← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

عينُ فابكي لِسَامةَ بنِ لؤيّ … عُلِقَتْ ما بِسَامةَ العَلَّاقه لا أَرى مِثلَ سامةَ بن لُؤَيٍّ … يومَ حَلّوا به قتيلًا لناقه بَلِّغا عامرًا وسعدًا رسولًا … أن نفسي إليهما مشتاقه (١) إن تكن في عُمانَ داري فإني … غالبيٌّ خَرجْتُ من غَير فاقه رُبَّ كأسٍ هرقتَ يا ابنَ لُؤي … حَذَرَ الموتِ لم تَكُن مُهراقه رُمتَ دَفْعَ الحتوفِ يا بنَ لُؤي … ما لمنْ رامَ ذاك بالحتْفِ طاقه وخَروس السُّرى تركْت رَديًا … بعد جِدّ وجِدّةٍ ورشاقَه (٢) قال ابن هشام (٣): وبلغني أن بعض وَلَده أتى رسول الله ﷺ فانتسب إلى سامة بن لؤي، فقال له رسول الله ﷺ : "الشاعر؟ " فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله: رُبَّ كأسٍ هَرقتَ يا بنَ لؤي … حَذَرَ الموتِ لم تَكنْ مُهراقه فقال: أجل. وذكر السهيلي عن بعضهم أنه لم يُعْقِب. وقال الزبير: ولَدَ أسامةُ بن لؤي غالبًا، والنبيت، والحارث، قالوا: وكانت له ذرية بالعراق يبغضون عليًا، ومنهم علي بن الجعد، كان يشتم أباه لكونه سمّاه عليًا. ومن بني سامة بن لؤي محمد بن عَرْعَرة بن اليزيد شيخ البخاري (٤). وقال ابن إسحاق: وأما عوف بن لؤي فإنه خرج فيما يزعمون في ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غَطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أُبْطِئ به، فانطلق مَن كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد، وهو أخوه في نسب بني ذبيان، فحبسه وزوَّجه والتاطه (٥) وآخاه، فشاع نسبه في ذبيان وثعلبة فيما يزعمون (٦). قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أن عمر بن الخطاب قال: لو كنتُ مدّعيًا حيًا من العرب أو مُلحِقَهم بنا لادّعيتُ بني مرة بن

стр. 912

عوف، إنا لَنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع. يعني عوف بن لؤي (١). قال ابن إسحاق: وحدثني مَن لا أتّهم أن عمر بن الخطاب قال لرجل منهم من بني مُرّة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه (٢). قال ابن إسحاق: وكان القوم أشرافًا في غطفان، هم سادتهم وقادتهم، قوم لهم صيت (٣) في غطفان وقيس كلها، فأقاموا على نسبهم (٤). قالوا: وكانوا يقولون إذا ذكر لهم نسبهم ما ننكره وما نجحده (٥)، وإنه لأحب النسب إلينا. ثم ذكر أشعارهم في انتمائهم إلى لؤي (٦). قال ابن إسحاق: وفيهم كان البَسْلُ، وهو تحريم ثمانية أشهر لهم من كل سنة من بين العرب، وكانت العرب تعرف لهم ذلك ويأمنونهم فيها ويؤمّنونهم أيضًا (٧). وكانت ربيعة ومضر إنما يحرّمون أربعة أشهر من السنة، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، واختلفت ربيعةُ ومضر في الرابع، وهو رجب. فقال مضر: هو الذي بين جمادى وشعبان. وقالت ربيعة: هو الذي بين شعبان وشوال. وقد ثبت في الصحيحين (٨) عن أبي بَكْرة أن رسول الله ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: "إنَّ الزمانَ قدِ اسْتدارَ كَهيئته يومَ خلق [الله] (٩) السماوات والأرض، السنةُ اثنا عَشَر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورَجَبُ مُضَر الذي بين جمادى وشعبان" فنص على ترجيح قول مضر لا ربيعة، وقد قال الله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] فهذا ردّ على بني عوف بن لؤي في جَعلهم الأشهر الحرم ثمانيةً، فزادوا على حكم الله وأدخلوا فيه ما ليس منه. وقوله في الحديث: "ثلاث متواليات" رد على أهل النسيء الذين كانوا يؤخّرون تحريم المحرَّم إلى صفر. وقوله فيه "ورجب مضر" ردٌّ على ربيعة.

стр. 913

قال ابن إسحاق: فولد كعب بن لؤي ثلاثةً، مرة، وهُصَيْصَا، وعديا (١)، وولد مُرَّةُ، ثلاثةً أيضًا: كلاب بن مرَّة، وتيم بن مرة، ويَقَظَة بن مُرة، من أمهات ثلاث. قال: وولد كلابٌ رجلَين: قُصَيّ بن كلاب وزُهْرَة بن كلاب، وأمهما فاطمة بنت سعد بن سَيَل أحد الجَدَرَة من جُعْثُمة الأسْدِ من اليمن حلفاء بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وفي أبيها يقول الشاعر: ما نرى في الناسِ شخْصًا واحدًا … مَنْ عَلمناه كَسَعْد بنِ سَيَلْ فارسًا أضبطَ فيه عُسْرَةٌ … وإذا ما واقَفَ القِرنَ نَزَل (٢) فارسًا يستدرج الخيلَ كما اسـ … ـــتدرجَ الحرُّ القَطاميُّ الحجَل (٣) قال السهيلي: سَيَل اسمه خير بن حَمَالة، وهو أول من طُلِيت له السيوفُ بالذهب والفضة (٤). قال ابن إسحاق: وإنما سُمُّوا الجدَرَة لأن عامر بن عمرو بن خزيمة بن جُثْعمة تزوّج بنتَ الحارث بن مُضَاض الجُرهمي، وكانت جرهم إذ ذاك ولاةَ البيت، فبنى للكعبة جدارًا، فَسُمّي عامر بذلك الجدار، فقيل لولده: الجدَرة لذلك. * * * خبر قصيّ بن كلاب وما كان من أمره في ارتجاعه ولاية البَيت إلى قريش وانتزاعه ذلِك من خزاعة واجتماع قريش إلى الحرم الذي جعله الله أمنًا للعباد بعد تفرقها في البلاد وتمزقها في الجبال والمهاد (٥) وذلك أنه لما مات أبوه كلاب تزوج أمَّه ربيعةُ بنُ حرامِ من عُذرة، وخرج بها ويه إلى بلاده، ثم قدِم قُصَيّ مكةَ وهو شاب، فتزوج حُبَّى ابنةَ رئيس خزاعة حُلَيْل بن حُبْشِيَّة. فأما خُزاعة فزعم (٦) أن حُليلًا أوصى إلى قُصي بولاية البيت لما رأى من كثرة نَسْله من ابنته، وقال: أنت أحق بذلك مني (٧).

стр. 914

وقال ابن إسحاق: ولم نسمع ذلك إلا منهم. وأما غيرهم فإنهم يَزْعُمُون أنه استغاث بإخوته من أمه، وكان رئيسهم رزاح بن ربيع وإخوة (١) إخوته، وبني كنانة، وقضاعة، ومَنْ حَول مكة من قريش وغيرهم (٢)، فأجلاهم عن البيت، واستقل هو بولاية البيت، إلا أن (٣) إجازة الحجيج كانت إلى صُوْفة، وهم بنو الغوث بن مُرّ بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، فكان الناس لا يرمون الجمار حتى يرموا، ولا ينفرون من مِنًى حتى ينفروا، فلم يزل كذلك فيهم حتى انقرضوا، فورثهم ذلك بالقُعْدُد (٤) بنو سعد بن زيد مناة بن تميم (٥)، فكان أولهم صفوان بن الحارث ابن شِجْنَة بن عُطَارد بن عوف بن كَعب [بن سعد] (٦) بن زيد مناة من تميم، وكان ذلك في بيته حتى قام على آخرهم الإسلام، وهو كَرِب بن صفوان. وكانت الإجازة (٧) من المزدلفة في عدوان حتى قام الإسلام على آخرهم، وهو أبو سيَّارة عُمَيْلَة بن الأعزل، وقيل: اسمه العاصي واسم الأعزل (٨) خالد وكان يجيز بالناس على أتان له عَوراء مكث يدفع عليها في الموقف (٩) أربعين سنة، وهو أول من جعل الدية مئة (١٠)، وأول من كان يقول: أشْرِق ثَبِيْرُ كيما نُغير (١١). حكَاه السُّهيلي (١٢). وكان عامر بن الظَّرِب العُدْواني لا يكون بين العرب نائرة (١٣) إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضي به،

стр. 915

فتحاكموا إليه مرة في ميراث خُنْثَى، فبات ليلته ساهرًا يتروَّى ماذا يحكم به، فرأته جاريةٌ له كانت ترعى عليه غنمه اسمها سُخَيلة (١) فقالت له: ما لك -لا أبا لك- الليلةَ ساهرًا؛ فذكرِ لها ما هو مفكّر فيه، قال: لعله (٢) يكون عندها في ذلك شيء. فقالت: أتْبعِ القضاءَ المبالَ. فقال: فَرَّجْتِها واللهِ يا سخيلة. وحكم بذلك (٣). قال السهيلي: وهذا الحكم من باب الاستدلال بالأمارات والعلامات (٤)، وله أصل في الشرع، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] حيث لا أثر لأنياب الذئب فيه. وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧] وفى الحديث: "أَنْظِروها فإن جاءَتْ به أوْرَقَ جعدًا (٥) جُمَالِيًا فهو الذي رُمِيَتْ به" (٦). قال ابن إسحاق: وكان النسيء في بني فُقَيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال ابن إسحاق (٧): وكان أول من نَسَأَ الشهور على العرب القَلَمَّس (٨)، وهو حُذيفة بن عبد بن فُقَيم ابن عدي، ثم قام بعده ابنُه عَبَّاد، ثُم قَلَع بن عبّاد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم كان آخرَهم أبو ثُمامة جُنادة بن عوف بن قَلَع بن عبّاد بن حُذيفة وهو القلَمَّس، فعلى أبي ثُمامة قام الإسلام. وكانت العرب إذا فَرغَت من حجّها اجتمعت إليه، فخطبهم (٩)، فحرّم الأشهر الحرم، فإذا أراد أن يُحلَّ منها شيئًا أحلَّ المحرَّم، وجعل مكانه صَفَرًا ليواطِئوا عِدَّة ما حرَّم اللهُ فيقول: اللهم إني أحللتُ أحَدَ الصفرين، الصفر الأول، وأنسأت الآخر للعام المقبل. فتتبعه العرب في ذلك. ففي ذلك يقول مفتخرًا (١٠) عمير بن

стр. 916

قَيس أحد بني فِراس بن غَنْم بن مالك بن كنانة، ويُعرف عمير بن قيس هذا: بِجِذْلِ الطَّعان: [من الوافر] لقد علمتْ معدّ أن قومي … كرامُ الناسِ أن لهم كراما (١) فأي الناس فاتونا بوِترٍ … وأي الناس لم نُعْلِك لِجاما أَلَسْنا الناسِئينَ على معدٍّ … شهورَ الحِلّ نجعلُها حَراما والمقصود (٢) أنه جمع قريشًا من متفرقات مواضعهم من جزيرة العرب، واستعان بمن أطاعه من أحياء العرب على حرب خُزاعة وإجلائهم عن البيت الحرام (٣) وتسليمه إلى قُصي، فكان بينهم قتال كبير (٤) ودماءٌ غزيرة، ثم تداعوا إلى التحكيم، فتحاكموا إلى يَعْمَر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فحكم بأن قُصيًا أَوْلَى بالبيت من خُزاعة، وأنَّ كلَّ دم أصابَه قُصَيّ من خزاعة وبني بكر موضوعٌ يَشْدَخُه (٥) تحت قدميه، وأن ما أصابته خُزاعة وبنو بكر من قُريش وكنانة وبني (٦) قضاعة ففيه الدية مُؤَدّاة، وأن يُخَلَّى بين قُصَي وبين مكة والكعبة. فَسُمّي يَعْمَر يومئذٍ: الشدَّاخ (٧). قال ابن إسحاق: فوَلي قُصَي البيتَ وأمرَ مكة، وجَمَع قومَه من منازلهم إلى مكة، وتملَّك على قومه وأهل مكة فملّكوه، إلا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه، لأنه يرى ذلك دينًا في نفسه لا ينبغي تغييرُه. فأقرّ آلَ صفوان وعَدوان والنَّسَأَةَ ومُرةَ بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله. قال: فكان قُصَي أول بني كعب أصابَ مُلْكا أطاع له به قومه، وكانت إليه الحِجابة والسقاية والرِّفادة والندوة واللواء (٨)، فحاز شَرَف مكة كلَّه، وقطع مكة رِباعًا بين قومه، فأنزل كلَّ قوم من قريش منازلهم من مكة (٩).

стр. 917

قلت: فرجَع الحق إلى نصابه، ورُدَّ شاردُ العدل بعد إيابه (١)، واستقرت بقريش الدار، وقضت من خُزاعة المراد والأوطار، وتسلمت بيتَهم العتيق القديم، لكن بما أحدثتْ خُزاعة من عبادة الأوثان ونصْبها إياها حول الكعبة، ونحرهم لها، وتضرّعهم عندها، واستنصارهم بها، وطلبهم الرزق منها. وأنزل قُصي قبائل قريش أباطح مكة، وأنزل طائفة منهم ظواهرها، فكان يقال: قريش البطاح وقريش الظواهر. فكانت لقصي بن كلاب جميع الرئاسة من حجابة البيت وسدانته واللواء، وبنَى دارًا لإزاحة الظلامات وفَضْل الخصومات سمَّاها دار النَّدْوة، إذا أعضلت قضيةٌ اجتمع الرؤساءُ من كلِّ قبيلةٍ فاشْتَوَرُوا فيها وفصلوها، ولا يُعقَد عقدُ لواء ولا عقدُ نكاح إلا بها، ولا تبلغ جاريةٌ أن تَدَّرِعَ فتدَّرع (٢) إلا بها. وكان باب هذه الدار إلى المسجد الحرام، ثم صارت هذه الدار فيما بعد إلى حكيم بن حزام بعد بني عبد الدار، فباعها في زمن معاوية بمئة ألف درهم، فلامه على بيعها مُعاوية، وقال: بعتَ شرف قومك بمئة ألف؟ فقال: إنما الشرف اليوم بالتقوى. والله لقد ابتعتها في الجاهلية بزقِّ خَمر، وها أنا قد بعتها بمئة ألف، وأشهدكم أن ثمنها صدقةٌ في سبيل الله، فأيُّنا المغبون. ذكره الدارَقُطني في "أسماء رجال الموطّأ" (٣). وكانت إليه سقاية الحجيج، فلا يشربون إلا من ماء حياضه، وكانت زمزم إذ ذاك مطمومة (٤) من زمن جُرهم، قد تناسَوا أمرها من تقادُم عهدها، ولا يهتدون إلى موضعها. قال الواقدي: وكان قُصي أول من أحدَث وقيد النار بالمزدلفة ليهتدي إليها من يأتي من عرفات. والرِّفادة وهي إطعام الحجيج أيام الموسم إلى أن يخرجوا راجعين إلى بلادهم. قال ابن إسحاق: وذلك أن قُصيًا فرضه عليهم، فقال لهم: يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل مكة (٥)، وأهل الحرم. وإن الحُجَّاج ضيفُ الله وزوَّار بيته، وهم أحق بالضيافة (٦)، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا فكانوا يُخرِجون لذلك في كل عام من أموالهم خرجًا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعامًا للناس أيام مِنًى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنًى للناس حتى ينقضي الحج (٧).

стр. 918

قلتُ: ثم انقطع هذا بعد ابن إسحاق، ثم أُمِر بإخراج طائفة من بيت المال فتصرف في حمل زاد وماءٍ لأبناء السبيل القاصدين إلى الحج، وهذا صنيعٌ حسن من وجوه يطول ذكرها، ولكن الواجب أن يكون ذلك من خالص بيت المال من أحَلّ ما فيه، والأولى أن يكون من جوالي الذمة (١) لأنهم لا يحجون البيت العتيق، وقد جاء في الحديث: "من استطاعَ الحجَّ فلم يَحُجَّ فليَمُتْ إنْ شَاءَ يَهوديًا أو نصْرانيًا" (٢). وقال قائلهم في مدح قُصي وشرفه في قومه (٣): [من الطويل] قُصيّ لعمري كان يُدْعَى مجمّعًا … به جَمَعَ اللهُ القبائلَ من فِهر هُموا ملؤوا البطحاءَ مَجْدًا وسُؤْددًا … وهم طَردوا عنا غُواة بني بكر (٤) قال ابن إسحاق: ولما فرغ قُصي من حَربه انصرفَ أخوه رِزاح بن ربيعة إلى بلاده بمن معه، [وإخوته من أبيه الثلاثة وهم حُنّ ومحمود وجلهمة] (٥). قال رِزاح في إجابته قُصَيًا: [من المتقارب] ولمَّا أتى مِن قصيٍّ رَسُولٌ … فقالَ الرسولُ أَجِيبوا الخليلا نهضْنا إليه نَقُودُ الجيا … دَ ونطرحُ عنّا المَلولَ الثقيلا نَسِيرُ بها الليلَ حتى الصبا … حِ ونَكْمي النهارَ لِئلا نَزُولا (٦) فَهُنّ سِراعٌ كوِرْدِ القطا … يُجِبْنَ بنا مِن قُصيّ رَسولا جمعنا من السرِّ من أَشْمَذَيْن … ومِنْ كُلّ حيّ جَمعنا قَبيلا (٧) فيا لكِ حَلْبَةَ ما لَيْلَةٍ … تزيد على الألف سَيْبا رَسِيلا (٨) فلما مَرَرْنَ على عَسْجَرٍ … وأسْهلنَ مِن مُسْتَناخٍ سَبيل (٩)

стр. 919

وجاوزْنَ بالرُّكنِ منْ وَرَقا … نَ وجاوَزْن بالعرْج حَيّا حُلولا (١) مَرَرْنَ على الحِلي ما ذُقنه … وعالجنَ منْ مرّ ليلًا طويلًا (٢) نُدَنّي من العُوْذِ أَفلاءها … إرادةَ أن يَسْتَرِقْن الصَّهِيلا (٣) فلما انتَهَيْنا إلى مكةٍ … أبَحْنا الرجالَ قَبيلًا قَبيلا (٤) نُعَاورُهم ثَمَّ حَدَّ السُّيو … فِ وفي كُلِّ أوْبٍ خَلَسْنا العقُولا نُخَبِّزُهُم بصِلابِ النُّسُو … رِ خَبْزَ قَويّ العَزِيزِ الذَّليلا (٥) قَتَلنا خُزاعَةَ في دارِها … وبَكرًا قَتَلْنا وجِيْلًا فَجيلا نَفَيْناهُمُ مِن بلادِ المليـ … ــــكِ كما لا يَحُلُّون أرْضًا سهولا فأصْبَح سَبْيهُمُ في الحَديـ … ــــدِ ومن كل حَيِّ شَفَيْنا الغَليلا قال ابن إسحاق: فلما رجع رزاح إلى بلاده نشره الله ونشر حُنّا، فهما قبيلا عذرة إلى اليوم (٦). قال ابن إسحاق: وقال قصي بن كلاب فى ذلك (٧): [من الوافر] أنا ابن العاصِمين بني لُؤي … بمكَّةَ مَنْزلي وبها رُبِيْت إلى البطحاءِ قدْ علمتْ معدّ … ومروتُها رَضيتُ بها رَضيت فلست لغالبٍ إنْ لم تأثَّلْ … بها أولادُ قيذرَ والنَّبِيْت (٨) رِزاحٌ ناصِري وبه أُسامي … فلستُ أخافُ ضيمًا ما حييت وقد ذكر الأموي، عن الأثرم (٩)، عن أبي عبيدة، عن محمد بن حفص: أن رزاحًا إنما قدم بعد ما نَفَى قُصي خُزاعة. والله أعلم.

стр. 920

فصل ثم لما كبر قُصي فوّض أمر هذه الوظائف التي كانت إليه من رئاسات قريش وشرفها من الرفادة والسقاية والحجابة واللواء والندوة (١) إلى ابنه عبد الدار، وكان أكبر ولده. وإنما خصصه بها كلها لأن بقية إخوته عبد مناف وعبد العزّى (٢) وعبد كانوا قد شَرُفوا في زمن أبيهم، وبلغوا في قوتهم (٣) شرفًا كبيرًا، فأحب قُصي أن يلحق بهم (٤) عبد الدار في السؤدد، فخصصه بذلك، فكان إخوته لا ينازعونه في ذلك، فلما انقرضوا تشاجر أبناؤهم في ذلك، وقالوا: إنما خصص قُصي عبدَ الدار بذلك ليُلحقه بإخوته، فنحن نستحقُّ ما كان أباؤنا يستحقونه، وقال بنو عبد الدار: هَذا أمر جعله لنا قُصَي، فنحن أحق به. واختلفوا اختلافًا كثيرًا، وانقسمت بطون قريش فرقتين: ففرقة بايعت عبدَ الدار وحالفتهم، وفرقة بايعت بني عبد مناف وحالفوهم على ذلك ووضعوا أيديهم عند الحلف في جَفْنة فيها طيب، ثم لما قاموا مسحوا أيديهم بأركان الكعبة فسُمّوا: حلف المطَيّبين. وكان منهم من قبائل قريش: بنو أسد بن عبد العزى بن قُصي، وبنو زُهرة، وبنو تميم وبنو الحارث بن فِهر. وكان مع بني عبد الدار بنو مخزوم، وبنو سَهم، وبنو جُمح، وبنو عَدي. واعتزلت بنو عامر بن لُؤي ومُحارب بن فِهر الجميع، فلم يكونوا مع واحد منهما. ثم اصطلحوا واتفقوا على أن تكون الرفادة والسقاية لبني عبد مناف، وأن تستقر الحجابة واللواء والندوة في بني عبد الدار، فانبرم الأمر على ذلك واستمر (٥). وحكى الأموي عن الأثرم عن أبي عُبيدة قال: وزَعَم قوم من خُزاعة (٦) أن قُصيًا لما تزوج حُبَّى بنت حُليل ونقل حُليل عن ولاية البيت جعلها إلى ابنته حُبَّى، واستناب عنها أبا غُبشان سليم بن عمرو بن لؤي بن مِلكان بن قُصي بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشترى قصي ولاية البيت منه بزِقِّ خَمر وقَعود (٧)، فكان يقال: أَخْسَر من صَفقة أبي غُبْشان (٨). ولما رأت خُزاعة ذلك اشتدّوا على قُصي، فاستنصر أخاه، فقَدِم بمن معه، وكان ما كان.

стр. 921

ثم (١) فوّض قُصي هذه الجهات التي كانت إليه من السِّدانة والحجابة واللواء والندوة والرفادة والسقاية إلى ابنه عبد الدار، كما سيأتي تفصيله وإيضاحه، وأقر الإجازة من مزدلفة في بني عَدوان، وأقر النسيء في فُقيم، وأقر الإجازة، وهو النفر في صُوفه (٢)، كما تقدم بيان ذلك كله مما كان بأيديهم قبل ذلك. قال ابن إسحاق: فولد قُصي أربعة نفر وامرأتين: عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبدًا، وتَخْمُر وبَرَّة، وأمُّهم كلُّهم حُبَّى بنت حُلَيل بن حُبْشِيَّة بن سَلول بن كعب بن عمرو الخزاعي (٣)، وهو آخر من ولي البيت من خزاعة ومن يده أخذَ البيتَ قُصي بن كلاب. قال ابن إسحاق (٤): فولد عبد مناف بن قُصي أربعةَ نَفَر: هاشمًا، وعبدَ شمس، والمطّلب، وأمُّهم عاتكة بنتُ مُرَّة بن هلال، ونوفلَ بن عبد مناف، وأمه واقدة بنت عمرو المازنية. قال ابن هشام: ووُلِد لعبد مناف أيضًا: أبو عمرو وتُماضر، وقلابة، وحَيَّة، ورَيْطة، وأم الأخثم، وأم سفيان (٥). قال ابن هشام: وولد هاشم بن عبد مناف أربعةَ نفرٍ وخمسَ نسوة: عبد المطلب، وأسدًا وأبا صَيْفي، ونَضْلة، والشِّفاء، وخالدة، وضعيفة، ورُقيَّة، وحَيّة، فأم عبد المطلب ورُقيَّة: سَلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خِداش بن عامر بن غَنْم بن عَدي بن النجار من المدينة، وذَكَرَ أمهاتِ الباقين. قال ووَلَدَ عبدُ المطلب عشرةَ نفر وستَّ نسوة وهم: العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبو طالب، واسمه عبد مناف لا عمران، والزُّبير، والحارث (٦) -وكان بكر أبيه وبه كان يُكنى- وجَحْل، ومنهم من يقول: حَجْل، وكان يلقّب بالغَيداق لكثرة خيره، والمقوّم، وضرار، وأبو لهب -واسمه عبد العزى- وصَفية، وأم حكيم البيضاء (٧)، وعاتكة، وأميمة، وأروى، وبَرة. وذَكَر أمهاتهم، إلى أن قال: وأم عبد الله وأبي طالب والزبير وجميع النساء، إلّا صفيةَ: فاطمةُ بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظة بن مرة بن كعب بن لُؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن مَعد بن عدنان. قال: فولد عبد الله محمدًا رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، ثم ذكر

стр. 922

أمهاتها فأغرق إلى أن قال: فهو أشرف ولد آدم حَسبًا، وأفضلهم نسبًا من قِبَل أبيه وأمه صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين (١). وقد تقدّم حديث الأوزاعي عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسْقَع قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصْطفى كِنانةَ من ولد إسماعيل، واصْطَفى قُريشًا من كِنانةَ، واصطفى هاشمًا من قُريش، واصطفاني من بني هاشم". رواه مسلم (٢). وسيأتي بيان مولده الكريم وما ورد فيه من الأخبار والآثار، وسنورد عند سرد النسب الشريف فوائد أُخر لَيست ها هنا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التُّكْلان. * * * ذكر جُمَلٍ من الأحدَاث الواقعة في زمن الجاهليّة (٣) قد تقدم ما كان من أخذ جُرهم ولاية البيت من بني إسماعيل، طمِعوا فيهم لأنهم أبناء بناتِهم، وما كان من توثُّب خُزاعة على جُرهم وانتزاعهم ولاية البيت منهم، ثم ما كان من رجوع ذلك إلى قُصي وبَنيه واستمرار ذلك في أيديهم إلى أن بعث الله رسوله ﷺ فأقر تلك الوظائف على ما كانت عليه. * * * باب ذكر جماعة مشهورين كانوا في الجاهلية (٤) خبر (٥) خالد بن سِنان العبسي الذي كان في زمن الفترة، وقد زعم بعضُهم أنه كان نبيًا (٦). والله أعلم. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدّثنا أحمد بن زُهَير التُّسْتَرِي (٧)، حدّثنا يحيى بن المعَلَّى بن

стр. 923

منصور الرازي، حدّثنا محمد بن الصَّلْت، حدّثنا قيس بن الربيع، عن سالم الأفطَس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: قال: جاءت بنتُ خالد بن سِنان إلى النبي ﷺ ، فبَسط لها ثوبَه وقال: "بنتُ نبي ضَيَّعَهُ قَوْمُه" (١). وقد رواه الحافظ أبو بكر البزَّار، عن يحيى بن المعلى بن منصور، عن محمد بن الصلت، عن قيس، عن سالم، عن سعيد، عن ابن عباس. قال: ذُكِر خالدُ بن سنان عند رسول الله ﷺ فقال: "ذاك نبيٌّ ضيَّعَهُ قومُهُ". ثم قال: ولا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه (٢). وكان قيس بن الربيع ثقةً في نفسه، إلا أنه كان رديء الحفظ، وكان له ابنٌ يُدْخِل في أحاديثه ما ليس منها (٣). والله أعلم. قال البزار: وقد رواه الثوري عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير مرسلًا. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدّثنا المعلّى بن المهدي الموصلي (٤) قال: حدّثنا أبو عَوانة، عن أبي يونس، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا من عبس يقال له: خالد بن سنان قال لقومه: إني أُطفئ عنكم نار الحرّتين. فقال له رجلٌ من قومه: والله يا خالد ما قلتَ لنا قَطُّ إلّا حقًا، فما شأنك وشأن نار الحرّتين تزعم أنك تطفئها؟! فخرج خالد ومعه أناس من عبس (٥) قومه، فيهم عمارة بن زياد، فأتوها، فإذا هي تخرج من شِق جبل فخط لهم خالد خطة، فأجلسهم فيها، فقال: إن أبطأتُ عليكم فلا تَدْعُوني باسمي. فخرجَتْ (٦) كأنها خيلٌ شُقر يتبع بعضُها بعضًا، فاستقبلها خالد، فجعلَ يضربُها بعصاه ويقول: بدا بدا بدا كل هدى مؤدى (٧) زعم ابن راعية المعزى أني لا أخرج منها وثيابي تندى. حتى دخل معها الشق. فأبطأَ عليهم، فقال لهم عمارة بن زياد: إن صاحبكم لو كان حيًا لقد خرج إليكم بعد فادعُوه باسمه. قال: فقالوا: إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه. فدعوه باسمه. فخرج وهو آخذ برأسه فقال: ألم أنهَكُم أن تدعوني باسمي، فقد والله قَتَلتموني، فاحملوني (٨) فادفنوني، فإذا مرتْ بكم الحُمُرُ، فيها حمار أبتر فانبشوني، فإنكم تجدوني حَيًا، فحملوه فدفنوه، فمرت بهم الحمر فيها حمار

стр. 924

أبتر، فأرادوا نبشه فقال لهم (١) عمارة لا تنبشوه، لا والله لا تُحدِّث مضر أنّا ننبش موتانا. وقد كان قال لهم خالد: إن في عُكَن (٢) امرأته لوحين فإنْ أشكَل عليكم أمرٌ فانظروا فيهما، فإنكم ستجدون ما تسألون عنه قال ولا يمسهما حائض. فلما رجعوا إلى (٣) امرأته سألوها عنهما، فأخرجتهما إليهم وهي حائض، فذهب ما كان فيهما من علم (٤). قال أبو يونس: قال سماك بن حَرب: سُئل عنه النبي ﷺ فقال: "ذاك نبيٌّ أضاعَه قومه". قال: أبو يونس: قال سماك بن حرب (٥) إن ابن خالد بن سنان أتى النبي ﷺ فقال: "مرحبًا بابن أخي" (٦). فهذا السياق موقوف على ابن عباس، وليس فيه أنه كان نبيًا، والمرسَلات التي فيها أنه نبي لا يُحتَجُّ بها ها هنا، والأشبه أنه كان رجلًا صالحًا له أحوال وكرامات، فإنه إن كان في زمن الفترة فقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنّ أولى الناس بعيسى بن مريم أنا، لأنه ليس بيني وبينه نبي" (٧). وإن كان قبلها فلا يمكن أن يكون نبيًا لأن الله تعالى قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]. وقد قال غير واحد من العلماء: إن الله تعالى لم يبعث بعد إسماعيل نبيًا في العرب إلا محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء الذي دعا به إبراهيم الخليل باني الكعبة المكرمة التي جعلها الله قِبلةً لأهل الأرض شرعًا، وبشّرت به الأنبياء لقومهم، حتى كان آخر من بشّر به عيسى بن مريم ﵇. وبهذا المسلك بعينه يُرَدّ ما ذكره السهيلي (٨) وغيره من إرسال نبي من العرب يقال له: شُعيب بن ذي مَهذم بن شعيب بن صفوان صاحب مَدين، وبُعث إلى العرب أيضًا حنظلة بن صَفوان (٩) فكذبوهما فسلّط الله على العرب بختَ نصّر فنال منهم من القتل والسبي نحو ما نال من بني إسرائيل، وذلك في زمن معد بن عدنان. والظاهر أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين يدعون إلى الخير. والله أعلم. وقد تقدّم ذكر عمرو بن لُحي بن قمعة بن خِندف في أخبار خُزاعة بعد جُرهم. * * *

стр. 925

ذكر حَاتم الطائي أحَد أجواد الجاهليّة وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحَشْرج بن امرئ القيس بن عَدي بن أَخْزم بن أبي أخزم، واسمه هرومة (١) بن ربيعة بن جَرْول بن ثُعَل بن عَمْرو بن الغوث بن طيئ، أبو سَفَّانة الطائي، والد عَدِي بن حاتم الصحابي (٢). كان جوادًا ممدَّحًا في الجاهلية، وكذلك كان ابنه في الإسلام. وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة، وأخبار مُسْتَغْرَبة في كرمه يطول ذكرها، ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمْعة والذكر. قال الحافظ أبو بكر البزّار في "مسنده": حدّثنا محمد بن معمر، حدّثنا عبيد بن واقد القيسي، حدّثنا أبو نصر -هو الناجي- عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: ذُكر حاتم عند النبي ﷺ فقال: "ذاك أرادَ أمرًا فأدركَه" (٣). حديث غريب. قال الدارقُطني: تفرّد به عُبيد بن واقد، عن أبي نصر الناجي، ويقال: إن اسمه حماد. قال ابن عساكر: وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين أبي نصر الناجي وبين أبي نصر حماد، ولم يسم الناجي. ووقع في بعض روايات الحافظ ابن عساكر عن أبي نصر شيبهَ الناجي. والله أعلم (٤). وقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة (٦) عن سماك بن حرب، عن مرِّي بن قطري، عن عدي بن حاتم قال: قلت لرسول الله ﷺ : إن أبي كان يَصِلُ الرحمَ، ويفعل، ويفعل، فهل له في ذلك؟ يعني من أجر. قال: "إن أباك طَلَبَ شيئًا فأصَابه". وهكذا رواه أبو يعلى، عن القواريري، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن سماك، به. وقال: "إن أباكَ أرادَ أمرًا فأدركه" يعني الذِّكرَ.

стр. 926

وهكذا رواه أبو القاسم البغوي (١)، عن علي بن الجعد، عن شعبة، به، سواء (٢). وقد ثبت في الصحيح في الثلاثة الذين تُسَعَّرُ بهم جَهنم، منهم الرجل الذي يُنفق ليقال: إنه كريم، فيكون جزاؤه أن يقال ذلك في الدنيا، وكذا في العالم والمجاهد (٣). وفي الحديث الآخر في الصحيح أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سَعد بن تَيم بن مرة فقالوا له: كان يقري الضيفَ ويعتقُ ويتصدَّقُ، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: "إنه لم يَقُلْ يومًا من الدهْرِ رَبِّ اغفِرْ لي خطيئتي يوم الدين" (٤). هذا وقد كان من الأجواد المشهورين أيضًا المطعِمِين في السنين الممحلة والأوقات المرملة. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٥): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف العُماني، حدّثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي، حدّثنا ضِرار بن صُرَد (٦)، حدّثنا عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثُّمالي (٧)، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كُمَيْل بن زياد النَّخْعي (٨) قال: قال علي بن أبي طالب: يا سبحان الله ما أزهد كثيرًا من الناس في خير، عجبًا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلًا، فلو كان لا يرجو ثوابًا ولا يخشى عقابًا (٩) لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدلّ على سبيل النجاح. فقام إليه رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين، أسمعتَه من رسول الله ﷺ ؟ قال نعم. وما هو خير منه: لما أُتي بسبايا طيئ وقعت جارية

стр. 927

حمراء لَعْساء، زلفاء، عَيْطاء، شَمّاء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خَدَلَّجة الساقين، لَفَّاء الفخذين، خميصة (١) الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين. قال: فلما رأيتها أُعجِبْتُ بها، وقلتُ: لأطلبَنَّ إلى رسول الله ﷺ فيجعلها في فَيْئي. فلما تكلَّمَتْ أُنسِيْتُ جمالَها لِما رأيتُ من فصاحتها. فقالت: يا محمد إنْ رأيتَ أن تُخلّي عني ولا تُشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يَحمي الذمار، ويفك العاني، ويُشبع الجائع، ويكْسو العاري، ويَقْري الضيف، ويُطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يَرُدَّ طالبَ حاجةٍ قط، أنا ابنة حاتم طيء. فقال النبي ﷺ : "يا جَارية هَذه صِفةُ المؤمنين حقًا، لو كانَ أبوكِ مؤمنًا لترحَّمْنا عليه، خَلُّوا عنها فإن أباها كان يُحِبُّ مكارمَ الأخلاق، والله تعالى [يحبُّ مكارمَ الأخلاق"] (٢). فقام أبو بردة بن دينار فقال: يا رسول الله، والله يُحبُّ مكارمَ الأخلاق؟ فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يدخلُ الجنةَ أحدٌ إلا بحُسْن الخلق" (٣). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدَّثني عُمر بن بكر، عن أبي عبد الرحمن الطائي -هو الهيثم (٤) بن عدي- عن عثمان، عن عركى بن حليس الطائي، عن أبيه، عن جده، وكان أخا عدي بن حاتم لأمه قال: قيل لنَوار امرأة حاتم: حدّثينا عن حاتم. قالت: كل أَمْره كان عجبًا. أصابتنا سَنَةٌ حصتْ كلَّ شيءٍ، فاقشعرَّت لها الأرضُ واغْبرَّتْ لها السماء، وضَنَّت المراضع على أولادها، وراحت الإبل حُدْبا حَدابير، ما تَبِضّ (٥) بقطرة، وحَلَقتِ المالَ، وإنا لفي ليلة صنَّبْر (٦)، بعيدة ما بين الطرفين، إذا تَضَاغَى الأصبيةُ (٧) من الجوع: عبد الله، وعدي، وسَفّانة، فوالله إنْ وَجَدْنا شيئًا نُعلّلهم به. فقام إلى أحد الصبيين (٨)

стр. 928

فحمله، وقمتُ إلى الصَّبِيَّة فعلّلتُها، فوالله إنْ سَكتا إلا بعدَ هدْأَةٍ من الليل. ثم عُدْنا إلى الصبيِّ الآخر فعلّلناه حتى سكتَ وما كاد. ثم افترشنا قَطِيفةٌ (١) لنا شامية ذات خمل، فأضْجعنا الصبيان عليها، ونمتُ أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا، ثم أقبل عليَّ يُعلّلني لأنامَ، وعرفتُ ما يريدُ، فتناومْتُ. فقال: مالكِ أنمتِ؟ فسكتُّ. فقال: ما أراها إلا قد نامت وما بي نوم. فلما ادلهمَّ الليلُ وتهوَّرت النجوم (٢)، وهدأتِ الأصواتُ، وسكنتِ الرِّجْلُ، إذا جانب البيت قد رُفع. فقال: من هذا؟ فولّى، حتى قلتُ: إذًا قد أسْحَرنا أو كِدنا، عاد فقال: من هذا؟ قالت: جارتُك فُلانة يا أبا عدي، ما وجدتُ على أحد معولًا غيرَك، أتيتك من عند أصْبيةٍ يتعاوَوْن عواء الذئاب من الجوع. قال: أعجليهم عليَّ. قالت النوارُ: فوثبتُ فقلتُ: ماذا صنعتَ؟! (٣) والله لقد تضاغى أصْبيتُك فما وجدت ما تعلّلهم [به] (٤) فكيف بهذه وبولدها؟ فقال: اسكتي، فوالله لأُشْبِعَنّك [وإياهم] (٤) إن شاء الله. قالت: فأقبلتْ تحملُ اثنين، وتمشي جنبتيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه، فوَجَأ بحرْبَتِه في لَبّته (٥)، ثم قدَح زَنْده وأورى ناره، ثم جاء بِمدْية فكَشَط عن جلده، ثم دفع المديةَ إلى المرأة، ثم قال: دُونَكِ. ثم قال: ابعثي صِبيانك، فبعثتهم. ثم قال: سوءةً! أتأكلون شيئًا دون أهل الصِّرم (٦)؟ فجعل يطوفُ فيهم حتى هَبّوا وأقبَلُوا عليه. والتَفَعَ في ثوبه ثم اضجع ناحية ينظر إلينا. والله ما ذاقَ مُزْعَةً (٧)، وإنه لأحْوَجُهم إليه، فأصبحنا وما على الأرض منه إلا عَظْم أو حافر (٨). وقال الدارقُطني: حدّثني القاضي أبو عبد الله المحاملي، حدّثنا عبد الله بن أبي سعد، حدّثنا عُثَيم بن ثوابة بن حاتم الطائي، عن أبيه، عن جدّه قال: قالت امرأة حاتم لحاتم: يا أبا سَفّانة، أشتهي أنْ آكلَ أنا وأنتَ طعامًا وحدَنا ليس عليه أحدٌ. فأمَرَها فحوّلت خَيْمتَها من الجماعة على فرسخ، وأمر بالطعام فهُيئ، وهي مرخاة ستورها عليه وعليها، فلما قاربَ نضجُ الطعام كشفَ عن رأسه ثم قال: [من الطويل] فلا تطبخي قِدري وسِتْرُكِ دونَها … عليَّ إذنْ ما تطبخينَ حَرامُ

стр. 929

ولكنْ بهذاكَ اليَفاعِ فأَوقِدي … بجزلٍ إذا أوقدتِ لا بضِرامِ (١) قال: ثم كشفَ الستورَ وقدَّمَ الطعامَ ودعا الناسَ، فأكل وأكلوا. فقالت: ما أتممْتَ لي ما قلت. فأجابها: فإني لا تطاوعني نفسي، ونفسي أكرمُ عليَّ مِن أن يثني علي هذا، وقد سبق لي السخاء. ثم أنشأ يقول: [من الطويل] أُمارسُ نفسَ البخلِ حتّى أعزّها … وأتركُ نفسَ الجودِ ما أستشيرها ولا تشتكيني جارتي غيرَ أنها … إذا غابَ عنها بعلُها لا أزورُها سيبلُغها خَيري ويرجع بعلُها … إليها، ولم تقصُر عليها سُتُورها (٢) ومن شعر حاتم: [من الوافر] إذا ما بتّ أشْربُ فوقَ زِقِّي … لِسُكْرٍ في الشرابِ فلا رَوِيْتُ (٣) إذا ما بِتُّ أختِلُ عِرْسَ جاري … ليخفيني الظلامُ فلا خفيتُ أأفضحُ جارتي وأخونُ جاري … فلا واللهِ أفعلُ ما حَييتُ (٤) ومن شعره أيضًا: [من الكامل] ما ضَرَّ جارًا لي أُجاورُه … أن لا يكونَ لِبابِهِ سِتْرُ أُغضي إذا ما جارتي بَرَزت … حَتّى يُواريَ جارتي الخِدْرُ (٥) ومن شعر حاتم أيضًا: [من الوافر] وما مِنْ شِيمتي شَتْمُ ابنِ عَمّي … وما أنا مُخْلِفٌ مَن يَرْتجيني وكلْمة حاسدٍ من غَيْر جرْمٍ … سَمعتُ وقلتُ: مُرِّي فانقِذيني وعابوها عليّ، فلم تَعِبْني … ولم يعرَقْ لها يومًا جبيني وذي وجهين يلقاني طليقًا … وليس إذا تغيَّب يأتسيني ظفرتُ بعيبه فكفَفْتُ عنه … محافظةً على حَسَبي وديني (٦)

стр. 930

ومن شعره: [من الطويل] سلي البائسَ المقرورَ يا أُمَّ مالكٍ … إذا ما أتاني بين ناري ومجزري أأبسط وجهي إنه أولُ القِرى … وأبذلُ معروفي له دون مُنْكَرِي (١) وقال أيضًا: [من الطويل] وإنكَ إن أعطيتَ بطنكَ سُؤْلَه … وفَرْجَك نالا منتَهى الذمّ أَجْمعا (٢) وقال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا (٣) الجريري: حدّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدّثنا أبو العباس المبرد، أخبرني التَّوزي، عن أبي عُبيدة. قال: لما بلغ حاتم طيِّئ قول المتلمس: قليلُ المالِ تُصلحهُ فيبقى … ولا يبقى الكثيرُ على الفَساد وحِفظُ المال خيرٌ من فَناه … وعسفٍ في البلادِ بغير زاد قال ماله قطع الله لسانه حمل الناس على البخل، فهلا قال: [من الطويل] فلا الجودُ يُفني المالَ قبلَ فنائه … ولا البخلُ في مال الشحيح يزيد فلا تلتمسْ مالًا بعيشٍ مُقَتّرٍ … لكلّ غدٍ رزقٌ يعودُ جديد ألم تَرَ أنّ المالَ غادٍ ورائح … وأنّ الذي يُعطيك غيرُ بعيد (٤) قال القاضي أبو الفرج: ولقد أحسن في قوله: وإن الذي يعطيك غير بعيد. ولو كان مسلمًا لرجي له الخير في مِعاده. وقد قال تعالى في كتابه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٥) [البقرة: ١٨٦]. وعن الوضّاح بن معبد الطائي قال: وَفَدَ حاتم الطائي على النعمان بن المنذر، فأكرمه وأدناه، ثم زوّده عند انصرافه جَمَلين ذهبًا وورِقًا غيرَ ما أعطاه من طرائف بلده، فرحل، فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيّئ. قالت: يا حاتم أتيتَ من عند الملك بالغنى (٦) وأتينا من عند أهالينا بالفقر. فقال حاتم: هلم فخذوا ما بين يدي فتوزّعوه، فوثبوا إلى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه. فخرجت إلى حاتم

стр. 931

طريفة جاريتُه، فقالت له: اتق الله وأبقِ على نفسك، فما يدع هؤلاء دينارًا ولا دِرهمًا ولا شاة ولا بعيرًا. فأنشأ يقول: [من البسيط] قالتْ طُرَيفةُ: ما تَبقَى دراهِمُنا … وما بنا سَرَفٌ فيها ولا خَرَقُ إنْ يَفْنَ ما عندنا فالله يرزُقنا … ممَّنْ سِوانا ولسنا نحنُ نَرْتَزِق ما يألف الدرهمُ الكاريُّ خِرقَتَنا … إلا يمرّ عليها ثُم ينطلق إنا إذا اجتمعت يومًا دراهمُنا … ظلّت إلى سُبُلِ المعروفِ تستبق (١) وقال أبو بكر بن عياش: قيل لحاتم: هل في العرب أجود منك؟ فقال: كل العرب أجود مني. ثم أنشأ يُحدّثُ، قال: نزلتُ على غلام من العرب يتيمٍ ذات ليلة، وكانت له مئة من الغنم، فذبح لي شاة منها، وأتاني بها، فلما قَرَّبَ إليَّ دماغَها قلت: ما أطيبَ هذا الدماغ! قال: فذهبَ، فلم يزل يأتيني منه حتى قلتُ: قدِ اكتفيت، فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المئة شاة وبقي لا شيء له؟ فقيل: فما صنعتَ به؟ فقال: ومتى أبلغُ شكرَه ولو صنعتُ به كل شيء؟! قالوا (٢): على كل حال؟ فقال: أعطيتُه مئة ناقة من خيار إبلي. وقال محمد بن جعفر الخرائطي (٣) في كتاب "مكارم الأخلاق": حدّثنا العباس بن الفضل الرَّبَعي، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثني حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيّئ، قالوا: كانت عنترة (٤) بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيّئ لا تُمسك شيئًا سَخاءً وجودًا؛ وكان إخوتها (٥) يمنعونها فتأبى، وكانت امرأة موسِرةً، فحبسوها في بيتٍ سنةً يطعمونها قوتَها لعلها تكفّ عما تصنع. ثمّ أخرجوها بعد سنةٍ وقد ظنّوا أنها قد تركتْ ذلك الخُلُق، فدفعوا إليها صِرْمةً من مالها وقالوا: استمتعي بها، فأتتها امرأة من هوازنٍ، وكانت تغشاها، فسألتها، فقالت: دونك هذه الصِّرْمة فقد والله مسني من الجوع ما آليتُ أن لا أمنع سائلًا ثم أنشأت تقول: [من الطويل] لَعَمري لقِدمًا عضّني الجوعُ عضة … فآليتُ أن لا أمنعَ الدهرَ جائعا فقولا لهذا اللائمي اليومَ أعفِني … وإن أنتَ لم تفعل فعضّ الأصابعا

стр. 932

فماذا عساكم أن تقولوا لأختِكم … سوى عذلكم أو منع مَن كانَ مانعا (١) ومهما تروْن اليومَ إلا طبيعةً … فكيف بتركي يا ابنَ أمي الطبائعا (٢) وقال الهيثم بن عدي، عن مِلحان بن عركى بن عدي بن حاتم، عن أبيه، عن جده، قال: شهدتُ حاتمًا يكيد بنفسه (٣) فقال لي: أي بُني إني أعهدُ من نفسي ثلاث خصال: والله ما خاتلتُ جارةً لريبةٍ قطُّ، ولا ائتمنت على أمانة إلَّا أدّيتُها، ولا أوتيَ أحدٌ من قِبلي بسوءٍ. وقال أبو بكر الخرائطي: حدّثنا علي بن حَرب، حدّثنا عبد الرحمن (٤) بن يحيى العدوي، حدّثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين -يعني جعفر بن المحرر بن الوليد- عن المحرر مولى أبي هريرة قال: مرَّ نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيّئ، فنزلوا قريبًا منه، فقال إليه بعضهم [يقال له: أبو الخيبري] (٥) فجعل يركض (٦) قبره برجله. ويقول: يا أبا الجَعْراء (٧) اقرنا. فقال له بعض أصحابه: ما تخاطب من رِمَّة وقد بليتْ! وأجنّهم الليلُ فنوموا (٨). فقام صاحبُ القول فزعًا يقول: يا قوم عليكم بمطيكم فإن حاتمًا أتاني في النوم، وأنشدني شعرًا، وقد حفظته. يقول: [من المتقارب] أبا خَيْبَرِيّ وأنتَ امرؤٌ … ظَلومُ العَشِيْرةِ شتَّامُها أتيتَ بصحْبِكَ تبغي القِرى … لَدى حُفْرةٍ قد صَخِبٍ هَامُها (٩) أتبغي لي الذنبَ عندَ المبيـ … ـــــتِ وحولَك طيئ وأنعامها وإنا سنُشْبِعُ أضيافَنا … وتأتي المطيّ فنعتامُها (١٠) قال: وإذا ناقة صاحب القول تَكُوس (١١) عقيرًا، فنحروها وقاموا يشْتَوونَ ويأكلون. وقالوا والله لقد أضافنا حاتم حيًّا وميتًا. قال: وأصبح القوم وأردفوا صاحبهم، وساروا. فإذا رجلٌ

стр. 933

ينوّه (١) بهم راكبًا جملًا ويقود آخر. فقال: أيكم أبو الخيبري؟ قال: أنا. قال: إن حاتمًا أتاني في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابَك ناقتك، وأمرني أن أحملك، وهذا بعيرٌ فخذه. ودفعه إليه (٢). * * * ذكر شيء من أخبَار عبد الله بن جدعان هو عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة، سيد بني تيم، وهو ابن عم والد أبي بكر الصديق ﵁. وكان من الكرماء الأجواد في الجاهلية المطعمين للمسنتين (٣). وكان في بدء أمره فقيرًا مُمْلِقًا، وكان شِرّيرًا يُكْثِر من الجنايات، حتى أبغضه قومُه وعشيرتُه وأهلُه وقبيلتُه، وأبغضوه حتى أَبُوه، فخرج ذات يوم في شِعاب مكة حائرًا بائرًا (٤)، فرأى شِقًا في جبل، فظن أن يكون به شيء يؤذي، فقصدَه لعلّه يموت فيستريح مما هو فيه، فلما اقترب منه إذا ثعبانٌ يخرج إليه ويَثِبُ عليه، فجعل يحيدُ عنه ويَثِبُ فلا يُغْني شيئًا، فلما دنا منه إذا هو من ذهب، وله عينان هما ياقوتتان، فكَسَره وأخذه، ودخل الغار فإذا فيه قبور لرجال (٥) من ملوك جُرهم، ومنهم الحارث بن مُضاض الذي طالت غيبتُه فلا يُدرَى أين ذهبَ، ووجد عند رؤوسهم لوحًا من ذهب فيه تاريخ وفاتهم ومُدَد ولايتهم، وإذا عندهم من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة شيء كثير، فأخذ منه حاجتة (٦)، ثمّ خرج. وعَلَّم بابَ الغارِ ثم انصرف إلى قومه، فأعطاهم حتى أحَبّوه، وسادهم، وجعل يُطعم الناسَ، وكلما قَلَّ ما في يده ذَهَبَ إلى ذلك الغار فأخذ حاجته، ثمّ رَجَع (٧). فممن ذكر هذا عبد الملك بن هشام في كتاب "التيجان" (٨).

стр. 934

وذكره أحمد بن عَمَّار (١) في كتاب "ري العاطش وأنس الواحش". وكانت له جَفنة يأكْلُ منها الراكب على بعيره، ووقع فيها صَغيرٌ فغرق. وذكر ابن قتيبة وغيره (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "لقد كنتُ أسْتظلُّ بظِلِّ جَفْنةِ عبد الله بن جُدعان صكة عُمَيّ" أي وقت الظهيرة. وفي حديث مقتل أبي جهل (٣) أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "تطلبوه بين القتلى وتعرفوه بشَجَّةٍ في رُكبته، فإني تزاحمتُ أنا وهو على مأدبةٍ لابن جُدْعان، فدفعتُه، فَسَقَطَ على رُكبته، فانهشمت، فأثرُها باقٍ في ركبته". فوجدوه كذلك. [من الكامل] وذكروا أنه كان يطعم التمر والسَّوِيق، ويسقي اللبنَ، حتى سمع قول أمية بن أبي الصَّلْت: ولقدْ رأيتُ الباذلين وفِعلَهم … فرأيتُ أكرمَهم بني الديّان (٤) البُرُّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ طَعَامُهم … لا ما يُعلِّلنا بنو جُدْعان (٥) فأرسل ابن جُدعان إلى الشام ألفي بعير تحمل البُرَّ والشَّهْدَ والسمن، وجعل مناديًا ينادي كلَّ ليلةٍ على ظهر الكعبة أن هلموا إلى جفنة ابن جدعان. فقال أمية في ذلك: [من الوافر] لَهُ داعٍ بمكةَ مُشْمَعِلٌّ … وآخرُ فوقَ كَعبتها ينادي (٦) إلى رُدُحٍ من الشِّيْزى عليها … لُبابُ البُر يُلْبَكُ بالشِّهاد (٧) ومع هذا فقد ثبت في الصحيح لمسلم أن عائشة قالت: يا رسول الله إن ابن جُدعان كان يُطعم الطعام

стр. 935

ويقري الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال: "إنه لم يَقُلْ يومًا: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (١). * * * ذكر امرئ القيس بن حجر الكندي صاحب إحدَى المعلّقات (٢) وهي أفخرهنّ وأشهرهن التي أولها: قِفا نبكِ مِن ذكرى حَبيبٍ ومنزل قال الإمام أحمد: حدّثنا هُشيم (٣)، حدّثنا أبو الجهم، عن الزُّهْري، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "امرؤ القَيس صاحِب لواء الشُعَراء إلى النار" (٤). وقد روَى هذا الحديثَ عن هشيم جماعةٌ كثيرون، منهم بِشر بن الحكم، والحسن بن عَرفة، وعبد الله ابن هارون أمير المؤمنين المأمون أخو الأمين، ويحيى بن مَعين. وأخرجه أبن عدي من طريق عبد الرزاق عن الزُّهْري، به (٥). وهذا منقطع (٦)، وروي من وجه آخر عن أبي هريرة (٧)، ولا يصح من غير هذا الوجه (٨).

стр. 936

وقال الحافظ ابن عساكر: هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عَمرو بن (١) حجر آكل المُرَار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يَعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة. أبو يزيد ويقال: أبو وهب ويقال: أبو الحارث الكِنْدي. كان بأعمال دمشق، وقد ذَكَر مواضعَ منها في شعره، فمن ذلك قولُه: قِفا نبكِ من ذِكرى حَبيبٍ ومنزلِ … بسِقْط اللِّوى بينَ الدَّخُول فَحَوْمَلِ فتُوضِحَ فالمقراةِ لم يَعْفُ رسمُها … لما نَسجَتْها من جَنوبٍ وشَمْألِ قال: وهذه مواضع معروفة بحوران (٢). ثمّ روى من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي: حدّثني فَرْوة بن سعيد بن عفيف بن معدي كرب، عن أبيه، عن جده، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل وفدٌ من اليمن، فقالوا: يا رسول الله لقد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس. قال: "وكيف ذاك"؟ قالوا: أقبلنا نريدُك، حتى إذا كُنا ببعض الطريق أخطأنا الطريق، فمكثنا ثلاثًا لا نقدر على الماء (٣)، فتفرقنا إلى أصول طَلْح وسَمُر ليموتَ كل رجلٍ منا في ظل شجرة، فبينا نحن بآخر رَمَق إذا راكب يُوضِعُ على بعير، فلما رآه بعضُنا قال، والراكب يسمع: ولما رأتْ أنّ الشريعةَ هَمُّها … وأنَّ البياضَ منْ فَرائصِها دامي (٤) تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضارجٍ … يَفيءُ عليها الظلّ عَرْمَضُها طامي (٥) فقال الراكب: ومن يقول هذا الشعر وقد رأى ما بنا من الجهد؟ قال: قلنا: امرؤ القيس بن حُجر.

стр. 937

قال: ما كذب وإن هذا الضارج أو (ضارج) (١)، عندكم، فنظرنا فإذا بيننا وبين الماء نحوٌ من خمسين ذراعًا، فحبونا إليه على الركَب، فإذا هو كما قال امرؤ القيس عليه العرمض يفيء عليه الظل. فقال رسول الله ﷺ : "ذاك رَجُلٌ مذكورٌ في الدنيا منسِيٌّ في الآخرة، شَريفٌ في الدنيا، خامل في الآخرة، بيده لواء الشعراء يقودُهم إلى النار". وذكر الكلبي: أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قِتال بني أسد حين قتلوا أباه، فمر بِتَبَالةَ، وبها ذو الخُلصهَ، وهو صنم، وكانت العرب تستقسم عنده، فاستقسم، فخرج القدح الناهي، ثم الثانية، ثم الثالثة كذلك، فكسر القداح وضرب بها في (٢) وجه ذي الخُلَصة وقال: عَضِضْتَ بأير أبيك، لو كان أبوك المقتولَ لما عَوَّقْتَني. ثمّ أغار على بني أسد (٣) فقتلهم قتلًا ذريعًا. قال ابن الكلبي: فلم يُسْتَقْسَم عِند ذي الخلصَة حتى جاء الإسلام (٤). وذكر بعضهم أنه امتدح قيصر ملك الروم يستنجده في بعض الحروب ويسترفده، فلم يجد ما يؤمله عنده، فهجاه بعد ذلك، فيقال: إنه سقاه سُمًّا فقتله، فألجأه الموتُ إلى جنب قبرِ امرأةٍ عند جبل يقال له: عسيب، فكتب هنالك: [من الطويل] أجارتَنا إن المزارَ قريبُ … وإني مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ أجارتَنا إنا غَريبان ها هنا … وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ (٥) وقد (٦) ذكروا أن المعلقات السبع كانت معلَّقةً بالكعبة (٧)، وذلك أن العرب كانوا إذا عمل أحدُهم قصيدةً عرضها على قريش، فإن أجازوها علّقوها على الكعبة تعظيمًا لشأنها، فاجتمع من ذلك هذه المعلقات السبع: فالأولى لامرئ القيس بن حُجْر الكِندي كما تقدم، وأولها: [من الطويل] قِفا نَبْكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ ومَنْزلِ … بِسِقْطِ اللِّوَى بينَ الدَّخُولِ فَحومَلِ

стр. 938

والثانية للنابغة الذبياني: واسمه زياد بن معاوية -ويقال: زياد بن عمرو (١) - بن معاوية بن ضباب بن جابر (٢) بن يَربوع بن غَيْظ بن مُرَّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض، وأولها: [من البسيط] يا دارَ ميّةَ بالعلياءَ فالسّنَدِ … أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ والثالثة (٣) لزهير بن أبي سُلْمى، ربيعة بن رياح المزَني، وأولها: [من الطويل] أمِنْ أمِّ أَوْفَى دِمْنةٌ لم تَكلَّمِ … بِحَوْمانةِ الدَّرَّاج فالمُتَثَلَّم (٤) والرابعة لطَرَفَةَ بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب ابن عُلَي بن بكر بن وائل، وأولها: [من الطويل] لخَولةَ أطلالٌ ببُرقَةِ ثَهْمدِ … تلوحُ كباقي الوشْمِ في ظاهر اليد والخامسة لعنترة بن شداد بن معاوية بن قُراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب (٥) بن قُطَيفةَ بن عبس العبسي وأولها: [من الكامل] هل غادرَ الشعراءُ من مُتردِّمِ … أمْ هَل عَرَفتَ الدارَ بعدَ توهُّم (٦)

стр. 939

والسادسة لعلقمة بن عَبَدة بن النعمان بن قيس أحد بني تميم وأولها: [من الطويل] طحا بكَ قلبٌ في الحسان طروبُ … بُعَيد الشبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيْبُ (١) والسابعة -ومنهم من لا يثبتها في المعلقات وهو قول الأصمعي وغيره- وهي للبيد بن ربيعة (٢) بن مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صَعْصعة بن معاوية بن بكر بن هَوَزان بن منصور بن عِكْرمة بن خصفة بن قيس بن مضر وأولها: [من الكامل] عفتِ الديارُ مَحلُّها فَمُقَامُها … بِمِنًى تأَبَّدَ غَوْلُها فَرِجامُها (٣) فأما القصيدة التي لا يُعْرَف قائلُها، فيما ذكره أبو عبيدة والأصمعي والمبرّد وغيرهم فهي قوله: هَلْ بالطُّلولِ لسائلٍ ردُّ … أمْ هَلْ لَها بتكلُّمٍ عهدُ (٤) وهي مطولة وفيها معان حسنة كثيرة (٥). * * *

стр. 940

ذكر شيء من أخبَار أميّة بن أبي الصّلت الثقفي (١) [كان من شعراء الجاهلية، وقد أدرك زمن الإسلام] (٢) قال الحافظ ابن عساكر (٣): هو أمية بن أبي الصَّلْت عبد الله بن أبي ربيعة بن عَوْف بن عُقْدَة (٤) بن غِيَرة ابن عوف بن ثقيف، أبو عثمان، ويقال: أبو الحكم الثقفي. شاعر جاهلي، قَدِم دمشقَ قبل الإسلام، وقيل: إنه كان مستقيما (٥)، وإنه كان في أول أمره على الإيمان، ثمّ زاغ عنه، وإنه هو الذي أراد الله تعالى (٦) بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. قال الزبير بن بكّار: فولدت رُقَيّة بنتُ عبد شمس بن عبد مناف أمية الشاعر ابن أبي الصلت، واسم أبي الصلت: ربيعة بن وهْب بن علاج بن أبي سلمة بن ثقيف وقال غيره: كان أبوه من الشعراء المشهورين (٧) بالطائف، وكان أمية أشعرَهم. وقال عبد الرزاق: قال الثوري: أخبرني حبيب بن أبي ثابت أن عبد الله بن عمرو قال في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ هو أمية بن أبي الصلت. وكذا رواه أبو بكر بن مردويه (٨) عن أبي بكر الشافعي، عن معاذ بن المثنى، عن مُسدّد، عن أبي عَوانة، عن عبد الملك بن عُمير، عن نافع بن عاصم بن مسعود. قال: إني لفي حلقة (٩) فيها عبد الله بن عمرو، فقرأ رجلٌ من القوم الآية التي في الأعراف ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فقال: هل تدرون من هو؟ فقال بعضهم: هو صَيْفي بن الراهب. وقال آخر: بل هو بَلْعم رجل من بني إسرائيل. فقال: لا! قال (١٠): فمن؟ قال: هو أمية بن أبي الصلت.

стр. 941

وهكذا قال أبو صالح: والكَلْبي. وحكاه قَتادة عن بعضهم (١). وقال الطبراني (٢): حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا عبد الله بن شبيب الربعي، حدّثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومي، حدّثنا إسماعيل بن الطريح بن إسماعيل الثقفي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أبيه، قال: خرجتُ (٣) وأمية بن أبي الصلت الثقفي تُجّارًا إلى الشام، فكلّما نزلنا منزلًا أخذ أمية سفرًا له يقرؤه علينا، فكنا كذلك حتى نزلنا قريةً من قرى النصَارى، فجاؤوه وأهدوا له وأكرموه وذهب معهم إلى بيوتهم، ثم رجع في وسط النهار، فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين، فلبسهما وقال لي: هل لك يا أبا سفيان في عالِم من عُلماء النصارى إليه يتناهى علمُ الكتاب تسأله؟ قلت: لا أرَبَ لي فيه، والله لئن حدَّثني بما أُحِبُّ لا أثق به، ولئن حدّثني بما أكره لأَوجلن (٤) منه. قال: فذهب، وخالفه شيخٌ من النصارى، فدخل عَليٌّ فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلت: لست على دينه. قال: وإنْ. فإنك تسمع منه عجبًا وتراه. ثم قال لي أثقفيٌّ أنت؟ قلت: لا، ولكن قُرشي؟ قال: فما يمنعك من الشيخ؟ فوالله إنه ليحبُّكم ويوصي بكم. قال: فخرج من عندنا، ومكث أمية (٥) حتى جاءنا بعد هدْأةٍ (٦) من الليل، فطرح ثوبيه، ثم انجدل على فراشه، فوالله ما نامَ ولا قامَ حتى أصبحَ كئيبًا حَزينًا ساقطًا غبوقه على صبوحه (٧) ما يكلّمنا ولا نكلّمه. ثم قال: ألا ترحَلُ؟ قلت: وهل بكَ مِن رحيل؟ قال: نعم، فرحلنا. فسرنا بذلك ليلتين من همه (٨) ثم قال في الليلة الثالثة: ألا تَحدَّثُ يا أبا سفيان؟ قلت: وهل بك من حديث؟ والله ما رأيتُ (٩) مثل الذي رجعتَ به من عند صاحبك. قال: أَمَا إنَّ ذلك لشيءٌ لست فيه، إنما ذلك لشيء وجلتُ منه من مُنقلبي. قلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إي والله. لأموتَن ثم لأحيين. قال: قلت: هل أنت قابل أمانتي؟ قال: على ماذا؟ قلت: على أنك لا تُبعثُ ولا تحاسَب. قال: فضحك ثمّ قال: بلى! والله يا أبا سفيان لنُبعثن ثم لنُحاسَبَن وليَدخلن فريق الجنة وفريق النار، قلت: ففي أيهما أنتَ أخبرَكَ صاحبك؟ قال: لا علم لصاحبي بذلك لافيَّ ولا في نفسه. قال: فكُنا في ذلك ليلتين يعجَبُ مني وأضحك منه، حتى قدِمنا

стр. 942

غوطةَ دمشق، فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين، فارتحلنا، حتى نزلنا قريةً من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، فما جاء إلا بعد منتصف النهار، فلبس ثوبيه وذهب إليهم حتى جاء بعد هدأةٍ من الليل، فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام، وأصبح حزينًا كئيبًا لا يكلّمنا ولا نُكلّمه. ثم قال: ألا ترحل؟ قلت: بلى إنْ شئتَ. فرحلنا كذلك من بَثّه (١) وحُزنه ليالي. ثم قال لي: يا أبا سفيان هل لك في المسير؟ نقذمْ أصحابنا. قلت: هل لي فيه (٢)؟ قال: نعم! فسرنا حتى برزْنا من أصحابنا ساعةً، ثم قال: هيا صَخر (٣). فقلت: ما تشاء؟ قال: حدّثني عن عُتبة بن ربيعة (٤) أيجتَنِبُ المظالم والمحارمَ؟ قلتُ: إي والله. قال: ويَصِلُ الرحم ويأمرُ بصلتها؟ قلتُ: إي والله! قال: وكريم الطرفين وسيطٌ في العشيرة؟ قلت: نعم! قال: تعلم (٥) قرشيًا أشرف منه؟ قلت: لا والله لا أعلم. قال أمحوجٌ هو؟ قلت: لا، بل هو ذو مال كثير. قال: وكم أتى عليه من السن (٦)؟ فقلت: قد زاد على المئة. قال: فالشرفُ والسنُّ والمال أزْرَيْنَ به؟ قلت: ولم ذاك يُزري به؟ لا والله بل يزيده خيرًا. قال: هو ذاك. هل لك في المبيت؟ قلت هل لي فيه (٧)، قال: فاضطجعنا حتى مر الثَّقَل (٨). قال: فسرنا حتى نزلنا في المنزل وبتنا به، ثم ارتحلنا (٩) منه. فلما كان الليل قال لي: يا أبا سفيان. قلت: ما تشاء؟ قال: هل لك في مثل البارحة؟ قلت: هل لي فيه! قال: فسرنا (١٠) على ناقتين بختيتين حتى إذا برزنا قال: هَيا صَخر، هيه عن عتبة بن ربيعة، قال: قلت: هِيْهًا فيه. قال: أيجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم، ويأمرُ بصلتها؟ قلت: إي والله، إنه ليفعل. قال: وذو مال؟ قلت: وذو مال. قال: أتعلم قرشيًا أسودَ منه (١١)؟ قلت: لا والله ما أعلم! قال: كم أتى له من السن؟ قلت: قد زاد على المئة. قال فإن السن والشرف والمال أزْرَين به؟ قلت: كلا والله ما أزرى به ذلك، وأنت قائلٌ شيئًا فقلْه. قال: لا تَذْكُرْ حديثي حتى (١٢) يأتي منه ما هو آت. ثم قال: فإن الذي

стр. 943

رأيتَ أصابني أنّي جئتُ هذا العالم فسألته عن أشياء، ثم قلتُ: أخبرني عن هذا النبي الذي يُنْتَظَر. قال: هو رجل من العرب. قلت: قد علمتُ أنه من العرب، فمن أي العرب هو؟ قال من أهل بيت تحُجه العرب. قلت: وفينا بيتٌ تحجّه العرب. قال: هو من إخوانكم من قريش. فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط (١)، وخرج من يدي فوزُ الدنيا والآخرة، وكنتُ أرجو أن أكونَ إياه، قلت: فإذا كان ما كان فصِفْه لي. قال: رجل شاب حين دَخَل في الكهولة (٢). بُدُوٌّ أمره يجتنبُ المظالم والمحارم، ويصل الرحمَ، ويأمر بصلتها، وهو محوج كريم الطرفين، متوسط في العشيرة، أكثر جنده (٣) الملائكة. قلت: وما آيةُ ذلك؟ قال: قد رَجَفتِ الشام منذ هلكَ عيسى ابن مريم ﵇ ثلاثين (٤) رجفةً، كلها فيها مصيبة، وبقيتْ رجفةٌ عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلتُ: هذا والله الباطل، لئن بعثَ اللهُ رسولًا لا يأخذه إلا مُسِنًّا شريفًا. قال أمية: والذي حلفتَ به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان، تقول إن قول النصراني حق. هل لك في المبيت؟ قلت نعم، هل لي فيه (٥). قال: فبتنا حتى جاءنا الثَّقَلُ، ثم خرجْنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان (٦) أدرَكَنا راكبٌ من خلفنا، فسألناه، فإذا هو يقول: أصابت أهلَ الشام بعدكم رجفةٌ دمَّرت أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمةٌ. قال أبو سفيان: فأقبل عليَّ أميةُ فقال: كيف ترى قولَ النصراني يا أبا سفيان؟ قلت أرى والله وأظن (٧) أن ما حدَّثك به صاحبُك حقٌّ. قال أبو سفيان: فقدِمْنا مكةَ، فقضيتُ ما كان معي، ثم انطلقتُ حتى جئتُ اليمنَ تاجرًا، فكنت بها خمسةَ أشهر، ثم قدمتُ مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلّمون (٨) ويسألون عن بضائعهم، حتى جاءني محمد بن عبد الله وهندٌ عندي تُلاعبُ صبيانها، فسلّم عليّ ورحَّب بي وسألني عن سَفَري ومُقامي ولم يسألني عن بضاعته، ثم قام. فقلت لهندٍ: والله إن هذا يعجبني (٩)، ما مِن أحَد من قريش له معي بضاعة إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته. فقالت لي هند: أو ما علمتَ شأنه؟ قلت وقد فزعت (١٠): ما شأنه؟ قالت: يزعم أنه رسول الله. فَوَقَذَتْني وذكرتُ (١١) قول النصراني،

стр. 944

فوجمت (١) حتى قالت لي هند: مالك؟ فانتبهتُ، فقلت: إن هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا. قالت: بلى والله إنه ليقول ذلك ويؤاتى عليه، وإن له صحابة (٢) على دينه. قلت: هذا (٣) الباطل. قال: وخرجتُ. فبينا أنا أطوف بالبيت لقيته (٤) فقلت له: إن بضاعتك قد بلغتْ كذا وكذا، وكان فيها خيرٌ فأرسِلْ فخذها (٥)، ولست آخُذُ مِنكَ فيها ما آخُذُ من قومي، فأبَى عليَّ، وقال: إذن لا آخذُها. قلت: فأرسل فخذْها وأنا آخذ منك مثلَ ما آخذُ من قومي. فأرسَلَ إلى بضاعته فأخذها، وأخذتُ منه ما كنتُ آخذ من غيره. فلم أَنْشَبْ (٦) أن خرجتُ إلى اليمن، ثم قدمتُ الطائفَ فنزلتُ على أميةَ بن أبي الصلت فقلت: يا أبا عثمان، قال: ما تشاء؟ قلت: هل (٧) تذكر قول النصراني؟ فقال: أذكره قلت: فقد كان. فقال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد الله. قال ابن عبد المطلب؟ قلت: ابن عبد المطلب. ثم قصصْتُ عليه خبرَ هند، قال: فالله يعلم، لَتَصَبَّبَ (٨) عرقًا. ثم قال: والله يا أبا سفيان لَعَلَّهُ! إنَّ صفته لهي، ولئن ظهر وأنا حَيٌّ لأنيلن (٩) من الله في نصره عُذرًا. قال: ومضيتُ إلى اليمن فلم أنْشَب أن جاءني هنالك استهلاله، فأقبلتُ حتى نزلتُ على أمية بن أبي الصلت بالطائف، فقلت: يا أبا عثمان! قد كان من أمر الرجل ما قد بلغَكَ وسمعت. قال (١٠): قد كان لَعَمْري. قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان؟ فقال: والله ما كنتُ لأومن برسولٍ من غير ثقيف أبدًا. قال أبو سفيان: وأقبلتُ إلى مكةَ، فوالله ما أنا ببعيد حتى جئتُ مكةَ فوجدتُ أصحابه يُضْرَبون ويُعْقَرون، قال أبو سفيان: فجعلتُ أقول: فأين جُنْدُه من الملائكة؟! قال: فدخلني ما يدخلُ الناس من النفاسة (١١). وقد رواه الحافظ البيهقي في كتاب "الدلائل" (١٢) من حديث إسماعيل بن طريح به، ولكن سياق الطبراني الذي أوردناه أتم وأطول. والله أعلم.

стр. 945

وقال الطبراني: حدّثنا بكر بن أحمد بن نُفَيل، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا يعقوب بن محمد الزُّهْري، حدثنا مجاشع بن عمرو الأسدي، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن (١)، عن عروة بن الزبير، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أبي سفيان بن حَرب أن أمية بن أبي الصلت كان بغزةَ أو بإيلياء، فلما قفلنا قال لي أمية: يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفْقة فنتحدث؟ قلت: نعم! قال: ففعلنا، فقال لي: يا أبا سفيان إيهِ عن عتبة بن ربيعة. قلت: كريمُ الطرفين، ويجتنب المحارم والمظالم؟. قلت: نعم. قال: وشريفٌ مُسِنٌّ؟. قلت: وشريف مسن. قال: السن والشرف أزْرَيا به؟ فقلت له: كذبتَ، ما ازداد سنًا إلا ازداد شرفًا. قال: يا أبا سفيان إنها كلمةٌ ما سمعتُ أحدًا يقولها لي منذ تبصرت، فلا تعجل عليَّ حتى أُخبرَك. قال: قلت: هات. قال: إني كنت أجد في كتبي نبيًا يُبعث من حَرَّتنا (٢) هذه، فكنتُ أظن، بل كنتُ لا أشك أني أنا هو، فلما دارَسْتُ أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف، فنظرتُ في بني عبد مناف فلم أجد أحدًا يصلح لهذا الأمر غيرَ عُتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنّه عرفتُ أنه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يُوْحَ إليه. قال أبو سفيان: فضرب الدهر من (٣) ضَرْبه، فأُوحي إلى رسول الله ﷺ ، وخرجت فى ركْبٍ من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررتُ بأمية، فقلتُ له كالمستهزِئ به: يا أمية، قد خرج النبي الذي كنتَ تنعته. قال: إنه (٤) حقٌّ فاتَّبِعْهُ. قلت: ما يمنعك من اتباعه؟ قال: ما يمنعني إلّا الاستحياء من نسيّات (٥) ثقيف، إني كنتُ أحدّثهن أني هو، ثم يَرَيْنني تابعًا لغلام من بني عبد مناف! ثم قال أمية: كأني بك يا أبا سفيان إن (٦) خالفتَه، ثم قد رُبطت كما يربط الجدي حتى يؤتى بك إليه فيحكم فيك بما يريد. وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر عن الكلبي قال: بينا أمية راقدٌ ومعه ابنتان له إذ فزِعت إحداهما، فصاحت عليه، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: رأيت نَسْرين كَشَطا سقفَ البيت، فنزل أحدهما إليك فشقَّ بطنك، والآخر واقفٌ على ظهر البيت، فناداه فقال: أَوَعَى؟ قال: نعم. قال: أزَكَا؟ قال (٧):

стр. 946

لا. فقال: ذاك خيرٌ أريد بأبيكما فلم يقبلْه (١). وقد رُوي من وجه آخر، بسياق آخر، فقال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب وعثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب قال: قدمَتِ الفارعة أختُ أمية بن أبي الصلت على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة (٢)، وكانت ذاتَ لُبٍّ وعَقْل وجمال، وكان رسول الله ﷺ بها معجَبًا، فقال لها ذات يوم: يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئًا؟ فقالت: نعم، وأعجبُ منه (٣) ما قد رأيتُ، قالت: كان أخي في السفر، فلما انصرفَ بدأني (٤) فدخل عليَّ، فرقدَ على السرير وأنا أحلق أديمًا في يدي، إذ أقبل طائران أبيضان، أو كالطيرين أبيضين، فوقع على الكوّة أحدُهما، ودخل الآخر فوقع عليه، فشق الواقعُ عليه ما بينَ قَصّه (٥) إلى عانته، ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه، فوضعه في كفه، ثم شمه، فقال له الطائر الآخر: أوَعَى؟ قال: وعى. قال: أزكَا؟ قال أبى، ثم ردَّ القلبَ إلى مكانه فالتأم الجرحُ أسرعَ من طَرفة عين، ثم ذهبا، فلما رأيتُ ذلك دنوتُ منه فحركْته فقلتُ: هل تجدُ شيئًا. قال: لا، إلا توهينًا في جَسَدي -وقد كنت ارتعبتُ مما رأيتُ- فقال: ما لي أراك مرتاعة؟ قالت: فأخبرتُه الخبرَ. فقال: خيرٌ أُريد بي ثم صُرِف عني. ثم أنشأ يقول: [من المنسرح] باتت همومي تَسْرِي طوارِقُها … أَكُفُّ عيني والدمْعُ سابقُها مما أتاني من اليقينِ ولم … أُوْتَ بَراةً يَقُصُّ ناطِقُها (٦) أَمْ مَنْ تَلَظَّى واقِدَةُ النـ … ـارِ مُحِيْطٌ بهمْ سُرَادِقُها (٧) أمْ أُسْكِنَ الجنَّةَ التي وُعِد الأبـ … ـرارُ مَصْفُوفةٌ نَمارِقُها لا يَسْتَوي المنزلانِ ثَمّ ولا الأعـ … ـمالُ لا تَسْتَوي طَرَائقُها هُما فريقان فِرْقةٌ تَدْخُلُ الجـ … ـنَّةَ حَفّتْ بهم حَدائِقُها

стр. 947

وفرقةٌ منهمُ قدِ ادخِلتِ النَّـ … ـارَ فساءتْهمُ مَرافقها تعاهدتْ هذه القلوبُ إذا … هَمَّتْ بخيرٍ عافَتْ عَوائقُها وصَدَّها للشقاءَ عَن طلَبِ الـ … ـجَنَّةِ دُنْيا اللهُ ماحِقُها عبدٌ دَعا نَفسَه فعاتَبَها … يَعْلَمُ أنَّ البصيرَ رامِقُها ما رغبة النفس في الحياةِ وإن … تَحيا قليلًا فالموتُ لاحِقها (١) يوشِك مَنْ فرَّ من منيّته … يومًا على غِرّةٍ يُوافقها إنْ لم تَمُتْ عَبْطةً تَمُتْ هَرَمًا … لِلموتِ كأسٌ والمرْءُ ذائِقها (٢) قال (٣): ثم انصرف إلى رحله، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى طعن في حيارته (٤) فأتاني الخبر، فانصرفتُ إليه، فوجدتُه منعوشًا (٥) قد سُجّي عليه، فدنوتُ منه، فشهق شهقةً، وشقّ (٦)، بصره، ونظر نحوَ السقفِ ورفع صوتَه، وقال: [من الرجز] لبَّيكما لبَّيكما … ها أنذا لديكما لا ذو مال فيفديني، ولا ذو أهل فتحميني. ثم أُغمي عليه، إذ شهق شهقةً فقلت: قد هلك الرجلُ. فشقَّ بصره نحو السقف فرفع صوته، فقال: [من الرجز] لبيكما لبيكما … ها أنا ذا لديكما لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر. ثم أغمي عليه، إذ شهق شهقةً وشق بصره، ونظر نحو السقف، فقال: [من الرجز] لبيكما لبيكما … ها أنا ذا لديكما بالنعم محفود، وبالذنب محصود، ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة. فقال: [من الرجز] لبيكما لبيكما … ها أنا ذا لديكما إنْ تغفرِاللهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا … وأيُّ عبدٍ لكَ لا أَلمًّا (٧)

стр. 948

ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقال: [من الخفيف] كلُّ عيشٍ وإن تطاولَ دهرًا … صائرٌ مرَّةً إلى أن يَزُولا ليتني كنتُ قبلَ ما قدْ بدالي … في قِلالِ الجبالِ أرْعَى الوعولا (١) قالت: ثم مات. فقال رسول الله ﷺ : "يا فارعةُ فإن مَثَلَ أخيك كَمَثَلِ الذي آتاه الله آياته ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (٢) الآية. وقد تكلَّم الخطابي على غريب هذا الحديث. وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري أنه قال: قال أمية بن أبي الصلت: [من البسيط] أَلارسولٌ لنا منّا يخبّرنا … ما بُعْدُ غايتِنا منْ رأسِ مُجْرانا (٣) قال: ثم خرج أميةُ بن أبي الصلت إلى البحرين، وتَنَبَّأ رسول الله ﷺ ، وأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يقولُ محمد بن عبد الله؟ قالوا: يزعم أنه نبيٌّ، هو (٤) الذي كنتَ تتمنى. قال: فخرجَ حتى قدم عليه مكة، فلقيه. فقال: يا ابن عبد المطلب، ما هذا الذي تقول؟ قال: أقول: إني رسول الله، وأن لا إلَه إلا هو. قال: إني أريدُ أن أكلمك، فعِدْني غدًا. قال: فموعدُك غدًا. قال: فتحِبُّ أن آتيكَ وحْدي أو في جماعةٍ من أصحابي، وتأتيني وحدَك أو في جماعةٍ من أصحابك؟ فقال رسول الله ﷺ : "أيّ ذلك شئتَ". فال: فإني آتيكَ في جماعة، فأْتِ في جماعة. قال: فلما كان الغدُ غدا أمية في جماعةٍ من قريش، قال: وغدا رسول الله ﷺ معه نفر من أصحابه حتى جلسوا في ظل الكَعْبة. قال: فبدأ أميةُ فخطبَ، ثم سجع، ثم أنشدَ الشعر، حتى إذا فرغ (٥) قال: أجبني يا ابنَ عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى إذا فرغ منها وثَبَ أميةُ يجرُّ رجلَيه، قال: فتبعتْه قريشٌ يقولونَ: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه على الحق. فقالوا: هل تتّبعُه؟ قال: حتى أنظرَ في أمره. قال: ثم خرج أمية إلى الشام، وقدم رسولُ الله ﷺ المدينة، فلما قُتِلَ أهلُ بدرٍ قدِم (٦) أميةُ من الشام حتى نزلَ بدرًا، ثم ترحَّل يريدُ رسولَ الله ﷺ فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريدُ؟ قال: أريدُ محمدًا. قال: وما تصنعُ؟ قال: أومنُ به وأُلقي إليه

стр. 949

مقاليدَ هذا الأمر. قال: أتدري مَنْ في القليب؟ قال: لا. قال: فيه عُتبة بن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك -وأمه رُقية (١) بنتُ عبد شمس- قال: فَجَذَعَ أذني ناقته، وقطع ذنَبها، ثم وقفَ على القليب يقول: [من مجزوء الكامل] ما ذا ببَدرٍ فالعَقَنْـ … ـقَلِ مِن مرازبةٍ جَحاجِح (٢) القصيدة إلى آخرها، كما سيأتي ذكرها بتمامها في قصّة بدر إن شاء الله. ثمّ رجع إلى مكة والطائف، وترك الإسلام (٣). ثمّ ذكر قصّة الطيرين، وقصّة وفاته كما تقدم. وأنشدَ شعرَه عند الوفاة: [من الخفيف] كلُّ عيشٍ وإن تَطاولَ دَهْرًا … صائرٌ مرةً إلى أنْ يزولا ليتني كُنْتُ قبلَ ما قد بدا لي … في قِلالِ الجبالِ أرعَى الوُعُولا فاجْعل الموتَ نُصْبَ عَينيكَ واحْذَرْ … غَوْلةَ الدهْر إنّ للدهْرِ غُوْلا (٤) نائلًا ظُفْرُها القَسَاورَ والصَّدْ … عَان والطِّفْلَ في المنار الشَّكِيلا (٥) وبُغَاثَ النِّيافِ واليَعْفُرَ النا … فِرَ والعَوْهَجَ البُرامَ الضَّئِيلا (٦) فقوله: القساور: جمع قَسْورة، وهو الأسد. والصِّدْعان: ثيران الوحش، واحدها صَدْع، والطّفل: الشكل من حمرة العين. والبغاث: الرخم. والنياف: الجبال. واليَعْفُر: الظبي. والعوهج: ولد النعامة. يعني أن الموت لا ينجو منه الوحوش في البراري، ولا الرخم الساكن في رؤوس الجبال، ولا يترك صغيرًا لصغره ولا كبيرًا لكبره. وقد تكلَّم الخطابي وغيرُه على غريب هذه الأحاديث.

стр. 950

وقد ذكر السهيلي في كتابه "التعريف والإعلام" (١): أن أمية بن أبي الصلت أول من قال: باسمك اللهم (٢)، وذكر عند ذلك قصة غريبة، وهو أنهم خرجوا في جماعة من قريش في سَفْرٍ فيهم حرب بن أمية والد أبي سفيان، قال: فمرّوا في مسيرهم بحيَّة فقتلوها، فلما أمسوا جاءتهم امرأة من الجان فعاتبتهم في قتل تلك الحية، ومعها قضيبٌ، فضربت به الأرضَ ضربةً نفرت الإبل عن آخرها، فذهبت وشردت كل مذهب، وقاموا فلم يزالوا في طلبها حتى ردّوها، فلما اجتمعوا جاءتهم أيضًا فضربت الأرضَ بقضيبها، فنفرت الإبل، فذهبوا في طلبها حتى ردوها (٣)، فلما أعياهم ذلك قالوا: والله هل عندكَ لما نحن فيه من مخرج؟ فقال: لا والله، ولكن سأنظر في ذلك. قال فسار (٤) في تلك المحلّة لعلّه يجد أحدًا يسأله عما قد حلّ بهم من العَناء، إذا نارٌ تلوح على بعد، فجاءها، فإذا شيخٌ على باب خيمة يوقد نارًا، وإذا هو من الجان، في غاية الضآلة والدَّمَامة، فسلّم عليه، فسأله عما هم فيه، فقال: إذا جاءتكم فَقُلْ: باسمك اللهم، فإنها تهربُ، فلما اجتمعوا وجاءتهم الثالثة أو الرابعة قال في وجهها أمية: باسمك اللهم، فشردت ولم يقرّ لها قرار، لكن عَدَت الجِنُّ على حَرب بن أمية فقتلوه بتلك الحية، فقبره (٥) أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار، ففي ذلك يقول الجان: [من الرجز] وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفْرُ … ولَيْس قُربَ قبرِ حَربٍ قبرُ (٦) وذكر بعضهم: أنه كان يَتَفَرَّسُ في بعض الأحيان في لغات (٧) الحيوانات، فكان يمر في السفر على الطير فيقول لأصحابه: إن هذا يقول كذا وكذا، فيقولون: لا نعلم صدقَ ما يقول. حتى مرّوا على قطيع غنم قد انقطعتْ منه شاةٌ ومعها ولدها، فالتفتتْ إليه فثَغَتْ (٨) كأنها تستحثه. فقال: أتدرون ما تقول له؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: أسرعْ بنا لا يجئ الذئبُ فيأكلك كما أكل الذئب أخاك عام (٩) أول، فأسرعوا حتى سألوا الراعي: هل أكل الذئب عام أول حَمَلًا بتلك البقعة؟ فقال: نعم (١٠).
следующие страницы →