ. وقد رواه ابن مَرْدَويْهِ في "تفسيره" من حديث شَريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن

стр. 8095

أبي هريرة (١) مرفوعاً، ورواه أبو بكر بن أبي شَيْبَة، عن عبد الله بن أَسِيد الأخنسي (٢)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قوله. وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣] وقال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٨ - ٥٠] وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦] وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١] وقال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ١٩ - ٢١]. وقال الحافظ أبو يَعْلَى: حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا حسن، عن ابن لَهيعَةَ، حدّثنا دَرَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "لِسُرادق أهل النار أربع جُدُرٍ كُثُفٍ، كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة". ورواه الترمذي عن سويد، عن ابن المبارك، عن رِشْدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، به نحو (٣). وقال أحمد: حدّثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "لو أنَّ مِقْمَعاً منْ حَدِيد جهنم وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتمعَ له الثقلانِ ما أقلُّوه (٤) من الأرْض" (٥). وقال ابن وَهْب: عن عمرو بن الحارث، عن درّاج أبي السَّمْحِ (٦)، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سعيد: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَوْ ضُرِبَ بِمقْمعٍ منْ حَديدِ جهنم الجَبلُ لَفَتَّتَهُ فَعادَ غُبَاراً" (٧). وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدَوَيْهِ في "تفسيره" من طريق بشير (٨) بن طَلْحةَ، عن خالد بن دُرَيْك، عن يَعْلَى بن مُنْية، عن النبيّ ﷺ ، قال: "يُنْشئ اللهُ لأهْلِ النارِ سَحابةً مظلمة، فإذا أشْرَفَتْ

стр. 8096

عليهم نادتهم: يا أهْلَ النار، أيَّ شَيءِ تَطْلُبونَ؟ وما الذي تَسألُون؟ فيذكرون بها سَحَائبَ الدنيا، والماءَ الذي كان يَنزلُ عليهم، فيقولون: نسأل يا ربّ الشرابَ، فتُمْطِرُهم أغلالًا تُزَادُ في أغلالهم، وسَلاسِلَ تُزادُ في سَلاسِلِهم، وجَمْراً يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهم" (١). وقال الحافظ أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا بشْرُ بنُ الوليد الكِنْديّ، حدّثنا سعيد بن زَرْبيّ، عن حُمَيْد بن هلال، عن أبي الأحْوص، قال: قال ابن مسعود لأصحابه: أيّ أهل النار أشدُّ عذاباً؟ فقال رجل: المنافقون، قال: صَدَقتْ، فهَلْ تدري كيف يُعذَّبون، قال: لا، قال: يُجْعَلونَ في تَوابيتَ من حَديدٍ فتُصْمدُ عليهم، ثم يُجْعلُونَ في الدَّرْكِ الأسْفلِ من النار في تَنَانيرَ أضْيقَ منَ الزُّجّ (٢)، يقالُ له: جُبُّ الحَزَن، فيُطبق على أقوام بأعمالهم آخِرَ الأبَدِ (٣). وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني علي بنُ حسن، عن محمد بن جَعْفر المَدائنيّ، حدّثني بَكْرُ بن خُنَيْس، عن أبي سلمة الثَّقفيّ، عن وَهْب بن مُنَبِّه، قال: إن أهل النار الذين هم أهلُها، فهم في النار، لا يَهْدَؤونَ، ولا ينامون، ولا يَمُوتُونَ، يَمْشُونَ على النار، ويَجْلسونَ ويَشْربُونَ من صَديدِ أهْلِ النارِ، ويأكلون من زَقُّوم النارِ، لُحُفهم نار، وفرشهم نار، وقُمُصُهم نارٌ وقَطِرَانٌ وتَغْشَى وُجُوهَهمُ النارُ، وجَميعُ أهل النار في سَلاسِل، بأيْدي الخَزَنةِ، وأطْواقُها في أعناقهم، يَجْذبُونَهُمْ مُقْبلينَ ومُدْبرين، فيَسيلُ صَديدُهم إلى حُفَرٍ في النار، فذلك شَرَابُهُمْ، قال: ثم بكى وَهْبٌ حتى سَقَط مَغْشياً عليه، قال: وغَلَبَ بَكْرَ بن خُنَيْسٍ البكاءُ، حتّى قام، فلم يَقْدِر أن يَتَكلَّم، وبَكى محمدُ بن جعفرٍ بكاءً شَديداً. وهذا الكلام عن وهب بن مُنَبّه اليَمَانيّ، وقد كان يَنْظُر في كُتب الأوائل، وينقُل من صُحف أهل الكتاب الغَثّ والسَّمينَ، ولكن لهذا الكلام شواهد من القرآن العظيم، وغيرِه من الأحاديث، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٧] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩ - ٤٠]. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ

стр. 8097

الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠]. وقال تعالى ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]، وتقدم في الصحيح: " أما أهلُ النار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتُونَ فيها، ولا يَحْيَوْنَ" (١). وفي الحديث المتقدّم في ذبح الموت بين الجَنَّةِ والنار: ثُمَّ يُنادي المنادي: "يا أهْلَ الجَنَّة خُلُود فلا مَوْتَ، ويا أهل النار خلود فلا موت" (٢). وكيف ينامُ من هو في عذابٍ مُتَوَاصلٍ لا يُفَتَّرُ (٣) عنه ساعةً واحدة، ولا لَحْظةً، بل كلّما خَبَتْ (٤) نارُهم، زادهم اللهُ سَعيراً، [وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢]]. وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا إبراهيم، حدّثنا ابنُ المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السَّمح، عن ابن حُجَيْرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الحميم لَيُصَبّ على رؤوسهم، فيَنفُذُ الْجُمجمةَ حتى يخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فيَسْلُتْ (٥) ما في جوفه حتَّى يَمرُق (٦) من قدَمَيْه" (٧). وروى الترمذيُّ، والطبرانيّ واللفظ له، من حديث قُطْبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن شِمْر بن عَطِيّة، عن شَهْر بنِ حَوْشَبٍ، عن أُمِّ الدَّرْداءِ، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "يُلْقَى على أهْلِ النار الجوع، فيعدل ما هُمْ فيه منَ العَذابِ، فيستغيثون بالطعام، فيُؤْتَوْنَ بطعام ذي غُصَّةٍ، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا إذا غصوا يسيغونه بالشراب، فيَسْتَغيثُونَ بالشراب، فيؤتون بالْحَميم في قِلال من نار، فإذا أُدْنيتْ من وُجوههم قَشَرتْ وُجُوهَهُمْ، فإذا دَخلتْ بطونَهم قَطَّعَتْ أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون عند ذلك فيُقال لهم: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]، فيقولون: ادْعُوا لنا مالكاً، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ … ﴾ الآية [الزحرف: ٧٧]، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] فيقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. ورواه الترمذيّ

стр. 8098

عن الدارميّ، وحَكَى عنه أنه قال: الناسُ لا يرفعون هذا الحديث. قال الترمذيّ: إنّما يُرْوَى عن أبي الدرداء قولَه (١). ذكر طعام أهل النَّار [وشرابهم] قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ - ٧]، والضريعُ: شوكٌ بأرض الحِجَاز، يقال له: الشِّبْرِق. وفي حديث الضحَّاك، عن ابن عبَّاس مرفوعاً: "الضَّريعُ شيءٌ يكون في النار، يقالُ: يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أمَرُّ من الصَّبر، وأنْتن من الْجيفَةِ، وأشدُّ حرّاً من النار، إذا طَعِمهُ صاحِبُه لا يَدْخُلُ البَطْنَ، ولا يَرْتَفعُ إلى الفم، فيَبْقَى بَيْن ذلك، لا يُسمن ولا يُغْني من جُوعٍ" وهذا حديث غريب جدّاً. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهم: ١٥ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٧]. وقال عبد الله بن المبارك: حدّثنا صَفْوانُ بنُ عَمْرٍو، عن عبد الله بن بُسْر اليَحْصُبيّ، عن أبي أُمَامَةَ، عن رسول الله ﷺ ، في قول الله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ قال: " يُقَرَّبُ إليه فيتكَرَّهُهُ، فإذا أُدْني منه شَوَى وَجْهَهُ، ووقعت فَرْوةُ رأسه فيه، فإذا شَرِبهُ قَطَّعَ أمعاءه، حتَّى يخرُج من دُبُرِهِ، قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ويقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] ". ورواه الترمذي عن سُوَيْد بن نَصْر، عن المبارك، به نحوه، وقال: غريب (٢). وفي حديث أبي داود الطيالسي، عن شُعْبَة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: " لوْ أنَّ قطْرةً منَ

стр. 8099

اْلزَّقّومِ قطِرَتْ في بحارِ الدُّنيا لأفسْدتْ عليهم مَعَايشُهم، فكيف بمن يكون طعَامَه؟ ". رواه الترمذي، عن محمود بن غَيْلان، عن أبي داود، وقال: حسن صحيح، ورواه النسائيّ وابن ماجه، من حديث شُعْبة، به (١). وقال أبو يَعْلى الموصلي: حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا الحسنُ بن موسى الأشْيَبُ، حدّثنا ابنُ لَهيعةَ، حدّثنا دَرَّاج أبو السَّمح، أنَّ أبا الهَيْثَم حدَّثه، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: " لَو أنَّ دَلْواً من غسَّاقٍ يُهَرَاق في الدُّنيا، لأنتن أهلُ الدنيا "، ورواه الترمذي من حديث درَّاج (٢). وعن كعب الأحبار أنّه قال: إنّ اللهَ ليَنْظُر إلى عبده يوم القيامة وهو غضبانُ، فيقول: خُذُوه، فيأخذُه مئةُ ألف مَلَك، أو يزيدون، فيَجْمعون بين ناصِيَته وقَدَمَيْهِ غَضباً منهم لغضَبِ الله تعالى، فيَسْحَبُونه على وجهه إلى النار، فالنار عليه أشدُّ غَضباً منهم بسبعين ضِعْفاً، فيستغيثُ بشَرْبة ماءٍ، فَيُسْقى شَرْبةً يسقُطُ منها لَحْمُهُ وعَصَبهُ، ثم يُكَرْدسُ في النار، فويلٌ له من النار. وعنه أيضاً أنّه قال: هل تدرون ما غسَّاقُ؟ قالوا: لا، قال: إنَّها عَيْنٌ في جَهنَّم يَسيلُ إلَيْها حُمةُ كُلِّ ذات حُمةٍ، من حَيَّةٍ أوْ عَقْرب أو غير ذلك، فيَسْتنْقعُ، ويؤتى بالآدميّ، فيُغْمسُ فيه غَمْسةً وَاحِدةً، فيَخْرُج وقد سَقَط جِلْدُهُ عن عظامه، ويُعَلَّقُ جِلْده ولَحْمُه في كَعْبَيْه، فَيَجُرُّ لحمَهُ وجلده، كما يَجُرُّ الرجُلُ ثَوْبَه. ذكر أماكن في النار وردت بأسمائها أحاديث، وبيان صحيح ذلك وسقيمه قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨ - ٩]، قيل: فأُمُّ رأسه هاوية، أي ساقطةٌ، من الهُويّ في النار، قال ابن جُرَيج: الهاوية: هي أسفل دَرْك في النار، كما ورد في الحديث: " إنَّ الرَّجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ منْ سَخَطِ اللهِ يَهْوي بها في النار أبْعَدَ ما بَيْنَ المشرق، والمغرب" (٣) وفي رواية: "سبعين خريفاً" (٤)، وقيل المراد بقوله: فأمُّه هاويةٌ، أي: الدَّرْكُ الأسْفلُ من النار، أو هي صفةُ النار من حيث هي.

стр. 8100

وقد ورد الحديثُ بما يُقَوِّي هذا المعنى، والله أعلم. قال أبو بكر أحمد بن موسى بن مَرْدَوَيهِ: حدّثنا عبد الله بن خالد بن محمد بن رستم، حدّثنا محمد بن طاهر بن أبي الدُّمَيْك (١)، حدّثنا إبراهيم بن زياد، سبلان، حدّثنا عبَّاد بن عباد، حدّثنا روْح بن المسيب: أنه سمع ثابتًا البُنَانيّ يُحدّث، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات المُؤمنُ [تلقته أرواح المؤمنين] يَسْألونَه: ما فعلَ فلان؟ ما فعلتْ فلانةُ؟ فإن كان قد مات ولم يأتهم، قالوا: خُولفَ به إلى أُمِّهِ الهاوية؟ فبئستِ الأمّ، وبئْسَتِ المرَبِّية، حتى يقولوا: ما فعل فلان؟ هل تزوّج؟ ما فعلت فلانةُ؟ هل تزوجت؟ فيقولون: دعوه يستريح، فقد خرج من كرب عظيم" (٢). وقال ابن جرير: حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا ابن ثَوْر (٣)، عن مَعْمَر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى، قال: إذا مات المؤمنُ ذُهِبَ برُوحِه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: رَوّحوا أخاكم، فإنَّه كان في غم الدُّنيا، قال: ثم يسألونه: ما فعل فلان، فيقول: مات، أوَ ما جاءكم؟ فيقولون: ذُهِبَ به إلى أُمّه الهاوية. وروى الحافظُ الضياءُ من طريق شَرِيك القاضي، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زَاذَانَ، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "القتلُ في سبيل الله يُكَفِّر الذُّنوبَ كُلَّها-" أو قال: " يُكَفرُ كُلّ ذَنْبٍ- إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدِّ أمانَتَك، فيقول: أنَّى يارَبّ وقد ذَهبتِ الدّنيا، ثلاثَ مَرَّات، فيقال: اذهَبُوا به إلى الهاوية، فيُذْهبُ به إلَيها، فيْهوي فيها حتَّى يَنْتَهيَ إلى قَعْرها، فيَجِدَهَا هناك كَهَيْئتها، فيَحْمِلُها فيضَعُها على عاتِقِه، ثُمَّ يَصْعدُ بها في نار جهنَّم حتى إذا رأى أنّه قد خرج منها زَلّت، فَهَوى في أثَرِها كذلك أبد الآبدين" قال: "والأمانةُ في الصلاة، والأمانةُ في الصوم، والأمانةُ في الوضوء، والأمانةُ في الحديث، وأشدُّ ذلك الودائعُ، قال يعني زَاذَان: فلقيتُ البَرَاءَ، فقلت: ألا تسمعُ ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. وهذا الحديث ليس هو في "المسند" ولا في شيء من الكتب الستة (٤).

стр. 8101

سجن في جهنم يقال له: بولس تقدّم ذكره في حديثٍ رواه الإمام أحمد، من حديث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي ﷺ (١). جب الحزن قال عليّ بن حرب: حدّثنا عبد الرحمن بن محمد، حدّثنا عمّار بن سيف، عن أبي مُعاذ، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "استعيذوا بالله من جُبّ الحَزَن" قالوا: وما جُبُّ الْحَزن؟ قال: "وادٍ في جَهنّم تستعيذ جهنم منه كلّ يوم أرْبعمئة مرَّة، أعدَّه الله للقرَّاء المرائين بأعمالهم، وإنَّ من أبغَض القرَّاءِ إلى الله الذين يُؤازرُون الأمراءَ الْجَوَرة". ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عمَّار بن سيف، عن أبي مُعان - وهو الصواب - به، اختصره الترمذيّ، وقال: غريب، وعنده: "مئة مرة" وبسطه ابن ماجه، وعنده: "يزورون الأمراء الْجوَرة" (٢). جب الفلق قال هُشَيم، عن العوَّام بن حوشب (٣)، عن عبد الجبَّار الخَوْلاني، قال: قَدِم علينا رجل من أصحاب النبيّ ﷺ [دمشق] فرأى ما فيه الناس من الحِرْص على الدنيا والشهوات، وما هم فيه من زينتها، فقال: وما يُغني عنهم ذلك؟ أوليس من ورائهم الفلَق، قيل له: وما الفَلَق؟ قال: جُبٌّ في النار، إذا فُتِح، هَرَّ منه أهل النار. كذا، ولم يقل: فرَّ منه أهل النار، بل هَرَّ منه، كذا ذكر ابن عساكر في ترجمة رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ . ذكر وادي لملم قال الحسن بن سُفْيَان: حدّثنا حِبَّان بن موسى، حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا يحيى بن عُبَيْد الله (٤): سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إنّ في جهنّم لَوَاديًا يُقالُ له: لَمْلَمُ، إن أوْديةَ جهَنَّم لتَسْتَعيذُ بالله من حَرّه". هذا حديث غريب.

стр. 8102

ذكر نهر فيها هو منها بمنزلة نهر القلوط (١) من أنهار الدنيا وهو مجتمع الأوساخ، والأقذار، والنَّتْن، أعاذنا الله منه. قال الإمام أحمد: حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا المُعْتَمر بن سُلَيْمان، قال: قرأت على الفُضَيْل بن مَيْسرة، عن حديث أبي حَريزٍ (٢)، أنَّ أبا بُرْدةَ حدَّثه، عن حديث أبي موسى، أن النبى ﷺ قال: "ثَلاثة لا يدخلون الجَنة: مُدْمنُ خَمْرٍ، وقَاطعُ الرحم، ومُصَدِّق بالسِّحر، ومن مات مُدْمنَ خمر، سقاهُ اللهَ من نَهْر الغُوْطةِ" قيل: وما نهرُ الغُوْطَةِ؟ قال: "نهر يَجْري من فُروج المُومِسَاتِ، يُؤذي أهْلَ النارِ ريحُ فُروجهن" (٣). ذكر وادٍ أو بئر فيها يقال له: هبهب قال أبو بكر بن أبي الدّنيا: حدّثنا أبو خَيْثمةَ، حدّثنا يَزيدُ بن هارون، حدّثنا الأزْهَرُ بن سِنان، حدّثنا محمد بن واسع، قال: دخلتُ على بلال بن أبي بُرْدَةَ، فقلت له: يا بلال، إن أباك حدّثني عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ في جَهَنَم لَوادِيًا يقال لهُ: هَبْهب، حَقًّا على الله أن يُسْكنه كُلّ جَئارٍ عَنِيد، فإياكَ يا بلال، أن تَكُونَ ممن يَسْكُنُه". وقد رواه الطبرانى من حديث سعيد بن سُلَيْمانَ، عن أزهر بن سِنانٍ، عن محمد بن واسع، أنه دخل على بلال بن أبي بُرْدَةَ بن أبي موسى، فقال له: إن أباكَ حدّثني، عن جَدّكَ، عن رسول الله ﷺ : أنّه قال: "إنَّ في جهنَّم وَاديًا، وفي الوادي بئر يقالُ له: هَبْهب، حق على الله أن يُسْكنَهُ كل جَبارٍ عنيد". تفرَّد به أزهر بنُ سنان، وقد تكلم بعضُ الحفّاظ فيه وليَّنه (٤). ذكر ويل وصعود قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، وقال تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].

стр. 8103

وقال الإمام أحمد: حدّثنا حسن، حدّثنا ابن لَهيعة؛ عن دَرَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ ، قال: "وَيْلٌ وادٍ في جَهنَم، يَهْوي فيه الكافر أربعين خَرِيفا قَبْلَ أنْ يَبْلُغ قَعْرَهُ، والصَّعُودُ جَبلٌ منْ نارٍ يَتصَعَّدُ فيه سَبْعين خَريفًا، ثم يَهْوي به كذلك فيه أبدًا". وكذا رواه الترمذيّ عن عبدِ بن حُمَيْدٍ، عن الحسن بن موسى الأشْيَب، عن ابن لَهيعَةَ، عن دَرَّاج، ثم قال: غريب لا نعرفه [مرفوعًا]، إلا من طريق ابن لَهيعَةَ. كذا قال، وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج به، وبكلِّ حال فهو حديث غريب، بل مُنْكَرٌ (١) والأظْهرُ في تفسير "ويل" أنّه ضِدّ السلامة والنجاة، كما تقول العرب: ويلٌ لهُ، ويا وَيْلهُ، ووَيْلهُ. وقد روى البزّار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابنُ مَرْدويْه، من حديث شَريك القاضي، عن عمَّار الذُهْني، عن عَطيَّةَ، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: "هو جَبَلٌ في النار، من نارٍ، يُكَلَّف أن يَصْعده، فإذا وضع يده عليه ذابتْ، فإذا رفعهما عادت، وإذا وضع رِجْلَه عليه ذابَتْ، فإذا رفعها عادتْ" (٢). وقال قتادة: قال ابن عباس: صَعُودٌ: صَخْرةٌ في جهنَّم يُسْحَبُ عَلَيْها الكافرُ على وَجْهه. وكذلك قال السُّديّ: صَخْرةٌ مَلْساءُ في جَهنَم، يُكَلَّفُ أن يَصْعَدها. وقال مجاهد: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، أي مَشَّقَة من العذاب، وقال قتادة: عذابًا لا راحةَ فيه، واختاره ابن جَرير. ذكر حيَّاتها وعقاربها أعاذنا الله منها برحمته قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وثبت في "صحيح البخاريّ" من طريق عبد الله بن دِينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صَاحب كَنْنر لا يُؤدِّي زكاته إلا مُثِّلَ له كنزُه يوم القيامة شُجاعًا (٣) أقْرَعَ (٤) له زَبيبَتانِ (٥) يَأْخُذُ بَلِهْزِمَتَيْه (٦) فيقول: أنا مالكُ، أنا كنزكُ "، وفي

стр. 8104

رواية: " يَفرُّ منه، وهو يَتْبعُه ويتَّقي منه، فيُلْقمُه يَدَه، ثم يُطَوِّقُه" وقرأ هذه الآية (١) وقد روي مثلُه عن ابن مسعود مرفوعًا (٢). وقال الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] قال: زيدوا عَقَاربَ، لها أذْناب كالنَّخْل الطِّوال. وروى البَيْهقيّ عن الحاكم، عن الأصَمّ، عن محمد بن إسحاق، عن أصْبَغ بن الفرَج، عن ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث: أنّ دَرَّاجًا أبا السَّمْح حدَّثه: أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جَزْءَ الزبَيْديّ، عن النبي ﷺ : "إنَّ في النَّارِ لَحيَّاتٍ أمْثَالَ أعناق البُخْت، يَلْسَعْن اللَّسْعة، فيجدُ حُمُوَّتَها أربعينَ خَريفًا، وإنَّ فيها لَعقاربَ كالبِغَالِ المُؤَكَّفةِ (٣) يَلْسَعْن اللسعةَ فيجدُ حُموَّتَها أربعين خريفًا" (٤). وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني محمد بن إدريس الْحَنْظليّ، حدّثنا محمد بن عُثْمانَ أبو الجُماهر، عن إسماعيلَ بن عيَّاش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَّام، حدّثني الحجَّاج بن عبد الله الثَّماليّ، وكان قد رأى النبيَّ ﷺ ، وحجَّ معه حجَّة الوداع: أن نُفَيْر بنَ مُجيبٍ، وكان من أصحاب النبيّ ﷺ وقُدَمائِهم قال: إنَّ في جهَنَّم سَبْعين ألف وادٍ، في كُلِّ وادِ سبعون ألف شِعْبٍ، في كل شِعْبٍ سبعونَ ألفَ دَارٍ، في كلِّ دارٍ سبعون ألف بَيْتٍ، في كُل بَيْتٍ سبعون ألف شَق، في كل شَق سبعونَ ألْف ثُعْبانٍ، في شِدْقِ كُل ثُعْبان سبعون ألف عَقْربٍ، لا ينتهي الكافرُ والمنافق حتّى يواقع ذلك كُلَّه. وهذا موقوف، وغريب جدًا، بل منكر نكارةً شديدةً، وسعيد بن يوسف هذا الذي حدَّث عنه به إسماعيل بن عيَّاش مجهول، والله أعلم، وبتقدير رواية إسماعيل بن عيَّاش له عن يحيى بن أبي كثير، وهو حِجازيّ، وإسماعيلُ في غير الشاميّين غيرُ مقبول، وقد ذكر هذا الأثر البُخاريّ في "تاريخه الكبير" بنحوٍ من هذا السياقِ، فالله أعلم (٥). وقد ذكر بعضُ المفسرين في تفسير غَيٍّ، وأثامٍ، أنهما واديانِ من أودية جَهنم أجارنا الله منها. وقال بعضهم في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، هو نهر من قَيْحٍ ودم.

стр. 8105

وقال عبد الله بن عمرو، ومجاهد: هو وادٍ من أودية جهنم، زاد عبد الله بن عمرو: عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهُدَى وأهل الضلالة. وروى البيهقيُّ عن الحاكم، عن الأصمّ، عن العبَّاس الدُّوريّ، عن ابن مَعين، عن هُشَيم، عن العوَّام بن حَوْشَب، عن عبد الجبَّار الخَوْلانيّ، قال: قدم علينا رجُلٌ من أصحاب النبي ﷺ دِمَشْقَ فرأى ما فيه الناسُ، يعني من الدُّنيا، فقال: وما يغني عنهم ما هم فيه من الدنيا؟ ألَيْسَ من ورائهم الفَلَقُ [قيل: وما الفلق؟ قال: جُبٌّ في النار، إذا فُتِحَ، هَرَّ منهُ أهْلُ النَّارِ. هكذا قال يحيى: هرَّ منه أهْلُ النارِ، ولم يَقُلْ: فَرَّ مِنْه ولا هرب منه] (١). وروى البَيْهقيُّ عن الحاكم، وغيره، عن الأصمِّ، عن إبراهيم بن مرزوق (٢)، بمِصْر، عن سعيد بن عامر، عن شُعْبَة، قال: كتب إليَّ منصور وقرأته عليه: عن مجاهد، عن يزيد بن شَجَرَة، وكان يزيد بن شجرة من الزُّهادِ، وكان مُعاويةُ يستعملُهُ على الجُيُوش، فخطبنا يومًا، فحَمدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناسُ، اذكروا نعمة الله عليكم، ما أحسن أثر نِعْمةِ الله عليكم! لو ترون ما أرى من بين أحمر، وأصفر، ومن كلّ لون، وفي الرِّحال ما فيها، إنه إذا أقيمت الصلاةُ فُتحت أبوابُ السماء، وأبوابُ الْجنَّة، وأبواب النار، وإذا التقى الصَّفَّان، فتحت أبواب الجنة، وأبواب النار، وزُيِّنَ الْحُورُ العِينُ فيَطَّلِعْنَ، فإذا أقبل أحدكم بوجهه على القتال وعلى الصلاة، قلن: اللهمَّ ثَبّتْهُ، اللهمَ انْصُرْه، وإذا أدْبَر احْتَجَبْنَ عنه، وقلن: اللهمَّ اغفر له، فانهكوا بوجوه القوم (٣)، فِداكُمْ أبي وأمِّي، فإنَّ أوَّل قَطْرةٍ تَقْطُر من دمِ أحدكم يَحُطُّ اللهُ بها عنه خَطَاياه، كما يَحُطّ الغُصْنُ ورَقَ الشجر، وتَبْتَدِرُه اثنتانِ من الحور العِين وتَمْسحانِ التُّراب عن وَجْهِه، وتقولان: فِدانا لَكَ، ويقول: فدانا لَكُما، فيُكْسَى مئةَ حُلَّةٍ، لو وُضعَتْ بين إصبَعيَّ هاتينِ لَوَسعَتَاهُنَّ، لَيْستْ من نَسْج بَني آدم، ولكنها من ثياب الْجنّة، إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم، وبسيماكمْ ونَجْواكم، وحُلاكُمْ ومَجالسِكُمْ، فإذا كان يومُ القيامة قيل: يا فلان، هذا نُوركَ، يا فلانُ، لا نورَ لك، وإنَّ لجهنَّم جِبابًا (٤) من سَاحِلٍ كساحل البحر، فيه هوامُّ وحَياتٌ كالبَخاتيّ، وعقاربُ كالبغال الدُّلْم أو كالدَّلَم البغال (٥)، فإذا سأل أهل النار التخفيف قيل: اخْرجُوا إلى الساحل، فتأخذُهم تلك الهَوامُّ بشِفاهِهِمْ وجُنُوبِهِم، وبمَا شاءَ اللهُ من ذلك فتكشطها (٦) فيرجعون هربًا فيبادرون إلى مُعْظم النار، ويُسلَّطُ عليهم

стр. 8106

الْجَرَبُ، حتَّى إنَّ أحدهم لَيَحُكُّ جلده حتَّى يَبْدُوَ العَظْمُ، فيقال: يا فلان، هل يُؤذيك هذا؟ فيقول: نعم، فيقال له: ذلك بما كنتَ تُؤْذي المؤمنين (١). وقال الترمذيّ، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الله الْجنَّةَ ثَلاثَ مرَّاتٍ، قالت الجنةُ: اللهمَّ أدْخلْهُ الْجنَّة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالتِ النارُ: اللهمَّ أجرْهُ من النار" (٢). وروى البيهقي عن أبي سعيد، أو عن ابن حُجَيْرة (٣) الأكبر، عن أبي هريرة، أنَّ أحدَهما حدثه عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا كان يومٌ حارٌ ألقى اللهُ سمعَه وبصرَه إلى أهْل السماء، وإلى أهل الأرض، فإذا قال العبدُ: لا إله إلا اللهُ، ما أشدَّ حَرَّ هذا اليوم! اللهمَّ أجرْني من حَرِّ نارِ جهنّم، قال الله لجهنّم: إنّ عَبْدًا من عبادي قد استجار بي منك، وإنّي أُشْهدُكِ أني قدْ أجَرْتُه منكِ، وإذا كان يومٌ شديدُ البرد ألقى الله سَمعَه وبصره إلى أهل السماء وإلى أهل الأرض، فإذا قال العبدُ: لا إله إلا الله، ما أشدّ بَرْد هذا اليوم! اللهمَّ أجِزني من زَمْهَرير جَهنَّم، قال الله تعالى لجهنم: إنَّ عَبْدًا من عبادِي قد اسْتَجارَ بي من زَمْهَريركِ، وإنِّي أُشْهِدُكِ أني قد أجَرتُه" قالوا: وما زَمْهَريرُ جَهنَم؟ قال: "قال يُلْقَى بهِ الكافرُ فيتميَّز (٤) من شدَّة البَرْد بعضُه عنْ بَعْضٍ" (٥). فصل قال القرطبي: قال العلماء: أعْلَى الدّرَكاتِ جهنَّمُ، وهي مُخْتصَّةٌ بالعُصاة من أمّة محمد ﷺ ، وهي التي تخلو منْ أهلها فتصفق الرِّياحُ أبوابَها فلا يبقى فيها أحد من أمة محمد، ويشاركهم بعض عصاة الأمم قبلهم ممن كان في التوحيد، قال: ثم لَظى، ثم الحُطمةُ، ثم السَّعيرُ، ثم سَقَر، ثم الْجَحيمُ، ثم الهاويةُ. وقال الضحاك: في الدَّرْك الأعلى المحمديُّون، وفي الثاني النصارى، وفىِ الثالث اليهود، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المَجُوسُ، وفي السادس مشركو العرب، وفي السابع المنافقون، قلت: هذه المراتب والمنازل وتخصيصها بهؤلاء مما يحتاج إثباته إلى سند صحيح إلى المعصوم الذي

стр. 8107

لا ينطق عن الهوى، أو قرآن ناطق بذلك، ولكن معلوم أنَّ هؤلاء كلّهم يدخلون النار، وكونهم يكونون على هذه الصفة والأخبار، وعلى هذا الترتيب فالله أعلم بذلك، فأما المنافقون ففي الدَّرْك الأسفل من النار بنصّ القرآن لا محالة، قال القرطبيّ: فمن هذه الأسماء ما هو علَمٌ للِنَّار كُلِّها بجُمْلتها، نحو جَهنَّم، وسعير، ولَظى، فهذه الأعلام، ليستْ لبابٍ دون بابٍ، وصدق ﵀ فيما قال. وقال حَرْملةُ، عن ابن وَهْب: أخبرني عمرو: أنَّ دَرَّاجًا أبا السَّمْح حدَّثه: أنَّه سمع عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ الزُّبَيْديّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنّ في النار لَحَياتٍ أمثالَ أعناقِ البُخْتِ، يَلْسَعْن أحدَهُم اللسعةَ فيجدُ حُموَّتها أربعين خَريفًا" (١). وقال الطبراني: حدّثنا أبو يزيد القَراطيسيّ، حدّثنا أسد بن موسى، حدّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاش، عن الربيع، عن البَرَاءَ بن عازب: أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عن قول الله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، قال: "عقاربُ أمْثالُ النَّخْلِ الطِّوالِ، تَنْهَشُهُمْ في جَهنم" (٢). وقد رواه الثوريّ عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن ابن مسعود قولَه، وتقدم (٣). وقال أبو بكر بن أبي الدّنيا: [حدّثنا شُجاعُ بن الأشْرَس، حدّثنا إسماعيلُ بن عيَّاشٍ، عن محمَّد بن عَجْلان، عن زَيْد بن أسْلَم، عن عطاء بن يَسارٍ]، عن كعْب الأحبار، قال: حَيَّاتُ جَهنَّم أمْثالُ الأوْدية، وعَقارِبُها كْأمْثالِ القلال، وإنَّ لها لأذْنابًا كأمثال الرِّماح، تلْقَى إحداهُنَّ الكافرَ، فَتَلْسَعُه فَيَتناثَرُ لَحْمُهُ على قَدَمَيْه (٤). ذكر بكاء أهل النار فيها قال أبو يَعْلَى الموصلي: حدّثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خِداش، حدّثنا محمد بن حُمَيْد (٥)، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدّثنا يزيدُ الرَّقاشيّ، عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناسُ ابْكُوا، فإنْ لم تبكوا فَتَباكَوا، فإنَ أهل النار يَبْكُونَ في النار حتى تَسيلَ دُموعُهُم في وجُوههم كأنها جَدَاوِلُ، حتى تَنْقطع الدموع، فتَسيلَ فتقزَحَ العُيونَ، فلو أن سُفُناً أُرْسلتْ فيها لَجَرَتْ"، ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش، عن يزيد الرَّقاشيّ، عن أنس، بنحو (٦).

стр. 8108

وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا محمد بن العباس، حدّثنا حمَّاد الجَزَريّ، عن زيد بن رُفَيْع (١)، رفعه، قال: "إنّ أهل النار إذا دخلوا النار بَكَوا الدموعَ زمانًا، ثم بكَوا القَيْحَ زَمانًا، فيقول لهم الخَزَنةُ: يا معشر الأشقياء، تركتُم البكاء في الدار المرحومِ فيها أهلها وتبكون في الدار التي لا يُرحم أهلها، هل تجدون اليومَ من تَسْتغيثون به؟ "قال: "فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنّة؟ يا معشر الآباء والأمَّهاتِ والأولاد والقُربات، خرجنا من القبور عِطاشًا، وكُنا طول الموقف عِطاشًا، ونحنُ اليومَ في النار عطاشٌ، فـ ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ " قال: "فيَدْعُونَ أربعين سنة لا يجيبهُم أحد، ثم يجيبهم مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ قال: "فَيَيْأسونَ من كلّ خيْر" (٢). قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال الإمامُ أحمد: حدّثنا عليُّ بن إسحاق، حدّثنا عبد الله هو ابن المبارك، أخبرنا سعيدُ بن يزيد، أبو شُجاع، عن أبي السَّمْح، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سعيد، [عن النبى ﷺ ] قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: "تَشْويهِ النارُ، فتَقلِصُ شَفَتهُ [العُلْيا]، حتَّى تَبْلُغَ وَسط رَأْسِه، وتَسْتَرْخي شَفَتهُ السُفْلى حتَّى تبلغ سرته". ورواه الترمذي عن سُوَيْد، عن ابن المبارك، به، وقال: حسن صحيح غريب (٣). وقال ابن مَرْدَوَيْهِ: حدّثنا أحمدُ بن محمد بن يحيى القَزّاز، حدّثنا الخضر (٤) بن علي بن يوسف القَطَان، حدّثنا عمُّ الحارث بن الخضر (٥) القَطَّان، حدّثنا سعيدُ بن أبي سَعيد المَقْبُريّ، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ﴾ قال: "تلفحهم لَفْحة، فتَسيلُ لحومهم على أعقابهم" (٦). أجارنا الله منها. أحاديث شتى في صفة النار وأهلها قال أبو القاسم الطبراني: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا أبو الشَّعْثاء علي بن الحسن

стр. 8109

الواسطيّ، حدّثنا خالدُ بن نافعِ الأشعري، عن سعيد بن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اجتمع أهلُ النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القِبْلَةِ، قال الكفّار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوبٌ فأُخذْنا بها" قال: "فسَمعَ اللهُ ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القِبْلَةِ فأُخْرِجُوا؟ فلمَّا رأى ذلك من بقي في النار من الكفّار قالوا: يا ليتنا كُنّا مسلمين، فنَخْرُجِ كما خَرَجُوا "قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : أعوذُ باللهِ من الشَّيْطانِ الرَّجيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ١ - ٢]. وقال الطبرانيّ: حدّثنا موسى بن هارون، حدّثنا إسحاق بن رَاهَوَيْه، قال: قلتُ لأبي أُسامة: أحدَّثكم أبو رَوقِ عَطيَّةُ بن الحارث، حدّثني صالحُ بن [أبي] طَرِيف، سألتُ أبا سعيد الخُدْريّ، فقلت له: هل سمعتَ رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾؟ قال: نعم، سمعتُه يقول: "يُخْرِجُ الله ناسًا من المؤمنين من النار بَعْدَما يَأخُذُ نِقْمته منهم" وقال: "لَمَّا أدخلهم النار مع المشركين قال لهم المشركون: تَزعمُون أنكم كنتم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم، أذِنَ في الشَّفَاعةِ لهم، فيشفع الملائكةُ والنبيُّون، ويَشْفَعُ المؤمنون، حتّى يَخرجُوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا لَيْتَنا كُنا مثلَهم، فتُدركنا الشفاعةُ، فنخرُجَ معهم " قال: "فذلك قول الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فيُسمَّون في الجنة الجهنميون (٢)، من أجل سوادٍ في وجوههم، فيقولون: يا رَبَّنا أذهب عنّا هذا الاسم، فيأمرهم، فيَغْتسلون في نهر الجنة، فيذهبُ ذلك الاسم عنهم"؟ فأقرَّ به أبو أُسامة، وقال: نعم (٣). وقال الطبراني: حدّثنا محمد بن العباس، هو الأخْرَمُ، حدثنا محمد بن منصور هو الطُّوسيّ، حدّثنا صالح بن إسحاق الجِهْبذُ، وأثنى عليه يحيى بن مَعين، حدّثنا مُعَرّف بن واصل، عن يعقوب بن أبي نُباتة، عن عبد الرحمن الأغرِّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ ناسًا منْ أهْلِ لا إله إلا الله يَدْخُلونَ النارَ بذنُوبهم، فيقول لهم أهل اللاتِ والعُزَّى: ما أغنَى عنكم قولُكم: لا إله إلا اللهُ، وأنتم مَعَنا في النَارِ؟ فيَغْضَبُ اللهُ لَهُم فيُخْرِجُهُمْ، فَيُلْقيهمْ في نَهْرِ الْحَياةِ، فيبرؤونَ من حَرَقهم، كما يَبَرأ القَمَرُ منْ كُسُوفِهِ، فيدْخُلُون الْجنَّةَ، ويُسمَّوْن فيها الْجَهَنميين "فقال رجل: يا أنس، أنتَ سمعتَ هذا من رَسُولِ الله ﷺ ؟ فقال أنس: سمعتُ رسولَ الله ﷺ

стр. 8110

يقول: "منْ كَذَبَ علىَّ مُتعَمِّدًا، فَلْيَتَبوأْ مَقْعدهُ منَ النارِ" نَعَمْ أنا سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول هذا. قال الطبرانيّ: لم يروه عن مُعَرّف بن واصل إلّا صالحُ بن إسحاقَ الجِهْبذ (١). أثر غريب وسياق عجيب قال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا أبو عبد الرحمن القُرَشي، حدّثنا طلْحةُ بنُ سنان، حدّثنا عبدُ الملك بن أبْجر (٢)، عن الشعبيّ، عن أبي هريرة، قال: يُؤْتى بجَهنَّم يَوْمَ القيَامَةِ تُقادُ بسَبْعينَ ألْفَ زِمامٍ، آخِذ بكُلِّ زِمَامِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، وَهيَ تَمايلُ عَلَيْهمْ حتَّى تُوقَفَ عَنْ يَمينِ العَرْشِ، وَيُلْقي اللهُ علَيْها الذُّلَّ يَوْمئذٍ، فيُوحي اللهُ إلَيْها: ما هذا الذُّلُّ؟ فَتقُولُ: يا رَبِّ، أخَافُ أنْ تَكُونَ لَكَ فيَّ نِقْمةٌ فيُوحي اللهُ إلَيْها: إنَّما خَلَقْتُكِ نِقْمةً، وَلَيْسَ لِي فيكِ نِقْمةٌ، فَيُوحي اللهُ إلَيْها، فتَزْفَرُ زَفرةً لا تَبْقَى دَمْعةٌ في عَيْنٍ إلَّا جَرتْ، قال: ثُمَّ تَزْفَرُ أُخرى، فلا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبيّ مُرْسلٌ إلّا صعِقَ، إلّا نَبيُّكمْ نَبيُّ الرَّحْمةِ، يقول: يا رَبِّ أُمَّتي أُمَّتي (٣). أثر آخر من أغرب الآثار عن كعب الأحبار قال الحافظُ أبو نُعَيْم الأصْبهانىّ: حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن محمَّد بن الحُسَيْن البَغْداديّ، حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن الجُنَيْد، حدّثنا عُبَيد الله بنُ محمَّد بن عائشة، حدّثَنا سَلْم الخوَّاصُ (٤)، عن فُرات بن السَّائبِ، عن زَاذانَ، قال: سمعتُ كَعْبَ الأحبَار يقول: إذا كانَ يومُ القيامةِ جَمَعَ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعيدٍ واحدٍ، فَنَزلتِ المَلائكةُ فَصَارُوا صُفُوفًا، فيقول الله تعالى: يا جبريل ائتني بجهنَم، فيَأتي بها جِبْريلُ تُقادُ بسَبْعينَ ألفَ زِمامٍ، حتى إذا كانت منَ الْخَلائقِ على قَدْرِ مئةِ عام زَفرتْ زَفْرةً طَارَتْ لَها أفْئدةُ الْخَلائقِ، ثمَّ زَفرَتْ ثانيةً، فلا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبىّ مُرْسلٌ إلا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ زَفَرَت الثَّالِثَةَ، فتَبْلُغ القُلُوبُ الْحَناجِرَ وتَذْهلُ العُقُولُ، فَيَفْزَعُ كُلُّ امْرئٍ إلى عَمَلِهِ حتَّى إنَّ إبْرَاهيمَ الْخَليلَ ﵇ يَقُولُ: بخُلَّتي لا أسْألُكَ الْيَوْمَ إلَّا نَفْسي، ويقول موسَى ﵇: بمُناجاتي لا أسألُكَ إلَّا نَفْسي، وإنَّ عيسى ﵇ لَيَقُولُ: بما أكْرَمْتني لا أسالُكَ إلَّا نَفْسي، لا أسْالُكَ مَرْيمَ التي وَلَدَتْني، ومحمَّدٌ ﷺ يقول: أمَّتي أُمَّتي لا أسْألُكَ الْيَوْمَ نَفْسي، إنَّما أسْألُكَ أُمَّتي، قال: فَيُجيبُهُ الْجَليلُ ﷻ : أوليائي منْ أُمَّتِكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهمْ ولا هُم يَحْزنُونَ، فوَعِزَّتي وَجَلالي

стр. 8111

لأُقِرَّنَّ عينَك في أمَّتِكَ، ثُمَّ تَقفُ المَلائكةُ بَيْنَ يَدي اللهِ يَنْتظرُونَ ما يُؤمَرُونَ به، فيقول لهم الربُّ تعالى وتَقَدَّسَ: معاشر الزبانية انطلقوا بالمصرِّين على الكَبَائر منْ أُمَّةِ مُحمَّدٍ إلى النَّارِ، فَقَدِ اشْتَدَّ غَضبي عَليهمْ بتَهاونِهِمْ بأمْري في دَارِ الدُّنيا، واسْتِخْفَافِهمْ بِحَقِّي، وانْتِهاكِهِم حُرْمتي، يَسْتَخفونَ منَ النَّاسِ وَيُبَارزُوني بالمعاصي مَعَ كَرامتي لهم، وتَفْضيلي إيَّاهُمْ على الأُمَمِ، ولَمْ يَعْرفُوا فَضْلي، وعِظَمَ نِعْمتي، فَعِنْد ذلك تأخُذُ الزَّبَانية بلِحى الرِّجَالِ، وذَوائبِ النِّساء، فينْطَلقُون بهم إلى النَّار، وما منْ عَبْدٍ يُساقُ إلى النَّارِ منْ غَيْرِ هَذِهِ الأمَّةِ إلَّا مُسْودًّا وَجْهُهُ، وقَدْ وُضِعَتِ الأنْكالُ (١) في قَدَمَيهِ، والأغْلالُ في عُنُقه إلَّا ما كانَ من أهل النار مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ، فإنَّهُمْ يُساقُونَ إلى النار بِألْوَانِهِمْ، فإذا وَرَدوا على مَالِكٍ قال لهم: معَاشِرَ الأشْقِيَاءِ، مِنْ أيِّ أمَّةٍ أنتُم؟ فمَا وَرَدَ عَلى أحْسَنُ وجُوهًا مِنْكُم، فيقُولُون: يا مَالِكُ، نَحْنُ منْ أُمَّةِ القُرْآنِ، فيقولُ لَهُمْ: معَاشرَ الأشْقياء أو لَيْسَ القُرآنُ أُنْزلَ عَلى محمَّد ﷺ ؟ قال: فَيَرْفَعُونَ أصْوَاتَهُمْ بالنَّحيب، والبُكاء: وامُحمَّدَاه، يا مُحمَّدُ اشْفَعْ لِمَنْ آمن بك ممن أُمرَ بهِ إلى النَّارِ مِنْ أُمَّتِكَ، قال: فَيُنادى مالك بتهدُّدٍ، وانْتهارٍ: يا مَالِكُ، منْ أمَرَكَ بمعاتبة الأشْقِيَاء، وَمُحادَثَتهمْ، والتَّوَقُّفِ عنْ إدْخالِهمِ العذاب؟ يا مَالِكُ، لا تُسودْ وُجُوههمْ، فقد كانوا يَسْجُدُونَ لي بها في دار الدنيا، يا مالكُ لا تَغُلَّهُم بالأغْلالِ، فقدْ كانُوا يَغْتسلُونَ منَ الْجَنابةِ، يا مَالِكُ، لا تُقيِّدْهُمْ بالأنْكالِ، فقدْ طافُوا حَوْلَ بَيْتيَ الحَرَامِ، يا مالِك لا تُلْبسهُم القَطِرَانَ، فقد خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ لِلإحْرَامِ، يا مَالِكُ، [مُرِ النار لا تحرق ألسنتهم، فقد كانوا يقرؤون القرآن، يا مالك] قُلْ للنارِ تَأْخُذْهُمْ على قدْرِ أعْمَالِهِمْ، فَالنَّارُ أعْرَفُ بهمْ وبمقاديرِ اسْتِحْقَاقهمْ من العذاب منَ الوَالِدَة بوَلَدِها، فمِنْهُمْ منْ تَأخذُهُ النَّارُ إلى كَعْبَيْهِ، ومنْهُمْ منْ تأخذُهُ النَّارُ إلى رُكْبَتيْهِ، ومِنْهُمْ من تأخُذُهُ النَارُ إلى سُرَّتهِ، ومنْهُمْ منْ تأخذُهُ النَّارُ إلى صَدْرِهِ، قال: فإذا انْتَقَم اللهُ منْهُمْ على قَدْرِ كَبائرِهِمْ وعُتُوِّهمْ وإصْرَارِهم، فتح بينهم وبين المشركين بابًا وهم في الطَّبَقِ الأعْلَى من النار، لا يذوقُونَ بَرْدًا ولا شَرابًا، يبكون، ويقولون: يا مُحمَّداهُ، ارحم من أُمَّتك الأشْقياءَ، واشْفَعْ لَهُمْ، فقد أكلت النارُ لُحُومَهُمْ، وعِظامهمْ وَدِماءهم، ثم ينادُون: يا رَبّاه، يا سيّداه، ارحم من لم يُشركْ بك شيئًا في دار الدُّنيا، وإن كان قد أساء وأخْطأ، وتَعذَى، فعِنْدها يقولُ المُشْركُون لهم: ما أغنى عَنْكُمْ إيمانُكُمْ باللهِ، وبمحمّد، فيَغْضبُ اللهُ لذلكَ، فيقول: يا جبريلُ، انْطَلِقْ، فَأخْرِجْ منْ في النَّارِ منْ أُمَّةِ محمَّد ﷺ ، فيُخْرجُهُم ضَبائرَ (٢)، قد امْتَحشُوا (٣)، فيُلْقيهمْ على نَهْرٍ على بابِ الْجَنَّةِ، يُقالُ لَهُ: نَهْرُ الحياة، فيَمْكُثونَ حتَّى يَعُودُوا أنْضَر ما كانوا، ثمَّ يأمرُ الله بإدخالهم الْجنَّةَ، مكتوبٌ على جِباهِهِمْ: هَؤُلاءِ الْجَهنَّميُّونَ، عُتَقاءُ

стр. 8112

الرَّحْمَنِ منْ أمَّةِ محمَّد ﷺ ، فيُعْرفُونَ من بَيْنِ أهْلِ الْجنَّةِ بذلك، فيتَضرَّعُونَ إلى الله تعالى أنْ يَمْحُوَ عَنْهُمْ تلك السِّمَةَ، فيَمْحُوها اللهُ عنهم، فلا يُعْرفونَ بها بَعْدَ ذلك منْ بَيْن أهْل الجَنّةِ. لبَعْض هذا الأثر، شواهدُ من الأحاديث، والله أعلم. وسيأتي بعد ذكر أحاديث الشفاعة ذِكر آخِر منْ يخْرُجُ منَ النار ويَدْخُلُ الْجنّةَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ذكر الأحاديث الواردة في شفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة وبيان أنواعها وتعدادها النوع الأول منها شفاعته الأولى، وهي العظمى الخاصة به من بين سائر إخوانه من النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وهي التي يرغب إليه فيها الخلق كلّهم حتى إبراهيم الخليل، وموسى [الكليم]، [ويتوسَّل الناسُ إلى آدَم، فمنْ بعده من المُرسلين، فكلٌّ يَحيدُ عنها، ويقولُ: لَسْتُ بِصَاحِبها] حتى يَنْتهيَ الأمْرُ إلى سيِّد وَلَد آدمَ في الدُّنيا والآخِرَةِ محمّدٍ ﷺ ، فيقول: [أنا لها]، أنا لها، فيذهبُ فيَشْفَعُ عند الله تعالى في أنْ يَأْتي لفصل القضاء بَيْنَ الخلق ويُريحَهُمْ مما هم فيه، ويَميز بَيْنَ مُؤمنهم وكافِرِهمْ، بمُجازاةِ المؤمنين بالجنّةِ، والكافرين بالنار. وقد ذكرنا ذلك عند تفسير قوله تعالى: في سورة (سُبْحانَ) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقد قدَّمنا في هذا الكتاب من الأحاديث الدالّةِ على هذا المقام المحمود ما فيه كفايةٌ، ولله الحمد والمِنّة. وثبت في "الصحيحين" من طريق هُشَيْم، عن سَيَّار، عن يَزيدَ الفَقيرِ، عن جَابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أُعطيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهنَّ أحَدٌ منَ الأنْبياءَ قَبْلي: نُصرْتُ بالرُّعْبِ مَسيرَةَ شهْرٍ، وَجُعِلَتْ ليَ الأرْضُ مَسْجدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ ليَ الغَنائمُ، ولمْ تَحِل لأحدٍ قَبْلي، وَأُعْطيتُ الشَّفَاعَةَ، وكان النَّبىُّ يُبْعثُ إلى قَوْمِهِ [خاصَّةً] وَبُعثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّةً (١). وقد رواه أبو داود الطيالسيُّ، عن شُعْبةَ، عن وَاصلٍ، عن مُجاهدٍ، عن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه، ورواه الأعْمشُ، عن مُجاهدٍ، عن عُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، عن أبي ذَرٍّ (٢). فقوله: "وأُعْطيتُ الشَّفَاعَةَ" يعني [بذلك] الشَّفَاعةَ العُظْمى، وهي الأُولى الَّتي يَشْفعُ فيها [عِنْدَ اللهِ ] لِفَصْلِ القَضاءَ بين العباد، ويغبطه بها الأولون والآخرون.

стр. 8113

فهذه هي الشّفاعة الّتي اخْتصَّ بها دُونَ غَيْرِه من الرسل، وأما الشفاعة في العُصَاةِ، فيشركه فيها غَيْره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين حتى القرآن والأعمال الصالحة، كما سيأتي بيان ذلك فيما نورده من الأحاديث الصحيحة وغيرها فقد ثبتت له ولغيره. وقال الأوزاعيّ، عن أبي عمَّار، عن عبد الله بن فَرُّوخٍ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: " أنَا أوَّلُ منْ تَنْشقُّ عَنْهُ [الأرْضُ]، وأؤَلُ شَافِع، وأوَّلُ مُشَفَّعٍ" (١). ورواه البيهقيُّ عن مَعْمر بن راشد، عن محمد بن عبد الله بن أبي يَعْقوبَ، عن بِشْرِ بن شَغَافٍ، عن عبد الله بن سَلامٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَم ولا فَخْرَ، وأنَا أؤَلُ منْ تَنْشق عَنْهُ الأرضُ، وأنَا أوَّلُ شَافِعِ ومُشَفع، بِيَدي لِواءُ الْحَمْدِ، تحتي آدَم، فمنْ دُونَهُ" (٢). وفي "صحيح مسلم" من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ رَبي أرْسَلَ إليَّ أنِ اقْرإ القُرْآنَ على حَرْفٍ، فرَددتُ عَلَيْهِ: يا رَبِّ، هَوِّنْ على أُمَّتي، فَرَدَّ عليَّ الثَّانيةَ: أنِ اقْرَأهُ على حرفين (٣) "قال: "قلت: يا رَبِّ، هَوِّنْ على أمَّتي، فرَدَّ عَليَّ الثّالِثَةَ: أنِ اقْرأْهُ على سَبْعةِ أحْرُفٍ، ولَكَ بِكُل رَدَّةٍ رُدِدْتَها مَسْألةٌ تَسْألنيها، فقلتُ: يا رب اللَّهُمَّ اغْفرْ لأُمَّتي، الّلهُمَّ اغْفرْ لأُمَّتي، وأخَّرْتُ الثالِثَةَ إلى يوم يَرْغبُ إليَّ فيهِ الْخَلْقُ [كُلُّهُمْ] حتى إبراهيمُ ﵇" (٤). النوع الثاني والثالث، من الشفاعة شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم، وسيّئاتُهُمْ، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام قد أُمر بهم إلى النَّارِ ألّا يَدْخُلوهَا. قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدّنيا في كتاب "الأهوال": حدّثنا سعيدُ بن محمد الجَرْميُّ، حدّثنا أبو عُبَيْدةَ الْحَدّاد، حدّثنا محمد بنُ ثابتٍ البُنَانيُّ، عن عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ اللهِ بن الحارث بن نَوْفلٍ، عن أبيه، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُنْصبُ لِلأنْبياءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَنابرُ منْ ذهبٍ، فيَجْلسُون علَيْها "قال: "وَيَبْقى مِنبري لا أجْلسُ عَلَيْهِ قَائمًا بَيْنَ يَدي اللهِ مُنْتصبًا بِاُمَّتي مَخَافَةَ أنْ يُبْعَثَ بي إلى الْجنَّةِ وَتَبْقى أمَّتي بَعْدي، فأقول: يا رَبِّ أُمَّتي، فيقولُ [اللهُ]: يا محمد، وما تُريدُ أنْ أصْنَعَ بِأُمَّتِكَ؟ فأقولُ: يا رَبِّ، عَجِّلْ حِسَابَهُمْ. فَيُدْعى بِهمْ، فَيُحاسبُونَ، فمِنْهُمْ منْ يَدْخُلُ الْجنّةَ

стр. 8114

بِرَحْمةِ اللهِ، ومنْهُمْ منْ يَدْخُلُ الْجَنة بِشَفاعتي، وما أزَالُ أشْفَعُ حتى أُعْطَى صِكاكًا بِرجَالي قَدْ بُعِثَ بِهمْ إلى النّارِ، حتّى إنَّ مَالِكًا خَازنَ النار ليَقُولُ: يا مُحمَّدُ، ما تَرَكْتَ لِغَضَبِ رَبِّكَ لأُمَّتِكَ منْ نِقْمةٍ" (١). وحدّثنا إسماعيلُ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَر (٢) بن أبي كريمة، حدّثني محمد بنُ سَلَمة (٣)، عن أبي عبد الرحيم، حدّثني زيدُ بنُ أبي أُنَيسة، عن المِنْهالِ بنِ عَمْرٍو، عن عبدِ اللهِ بن الْحَارِث، عن أبي هريرة، قال: يُحْشرُ النَّاسُ عُراةً، فَيَجْتمعونَ شَاخِصةً أبْصَارُهُمْ إلى السَّماءِ، يَنْتظرُونَ فَصْلَ القَضاءَ، قِيامًا أرْبَعينَ سَنة، فَيَنْزلُ اللهُ منَ الْعَرشِ إلى الكُرْسي، فيكونُ أوَّلَ منْ يُدْعى إبراهيمُ الْخَليلُ ﵇، فيُكْسَى قُبْطيَّتَيْنِ من الْجنَّةِ، ثم يقول: ادعوا ليَ النبيَّ الأمِّيَّ محمَّدًا، قال: "فأقُومُ، فَأُكْسى حُلّةً من ثِيَاب الجنة "قال: "وَيُفَجَّرُ لِيَ الْحَوْضُ، وَعَرْضُهُ كمَا بَيْنَ أيْلَة إلى الكَعْبةِ" قال: "فَأشْرَبُ، وَأغتَسِلُ، وَقدْ تَقطَّعَتْ أعْناقُ الخَلائقِ منَ العَطَشِ، ثمَّ أقومُ عنْ يَمين الكُرْسيِّ، لَيْسَ أحَدٌ يومئذٍ قَائمًا ذَلِكَ المَقَامَ غَيْري، ثمَّ يُقالُ: سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَعْ" قال: فقال رَجُلٌ: أتَرْجُو لِوَالِدَيْكَ شَيْئًا يا رسولَ اللهِ؟ قال: "إنِّي لَشافِعٌ لَهُما أُعْطيتُ أوْ مُنِعْتُ، وما أرْجُو لَهُما شَيْئًا". ثئمَ قال المِنْهالُ: حدّثني عبدُ الله بن الحارث أيضًا: أنَّ نَبيَّ الله ﷺ قال: "أمُرُّ بِقَوْمٍ منْ أُمَّتي قَدْ أُمِرَ بِهمْ إلى النَّارِ، فَيَقُولونَ: يا محمَّد، نَنْشُدُك الشفاعة" قال: "فآمرُ الملائكةَ أنْ يَقِفُوا بِهمْ "قال: "فَأنْطلقُ فأسْتاذنُ على الرَّبِّ ، فيؤذن لي فَأسْجدُ وأقولُ: يا رَبِّ قَوْمٌ منْ أمَّتي قَدْ أمَرْتَ بهمْ إلى النّارِ" قال: "فيقول: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ منْهُمْ" قال: "فأنْطَلِقُ، فَأخْرِج منْهُمْ منْ شَاءَ اللهُ أنْ أُخْرجَ، ثمَّ يُنادي البَاقُونَ: يا محمد، نَنْشُدُكَ الشَّفَاعةَ، فأرْجعُ إلى الرَبِّ ، فَأسْتأذنُ، فَيُؤذنُ لي، فأسْجُدُ، فَيُقالُ لي: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ" قال: "فأقُوم فَاُثْني على اللهِ ثَنَاءً لم يُثن عَلَيْهِ أحدٌ مثله، ثم أقولُ: يا رب قوم من أُمَّتي قَدْ أُمِرَ بهمْ الى النَّارِ، فيقول: انْطَلِقْ، فَأخْرِجْ منْهُمْ" قال: "فأقولُ: يا رَبِّ أخْرجُ منْهُمْ منْ قال: لا إله إلا اللهُ، ومَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ منْ إيمانٍ؟ " قال: "فيَقُولُ: يا مُحمَّدُ، لَيْستْ تِلْكَ لَكَ، تِلْكَ لي" قال: "فأنْطَلقُ فَأُخْرجُ منْ شَاءَ اللهُ أنْ أُخرج" قال: "وَيَبْقى قَوْمٌ فيَدْخُلونَ النَّارَ، فَيُعَيِّرُهُمْ أهْلُ النَّارِ فيَقُولُونَ: أنْتُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللهَ، ولا تُشْرِكُونَ بِهِ شيئًا، فما الذي أدْخَلَكُم النَّارَ"، قالَ: "فَيَحرجونَ ويحزنون من ذَلِك"، قال: "فَيَبْعثُ اللهُ مَلكًا بكَفٍّ منْ مَاء فَيَنْضحُ بها في النَّارِ التي فيها الموحدون، فلا يبقى أحد من أهل لا إله إلا الله، إلا وقعت في وجهه منها قطرة، قال: فيُعرفون بها، ويغبطهمِ أهلُ النَّارِ، ثم يَخْرُجُونَ فَيَدخُلونَ الْجنَّةَ، فيُقالُ لهمْ: انْطلقُوا، فَتَضيَّفوا النَّاسَ، فلوْ أنَّ جَميعَهُمْ نزَلوا بِرَجُلٍ واحدٍ كانَ لَهُمْ

стр. 8115

عندَهُ سَعةٌ وَيُسمَّوْنَ المُحَرَّرينَ" (١). وهذَا السِّيَاقُ يَقْتضي تَعْدادَ هَذِهِ الشفَاعة فِي مَنْ أُمِرَ بِهمْ إلى النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ألّا يَدْخُلُوها، ويَكُونُ مَعْنى قَوْله: فأخْرِجْ، أيْ أنْقِذْ، بدَليلِ قَوْله بَعْدَ ذَلِكَ: "وَيَبْقَى قَوْمٌ فَيَدْخُلونَ النَارَ"، واللهُ أعلم بالصَّوابِ. النوع الرابع من الشفاعة، شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما يقتضيه ثواب أعمالهم. وقَدْ واَفقتِ الْمُعْتزلةُ على هذهِ الشفَاعةِ خَاضةً، وخَالفُوا فيما عَدَاهَا منَ الشفاعاتِ، مع تَواتُر الأحَاديث فيها، على ما سَتَراهُ قَريبًا إنْ شاء الله تعالى. فأما دليل هذه الشفاعة، فهو ما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما من رواية أبي موسى الأشْعريّ لمَّا أُصيبَ عَمُّهُ أبو عَامِرٍ في غَزْوَةِ أوطَاس، فلمَّا أخْبَرَ أبو مُوسى رسولَ الله ﷺ بذَلِكَ، قال: فتوضأ رسولُ الله، وَرَفعَ يَدَيْهِ، وقال: "اللَّهُمَّ اغْفرْ لِعُبَيْدٍ أبي عَامِرٍ، وَاجْعَلْهُ يَوْمَ القِيامةِ فَوْقَ كَثيرٍ منْ خَلْقك" (٢). وهكذا حديث أمِّ سَلَمةَ: أن رسولَ اللهِ ﷺ دَعَا لأبي سَلَمةَ بَعْدَما تُوفيَ، فقال: "اللّهُمَّ اغْفِرْ لأبي سَلَمةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتهُ في المَهْدِيِّين، وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الْغَابرينَ، وَاغْفرْ لَنا ولَهُ يا رَبَّ العَالمينَ، وَافْسحْ لهُ في قَبْرِهِ، ونَوِّرْ لَهُ فيهِ". وهو في "صحيح مسلم" (٣). وقد ذكر القاضي عياضٌ وغيرُه، نوعًا آخر من الشفاعة وهو خامسٌ، وهي في أقوام يدخلون الْجنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَمْ أرَ لِهَذا شاهدًا فيمَا عَلِمْتُ، ولم يذكر القاضي عياضٌ له مستندًا فيمَا رَأيْتُ، ثمِّ تَذَكَرْتُ حَديثَ عُكَاشةَ بنِ مِحْصنٍ حينَ دَعا لَهُ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَجْعَلَهُ منَ السَّبعينَ ألْفًا الَذينَ يَدْخُلونَ الْجنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، والحديث مُخَرَّج في "الصحيحين"، كما تقدَّم (٤) وهو يُناسبُ هذَا المقام. وذكر أبو عبد الله القرطبيّ في "التذكرة" نوعًا سادِسًا منَ الشَّفاعةِ، وهو شَفَاعتُه في عمِّه أبي طالبٍ أنْ يُخَفَّفَ عَذَابُهُ، واستشهدَ بحدِيثِ أبي سَعيدٍ في "صحيح مُسْلمٍ" أن رسولَ اللهِ ﷺ ذُكِرَ

стр. 8116

عِنْدهُ عَمُّهُ أبو طَالِبٍ فقال: "لَعلَّهُ تَنْفَعُه شَفَاعَتي يَوْمَ القِيَامةِ، فَيُجْعل في ضَحْضَاحٍ منْ نارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلي منْهُ دِمَاغُه" (١). ثم قال: فإنْ قيلَ: فقدْ قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، قيل: لا تنفعُهُ في الخُروج منَ النَّارِ، كما تَنْفعُ عُصَاةَ المُوحِّدينَ الَّذينَ يَخْرُجُون منْها، ويَدْخلون الْجنَّةَ. النوع السابع من الشفاعة، شفاعتُه ﷺ لجَميعِ المُؤْمنينَ قَاطِبَةً في أنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ في دُخُولِ الْجنَّة، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن أنس بن مالك: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ . قال: "أنَا أؤَلُ شَفيع في الْجَنَّة" (٢). وقال في حديث الصُّور [بعد ذِكر مرور الناس على الصِّرَاط] (٣): فإذا خلص المؤمنون من الصراط، وأفْضَى أهْلُ الْجنَّةِ إلى الجَنةِ قالوا: منْ يَشْفعُ لَنا إلى رَبِّنَا فَنَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ ثم ذكر مجيء المؤمنين من نبي إلى نبي، حتى جاؤوا إلى النبي ﷺ ، قال النبي ﷺ : "فيأْتُوني ولي عند رَبِّي ثَلاثُ شَفَاعاتٍ، يعني والله أعلم خاصة به دون غيره، قال: فأنْطلقُ فآتي الجَنَّةَ فآخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِها، ثم أسْتَفْتحُ، فيقول الخازن: مَنْ أنت؟ فأقول: محمد، فيفتح لي، فأُحَيَّا، وُيرحَّبُ بي فإذا دخلت ونظرت إلى ربي سبحانه، خررت له ساجدًا، فيأذن الله تعالى لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد، ثم يقول لي: ارفع رأسك يا محمد، واشفع تُشفَّعِ، وسل تُعْطَه، فإذا رفعت رأسي قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقُولُ: يا رَبِّ وَعَدْتَني الشَّفَاعَة، فشَفِّعْني في أهْلِ الْجنّةِ، فيقولُ اللهُ : قدْ شَفَّعْتُكَ، وَأذِنْتُ لَهُمْ في دخول الْجنَّةِ … وذكر الحديث كما تقدَّم في حديث الصور. ثم ذكر بعد هذا الشفاعةَ في أهْلِ الكَبائِرِ، وهُوَ: النوعِ الثامن من الشفاعة وهو شَفاعته في أهْلِ الكبائر مِنْ أُمَّتِه ممَّنْ دَخَلَ النَّارَ بذنوبه وكبائر إثمه، فَيَخْرُجُون مِنْها. وَقَدْ تواترت بهذا النوع الأحاديثُ، وقد خَفيَ علم ذلك على الخوارج، والمُعتزلةِ، فخالفواْ في ذلك جَهْلًا منهم بصحّة الأحاديث، وعِنَادًا ممَّنْ عَلِمَ ذلك واستَمرّ على بِدْعتهِ. وهذه الشفاعة يشاركه فيها الملائكةُ والنبيُّون والمؤمنون، وهذه الشفاعة تتَكَرَّر منه صلواتُ الله وسلامه عليه [أرْبَعَ] مَرَّاتٍ.

стр. 8117

باب طرق الأحاديث وألفاظها رواية أُبي بن كعب قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا عبدُ الله بن وَضَّاحٍ، حدّثنا يحيى بنُ يَمانِ، عن شَريك، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيلٍ، عن الطُّفيلِ بن أُبَيِّ بن كَعْبٍ، عن أبَىِّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا خَطيبُ الأنْبياء يَوْمَ القِيامةِ وَإمَامُهُمْ، وَصَاحبُ شَفَاعَتِهمْ" (١). رواية أنس بن مالك ﵁ قال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا سعيدُ بنُ سُلَيْمانَ، عن منصور بن أبي الأسْودِ، عن لَيْثٍ، عن الرَّبيعِ بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " أنَا أؤَلُهُمْ خُرُوجًا، وأنا قَائدُهُمْ إذا وَفَدُوا، وأنا خَطيبُهُمْ إذا أنْصَتُوا، وَأنَا شَفيعُهُمْ إذا حُبسُوا، وأنا مُبَشَرُهُمْ إذا يئسوا، لواءُ الكَرامةِ، والمفاتيحُ يَوْمئذٍ بِيَدي، ولواءُ الْحَمْدِ يَوْمئذٍ بِيَدي، وأنا أكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ على رَبِّي، يَطُوفُ [عَلىَّ] ألفُ خادِم، كأنَهُمْ بَيْضٌ مَكْنُونٌ، أوْ كأنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ". ثم رواه عن خَلَف بن هِشَام، عن حِبَّان (٢) بنِ عَلي العَنزيّ، عن ليثِ بن أبي سُلَيْم، عن عُبَيْد اللهِ بن زَحْر، عن الرَّبيع بن أنس … فذكره مرفوعًا كما تقدَّم (٣). طريق أخرى عنه قال الإمام أحمد: حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا بِسْطامُ بنُ حُرَيْثٍ، عن أشعث الحُدَّاني، عنْ أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "شَفاعتي لأهْلِ الكبائر من أمتي". وهكذا رواه أبو داود، عن سليمان، عن بِسْطامٍ، عن أشعَثَ بن عبد الله بن جابر الحُدَّاني، عن أنس (٤). طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو بكر البزّار في "مُسنده": حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا أبو داود، حدّثنا

стр. 8118

الخَزْرَج بن عُثْمان، عن ثابت، عن أنس، [قال: قال رسول الله ﷺ ]: "شَفَاعتي لأهْلِ الكَبَائر منْ أمَّتي" ثم قال: لم يَرْوِه عن ثابت إلَّا الْخَزْرجُ بنُ عُثْمانَ (١). وهكذا روى أبو يَعْلَى مِنْ طَريق يَزِيدَ الرَّقاشِىّ، عن أنس بن مالك، ﵁، عن النَّبيّ ﷺ أنه قال: "شَفَاعتي لأهْلِ الكَبائِر منْ أمَّتي" (٢). طريق أخرى عنه قال الإمام أحمد: حدّثنا عارم، حدّثنا مُعْتمرٌ، سمعتُ أبي يُحدِّثُ، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "كُل نَبيٍّ قد سَألَ سُؤَالًا-" أو قال: "لِكُلِّ نَبىٍّ دَعْوةٌ قَدْ دَعَاهَا - فَأسْتَخْبَأْت دَعْوتي شَفَاعةً لأُمَّتي يَوْمَ القِيَامةِ" أو كما قال. ورواه البخاريُّ تَعْليقًا، فقال: وقال مُعْتمرٌ (٣) عن أبيه، وأسنده مسلم، فرواه عن محمد بن عبد الأعْلَى، عن مُعْتمرٍ، عن أبيه سُلَيْمانَ بن طرْخَانَ التيميّ، عن أنس، به نحوه (٤). طريق أخرى قال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا محمد بن يزيد العِجْليّ، حدّثنا أبو بكر بن عَيَّاش، حدّثنا حُمَيْدٌ، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا كان يَوْمُ القِيَامةِ أُنِلْتُ الشَّفَاعةَ، فأَشْفَعُ لِمَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ منْ إيمانٍ، حتى لا يَبْقَى أحدٌ في قَلْبِهِ منَ الإيمانِ مِثْلُ هَذَا" وَحرَّكَ الإبْهامَ، والمُسَبِّحةَ (٥). طريق أخرى عنه وقال أحمد: حدّثنا بَهْزٌ، وَعَفَّانُ، قالا: حدّثنا هَمَّامٌ، حدّثنا قَتَادةُ، عن أنس: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: "إنَّ لكُلِّ نَبيّ دَعْوة قَدْ دعا بها، فاستجيبت له، وإني استخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". وهذا الحديث على شرطهما. ولم يُخَرّجُوه منْ حَديثِ هَمَّامٍ (٦) وإنَّما أخرجه الشَّيْخانِ منْ حَديثِ أبي عَوَانةَ الوَضَّاحِ بن عبد الله اليَشْكُريّ، عن قتادَةَ. ثم رواه مسلم من حديث

стр. 8119

سعيد، عن قتادةَ، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَجْتَمعُ المؤْمنُونَ يومَ القِيَامةِ، فيُهمّون بذلك، أو يُلهمُونَ ذَلِكَ … " بمثل حديث أبي عَوانةَ، وقال في الحديث: "ثمَّ آتيهِ الرَّابعةَ، أو أعود الرَّابعَةَ، فأقُولُ: يا رَبِّ، ما بَقِيَ إلَّا منْ حَبَسَهُ القُرآنُ" (١). طريق أخرى عنه قال أحمد: حدّثنا عَفَّانُ، حدّثنا هَمَّام، حدّثنا قَتادةُ، عن أنسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "يُحْبسُ المُؤْمنونَ يَوْمَ القِيَامةِ فيُهمُّون لِذَلك، فيقولُونَ: لو استَشْفَعْنا على رَبِّنا فيُرِيحَنَا منْ مَكانِنَا هَذَا؟ "قال: "فيأتُون آدَمَ، فيقُولُونَ: أنْتَ أبُونَا، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وأسْجدَ لكَ مَلائكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أسْماءَ كلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنا عِنْدَ رَبِّكَ" قال: "فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويَذْكُرُ خَطيئتَهُ التي أصَابَ: أكْلَهُ منَ الشّجَرَةِ، وقدْ نُهيَ عَنْها، وَلَكن ائتُوا نُوحًا أوَّلَ نَبيٍّ بَعَثَهُ اللهُ إلى أهْلِ الأرْض" قال: "فَيَأْتُونَ نُوحًا، فيَقُولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويذْكُرُ خطيئته، سُؤاله رَبّهُ ما ليس له به عِلْم، ولكن ائتُوا إبْرَاهيمِ خَليلَ الرَّحمن. فيأْتُونَ إبراهيمَ، فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويَذْكُرُ خَطيئَتَهُ الّتي أَصَابَ: ثَلاثَ كذَباتٍ كَذبَهُنَّ: قولَهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقولَه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وأتى على جَبَّارٍ مُتْرفٍ، ومَعهُ امْرَأتهُ، فقال: أخْبريهِ أنِّي أخُوكِ، فإنِّي مُخْبرُهُ أنّكِ أُخْتي، ولكن ائتُوا مُوسى عبدًا كَلَّمَهُ اللهُ تَكْليمًا، وأعْطاهُ التَوْراة" قال: "فيأتُونَ مُوسى فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطيئته الّتي أصَابَ: وهي قَتْلهُ الرَّجُلَ، وَلكن ائتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وكَلِمة اللهِ وَرُوحَهُ" قالَ: "فَيأتُونَ عِيسَى، فيَقُولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، وَلَكن ائتُوِا مُحمَّدًا عبدًا غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ منْ ذَنْبِهِ وما تأخَّرَ" قال: "فيَأْتُوني، فأسْتأذنُ على رَبِّي في دارِهِ فيُؤذَنُ لي عَلَيْهِ، فإذا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُني ما شَاءَ اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يَقُولُ: ارفع رأسك يا محمد، وَقُلْ تُسْمعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، فَأحْمَدُ رَبِّي بِثَنَاءٍ، وتَحْميدٍ يُعَلِّمُنيهِ، ثمَّ أشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فأُخْرِجُهُمْ، فأُدْخِلُهُم الجَنَّةَ" وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "فأُخْرِجُهُمْ منَ النَّارِ وَأُدْخِلهُم الجَنَّةَ" قالَ: "ثمَّ أَسْتَأْذنُ على رَبِّي الثَّانيَةَ، فَيُؤذَنُ [لي] عَلَيْهِ، فإذا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُني ما شَاءَ اللهُ أنْ يَدَعَني، ثمَّ يَقُولُ: [ارفع رأسَك] يا محمد، وقلْ تُسمع، واشْفَعْ تُشفّعْ، [وسَلْ تُعْطَ" قال: "فأرْفَعُ رَأْسي، وأحمد رَبي بِثَنَاءٍ، وتَحْميدٍ يُعَلِّمُنيهِ، ثمَّ أشْفَعُ] فَيَحُدُّ لي حَدًّا، [فأُخْرِجُهُمْ]، فأُدْخِلُهُم الْجنَّةَ". قال هَمَّامٌ: وَسَمعْتُهُ يَقُولُ: "فأُخْرِجُهُمْ منَ النَّارِ، فأُدْخِلُهُم الْجنَّةَ" قال: "ثُمَّ أسْتاذِنُ على رَبِّي الثالثةَ، فإذا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجدًا، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أنْ يَدَعني، ثُمَّ يَقُولُ: ارفَعْ مُحمَّدُ

стр. 8120

وقُلْ تُسْمَعْ، وسَل تُعْطَ، واشفعْ تُشفَّع، فأَرْفَع [رَأْسِي]، فأَحْمدُ رَبَّي بِمحامد وثَناءٍ وَتَحْميدٍ يُعَلِّمُنيهِ، ثُمَّ أشْفَع فيحُدُّ لي حَدًّا فأخرجهم، فأُدْخِلُهُم الجنَّةَ - قال هَمَّامٌ: وَسَمعْتُهُ يَقُولُ: "فأُخْرجُهُمْ منَ النَّارِ فأُدْخِلُهُم الْجنَّةَ - فما يبقى في النار إلَّا منْ حَبَسهُ القُرآنُ" أيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ، ثمَّ تَلا قَتادَةُ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: هو المقامُ المحْمودُ الّذي وَعَدَ اللهُ نبَّيَّه ﷺ . وقد رواه البخاريّ في كتاب التوحيد مُعَلّقًا، فقال: وقال حجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ، عنْ هَمامٍ … ، فذكره بنحوه (١). طرق أُخْرى متعددِّة عنه قال البخاريُّ في كتاب التوحيد: حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا حمَّادُ بنُ زَيْدِ، حدّثنا مَعْبَد بنُ هِلال (٢) العَنَزيّ، قال: اجْتَمَعْنا نَاسٌ من أهْلِ البَصْرَةِ، فَذَهَبْنا إلى أنسِ بنِ مَالِكٍ، وَذهبنا مَعَنا ثَابتٌ البُنَانيّ يَسألُهُ لَنا عنْ حَديثِ الشَّفَاعةِ، فإذَا هُوَ في قَصْرِهِ، فَوَافقْنَاهُ يُصَلي الضُّحَى، فاسْتأذَنَّا، فأذِنَ لَنا وهُوَ قَاعدٌ على فِرَاشِهِ، فَقُلْنا لِثَابتٍ: لا تَسْألْهُ عنْ شَيءٍ أوَّلَ مِن حَديث الشَّفَاعةِ، فقال: يا أبا حَمْزةَ، هَؤلاء إخْوانُكَ منْ أهْلِ البَصْرَةِ جَاؤوا يَسْألُونكَ عنْ حَديثِ الشَّفَاعَةِ. فقال: حدّثنا محمد ﷺ ، قال: "إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامةِ مَاجَ الناسُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، فيَقُولُ: لَسْتُ لَها، وَلَكنْ [عَلَيْكُم] بإبرَاهيمَ، [فإنَّهُ خَليلُ الرَّحمَنِ]، فيَأتُونَ إبرَاهيمَ، فيَقُولُ: لَسْتُ لها، وَلَكنْ عَلَيْكُمْ بمُوسَى، [فإنَّهُ كَليمُ اللهِ]، فيَأتُونَ مُوسَى، فيَقُولُ: لَسْتُ لَها، ولَكنْ عَلَيْكمْ بعِيسَى، [فإنَّهُ رُوحُ اللهِ وكَلِمتُه]، فيَأتونَ عِيسى، فيقُولُ: لَسْتُ لَها، ولَكنْ عَلَيْكُمْ بمُحمَّدٍ ﷺ فيأتوني، فأقول: أنا لها، فأسْتأذنُ على رَبِّي فيُؤْذنُ لي، ويُلْهمُني مَحَامِد أحْمدُهُ بها، لا تَحْضُرني الآنَ، فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِد، وَأخِرُّ لَهُ سَاجدًا، فيُقالُ: يا مُحمَّد، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَع [لك]، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، فأقول: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ مِنْها منْ كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ منْ إيمانٍ، فأنْطَلِقُ، فأفْعل، ثُمَّ أعُودُ فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ المحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ لَهُ سَاجداً، فيُقالُ: يا مُحمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَك، وَقُلْ يُسمع لك، وَاشْفَعْ تُشفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، فأقول: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ: انْطلِقْ، فأخْرِجْ منْها منْ كانَ في قَلْبِهِ

стр. 8121

مِثْقالُ ذرَّةٍ أو خَرْدلةٍ منْ إيمانٍ، فأنْطلقُ، فأفْعلُ، ثُمَّ أعودُ، فَأحْمدُهُ بِتِلْك المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِر له ساجدًا، فيَقُولُ: يا مُحمَّد، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سل تُعْطه، وَقُلْ يُسْمعْ لَكَ، وَاشْفعْ تُشَفعْ، فأقولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ: انْطلقْ، فأخْرِجْ مِنْها منْ كانَ في قَلْبِهِ أدْنى أدْنى أدْنى مِثْقَالِ حَبَّة خَرْدَل منْ إيمانٍ، فأخْرِجْهُ منَ النَّارِ، فأنْطلقُ فَأفْعلُ". قال: فلمَّا خَرَجْنا منْ عِنْد أنَسٍ، قُلت لِبَعْضِ أصْحابي: لوْ مَرَرْنا بِالْحَسنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ في مَنزلِ أبي خَليفةَ، فَحَدَّثْناه بما حَدَّثَنا بهِ أنسُ بنُ مَالِكٍ ﵁، قال: فأتَيْناهُ فَسَلَّمْنا عَلَيْهِ، فأذِنَ لَنا، فَقُلْنا لَهُ: يا أبَا سَعيدٍ، جِئْناكَ منْ عِنْدِ أخيكَ أنسِ بنِ مَالِك، فلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنا في الشَّفاعَةِ، فقالَ: هيه، فَحَدَّثناهُ [بالحديث] فانْتَهَيْنا إلى هَذَا المَوْضِع فقال: هِيه. فقلنا: لم يَزِدْنا على هذا. فقال: لَقَدْ حَدّثَني وهُوَ جَميعٌ مُنْذُ عِشْرينَ سَنةً، فما أدْري أنسِيَ أمْ كَرِهَ أنْ تَتَّكلُوا؟ فقلْنا: يا أبا سَعيد، فحدِّثنا، فضَحِكَ، وقال: خُلِقَ الإنْسانُ عَجُولًا، ما ذَكَرْتُه إلَّا وأنا أريدُ أنْ أُحدِّثَكُمْ، حدّثني أنس كما حدَّثَكُمْ، ثم قال: "ثمَّ أعُودُ الرَّابعَةَ، فَأحْمَدُه بِتِلْكَ المحَامِدِ، ثمَّ أخِرُّ له ساجِدًا، فيقالُ: يا مُحمّد، ارْفعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ ائذَنْ لي في مَنْ قالَ لا إلهَ إلَّا اللهُ، فيقولُ: وعِزَّتي، وجَلالي وكِبْريَائي، وعَظمَتي، لأُخْرِجَن مِنْها مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللهُ". وهكذا رواه مسلم، عن أبي الرَّبيعِ الزّهْراني، وسَعيد بن منصور، كلاهما عن حمَّاد بن زَيْدٍ، بِهِ نَحْوَه (١). وقد رواه أحمد، [عنْ عَفّانَ]، عنْ حمَّادِ بن سَلَمة، عن ثابتٍ، عنْ أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ … ، فذكَرَ الْحَديثَ بِطُولِه، وقالَ فيه: "فأَحْمَدُ رَبِّي بمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بها أحدٌ كان قبلي، ولا يحمده بها أحد كان بَعْدي". وفيه: فأَخْرِجْ منْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ شَعيرَةٍ، ثمَّ يعُودُ فيُقالُ: مِثْقالُ بُرَّةٍ، ثمَّ يَعُودُ، فيقال: مِثْقالُ ذَرَّةٍ، ولم يذكر الرّابعة (٢). وكذا رواه البزّار، عن محمد بن بَشَّار، ومحمد بن مَعْمر، كلاهُما عن حمَّادِ بن مسعدة (٣)، عن محمّد بن عَجْلان، عن جُوثة (٤) بن عُبَيْدٍ المَدَنيّ، عن أنس بن مالك … ، فذكر الحديثَ بطوله (٥). وكذا رواه أبو يعلى من حديث الأعمش، عن يزيدَ الرَّقاشىِّ، عن أنس … ، فذكر الحديث بطوله، وذكر فيه

стр. 8122

ثلاث شَفَاعَات، وقال في آخِرِهنَّ: "فأقُولُ: أُمَّتي، فيُقالُ [لي]: لَكَ منْ قالَ: لا إله إلّا اللهُ مُخْلصًا (١). طريق أخرى قال البزّار: حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا حماد بن مسعدة، عن عمران (٢) العَمِّيِّ، عن الحسن، عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا أزالُ أشْفعُ، وأُشَفَّعُ -" أوْ قالَ: "وَيُشَفِّعُني رَبِّي حتَّى أقولَ: أيْ رَبِّ، شَفعني في منْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فيُقالُ: يا مُحمَّد، هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ، ولا لأحَدٍ، هذهِ لي، وعِزّتي ورَحْمتي لا أدَعُ في النَّارِ أحدًا يَقُولُ: لا إلهَ إلا اللهُ" ثمَّ قال: لا نَعْلَمُهُ يُرْوى إلا بهَذَا الإسنادِ. ورواه ابنُ أبي الدُّنيا عن أبي حَفْصٍ الصَّيْرَفيِّ، عن حمَّادِ بن مَسْعَدَةَ، به (٣). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا يونُس بن مُحمَّد، حدّثنا حَرْبُ بن مَيْمُون، أبو الخَطَّابِ الأنْصاري، عن النضْر بن أنس، عن أنس قال: حدّثنا نَبيُّ الله ﷺ : "إني لَقَائمٌ أنْتَظرُ أُمَّتي تَعْبُرُ الصِّرَاط، إذْ جَاءني عيسى فقال: هَذِهِ الأنْبياء قدْ جَاءَتْكَ يا مُحمَّد يسألونك-" أو قال: "يَجْتَمعُونَ إلَيْكَ- وَيَدْعُونَ الله أن يفرِّق بَيْنَ جَميع الأُمَمِ إلى حَيْثُ يَشَاء اللهُ [لِغَمِّ ما هُمْ فِيهِ]، فَالخَلْقُ مُلْجَمُونَ في العَرَق، فأمَّا المؤْمنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كالزُّكْمةِ، وأمَّا الكافِر فيغشاه الْمَوْتُ" قال: "يا عيسى، انْتَظِرْ حتَّى أرْجِعَ إليْكَ" قال: "فذهب نَبيُّ اللهِ ﷺ فقَامَ تَحْتَ العَرشِ فَلَقيَ ما لَمْ يَلْقَ (٤) مَلَكٌ مُقَرَّبٌ مُصطَفى، ولا نَبيٌّ مُرْسل، فأوْحى اللهُ إلى جبْريلَ: أنِ اذْهَبْ إلى مُحمَّدٍ، فقُل: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفعْ" قال: "فَشَفَعْتُ في أُمَّتي: أنْ أخرِجْ مِنْ كُل تِسْعةٍ وَتِسعينَ إنْسانًا وَاحدًا " قال: "فمَا زِلْتُ أتَرَدَّدُ علَى رَبِّي فلا أقوم مَقامًا إلا شُفِّعْتُ، حتى أعطاني الله منْ ذلِكَ أنْ قالَ: يا مُحمَّدُ أدْخِلْ منْ أمَّتِكَ منْ خَلْقِ اللهِ منْ شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ يَوْمًا وَاحدًا مُخْلصًا، ومَاتَ على ذَلِكَ" تفَرَّدَ به أحمدُ، وقد حَكمَ التِّرْمذيُّ بالحُسْنِ لِهَذَا الإسْنادِ (٥). وقال ابن أبي الدُّنْيا: حدّثنا أبو يُوسف القُلُوسيّ، حدّثنا عبدُ الله بن رَجَاء، أنبأنا حَرْب بن

стр. 8123

مَيْمُونٍ، حدّثني النَّضْرُ بن أنس، عن أنس، قال: جاءَ جِبْريلُ إلى النَّبيِّ ﷺ وَقَدْ حَضَرَ من أمْرِ العِبَادِ ما حَضَرَ، فقال: ادْنُ إلى رَبِّكَ فَسَلْ لأُمَّتِكَ الشَّفَاعةَ، قالَ: "فَدَنَوْتُ منْ العَرْشِ، فقُمْتُ عند العَرْشِ، فَلقيتُ ما لمْ يَلْقَ (١) نَبيُّ ولا مَلَكٌ مُقرَّبٌ، فقال: سَلْ تُعْطهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قال: أُمَّتي … " وذكر تمَامَ الحَديثِ، كَنَحْوِ ما ساقه الإمام أحمد (٢). رواية بريدة بن الحُصَيب قال ابن أبي الدُّنْيا: حدّثنا عليُّ بن معبد (٣)، حدّثنا الأسْوَدُ بنُ عَامِرٍ، حدّثنا أبو إسرائيل، عن الحَارِث بنِ حَصيرة، عن ابن بُرَيْدةَ، عن أبيه، قال: سمعتُ النبىَّ ﷺ يقولُ: "إني لأرْجُو أنْ أُشَفَّعَ عِدَّة كلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ لأُمَّتي" (٤). رواية جابر بن عبد الله قال الإمامُ أحمد: حدّثنا يَعْمَر (٥)، حدّثنا عبدُ الله (٦)، حدّثنا هِشَامٌ قال: سمعتُ الْحسنَ يَذْكُرُ عن جَابر بنِ عَبْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن لِكُلِّ نَبي دَعْوةً مُستجابة قَدْ دَعا بها، وإنِّي اسْتَخْبَأتُ دَعْوتي شَفَاعة لأمَّتي يَوْمَ القِيَامةِ". تفرَّد به أحمدُ منْ هذا الوجه (٧). طريق أخرى قال الحافظ البَيْهقىُّ: حدّثنا أبو الحسنِ مُحمَّدُ بنُ الْحُسَيْنِ بن داود العَلَويّ، حدّثنا محمدُ بنُ حَمْدَويهِ بنِ سَهْل المَرْوزيّ، أبو نَصْر الغازيُّ، حدّثنا عبدُ اللهِ بن حمَّادٍ الآملي (٨)، حدّثنا صَفْوانُ بنُ صَالِحٍ، حدّثنا الوَليدُ، حدّثنا زُهَيْرُ بن مُحمَّد، [حدّثنا جَعْفرُ بن مُحَمَّد]، عن أبيه، عن جَابرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "شَفَاعتي يَوْمَ القيَامَةِ لأهْلِ الْكَبَائر منْ أُمَّتي" فَقُلْتُ: [ما هَذا] يا جابرُ؟ قالَ: نَعَمْ، يا مُحمَّد، إنَّهُ منْ زَادتْ حَسَناتُهُ على سَيئاتِهِ فَذَلِك الَّذي يَدْخَلُ الْجنَّةَ بِغيْرِ

стр. 8124

حِسابٍ، ومنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ، فَذَاكَ الَّذي يُحاسبُ حِسابًا يَسيرًا، ثمَّ يَدْخُلُ الجنَّةَ، وإنَّما شَفَاعةُ رسول الله ﷺ : لِمَنْ أوْبقَ (١) نَفْسهُ، وأغلَقَ ظَهْرَهُ (٢). وقد رواه البيهقيُّ أيْضًا عنِ الْحاكِم، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن جَعْفر بن أحمد المزكي، عن محمّد بن إبراهيم العَبْديّ، عن يعقوب بن كَعْب الحَلَبىّ، عن الوليد بن مُسْلم، عن زُهَيْر بن محمد، عن جَعْفر بن مُحمّد، عن أبيه، عن جابر: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ تلا: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ثم قال رسول الله ﷺ : "شَفَاعتي لأهْلِ الكَبَائرِ منْ أُمَّتي" قال الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحٌ (٣). قال البَيْهقيُّ: وظاهرُهُ يُوجبُ أنْ تَكُونَ الشَفاعةُ في أهْل الكَبَائِر مُخْتصَّةً برسولِ الله ﷺ ، والمَلائكةُ إنَّما يَشْفعُونَ في أهْلِ الصَّغَائر وَزيادةِ الدَّرَجاتِ، وَقَدْ يَكُونُ المُرَادُ منَ الآيةِ بَيانَ كَوْنِ المَشْفُوعِ [فيهِ] مُرتضىً بإيمانِهِ، وإنْ كانتْ لهُ كَبائرُ وذُنُوبٌ دُونَ الشِّرْك، فيكونُ المرادُ بالأية نفي (٤) الشَّفَاعة لِلكفّارِ، لأنّ اللهَ لم يأذن فيها، ولمْ يَرْضَ اعْتِقَادَهُم. طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا ابنُ جُرَيْج، أخْبَرَني أبو الزُّبَيْر: أنَّهُ سَمِعَ جَابرَ بن عَبْدِ اللهِ يقول: لِكُل نَبيٍّ دَعوةٌ مُستجابةٌ قدْ دَعَا بِها في أمَّتِه، وخَبَأتُ دَعْوَتي شَفَاعةً لأُمَّتي يَوْمَ القِيَامةِ" يَعْني النبيّ ﷺ . ورواه مسلم عن مُحمّد بن أحْمَد بن أبي خَلَف، عن رَوْح بنِ عُبَادةَ، به (٥). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا أبو النَّضْر، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا أبو الزُّبَيْر، عن جَابرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مُيِّزَ أهْلُ الجَنّةِ وَأهْلُ النَّارِ، فَدَخَلَ أهْلُ الْجَنَّةِ الْجنّة، وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، قَامَت الرُّسُلُ، فَشَفعُوا، فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا أو اذهبوا، فَمنْ عَرَفْتُمْ فأخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدِ امْتَحشُوا فَيُلْقُونهُمْ في نَهْرٍ، أوْ على نَهْرٍ، يُقالُ لَهُ: نهر الْحَياة" قالَ: [فَيسْقُطُ مُحَاشُهُمْ على حَافَتَي النَّهْرِ، وَيَخْرُجُونَ بِيضًا كالثَّعَارير (٦)، ثمَّ يَشْفَعُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا أوِ انْطَلِقُوا فَمنْ وَجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ قِيراطٍ

стр. 8125

منْ إيمانٍ فأخْرِجُوه" قال: "فَيُخْرجونَ بَشَرًا، وَيَشْفعونَ، فيَقُولُ: اذْهَبُوا أو انْطَلِقُوا، فمنْ وَجَدْتُم في قَلْبِهِ مثقال حَبةٍ منْ خَرْدَلٍ منْ إيمان فأخرجوه" قال: "فيخرجون بشرًا ثمَّ يَقُولُ اللهُ تعالى: أنا الآن أخْرِجُ بِعِلْمي وَرَحْمتي، فَيُخْرجُ أضْعَافَ ما أخْرَجُوا، وَأضْعَافَهُ، فَيُكْتبُ في رِقَابِهمْ: عُتَقاءُ اللهِ ثمَّ يَدْخُلونَ الْجنَّةَ فَيُسَمَّوْنَ فِيها الْجَهنَّمِيِّين". تفرَّد به أحمد (١). طريق أخرى قال ابن أبي الدُّنْيا: حدّثنا عليُّ بنُ الْجَعْدِ، حدّثنا القاسمُ بنُ الفَضْلِ الحُدَّاني (٢)، حدّثني سعيدُ بنُ المُهلَّب، قال: قال طَلْقُ بنُ حَبيبٍ: كُنْتُ منْ أشَدِّ النَّاسِ تَكْذِيبًا بالشَّفَاعَةِ، حتَّى لَقيتُ جَابرَ بن عَبْدِ اللهِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كلَّ آيةٍ أقْدِرُ عَلَيْها في الشفاعة، وكل آية فيهَا ذِكْرُ خُلودِ أهْلِ النَّارِ، فقالَ لي: يا طَلْق (٣) أتُرَاكَ أقْرَأَ لِكتابِ اللهِ وَأعْلَم بِسُنَّة نَبيِّه منِّي؟ قُلْتُ: لا، قال: إنَّ الَّذي قَرَأْتَه هُمُ المُشْركُونَ، وَلَكن هَؤلاءِ قَوْم أصَابُوا ذُنوبًا عُذبُوا بها، ثُمَّ أخْرِجُوا منَ النَّارِ، ثمَّ أوْمأ بِيَديه إلى أُذُنَيْه، ثُمَّ قالَ: صَمَّتا، إنْ لمْ أكُنْ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ وَنَحْنُ نَقْرَأ الَّذي تَقْرأ (٤). حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال أحمد: حدّثنا الحَكَم بنُ نافعٍ (٥)، حدّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن رَاشدِ بن دَاودَ الصَّنْعَانيّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن حَسَّانَ، عن رَوْحِ بنِ زِنْباعٍ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، قالَ: فَقَدَ النبيَّ ﷺ لَيْلةً أصْحَابُهُ، وكانُوا إذا نَزَلوا أنْزَلوهُ وسْطَهُمْ، ففَزِعُوا وَظنُوا أنَّ الله ﵎ اختار له أصحابًا غيْرَهُمْ، فإذا هُمْ بِخَيالِ النبيِّ ﷺ ، فَكَبَّرُوا حينَ رَأَوْهُ، وقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أشْفَقْنا أنْ يَكُونَ اللهُ ﵎ اخْتارَ لَكَ أصحابًا غَيْرنا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا، بَلْ أنْتُمْ أصْحَابي في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، إنَّ الله تعالى أيْقَظَني، فقال: يا مُحمَّدُ، إني لمْ أَبْعثْ نَبيًا، ولا رَسُولًا إلَّا وقدْ سَألَني مَسْألةً أعْطَيْتُها إيَّاهُ، فَسَلْ يا مُحمَّدُ تُعْطهْ، فَقُلْتُ: مَسْألَتي شفاعة لأمَّتي [يوم القيامة] " فقال أبو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللهِ، ومَا الشَّفَاعةُ؟ قال: "أقولُ: يا رَبِّ شَفَاعَتي الَّتي اخْتَبَأتُ عِنْدَكَ، فيَقُولُ
следующие страницы →