← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

السهيلي (١) أنهما ولدا في يوم واحد، وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية، ويقال: إنها تفلت في فم كلٍّ منهما فورثا (٢) الكهانة عنها، وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدِّم ذِكره. والله أعلم. قال محمد بن إسحاق (٣): وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا هائلة (٤) هالته وفظِع بها (٥)، فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا مُنجّمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظِعت بها فأخبروني بها وبتأويلها. فقالوا: اقصُصْها علينا نخبرْك بتأويلها. فقال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها لأنه لا يعرف تأويلها إلا مَن عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شِق وسَطيح فإنه ليس أحدٌ أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث إليهما، فقدم إليه سَطيح قبل شِق، فقال له: إني قد (٦) رأيت رؤيا هالتني وفظِعت بها، فأخبِرْني بها، فإنك إن أصبتَها أصبتَ تأويلَها. فقال: أَفْعَلُ. رأيت حُمَمة خرجتْ من ظُلُمة (٧). فوقعت بأرض تهَمة. فأكلت منها كلُّ ذاتِ جُمْجُمة. فقال له الملك: ما أخطأتَ منها شيئًا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرَّتين من حَنَش لتهبطنّ أرضَكُم الحَبَش، فليملكنّ ما بين أَبْيَن إلى جُرَش. فقال له الملك: يا (٨) سطيح إن هذا لنا لَغائظٌ موجعٌ، فمتى هو كائن، أفي زماني أم بعده؟ فقال: لا (٩) بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين (١٠)، يمضين من السنين. قال: أفيدوم ذلك من سلطانهم (١١) أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يُقتلون ويخرجون منها هاربين. قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يلية (١٢) إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك منهم أحدًا باليمن (١٣). قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم

стр. 842

ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي، يأتيه الوحي، من قبل العلي. قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يومٌ (١) يُجمع فيه الأولون والآخرون، يَسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقٌّ ما تخبرني؟ قال: نعم، والشَّفقِ والغسقِ، والفلق إذا اتّسق، إن ما أنبأتك به لحق. قال ثمّ قدم عليه شِق، فقال (٢) له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيحٌ لينظر أيتّفقان أم يختلفان. قال: نحم، رأيتَ حُمَمة، خرجت من ظُلمة، فوقعت بين روضة وأكَمة، فأكلت منها كلَّ ذاتِ نسمة. فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا، وأن قولهما واحدٌ، إلّا أن سَطيحًا قال: وقعت بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جُمْجُمة. وقال شق: وقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلّ ذات نسمة. فقال له الملك: ما أخطأت يا شق منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان. لينزلنَّ أرضَكُم السودان، فليغلِبُنَّ على كل طَفْلَةِ البَنان، وليملكن ما بين أَبْيَن إلى نَجران. فقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجعٌ، فمتى هو كائن، أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بزمان. ثم يستنقذكم منهم عظيمٌ ذو شأن، ويذيقهم أشد الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدَني ولا مُدَن (٣) يخرج عليهم (٤) من بيت ذي يَزَن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل (٥) ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين (٦) أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يُجزَى فيه الوُلاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، تسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع الناس فيه للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال: أحق ما تقول؟ قال: إي وربِّ السماء والأرض، وما بينهما من رفْعٍ وخفض، إن ما أنبأتك به لحقُّ (٧) ما فيه أَمْض. قال ابن إسحاق: فوقع في نفس (٨) ربيعة بن نصر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما

стр. 843

يصلحهم وكتب لهم (١) إلى ملك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خُرَّزاذ، فأسكنهم الحِيرة (٢). قال ابن إسحاق: فمن بقية ولد (٣) ربيعة بن نصر النعمانُ بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. يعني الذي كان نائبًا على الحِيرة لملوك الأكاسرة، وكانت العرب تَفِدُ إليه وتمتدحه. وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس. وقد روى ابن إسحاق (٤) أن امير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جُبير بن مُطْعِم عنه ممن كان، فقال: من أشلاء قُنُص بن معد بن عدنان. قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان. * * *

стр. 844

قصّة تُبَّع أَبي كرب تُبَّان أسعد ملك اليمن مع أهل المدينة (١)، وكيف أراد غزو البيت الحرام، ثمّ شرَّفه وعظَّمه وكساه الحُلل، فكان أوّل من كساه قال ابن إسحاق (٢): فلما هلك ربيعة بن نصر، رجع مُلك اليمن كلُّه إلى حسّان بن تُبَّان أسعد أبي كَرب -وتُبَّان أسعد تبع الآخر -بن كلكيكرب (٣) بن زيد، وزيد تُبَّع الأول بن عمرو ذي الأَذْعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كعب كَهْف (٤) الظُّلْم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطَن بن عَرِيْب بن زهير بن أنس (٥) بن الهَمَيْسع بن العَرَنجج، والعَرَنجج هو حِمير بن سبأ الأكبر بن يَعْرُب بن يَشْجُب بن قحطان. قال عبد الملك بن هشام: سبأ بن يشجب (٦) بن يعرب بن قحطان (٧). قال ابن إسحاق: وتُبَّان أسعد أبو كَرِب هو الذي قدم المدينة، وساق الحبرين (٨) من اليهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه، وكان ملكه قبل [مُلْك] (٩) ربيعة بن نصر (١٠)، وكان قد جعل طريقه -حين رجع من غزوة بلاد المشرق- على المدينة (١١)، وكان قد مر بها في بَدْأَته فلم يَهِجْ أهلَها، وخلَّف بين أظهرهم ابنًا له، فقُتِل غِيْلة، فقدِمَها وهو مُجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها، فَجَمَعَ له

стр. 845

هذا الحيُّ من الأنصار ورئيسُهم عَمْرو بن طَلحة (١) أخو بني النجّار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول، واسم مَبْذول (٢): عامر بن مالك بن النجار، والنجار هو (٣): تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن (٤) عمرو بن عامر. وقال ابن هشام: عمرو بن طَلّة هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار، وطَلَّة أُمُّه، وهي بنت عامر بن زُرَيق (٥) الخزرجية. قال ابن إسحاق (٦): وقد كان رجل من بني عدي بن النجار، يقال له: أحمر، عدا على رجل من أصحاب تُبَّع (٧) وَجَدَه يَجُدُّ عَذْقًا (٨) له فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أَبَّرَه (٩)، فزاد ذلك تُبعًا حنقًا عليهم، فاقتتلوا. فتزعَم الأنصارُ أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويَقْرُونه (١٠) بالليل، فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام. وحكى ابن إسحاق عن الأنصار أن تُبَّعًا إنما كان حنقه على اليهود أنهم منعوهم منه. قال السهيلي (١١): ويقال إنه إنما جاء لنصرة الأنصار أبناءِ عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم (١٢). والله أعلم. قال ابن إسحاق: فبينا تُبَّع على ذلك من حربهم (١٣) إذ جاءه حَبْران من أحْبار اليهود من بني قُريظة (١٤)

стр. 846

عالمان راسخان، حين سمعا بما يُريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا (١) له: أيها الملك لا تفعلْ فإنك إن أبيت إلا ما تريد حِيْل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل (٢) العقوبة. فقال لهما: ولم ذلك؟ قالا: هي مُهاجَرُ نبيّ يخرج من هذا الحرَم من قُريش في آخر الزمان، تكون دارَه وقرارَه. فتناهى عن ذلك (٣) ورأى أن لهما علمًا، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة واتّبعهما على دينهم (٤). قال ابن إسحاق: وكان تُبَّع وقومُه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجَّه (٥) إلى مكة، وهي طريقه إلى اليمن، حتى إذا كان بين عُسْفان وأَمَج (٦) أتاه نفرٌ من هذيل بن مُدْركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان فقالوا له: أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثرٍ أَغْفَلَتْه الملوكُ قبلكَ، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيتٌ بمكة يعبده أهله ويصلّون عنده. وإنما أراد الهذليون هلاكَه بذلك لما عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك وبَغَى عنده. فلما أجمع لما قالوا (٧) أرسلَ إلى الحَبْرَيْن فسألهما عن ذلك. فقالا له: ما أراد القومُ إلّا هلاكَك وهلاكَ جُنْدك، ما نعلم بيتًا لله اتخذ (٨) في الأرض لنفسِه غيرَه، ولئن فعلتَ ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن مَن معك جميعًا. قال: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدِمْتُ عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهلُه، تطوفُ به وتعظّمه وتكرّمه، وتَحلق رأسَك عنده، وتَذَلّلُ (٩) له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أما (١٠) والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، ﵇، وإنه لكَما أخبرناك، ولكنّ أهلَه حَالُوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها (١١) حوله وبالدماء التي يهريقون عنده، وهم نَجَس أهل شرك، أو كما قالا له. فعرف نُصْحَهما وصِدْقَ حديثهما، وقرَّب النفرَ من هُذيل فقطع أيديهم وأرجلَهم، ثم مضى حتى قدم

стр. 847

مكة، فطاف بالبيت، ونحر عنده، وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام - فيما يذكرون - ينحر بها للناس ويُطِعم أهلَها ويسقيهم العسل. وأُرِيَ في المنام أن يَكسو البيتَ، فكساه الخَصَف (١) ثم أُرِيَ في المنام أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافِريَّ (٢)، ثم أُرِيَ أن يكسوه أحسن من ذلك. فكساه المُلاءَ والوصائل (٣)، فكان تُبع - فيما يزعمون - أولَ من كسا البيتَ وأوصى به وُلاتَه من جُرْهم، وأمرهم بتطهيره وأن لا يُقرّبوه دمًا ولا مِيتة ولا مِئْلاة - وهي المحايض (٤) - وجعل له بابًا ومفتاحًا. ففي ذلك قالت سُبَيْعة بنت (٥) الأحَبِّ تُذَكّر ابنَها خالد بن عبدِ مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وتنهاه عن البغي بمكة، وتذكر له ما كان من أمر تُبّع فيها: أبُنيّ لا تَظِلمْ بمكـ … ـــةَ لا الصغيرَ ولَا الكَبيرْ واحفَظْ محارِمَها بُنَـ … ــيّ ولا يغرَّنْك الغَرورْ أبنيّ من يَظلمْ بمكـ … ـــةَ يلقَ أطرافَ الشُّرور أبُنيّ يُضرَبْ وجهُه … ويلحْ بخدّيهِ السَّعير (٦) أبنيّ قد جرّبتُها … فوجدتُ ظالمَها يَبور (٧) اللهُ آمَنها وما … بُنيتْ بِعَرْصَتها قُصور واللهُ آمَن طَيرَها … والعُصْمُ تامَنُ في ثَبِير (٨) ولقدْ غزَاها تُبّع … فكَسا بنيّتها الحبير وأذلّ ربي مُلْكَه … فيها فأوفى بالنّذُور يمشي إلَيها حافيًا … بفِنائها ألفا بعير

стр. 848

ويظلّ يُطعمُ أهلَها … لحمَ المهارَى والجزَوز (١) يسقيهمُ العسَلَ المصفـ … ــــــــفى والرَّحِيضَ من الشّعير (٢) والفيلُ أهلكَ جيشَه … يُرمون فيها بالصّخور والملْك في أقصَى البلا … دِ وفي الأعاجمِ والخُزير (٣) فاسمع إذا حُدّثت وافْـ … ــــهمْ كيفَ عاقبةُ الأُمور (٤) قال ابن إسحاق: ثم خرج تُبّع متوجّهًا إلى اليمن بمن مَعه من جنوده (٥) وبالحَبْرَين، حَتَى إذا دخل اليمن، دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبَوْا عليه حتى يحاكموه (٦) إلى النار التي كانت باليمن. قال ابن إسحاق: حدّثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي (٧) مالك القُرَظي، قال (٨): سمعتُ إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدِّث أن تُتبَّعًا لما دنا من اليمن ليَدْخلها جالت حِمْير بينه وبين ذلك وقالوا: لا تدخلها علينا وقد خالفت (٩) ديننا، فدعاهم إلى دينه وقال: إنه خيرٌ من دينكم. قالوا: تُحاكمتا (١٠) إلى النار؟ قال: نعم. قال: وكانت باليمن - فيما يزعم أهل اليمن - نارٌ تحكم بينهم فيما يختلفون فيه؛ تأكل (١١) الظالم ولاتضر المظلوم، فخرج قومُه بأوثانهم وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحَبْرَان بمصاحفهما في أعناقهما متقلّدين حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منها، فخرجت النارُ إليهم، فلما خرجت (١٢) نحوهم حادوا عنها وهابوها، فزجرهم (١٣) من حَضَرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها، فصبروا حتى غَشِيتْهم، فأكلت الأوثانَ وما قرّبوا معها، ومَن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحَبران بمصاحفهما في أعناقهما تَعْرَق جاهُهما لم (١٤) تضرهما،

стр. 849

فأصفقت (١) عند ذلك حمير على دينه (٢)، فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن. قال ابن إسحاق: وقد حدّثني مُحدِّث أن الحَبْرَيْن ومَن خرج من حِمْير إنما اتَّبعوا النار ليردُّوها، وقالوا: من ردّها فهو أولى بالحق، فدنا منها رجال حِمير بأوثانهم ليردُّوها، فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردّها، ودنا (٣) منها الحَبْران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وتنكص (٤) عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حِمير على دينهما. والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: وكان رِئام بيتًا لهم يعظِّمونه وينحرون عنده ويكلَّمون منه (٥) إذ كانوا على شركهم. فقال الحبران لِتُبّع: إنما هو شيطان يفتنهم بذلك (٦) فَخَلِّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبًا أسود، فذبحاه، ثم هَدَما ذلك البيت، فبقاياه اليوم كما ذُكر لي بها آثار (٧) الدماء التي كانت تهراق عليه (٨). وقد ذكرنا في التفسير الحديث الذي ورد عن النبي ﷺ : "لا تسبوا تُبّعًا فإنّه قد كان أسلم" (٩) قال السهيلي (١٠): ورَوى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبُّوا أسعد الحميري فإنه أوّل من كسا الكعبة" (١١). قال السهيلي (١٢) وقد قال تُبَّع حين أخبره الحبران عن رسول الله ﷺ شعرًا: شهدْتُ على أحمدٍ أنه … رسولٌ منَ الله باري النسم فلو مُدَّ عمري إلى عُمره … لكنتُ وزيرًا له، وابنَ عم وجاهدت بالسيف أعداءَه … وفرّجتُ عن صدرِه كلَّ هم (١٣)

стр. 850

قال: ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الأنصار ويحفظونه بينهم، وكان عند أبي أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه. قال السهيلي (١): وروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور أن قبرًا حُفر بصنعاء، فوُجد فيه امرأتان معهما (٢) لوحٌ من فضة مكتوب فيه بالذهب (٣)، وفيه: هذا قبر لَميس وحُبَّى ابنتي تُبَّع ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (٤)، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تُبَّان أسعد، وهو أخو اليمامة الزرقاء التي صُلبت على باب مدينة جَوّ، فسميت من يومئذ اليمامة. قال ابن إسحاق (٥): فلما ملك ابنه حسان بن أبي كرب تبَّان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم (٦) أرض العرب وأرض الأعاجم، حتى إذا كان (٧) ببعض أرض العراق (٨) كرهت حِمير وقبائل اليمن السير معه، وأراداو الرجعة إلى بلادهم وأهليهم، فكلّموا أخًا له يقال له: عمرو، وكان معه في جيشه، فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملّكك علينا، وترجع بنا إلى بلادنا. فأجابهم. فاجتمعوا (٩) على ذلك إلا ذا رُعين الحِميري فإنه نهى عَمرًا عن ذلك، فلم يقبل منه، فكتب ذو رعين رُقعة فيها هذان البيتان: أَلا مَن يَشْتري سَهَرًا بنومٍ … سعيدٌ مَن يبيتُ قَريرَ عَيْن فإما حِميَرٌ غدَرتْ وخانَت … فمعذرةُ الإله لِذي رُعَين (١٠) (١١) ثمّ استودعها عمرًا. فلما قَتَل عمرٌو أخاه حسان ورجع إلى اليمن، مُنع منه النوم، وسُلّط عليه السهر، فسأل الأطباء والحُزاه (١٢) من الكهّان والعرّافين عما به، فقيل له: إنه والله ما قَتلَ رجلٌ أخاه قط

стр. 851

أو ذا رَحم بغيًا (١) إلا ذهب نومه وسُلِّط عليه السهر، فعند ذلك جعل يقتل كل (٢) من أمره بقتل أخية (٣)، فلما خلص إلى ذي رُعين قال له: إن لي عندك براءة. قال: وما هي؟ قال: الكتاب الذي دفعتُه إليك. فأخرجه فإذا فيه البيتان، فتركه ورأى أنه قد نصحه. وهلك عمرو، فمرج أمرُ حمير عند ذلك وتفرَّقوا. * * * وثُوبُ لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن وقد ملكها سبعًا وعشرين سنة. قال ابن إسحاق (٤): فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له: لَخْنِيْعَة ينوف ذو شَناتر، فَقَتَل خيارَهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم (٥)، وكان مع ذلك امرأً فاسقًا يعمل عَمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مَشْرَبة (٦) له قد صنعها لذلك لئلا يَملِك بعد ذلك، ثم يَطْلعُ من مشربته تلك إلى حرسه ومن حَضَر من جنده قد (٧) أخذ مِسواكًا فجعله في فِيه ليُعْلِمهم أنه قد فرغ منه. حتى بعث إلى زُرْعة ذي نواس بن تُبان أسعد أخي حسن وكان صبيًا صغيرًا حين قُتل أخوه حسان، ثمّ شبَّ غلامًا جميلًا وسيمًا ذا هيئةٍ (٨) وعقلٍ، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه، فأخذ سكِّينًا حديدًا (٩) لطيفًا، فخبّأه بين قدميه (١٠) ونعله، ثمّ أتاه، فلما خلا معه وَثَب إليه، فواثبه ذو نواس فَوَجَأَه حتى قَتَله، ثُمّ حزَّ رأسه فوضعه في الكُوَّة التي كان يُشرف منها، ووضع مسواكه في فيه، ثمّ خرج على الناس فقالوا له: ذا نواس أَرُطَبٌ أَمْ يَباس؟ فقال: سَلْ نحماس (١١)

стр. 852

اسْترطُبان ذو نواس، استرطبان لا باس، فنظروا إلى الكُوَّة فإذا رأس لَخنيعة مقطوع، فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغي أن يملكنا غيرُك إذ أَرَحْتنا من هذا الخبيث، فملّكوه عليهم، واجتمعت (١) عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، وتَسَمَّى يوسف، فأقام في مُلكه زمانًا. وبنجران (٢) بقايا من أهل دين عيسى بن مريم ﵇ على الإنجيل، أهل (٣) فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأسٌ يقال له: عبد الله بن الثامر (٤). ثِمّ ذكر ابن إسحاق (٥) سبب دخول أهل نجران في دين النصارى، وأن ذلك كان على يدي رَجُل يقال له: فيْمِيُون كان من عُبّاد النصارى بأطراف الشام، وكان مجاب الدعوة، وصَحِبه رجلٌ يقال له: صالح، فكانا (٦) يتعبَّدان يوم الأحد، ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء، وكان يدعو للمرضى والزَّمْنَى (٧) وأهلِ العاهات فيشفون، ثمّ استأسره وصاحِبَه بعضُ الأعراب، فباعوهما بنجران، فكان الذي اشترى فَيْميون يراه إذا قام في مُصَلَّاه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلئ عليه البيت نورًا، فأعجبه ذلك من أمره، وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلَّقون عليها حُليَّ نسائهم ويعكفون عندها، فقال فيميون لسيده: أرأيتَ إن دعوتُ الله على هذه الشجرة فَهَلَكَتْ أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل؟ قال: نعم. فجمع له أهل نجران، وقام فيميون إلى مُصَلاّه، فدعا الله عليها، فأرسل الله عليها قاصفًا (٨) فجعفها من أصلها ورماها إلى الأرض، فاتَّبعه أهل نجران على دين النصرانية، وحملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت (٩) على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب.

стр. 853

ثمّ ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر (١) حين تنصَّر على يدي فيميون، وكيف قتله وأصحابه ذو نواس، وخَدَّ لهم الأخدود - وقال ابن هشام: وهو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندقَ (٢) - وأجّج فيه النار وحرقهم بها، وقتل آخرين حتى قَتَل قريبًا من عشرين ألفًا، كما قدّمنا ذلك مبسوطًا في أخبار بني إسرائيل، وكما هو مستقصى في تفسير سورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ من كتابنا "التفسير" (٣) ولله الحمد. * * * ذكر خروج المُلْك باليمن من حِميَر وصيرورته إلى الحبشة السودان (٤) كما أخبر بذلك شِقٌّ وسَطيح الكاهنان. وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجلٌ واحدٌ (٥) يقال له دوس ذو ثعلبان على فَرَس له، فَسَلك الرمْلَ (٦)، فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصرَ صاحب الروم (٧)، فاستنصره على ذي نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، وذلك لأنه نصراني على دينهم. فقال له: بعدت بلادك منا، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك. فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره. فقَدِم دَوْس على النجاشي بكتاب قيصر، فبعث معه سبعين ألفًا من الحبشة، وأمَّر عليهم رجلًا منهم يقال له: أرياط ومعه في جنده أبرهة الأشرم، فركب أرياطُ البحرَ حتى نزل ساحل (٨)، اليمن، ومعه دوس، وسار إليه ذو نواس في حِمْير ومَن أطاعه من قبائل اليمن. فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضَحْضاحُ (٩) البحر حتى أفضى به إلى غَمْرِه فأدخله فيه (١٠)، فكان آخر العهد به، ودخل أرياط اليمن فملكها (١١).

стр. 854

وقد ذكر ابن إسحاق هاهنا (١) أشعارًا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة، وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة، ولكن تركنا إيرادها خشية الإطالة، وخوف الملالة. وبالله المستعان. * * * ذكر خروج أبرهة الأشرم على أرياط واختلافهما، واقتتالهما، وصيرورة ملك اليمن إلى أبرهة بعد قتله أرياط (٢) قال ابن إسحاق (٣): فأقام أرياط بأرض اليمن سنين (٤) في سلطانه ذلك، ثمّ نازعه أبرهة حتى تفرقت الحبشة بينهما (٥). فانحاز إلى كل منهما طائفةٌ، ثم (٦) سار أحدهما إلى الآخر. فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لا تصنع (٧) بأن تلقى الحبشةُ بعضُها ببعض حتى تفنيها شيئًا شيئًا (٨)، فابرُزْ لي وأبرُزُ لك، فأيّنا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط: أنصفتَ. فخرج إليه أبرهة وكان رجلًا قصيرًا لحِيمًا (٩) وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط، وكان رجلًا جميلًا عظيمًا طويلًا وفي يده حَربةٌ له، وخلف أبرهة غلام يقال له: عَتَوْدَة يمنع ظهرَه، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخَه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه (١٠) وشفته، فبذلك سُمي أبرهة الأشرم. وحمل عَتَودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى (١١) أبرهة. فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وَوَدَى (١٢) أبرهةُ أرياطَ. فلما بلغ ذلك النجاشي [ملك الحبشة الذي بعثهم إلى اليمن] (١٣) غضب غضبًا شديدًا على أبرهة، وقال: عَدَا عَلَى أميري فقتله بغير أمري، ثمّ حَلَف

стр. 855

أن (١) لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجزَّ ناصيته، فحلق أبرهة رأسَة وملأ جُرابًا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي، ثم كتب إليه: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدُك، فاختلفنا في أمرك، وكلٌّ طاعتُه لك، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه. وقد حَلَقْتُ رأسي كله حين بلغني قسمُ الملك، وبعثت إليه بجراب تراب (٢) من أرضي ليضعه تحت قدميه (٣) فيبرَّ قسمه فيّ. فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري، فأقام أبرهة باليمن (٤). * * * ذكر سَبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة فأهلكه الله عاجلًا غير آجل، كما قال (٥): ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥]. قيل: أول من ذلَّل الفِيَلة إفريدون بن أثفيان (٦) الذي قَتَل الضحّاك، قاله الطبري (٧). وهو أول من اتخذ للخيل السرج. وأما أول من سخَّر الخيل وركبها فطهمورث (٨) وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا. ويقال: إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم ﵉، ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب. والله تعالى أعلم. ويقال: إن الفيل مع عظمة خلقه يَفْرَقُ (٩) من الهر. وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال

стр. 856

الهنود بإحضار سنانير (١) إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة. قال ابن إسحاق (٢): ثمّ إن أبرهة بنى القُلَّيْس بصنعاء، كنيسة (٣) لم يُرَ مثلُها في زمانها بشيء من الأرض، وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لكَ كنيسةً لم يُبْنَ مثلُها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حجَّ العرب. فذكر السهيلي (٤) أن أبرهة استذلَّ أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة، وسخَّرهم فيها أنواعًا من السّخر. وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة. وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رُخامًا وأحجارًا وأمتعة عظيمة، وركّب فيها صلبانًا من ذهب وفضة. وجعل فيها منابر من عاج وأبنُوس، وجعل ارتفاعها عظيمًا جدًا، واتساعها باهرًا. فلما هلك أبرهة بعد ذلك وتفرقت (٥) الحبشة كان من يتعرض لأخذ شيء من بنائها وأمتعتها أصابته الجنُّ بسوءً. وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين - كُعَيْب وامرأته - وكان طول كلّ منهما ستين ذراعًا. فتركها أهل اليمن على حالها. فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس، فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضها حجرًا حجرًا، واندثرت إلى يومك هذا (٦). قال ابن إسحاق: فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي، غضب رجلٌ من النَّسَأَة (٧) من كنانة الذين ينسؤون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ … الآية [التوبة:٣٧] قال ابن إسحاق: فخرج الكناني حتى أتى القُلَّيس، فقعد فيه، أي أَحْدث حيث لا يراه أحدٌ، ثم خرج فلحق بأرضه. فأُخْبِر أبرهةُ بذلك. فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: صنعه رجلٌ من أهل هذا البيت الذي تحجّه العرب بمكة لما سمع بقولك إنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا، فغضب، فجاء، فقعد فيه. أي إنه ليس لذلك أهل. فغضب أبرهة عند ذلك، وحلف ليسيرنَّ إلى البيت حتى يهدمه. ثمّ أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت. ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفظعُوا به، ورأوا جهاده حقًا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هَدْم الكعبة بيت الله

стр. 857

الحرام. فخرج إليه رجلٌ وكان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له: ذو نَفْر، فدعا قومَه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام (١) وما يريد من هدمه وإخرابه، فاجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عَرَض له فقاتله. فَهُزِم ذو نَفْر وأصحابه، وأُخِذَ له ذو نفر فَأُتي به أسيرًا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك من القتل، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلًا حليمًا، ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُفيل بن حبيب الخثْعمي في قبيلَتَي خَثْعم، وهما شَهْران وناهس ومن تَبِعه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبرهة، وأُخِذَ له نُفيل أسيرًا، فأُتي به، فلما هَمَّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك (٢) لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم - شهران وناهس - بالسمع والطاعة. فخلّى سبيله وخرج به معه يدله. حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف، فقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا (٣) خلاف. وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه. فتجاوز عنهم. قال ابن إسحاق: واللات بيت لهم بالطائف، كانوا يعظّمونه نحوَ تعظيم الكعبة. قال فبعثوا معه أَبارِغال يدلُّه على الطريق إلى مكة. فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمِّس (٤). فلما أنزله به مات أبورغال هنالك، فَرَجَمَتْ قبرَه العربُ، فهو القبر الذي يَرْجُم الناسُ بالمغمّس. وقد تقدّم في قصّة ثمود أن أبارغال كان رجُلًا منهم، وكان يمتنع بالحرم، فلما خرج منه أصابه حَجَرٌ فقتله، وأن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "وآية ذلك أنه دُفن معه غصنان من ذهب" (٥)، فحفروا فوجدوهما. قال: وهو أبو ثقيف. قلت: والجمع بين هذا وبين ما ذَكَر ابنُ إسحاق أن أبارغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى، رجمته الناس كما رجموا قبر الأول أيضًا والله أعلم. وقد قال جرير (٦): [من الوافر] إذا ماتَ الفَرزْدَقُ فارْجُموه … كرجمِكُمُ لقبرِ أبي رِغَالِ الظاهر أنه الثاني.

стр. 858

قال ابن إسحاق: فلما نزل أبرهة المغمِّس بَعَث رجلًا من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة. فساق إليه أموال أهل تِهامة من قُريش وغيرهم. وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم - وهو يومئذ كبير قُريش وسيدها - فهمَّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم (١) بقتاله. ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك. وبَعث أبرهة حُنَاطَة الحميري إلى مكة، وقال له: سَلْ عن سيّد أهل هذا البلد وشريفهم، ثمّ قل له: إن الملك يقول إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه (٢) بحرب، فلا حاجه (٣) لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فائتني به. فلما دخل حُناطة مكّة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم. فجاءه، فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، ومالنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم ﵇ أو كما قال - فإن يمنعه منه فهو حَرَمُه وبيته (٤)، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دَفعٌ عنه. فقال له (٥) حُنَاطة: فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر -وكان له صديقًا- حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غَناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غَناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غُدوًّا أو عشيًّا؟ ما عندي غَناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أُنَيْسًا سائسَ الفيل صديق لي، فسأرسل إليه فأوصيه (٦) بك وأعظم عليه (٧) حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. فقال: حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير (٨)، فاستأذِنْ له عليه وانفعْه عنده بما استطعت. قال: أَفْعَلُ. فكلّم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، وهو الذي يطعم الناس بالسهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، فائذن له عليك فليكلمك في حاجته. قال (٩): فأذن له أبرهة. وكان عبد المطلب أوسَم الناس وأعظمهم

стр. 859

وأجملهم (١)، فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه عن (٢) أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه (٣) على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره (٤) فجلس على بساطه وأجلسه إلى (٥) جانبه، ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك (٦)؟ فقال له ذلك الترجمان (٧)، فقال: حاجتي أن يرد عليّ الملك مئتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد (٨) كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني. أتكلّمني في مئتي بعير أصبتها لك وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لأهدمه: (٩) لا تكلّمني فيه!؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا ربُّ الإبل، وإن للبجت ربًّا سيمنعه. فقال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك (١٠). فردّ على عبد المطلب إبلَه. قال ابن إسحاق: ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يَعْمَر بن نُفاثة بن عدي بن الدِّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، سيد (١١) بني بكر، وخويلد بن وائلة سيد (١٢) هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم ذلك (١٣)، فالله أعلم أكان ذلك أم لا (١٤). فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرُّز في رؤوس الجبال (١٥). ثمّ قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش

стр. 860

يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. وقال عبد المطلب - وهو آخذ بحلقة باب (١) الكعبة -: لا هُمَّ إنّ العبدَ يمـ … ــنع رَحْلَه فامنَعْ حِلالك (٢) لا يَغلِبَنَّ صَليبُهم … وَمِحَالُهم غَدْوًا مِحالَك (٣) قال ابن هشام: هذا ما صح عندي (٤) له منها. وقال ابن إسحاق (٥): ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شَعَف الجبال يتحرَّزون (٦) فيها ينتظرون ما أبرهةُ فاعلٌ. فلما (٧) أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكة، وهيأ فِيلَه، وعبَّى جيشه، وكان اسم الفيل محمودًا، فلما (٨) وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نُفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرُك محمود وارجع راشدًا من حيث جئت (٩)، فإنك في بلد الله الحرام، وأرسل (١٠) أذنه. فبرك الفيل. قال السهيلي (١١): أي سقط إلى الأرض، وليس من شأن الفيلة أن تبرك. وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير، فالله أعلم. وخرج نُفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه

стр. 861

بالطَّبَرْزين (١) ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجنهم (٢) في مَرَاقّه فبزغوه بها ليقوم، فأبى. فوجّهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول. ووجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك. ووجَّهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبَلَسان (٣)، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجرٌ في منقاره وحجران في رجليه، أمثال الحِمَّص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هَلَك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاؤوا. ويسألون عن نُفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل (٤) في ذلك: ألا حُيّيتِ عنّا يا رُدَينا … نَعِمناكُم معَ الإصباحِ عَيْنا رُدَيْنةُ لو تَرين ولا تَرُيْه … لَدى جَنْبِ المحصَّبِ ما رأينا (٥) إذًا لعذَرْتِني وحَمِدْتِ أمري … ولَم تأسَيْ علَى ما فاتَ بَيْنا حَمِدتُ الله إذْ أبصَرْتُ طَيرًا … وخِفْتُ حِجارةً تُلقَى علَينا (٦) فكلُّ القَومِ يسألُ عن نُفَيل … كأنّ عليّ للحُبْشَانِ دَينا (٧) قال ابن إسحاق (٨): فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون [بكل مَهْلَك] (٩) على كل مَنْهل. وأُصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْملة [أُنملة] (١٠)، كلما سقطت أُنملة أتبعتها منه مِدَّة تَمُثُ (١١) قيحًا ودمًا حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر. فما مات حتى انصدَع صدرُه

стр. 862

[عن قلبه] (١) فيما يزعمون. قال ابن إسحاق (٢): حدثني يعقوب بن عُتبة أنه حُدّث أن أول ما رؤيت الحصْبة والجُدَري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعُشَر (٣) ذلك العام. قال ابن إسحاق: فلما بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ كان مما يعد (٤) الله على قريش من (٥) نعمته عليهم وفضله ما ردّ عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥]. ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها (٦). وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا "التفسير" (٧) بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. وله الحمد والمنة. قال ابن هشام: الأبابيل: الجماعات، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه (٨). قال وأما السِّجّيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عُبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة (٩) واحدة، وأنهما (١٠) (سَنْجُ) و (جِل) (١١) فالسنج: الحجر، والجل: الطين. يقول الحجارة (١٢) من هذين الجنسين الحجر والطين. قال: والعَصْفُ: ورق الزرع الذي لم يقصَّب. وقال الكسائي: سمعت بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل إبّيل (١٣). وقال كثيرون من السلف: الأبابيل: الفِرق من الطير التي يتبع بعضها بعضًا من هاهنا وهاهنا.

стр. 863

وعن ابن عباس كان لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكُفٌّ كأكفِّ الكلاب. وعن عكرمة كانت رؤوسها كرؤوس السباع، خرجت عليهم من البحر، وكانت خضرًا. وقال عبيد بن عمير: كانت سُودًا بحرية في مناقيرها وأكفها الحجارة. وعن ابن عباس: كانت أشكالها كعنقاء مُغرب (١). وعن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان، ومنها ما هو كالإبل. وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق. وقيل: كانت صغارًا. والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (٢)، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عُبيد بن عُمير قال: لما أراد الله أن يُهلك أصحابَ الفيل بعث عليهم طيرًا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزّعة (٣)، حجرين في رجليه وحجرًا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم. ثم صاحَت وأَلْقت ما في رجليها ومناقيرها. فما يقع حجر على رأس رجل إلّا خرج من دبره. ولا يقع على شيء من جسده إلّا خرج من الجانب الآخر. وبعث الله رِيحًا شديدةً فضربت الحجارة فزادتها شدة، فأهلكوا جميعًا. وقد تقدّم أن ابن إسحاق قال: وليس كلّهم أصابته الحجارة، يعني بل رَجَع منهم راجعون إلى اليمن حتى أَخْبروا أهلَهم بما حلّ بقومهم من النّكال. وذكروا أن أبرهة رجع وهو يتساقط أُنملة أنملة، فلما وصل إلى اليمن انصَدَع صدرُه فمات، لعنه الله (٤). وروى ابن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمْرة (٥)، عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعْميَيْن مُقْعَدَين يستطعمان. وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أُنيسا، فأما قائده فلم يُسم. والله أعلم.

стр. 864

وذكر النقّاش (١) في "تفسيره" أن السيل احتمل جُثَثَهم فألقاها في البحر. قال السهيلي (٢): وكانت قصة الفيل في المحرم من (٣) سنة ست وثمانين وثمانمئة (٤) من تاريخ (٥) ذي القرنين. قلت: وفي عامها ولد رسول الله ﷺ على المشهور. وقيل: كان قبل مولده بسنين، كما سنذكر إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. ثم ذكر ابن إسحاق (٦) ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نَصَرَ اللهُ فيها بيتَه الحرام الذي يُريد أن يشرّفه ويعظّمه ويطهّره ويوقّره ببعثة محمد ﷺ وما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة، بل عماد دينه، وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهّرة. ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نُصْرَةً لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة، فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها (٧) من مشركي قريش، وإنما كان النصر للبيت الحرام، وإرهاصًا وتوطئة لبعثة محمد ﷺ . فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزِّبَعْرَى السهمي (٨): [من الكامل] فَتَنكّلوا عن بطنِ مكّة إنّها … كانتْ قديمًا لا يُرام حَريْمُها (٩) لم تُخلَق الشِّعرى لياليَ حُرّمت … إذْ لا عزيزَ من الأنامِ يرومُها سائلْ أميرَ الحُبْشِ عنها ما رأى … فلسوفَ يُنبي الجاهلينَ عَليمُها (١٠) ستّون ألفًا لم يَؤوبوا أرضَهم … بلْ لم يعشْ بعدَ الإيابِ سَقيمُها كانتْ بها عاد وجُرْهُم قبلَهم … واللهُ من فوقِ العبادِ يُقيمها (١١)

стр. 865

من ذلك قول أبي قيس بن الأسلت الأنصاري المدني (١): [من المتقارب] ومنْ صُنعهِ يومَ فيلِ الحبُو … شِ إذْ كلّما بعثُوه رَزَم (٢) محاجنهم تحتَ أقرابه … وقدْ شَرَموا أنفَه فانخرَم (٣) وقد جَعلوا سوْطَه مِغْولًا … إذا يَمّموه قَفاهُ كُلم (٤) فولّى وأَدبَرَ أدراجَه … وقدْ باءَ بالظلم من كان ثَم فأرسل من فوقهم حاصبًا … فلفّهمُ مثلَ لفّ القُزُم (٥) تحثّ على الصّبر أحبارُهم … وقد ثأَجوا كثُؤاجِ الغَنَمْ (٦) ومن ذلك قول أبي الصلت ربيعة (٧) بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي. قال ابن هشام: ويروي لابنه أمية (٨) ابن أبي الصلت: [من الخفيف] إن آياتِ ربّنا باقياتٌ … ما يُمارِي فيهنّ إلا الكَفُور (٩) خلَق الليلَ والنهارَ فكلٌّ … مستبينٌ حسابُهُ مقدور ثم يجلو النهارَ ربٌّ رحيم … بِمَهَاةٍ شُعاعُها مَنشورُ (١٠) حَبسَ الفيلَ بالمغمَّس حتّى … صَارَ يحبو كأنه مَعْقُورُ (١١) لازمًا حَلْقَة الجِرانِ كما قُطَّـ .... ـــر من ظهرِ كَبْكَبٍ مَحْدُور (١٢)

стр. 866

حولَه من ملوك كِندة أبطا … لٌ ملاويثُ في الحروب صُقُور (١) خَلَّفوه ثم ابذَعَرُّوا جَميعًا … كُلُّهم عَظْمُ ساقهِ مَكْسور (٢) كلُّ دِينٍ يومَ القيامة عندَ اللَّـ … ـــه إلّا دينَ الحنيفةِ بُورُ ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت (٣) أيضًا: فقُوموا فَصَلّوا ربَكم وتمسحوا … بأركانِ هذا البيت بين الأخاشبِ (٤) فعِندكمُ منهُ بلاءٌ مُصَدَّق … غداة أبي يكسوم هادي الكتائب كتيبتُه بالسهلِ تَمشي ورَجْلُه … على القاذفاتِ في رؤوسِ المناقبِ (٥) فلما أتاكم نصرُ ذي العرش ردَّهم … جنودُ المليكِ بين سَافٍ وحاصبِ (٦) فولَّوا سِراعًا هاربين ولم يؤب … إلى أهله مِلحُبْش غيرُ عصائبِ (٧) ومن ذلك قول عبد (٨) الله بن قيس الرُّقَيّات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوءٍ: كادَهُ الأشْرَم الذي جاءَ بالفيـ … ـــل فَوَلَّى وجَيْشُه مَهْزُوم (٩) واستهلت عَلَيهمُ الطَّيْرُ بالجنـ … ـــدَلِ حتّى كأنّه مَرْجُومُ (١٠) ذاكَ من يَغْزُهُ من الناسِ يَرْ … جع وهو فَلٌّ من الجيوشِ ذميم (١١) قال ابن إسحاق (١٢) وغيره: فلما هلك أبرهة مَلَكَ الحبشةَ بعده ابنُه يَكْسوم. ثم من بعده أخوه

стр. 867

مسروق بن أبرهة، وهو آخر ملوكهم. وهو الذي انتزع سيف بن ذي يَزَن الحِميري المُلْكَ مِن يده بالجيش الذين قَدِم بهم من عند كسرى أنوشروان، كما سيأتي بيانهُ. وكانت قِصّة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمئة من تاريخ (١) ذي القرنين، وهو الثاني إسكندر بن فلبس المقدوني الذي يُؤرِّخ له الروم، ولما هَلَك أبرهة وابناه، وباد (٢) مُلك الحبشةِ عن اليمن، هُجِر القُلَّيْس الذي كان بناه أبرهة وأراد صرف حج العرب إليه لجهلهَ (٣) وقِلّة عقله. وأصبح يبابًا لا أنيس به. وكان قد بناه على صَنمين (٤)، وهما كُعيب وامرأته، وكانا من خَشَب طول كل منهما ستون ذراعًا في السماء، وكانا مصحوبين من الجان، ولهذا كان لا يتعرَّض أحدٌ إلى أخذ شيءٍ من بناء القُلّيس وأمتعته إلا أصابوه بسوءٍ. فلم يزل كذلك إلى أيام السفّاح أول خلفاء بني العباس، فذُكر له أمره وما فيه من الأمتعة والرُّخام الذي كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن، فبعث إليه من خربه حَجَرًا حجرًا، وأخذ جميع ما فيه من الأمتعة والحواصل. هكذا ذكره السهيلى (٥). والله أعلم. * * * ذكر خروج المُلك عَن الحبشة وَرجوعه إلى سيف بن ذي يَزَن الحِمْيَري كما أخبر بذلك الكاهنان لربيعة بن نصر اللخمي (٦) قال محمد إسحاق (٧) ﵀: فلما هلك أبرهةُ مَلَكَ الحبشةَ يكسومُ بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يَكسومُ مَلَكَ اليمنَ في الحبشة (٨) أخوه مسروقُ بن أبرهة. قال: فلما طال البلاءُ على أهل اليمن، خرج سيفُ بن ذي يزن الحميري (٩)، وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج، وهو حمير سبأ - وكان سيف يكنى

стр. 868

أبا مرة - حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم (١) ويخرج إليهم من سائر (٢) الروم فيكون له ملك اليمن، فلم يُشكِه. فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمرَ الحبشة، فقال له النعمان: إن لي على كسرى وِفادة في كل عام، فأقم عندي حتى يكون ذلك، ففعل. ثم خرج معه فأدخله على كسرى، وكان يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه (٣) وكان تاجه مثل القُنْقُل العظيم - فيما يزعمون - يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة، معلقًا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في (٤) مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يُسْتَرُ بالثياب (٥) حتى يجلس في مجلسه ذلك (٦)، ثم يُدخِلُ رأسَه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كُشِفَ عنه الثيابُ فلا يراه أحد (٧) لم يره قبلَ ذلك إلّا برك هيبةً له. فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن بَرَك. قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن سيفًا لما دخل عليه (٨) طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا الأحمق يدخل عليَّ من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسَه! فقيل ذلك لسيف. فقال: إنما فعلتُ هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء (٩). قال ابن إسحاق ثم قال: أيها الملك غَلَبنا على بلادنا الأغربة. قال كسرى: أيُّ الأغربة؛ الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني ويكونَ ملك بلادي لك. فقال له كسرى: بَعُدَت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لأورّط جيشًا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم وافٍ (١٠) وكساه كسوة حسنة، فلما قبض ذلك (١١) سيف، خرج فجعل ينثر تلك الورِق للناس، فبلغ ذلك الملك، فقال إن لهذا لشأنا (١٢)، ثم بعث إليه فقال: عمدت إلى حِباء الملك تنثرُه للناس؟! قال: وما أصنع بهذا؟

стр. 869

ما (١) جبال أرضي التي جئتُ منها إلا ذهبٌ وفضة، يُرَغِّبُه فيها، فجمع كسرى مرازبته، فقال لهم (٢): ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له؟ فقال قائل: أيّها الملك، إن في سجونك رجالًا فد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتَهم معه، فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم، وإن ظفروا كان ملكًا ازددْتَه، فبعث معه كسرى مَن كان في سجونه، وكانوا ثمانمئة رجل، واستعمل عليهم وَهْرز، وكان ذا سنّ فيهم، وأفضلَهم حسبًا وبيتًا، فخرجوا في ثمان سفائن (٣)، فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن، فجمع سيف إلى وَهْرز من استطاع من قومه، وقال له: رِجلي ورجلك (٤) حتى نموت جميعًا أو نظفر جميعًا. فقال له وَهْرز: أنصفتَ. وخرج إليه مسروقُ بن أبرهة ملك اليمن، وجمع إليه جندَه، فأرسل إليهم وهرز ابنًا له ليقاتلهمِ فيختبر قتالَهم، فقُتِل ابنُ وهرز، فزاده ذلك حَنَقًا عليهم، فلما تواقف الناس على مصافهم قال وَهْرز: أروني ملِكَهم. فقالوا له: أترى رجلًا على الفيل عاقدًا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء؟ قال: نعم. قالوا: ذلك ملكهم. فقال: اتركوه. قال (٥): فوقفوا طويلًا، ثم قال: عَلَامَ هو؟ قالوا: [قد تحوّل على الفرس. قال: اتركوه. فتركوه طويلًا. ثم قال: عَلامَ هو؟ قالوا:] (٦) على البغلة. قال وهرز: بنثُ الحمار! ذلّ وذلَّ مُلكُه، إني سأرميه فإن (٧) رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإني قد أخطأتُ الرجلَ، وإن رأيتمُ القومَ قد استداروا به ولاثوا (٨) فقد أصبتُ الرجلَ فاحملوا عليهم. ثم وَتَرَ قوسه - وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيرُه من شدتها - وأمر بحاجبَيه فعصّبا له، ثم رماه، فَصَكَّ الياقوتةَ التي بين عينيه، وتغلغلت النُّشَّابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونُكِس عن دابته، واستدارت الحبشةُ ولاثت به (٩)، وحملت عليهم الفرس، وانهزموا (١٠) فقُتِلوا وهَرَبوا في كل وجه، وأقبلَ وَهْرز ليدخلَ صنعاء، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي مُنَكَّسةً أبدًا، اهدموا هذا (١١) الباب فهدم، ثم دخلها ناصبًا رايته. فقال سيف بن ذي يزن (١٢):

стр. 870

يظن الناسُ بالملْكَيـ … ـــنِ أنهما قد التأما ومن يسمعْ بلأمِهما … فان الخطب قد فَقما (١) قتلنا القَيْلَ مسروقًا … وروَّينا الكثيبَ دما وإن القيلَ قيل النا … سِ وهرز مُقْسِم قَسَما يذوق مُشَعْشَعًا حتى … يُفيءَ السبيَ والنَّعما ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود المُلْك إليه، وامتدحوه. فكان من جملة من (٢) وفَدَ من قريش، وفيهم عبد المطلب بن هاشم، فبشّره سيف برسول الله ﷺ وأخبره بما يعلم (٣) من أمره، وسيأتي ذلك مفصّلًا في باب البشارات به ﵊. قال ابن إسحاق (٤): وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة (٥) الثقفي، قال ابن هشام ويروى لابنه أمية (٦): لِيطلبِ الوِترَ أمثالُ ابن ذي يَزَن … ريَّم في البحرِ للأعداءِ أحوالا (٧) يمَّمَ قيصر لما حانَ رحلته … فلم يجد عندَه بعضَ الذي سالا (٨) ثم انثنى نحو كسرى بعدَ عاشرةٍ … من السنين يهين النفسَ والمالا (٩) حتى أتى ببني الأحرارِ يَحملُهم … إنك عَمْري لقد أسرعتَ قَلقالا (١٠) لله درُّهمُ من عصْبةٍ خرجوا … ما إِن أرى لهمُ في الناسِ أمثالا غُلبًا مرازبةً بِيضًا أساورةً … أُسْدًا تُربّبُ في الغَيْضات أشبالا (١١) يرمُون عَنْ شُدُفٍ كأنها غُبُط … بزَمْجَرٍ يُعجِل المرميَّ إعجالا (١٢)

стр. 871

أرسلتَ أُسدًا على سود الكلابِ فقد … أضحى شريدُهمُ في الأرضِ فُلّالا (١) فاشربْ هنيئًا عليكَ التاجُ مرتفقًا … في رأس غمدان دارًا منك محلالا (٢) واشربْ هنيئًا فقد شَالتْ نعامتُهم … وأسبلِ اليومَ في بُرديْك إسبالا (٣) تلكَ المكارمُ لا قعبانِ من لَبنٍ … شِيْبا بماءٍ فعادا بَعْدُ أبوالا (٤) يقال: إن غمدان قصرٌ باليمن، بناه يَعرب بن قحطان وأكملة (٥) بعده واحتله وائلة بن حِمير بن سبأ. ويقال: كان ارتفاعه عشرين طبقةً. فالله أعلم (٦). قال ابن إسحاق: وقال عدي بن زيد الحِميري (٧) وكان أحد بني تميم: ما بَعدَ صنعاءَ كان يَعْمُرُها … وُلاةُ مُلْكٍ جَزْلٌ مَواهِبُها رفعها من بَنى لَدَى قَزَعِ الـ … ـــمُزْنِ وتَنْدَى مِسْكًا مَحاربُها (٨) مَحْفوفَة بالجبالِ دون عُرَى الـ … كائدِ ما تُرتَقَى غواربُها (٩) يأنَسُ فيها صوتُ النُّهامِ إذا … جاوبَها بالعشيّ قاصِبُهأْ (١٠) ساقتْ إليها الأسبابُ جُنْدَ بني الـ … أحرارِ فُرْسَانُها مَواكبها وفَوَّزتْ بالبغال تُوسَقُ بالـ .. ــحَتْفِ وتَسعى بها توالبُها (١١) حتى رآها الأقوالُ من طرفِ الـ … ــمَنْقَل مُخْضَرَّةً كتائبها (١٢)

стр. 872

يومَ ينادون آل بربَرَ والـ … يكسُومَ لا يُفْلِحَنْ هَاربُقَا (١) فكان يومًا باقي الحديثِ وزا … لتْ أُمّةٌ ثابَتْ مَرَاتبها (٢) وبُدّل الفيجُ بالزرافة والأ … يام خُونٌ جَمٌّ عجائبها (٣) بعدَ بني تُبّعٍ نَخَاوِرَةٍ … قدِ اطْمأنّتْ بها مَرازِبها (٤) قال ابن هشام (٥): وهذا الذي عنى سطيحٌ بقوله: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدًا باليمن (٦). والذي عنى شِقٌّ بقوله: غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن. قال ابن إسحاق: وأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناءُ الذين باليمن اليوم. وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرْياط إلى أن قتلت الفرس مسروقَ بن أبرهة وأخرجت الحبشة اثنتين وسبعينَ سنةً، توارث ذلك منهم أربعة: أرْياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة. * * * ذكر ما آل إليه أمر الفرس باليمن قال ابن هشام (٧): ثم مات وِهرز، فأمّر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن، ثم مات المرزبان، فأمّر كسرى ابنَه التَّيْنُجان، ثم مات، فأمّر ابن التَّيْنُجان، ثم عزله عن اليمن وأمّر عليها باذان، وفي زمنه بُعث رسول الله ﷺ . قال ابن هشام: فبلغني عن الزُّهْري أنه قال: كتب كسرى إلى باذان: إنه بلغني أن رجلًا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي، فسِرْ إليه فاستَتِبْه، فإن تابَ، وإلا فابعث إليّ برأسه، فبعث باذان بكتاب

стр. 873

كسرى إلى رسول الله فكتب إليه رسول الله ﷺ : "إن الله قد وَعَدني أن يُقْتَل كسرى يوم كذا وكذا من شهر كذا". فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظرَ (١) وقال: إن كان نبيًا فسيكون ما قال. فَقَتلَ اللهُ كسرى في اليوم الذي قال رسول الله ﷺ . قال ابن هشام (٢): على يدي ابنه شِيرَوَيه. قلت: وقال بعضهم (٣) بنوه تمالؤوا على قتله، وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ، وهو الذي غلب الروم في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ كما سيأتي بيانه. قال السهيلي (٤): وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خَلَون من جمادى الأولى سنة تسع (٥) من الهجرة. وكان - والله أعلم - لما كتب إليه رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، فغضب ومزّق كتابه، كَتَبَ إلى نائبه باليمن [يقول له ما قال. وفي بعض الروايات أن رسول الله ﷺ قال لرسول باذان] (٦): "إن ربي قد قَتَل الليلةَ ربَّك". فكان كما قال رسول الله ﷺ قُتِل تلك الليلة بعينها، قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعد ما خلعوه (٧) وولوا ابنه شيرويه، فلم يعش بعد قتله أباه إلّا ستة أشهر أو دونها. وفي هذا يقول خالد بن حِق الشيباني (٨): [من الوافر] وكسرى إذ تَقَاسمَه بَنُوهُ … بأسْيافٍ كما اقْتُسِمَ اللَّحَامُ (٩) تَمَخَّضَتِ المنُونُ له بيومٍ … أَنى ولِكُلِّ حَاملةٍ تمامُ (١٠) قال الزُّهْري: فلما بلغ باذان (١١) بعثْ بإسلامه وإسلام مَن مَعه من الفرس إلى رسول الله ﷺ فقالت الرسل: إلى مَن نحن يا رسولَ الله؟ قال: أنتم منا وإلينا أهلَ البيت. قال الزُّهري: ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "سلمانُ مِنّا أهلَ البيت" (١٢).

стр. 874

قلتُ: والظاهر أن هذا كان بعدما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ولهذا بعث الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس الخيرَ ودعوتهم إلى الله ، فبعث أولًا خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب، ثم أتبعهما أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جَبل. ودانت اليمن وأهلها للإسلام. ومات باذان، فقام بعده ولده شهر بن باذان، وهو الذي قتله الأسود العنسي حين تنبَّأ (١) وأخذ زوجته كما سيأتي بيانه، وأجلى عن اليمن نوابَ رسول الله ﷺ فلما قتل الأسود عادت اليد الإسلامية عليها. وقال ابن هشام: وهذا هو الذي عنى به سطيح بقوله: نبي زكي يأتيه الوحي من قِبَل العلي. والذي عنى شِقٌّ بقوله: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال ابن إسحاق (٢): وكان في حَجَر باليمن - فيما يزعمون - كتابٌ بالزبور كتب في الزمان (٣) الأول: لمن مُلْك ذِمار؟ لحمير الأخيار. لمن ملك ذمار؟ للحبشة الأشرار. لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار. لمن ملك ذِمار؟ لقريش التجار. وقد نظم (٤) بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي: حين شيدتْ ذِمارُ فِيلَ: لمنْ أنـ … ـــتِ؟ فقالت: لِحميَرِ الأخيار (٥) ثم سِيلتْ من بعدِ ذاك فقالت: … أنا للحُبْشِ أخبثِ الأشرار (٦) ثم قالوا من بعد ذاك: لمن أنـ … ـــتِ؟ فقالت: لفارسِ الأحرار (٧) ثم سيلت من بعد ذاك: لمن أنـ … ــت؟ فقالت: إلى قريش التِّجار (٨) ويقال: إن هذا الكلام الذي ذكره محمد بن إسحاق (٩)، وجد مكتوبًا عند قبر هود ﵇ حين

стр. 875

كشفَت الريح عن قبره بأرض اليمن، وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذي المنار أخي عمرو ذي الأذعار بن ذي المنار، ويقال: كان مكتوبًا على قبر هود (١)، وهو من كلامه ﵇. حكاه السهيلي (٢). والله أعلم. * * *

стр. 876

قصّة السّاطرون صَاحب الحَضْر وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام (١) لأجل ما قاله بعض علماء النسب: إن النعمان بن المنذر الذي تقدّم ذِكره في ورود سيف بن ذي يزَن عليه وسؤاله في مساعدته في ردّ مُلْك اليمن إليه إنه (٢) من سلالة الساطرون صاحب الحضر. وقد قدّمنا عن ابن إسحاق أن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر، وأنه روى عن جُبير بن مطعِم أنه من أشلاء قيصر بن معد بن عدنان، فهذه ثلاثة أقوال في نسبه، فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر. والحضر حصنٌ عظيم بناه هذا الملك، وهو الساطرون، على حافة الفرات، وهو منيف مرتفع البناء، واسع الرحبة والفناء، دوره بقدر مدينة عظيمة، وهو في غاية الإحكام والبهاء والحسن والسناء، وإليه يُجبى ما حوله من الأقطار والأرجاء. واسم الساطرون الضَّيْزَن بن معاوية بن عبيد بن سَليح (٣) بن حلوان بن الحاف بن قضاعة. كذا نسبه ابن الكلبي. وقال: غيره كان من الجرامقة (٤) وكان أحد ملوك الطوائف، وكان يقدمهم (٥) إذا اجتمعوا، وكان حصنه بين دجلة والفرات. قال ابن هشام (٦): وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا ساطرون (٧) ملك الحضر. وقال غير (٨) ابن هشام: إنما غزا صاحب سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، أذَلَّ ملوكَ الطوائف وردَّ الملْكَ إلى الأكاسرة. وأما سابور ذو الأكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل. والله أعلم. ذكره السهيلي (٩). قال ابن هشام: فحصره سنتين. وقال غيره: أربع سنين (١٠)، وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور

стр. 877

في غيبته بأرض العراق، فأشرفت بنت الساطرون، وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلّل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، وكان جميلًا، فدلسَّت إليه: أتتزوجني إن فتحت (١) لك باب الحضر؟ فقال: نعم! فلما أمسى ساطرون، شرب حتى سكر، وكان لا يبيتُ إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب (٢) الحضر من تحت رأسه فبعثت (٣) بها مع مولى لها، ففتح الباب. ويقال: بل دلَّتهم على نهر يدخل منه (٤) الماء متسع، فولجوا منه إلى الحضر، ويقال: بل دلَّتهم على طلسم كان في الحضر وكان في علمهم أنه (٥) لا يفتح حتى تؤخذ حمامة وَرْقاء، وتُخضَب رجلاها بحيض جارية بكر زَرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب. ففعل ذلك فانفتح الباب، فدخل (٦) سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخرّبه. وسار بها معه فتزوجها. فبينا هي نائمة على فراشها ليلًا إذ جعلت تَململُ لا تنام، فدعًا (٧) بالشمع، ففتّش فراشَها، فوجد عليه ورقة آس. فقال لها سابور: أهذا الذي أسهركِ؟ قالت: نعم. قال: فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخَّ، ويَسقيني الخمر (٨). قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعتِ به؟! أنت إليَّ بذلك أسْرع، ثم أمر بها (٩) فرُبطت قُرون رأسِها بذنب فرس، ثم رَكَض الفرس حتى قتلها. ففيه يقول أعشى بني (١٠) قيس بن ثعلبة: ألم تَرَ للحَضْرِ إذْ أهلُه … بنُعْمَى وهلْ خالِدٌ مَن نَعم أقامَ به شاهَبُورُ الجنو … دَ حوْليْنِ تضربُ فيه القَدم فلمّا دَعا ربَّهُ دعوةً … أنابَ إليه فلم ينتقِم فهل زادَه ربه قوَّةً … ومثْل مجاورِه لم يُقِم

стр. 878

وكانَ دعا قومَه دعوةً … هلمُّوا إلى أمرِكم قد صُرِم فموتوا كِرامًا بأسيافكم … أرى الموتَ يجشِمه من جَشِم (١) وقال عدي بن زيد ذلك (٢): [من المنسرح] والحضرَ صابتْ عليه داهيةٌ … مِن فوقِه أَيَّدِ مناكبُها (٣) ربيَّةٌ لم تُوَقَّ والدَها … لِحيَنْها إذ أضاعَ راقبُها إذ غَبَّقَتْه صهباءَ صافيةً … والخمرَ وَهْلٌ يَهيم شاربُها (٤) فأسلمتْ اْهلَها بليلتها … تظنّ أن الرئيسَ خاطبُها فكانَ حظُّ العروسِ إذ جَشَر الـ … ــصبح دماءً تجري سبائبها (٥) وخَرَّبَ الحضرَ واستُبيح وقد … أُحرقَ في خدرِها مشاجبها (٦) وقال عدي بن زيد أيضًا (٧): [من الخفيف] أيُّها الشامتُ المعيِّر بالدهـ … ــر أأنتَ المبَرَّأُ الموفور أم لديكَ العهدُ الوثيق من الـ … أيام بل أنتَ جاهلٌ مغرور من رأيتَ المنونَ خلَّدنَ أم من … ذا عليه مِن أن يضام خَفير أين كسرى كسرى الملوك أنو … شروانَ أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرامُ ملوك الـ … ـــروم لم يبق منهمُ مذكور وأخو الحضْر إذْ بَنَاهُ وإذ دجْـ … ـــلَةُ تُجبَى إليه والخابور شاده مَرْمرًا وجلَّله كأ … سًا فللطير في ذُراه وُكُور لم يَهَبْهُ ريبُ المنون فبَا … ن الملك عنه فبابه مهجور وتذكّر ربَّ الخوَرْنَقِ إذ … أشرف يومًا وللهدى تنكير (٨) سَرَّه مالُه وكثرةُ ما يمـ … ــلِكُ والبحرُ معرضًا والسديرُ

стр. 879

فارعوى قلبُه وقال وما غِبـ … ـــطةُ حيٍّ إلى المماتِ يصرُ ثم أضْحَوا كأنهم وَرَقٌ جـ … ـــفَّ فألْوَتْ به الصَّبا والدَّبورُ (١) قلت: وربُّ الخوَرْنق الذي ذكره في شعره رجلٌ من الملوك المتقدمين، وعَظَهُ بعضُ علماء زمانه في أمره الذي قد كان (٢) أسرف فيه وعتا، وتمرد فيه وأتْبعَ نفسَه هواها، ولم يراقب فيها مولاها، فوعَظَه بمن سلَف قبلَه من الملوك والدول، وكيف بادُوا ولم يبق منهم أحدٌ، وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى مَن بَعْده، فأخذته موعظتُه وبلغت منه كلَّ مبلغ، فارعَوى لنفسه، وفكّر في يومه وأمسه، وخاف من ضِيْق رَمْسه (٣). فتاب وأناب ونزع عما كان فيه، وترك الملك ولبس زي الفقراء وساح في الفلوات وحظي بالخلوات، وخرج عمّا كان الناس فيه من اتِّباع الشهوات وعصيان ربّ السماوات. وقد ذكر قصته مبسوطه (٤) الشيخ الإمام موفق بن قدامة المقدسى (٥) ﵀ في كتاب "التوابين". وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب (٦) "الروض الأنف" (٧) المرتَّب أحسن ترتيب وأوضح تبيين. * * * خبر ملوك الطرائف وأما صاحب الحضْر، وهو ساطِرون، فقد تقدّم أنه كان مقدّمًا على سائر ملوك الطوائف، وكان من (٨) زمن اسكندر بن فليبس المقدوني اليوناني، وذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذلَّ مملكته وخرّب بلاده واستباح بيضة قومه، ونهب حواصله، ومزّق شمل الفرس شَذَرَ مَذَرَ، عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل، ولا يلتئم لهم أمر، فجعل يقرّ كل ملك على طائفة من الناس في أقليم من

стр. 880

أقاليم الأرض ما بين عربها وأعاجمها (١)، فاستمر كل ملك منهم يحمي حَوزته، ويحفظ صقعه (٢) ويستغلُّ محلَّته، فإذا هَلَك قام ولده من بعده أو أحد قومه، فاستمر الأمر كذلك قريبًا من خمسمئة سنة، حتى كان أردشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب، فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه، ورجعت الممالك برمَّتها إليه، وأزال ممالك ملوك الطوائف، ولم يبق منهم (٣) تالد ولا طارف، وكأنه (٤) تأخر عليه حصار صاحب الحضْر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم، إذ كان رئيسهم ومقدّمهم، فلما مات أزدشير تصدّى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم. والله أعلم. * * *
следующие страницы →