← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قصّة السّاطرون صَاحب الحَضْر وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام (١) لأجل ما قاله بعض علماء النسب: إن النعمان بن المنذر الذي تقدّم ذِكره في ورود سيف بن ذي يزَن عليه وسؤاله في مساعدته في ردّ مُلْك اليمن إليه إنه (٢) من سلالة الساطرون صاحب الحضر. وقد قدّمنا عن ابن إسحاق أن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر، وأنه روى عن جُبير بن مطعِم أنه من أشلاء قيصر بن معد بن عدنان، فهذه ثلاثة أقوال في نسبه، فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر. والحضر حصنٌ عظيم بناه هذا الملك، وهو الساطرون، على حافة الفرات، وهو منيف مرتفع البناء، واسع الرحبة والفناء، دوره بقدر مدينة عظيمة، وهو في غاية الإحكام والبهاء والحسن والسناء، وإليه يُجبى ما حوله من الأقطار والأرجاء. واسم الساطرون الضَّيْزَن بن معاوية بن عبيد بن سَليح (٣) بن حلوان بن الحاف بن قضاعة. كذا نسبه ابن الكلبي. وقال: غيره كان من الجرامقة (٤) وكان أحد ملوك الطوائف، وكان يقدمهم (٥) إذا اجتمعوا، وكان حصنه بين دجلة والفرات. قال ابن هشام (٦): وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا ساطرون (٧) ملك الحضر. وقال غير (٨) ابن هشام: إنما غزا صاحب سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، أذَلَّ ملوكَ الطوائف وردَّ الملْكَ إلى الأكاسرة. وأما سابور ذو الأكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل. والله أعلم. ذكره السهيلي (٩). قال ابن هشام: فحصره سنتين. وقال غيره: أربع سنين (١٠)، وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور

стр. 877

في غيبته بأرض العراق، فأشرفت بنت الساطرون، وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلّل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، وكان جميلًا، فدلسَّت إليه: أتتزوجني إن فتحت (١) لك باب الحضر؟ فقال: نعم! فلما أمسى ساطرون، شرب حتى سكر، وكان لا يبيتُ إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب (٢) الحضر من تحت رأسه فبعثت (٣) بها مع مولى لها، ففتح الباب. ويقال: بل دلَّتهم على نهر يدخل منه (٤) الماء متسع، فولجوا منه إلى الحضر، ويقال: بل دلَّتهم على طلسم كان في الحضر وكان في علمهم أنه (٥) لا يفتح حتى تؤخذ حمامة وَرْقاء، وتُخضَب رجلاها بحيض جارية بكر زَرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب. ففعل ذلك فانفتح الباب، فدخل (٦) سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخرّبه. وسار بها معه فتزوجها. فبينا هي نائمة على فراشها ليلًا إذ جعلت تَململُ لا تنام، فدعًا (٧) بالشمع، ففتّش فراشَها، فوجد عليه ورقة آس. فقال لها سابور: أهذا الذي أسهركِ؟ قالت: نعم. قال: فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخَّ، ويَسقيني الخمر (٨). قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعتِ به؟! أنت إليَّ بذلك أسْرع، ثم أمر بها (٩) فرُبطت قُرون رأسِها بذنب فرس، ثم رَكَض الفرس حتى قتلها. ففيه يقول أعشى بني (١٠) قيس بن ثعلبة: ألم تَرَ للحَضْرِ إذْ أهلُه … بنُعْمَى وهلْ خالِدٌ مَن نَعم أقامَ به شاهَبُورُ الجنو … دَ حوْليْنِ تضربُ فيه القَدم فلمّا دَعا ربَّهُ دعوةً … أنابَ إليه فلم ينتقِم فهل زادَه ربه قوَّةً … ومثْل مجاورِه لم يُقِم

стр. 878

وكانَ دعا قومَه دعوةً … هلمُّوا إلى أمرِكم قد صُرِم فموتوا كِرامًا بأسيافكم … أرى الموتَ يجشِمه من جَشِم (١) وقال عدي بن زيد ذلك (٢): [من المنسرح] والحضرَ صابتْ عليه داهيةٌ … مِن فوقِه أَيَّدِ مناكبُها (٣) ربيَّةٌ لم تُوَقَّ والدَها … لِحيَنْها إذ أضاعَ راقبُها إذ غَبَّقَتْه صهباءَ صافيةً … والخمرَ وَهْلٌ يَهيم شاربُها (٤) فأسلمتْ اْهلَها بليلتها … تظنّ أن الرئيسَ خاطبُها فكانَ حظُّ العروسِ إذ جَشَر الـ … ــصبح دماءً تجري سبائبها (٥) وخَرَّبَ الحضرَ واستُبيح وقد … أُحرقَ في خدرِها مشاجبها (٦) وقال عدي بن زيد أيضًا (٧): [من الخفيف] أيُّها الشامتُ المعيِّر بالدهـ … ــر أأنتَ المبَرَّأُ الموفور أم لديكَ العهدُ الوثيق من الـ … أيام بل أنتَ جاهلٌ مغرور من رأيتَ المنونَ خلَّدنَ أم من … ذا عليه مِن أن يضام خَفير أين كسرى كسرى الملوك أنو … شروانَ أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرامُ ملوك الـ … ـــروم لم يبق منهمُ مذكور وأخو الحضْر إذْ بَنَاهُ وإذ دجْـ … ـــلَةُ تُجبَى إليه والخابور شاده مَرْمرًا وجلَّله كأ … سًا فللطير في ذُراه وُكُور لم يَهَبْهُ ريبُ المنون فبَا … ن الملك عنه فبابه مهجور وتذكّر ربَّ الخوَرْنَقِ إذ … أشرف يومًا وللهدى تنكير (٨) سَرَّه مالُه وكثرةُ ما يمـ … ــلِكُ والبحرُ معرضًا والسديرُ

стр. 879

فارعوى قلبُه وقال وما غِبـ … ـــطةُ حيٍّ إلى المماتِ يصرُ ثم أضْحَوا كأنهم وَرَقٌ جـ … ـــفَّ فألْوَتْ به الصَّبا والدَّبورُ (١) قلت: وربُّ الخوَرْنق الذي ذكره في شعره رجلٌ من الملوك المتقدمين، وعَظَهُ بعضُ علماء زمانه في أمره الذي قد كان (٢) أسرف فيه وعتا، وتمرد فيه وأتْبعَ نفسَه هواها، ولم يراقب فيها مولاها، فوعَظَه بمن سلَف قبلَه من الملوك والدول، وكيف بادُوا ولم يبق منهم أحدٌ، وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى مَن بَعْده، فأخذته موعظتُه وبلغت منه كلَّ مبلغ، فارعَوى لنفسه، وفكّر في يومه وأمسه، وخاف من ضِيْق رَمْسه (٣). فتاب وأناب ونزع عما كان فيه، وترك الملك ولبس زي الفقراء وساح في الفلوات وحظي بالخلوات، وخرج عمّا كان الناس فيه من اتِّباع الشهوات وعصيان ربّ السماوات. وقد ذكر قصته مبسوطه (٤) الشيخ الإمام موفق بن قدامة المقدسى (٥) ﵀ في كتاب "التوابين". وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب (٦) "الروض الأنف" (٧) المرتَّب أحسن ترتيب وأوضح تبيين. * * * خبر ملوك الطرائف وأما صاحب الحضْر، وهو ساطِرون، فقد تقدّم أنه كان مقدّمًا على سائر ملوك الطوائف، وكان من (٨) زمن اسكندر بن فليبس المقدوني اليوناني، وذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذلَّ مملكته وخرّب بلاده واستباح بيضة قومه، ونهب حواصله، ومزّق شمل الفرس شَذَرَ مَذَرَ، عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل، ولا يلتئم لهم أمر، فجعل يقرّ كل ملك على طائفة من الناس في أقليم من

стр. 880

أقاليم الأرض ما بين عربها وأعاجمها (١)، فاستمر كل ملك منهم يحمي حَوزته، ويحفظ صقعه (٢) ويستغلُّ محلَّته، فإذا هَلَك قام ولده من بعده أو أحد قومه، فاستمر الأمر كذلك قريبًا من خمسمئة سنة، حتى كان أردشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب، فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه، ورجعت الممالك برمَّتها إليه، وأزال ممالك ملوك الطوائف، ولم يبق منهم (٣) تالد ولا طارف، وكأنه (٤) تأخر عليه حصار صاحب الحضْر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم، إذ كان رئيسهم ومقدّمهم، فلما مات أزدشير تصدّى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم. والله أعلم. * * *

стр. 881

باب (١) ذكر بني إسماعيل وهم عرب الحجاز وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة تقدم ذكر إسماعيل نفسه ﵇ مع ذكر الأنبياء (٢)، وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل ﵊ مع أمه هاجر، فأسكنها (٣) بوادي مكة بين جبال فاران حيث لا أنيس به ولا حسيس، وكان إسماعيل رضيعًا (٤)، ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك، ليس عند أمّه سوى جراب فيه تَمر ووِكاء (٥) فيه ماءٌ، فلما نَفد ذلك أنبع الله لِهاجَرَ زمزمَ التي هي "طعام طعم وشفاء سقم" كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل الذي رواه البخاري (٦) ﵀. ثم نزلت جُرْهم، وهم طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجَر بمكة على أن ليس لهم في الماء شيء إلا ما يشربون منه وينتفعون به، فاستأنست هاجر بهم، وجعل الخليل ﵇ يطالع أمرَهم في كلّ حين، يقال: إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه، ثم لما ترعرع الغلام وشبَّ وبلغ مع أبيه السعي كانت قصّة الذبح، كما تقدم بيان أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح. ثم لما كبر تزوج من جُرهم امرأةً، ثم فارقَها وتزوّج غيرَها وتزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو رئيس جرهم، وجاءته البنون الاثنا عشر (٧) كما تقدم ذِكرهم، وهم: نابِت، وقيذر، وأدبيل (٨)، وميشا، ومسمع، وماسى، ودما (٩)، وأذر، ويطور، ونيشى، وطيما، وقيذما. هكذا ذكره محمد بن إسحاق (١٠) وغيره عن كتب أهل الكتاب. وله ابنة واحدة اسمها نَسَمة، وهي التي زوَّجها من

стр. 882

ابن أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم فولد له منها الروم واليونان (١)، والأشبان أيضًا في أحد القولين. ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر. وكان الرئيس بعده والقائم بالأمور الحاكم في مكة والناظر في أمر البيت وزمزم نابت بن إسماعيل، وهو ابن أخت الجرهميين، ثم تغلبت جرهم على البيت طمعًا في بني أختهم، فحكموا بمكة وما والاها عِوضًا عن بني إسماعيل مدةً طويلة، فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مُضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي (٢) بن نبت بن جرهم، وجرهم بن قحطان ويقال جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح الجرهمي. وكان نازلًا بأعلى مكة بقُعَيْقِعان، وكان السَّمَيْدع سيد قَطوراء نازلًا بقومه في أسفل مكة، وكل منهما يَعْشُر (٣) من مَرَّ به مُجتازًا إلى مكة. ثم وقع بين جُرهم وقَطوراء، فاقتتلوا، فقُتِل السَّمَيْدعُ واستوثق الأمر لمضاض، وهو الحاكم بمكة والبيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتشارهم (٤) بمكة وبغيرها، وذلك لخؤولتهم له ولعظمة البيت الحرام. ثمّ صار الملك بعد إلى ابنه الحارث، ثمّ إلى عمرو بن الحارث. ثمّ بَغَت جرهم بمكة وأكثرتْ فيها الفساد وألحدوا بالمسجد الحرام حتى ذُكر أن رجلًا منهم يقال له: إساف بن بغي، وامرأة يقال لها: نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة، فكان منه إليها الفاحشة، فمسخهما الله حَجَرين، فنصبهما الناس قريبًا من البيت ليعتبروا بهما، فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه. فكانا منصوبين صنمين (٥) يقال لهما: إساف ونائلة. فلما أكثرت جرهم البغي (٦) بالبلد الحرام تمالأت عليهم خُزاعة الذين كانوا (٧) نزلوا حول الحرم، وكانوا من ذرية عمرو بن عامر الذي (٨) خرج من اليمن لأجل ما توقّع من سيل العرم (٩)، كما تقدم. وقيل: إن خزاعة من بني إسماعيل. فالله أعلم. والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا، واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين.

стр. 883

فغلبت خُزاعة وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان، وأجلوا جرهمًا (١) عن البيت، فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، وهو سيدهم إلى غَزَالَي الكعبة، وهما (٢) من ذهب، وحجر الركن وهو الحَجَرِ الأسود، وإلى سيوف محلَّاة، وأشياء أُخر فدفنها في زمزم، وعلَّمَ زمزم وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن. ففي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض (٣): [من الطويل] وقَائلةٍ والدَّمعُ سَكْبٌ مُبادرٌ … وقَدْ شَرِقتْ بالدمع منها المحاجرُ كأنْ لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا … أنيسٌ ولم يسمُر بمكّة سامرُ فقلتُ لها والقلبُ مِنّي كأنما … يُلجلجُه بين الجناحَيْن طائرُ (٤) بلى نحنُ كنّا أهلَها فأزالنا … صُروفُ الليالي والجدودُ العواثر (٥) وكنا ولاةَ البيت من بعد نابتٍ … نَطوْت بذاك البيت والخيرُ ظاهر ونحن وَلينا البيتَ من بعد نابتٍ … بعزّ فما يحظى لدينا المُكاثر ملَكنا فعزَّزْنا فأعظِمْ بمُلْكِنا … فليس لحيّ غيرنا ثَمَّ فاخر ألم تنكحوا من خيرِ شخصٍ علمتمُ … فأبناؤه منّا ونحنُ الأصاهر (٦) فإن تنثنِي الدنيا علينا بحالها … فإنّ لها حالًا وفيها التشاجُرُ فأخرجَنا منها المليكُ بقُدرةٍ … كذلك، يا للناسِ، تجري المقادِرُ أقولُ إذا نام الخليّ ولم أنم … أذا العرشُ لا يبعد سُهيلٌ وعامر وبُدِّلْتُ منها أوجُهًا لا أحِبُّها … قبائل منها حِمْيَرٌ ويُحابر وصِرْنا أحاديثًا وكُنَّا بغبطةٍ … بذلك عضَّتنا السَّنونَ الغوابر فَسخَّتْ دُموعُ العَين تبكي لبلدةٍ … بها حَرَمٌ أمْنٌ وفيها المشاعر (٧) وتبكي لبيتٍ ليس يؤذَى حَمامُه … يَظلّ (به) أمنًا وفيه العَصَافر (٨) وفيه وحوشٌ لا تُرام أنيسةٌ .. إذا خرجَتْ منه فليست تُغادر

стр. 884

قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث بن مُضاض أيضًا يذكر بني بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة (١): [من البسيط] يا أيها الناسُ سِيروا إن قَصرَكم … أن تصبحوا ذاتَ يومٍ لا تسيرونا (٢) حُثوا المطيَّ وأرْخوا من أَزِمّتها … قبلَ المماتِ وقضّوا ما تقضونا كنا أناسًا كما كنتم فغيّرنا … دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا (٣) قال ابن هشام: هذا ما صحَّ له منها. وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يُسَمَّ قائلُها. وذكر السهيلي (٤) لهذه الأبيات أخوة، وحكى عندها حكاية معجبة وإنشادات معربة. قال: وزاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه "فضائل مكة" على هذه الأبيات (٥) المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض: [من البسيط] قد مالَ دهرٌ علينا ثم أهلكَنا … بالبغي فينا وبزّ الناسَ ناسونا (٦) واستخبِروا في صنيع الناس قبلَكمُ … كما استبانَ طريقٌ عنده الهونا كنا زمانًا ملوكَ الناس قبلَكمُ … بمسكنٍ في حَرامِ الله مسكونا * * *

стр. 885

قصّة خزاعة وخبر عمرو بن لُحَي وَعبادة الأصنام بأرض (١) قال ابن إسحاق: ثم إن غُبْشان من خُزاعة ولِيَتِ البيتَ دون بني بكر بن عبد مناة، وكان الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغُبْشاني، وقُريش إذ ذاك حُلول وصِرَم (٢) وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة (٣). قالوا: وإنما سُميت خُزاعة خزاعة (٤) لأنهم تخزَّعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلوا بمرّ الظهران، فأقاموا به. قال عون بن أيوب الأنصاري ثمّ الخزرجي: في ذلك يقول بعضهم (٥): [من الطويل] فلمّا هبطْنا بطنَ مرّ تخزّعتْ … خُزاعةُ مِنّا في حُلُولِ كَرَاكرِ حمتْ كل وادٍ من تِهامةَ واحتمت … بصُمّ القَنا والمرهَفاتِ البواتر وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الأنصاري الأوسي: فلما هبطنا بطن مكة أحْمدت … خزاعةُ دارَ الآكل المتحامل فحلت أكاريسًا وشتّت قبائلًا … على كلِّ حيّ بينَ نجد وساحل (٦) نفَوا جُرهمًا عن بطن مكّة واحتبَوا … بعزَّ خزاعيّ شديدِ الكواهل فوليت (٧) خزاعة البيتَ يتوارثون ذلك كابرًا عن كابر، حتى كان آخرهم حُلَيْل بن حُبْشِية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي، الذي تزوّج قصي بن كلاب ابنته حُبَّى، فولدت له بنيه الأربعة: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزّى، وعبدا. ثمّ صار أمر البيت إلية كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه (٨) إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.

стр. 886

واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوًا من ثلاثمئة سنة، وقيل: خمسمئة سنة. والله أعلم. وكانوا مشؤومين (١) في ولايتهم، وذلك لأن في زمانهم كان أول عبادة الأوثان بالحجاز، وذلك بسبب رئيسهم عَمرو بن لُحي لعنه الله، فإنه أول من دعاهم إلى ذلك (٢)، وكان ذا مالٍ جزيل جدًا. يقال: إنه فقأ عين (٣) عشرين بعيرًا، وذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير، وكان من عادة العرب أنّ من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها كأنه (٤) يدفع بذلك العين عنها. وممن ذكر ذلك الأزرقي. وذكر السهيلي: أنه ربما ذَبح أيام (٥) الحجيج عشرة آلاف بَدَنة، وكسا عشرة آلاف حُلَّة في كلّ سنة يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل، ويلتُّ لهم السَّويق (٦). قالوا: وكان قولُه وفعلُه فيهم كالشرع المتّبع لشرفه فيهم، ومحلته عندهم، وكرمه عليهم. قال ابن هشام (٧): حدّثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لُحَي خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلما قدم مآبَ من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عِمْلاق، ويقال: ولا (٨) عمليق ابن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصر بها (٩) فتنصرنا. فقال لهم: ألا تعطوني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه. فأعطوه صنمًا يقال له: هبل، فقدِم به مكَة فنصبَه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل ﵇ أنه كان لا يَظْعَنُ من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفَسَحَ في البلاد (١٠) إلا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سَلَخَ ذلك

стр. 887

بهم (١) إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخُلوفُ، ونَسَوا ما كانوا عليه. وفي الصحيح عن أبي رجاء العُطاردي، قال: كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طُفنا بها. قال ابن إسحاق: واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل ﵉ غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم ﵇ يتمسكون بها، من تعظيم البيت، والطواف به، والحج، والعمرة، والوقوف على عَرفات والمزدلفة، وهَدْي البُدْن، والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. فيوحّدونه بالتلبية ويدخلون (٢) معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]. أي: ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكًا من خلقي. وقد ذكر السهيلي (٣) وغيره: أن أول من لبَّى هذه التلبية عمرو بن لُحي، وأن إبليس تبدّى له في صورة شيخ، فجعل يلقِّنه ذلك فيسمع منه، ويقول كما يقول، واتَّبعه العرب في ذلك. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا سمعهم يقولون: لبيك لا شريك لك يقول: "قَدٍ قَدٍ" (٤) أي: حَسْب حسب. وقد قال البخاري (٥): حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا إسرائيل، عن أبي حصين (٦)، عن (أبي صالح) (٧)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "عمرو بن لُحَي بن قَمْعَة بن خِندف أبو خُزاعة" تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قرأت على أبي: حدّثنا عمرو بن مجمع، حَدّثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال (٨): "إن أول من سَيَّبَ السَّوائب،

стр. 888

وعبدَ الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيتُه يجرُّ أمعاءه في النار" تفرّد به أحمد (١) من هذا الوجه. وهذا يقتضي أن عمرو بن لُحي هو أبو خزاعة الذي تنسب إليه القبيلة بكاملها، كما زعمه بعضهم من أهل النسب، فيما حكاه ابن إسحاق وغيره. ولو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرًا في ذلك، بل كالنص. ولكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه، فقال البخاري: حدّثنا (٢) أبو اليمان: أخبرنا شُعيب، عن الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيَّب قال: البَحيرةُ التي يُمْنَعُ دَرُّها للطواغيت ولا يحلُبها أحدٌ من الناس - والسائبة - التي كانوا يُسَيّبونها لآلهتهم فلا يُحملُ عليها شيء. قال، وقال (٣) أبو هريرة: قال النبي ﷺ : "رأيتُ عَمْرو بن عامر بن لُحَيّ (٤) الخزاعي يجر قُصْبَه في النار، وكان أولَ من سيّب السوائب". وهكذا رواه البخاري (٥) أيضًا، ومسلم (٦) من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة به. ثمّ قال البخاري: ورواه ابن الهاد عن الزهري. قال الحاكم: أراد (٧) رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت، عن الزهري. كذا قال. وقد رواه أحمد عن منصور (٨) بن سلمة الخزاعي [عن الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت عمرو بن عامر] (٩) يجر قُصْبَه في النار، وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة". ولم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بُخْت كما قال الحاكم. فالله أعلم. وقال أحمد أيضًا (١٠): حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قُصْبَه في النار، وهو أول من سَيَّب السوائب".

стр. 889

وهذا منقطع من هذا الوجه. والصحيح: الزُّهري، عن سعيد عنه كما تقدم. وقوله في هذا الحديث والذي قبله "الخزاعي" يدل على أنه ليس والد القبيلة بل منتسبٌ، فلعل (١) ما وقع في الرواية من قوله "أبو خزاعة" [تصحيف من الراوي من (أخو خزاعة)] (٢)، أو أنه كان يُكنى بأبي خزاعة، ولا جون ذلك من باب الإخبار بأنه أبو خزاعة كلّهم. والله أعلم. وفال محمد بن إسحاق (٣): حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي: أن أبا صالح السمّان حدّثه: أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجَوْن الخزاعي: "يا أكْثَم، رأيتُ عَمْرَو بنَ لُحي بن قَمعة بن خِنْدف يَجُرُّ قُصْبَه في النار، فما رأيتُ رجلًا أشبهَ برجُلٍ منكَ بِه ولا بِكَ مِنْهُ". فقال أكثم: عسى أن يَضُرَّني شبهه يا رسول الله؟! قال: "لا، إنك (٤) مؤمنٌ وهو كافر. إنه كانَ أولَ مَنْ غيّر دينَ إسماعيل فَنَصَبَ الأوثانَ، وبَحَر البَحِيْرَةَ، وسيَّب السائبة، ووَصَلَ الوَصِيْلَة، وحَمَى الحامي (٥) ". ليس في الكتب من هذا الوجه. وقد رواه ابن جرير عن هناد عن عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله. وليس في الكتب أيضًا. وقال البخاري (٦): حدّثني محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني، حدَّثنا حسان بن إبراهيم، حدّثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ جهنَّم يَحطم بعضُها بعضًا، ورأيتُ عَمْرًا يجرُّ قُصْبَه، وهو أول من سيّب السوائب". تفرّد به البخاري. وروى الطبراني من طريق صالح (٧)، عن ابن عباس مرفوعًا في ذلك (٨). والمقصود أن عمرو بن لُحَي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غيّر بها دينَ الخليل، فاتبعه العرب في ذلك، فَضَلُّوا بذلك ضلالًا بعيدًا بيّنًا فظيعًا شنيعًا. وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ

стр. 890

﴿الْكَذِبَ﴾ ..... الآية [الحل: ١١٦]. وقال تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣]. وقد تكلّمنا على هذا كلّه مبسوطًا وبيَّنا اختلافَ السلف في تفسير (١) ذلك، فمن أراده فليأخذه من ثَمَّ. ولله الحمد والمنة. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ [النحل: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٤٠]. قال البخاري في صحيحه (٢): باب جهل العرب: حدّثنا أبو النُّعمان، حدّثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: إذا سَرَّكَ أن تعلم جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [١٤٠]. وقد ذكرنا تفسير هذه الآية وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنّها كبيرُهم عَمرو بن لُحَي قبَّحه الله مصلحةً ورحمةً بالدواب والبهائم، وهو كاذب مفترٍ في ذلك، ومع هذا الجهل والضلال اتّبعه هؤلاء الجهلةُ الطَّغَام (٣) فيه، بل قد تابعوه فيما هو أطَمَّ (٤) من ذلك وأعظم بكثير، وهو عبادة الأوثان مع الله ، وبدَّلوا ما كان اللهُ بعث به إبراهيمَ خليلَه من الدين القويم والصراط المستقيم، من توحيد عبادة الله وحدَه لا شريك له، وتحريمِ الشرك، وغيّروا شعائر الحج ومعالمَ الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيحٍ ولا ضعيفٍ، واتّبعوا في ذلك مَن كان قبلهم من أمم المشركين، وشابهوا قومَ نوح،

стр. 891

وكانوا أول من أشرك بالله وعبد الأصنام، ولهذا بعث الله إليهم نوحًا وكان أول رسول بُعث يَنهى عن عبادة الأصنام، كما تقدم بيانه في قصة نوح (١) ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ الآية [نوح: ٢٣ - ٢٤]. قال ابن عباس: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم. وقد بيّنا كيفيةَ ما كان من أمرهم في عبادتهم بما أغنى عن إعادته هاهنا. قال ابن إسحاق (٢) وغيره: ثم صارت هذه الأصنام في العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل، فكان وَدٌّ لبني كلب بن وَبْرة (٣) بن تغلب بن حُلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة. وكان منصوبًا بدَوْمَة الجَنْدَلِ. وكان سُواع لبني هذيل بن إلياس بن مُدْرِكة بن مضر. وكان منصوبًا بمكان يقال له رُهَاط (٤). وكان يَغُوث لبني أنْعُمَ من طيّئ ولأهل جُرَش من مذحِج وكان منصوبًا بجرش (٥). وكان يَعُوقُ منصوبًا بأرض هَمْدان من اليمن لبني خَيْوان بطن من هَمْدان (٦). وكان نَسْر منصوبًا بأرض حِمْير لقبيلة يقال لهم: ذو الكلاع (٧). قال ابن إسحاق: وكان لخَولان بأرضهم صَنمٌ يقال له: عم أنس (٨) يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسمًا بينه وبين الله فيما يزعمون، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي قسموه له تركوه له، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردّوه عليه، وفيهم أنزل الله ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. قال: وكان لبني مِلْكان بن كنانة بن خُزيمة بن مُدركة صنم يقال له: سَعْدٌ، صخرةٌ بفلاة أرضهم طويلة، فأقبل رجلٌ منهم بإبلٍ له (٩) ليقفها عليه التماسَ بركتِه، فيما يزعم، فلما رأته الإبل، وكانت مرعيةً لا تُركب، وكان الصنم يُهرَاق عليه الدماء، نفرت منه فذهبت في كل وجه، وغضب ربها، فأخذ حجرًا فرماه به ثم قال: لا بارك الله فيك، نفرت عليّ إبلي، ثم خرج في طلبها، فلما اجتمعت له قال:

стр. 892

أتينا إلى سعدٍ ليجمعَ بيننا … فشتّتنا سعدٌ فلا نحنُ من سعد (١) وهل سعدُ إلّا صَخرةٌ بِتنوفةٍ … من الأرض لا يَهدي لغيّ ولا رُشْد (٢) قال ابن إسحاق: وكان في دوس صنم (٣) لعمرو بن حُممة الدوسي. قال وكانت قريش قد اتخذت صنمًا على بئر في جوف الكعبة يقال له: هبل، وقد تقدم فيما ذكره ابن هشام أنه أول صنم نصبه عمرو بن لُحَي لعنه الله. قال ابن إسحاق (٤): واتخذوا إسافًا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما. ثم ذكر أنهما كانا رجلًا وامرأةً، فوقع عليها في الكعبة فمسخهما الله حجرين (٥). ثم قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة أنها (٦) سمعت عائشة تقول: ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأةً من جُرهم، أحدثا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين. والله أعلم. وقد قيل (٧) إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها، بل مسخهما قبل ذلك، فعند ذلك نُصِبا عند الصفا والمروة، فلما كان عمرو بن لُحي نقلهما فوضعهما على زمزم وطاف الناس بهما. وفي ذلك يقول أبو طالب: وحيث يُنيخُ الأشْعَرونَ ركابَهُم … بِمُفْضَى السُّيولِ من إسافٍ ونائلِ (٨) وقد ذكر الواقدي: أن رسول الله ﷺ لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل والثبور (٩). وقد ذكر السهيلي: أن أجا وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز إنما سميا باسم رجل اسمه أجا بن عبد الحي فَجَرَ بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما. قال: وكان بين أجا وسلمى صنم لطيّئ يقال له: فَلْس (١٠).

стр. 893

قال ابن إسحاق (١): واتخذ أهل كل دار في دارهم صنمًا يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرًا تمسَّح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره. فإذا قدم من سفره تمسَّح به، فكان (٢) أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله. قال: فلما بعث اللهُ محمدًا ﷺ بالتوحيد قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]. قال ابن إسحاق: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سَدَنة وحُجَّاب، وتُهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها (٣)، وتنحر عندها كما تنحر عندها (٤). وهي مع ذلك تعرف فَضْل الكعبة عليها، لأنها بناءُ إبراهيم الخليل ﵇ ومسجده. فكانت لقريش وبني كنانة العُزَّى بِنَخْلَة، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سُلَيم حُلفاء بني هاشم - وقد خرّبها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي -. قال: وكانت اللاتُ لثقيف بالطائف، وكانت سدنتها وحجّابها بني مُعَتّب من ثقيف (٥) وخرّبها أبو سفيان والمغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف كما سيأتي. [قال] (٦): وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل المدينة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقُدَيْد (٧). وقد خرَّبها أبو سفيان أيضًا، وقيل علي بن أبي طالب كما سيأتي. قال: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بِتَبَاله (٨)، وكان يقال له: الكعبة اليمانية، ولبيت مكة الكعبة الشامية. وقد خرَّبه جرير بن عبد الله البجلي كما سيأتي. قال: وكان فلس لطيّئ (٩) بين أجا وسلمى، وهما جبلان مشهوران كما تقدم. قال: [وكان ريآم (١٠) بيتًا لحمير وأهل اليمن كما تقدم] (١١) ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير،

стр. 894

وقصة الحَبْرَيْن حين خرباه وقتلا منه كلبًا أسود. قال: وكانت رُضا (١) بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر، واسمه عمرو (٢) بن ربيعة بن كعب: [من الكامل] ولقد شددت على رُضاءٍ شَدَّةً … فتركتُها قفرًا بقاعٍ أسحما وأعان عبد الله في مكروهها … وبمثلِ عبد الله أَغْشى المَحْرما (٣) ويقال: إن المستوغر هذا عاش ثلاثمئة سنة وثلاثين سنة وكان أطول مضر كلها عمرًا، وهو الذي يقول: [من الكامل] ولقد سئمت من الحياة وطولها … وعمرت من عدد السنين مئينا مئة حدتها بعدها مئتان لي … وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقى إلا كما قد فاتنا … يوم يمرُّ وليلة تحدونا (٤) قال ابن هشام: وتُروى (٥) لزهير بن جناب بن هُبل. قال السهيلي: ومن المعمَّرين الذين جازوا المئتين والثلاثمئة زهير هذا، وعبيد بن شرية، ودَغْفَل بن حنظلة النسّابة، والربيع بن ضبع الفزاري، وذو الإصبع العدواني، ونصر بن دهمان بن أشجع بن ريث بن غطفان، وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه، وتقوَّم ظهره بعد اعوجاجه (٦). قال (٧): وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب بن وائل وإياد بِسَنْداد (٨)، وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة (٩):

стр. 895

بين الخَوْرَنَقِ والسَّدِيرِ وبارقٍ … والبيتِ ذي الشُّرفاتِ من سندادِ وأول هذه القصيدة (١): [من الكامل] ولقد علمتُ وإن تطاول بي المدى … أن السبيل سبيل ذي الأعواد ماذا أؤمّل بعد آل محرّق … تركوا منازلهم وبعد إياد نزلوا بأنقرةٍ يسيل عليهم … ماء الفرات يجيء من أطواد أرض الخورنق والسدير وبارق … والبيت ذي الشرفات من سنداد جرت الرياح على محلّ ديارهم … فكأنما كانوا على ميعاد وأرى النعيم وكل ما يُلهى به … يومًا يصير إلى بِلىً ونفاد قال السهيلي (٢): الخورنق: قصر بناه النعمان الأكبر لسابور ليكون ولده فيه عنده، وبناه رجل يقال له: سنِمَّار في عشرين سنة، ولم ير بناء أعجب منه، فخشي النعمان أن يبني لغيره مثله فألقاه من أعلاه فقتله. ففي ذلك يقول الشاعر (٣): [من البسيط] جزاني جزاه الله شر جزائه … جزاء سنمَّار وما كان ذا ذنب سوى رصه البنيان عشرين حجة … يعلقْ عليه بالقرامد والسكب (٤) فلما انتهى البنيان يومًا تمامه … وآض كمثل الطود والباذخ الصعب رمى بسنمَّار على حق رأسه … وذاك لعمر الله من أعظم الخطْب (٥) قال السهيلي: أنشده الجاحظ في كتاب الحيوان (٦). والسِّنمّار من أسماء القمر (٧). والمقصود أن هذه البيوت كلها هدمت، لما جاء الإسلام، جهز رسول الله ﷺ إلى كل بيت من هذه

стр. 896

سرايا تخربه، وإلى تلك الأصنام من كسرها، حتى لم يبق للكعبة ما يضاهيها، وعبد الله وحده لا شريك له، كما سيأتي بيانه وتفصيله في مواضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. * * * خبر عدنان جد عرب الحجاز [وهو الذي ينتهي إليه نسب رسول الله ﷺ ] (١) لا خلاف أن عدنان من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ﵉، واختلفوا في عدة الآباء بينه وبين إسماعيل. على أقوال كثيرة، فأكثر ما قيل: أربعون أبًا، وهو الموجود عند أهل الكتاب، أخذوه من كتاب رخيا كاتب أرميا بن حلقيا، على ما سنذكره. وقيل: بينهما ثلاثون. وقيل: عشرون. وقيل: خمسة عشر. وقيل: عشرة. وقيل: تسعة. وقيل: سبعة. وقيل: إن أقل ما قيل في ذلك: أربعة، لما رواه موسى بن يعقوب (٢) الزمعي، عن عمته، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ أنه قال: "معد بن عدنان بن أُدَدْ بن زند بن اليرى بن أَعْراق الثرى" (٣). قالت أم سلمة: فَزَنْد: هو الهَمَيْسع، واليَرى: هو نابت، وأعراق الثرى: هو إسماعيل لأنه ابن إبراهيم، وإبراهيم لم تأكله النار، كما أن النار لا تأكل الثرى. قال الدارقطني: لا نعرف زندًا إلا في هذا الحديث وزَنْدَ بن الجَون (٤) أبا دلامة الشاعر. قال الحافظ أبو القاسم السهيلي (٥)، وغيره من الأئمة: مدة ما بين عدنان إلى زمن إسماعيل أكثر من أن يكون بينهما أربعة آباء أو عشرة أو عشرون، وذلك أن معدّ بن عدنان كان عمره زمن بخت نصر ثنتي عشرة سنة. وقد ذكر أبو جعفر الطبري (٦) وغيره أن الله تعالى أوحى (٧) إلى أرميا بن حلقيا أن اذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني سلطته على العرب، وأمر الله لأرميا أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كي

стр. 897

لا تصيبه النقمة (١)، فإني مستخرجٌ من صلبه نبيًا كريمًا أختم به الرسل. ففعل أرميا ذلك، واحتمل معدا (٢) إلى أرض الشام، فنشأ مع بني إسرائيل ممن بقي منهم بعد خراب بيت المقدس، وتزوج هناك امرأة اسمها معانة بنت جوشن (٣) من بني دب بن جرهم قبل أن يرجع إلى بلاده، ثم عاد بعد أن هدأت الفتن وتمحضت جزيرة العرب (٤). وكان رخيا كاتب أرميا قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون في خزانة أرميا فيحفظ نسب معد (٥) لذلك. والله أعلم. ولهذا كره مالك ﵀ رَفْعَ النسب إلى ما بعد عدنان. قال السهيلي (٦): وإنما تكلمنا في رفع هذه الأنساب على مذهب من يرى ذلك ولم يكرهه، كابن إسحاق والبخاري والزُّبير بن بكار والطبري وغيرهم من العلماء. وأما مالك ﵀ فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك، وقال من أين له بعلم (٧) ذلك؟ فقيل له: فإلى إسماعيل؟ فأنكر ذلك أيضًا وقال: ومن يخبره به، وكره أيضًا أن يرفع في نسب الأنبياء مثل أن يقال: إبراهيم بن فلان بن فلان، هكذا ذكره المعَيْطي في كتابه (٨). قال: وقول مالك هذا نحو مما روى عن عروة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحدًا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل (٩). وعن ابن عباس أنه قال: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبًا لا يُعرفون. وروي عن ابن عباس أيضًا أنه كان إذا بلغ عدنان يقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثًا (١٠). والأصح

стр. 898

عن ابن مسعود مثله. وقال عمر بن الخطاب إنما تنسب إلى عدنان. وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه "الإنباه في معرفة قبائل الرواه" روى ابن لهيعة عن أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء عدنان ولا وراء قحطان إلا تخرُّصًا، وقال أبو الأسود: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم يقول: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم. قال أبو عمر (١): وكان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود وعمرو بن ميمون الأودي ومحمد بن كعب القرظي إذا تلوا ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] قالوا: كذب النسابون (٢). قال أبو عمر ﵀: والمعنى عندنا في هذا غير ما ذهبوا (٣)، والمراد أن من ادعى إحصاء بني آدم فإنهم لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم، وأما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك (٤). قال أبو عمر: والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا: عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور ابن (٥) يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉. وهكذا ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في "السيرة" (٦). قال ابن هشام: ويقال: عدنان بن أد، يعني عدنان بن أد بن أدد. ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى آدم كما قدمناه في قصة الخليل ﵇. وأما الأنساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جدًا لا يتمارى فيها اثنان، والنسب النبوي إليه أظهر وأوضح من فلق الصبح. وقد ورد حديث مرفوع بالنص عليه كما سنورده في موضعه بعد الكلام على قبائل العرب وذكر أنسابها وانتظامها في سلك النسب الشريف والأصل المنيف إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وما أحسن ما نظم النسب النبوي الإمام أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ في قصيدته المشهورة المنسوبة إليه وهي قوله: [من الطويل]

стр. 899

مدحتُ رسولَ الله أبغي بمدحِه … وُفورَ حظوظي من كريمِ المآربِ مدحتُ امرأً فاقَ المديحَ موحّدًا … بأوصافه عن مُبعِدٍ ومقارِب (١) نبيًّا تسامى في المشارقِ نورُه … فلاحتْ هَواديه لأهل المغاربِ أتتنا به الأنباءُ قبلَ مجيئه … وشاعتْ به الأخبارُ في كلّ جانب وأصْبَحَتِ الكُهَّانُ تهتفُ باسمهِ … وتنفي به رجمَ الظنونِ الكواذب وأُنطِقت الأصنامُ نطقًا تبرّأت … إلى الله فيهِ من مَقالِ الأكاذب وقالت لأهل الكفر قولًا مبيّنًا: … أتاكم نبيٌّ من لؤيّ بنِ غالب ورامَ استراقَ السمع جنٌّ فزيّلتْ … مقاعدَهم منها رجومُ الكواكب (٢) هدانا إلى ما لم نكنْ نهتدي له … لطولِ العمى من واضحات المذاهب وجاء بآت تبيّن أنها … دلائلُ جبّارٍ مثيبِ معاقب فمنها انْشقاقُ البدرِ حين تعمّمت … شعوبُ الضيا منه رؤوس الأخاشب (٣) ومنها نبوعُ الماء بينَ بَنانه … وقد عدِم الورَّاد قربَ المشارب (٤) فروَّى به جمًّا غَفيرًا وأسْهلت … بأعناقِهِ طوعًا أكُفّ المذانِب (٥) وبئرٍ طفتْ بالماء من مَسّ سَهْمِه … ومن قبلُ لم تسمح بمَذْقةِ شارب (٦) وضرع مَرَاهُ فاستدرّ ولم يكنْ … به دِرّةٌ تُصغي إلى كفّ حالب ونُطقٍ فصيحٍ من ذِراع مبينةٍ … لكيدِ عدوٍّ للعداوة ناصب وإخبارِه بالأمر من قبلِ كونه … وعندَ بواديه بما في العواقب ومن تلكم الآياتِ وَحيٌ أتى به … قريب المآتي مستجمّ العجائب تقاصرتِ الأفكارُ عنه فلم يطعْ … بليغًا ولم يَخْطُر على قلبِ خاطب حَوى كلَّ عِلمٍ واحْتَوى كلَّ حِكمةٍ … وفاتَ مرامَ المستمرّ الموارب

стр. 900

أتانا به لا عَن رَويَّة مرتئٍ … ولا صُحْفِ مُسْتَمْلٍ ولا وصفِ كاتب يواتيه طورًا في إجابةِ سائلٍ … وإفتاءِ مستفْتٍ ووعْظ مخاطب وإتيان برهانٍ وفرضِ شرائعٍ … وقصِّ أحاديثٍ ونصّ مآرب وتصريف أمثالٍ وتثبيتِ حُجّة … وتعريفِ ذي جَحدٍ وتوقيف كاذب وفي مَجمع النادي، وفي حومةِ الوغى … وعندَ حدوثِ المعضِلات الغرائب فيأتي على ما شئتَ من طُرقاته … قويمَ المعاني مستدرَّ الضَّرائب يصدّقُ منه البعضُ بعضًا كأنما … يلاحَظ معناه بعينِ المراقب وعجْزُ الورَى عن أن يجيؤوا بمثلِ ما … وصَفناهُ معلومٌ بطول التجارب تأبَّى (بعبدِ الله) أكرمِ والدٍ … تبلّجَ منْه عن كريمِ المناسب و (شيبة) ذي الحمدِ الذي فخرت به … قريشٌ على أهلِ العُلَى والمناصب ومَن كان يُستسْقَى الغمامُ بوجهه … ويُصدَر عن آرائه في النوائب و (هاشمٌ) الباني مُشيد افتخارِه … بعزّ المساعي وامتهانِ المواهب (١) و (عبدِ مناف) وهو علَّم قومَه اشـ … ــــتطاط الأماني واحتكامَ الرغائب وإن (قُصَيًّا) من كريمِ غِراسه … لفي مَنهلٍ لم يَدنُ من كف قاضب به جَمع الله القبائلَ بعد ما … تقسَّمها نهبُ الأكفّ السوالب وحلَّ (كلابٌ) من ذُرى المجدِ معقلًا … تقاصَرَ عنه كلُّ دانٍ وغَائب و (مُرَّة) لم يحلل مريرةَ عزمه … سِفاهُ سَفيهٍ أو مَحُوبةُ حائب (٢) و (كعب) عَلَا عن طالبِ المجدِ كعبُه … فنال بأدنى السعي أعلا المراتب وألوى (لؤيٌ) بالعُداة فطُوّعت … له هِمَمُ الشُّمِّ الأنوفِ الأغالب وفي (غالبٍ) بأسٌ أبَى البأسُ دونهم … يُدافع عنهم كلّ قِرنٍ مُغالب وكانت (لفهرٍ) في قريشٍ خَطابة … يعوذُ بها عندَ اشتجارِ المُخاطب وما زالَ منهم (مالكٌ) خيرَ مالكٍ … وأكرمَ مصحوبٍ وأكرمَ صاحبِ و (للنضْر) طولٌ يقصُرُ الطَّرفُ دونَه … بحيثُ التقى ضوءَ النجومِ الثواقب لَعَمري لقد أبدى (كِنانةُ) قبله … محاسنَ تأبى أن تَطوعَ لغالب (٣)

стр. 901

ومن قبله أبقى (خُزيْمَةُ) حَمْدَه … تليدَ تُراثٍ عن حَميدِ الأقارب (١) و (مدرِكةٌ) لم يدركِ الناسُ مثلَه … أعفّ وأعلى عن دنيّ المكاسب و (إلياسُ) كان اليأسُ منه مُقارِنًا … لأعدائه قبل اعتدادِ الكتائب وفي (مُضَرٍ) يُستجمَع الفخرُ كلُّه … إذا اعتركتْ يومًا زُحُوفُ المقانب (٢) وحلَّ (نزارٌ) من رياسة قومه … محلًّا تسامى عن عيونِ الرواقب (٣) وكان (معدّ) عِدَّةً لوليّه … إِذا خافَ من كيدِ العدوّ المحارب وما زال (عدنان) إذا عُدّ فضلُه … توحَّد فيه عن قرينٍ وصاحب و (أُدّ) تأدّى الفضلُ منه بغايةٍ … وإرثٍ حواهُ عن قُرومٍ أشايب (٤) وفي (أُدَدٍ) حلْم تزيَّنَ بالحِجا … إذا الحلم أزهاهُ قطوبُ الحواجب وما زال يَستعلي (هَميسعُ) بالعلى … ويبلغ آمالَ البعيدِ المراغب (٥) و (نبتٍ) بنتْهُ دوحةُ العزّ وابتغى … معاقلَه في مُشْمَخرِّ الأهاضب (٦) وحِيزتْ (لِقيذارٍ) سماحةُ حاتم … وحكمةُ لقمانٍ وهمّةُ حاجب هُموا نسلُ (إسماعيل) صادقِ وعدِه … فما بعدَه في الفخرِ مَسْعىً لذاهب وكان (خليلُ الله) أكرمَ من عَنَت … له الأرضُ من ماشٍ عليها وراكب و (تارحُ) ما زالتْ له أرْيَحِيّة … تُبيّنُ منه عن حميد الضرائب (٧) و (ناحورُ) نحّارُ العِدى حُفظت له … مآثرُ لمَّا يُحصِها عدُّ حاسب و (أشرعُ) في الهيجاء ضَيْغمُ غابةٍ … يقدُّ الطّلى بالمرهَفات القواضب (٨) و (أرغو) فنابٌ في الحروب مُحكَّم … ضنينٌ على نفس المشيح المغالب وما (فالغٌ) في فضله تِلو قومِه … ولا (عابرٌ) من دونهم في المراتب (٩) و (شالخ) و (ارفخشذ) و (سام) سمتْ بهم … سجايا حمتْهم كلّ زارٍ وعائب

стр. 902

وما زال (نوحٌ) عند ذي العرش فاضلًا … يعدّده في المصطَفَين الأطايب و (لمكٌ) أبوهُ كان في الرَّوْع رائعًا … جريئًا على نفس الكميِّ المضارب ومن قبلِ لمكٍ لم يزل (متوشلخ) … يذودُ العِدى بالذائدات الشوازب وكانت (لإدريسَ) النبيّ منازلٌ … مِنَ الله لم تُقرن بهمّة راغب و (ياردٌّ) بحرٌ عند آلِ سراته … أبيُّ الخزايا مُستدقّ المآرب وكانت (لمهلاييل) فيه فضائلٌ … مهذَّبةٌ من فاحشات المثالب و (قينان) من قبلُ اقتنى مجدَ قومه … وقادَ بشأوِ الفضل وَخْدَ الركائب (١) وكان (أنوش) ناشَ للمجد نفسَه … ونزّهها عن مُردِيات المطالب وما زال (شيثٌ) بالفضائل فاضلًا … شريفًا بريئًا من ذميم المعايب وكلّهمُ من نورِ (آدم) أَقبسوا … وعن عودِه أجْنوا ثمار المناقب وكان رسول الله أكرمَ منجَبٍ … جرى في ظهور الطيّبين المناجب مقابلةً آباؤه أمهاتِه … مُبرّأة منْ فاضحات المثالب عليه سلامُ الله في كلِّ شارقٍ … ألاحَ لنا ضوءًا وفي كلّ غارب هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر بن عبد البر (٢)، وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المِزي في "تهذيبه" (٣) من شعر الأستاذ أبي العباس عبد الله بن محمد الناشئ المعروف بابن شِرْشِير (٤)، أصله من الأنبار، وورد بغداد ثمّ ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومئتين. وكان متكلمًا معتزليًا، يحكي عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه "المقالات" فيما يحكي عن المعتزلة. وكان شاعرًا مطبقًا حتى إنه من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء في المعاني، فينظم في مخالفتهم ويبتكر ما لا يطيقونه من المعاني البديعة والألفاظ البليغة، حتى نسبه بعضهم إلى التهوّس والاختلاط. وذكر الخطيب البغدادي أن له قصيدةً على قافية واحدة قريبًا من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم، وأرخ وفاته كما ذكرنا (٥). قلت: هذه قصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته وعلمه وفهمه وحفظه، وحسن لفظه، واطلاعه واضطلاعه واقتداره على نظم هذا النسب الشريف في سلك شعره، وغوصه على هذه المعاني التي هي جواهر نفيسة من قاموس بحره، فرحمه الله وأثابه وأحسن مصيره وإيابه.

стр. 903

ذكر أصول أنساب قبائل عرب الحجَاز إلى عدنان (١) وذلك لأن عدنان وُلِد له ولدان: معدّ وعك. قال السهيلي: ولعدنان أيضًا ابن اسمه الحارث، وآخر يقال له (٢) المذهب. قال وقد ذكر أيضًا في بنيه الضحاك. وقيل إن الضحاك ابن لمعدّ لا ابن عدنان. قال: وقيل: إن عدن الذي تُعرف به مدينةُ عدَن، وكذلك أَبْيَن، كانا ابنين لعدنان. حكاه الطبري (٣). فتزوج عك في الأشعريين وسَكَن في بلادهم من اليمن، فصارت لغتهم واحدة (٤)، فزعم بعض أهل اليمن أنهم منهم فيقولون: عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد بن الغوث، ويقال: عك بن عدنان بن الذيب بن عبد الله بن الأسد، يقال: الريث بدل الذيب، والصحيح ما ذكرنا من أنهم من عدنان (٥). قال عباس بن مرداس: [من الطويل] وعكّ بن عدثانَ الذين تَلَقَّبُوا … بغسّانَ حتى طُرِّدوا كلَّ مَطرد (٦) وأما معد: فوُلِد له أربعة: نزار، وقضاعة، وقُنُص، وإياد. وكان قضاعةُ بكرَه، وبه كان يُكنى، وقد قدّمنا (٧) الخلاف في قضاعة، ولكن هذا هو الصحيح عند ابن إسحاق (٨) وغيره. والله أعلم. وأما قُنُص: فيقال: إنهم هلكوا ولم يبقَ لهم بقيةٌ، إلا أن النعمان بن المنذر الذي كان نائبًا لكسرى على الحيرة كان من سُلالته على قول طائفة من السلف (٩). وقيل بل كان من حمير، كما تقدم. والله أعلم. وأما نزار: فولد لهم ربيعة ومضر وأنمار. قال ابن هشام: وإياد بن نزار كما قال الشاعر (١٠): [من الرمل] وفُتُوٍّ حَسَنٌ أَوْجُهُهُم … مِن إيادِ بنِ نزار بن مَعَدّ

стр. 904

قال: وإياد ومضر شقيقان، وأمهما: سَوْدة بنت عكّ بن عدنان. وربيعة وأنمار شقيقان، أمهما شُقيقة، ويقال (١): جُمعة بنتُ عك بن عدنان. قال ابن إسحاق (٢): فأما أنمار فهو والد خَثْعَم، وبَجِيلة، قبيلة جرير بن عبد الله البجلي (٣). قال وقد تيامنت فلحقت باليمن. قال ابن هشام: وأهل اليمن يقولون: أَنمار بن إراش بن لِحْيان بن عمرو بن الغوث بن نَبْت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. قلت: والحديث المتقدم في ذكر سبأ يدل على هذا. والله أعلم. قالوا: وكان مضر أول من حَدا، وذلك لأنه كان حَسَنَ الصوت، فسقط يومًا عن بعيره، فَوَثِيَت يده فجعل يقول: وايدياه وايدياه، فأَعْنَقَتِ الإبل لذلك (٤). قال ابن إسحاق (٥): فولد مضر بن نزار رجلين: إلياس وعَيلان، ووُلد لإلياس مُدركة وطابخة وقَمَعَة، وأمهم خِنْدف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة. قال ابن إسحاق: وكان اسم مُدركة عامرًا، واسم طابخة عمرًا، ولكن اصطاد صيدًا فبينا هُما يطبخانه إذ نفرت الإبل، فذهب عامر في طلبها حتى أدركها، وجلس الآخر يطبخ، فلما راحا على أبيهما ذكرا له ذلك، فقال لعامر: أنت مُدركة، وقال لعمرو: أنت طابخة (٦). قال: وأما قَمعَة فيزعم نُسّاب مُضَر أن خُزاعة من ولد عمرو بن لُحي بن قمعة بن إلياس (٧). قلت والأظهر أنه منهم لا والدهم، وأنهم من حمير كما تقدم (٨). والله أعلم. قال ابن إسحاق: فولد مُدركة: خُزيمة وهذيل، وأمهما امرأة من قُضاعة. وولد خُزيمة: كنانة

стр. 905

وأسدًا وأَسَدَة والهون. وزاد أبو جعفر الطبري (١) في أبناء كنانة على هؤلاء الأربعة: عامرًا، والحارث، والنضير، وغنمًا، وسعدًا، وعوفًا، وجرولًا، والحدال، وغزوان. قال وولد كنانة النضر ومالكًا وعبد مناة ومِلْكان (٢). الكلام على (٣) قريش نسبًا واشتقاقًا وفضلًا وهم بنو النضر بن كنَانة قال ابن إسحاق (٤): وأم النَّضر بَرَّةُ بنت مرّ بن أد بن طابخة، وسائر (٥) بنيه لامرأة أخرى. وخالفه ابن هشام فجعل برَّة بنت مرّ أم النضر ومالك ومِلكان. وأم عبد مناة هالة بنت سُويد بن الغطريف من أزد شَنُوءة. قال ابن هشام: النضر هو قُريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. قال: ويقال: فِهر بن مالك هو قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. وهذان القولان قد حكاهما غير واحد من أئمة (٦) النسب كالشيخ أبي عمر بن عبد البر، والزبير بن بكار ومصعب، وغير واحد (٧). قال أبو عُبيد، وابن عبد البر: والذي عليه الأكثرون أنه النضر بن كنانة، لحديث الأشعث بن قيس. قلت: وهو الذي نصّ عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وهو جادة مذهب الشافعي ﵁. ثم اختار أبو عمر أنه فِهر بن مالك، واحتج بأنه ليس أحد اليوم ممن ينتسب إلى قريش إلا وهو يرجع في نسبه إلى فهر بن مالك. ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير بن بكّار ومصعب الزبيري وعلي بن كيسان، قال: وإليهم المرجع في هذا الشان. وقد قال الزبير بن بكار: وقد أجمع نُسَّاب قريش [وغيرهم أن قريشًا إنما تفرقت من فهر بن مالك، والذي عليه من أدركت من نُسّاب قريش] (٨) أن ولد

стр. 906

فهر بن مالك قريش، وأن من جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش، ثم نصر هذا القول نَصْرًا عزيزًا وتحامى له ونحوه بأنه أعلم (١) بأنساب قومهم وأحفظ لمآثرهم. وقد روى البخاري (٢) من حديث كليب بن وائل قال: قلت لرَبيبة النبي ﷺ يعني زينب، في حديث ذكره: أخبريني عن النبي ﷺ ممن كان، من مضر؟ قالت: فممن كان إلا من مضر، كان (٣) من بني النضر بن كنانة. وقال الطبراني (٤): حدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدّثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدّثنا الحسن بن صالح، عن أبيه، عن الجُفْشيش (٥) الكندي قال: جاء قوم من كندة إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أنت منا، وادّعوه. فقال: "لا (٦) نقفوا أمّنا ولا ننتفي من أبينا، نحن ولد (٧) النضر بن كنانة". وقال الإمام أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد (٨) حدثنا أبي، حدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٩) قال جاء رجل من كندة يقال له: الجفشيش إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نَزْعم أن عبد مناف منا، فأعرضَ عنه، ثم عاد فقال مثل ذلك، ثم أعرض عنه، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : "نحْنُ بَنو النضر بن كنانة لا نَقْفوا أُمّنا ولا ننتفي من أبينا". فقال الأشعث: ألا كنتَ سكتَّ في المرة الأولى فأبطل ذلك من (١٠) قولهم على لسان نبيه ﷺ . وهذا غريب أيضًا من هذا الوجه. والكلبي ضعيف. والله أعلم (١١).

стр. 907

وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا بَهْز وعفّان قالا: حدّثنا حماد بن سلمة، قال: حدثني عقيل بن أبي طلحة. قال عفان: عقيل بن طلحة السلمي، عن مسلم بن الهَيْضَم، عن الأشعث بن قيس أنه قال: أتيتُ رسول الله ﷺ في وفد كِندة. قال عفان -لا يَرَوْني أَفْضَلَهم- قال: فقلت: يا رسولَ الله إنّا نزْعُم أنّكم مِنّا. قال: فقال رسول الله ﷺ : "نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا (١) أُمَّنا ولا ننتفي من أبينا". قال: فقال الأشعث بن قيس: فوالله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جَلَدْته الحد (٢). وهكذا رواه ابن ماجه من طرق عن حماد بن سلمة، به (٣). وهذا إسناد جيد قوي، وهو فَيْصل في هذه المسألة، فلا التفات إلى قول من خالفه، والله أعلم، ولله الحمد والمِنة. وقد قال جرير (٤) بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان: [من الوافر] فما الأمّ التي وَلَدت قريشًا … بمُقْرِفَة النِّجارِ ولا عَقيمِ وما قَرْمٌ بأنجبَ من أبيكم … ولا خالٌ بأكرمَ من تميم قال ابن هشام: يعني أم النضر بن كنانة، وهي بَرّة بنت مُرّ أخت تميم بن مر (٥). وأما اشتقاق قريش فقيل: من التقَرُّش وهو (٦) التجمُّع بعد التفرُّق، وذلك في زمن قُصي بن كِلاب، فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم كما سيأتي بيانه. وقد قال حذافة بن غانم العدوي (٧): [من الطويل] أبوكم قُصَيّ كان يُدعى مُجمِّعًا … به جمَع اللهُ القبائلَ من فِهْر وقال بعضهم: كان قُصي يقال له: قريش، قيل: من التجمّع، والتقرّش: التجمع كما قال أبو جِلْدة اليشكري (٨): [من الخفيف]

стр. 908

إخْوةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَينا … في حديثٍ من دهرِنا وقَدِيْمِ وقيل: سميت (قريش) من التقرُّش، وهو التكسُّب والتجارة. حكاه ابن هشام ﵀ (١). وقال الجوهري: القَرْشُ: الكَسْب والجمعُ، وقد قَرَش يَقْرِش. قال الفرّاء: وبه سُميت قريشٌ، وهي قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة، فكل من كان من ولده فهو قُرَشي دون ولد كنانة، ومن فوقه (٢). وقيل: من التفتيش. قال هشام بن الكلبي: كان النضر بن كنانة تسَمَّى قُريشًا لأنه كان يقرِش عن خُلَّة الناس وحاجتهم فيسدُّها بماله، والتقريش هو التفتيش، وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم، فسُمّوا بذلك من فعلهم وقرشهم قريشًا (٣). وقد قال الحارث بن حِلِّزة في بيان أن التقرُّش التفتيش: [من الخفيف] أيُّها الناطقُ المقرِّش عنّا … عندَ عمروٍ فهلْ له إبقاء (٤) حكى ذلك الزبير بن بكار. وقيل: قُرَيش تصغير قرش، وهو دابة في البحر. قال بعض الشعراء: وقريشٌ هي التي تسكن البحـ … ـــــرَ بها سُمّيت قريشٌ قريشا قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني (٥)، حدّثنا محمد بن الحسن بن الخليل النَّسوي (٦)، أن أبا كُريبٍ حدَّثهم: حدّثنا وكيع بن الجراح، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن أبي ركانة العامري، أن معاوية قال لابن عباس: فلم سُمِّيت قريش قريشًا؟ فقال لدابة تكون في البحر، تكون أعظم دوابه فيقال لها: القرش، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته. قال: فأنشِدْني في ذلك شيئًا، فأنشده شعرَ الجُمحي إذ يقول: [من الخفيف] وقريشٌ هي التي تسكنُ البحـ … ـــرَ بها سُمّيتْ قريشٌ قريشا تأكلُ الغثَّ والسَّمينَ ولا … تتركن لذي الجناحين رِيشا هكذا في البلادِ حيّ قريش … يأكلون البلادَ أكلًا كميشا (٧)

стр. 909

ولهم آخر الزمانِ نبيٌّ … يُكْثِرُ القتلَ فيهمُ والخُموشا وقيل: سُمُّوا بقريش بن الحارث بن يخلُد بن النضر بن كنانة، وكان دليل بني النضر وصاحب (١) مِيْرتهم، فكانت العرب تقول: قد جاءت عِير قريش (٢)، قالوا: وابنه (٣) بدر بن قريش هو الذي حفر البئر المنسوبة إليه التي كانت عندها الوقعة العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان. والله أعلم. ويقال في النسبة إلى قريش: قُرَشي وقُرَيْشي. قال الجوهري: وهو القياس. قال الشاعر: [من الطويل] بكُلِّ قُرَيشيّ عَلَيهِ مهابةٌ … سريعٌ إلى داعي النَّدا والتَكَرُّم (٤) قال فإذا (٥) أردت بقريش الحي صرفته، وإن أردت القبيلة منعته. قال الشاعر في ترك الصرف: [من الكامل] وكفى قريشَ المعضلاتِ وسادَها (٦) وقد روى مسلم في صحيحه (٧) من حديث أبي عمرو الأوزاعي قال: حدّثني شدّاد أبو عمار، حدّثني واثِلَة بن الأَسْقَع قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله اصطفى كِنانةَ من وَلَدِ إسماعيل، واصْطَفى قُريشًا من كِنانةَ، واصطفى هاشِمًا من قريش، واصطفاني مِنْ بني هاشم". قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: بنو عبد المطلب فصيلة رسول الله ﷺ ، وبنو هاشم فخذه، وبنو عبد مناف بطنه، وقريش عِمارته، وبنو كنانة قبيلته، ومضر شَعبه، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين (٨). ثم قال ابن إسحاق: فولد النضر بن كنانة مالكًا ويَخْلُد (٩). قال ابن هشام: والصَّلْت، وأُمُّهم جميعًا بنت سعد بن الظَّرِب العُدواني. قال كثيِّر بن عبد الرحمن وهو كُثير عَزَّة أحد بني مُلَيح بن عمرو من خزاعة: أَلَيْس أبي بالصَّلتِ أمْ ليس إِخْوتي … لِكلِّ هجانٍ من بَنىِ النضْر أَزْهرا

стр. 910

رأيت ثيابَ العَصْبِ مختلطَ السَّدَى … بنا وبهمْ والحَضْرَميَّ المخَصَّرا (١) فإن لم تكونوا من بني النضْرِ فاتْركوا … أراكًا بأذنابِ الفَوائجِ أخْضَرا (٢) قال ابن هشام: وبنو مليح بن عمرو يُعزَوْن إلى الصلت بن النضر (٣). قال ابن إسحاق: فولد مالكُ بن النضر فِهْرَ بنَ مالك، وأمه جَنْدلة بنت الحارث بن مُضاض الأصغر، وولد فِهر غالبًا ومُحاربًا والحارث وأَسَدًا، وأمهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة. قال ابن هشام: وأختهم لأبويهم (٤) جندلة بنت فهر. قال ابن إسحاق: فولد غالبُ بن فهر لؤيَّ بنَ غالب، وتيمَ بن غالب، وهم الذين يقال لهم: بنو الأدْرَم، وأمهما سلمى بنت عَمرو الخُزاعي. قال ابن هشام: وقيس بن غالب، وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعي، وهي أم لؤي وتيم ابني غالب (٥). قال ابن إسحاق: فولدَ لُؤيُّ بن غالب أربعَةَ نفرٍ: كعبًا وعامرًا وسامة وعوفا (٦). قال ابن هشام: ويقال: والحارث وهم جُشم بن الحارث في هِزّان من ربيعة وسَعْد بن لؤي، وهما بُنَانة في شيبان بن ثعلبة، وبُنانة حاضِنَة لهم. وخزيمة بن لؤي، وهم عائذة في شيبان بن ثعلبة (٧). ثم ذكر ابن إسحاق (٨) خبر سامة بن لؤي، وأنه خرج إلى عُمان، فكان بها، وذلك لشَنَآن (٩) كان بينه وبين أخيه عامر، فأخافَه عامر، فخرجَ عنه هاربًا إلى عُمان، وأنه مات بها غريبًا، وذلك أنه كان يرعى ناقَتَه، فعلقت حية بمشفرها، فوقعت لشقِّها، ثم نهشت الحيةُ سامةَ حتى قتلته (١٠). فيقال: إنه كتب بأصبعه على الأرض: [من الخفيف]

стр. 911

عينُ فابكي لِسَامةَ بنِ لؤيّ … عُلِقَتْ ما بِسَامةَ العَلَّاقه لا أَرى مِثلَ سامةَ بن لُؤَيٍّ … يومَ حَلّوا به قتيلًا لناقه بَلِّغا عامرًا وسعدًا رسولًا … أن نفسي إليهما مشتاقه (١) إن تكن في عُمانَ داري فإني … غالبيٌّ خَرجْتُ من غَير فاقه رُبَّ كأسٍ هرقتَ يا ابنَ لُؤي … حَذَرَ الموتِ لم تَكُن مُهراقه رُمتَ دَفْعَ الحتوفِ يا بنَ لُؤي … ما لمنْ رامَ ذاك بالحتْفِ طاقه وخَروس السُّرى تركْت رَديًا … بعد جِدّ وجِدّةٍ ورشاقَه (٢) قال ابن هشام (٣): وبلغني أن بعض وَلَده أتى رسول الله ﷺ فانتسب إلى سامة بن لؤي، فقال له رسول الله ﷺ : "الشاعر؟ " فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله: رُبَّ كأسٍ هَرقتَ يا بنَ لؤي … حَذَرَ الموتِ لم تَكنْ مُهراقه فقال: أجل. وذكر السهيلي عن بعضهم أنه لم يُعْقِب. وقال الزبير: ولَدَ أسامةُ بن لؤي غالبًا، والنبيت، والحارث، قالوا: وكانت له ذرية بالعراق يبغضون عليًا، ومنهم علي بن الجعد، كان يشتم أباه لكونه سمّاه عليًا. ومن بني سامة بن لؤي محمد بن عَرْعَرة بن اليزيد شيخ البخاري (٤). وقال ابن إسحاق: وأما عوف بن لؤي فإنه خرج فيما يزعمون في ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غَطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أُبْطِئ به، فانطلق مَن كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد، وهو أخوه في نسب بني ذبيان، فحبسه وزوَّجه والتاطه (٥) وآخاه، فشاع نسبه في ذبيان وثعلبة فيما يزعمون (٦). قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أن عمر بن الخطاب قال: لو كنتُ مدّعيًا حيًا من العرب أو مُلحِقَهم بنا لادّعيتُ بني مرة بن

стр. 912

عوف، إنا لَنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع. يعني عوف بن لؤي (١). قال ابن إسحاق: وحدثني مَن لا أتّهم أن عمر بن الخطاب قال لرجل منهم من بني مُرّة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه (٢). قال ابن إسحاق: وكان القوم أشرافًا في غطفان، هم سادتهم وقادتهم، قوم لهم صيت (٣) في غطفان وقيس كلها، فأقاموا على نسبهم (٤). قالوا: وكانوا يقولون إذا ذكر لهم نسبهم ما ننكره وما نجحده (٥)، وإنه لأحب النسب إلينا. ثم ذكر أشعارهم في انتمائهم إلى لؤي (٦). قال ابن إسحاق: وفيهم كان البَسْلُ، وهو تحريم ثمانية أشهر لهم من كل سنة من بين العرب، وكانت العرب تعرف لهم ذلك ويأمنونهم فيها ويؤمّنونهم أيضًا (٧). وكانت ربيعة ومضر إنما يحرّمون أربعة أشهر من السنة، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، واختلفت ربيعةُ ومضر في الرابع، وهو رجب. فقال مضر: هو الذي بين جمادى وشعبان. وقالت ربيعة: هو الذي بين شعبان وشوال. وقد ثبت في الصحيحين (٨) عن أبي بَكْرة أن رسول الله ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: "إنَّ الزمانَ قدِ اسْتدارَ كَهيئته يومَ خلق [الله] (٩) السماوات والأرض، السنةُ اثنا عَشَر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورَجَبُ مُضَر الذي بين جمادى وشعبان" فنص على ترجيح قول مضر لا ربيعة، وقد قال الله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] فهذا ردّ على بني عوف بن لؤي في جَعلهم الأشهر الحرم ثمانيةً، فزادوا على حكم الله وأدخلوا فيه ما ليس منه. وقوله في الحديث: "ثلاث متواليات" رد على أهل النسيء الذين كانوا يؤخّرون تحريم المحرَّم إلى صفر. وقوله فيه "ورجب مضر" ردٌّ على ربيعة.

стр. 913

قال ابن إسحاق: فولد كعب بن لؤي ثلاثةً، مرة، وهُصَيْصَا، وعديا (١)، وولد مُرَّةُ، ثلاثةً أيضًا: كلاب بن مرَّة، وتيم بن مرة، ويَقَظَة بن مُرة، من أمهات ثلاث. قال: وولد كلابٌ رجلَين: قُصَيّ بن كلاب وزُهْرَة بن كلاب، وأمهما فاطمة بنت سعد بن سَيَل أحد الجَدَرَة من جُعْثُمة الأسْدِ من اليمن حلفاء بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وفي أبيها يقول الشاعر: ما نرى في الناسِ شخْصًا واحدًا … مَنْ عَلمناه كَسَعْد بنِ سَيَلْ فارسًا أضبطَ فيه عُسْرَةٌ … وإذا ما واقَفَ القِرنَ نَزَل (٢) فارسًا يستدرج الخيلَ كما اسـ … ـــتدرجَ الحرُّ القَطاميُّ الحجَل (٣) قال السهيلي: سَيَل اسمه خير بن حَمَالة، وهو أول من طُلِيت له السيوفُ بالذهب والفضة (٤). قال ابن إسحاق: وإنما سُمُّوا الجدَرَة لأن عامر بن عمرو بن خزيمة بن جُثْعمة تزوّج بنتَ الحارث بن مُضَاض الجُرهمي، وكانت جرهم إذ ذاك ولاةَ البيت، فبنى للكعبة جدارًا، فَسُمّي عامر بذلك الجدار، فقيل لولده: الجدَرة لذلك. * * * خبر قصيّ بن كلاب وما كان من أمره في ارتجاعه ولاية البَيت إلى قريش وانتزاعه ذلِك من خزاعة واجتماع قريش إلى الحرم الذي جعله الله أمنًا للعباد بعد تفرقها في البلاد وتمزقها في الجبال والمهاد (٥) وذلك أنه لما مات أبوه كلاب تزوج أمَّه ربيعةُ بنُ حرامِ من عُذرة، وخرج بها ويه إلى بلاده، ثم قدِم قُصَيّ مكةَ وهو شاب، فتزوج حُبَّى ابنةَ رئيس خزاعة حُلَيْل بن حُبْشِيَّة. فأما خُزاعة فزعم (٦) أن حُليلًا أوصى إلى قُصي بولاية البيت لما رأى من كثرة نَسْله من ابنته، وقال: أنت أحق بذلك مني (٧).

стр. 914

وقال ابن إسحاق: ولم نسمع ذلك إلا منهم. وأما غيرهم فإنهم يَزْعُمُون أنه استغاث بإخوته من أمه، وكان رئيسهم رزاح بن ربيع وإخوة (١) إخوته، وبني كنانة، وقضاعة، ومَنْ حَول مكة من قريش وغيرهم (٢)، فأجلاهم عن البيت، واستقل هو بولاية البيت، إلا أن (٣) إجازة الحجيج كانت إلى صُوْفة، وهم بنو الغوث بن مُرّ بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، فكان الناس لا يرمون الجمار حتى يرموا، ولا ينفرون من مِنًى حتى ينفروا، فلم يزل كذلك فيهم حتى انقرضوا، فورثهم ذلك بالقُعْدُد (٤) بنو سعد بن زيد مناة بن تميم (٥)، فكان أولهم صفوان بن الحارث ابن شِجْنَة بن عُطَارد بن عوف بن كَعب [بن سعد] (٦) بن زيد مناة من تميم، وكان ذلك في بيته حتى قام على آخرهم الإسلام، وهو كَرِب بن صفوان. وكانت الإجازة (٧) من المزدلفة في عدوان حتى قام الإسلام على آخرهم، وهو أبو سيَّارة عُمَيْلَة بن الأعزل، وقيل: اسمه العاصي واسم الأعزل (٨) خالد وكان يجيز بالناس على أتان له عَوراء مكث يدفع عليها في الموقف (٩) أربعين سنة، وهو أول من جعل الدية مئة (١٠)، وأول من كان يقول: أشْرِق ثَبِيْرُ كيما نُغير (١١). حكَاه السُّهيلي (١٢). وكان عامر بن الظَّرِب العُدْواني لا يكون بين العرب نائرة (١٣) إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضي به،

стр. 915

فتحاكموا إليه مرة في ميراث خُنْثَى، فبات ليلته ساهرًا يتروَّى ماذا يحكم به، فرأته جاريةٌ له كانت ترعى عليه غنمه اسمها سُخَيلة (١) فقالت له: ما لك -لا أبا لك- الليلةَ ساهرًا؛ فذكرِ لها ما هو مفكّر فيه، قال: لعله (٢) يكون عندها في ذلك شيء. فقالت: أتْبعِ القضاءَ المبالَ. فقال: فَرَّجْتِها واللهِ يا سخيلة. وحكم بذلك (٣). قال السهيلي: وهذا الحكم من باب الاستدلال بالأمارات والعلامات (٤)، وله أصل في الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] حيث لا أثر لأنياب الذئب فيه. وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧] وفى الحديث: "أَنْظِروها فإن جاءَتْ به أوْرَقَ جعدًا (٥) جُمَالِيًا فهو الذي رُمِيَتْ به" (٦). قال ابن إسحاق: وكان النسيء في بني فُقَيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال ابن إسحاق (٧): وكان أول من نَسَأَ الشهور على العرب القَلَمَّس (٨)، وهو حُذيفة بن عبد بن فُقَيم ابن عدي، ثم قام بعده ابنُه عَبَّاد، ثُم قَلَع بن عبّاد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم كان آخرَهم أبو ثُمامة جُنادة بن عوف بن قَلَع بن عبّاد بن حُذيفة وهو القلَمَّس، فعلى أبي ثُمامة قام الإسلام. وكانت العرب إذا فَرغَت من حجّها اجتمعت إليه، فخطبهم (٩)، فحرّم الأشهر الحرم، فإذا أراد أن يُحلَّ منها شيئًا أحلَّ المحرَّم، وجعل مكانه صَفَرًا ليواطِئوا عِدَّة ما حرَّم اللهُ فيقول: اللهم إني أحللتُ أحَدَ الصفرين، الصفر الأول، وأنسأت الآخر للعام المقبل. فتتبعه العرب في ذلك. ففي ذلك يقول مفتخرًا (١٠) عمير بن
следующие страницы →