← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

لا. فقال: ذاك خيرٌ أريد بأبيكما فلم يقبلْه (١). وقد رُوي من وجه آخر، بسياق آخر، فقال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب وعثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب قال: قدمَتِ الفارعة أختُ أمية بن أبي الصلت على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة (٢)، وكانت ذاتَ لُبٍّ وعَقْل وجمال، وكان رسول الله ﷺ بها معجَبًا، فقال لها ذات يوم: يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئًا؟ فقالت: نعم، وأعجبُ منه (٣) ما قد رأيتُ، قالت: كان أخي في السفر، فلما انصرفَ بدأني (٤) فدخل عليَّ، فرقدَ على السرير وأنا أحلق أديمًا في يدي، إذ أقبل طائران أبيضان، أو كالطيرين أبيضين، فوقع على الكوّة أحدُهما، ودخل الآخر فوقع عليه، فشق الواقعُ عليه ما بينَ قَصّه (٥) إلى عانته، ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه، فوضعه في كفه، ثم شمه، فقال له الطائر الآخر: أوَعَى؟ قال: وعى. قال: أزكَا؟ قال أبى، ثم ردَّ القلبَ إلى مكانه فالتأم الجرحُ أسرعَ من طَرفة عين، ثم ذهبا، فلما رأيتُ ذلك دنوتُ منه فحركْته فقلتُ: هل تجدُ شيئًا. قال: لا، إلا توهينًا في جَسَدي -وقد كنت ارتعبتُ مما رأيتُ- فقال: ما لي أراك مرتاعة؟ قالت: فأخبرتُه الخبرَ. فقال: خيرٌ أُريد بي ثم صُرِف عني. ثم أنشأ يقول: [من المنسرح] باتت همومي تَسْرِي طوارِقُها … أَكُفُّ عيني والدمْعُ سابقُها مما أتاني من اليقينِ ولم … أُوْتَ بَراةً يَقُصُّ ناطِقُها (٦) أَمْ مَنْ تَلَظَّى واقِدَةُ النـ … ـارِ مُحِيْطٌ بهمْ سُرَادِقُها (٧) أمْ أُسْكِنَ الجنَّةَ التي وُعِد الأبـ … ـرارُ مَصْفُوفةٌ نَمارِقُها لا يَسْتَوي المنزلانِ ثَمّ ولا الأعـ … ـمالُ لا تَسْتَوي طَرَائقُها هُما فريقان فِرْقةٌ تَدْخُلُ الجـ … ـنَّةَ حَفّتْ بهم حَدائِقُها

стр. 947

وفرقةٌ منهمُ قدِ ادخِلتِ النَّـ … ـارَ فساءتْهمُ مَرافقها تعاهدتْ هذه القلوبُ إذا … هَمَّتْ بخيرٍ عافَتْ عَوائقُها وصَدَّها للشقاءَ عَن طلَبِ الـ … ـجَنَّةِ دُنْيا اللهُ ماحِقُها عبدٌ دَعا نَفسَه فعاتَبَها … يَعْلَمُ أنَّ البصيرَ رامِقُها ما رغبة النفس في الحياةِ وإن … تَحيا قليلًا فالموتُ لاحِقها (١) يوشِك مَنْ فرَّ من منيّته … يومًا على غِرّةٍ يُوافقها إنْ لم تَمُتْ عَبْطةً تَمُتْ هَرَمًا … لِلموتِ كأسٌ والمرْءُ ذائِقها (٢) قال (٣): ثم انصرف إلى رحله، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى طعن في حيارته (٤) فأتاني الخبر، فانصرفتُ إليه، فوجدتُه منعوشًا (٥) قد سُجّي عليه، فدنوتُ منه، فشهق شهقةً، وشقّ (٦)، بصره، ونظر نحوَ السقفِ ورفع صوتَه، وقال: [من الرجز] لبَّيكما لبَّيكما … ها أنذا لديكما لا ذو مال فيفديني، ولا ذو أهل فتحميني. ثم أُغمي عليه، إذ شهق شهقةً فقلت: قد هلك الرجلُ. فشقَّ بصره نحو السقف فرفع صوته، فقال: [من الرجز] لبيكما لبيكما … ها أنا ذا لديكما لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر. ثم أغمي عليه، إذ شهق شهقةً وشق بصره، ونظر نحو السقف، فقال: [من الرجز] لبيكما لبيكما … ها أنا ذا لديكما بالنعم محفود، وبالذنب محصود، ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة. فقال: [من الرجز] لبيكما لبيكما … ها أنا ذا لديكما إنْ تغفرِاللهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا … وأيُّ عبدٍ لكَ لا أَلمًّا (٧)

стр. 948

ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقال: [من الخفيف] كلُّ عيشٍ وإن تطاولَ دهرًا … صائرٌ مرَّةً إلى أن يَزُولا ليتني كنتُ قبلَ ما قدْ بدالي … في قِلالِ الجبالِ أرْعَى الوعولا (١) قالت: ثم مات. فقال رسول الله ﷺ : "يا فارعةُ فإن مَثَلَ أخيك كَمَثَلِ الذي آتاه الله آياته ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (٢) الآية. وقد تكلَّم الخطابي على غريب هذا الحديث. وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري أنه قال: قال أمية بن أبي الصلت: [من البسيط] أَلارسولٌ لنا منّا يخبّرنا … ما بُعْدُ غايتِنا منْ رأسِ مُجْرانا (٣) قال: ثم خرج أميةُ بن أبي الصلت إلى البحرين، وتَنَبَّأ رسول الله ﷺ ، وأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يقولُ محمد بن عبد الله؟ قالوا: يزعم أنه نبيٌّ، هو (٤) الذي كنتَ تتمنى. قال: فخرجَ حتى قدم عليه مكة، فلقيه. فقال: يا ابن عبد المطلب، ما هذا الذي تقول؟ قال: أقول: إني رسول الله، وأن لا إلَه إلا هو. قال: إني أريدُ أن أكلمك، فعِدْني غدًا. قال: فموعدُك غدًا. قال: فتحِبُّ أن آتيكَ وحْدي أو في جماعةٍ من أصحابي، وتأتيني وحدَك أو في جماعةٍ من أصحابك؟ فقال رسول الله ﷺ : "أيّ ذلك شئتَ". فال: فإني آتيكَ في جماعة، فأْتِ في جماعة. قال: فلما كان الغدُ غدا أمية في جماعةٍ من قريش، قال: وغدا رسول الله ﷺ معه نفر من أصحابه حتى جلسوا في ظل الكَعْبة. قال: فبدأ أميةُ فخطبَ، ثم سجع، ثم أنشدَ الشعر، حتى إذا فرغ (٥) قال: أجبني يا ابنَ عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى إذا فرغ منها وثَبَ أميةُ يجرُّ رجلَيه، قال: فتبعتْه قريشٌ يقولونَ: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه على الحق. فقالوا: هل تتّبعُه؟ قال: حتى أنظرَ في أمره. قال: ثم خرج أمية إلى الشام، وقدم رسولُ الله ﷺ المدينة، فلما قُتِلَ أهلُ بدرٍ قدِم (٦) أميةُ من الشام حتى نزلَ بدرًا، ثم ترحَّل يريدُ رسولَ الله ﷺ فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريدُ؟ قال: أريدُ محمدًا. قال: وما تصنعُ؟ قال: أومنُ به وأُلقي إليه

стр. 949

مقاليدَ هذا الأمر. قال: أتدري مَنْ في القليب؟ قال: لا. قال: فيه عُتبة بن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك -وأمه رُقية (١) بنتُ عبد شمس- قال: فَجَذَعَ أذني ناقته، وقطع ذنَبها، ثم وقفَ على القليب يقول: [من مجزوء الكامل] ما ذا ببَدرٍ فالعَقَنْـ … ـقَلِ مِن مرازبةٍ جَحاجِح (٢) القصيدة إلى آخرها، كما سيأتي ذكرها بتمامها في قصّة بدر إن شاء الله. ثمّ رجع إلى مكة والطائف، وترك الإسلام (٣). ثمّ ذكر قصّة الطيرين، وقصّة وفاته كما تقدم. وأنشدَ شعرَه عند الوفاة: [من الخفيف] كلُّ عيشٍ وإن تَطاولَ دَهْرًا … صائرٌ مرةً إلى أنْ يزولا ليتني كُنْتُ قبلَ ما قد بدا لي … في قِلالِ الجبالِ أرعَى الوُعُولا فاجْعل الموتَ نُصْبَ عَينيكَ واحْذَرْ … غَوْلةَ الدهْر إنّ للدهْرِ غُوْلا (٤) نائلًا ظُفْرُها القَسَاورَ والصَّدْ … عَان والطِّفْلَ في المنار الشَّكِيلا (٥) وبُغَاثَ النِّيافِ واليَعْفُرَ النا … فِرَ والعَوْهَجَ البُرامَ الضَّئِيلا (٦) فقوله: القساور: جمع قَسْورة، وهو الأسد. والصِّدْعان: ثيران الوحش، واحدها صَدْع، والطّفل: الشكل من حمرة العين. والبغاث: الرخم. والنياف: الجبال. واليَعْفُر: الظبي. والعوهج: ولد النعامة. يعني أن الموت لا ينجو منه الوحوش في البراري، ولا الرخم الساكن في رؤوس الجبال، ولا يترك صغيرًا لصغره ولا كبيرًا لكبره. وقد تكلَّم الخطابي وغيرُه على غريب هذه الأحاديث.

стр. 950

وقد ذكر السهيلي في كتابه "التعريف والإعلام" (١): أن أمية بن أبي الصلت أول من قال: باسمك اللهم (٢)، وذكر عند ذلك قصة غريبة، وهو أنهم خرجوا في جماعة من قريش في سَفْرٍ فيهم حرب بن أمية والد أبي سفيان، قال: فمرّوا في مسيرهم بحيَّة فقتلوها، فلما أمسوا جاءتهم امرأة من الجان فعاتبتهم في قتل تلك الحية، ومعها قضيبٌ، فضربت به الأرضَ ضربةً نفرت الإبل عن آخرها، فذهبت وشردت كل مذهب، وقاموا فلم يزالوا في طلبها حتى ردّوها، فلما اجتمعوا جاءتهم أيضًا فضربت الأرضَ بقضيبها، فنفرت الإبل، فذهبوا في طلبها حتى ردوها (٣)، فلما أعياهم ذلك قالوا: والله هل عندكَ لما نحن فيه من مخرج؟ فقال: لا والله، ولكن سأنظر في ذلك. قال فسار (٤) في تلك المحلّة لعلّه يجد أحدًا يسأله عما قد حلّ بهم من العَناء، إذا نارٌ تلوح على بعد، فجاءها، فإذا شيخٌ على باب خيمة يوقد نارًا، وإذا هو من الجان، في غاية الضآلة والدَّمَامة، فسلّم عليه، فسأله عما هم فيه، فقال: إذا جاءتكم فَقُلْ: باسمك اللهم، فإنها تهربُ، فلما اجتمعوا وجاءتهم الثالثة أو الرابعة قال في وجهها أمية: باسمك اللهم، فشردت ولم يقرّ لها قرار، لكن عَدَت الجِنُّ على حَرب بن أمية فقتلوه بتلك الحية، فقبره (٥) أصحابه هنالك حيث لا جار ولا دار، ففي ذلك يقول الجان: [من الرجز] وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفْرُ … ولَيْس قُربَ قبرِ حَربٍ قبرُ (٦) وذكر بعضهم: أنه كان يَتَفَرَّسُ في بعض الأحيان في لغات (٧) الحيوانات، فكان يمر في السفر على الطير فيقول لأصحابه: إن هذا يقول كذا وكذا، فيقولون: لا نعلم صدقَ ما يقول. حتى مرّوا على قطيع غنم قد انقطعتْ منه شاةٌ ومعها ولدها، فالتفتتْ إليه فثَغَتْ (٨) كأنها تستحثه. فقال: أتدرون ما تقول له؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: أسرعْ بنا لا يجئ الذئبُ فيأكلك كما أكل الذئب أخاك عام (٩) أول، فأسرعوا حتى سألوا الراعي: هل أكل الذئب عام أول حَمَلًا بتلك البقعة؟ فقال: نعم (١٠).

стр. 951

قال: ومرَّ يومًا على بعير عليه امرأة راكبة وهو يرفع رأسه إليها ويرغُو. فقال: إنه يقول لها: إنك رحلتني وفي الحِدَاجَة مَخيط. فأنزَلوا تلك المرأةَ وحلوا ذلك الرحْل فإذا فيه مخيط كما قال (١). وذكر ابن السكّيت: أن أمية بن أبي الصلت بينما هو يَشْرَب يومًا إذ نَعَبَ غُرابٌ. فقال له: بفيك التراب، مرتين. فقيل له: ما يقول؟ فقال: إنه يقول: إنك تشربُ هذا الكأسَ الذي في يدك ثم تتكئَ (٢) تموت. ثم نعب الغراب فقال: إنه يقول: وآيةُ ذلك أني أنزل على هذه المزبلة فآكل منها فيعلقُ عظم في حلقي فأموت. ثم نزل الغرابُ على تلك المزبلة، فأكل شيئًا، فعلق في حلقه عظمٌ، فمات. فقال أمية: أما هذا فقد صدق في نفسه، ولكن سأنظر هل صدقَ فيَّ أم لا. ثم شرب ذلك الكأس الذي في يده، ثم اتَّكأَ فمات (٣). وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مهدي، عن الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أصْدَقَ كلمة قالَها شاعرٌ كلمة لبيد: [من الطويل] ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم" (٤). فقال الإمام أحمد (٥): حدّثنا رَوْح، حدّثنا زكريا بن إسحاق، حدّثنا إبراهيم بن ميسرة أنه سمع عمرو بن الشريد يقول: قال الشريد: كنت رِدْفًا لرسول الله ﷺ فقال لي: "أمَعَكَ مِن شِعْر أمية بن أبي الصلت شَيءٌ"؟ قلت: نعم! قال: "فأنشِدْني". فأنشدتُه بيتًا، فلم يزل يقول لي كلما أنشدته بيتًا: "إيهِ" حتى أنشدته مئة بيت. قال: ثمّ سكتَ النبي ﷺ وسكتُّ. وهكذا رواه مسلم من حديث سُفيان بن عُيينة عن إبراهيم (٦) بن ميسرة، به. ومن غير وجهٍ عن عمرو بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي عن النبي ﷺ (٧).

стр. 952

وفي بعض الروايات: فقال رسول الله ﷺ :" إنْ كاد لَيُسْلم". وقال يحيى بن محمد بن صاعد: حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا حاتم بن أبي صَغيرة (١)، عن سماك بن حرب، عن عمرو بن نافع، عن الشريد الهمْداني وأخواله ثقيف قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع، فبينا أنا أمشي ذات يوم إذا وَقْعُ ناقةٍ خلفي فالتفت (٢) فإذا رسول الله ﷺ فقال: "الشريد"؟ فقلت: نعم. قال: "ألا أحملك"؟ قلت: بلى، وما من إعياءٍ (٣) ولكني أردت البركة في ركوبي مع رسول الله ﷺ فأناخ، فحملني، فقال: "أمعكَ من شِعر أمية بن أبي الصَّلْت"؟ قلت: نعم! قال: "هاتِ". فأنشدتُه. قال: أظنه قال: مئة بيت، فقال: "عند الله عِلْم أمية بن أبي الصلت" (٤). ثم قال ابنُ صاعد: هذا حديث غريبٌ. فأما الذي يُروى أن رسول الله ﷺ قال في أمية: "آمنَ شعرُه وكَفَرَ قلبُه"، فلا أعرفه (٥). والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا عبد الله بن محمد -وهو أبو بكر بن أبي شيبة- حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صدَّق أمية في شيء من شِعره قال: [من الطويل] رجلٌ وثورٌ تحتَ رِجل يَمينه … والنَّسْر للأُخْرى ولَيْثٌ مُرْصِد (٧) [فقال رسول الله ﷺ : صدق، وقال] (٨) [من الكامل] والشمسُ تَبدو كُلَّ آخرِ ليلةٍ … حَمْراءَ يُصبحُ لونُها يتورّد تأبى فما تَطلُعْ لنا في رِسْلها … إلا مُعَذّبةٌ وإلّا تُجْلَدْ (٩) فقال رسول الله ﷺ : "صدَق".

стр. 953

وفي رواية أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: إن الشمس لا تطلع حتى يَنْخَسَها (١) سَبعونَ ألف مَلك يقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله. فإذا همّت بالطلوع أتاها شيطانٌ يريد أن يُثبّطها، فتطلع بين قرنيه وتحرقه. فإذا تضيِّفت للغروب عزمت على السجود (٢) لله فيأتيها شيطان يريد أن يثبطها عن السجود، فتغرب من قرنيه وتحرقه. أورده ابن عساكر مطولًا (٣). ومن شعره في حَمَلَة العرش: [من الطويل] فمن حاملٍ إحدى قوائمِ عرشِه … ولولا إلهُ الخلقِ كَلُّوا وبلَّدوا (٤) قيامٌ على الأقدامِ عانونَ تحته … فرائصُهم من شدّة الخوف ترعد (٥) رواه ابن عساكر، وروي عن الأصمعي أنه كان ينشد من شعر أمية: [من الخفيف] مجِّدوا اللهَ فهو للمجْدِ أهْلُ … رَبُّنا في السماء أمسى كَبيرا بالبناءَ الأعلى الذي سَبَقَ النَّـ … ـاسَ وسَوَّى فَوْق السَّماءَ سَرِيرا شَرْجَعًا لا ينالهُ بَصَرُ العَيْـ … ـنِ تَرَى دُوْنه الملائِكَ صُورا (٦) ثم يقول الأصمعي: الملائك: جمع ملك، والصور: جمع أصور، وهو المائل العنق، وهؤلاء حَملة العرش. ومن شعر أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جُدْعان التيمي (٧): [من الوافر] أأذكرُ حَاجتي أمْ قَدْ كفاني … حَيَاؤُكَ إنَّ شيْمَتَك الحياءُ وعِلمُك بالحقوقِ وأنْتَ فَرْعٌ … لكَ الحسَب المهذّبُ والسناء كريمٌ لا يغيره صَباح … عن الخُلُق الجزيل ولا مَساء (٨) يباري الريحَ مَكْرُمةً وجُودًا … إذا ما الكَلْبُ أجحَره الشتاء وأرضُك أرضُ مَكرمةٍ بَنَتْها … بنو تَيْمٍ وأنتَ لها سماء

стр. 954

إذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كَفَاه من تَعَرُّضِه الثَّنَاءُ (١) وله فيه مدائح أُخَر. وقد كان عبد الله بن جُدعان (٢) هذا من الكُرماء الأجواد الممَدَّحين المشهورين، وكان له جَفنة يأكل الراكب منها وهو على بَعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها، وكان يملؤها لُباب البُرّ يُلْبَك بالشهد والسمن، وكان يعتق الرقاب، ويُعين على النوائب. وقد سألت عائشةُ النبي ﷺ : أينفَعُه ذلك؟ فقال: "إنه لم يقل يومًا من الدهر (٣): ربّ اغفرْ لي خَطيئتي يومَ الدينِ" (٤). ومن شعر أمية البديع: [من الكامل] لا يَنْكُتُونَ الأرْضَ عندَ سُؤَالهم … كَتَطَلُّبِ العِلَّاتِ بالعِيْدانِ (٥) بل يُسْفِرون وجوهَهم فَتَرى لها … عند السُّؤال كأحْسَن الألوانِ وإذا المقِلُّ أقامَ وسْط رِحَالهم … رَدُّوْهُ رَبَّ صَواهلٍ وقيانِ وإذا دعوتَهمُ لِكُلِّ مُلمّةٍ … سَدُّوا شعاعَ الشمسِ بالفرسان (٦) آخر ترجمة أمية بن أبي الصلت (٧).

стр. 955

بحيري الراهب (١) الذي توسَّم في رسول الله ﷺ النبوةَ وهو مع عمه أبي طالب حين قدم الشام في تجّار من أهل مكة، وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة (٢) سنة، فرأى الغمامةَ تُظِلّه من بينهم. فصنع لهم طعامًا ضيافة، واستدعاهم، كما سيأتي بيان ذلك في السيرة (٣). وقد روى الترمذي في ذلك حديثًا بسطنا الكلام عليه هنالك. وقد أورد له الحافظ ابن عساكر (٤) شواهد وسائغات في ترجمة بَحيرى، ولم يُورد ما رواه الترمذي، وهذا عَجَبٌ. وذكر ابنُ عساكر أن بحيرى كان يسكن قرية يقال لها: الكفر، بينها وبين بصرى ستة أميال، وهي التي يقال لها: (دير بحيرى). قال: ويقال: إنه كان يسكن قرية يقال لها: منفعة بالبلقاء وراء زيزاء (٥). والله أعلم.

стр. 956

ذكر قُسّ بنِ سَاعِدة الإيَادي (١) قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب "هَواتِف الجِنَّان" (٢) حدثنا علي بن (٣) داود القَنْطَري، حدّثنا عبد الله بن صالح، حدّثني أبو عبد الله المشْرقي، عن أبي الحارث الورّاق، عن ثور بن يزيد، عن مورِّق العِجْلي، عن عُبادة بن الصامت، قال: لما قدِم وفْدُ إياد على النبي ﷺ قال: "يا مَعْشَرَ وفْدِ إياد! ما فَعَلَ قُسُّ بنُ ساعدة الإيادي"؟ قالوا: هلك يا رسول الله. قال: "لقد شَهِدتُه يومًا بسوق عُكَاظ على جَمَلٍ أحْمَرَ يَتَكَلَّمُ بكلامٍ معجب مونق لا أجدني أحفظه". فقام إليه أعرابي من أقاصي القوم فقال: أنا أحفظه يا رسول الله. قال: فَسُرَّ النبي ﷺ بذلك. قال: فكان بسوق عكاظ على جمل أحْمر وهو يقول: يا معشرَ الناس اجتمعوا، فكل من فات فات، وكلّ شيء آت آت، ليلٌ داج، وسماءٌ ذات أبراج، وبحر عَجَّاج، نجوم تزهر، وجبال مرسية، وأنهار مجرية، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لَعِبَرا، مالي أرى الناس يذهبون ويموتون (٤) فلا يرجعون، أرَضوا بالإقامة فأقاموا، أم تُرِكوا فناموا، أَقسم قُسٌّ بالله قسمًا لا ريب فيه، إن لله دينًا هو أرضَى من دينكم هذا [وإن كان فيه بعض الاستطال] (٥)، ثم أنشأ يقول: [من مجزوء الكامل] في الذاهِبينَ الأوّليـ … ـنَ من القُرونِ لنا بَصَائر لمّا رأيتُ مواردًا … للموتِ ليسَ لها مصادر ورأيتُ قَومي نحوها … يمضي الأصاغرُ والأكابر لا مَن مضى يأتي إليـ … ـك ولا مِن الباقين غابر أيقنتُ أني لا محا … لةَ حيثُ صارَ القومُ صائر (٦)

стр. 957

وهذا إسناد غريب من هذا الوجه. وقد رواه الطبراني من وجه آخر فقال في كتابه "المعجم الكبير" (١): حدّثنا محمد بن السَّرِي بن مهران بن الناقد البغداي، حدّثنا محمد بن حسان السَّمْتي (٢)، حدّثنا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس. قال: قدِم وفدُ عبد القيس على النبي ﷺ فقال: "أيّكم يَعْرفُ القُسَّ بن ساعدة الإيادي"؟ قالوا: كلّنا يعرفه يا رسول الله. قال: "فما فعل"؟ قالوا: هلك. قال: "فما أنساهُ بعُكَاظ في الشّهْرِ الحرامِ وهُوَ على جَمَلٍ أحْمَرَ وهُو يخطُبُ الناسَ، وهو يقول: يا أيها الناسُ اجْتمعوا واستَمِعوا وعُوا، من عاشَ ماتَ، ومَن ماتَ فاتَ، وكل ما هو آتٍ آت. إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا، مهاد موضوع، وسقفٌ مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تَغُور. أقسم (٣) قسٌّ قَسمًا حقًا لئن كان في الأمر رِضىً ليكون بعده سخط. إن لله لدينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون. أَرَضوا بالمقام فأقاموا. أم تُرِكوا فناموا". ثم قال رسول الله ﷺ : "أفيكم من يروي شعرَهُ"؟ فأنشده بعضُهم: [من مجزوء الكامل] في الذاهبين الأوليـ … ـنَ من القرونِ لنا بصَائر لمّا رأيتُ مَواردًا … للموْتِ ليسَ لها مصادر ورأيتُ قَومي نحوَها … يَسعى الأصاغِرُ والأكابر (٤) لا يرجع الماضي إليَّ … ولا من البَاقِين غابر أيقنتُ أني لا محا … لَةَ حيثُ صارَ القومُ صائر وهكذا أَورده الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة من طريق محمد بن حسّان السَّمْتي (٥)، به. وهكذا رويناه في الجزء الذي جمعه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه في "أخبار قُسّ" (٦) قال: حدّثنا عبد الكريم بن الهيثم الديْرعَاقُولي (٧)، عن سعيد بن شبيب، عن محمد بن

стр. 958

الحجاج وهو أبو إبراهيم (١) الواسطي نزيل بغداد ويعرف بصاحب الهَرِيسة (٢) به، وقد كذَّبه يحيى بن مَعين (٣) وأبو حاتم الرازي (٤)، والدارقُطني (٥)، واتَّهمه غير واحد منهم ابن عَدي (٦) بوضع الحديث. وقد رواه البزّار (٧)، وأبو نعيم من حديث محمد بن الحجاج هذا (٨). ورواه ابن درستويه وأبو نعيم من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذه الطريق أمثل من التي قبلها، وفيه أن أبا بكر هو الذي أورد القصة بكمالها نَظَمَها ونَثَرَها بين يدي رسول الله ﷺ . ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث أحمد بن موسى بن إسحاق الخطمي. حدّثنا علي بن الحسين بن محمد المخزومي: حدّثنا أبو حاتم السجستاني، حدّثنا وهب بن جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس قال: قدم وفدُ بكر بن وائل على رسول الله ﷺ فقال لهم: "ما فعلَ حَليفٌ لكم يقالُ له: قُس بن ساعدة الإيادي" .. وذكر القصَّة مطوّلةً (٩). وأخبرنا الشيخ المسند الرحلة أحمد بن أبي طالب الحجار إجازةً إن لم يكن سماعًا قال: أجاز لنا جعفر ابن علي الهمْداني قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد (١٠) بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السِّلَفي سماعًا (ح) (١١): وقرأت على شيخنا الحافظ أبي عبد الله الذهبي: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن أبي بكر الخلَّال سماعًا قال: أخبرنا جعفر بن علي سماعًا: أخبرنا السِّلَفي سماعًا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي، أخبرنا أبو القاسم عبيد الله ابن أحمد بن علي المقرئ، حدّثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي قال: حدّثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن أحمد السعدي -قاضي فارس- حدّثنا أبو داود سليمان بن سيف بن يحيى بن دِرْهم الطائي، من أهل حران، حدّثنا أبو عمرو سعيد بن يربع، عن محمد بن إسحاق، حدّثني بعض أصحابنا من أهل العلم عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: كان الجارود بن المعلَّى بن حَنَش بن معلّى

стр. 959

العبدي (١) نصرانيًا، حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها، عالمًا بسِيَرِ الفرس وأقاويلها، بصيرًا بالفلسفة والطب، ظاهرَ الدهاء والأدب، كاملَ الجمال، ذا ثَرْوةٍ ومالٍ، وإنه قدم على النبي ﷺ وافدًا في رجال من عبد القيس ذوي آراء وأسنان وفصاحة وبيان، وحجج وبرهان، فلما قَدِم على النبي ﷺ وقف بين يديه، وأشار إليه، وأنشأ يقول: [من الخفيف] يا نبيَّ الهُدى أتتكَ رِجالٌ … قَطَعتْ فَدْفَدًا وآلًا فآلا (٢) وطَوتْ نحوكَ الصَّحَاصِحَ تهوى … لا تَعُدُّ الكلالَ فيك كَلالا (٣) كُلّ يَهْماء قَصَرَ الطرفُ عنها … أَرْقَلتْها قِلاصُنا إرْقالا (٤) وطوتْها العِتاقُ يَجْمَحُ فيها … بِكُماةٍ كأنْجُمٍ تَتَلالا (٥) تَبْتَغي دفْعَ بأسِ يومٍ عظيم … هائل أوجعَ القلوبَ وهالا ومزادًا لمحشر الخلْق طُرًّا … وفراقًا لمن تمادى ضلالا نحو نورٍ من الإله وبرها … نٍ وَبِرّ ونعمةٍ أن تُنالا خَصَّكَ الله يا ابن آمنةَ الخـ … ـيرِ بها إذ أتتْ سِجالا سِجالا فاجْعلِ الحظَّ منكَ يا حُجَّة اللـ … ـه جزيلًا لا حظّ خُلفٍ أحالا قال: فأدناه النبي ﷺ وقرّب مجلسه وقال له: يا جارود، لقد تأخّر الموعود بك وبقومك. فقال الجارود: فداك أبي وأمي، أمّا من تأخّر عنك فقد فاته حظه، وتلك أعظم حوبة وأغلظ عقوبة، وما كنت فيمن رآك أو سمع بك فعداك واتَّبع سواك، وإني الآن على دينٍ قد علمتَ به، قد جئتك وها أنا تاركه لدينك أفذلك مما يُمحِّص الذنوب والمآثم والحوب؟ ويُرْضي الربَّ عن المربوب؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أنا ضَامنٌ لك ذلك، وأخْلِصِ الآن لله بالوحدانية، ودعْ عنك دينَ النصرانية". فقال الجارود: فداك أبي وأمي، مُدَّ يدَك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك محمد عبده ورسوله. قال: فأسلم، وأسلم معه أناس من قومه، فَسُرَّ النبي ﷺ [بإسلامهم، وأظهر من إكرامهم ما سُرّوا به وابتهجوا به. ثم أقبل عليهم رسولُ الله ﷺ ] (٦) فقال: "أفيكم من يعرف قُسَّ بن ساعدة الإيادي"؟ فقال الجارود: فداك أبي وأمي كلُّنا نعرفه، وإني من بينهم لعالم بخبره، واقف على أمره: كان قُسٌّ

стр. 960

يا رسولَ الله سِبْطًا (١) من أسباط العرب، عُمّر ستمئة سنة (٢)، تَقَفَّرَ منها خمسة أعمار في البراري والقفار يضِجُّ بالتسبيح على مثال المسيح، لا يقرُّه قَرارٌ، ولا تكنه دار، ولا يستمتع به جار. كان يلبس الأمْساح (٣) ويفوق السياح، ولا يفتر من رهبانيته، يتحسّى في سياحته بيضَ النعام، ويأنس بالهوام، ويستمتع بالظلام، يُبصِرُ فيعتبر، ويُفَكّر فيختبر، فصار لذلك واحدًا تُضْرَب بحكمته الأمثال (٤)، وتكشف به الأهوال، أدرك رأسَ الحواريين سَمْعان، وهو أول رجل تألّه من العرب ووحّد، وأقرّ وتعبد، وأيقن بالبعث والحساب، وحذّر سوء المآب، وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت، وسلَّم بالقضا على السخط والرضا، وزار القبور، وذكر النشور، وندب بالأشعار، وفكّر في الأقدار وأنبأ عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء، ووصف البحار، وعرف الآثار، وخطب راكبًا، ووعظ دائبًا، وحذّر من الكرب، ومن شدة الغضب، ورسَّل الرسائل، وذكر كل هائل، وأرغم في خطبه، وبيّن في كتبه، وخوّف الدهر، وحذر الأزْر (٥)، وعظَّم الأمر، وجنَّب الكفر، وشوّق إلى الحنيفية، ودعا إلى اللاهوتية. وهو القائل في يوم عكاظ: شرق وغرب، ويتم وحزب (٦)، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأُجَاج (٧) وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وإناث وذكور، وبرار وبحور (٨)، وحَب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، وشر وإعدام، ورَب وأصنام، لقد ضل الأنام، نشوّ مولود، ووأد (٩) مفقود، وتربية محصود، وفقير وغني، ومحسن ومسيء، تبًا لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله، كلا بل هو إلهٌ واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، وخلق الذكر والأنثى، ربّ الآخرة والأولى (١٠). أما بعد: فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد!؟ وأين الآباء والأجداد!؟ وأين العليل والعوَّاد!؟ كل له مَعاد. يقسم قُسٌّ برب العباد، وساطح المِهاد، لتُحْشَرُنَّ على الانفراد،

стр. 961

في يوم التناد، إذا نُفخ في الصور، ونقر (١) في الناقور، وأشرقت الأرض، ووعظ الواعظ، فانتبذ الغائظ، وأبصر اللاحظ، فويل لمن صَدَفَ عن الحق الأشْهَر، والنور الأزْهر، والعرض الأكبر، في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حَكَم الفدير، وشهد النذير، وبَعُدَ النصير، وظهر التقصير، ففريق في الجنة وفريق في السعير. وهو القائل: [من الخفيف] ذكَّر القلبَ من جواه ادّكارُ … ولَيالٍ خَلالهنّ نهار وسِجَالٌ هَواطلٌ من غَمام … ثِرنَ ماءً وفي جواهنّ نار ضَوءها يطمسُ العيونَ وأرعا … دٌ شِداد في الخافقين تُطار وقصورٌ مَشِيدة حوت الخـ … ـير وأخرى خلت بهن قِفار وجبالٌ شوامِخٌ راسياتٌ … وبحارٌ مياههن غِزار ونجومٌ تلوح في ظُلَم الليـ … ـل نَراها في كل يوم تدار ثم شمس يحثّها قمرُ الليـ … ـل وكلٌّ متابِعٌ مَوَّار وصغيرٌ وأشمط وكَبير … كلهم في الصعيد يومًا مزار وكبير مما يقصر عنه … حدسه الخاطر الذي لا يُحارُ فالذي قد ذكرتُ دلَّ على اللـ … ـه نُفوسًا لها هُدى واعْتبار قال: فقال رسول الله ﷺ : "مهما نَسيت فلستُ أنساه بسوقِ عُكاظ"، واقفًا على جَمل أحمر يخطب الناس ويقول: يا أيها الناس (٢) اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وضوء وظلام، وليل (٣) وأيام، وبر وأثَام (٤)، إن في السماء خبرا، وإن في الأرض عبرا، يحار فيهن البُصَرا، مِهاد موضوع، وسَقف مرفوع، ونجوم تغور (٥)، وبحار لا تفور، ومنايا دوان، ودهر خَوّان، كحد النِّسْطاس (٦)، ووزن القِسطاس. أقسَم قُسٌّ قسما، لا كاذبًا فيه ولا آثما، لئن كان في هذا الأمر رِضى، ليكونن سخط. ثم قال: أيها الناس إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه، وهذا زمانه وأوانه. ثم قال:

стр. 962

ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرَضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تُرِكوا فناموا". والتفتَ رسول الله ﷺ إلى بعض أصحابه فقال: "أيَّكم يروي شعرَه لنا"؟ فقال أبو بكر الصديق: فداك أبي وأمي أنا شاهدٌ له في ذلك اليوم حيث يقول: [من مجزوء الكامل] في الذاهبين الأوّليـ … ـن من القرون لنا بصائر لما رأيتُ مَواردًا … للموت ليس لها مصادر ورأيتُ قومي نحوها … يمضي الأصاغر والأكابر لا يَرجع الماضي إلـ … ـيَّ ولا من الباقين غابر أيقنتُ أني لا محا … لة حيث صارَ القومُ صائر قال: فقام إلى رسول الله ﷺ شيخ من عبد القيس، عظيمُ الهامة، طويل القامة، بعيدُ ما بين المنكبين، فقال: فداك أبي وأمي، وأنا رأيتُ من قُسٍّ عجبًا. فقال له رسول الله ﷺ : "ما الذي رأيت يا أخا بني عبد القيس"؟ فقال: خرجتُ في شبيبتي أتبع (١) بعيرًا لي نَدَّ عنّي أقفو أثره في تَنائف قِفاف ذات ضَغَابيس وعرصات جَثْجَاث (٢)، بين صدور جَذعان، وغمير حَوذان (٣)، ومَهْمه ظُلْمان، ورصيع أيهقان (٤)، فبينا أنا في تلك الفلوات أجول بسبسبها وأرمق (٥) فدفدها، وإذا أنا بهضبة في نشزاتها أراك كَبَاث مخضوضلة (٦)، وأغصانها متهدلة، كأن بَرِيْرها (٧) حب الفلفل ويواسق أقحوان، وإذا بعين خرَّارة، وروضة مُدْهَامَّة (٨)، وشجرة عارمة، وإذا أنا بقسّ بن ساعدة في أصل تلك الشجرة وبيده قضيب. فدنوتُ منه وقلت له: أنعم صباحًا! فقال: وأنت فنَعِمَ صباحُك! وقد وردتِ العينَ سباعٌ كثيرةٌ، فكان كلما ذهبَ سَبُعٌ منها يشرب من العين قبل صاحبه ضربه قسٌّ بالقضيب الذي بيده. وقال: اصبر حتى يشرب الذي قبلك، فذعرت من ذلك ذعرًا شديدًا، ونظر إليَّ فقال: لا تخف. وإذا بقبرين بينهما مسجدٌ، فقلت: ما هذان القبران؟ قال قبرأ أخوين كانا يعبدان الله بهذا الموضع، فأنا

стр. 963

مقيم بين قبريهما أعبد الله حتى ألحقَ بهما. فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتبايُنِهم على شرهم؟ فقال لي: ثكلتكَ أمُّك، أَوَ مَا علمتَ أن ولد إسماعيل تركوا دينَ أبيهم واتّبعوا الأَضداد وعظّموا الأنداد (١)، ثم أقبل على القبرين وأنشأ يقول: [من الطويل] خليليّ هُبَّا طالما قد رقَدتُما … كما أجِدَّ لا تَقضيان كَراكُما (٢) أرى النومَ بين الجِلد والعَظمِ منكما … كأنّ الذي يسقي العقارَ سقاكما (٣) أمِن طولِ نومٍ لا تُجيبان داعيًا … كأنّ الذي يسقي العقارَ سقاكما ألم تعلما أني بنجرانَ مفرَدًا … وما ليَ فيه من حَبيبٍ سواكما (٤) مقيمٌ على قبريكما لستُ بارحًا … إيابَ الليالي أو يجيبَ صَداكما أبكيكما طولَ الحياةِ وما الذي … يردّ على ذي لوعةٍ أن بَكَاكما فلو جُعلتْ نفسٌ لنفس امرئ فِدىً … لجدتُ بنفسي أن تكونَ فِداكما كأنكما والموت أقربُ غايةٍ … بروحيَ في قَبريكما قد أتاكما قال: فقال رسول الله ﷺ : "رحمَ الله قُسًا، أمَا إنه سيبعث يوم القيامة أُمَّةً وحده" (٥). وهذا الحديث غريب جدًا من هذا الوجه وهو مرسل إلا أن يكون الحسَنُ سمِعَه من الجارود. والله أعلم. وقد رواه البيهقي، والحافظ أبو القاسم بن عساكر من وجه آخر، من حديث محمد بن عيسى بن محمد بن (٦) سعيد القُرشي الأخباري، حدّثنا أبي، حدثنا علي بن سليمان عن سليمان بن علي، عن علي (٧) بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس ﵄. قال: قدم الجارود بن عبد الله (٨)، فذكر مثله أو نحوه مطولًا بزيادات كثيرة في نظمه ونثره، وفيه (٩) ما ذكره عن الذي ضَلّ بعيره فذهب في طلبه،

стр. 964

قال: فبِتُّ في وادٍ لا آمن فيه حتفي، ولا أَرْكن إلى غير سيفي، فبت (١) أرقب الكوكب، وأرمق الغيْهب، حتى إذا عسعس الليل (٢)، وكاد الصبح أن يتنفس، هتف بي هاتف يقول: [من الرجز] يا أيُّها الراقدُ في الليلِ الأَجَمّ … قَدْ بعثَ الله نبيًا في الحَرَم (٣) من هاشمٍ أهلِ الوفاءِ والكرمْ … يجلو دجنّاتِ الدياجي والبهَم (٤) قال: فأدرت طرفي فما رأيت له شخصًا ولا سمعت له فَحْصًا (٥)، قال: فأنشأت أقول: [من الرجز] يا أيها الهاتفُ في داجي الظُّلَم … أهلًا وسهلًا بك من طيْفٍ ألَم بَيِّنْ هَداكَ اللهُ في لحنِ الكَلِم … ماذا الذي تدعو إليهِ يُغتنم قال: فإذا أنا بنحْنَحَةٍ وقائل (٦) يقول: ظهر النور، وبَطل الزور، وبَعثَ الله محمدًا بالحبُور (٧)، صاحب النجيب الأحمر، والتاج والمِغْفَر (٨)، والوجه الأزهر، والحاجب الأقمر، والطَّرْف الأحور، صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله، وذلك محمد المبعوث إلى الأسود والأبيض أهل المدر والوبر (٩)، ثم أنشأ يقول: [من مجزوء الرجز] الحمدُ للهِ الّذي … لم يخلقِ الخلقَ عبثْ لم يُخلِنا يومًا سُدى … من بعدِ عيسى واكترث (١٠) أرْسلَ فينا أحمدًا … خيرَ نبيّ قد بُعث صلى عليه اللهُ ما … حجّ له ركبٌ وحثّ وفيه من إنشاد (١١) قُس بن ساعدة: [من البسيط]

стр. 965

يا ناعيَ الموتِ والملحودِ في جدثٍ … عليهمُ من بقايا ثوبهمْ خِرَقٌ (١) دعهم فإنّ لهم يومًا يُصاح بهم … فهم إذا انتبهوا من نومهم أرِقوا حتى يعودوا بحالٍ غيرِ حالهمُ … خَلقًا جديدًا كما مِن قَبْلِه خُلقوا منهم عُراةٌ ومنهم في ثيابهمُ … منها الجديدُ ومنها المنهجُ الخَلَقُ (٢) ثمّ رواه البيهقي عن أبي محمد عبد الله (٣) بن يوسف بن أحمد الأصبهاني، حدّثنا أبو بكر أحمد بن سعيد بن فرضخ الإخميمي (٤) بمكة. حدّثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي، حدّثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن (٥) المخزومي. حدّثنا سفيان بن عُيينة، عن أبي حمزة الثُّمالي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس .. فذكر القصةَ وذكر الإنشاد (٦)، قال فوجدوا عِنْدَ رأسه صحيفة فيها: [من البسيط] يا ناعيَ الموتِ والأمواتُ في جَدثٍ … عليهم من بقايا نومهم خِرقُ (٧) دعْهم فإن لهم يومًا يُصاح بهم … كما تَنَبّهَ من نوماته الصَّعِقُ منهم عُراةٌ وموتىَ في ثيابهمُ … منها الجديدُ ومنها الأزرَق الخَلَقُ فقال رسول الله ﷺ : "والذي بَعَثني بالحق لقد آمن قُس (٨) بالبعث". وأصله مشهور. وهذه الطرق على ضَعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة. وقد تكلّم أبو محمد بن درستويه على غريب ما وقع في هذا الحديث، وأكثره ظاهر إن شاء الله تعالى، وما كان فيه غرابة شديدة نبهنا عليه في الحواشي. وقال البيهقي: أخبرنا أبو سعد سعيد بن محمد بن أحمد الشُّعَيْثي (٩)، حدّثنا أبو عمرو بن أبي طاهر المحمد آباذي (١٠) لفظًا، حدّثنا أبو لبابة محمد بن المهدي الأموردي (١١)، حدّثنا أبي، حدّثنا سعيد بن

стр. 966

هبيرة حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: قدِم وَفْد إياد على النبي ﷺ فقال: "ما فعل قُسٌّ بن ساعدة"؟ قالوا: هلك. قال: "أما إني سمعتُ منه كلامًا أرى أني أحفظه". فقال بعض القوم: نحن نحفظه يا رسول الله. قال: "هاتوا". فقال قائلهم: إني واقف بسوق عُكاظ فقال: يا أيها الناس استمعوا واسمعوا وعوا، كلّ من عاش مات، وكلّ من مات فات، وكلّ ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرسية، وأنهار مجرية، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لَعِبرا، أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تُرِكوا فناموا. أقسَمَ قُسٌّ قسمًا بالله لا إثم فيه، إن لله دينًا هو أرضى مما أنتم عليه. ثم أنشأ يقول: [من مجزوء الكامل] في الذاهبين الأوّليـ … ـن من القرون لنا بصائر لما رأيت مصارعًا … للقوم ليس لها مصادر (١) ورأيت قومي نحوها … يمضي الأكابر والأصاغر (٢) أيقنتُ أني لا محا … لة حيثُ صار القوم صائر ثم ساقه البيهقي من طُرُق أُخَر قد نبَّهنا عليها فيما تقدم. ثم قال بعد ذلك كله: وقد رُوي هذا الحديث عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس بزيادة ونقصان. ورُوي من وجه آخر عن الحسن البصري منقطعًا. ورُوي مختصرًا من حديث سعد بن أبي وقّاص وأبى هريرة. قلت: وعُبادة بن الصامت، كما تقدم، وعبد الله بن مسعود، كما رواه أبو نعيم في كتاب "الدلائل" (٣) عن عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي، عن أبي الوليد طريف بن عبيد الله مولى علي بن أبي طالب بالموصل، عن يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، فَذَكَرَه. وروى أبو نعيم أيضًا حديث عبادة المتقدم، وسعد بن أبي وقاص (٤). ثم قال البيهقي: وإذا رُوي الحديثُ من أوجه أُخَر، وإن كان بعضها ضعيفًا، دلّ على أن للحديث أصلًا. والله أعلم.

стр. 967

ذِكْر زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل ﵁ هو زيد بن عمرو بن نُفَيل بن عبد العزّى بن رِياح بن عبد الله بن قُرط بن رزاح بن عَدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي (١). وكان الخطّابُ والدُ عُمر بن الخطاب عمَّه وأخاه لأمه. وذلك لأن عمرو بن نفيل كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه، وكان لها من نُفيل أخوه الخطاب. قاله الزبير بن بكّار ومحمد بن إسحاق (٢). وِكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الأوثان، وفارق دينهم. وكان لا يأكل إلا ما ذُبح على اسم الله وحدَه. قال يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق: حدّثني هشام بن عُروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مُسنِدًا ظهرَه إلى الكعبة يقول: يا معشرَ قريش، والذي نفسُ زيد بيده ما أصبح منكم أحد (٣) على دين إبراهيم غيري. ثمّ يقول: اللهمّ إني لو أعلم أحبّ الوجوه إليك عبدتُك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته (٤). وكذا رواه أبو أسامة عن هشام، به. وزاد: وكان يُصلي إلى الكعبة ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم. وكان يُحيى الموؤدة ويقول للرجل إذا أراد أن يقتلَ ابنتَه: لا تقتلها، ادفعها إليَّ أكفِكَها، فإذا ترعرعت قال: (٥) إن شئت فخذها وإن شئت فادفعها (٦). أخرجه النَّسائي من طريق أبي أسامة. وعلّقه البخاري فقال: وقال الليث: كتب إليَّ هشامُ بن عروة، عن أبيه، به (٧). وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل،

стр. 968

ووَرَقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وعبيد الله بن جحش بن رياب بن يَعْمَر بن صَبْرة بن بَرة بن كبير بن غَنْم بن دودان بن أسد (١) بن خزيمة، وأمه أميمة بنت عبد المطلب، وأخته زينب بنت جحش التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد مولاه زيد بن حارثة، كما سيأتي بيانه. حضروا قُريشًا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لِعيدٍ من أعيادهم، فلما اجتمعوا خَلَا بعضُ أولئك النفر إلى بعضٍ وقال: تصادقوا ولْيكتم بعضكم على بعض. فقال قائلهم: تعلَمُنَّ والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين إبراهيم وخالفوه. ما وَثَنٌ يُعْبَد؟ لا يضرُّ ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلّها الحنيفيةَ دين إبراهيم. فأما ورَقَة بن نوفل فتنصَّر واستحكم في النصرانية، واتبع (٢) الكتب من أهلها، حتى علم علمًا كثيرًا من أهل الكتاب، ولم يكن فيهم أعدل أمرًا وأعدل شأنًا (٣) من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الأوثان، وفارقَ الأديان من اليهود والنصارى والملل كلّها إلّا دين الحنيفية دين إبراهيم، يوحّد اللهَ، ويخلع مَنْ دونه، ولا يأكل ذبائح قومِه، باداهم (٤) بالفِراق لما هم فيه. قال: وكان الخطّاب قد آذاه أذى كثيرًا، حتى خرج منه إلى أعلى مكة، ووكل به الخطّاب شبابًا من قريش وسُفهاء من سُفهائهم فقال: لا تتركوه يدخل، فكان لا يدخلُها إلّا سِرًّا منهم، فإذا علموا به أخرجوه وآذوه كراهيةَ أن يُفْسِد عليهم دينَهم أو يتابعه أحد إلى (٥) ما هو عليه. وقال موسى بن عقبة: سمعتُ من أرْضَى يحدث أنّ (٦) زيد بن عمرو بن نفيل كان يَعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماءً، وأنبت لها من الأرض، لم تذبحونها (٧) على غير اسم الله؟! إنكارًا لذلك وإعظامًا له. وقال يونس، عن ابن إسحاق: وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد عزم على الخروج من مكة، فضرب في الأرض يطلب الحنيفيةَ دينَ إبراهيم، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض للخروج وأرادَه آذنت الخطّابَ بن نفيل. فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأوَل دين

стр. 969

إبراهيم ويسأل عنه، ولم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصلَ والجزيرة كلَّها، ثم أقبل حتى أتى الشامَ، فجال فيها حتى أتى راهبًا ببيعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دينٍ ما أنت بواجدٍ مَن يحملك عليه اليوم، لقد دَرَسَ مَنْ عَلِمَهُ، وذهب مَن كان يعرفه، ولكنه قد أظَلَّ (١) خروج نبي وهذا زمانه. وقد كان شام (٢) اليهودية والنصرانية فلم يرضَ شيئًا منها، فخرج سريعًا حين قال له الراهب ما قال يريدُ مكةَ، حتى إذا كان بأرض لخمٍ عدَوا عليه فقتلوه، فقال ورقةُ يرثيه: رَشَدْتَ وأَنْعَمْتَ ابنَ عَمْروٍ وإنما … تجنَّبْتَ تَنُّورًا مِن النارِ حاميا بِدينكَ ربًّا لَيسَ ربٌّ كمِثلِه … وتركِك أوثانَ الطواغي كما هيا وقد تُدرِكُ الإنسانَ رَحْمةُ ربه … ولو كان تحتَ الأرض ستين واديا (٣) وقال محمد بن عثمان بن أبي شَيبة: حدّثنا أحمد بن طارق الوابِشي (٤) حدّثنا عمرو بن عطية، عن أبيه، عن ابن عمر، عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتألَّ في الجاهلية، فانطلق حتى أتى رجلًا من اليهود، فقال له: أحبُّ أن تُدخلني معك في دينك. فقال له اليهودي: لا أُدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من غضب الله. فقال: من غضب الله أفِرُّ! فانطلق حتى أتى نَصْرانيًا فقال له: أحب أن تُدخلني معك في دينك. فقال: لستُ أُدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من الضلالة. فقال: من الضلالة أفِرُّ! قال له النصراني فإن أدلك (٥) على دين إن تبعتَه اهتديتَ. قال: أيّ دين؟ قال: دين إبراهيم. قال: فقال: اللهمّ إني أُشهدُك أني على دين إبراهيم، عليه أحيا وعليه أموت. قال فذُكِر شأنُه للنبي ﷺ فقال: "هو أمةٌ وحدَه يوم القيامة" (٦). وقد روى موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر نحو هذا (٧). وقال محمد بن سعد: حدّثنا علي بن محمد بن عبد الله بن سيف القُرشي، عن إسماعيل بن مجالد (٨)

стр. 970

عن مجالد، عن الشَّعْبي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما (١)، فكنت بالشام وما والاها، حتى أتيتُ راهبًا في صومعة (٢)، فذكرتُ له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية. فقال له: أراكَ ترِيدُ دِين إبراهيم يا أخا أهل مكة، إنك لتطلب دينًا ما يوجَدُ اليوم أحدٌ يدين (٣) به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفًا، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، كان (٤) يصلي ويسجُدُ إلى هذا البيت الذي ببلادك، فالحق ببلدك، فإن الله يبعثُ من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله (٥). وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني بعضُ آل زيد بن عمرو بن نفيل: إن زيدًا كان إذا دخل الكعبة قال: لبيك حقًا حقًا، تَعبُّدًا ورِقًا، عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم، إذ قال إلهي أنفي لك عان راغم، مهما تُجشّمني فإني جاشم، البِرَّ أبغي لا الخال، ليس مُهَجِّر كمن قال (٦). وقال أبو داود الطيالسي: حدّثنا المسعودي، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، عن أبيه، عن جده أن زيد بن عمرو ووَرَقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدينَ، حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو: من أين أقبلتَ يا صاحب البعير؟ فقال من بنية إبراهيم، فقال: وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين. قال: ارجع فإنه يوشك أن يظهر في أرضك. قال: فأما ورقة فتنصَّر. وأما أنا فعزمتُ على النصرانية فلم يوافقني، فرجع وهو يقول: [من مجزوء الرجز] لبيكَ حقًا حقًا … تعبُّدًا ورِقّا البرَّ أبغي لا الخالْ … فهل مهجِّر كَمَن قال آمنت بما آمن به إبراهيم، وهو يقول: أنفي لك عان راغم، مهما تجشّمني فإني جاشم، ثم يخر فيسجد. قال: وجاء ابنه، يعني سعيد بن زيد أحد العشرة ﵁ فقال: يا رسول الله! إن أبي كما رأيتَ وكما بلغك، فاستغفرْ له، قال: "نعم فإنه يُبعث يومَ القيامة أمةً واحدة" (٧). قال: وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما،

стр. 971

فدعواه لطعامهما، فقال زيد بن عمرو: يا ابن أخي أنا لا آكل مما ذُبح على النُّصُب (١). وقال محمد بن سعد: حدّثنا محمد بن عمرو، وحدّثني أبو بكر بن أبي سَبْرة، عن موسى بن ميسرة، عن ابن أبي مُليكة عن حُجير (٢) بن أبي إهاب، قال: رأيتُ زيد بن عمرو وأنا عند صَنمِ بُوَانَةَ بعد ما رجع من الشام وهو يراقب الشمس، فإذا زالت استقبلَ الكعبة فصلّى ركعة وسجدتين ثم يقول: هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل لا أعبد حجرًا، ولا أصلي له، ولا آكل ما ذُبح له، ولا أستقْسِم الأزلام، وأنا أصلي إلى هذا (٣) البيت حتى أموت. وكان يحجّ فيقف بعرفة، وكان يلبيّ فيقول: لبيكَ لا شريك لك ولا نِدّ لك، ثم يدفع من عَرفة ماشيًا وهو يقول: لبيك متعبِّدًا مرقوقًا (٤). وقال الواقدي: حدّثني علي بن عيسى الحَكَمي، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: سمعتُ زيدَ بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيًا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلبِ، ولا أُراني أدركه، وأنا أومن به وأصدّقه، وأشهد أنه نبيٌّ، فإن طالت بكَ مدة فرأيتَه فأقْرِئْه مني السلام، وسأخبرك ما نعتُه حتى لا يخفَى عليك. قلتُ: هلم! قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارقُ عَينَه حمرةٌ، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مَولده ومَبْعَثه، ثم يخرجه قومُه منها ويَكْرَهُون ما جاء به، حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمرُه، فإياك أن تُخْدَع عنه، فإني طُفْتُ البلادَ كلها أطلب دين إبراهيم، فكان مَن أسألُ من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعتُه لك، ويقولون: لم يبق نبيٌّ غيرُه. قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرتُ رسول الله ﷺ قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فردّ ﵇ وترحَّم عليه وقال: "قد رأيتُه في الجنةِ يَسْحَبُ ذُيولًا" (٥). وقال البخاري في صحيحه (٦): ذكر زيد بن عمرو بن نفيل: حدّثني محمد بن أبي بكر، حدّثنا فُضَيل بن سليمان، حدّثنا موسى بن عُقْبة، حدثني سالم بن (٧) عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ لقي زيدَ بن عمرو بن نُفَيل بأسفل بَلْدَح قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحيُ،

стр. 972

فقُدِّمَتْ إلى النبي ﷺ سفرةٌ، فأبى أن يأكلَ منها. ثمَّ قال زيد: إني لستُ آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذُكر اسمُ اللهِ عليه، وأنَّ زيدَ بن عمرو كان (١) يعيب على قريش ذبائحَهم ويقول: الشاةُ خَلَقها الله وأنزلَ لها من السماء الماء (٢)، وأنبت لها من الأرض (٣)، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له. قال موسى بن عقبة: وحدّثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا يحدث به عن ابن عمر (٤): أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لَعلّي أن أدينَ دينَكم فأخبِرْني. فقال: إنك (٥) لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: وما أَفِرُّ إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمِلُ من غضب الله شيئًا ولا أستطيعه، فهل تدلّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال دين إبراهيم ﵇ لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد، فلقي عالمًا من النصارى، فذَكَر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من [لعنة الله. قال: ما أَفِرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، ولا أستطيع (٦)، فهل تدلّني] (٧) على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكونَ حنيفًا. قال: وما الحنيفُ؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نَصْرانيًا ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيدٌ قولَهم في إبراهيم خرج، فلما برزَ رَفَع يديه فقال: اللهم إني أُشْهدُك أني على دين إبراهيم. قال (٨): وقال الليثُ: كتب إليَّ هشامُ بن عُرْوة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيت زيدَ بن عمرو بن نفيل قائمًا مسنِدًا ظهرَه إلى الكعبة يقول: يا معشرَ قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يُحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنَته: لا تقتلْها أنا أكفيك مؤونتَها، فيأخذها، فإذا ترعرعتْ قال لأبيها: إن شئتَ دفعتُها إليك، وإن شئت كفيتُكَ مؤونتها. انتهى ما ذكره البخاري. وهذا الحديث الأخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر من طريق أبي بكر بن أبي داود، عن عيسى بن

стр. 973

حماد، عن الليث، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء، فذكر نحوَه (١). وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش إياكم والزِّنا فإنه يورثُ الفقر (٢). وقد ساق ابن عساكر ها هنا أحاديث غريبة جدًا، وفي بعضها نَكَارة شديدة. ثم أورد من طُرق متعددة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يُبْعَثُ يوم القيامة أمة وحده" (٣). فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يوسف بن يعقوب الصفّار، حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: سُئل رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يَستقبل القبلةَ في الجاهلية ويقول: إلهي إله إبراهيم وديني دينُ إبراهيم، ويسجد. فقال رسول الله ﷺ : "يُحْشَرُ ذاكَ أمةً وحدَه بيني وبينَ عيسى بن مريم". إسناده جيد حسن (٤). وقال الواقدي: حدثني موسى بنُ شيبة، عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت سعيد بن المسيِّب يذكر زيدَ بن عمرو بن نفيل فقال: توفي وقريشٌ تبني الكعبةَ قبل أن ينزل الوحيُ على رسول الله ﷺ بخمس سنين، ولقد نزل به وإنه ليقول: أنا على دين إبراهيم، فأسلم ابنه سعيد بن زيد واتَّبع رسولَ الله ﷺ ، وأتى عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله ﷺ فسألاه عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: "غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم" (٥). قال فكان المسلمون بعد ذلك اليوم لا يذكره ذاكرٌ منهم إلا ترحَّم عليه واستغفر له. ثم يقول سعيد بن المسيب: ﵀ وغفر له. وقال محمد بن سعد، عن الواقدي: حدثني زكريا بن يحيى السعدي، عن أبيه قال: مات زيد بن عمرو بن نفيل بمكة ودُفن بأصل حِراء (٦)، وقد تقدم أنه مات بأرض البلقاء من الشام لمَّا عَدَا عليه قومٌ من بني لخم فقتلوه بمكان يقال له: مَيْفعة (٧). والله أعلم. وقال الباغَنْدي، عن أبي سعيد الأشَجّ، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:

стр. 974

قال رسول الله ﷺ : "دخلتُ الجنَة فرأيتُ لزيدِ بنِ عَمْرو بن نُفَيل دَوْحَتَيْن" (١). وهذا إسناد جيد، وليس هو في شيء من الكتب. ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل ﵀ ما قدمناه في بدء الخلق من تلك القصيدة: [من الطويل] إلى الله أُهدي مِدْحَتي وثَنائيا … وقَوْلًا رضيًا لا يني الدهرَ باقيا إلى الملِكِ الأعلى الذي ليس فوقَه … إلَه ولاربٌّ يكونُ مدانيا وقد قيل: إنها لأمية بن أبي الصلت (٢). والله أعلم. ومن شعره في التوحيد ما حكاه محمد بن إسحاق (٣) والزبير بن بكار وغيرهما: [من المتقارب] وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ … له الأرضُ تحملُ صخرًا ثِقالا دَحاها فلمّا استوتْ شَدّها … سواءً وأرسَى عليها الجبالا وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ … له المزْنُ تحملُ عَذْبًا زلالا إذا هيَ سِيقت إلى بلدةٍ … أطاعتْ فَصَبّت عليها سِجالا وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ … له الريحُ تُصرَف حالًا فحالا وقال محمد بن إسحاق (٤): حدّثني هشام بن عروة قال: رَوَى أبي أن زيدَ بن عمرو قال: [من الوافر] أربٌّ واحدٌ أم ألفُ ربِّ … أَدِيْنُ إذا تُقُسِّمَتِ الأمورُ عَزلْتُ اللاتَ والعزَّى جميعًا … كذلك يفعلُ الجَلْد الصَّبُورُ فلا العُزَّى أَدينُ ولا ابنَتَيْها … ولا صَنَمَيْ بني عمروٍ أزور ولا هُبلًا أدين وكان ربًّا … لنا في الدهرِ إذْ حِلمي يسير (٥) عجبتُ، وفي الليالي مُعجِباتٌ … وفي الأيامِ يعرفُها البصير

стр. 975

بأَنّ اللهَ قد أفنى رجالًا … كثيرًا كان شأنهمُ الفُجور وأبقَى آخرينَ ببِرِّ قوم … فَيَرْبُلُ منهمُ الطفلُ الصغير (١) وبينا المرءُ يعثرُ ثابَ يومًا … كما يتروَّحُ الغُصنُ النضير (٢) ولكنْ أعبدُ الرحمنَ ربي … ليغفرَ ذنبيَ الربُّ الغفور فتقوى اللهِ ربكمُ احفظوها … متى ما تحفظوها لا تَبُوروا ترى الأبرارَ دارُهُمُ جِنانٌ … وللكفّارِ حاميةً سَعِيرُ وخِزْيٌ في الحياةِ وإن يموتوا … يُلاقوا ما تضيقُ به الصدور [هذا تمام ما ذكره محمد بن إسحاق من هذه القصيدة] (٣). وقد رواه أبو القاسم البَغَوي، عن مُصعب بن عبد الله، عن الضحَّاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: قال هشام بن عُروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل: [من الوافر] عزلتُ الجنَّ والجِنّانَ عني … كذلك يفعلُ الجَلْد الصبور (٤) فلا العزّى أدين ولا ابنتيها … ولا صَنَمي بني طَسْمٍ أدير ولا غنمًا أدينُ وكان ربًّا … لنا في الدهر إذ حِلمي صغير أربًّا واحدًا أم ألفَ ربٍّ … أدينُ إذا تُقُسِّمت الأمورُ ألم تعلم بأن الله أفنى … رجالًا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين بِبِرِّ قومٍ … فيربُو مِنهُمُ الطفل الصغيرُ وبينا المرء يعثر ثاب يومًا … كما يتروّحُ الغصنُ النضير قالت: فقال وَرَقة بن نوفل (٥): [من الطويل] رُشِدْتَ وأُنْعِمْتَ ابنَ عمروٍ وإنما … تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا من النار حاميا لدينِك ربًّا ليس ربٌّ كمثله … وتركِك جنَّان الجبال كما هيا

стр. 976

أقولُ إذا أَهبطتُ أرضًا مَخُوفةً … حنانيْكَ لا تُظهر عليَّ الأعاديا حَنانَيكَ إنَّ الجن كانَتْ رَجَاءَهُم … وأنتَ إلهي رَبُّنا ورَجائيا (١) لَتُدْرِكنَّ المرءَ رحْمَةُ ربّه … وإن كان تحتَ الأرض سبعين واديا (٢) أدين لربٍّ يَسْتجيبُ ولا أُرَىَ … أدينُ لمن لا يسمعُ الدهْرَ واعيا أقولُ إذا صليتُ في كل بيعةٍ … تَبارَكْتَ قد أكثرتُ باسمِك داعيا تقدم أن زيد بن عمرو بن نُفيل خرج إلى الشام هو وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش فتنصروا إلّا زيدًا، فإنه لم يدخل في شيء من الأديان، بل بقي على فطرته من عبادة الله وحده لا شريك له، متّبعًا ما أمكنه من دين إبراهيم على ما ذكرناه (٣). وأما وَرَقة بن نوفل فسيأتي خبره في أول المبعث (٤). وأما عثمان بن الحويرث، فأقام بالشام حتى مات فيها عند قيصر (٥). وله خبر عجيب ذكره الأموي؛ ومختصره أنه لما قدم على قيصر فشكى إليه ما لقي من قومه كتب له إلى ابن جَفْنة مَلك عرب الشام ليجهّز معه جيشًا لحرب قريش، فعزم على ذلك فكتبتْ إليه الأعراب تنهاه عن ذلك لما رأوا من عظمة مكة وكيف فعل الله بأصحاب الفيل، فكساه ابن جَفنة قميصًا مصبوغًا مسمومًا، فمات من سمه (٦)، فرثاه زيد بن عمرو بن نفيل بشعر ذكره الأموي تركناه اختصارًا. وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين أو نحوها. والله أعلم (٧).

стр. 977

البداية والنهاية «الحوادث زمن الفترة - السيرة النبوية» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه مأمون محمد سعيد الصاغرجي راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الثالث

стр. 978

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تنبيه: الرموز المستخدمة في حواشي هذا الجزء هي: (ط) هي النسخة المطبوعة من طبعة القاهرة. (ب) هي نسخة برلين. (ح) هي نسخة المكتبة الأحمدية بحلب.

стр. 979

ذكر شيء مما وقع من الحوادث (١) في زمن الفترة فمن ذلك بنيان الكعبة وقد قيل: إن أول من بناه آدم، وجاء في ذلك حديث مرفوع عن عبد الله بن عمرو وفي سنده ابنُ لَهِيْعَةَ وهو ضعيف (٢)، وأقوى الأقوال أن أول من بناه الخليل ﵇. كما تقدم (٣). وكذلك رواه سِمَاك بن حرب عن خالد بن عَرْعَوة عن علي بن أبي طالب قال: ثمّ تهدَّم فبنته العمالقةُ، ثمّ تهدّم فبنته جُرْهم، ثم تهدّم فبنته قريش (٤). قلت: سيأتي بناء قريش له، وذلك قبل المبعث بخمس سنين، وقيل بخمس عشرة سنة. وقال الزهري: كان رسول الله ﷺ قد بلغ الحلم. وسيأتي ذلك كلّه في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة. ذكر كعب بن لؤي روى أبو نُعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة، عن محمد بن طلحة التَّيْمي، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، قال: كان كعبُ بن لُؤي يجمع قومَه يوم الجمعة -وكانت قريش تسمّيه العَرُوْبَة (٥) - فيخطبهم فيقول: أما بعد، فاسمعوا وتعلّموا، وافْهموا واعلموا، ليل ساج، ونهارٌ ضاح (٦)، والأرض مِهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجومُ أعلام، والأوّلون كالآخرين، والأنثى والذكر، والزوج إلى بلّى ما يهيج (٧). فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصْهارَكم، وثَمِّروا أموالكم. فهل رأيتم من هالكٍ رَجع؟ أو ميت نُشِر؟ الدارُ أمامكم، والظنُّ غيرُ ما تقولون، حَرَمُكم زَيِّنوه وعظّموه، وتمسّكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم؛ وسيخرجُ منه نبي كريم، ثم يقول: [من الطويل] نهارٌ وليلٌ كلّ يوم بحادثٍ … سواءٌ علينا ليلُها ونهارها

стр. 980

يؤوبان بالحدَّاث حتى تأوّبا … وبالنعَم الضّافي علينا ستورها على غَفْلةٍ يأتي النبيُّ محمدٌ … فيخبرُ أخبارًا صدوقًا خبيرها (١) ثم يقول: والله لو كنتُ فيها ذا سمعٍ وبصرٍ، ويَدٍ ورِجْل، لتنصَّبْتُ (٢) فيها تنصُّبَ الجمل، ولأَرْقَلْت فيها إرْقالَ الفَحْل (٣). ثم يقول: [من البسيط] يا ليتَني شاهِدًا نجواءَ دعوته … حينَ العشيرةُ تبغي الحقَّ خِذلانا (٤) قال: وكان بين موت كعب بن لؤي ومبعث رسول الله ﷺ خمسمائة عام وستون سنة (٥). * * * ذِكْر تجديد حفر زمزم على يدي عبد المطلب بن هاشم، التي (٦) كان قد درس رسمُها بعد طم جُرْهُم لها إلى زمانه. قال محمد بن إسحاق: ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحِجر [إذ أُتيَ فأُمِرَ بحفر زمزم] (٧). وكان أول ما ابتدأ به عبد المطلب من حَفْرها، كما حدّثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن مَرْثَد بن عبد الله اليَزَني (٨)، عن عبد الله بن زُرَيْر (٩) الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب يُحدّث حديث زمزم (١٠) حين أُمِرَ عبدُ المطلب بحفرها قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحِجر، إذ أتاني آتٍ فقال لي: احفر طيبة (١١). قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني. قال: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي

стр. 981

فنمت، فجاءني (١) فقال: احفر بَرَّة. قال: قلت: وما بَرَّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمتُ، فجاءني فقال: احفر المَضْنُونة (٢). قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمتُ فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تَنْزِفُ أبدًا ولا تُذَم (٣)، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفَرْث والدم، عند نُقرة الغراب الأَعْصَم (٤)، عند قرية النمل. قال: فلما بيّنَ لي شأنها، ودلَّ على موضعها، وعَرَف أنه قد صدق، غَدا بمعوله ومعَه ابنُه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ ولد غيره، فحفر، فلما بدا لعبد المطلب الطّي (٥) كَبَّر، فعرفَتْ قريشٌ أنه قد أدرك حاجته. فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقًا، فأشرِكْنا معك فيها. فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خُصصتُ به دونَكم، وأُعْطيتُه من بينكم. قالوا له: فأنصفنا، فإنا غيرُ تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم مَنْ شئتم أُحاكِمُكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعد بن هُذَيْم. قال: نَعَم. وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطّلب ومعه نفرٌ من بني أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفرٌ، فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة، فاستسقوا مَن معهم، فأبَوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة، وإنا نخشى على أنفسنا مثلَ ما أصابكم. [فقال عبد المطلب: إني أرى أن يحفر كلُّ رجلٍ منكم حفرته لنفسه بما لكم] (٦) الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابُه في حفرته ثمّ واروه حتى يكون آخرُهم رجلًا واحدًا، فضَيْعةُ رجلٍ واحدٍ أيسر من ضيعة ركبٍ جميعًا (٧). فقالوا: نِعمّا أمرت به. فحفر كلّ رجل (٨) لنفسه حفرة، ثمّ قعدوا ينتظرون الموت عطشًا. ثمّ إن عبد المطلب قال لأصحابه إن إلقاءنا بأيدينا (٩) هكذا للموت لا نضرِب في الأرض، لا نبتغي لأنفسنا لَعَجْزٌ، فعسى أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا (١٠) فارتحلوا، حتى إذا بَعَثَ عبدُ المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عينُ ماء عذبٍ، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابُه، ثمّ نزل فشرب

стр. 982

وشرب أصحابُه، واستسقوا حتى ملؤوا أسقيتَهم، ثم دعا قبائل قريش وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال، فقال: هلموا إلى الماء، فقد سقانا الله. فجاؤوا، فشربوا واستقوا كلّهم، ثمّ قالوا: قد والله قُضِيَ لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سَقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو (١) الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبين زمزم (٢). قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغني عن علي بن أبي طالب في زمزم. قال ابن إسحاق: وقد سمعت مَنْ يُحدّث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمرَ بحفر زمزم: [من الرجز] ثُمَّ ادعُ بالماءِ الرِّوَى غيرِ الكَدِرْ … يسقي حَجيجَ الله في كل مَبَرّ (٣) ليس يُخافُ منه شيء ما عَمَرْ (٤) قال: فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلَّموا أني قد أُمرت أن أحفر زمزم؟ قالوا: فهل بُيِّن لك أين هي؟ قال: لا! قالوا: فارجع إلى مَضْجَعك الذي رأيتَ فيه ما رأيت، فإن يكُ حقًا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعودَ إليك فرجع، فنام (٥). فأُتي فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لن تندم. وهي تراثٌ من أبيك الأعظم. لا تنزِف أبدًا ولا تُذَم. تسقي الحجيج الأعظم. مثل نَعام حافل لم يُقْسَم. ينذر فيها ناذرٌ لِمُنْعم. تكون ميراثًا وعقدًا مُحْكم. ليست لبعض ما قد تعلم. وهي بين الفَرْث والدم (٦). قال ابن إسحاق: فزعموا أن عبد المطلب حين قيل له ذلك قال: وأين هي؟ قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدًا. فالله أعلم أين ذلك كان. قال: فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وليسِ له يومئذ ولد غيره، زاد الأُموي: ومولاه أصرم (٧)، فوجد قرية النمل، ووجد الغرابَ ينقر عندها بين الوثَنَيْن إسَاف ونائلة اللذين كانت قريش تَنْحَر عندهما، فجاء بالمعوَل وقام ليحفر حيث أُمر، فقامت إليه قريش وقالت (٨) والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين (٩) اللذين ننحر عندهما. فقال عبد المطلب لابنه

стр. 983

الحارث: ذُدْ عني حتى أحفر، فوالله لأمضيّن لما أُمرتُ به. فلما عرفوا أنه غير نازع (١) خلّوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرًا حتى بدا له الطّي، فكبَّر، وعرف أنه قد صُدِق. فلما تمادى به (٢) الحفر وجد فيها غزالين من ذهب اللذين (٣) كانت جرهم قد دفنتهما، ووجد فيها أسيافًا قَلَعِيَّةً وأدرعًا. فقالت له قريش: يا عبدَ المطّلب لنا معك في هذا شِرْك وحق. قال: لا، ولكن هَلُمّ إلى أمر نَصَفٍ بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: أجعلُ للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له. قالوا: أنصفت. فجعلَ للكعبة قدحين أصفرين، وله أسودين، ولهم أبيضين، ثم أعطوا القداح للذي يضرب عند هُبل، وهُبل أكبر أصنامهم، ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: أعلُ هُبَل. يعني هذا الصنم. وقام عبد المطلب يدعو الله (٤). وذكر يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق أن عبد المطلب جعل يقول: [من الرجز] لاهُمّ أنتَ الملِكُ المحمود … ربي فأنتَ المُبدِئُ المعياد (٥) وممسك الراسيةِ الجلمودِ … مِن عندك الطارفُ والتليد إن شئتَ ألهمتَ كما تريد … لموضع الحِليةِ والحديد فبيّن اليوم لما تريد … إني نَذَرتُ العاهدَ المعهود اجعله ربِّ لي فلا أعود (٦) قال: وضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حلية للكعبة فيما يزعمون. ثم إن عبد المطلب أقام سِقاية زمزم للحجاج. وذكر ابن إسحاق وغيره أن مكة كان فيها بئار كثيرة قبل ظهور زمزم في زمن عبد المطلب، ثم عدّدها

стр. 984

ابن إسحاق (١)، وسمّاها، وذكر أماكنها من مكة، وحافِرِيها، إلى أن قال: فَعفَّت زمزمُ على البئار كلّها، وانصرف الناس كلّهم (٢) إليها، لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلّها وعلى سائر العرب. وقد ثبت في صحيح مسلم (٣) في حديث إسلام أبي ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال في زمزم: "إنّها لَطَعامُ طُعْمٍ، وشِفاءُ سُقْمٍ". وقال الإمام أحمد (٤): حدّثنا عبد الله بن الوليد، حدّثنا عبد الله بن المؤمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ماءُ زَمزم لما شُرِب منه". وقد رواه ابن ماجه (٥) من حديث عبد الله بن المؤمَّل، وقد تكلّموا فيه، ولفظُه: "ماء زمزم لما شرب له". ورواه سويد بن سعيد، عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "ماء زمزم لما شُرِب له". ولكن سويد بن سعيد ضعيف. والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمَّل كما تقدم (٦). وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب له". وفيه نظر (٧). والله أعلم. وهكذا روى ابن ماجه (٨) أيضًا والحاكم (٩) عن ابن عباس أنه قال لرجل: إذا شَرِبْتَ من زمزم فاستقبلِ الكعبةَ، واذكرِ اسمَ الله، وتنفّس ثلاثًا، وتضَلَّع منها (١٠)، فإذا فرغتَ فاحمد الله فإن رسول الله ﷺ قال: "إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلّعون من ماء زمزم". وقد ذُكِرَ عن عبد المطلب أنه قال: اللهم إني لا أُحِلُّها لمغتسل، وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ. وقد ذكره

стр. 985

بعض الفقهاء عن العباس بن عبد المطلب، والصحيح أنه عن عبد المطلب نفسه، فإنه هو الذي جدّد حفر زمزم كما قدمنا والله أعلم. وقد قال الأموي في "مغازيه": حدّثنا أبو عبيد، أخبرني يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن حَرْملة، سمعت سعيد بن المسيِّب يحدّث أن عبد المطلب بن هاشم حين احتفر زمزم. قال: لا أُحلُّها لمغتسل وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ. وذلك أنه جَعَل لها حَوضين: حوضًا للشرب، وحوضًا للوضوء. فعند ذلك قال: لا أحلّها لمغتسلٍ لينزّه المسجدَ عن أن يُغْتَسَل فيه. قال أبو عبيد: قال الأصمعي: قوله: (وبل) إتباع قال أبو عبيد (١): والإتباع لا يكون بواو العطف، وإنما هو كما قال معتمر بن سليمان إن (بل) بلغة حمير مُباح (٢)، ثم قال أبو عبيد: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عاصم بن أبي النجود، أنه سمع زرًا، أنه سمع العباس يقول: لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ. وحدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن علقمة أنه سمع ابن عباس يقول ذلك، وهذا صحيحٌ إليهما، وكأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والإعلام بما اشترطه عبد المطلب عند حفره لها، فلا ينافي ما تقدم، والله أعلم. وقد كانت السقاية إلى عبد المطلب أيام حياته، ثمّ صارت إلى ابنه أبي طالب مدةً، ثمّ اتفق أنه أملق في بعض السنين، فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف إلى الموسم الآخر، وصرفها أبو طالب في الحجيج في عامه فيما يتعلق بالسقاية (٣)، فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شيء، فقال لأخيه العباس: أسلفني أربعة عشر ألفًا أيضًا إلى العام المقبل أعطيك جميع مالك. فقال له العباس: بشرط إن لم تُعطني تترك السقاية لي أكْفِكَها. فقال: نعم. فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبي طالب ما يعطي العباس، فترك له السقاية، فصارت إليه، ثمّ من بعده صارت إلى عبد الله ولده، ثمّ إلى علي بن عبد الله بن عباس، ثمّ إلى داود بن علي، ثم إلى سليمان بن علي، ثم إلى عيسى بن علي، ثم أخذها المنصور واستناب عليها مولاه أبا رزين. ذكره الأُموي. * * * ذكر نذر عَبد المطلب ذبح أحد ولده (٤) قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب فيما يزعمون نَذَر حين لقي من قريشٍ ما لقي
следующие страницы →