← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾؛ أي: كَذّابٍ صاحِبِ إثْمٍ، يعني النضر ابن الحارث ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني آيات القرآن ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾؛ أي: يُعْرِضُ عن الإيمان بآيات القرآن ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾؛ أي: وَجِيعٍ، ونصب ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ على الحال. قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾ يعني: هذا القرآن بَيانٌ من الضلالة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾ قرأ ابن كثير وحفص: "ألِيمٌ" بالرفع على نعت العذاب، وقرأ الباقون بالكسر (١) على نعت الرِّجْزِ، والرِّجْزُ معناه العذاب. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يخافون وقائع اللَّه، ولا يخشون مِثْلَ عذاب الأمم الخالية. نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب ﵁ (٢)، وذلك أن رجلًا من غِفارٍ كان يَشْتُمُهُ، فَهَمَّ عُمَرُ ﵁ أن يَبْطِشَ به، فأنزل اللَّه هذه الآية، وأمَرَهُ بالعفو والتجاوز عنه، والمعنى: قُلْ للذين آمنوا اغْفِرُوا، ولكنه شَبَّهَهُ

стр. 1017

بالشرط والجزاء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١)، وقد تقدم ذِكْرُهُ في سورة إبراهيم، وهذه الآية منسوخة بآية القتال (٢). وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾؛ أي: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الكُفّارَ بما عملوا من السيئات، قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بفتح النون

стр. 1018

والياء وكسر الزاي، وقرأ أبو جعفر بضم الياء الأولى وجَزْمِ الثانية (١)، قال أبو عمرو (٢): وهو لَحْنٌ ظاهِرٌ، وقال الكسائي (٣): معناه: لِيُجْزَى الجَزاءُ قَوْمًا، وقرأ الباقون بفتح الياءين على وجه الخبر عن اللَّه تعالى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم (٤) لذكر اللَّه تعالى قبل ذلك. ثم ذَكَرَ المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ التوراة ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الفهم في الكتاب ﴿وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الحَلَالَاتِ من المَنِّ والسَّلْوَى، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ يعني عالَمِي زَمانِهِمْ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني ما بُيِّنَ لهم في التوراة من الحلال والحرام، والعِلْمِ بِمَبْعَثِ رسول اللَّه ﷺ

стр. 1019

﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ البيان ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ نصب على المفعول من أجله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)﴾. قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾؛ أي: على سُنّةِ ومِلّةِ ومِنْهاجِ وطَرِيقةِ ودِينِ الإسلامِ ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ يا محمد ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ توحيد اللَّه، يعني كفار قريش، والشريعة جمعها شرائع، والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها اللَّه تعالى لعباده، ليعرفوها ويستقيموا عليها، ومنه سُمِّيَتْ شريعة النهر؛ لأنها يُوصَلُ منفا إلى الانتفاع به، والطريقُ الشّارِعُ: المُمْتَدُّ الواضح الذي يَرِدُ به ضرُوبٌ من الناس (١). قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: اكتسبوا الكفر والمعاصي، يعني كفار مكة ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من بني هاشم وبني المُطَّلِبِ، وذلك أن كفار مكة قالوا للمؤمنين: إنا نُعْطَى فِي الآخرة من الجنة مِثْلَ ما تُعْطَوْنَ، والمعنى: بل أحسب (٢)، وهو استفهام إنكار، ثم قال: ﴿سَوَاءً﴾ نصبًا، جعلوه مفعولًا ثانيًا، تقديره: أن نَجْعَلَ مَحْياهُمْ ومَماتَهُمْ سَواءً (٣)،

стр. 1020

واختاره أبو عبيد وقال (١): معناه: نجعلهم سواءً، وقيل (٢): هو منصوب على الحال. وقرأ الآخرون بالرَّفع (٣) على الابتداء والخبر، وهو خبر مقدم (٤)، تقديره: مَحْياهُمْ ومَماتُهُمْ سَواءٌ (٥)، وأمالَ الكسائيُّ ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ (٦)، وقرأ الأعمش: ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٧) نصبًا على الظرف؛ أي: في محياهم ومماتهم (٨)، ﴿سَاءَ مَا

стр. 1021

يَحْكُمُونَ (٢١)﴾؛ أي: بئس ما يقضون حين يرون أن لهم في الآخرة ما لِلْمُؤْمِنِينَ الذين عملوا الصالحات. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يعني: واضحات من الحلال والحرام، وهو في موضع نصب على الحال ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ الخطاب للنبي ﷺ وحده، وقد تقدم نظيره من سورة الدخان (١)، ونصب ﴿حُجَّتَهُمْ﴾ على أنه خبر "كانَ"؛ لأن الحجة والاحتجاج واحد، والاسم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ أي: إلا مَقالَتُهُمْ. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾؛ أي: مُجْتَمِعةً مُسْتَوْفِزةً على رُكَبِها من هَوْلِ يوم القيامة، وأصل الجُثْوةِ: الجَماعةُ من كل شيء (٢)، قال طرفة يَصِفُ قَبْرَيْنِ: ٢٣٩ - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرابٍ عَلَيْهِما... صَفائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ (٣) قال سفيان (٤): المُسْتَوْفِزُ: هو الذي لا يُصِيبُ الأرضَ منه شَيْءٌ إلّا رُكْبَتاهُ وأطْرافُ أصابِعِهِ.

стр. 1022

وَجَثا وَجَذا -بالثاء والذال- لغتان (١)، والمعنى أن كل أمة تَجْثُو على الرُّكَبِ عند الحساب، حتى تَجِيءَ بين يدي الحاكم لانتصار القضاء، ونصب ﴿جَاثِيَةً﴾ على الحال. فصل رُوِيَ عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ ﵁ أنه قال: "إن في القيامة ساعةً هي عَشْرُ سِنِينَ، يَخِرُّ الناسُ على رُكَبِهِمْ جُثاةً، حتى إبراهيمُ ﵇ يُنادِي: نفسي نفسي، لا أسألك إلّا نفسي" (٢). قوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾؛ أي: إلى ما كُتِبَ عليها من خير وشر، وهو رفع على الابتداء، وأجاز الكسائي: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾ بالنصب (٣) على التكرير على ﴿كُلَّ﴾ الأولى ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾؛ أي: ويقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا

стр. 1023

كِتَابُنَا﴾ يعني ديوان الحَفَظةِ، وقيل: اللوح المحفوظ ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يشهد عليكم بالحق، يعني: يُبَيِّنُهُ بَيانًا شافِيًا، حتى كأنه ناطق ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ يعني: من اللوح المحفوظ ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ قبل أن تعملوه. ومعنى قوله: ﴿نَسْتَنْسِخُ﴾؛ أي: نُثْبِتُ، وقيل (١): نأخذ نُسْخةً، وذلك أن المَلَكَيْنِ يرفعان عمل الإنسان صَغِيرَهُ وكَبِيرَهُ، فَيُثْبِتُ اللَّهُ منه ما كان له ثواب أو عقاب، ويَطَّرِحُ منه اللَّغْوَ نحو: هَلُمَّ وتَعالَ واذْهَبْ (٢)، وفي الآية دلالة على أن الكتاب يقوم مقام النطق؛ لقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٣). فصل عن ابن عُمَرَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّلُ شَيءٍ خَلَقَ اللَّهُ تعالى القَلَمُ من نُورٍ مسيرة خمسمائة عام، واللَّوْحُ من نور مسيرة خمسمائة عام، فقال للقلم: اجْرِ، فَجَرَى بما هو كائن إلى يوم القيامة، بِرِّها وفاجِرِها، ورَطْبها ويابسِها"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال: "وهل يكون النَّسْخُ إلا من شيء قد فُرِغَ منه"؟ (٤). ثم ذَكَرَ اللَّهُ تعالى الفريقَيْنِ من المؤمنين والكافرين، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ

стр. 1024

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾؛ يعني: في جَنَّتِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ يعني الدخول ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾ وموضع "الَّذِينَ" رفع على الابتداء، و ﴿يُدْخِلُهُمْ﴾ الخبر، وهو شرط وجزاء ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب ﴿أَمَّا﴾ محذوف؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، والمعنى: وأما الذين كفروا فَيُقالُ لهم أو: فيقول اللَّه (١): ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ يعني القرآن ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تُقْرَأُ عليكم ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ يعني: تَكَبَّرْتُمْ عن الإيمان بالقرآن ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾؛ يعني: مذنبين متكبرين كافرين. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ﴾ يعني القيامة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾؛ أي: لا شك أنها كائنة، قرأ حمزة وأبو رجاء العطاردي: ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ نصبًا (٢) عطفًا على الوعد، وقرأه العامة رفعًا على الابتداء، وخبره فيما بعده، ودليلهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) بالرَّفع لا غير (٤). قوله : ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ قرأ العامة: "رَبِّ" بكسر الباء في ثلاثتها على النعت للَّهِ (٥)، وقرأ ابن محيصن رفعًا (٦) على معنى: هو رب العالمين.

стр. 1025

ثم ذكر عظمته، فقال: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ يعني العظمة والجلال والقدرة والقوة والسلطان والشرف والدوام والبقاء والخلود ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِهِ بِالغَلَبةِ على الأشياء كلها ﴿الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ بالعدل في أمره في كل قضاء يكون منه في جَمِيع خَلْقِهِ. فصل عن أبِي هريرة وابن عباس ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه : الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظَمةُ إزارِي، فَمَنْ نازَعَنِي واحِدًا منهما ألْقَيْتُهُ فِي النّارِ" (١)، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1026

سورة الأحقاف مكِّية وهي ألف وستمائة حرف، وستمائة وأربع وأربعون كلمة، وخمس وثلاثون آية. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة الأحقاف أُعْطِيَ من الأجر بعدد كل رمل في الدنيا عشر حسنات، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئات، ورُفِعَ له عشرُ درجات" (١). وعنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الأحقاف حَفَّتْهُ ملائكةُ الرحمة، وطُرِدَتْ عنه ملائكةُ العذاب" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ قد تقدم

стр. 1027

نَظْمُ هذه الآية وإعرابُها في سورة الجاثية (١)، فأغنى عن الإعادة هاهنا؛ إذِ المعنى واحدٌ. وما بعدها ظاهر التفسير الى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: في الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ "أمْ" هاهنا صلة (٢)، يقول: ألَهُمْ شِرْكٌ مع اللَّه في مُلْكِ السماوات والأرض ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ يعني القرآن، فيه بُرْهانُ ما تَدَّعُونَ من عبادة الأصنام ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بقية من علم الأولين ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ أن للَّهِ شريكًا. قرأ العامة: "أوْ أثارةٍ" بألف، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ والحَسَنُ: "أوْ أثَرةٍ" بفتح الهمزة والثاء من غير ألف، وقرأ عكرمة: "أوْ مِيراثٍ مِنْ عِلْمٍ" (٣)، ومعنى قوله: "أوْ أثارةٍ"؛ أي: بَقِيّةٍ، يقا لى: ناقةٌ ذاتُ أثارةٍ؛ أي: بَقِيّةٍ من شَحْمٍ (٤)، وهي مصدر، قال الشاعر: ٢٤٠ - وَذاتِ أثارةٍ أكَلَتْ عَلَيْها... نَباتًا فِي أكِمَّتِها قِصارا (٥)

стр. 1028

أي: بَقِيّةٍ من لَحْمٍ أُثِيرَتْ. وأصل الكلمة من الأثَرِ وهي الرواية، يقال: أثَرْتُ الحَدِيثَ آثِرُهُ أثْرًا وَأثارةً، كالشجاعة والسماحة والجَلَادةِ والصَّلَابةِ، فأنا آثِرٌ، ومنه قيل للخبر: أثَرٌ (١)، قال الأعشى: ٢٤١ - إنّ الذِي فِيهِ تَماريتُما... بُيِّنَ للِسّامِعِ والآثِرِ (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على كفار مكة ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يعني بيان الحلال والحرام ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾؛ يعني القرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ و"بَيِّناتٍ" في موضع نصب على الحال، وقد تقدم نظيرها في سورة الجاثية (٣).

стр. 1029

قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني القرآن ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ من تِلْقاءِ نفسي ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لا تَقْدِرُونَ أنْ تَرُدُّوني من عذابه، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يعني: في القرآن، يقال: أفاضَ القَوْمُ في الحديث، وحديثٌ مُسْتَفِيضٌ ومُسْتَفاضٌ: إذا شاعَ وكَثُرَ حتى يقول فيه الناس (١). وقوله: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا﴾ يريد اللَّه، فلا شاهد أفضل من اللَّه ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بأن القرآن جاء من اللَّه ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ في تأخير العذاب عنهم ﴿الرَّحِيمُ (٨)﴾ حين لا يُعَجِّلُ عليهم العقوبةَ، ونصب "شهِيدًا" على الحال، وقيل: على التمييز (٢)، وقد تقدم نظيره في مَواضِعَ من القرآن. قوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾؛ أي: بَدِيعًا ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني: ما أنا أول رسول، قد بُعِثَ قبلي كَثِيرٌ من الرسل، قال عَدِيُّ بنُ زيدٍ (٣): ٢٤٢ - فَلَا أنا بِدْعٌ مِنْ حَوادِثَ تَعْتَرِي... رِجالًا غَدَتْ مِنْ بَعْدِ بُؤْسَى وَأسْعُدِ (٤)

стр. 1030

ومن قرأ: "بِدَعًا" (١)؛ أي: لأُبْدِعَ، والبدْعُ والبَدِيعُ من كل شيء: المُبْتَدَأُ، يقال: ابتدع فلان كذا: إذا أتى بما لَمْ يكن قَبله (٢)، والبدْعُ: ما اخْتُرِعَ بما لَمْ تَجْرِ به السُّنّةُ، وجمع البِدْعِ أبْداعٌ (٣). ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ (٩)﴾ يعني: في الدنيا، يريد: هل أموت أم أُقْتَلُ؟ وهل تُرْمَوْنَ بالحجارة من السماء أم تُخْسَفُ بكم الأرضُ كما فُعِلَ بالأمم المُكَذِّبةِ مِنْ قَبْلِكُمْ؟ وأما فِي الآخرة فقد عَلِمَ أنه فِي الجنة، وأنّ مَنْ كَذَّبَهُ في النار بدليل قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني القرآن ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ شاهذا على صِدْقِ محمدٍ ﷺ في نبوته، وقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ المِثْلُ صلة، معناه: عليه (٥)؛ أي: على أنه من عند اللَّه ﴿فَآمَنَ﴾ يعني الشاهد ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن الإيمان ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ لِدِينِهِ وحُجَّتِهِ.

стр. 1031

قال أهل المعانِي (١): وجواب قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ محذوف، على تقدير: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟ ويدل على هذا المَحْذُوفِ قولُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال الحَسَنُ (٢): جواب "إنْ": فمن أضل منكم؟ كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾. . . الآية (٣). وقال أبو علي الفارسيُّ (٤): تقديره: أتَأْمَنُون عقوبةَ اللَّه تعالى، وقيل (٥): معناه: مَنِ المُحِقُّ ومَنِ المُبْطِلُ مِنّا ومِنْكُمْ؟ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: ومن قبل القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ يعني التوراة ﴿إِمَامًا﴾ يُؤْتَمُّ به ﴿وَرَحْمَةً﴾ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالحًا، وفي نصبهما ثلاثة أوجه، أحدها: على الحال، وهو قول الزجاج والكسائي (٦)، والثانِي:

стр. 1032

على القطع، وهو قول الأخفش (١)؛ لأن قوله: "كِتابُ مُوسَى" معرفة بالإضافة، والثالث -وهو قول أبِي عبيدة- (٢): أن فيه إضمارًا، مجازه: أنزلناه وجعلناه إمامًا ورحمة. قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ خبره، و ﴿مُصَدِّقٌ﴾ نعته، وقوله: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال، المعنى: مصدق لِما بين يديه، وذِكْرُ اللسانِ تَوْكِيدٌ، كما تقول: جاءنِي زيدٌ رَجُلًا صالِحًا، فتذكر رَجُلًا توكيدًا (٣). وقيل (٤): أعْنِي لِسانًا، وقيل (٥): بلسان ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني كفار مكة، ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾ بالجنة، يعني المُوَحِّدِينَ. قرأ أهل المدينة والشام والبَزِّيُّ ويعقوبُ وأيوبُ: "لِتُنْذِرَ" بالتاء، وهو

стр. 1033

الاختيار على خطاب النبي ﷺ ، وقرأ الباقون بالياء خَبَرًا عنه (١)، وقيل: عن الكتاب، ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ فيه وجهان من الإعراب: الرفع على العطف على الكتاب] (٢)، تقديره: وهذا كتابٌ مصدقٌ وبشرى، والثانِي: النصب على معنى: لِتُنْذِرَ الذين ظلموا وتُبَشِّرَ، كما يقال: أتَيْتُكَ لأزُورَكَ وكَرامةً لك وقَضاءً لِحَقِّكَ، بِمَعْنَى: لأزورَكَ وأكرِمَكَ وأقْضِيَ حَقَّكَ، فنصب الكرامة بفعل مضمر (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ﴾ الثقيلة لا يقتضي جوابها بالفاء، فجاءت هاهنا للشرط الذي في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٤)، ثم أخبر عن ثوابهم، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصب على الحال ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ من الصالحات، ونصب "جَزاءً" على المفعول له (٥)، وقيل (٦): على المصدر.

стр. 1034

قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ هذه قراءة العامة، وقرأ أهل الكوفة: ﴿إِحْسَانًا﴾، وهي قراءة ابن عباس (١)، والمعنى: أمَرْناهُ بالإحسان إليهما إحْسانًا (٢)، وعلى قراءة العامة هو نصب على أنه قام مَقامَ مضاف محذوف، تقديره: ووصينا الإنسان بوالديه أمْرًا ذا حُسْنٍ، فحذف الموصوف وأقام الصفة مُقامَهُ، وقرأ عيسى بن عمر: "حَسَنًا" (٣) بفتحتين تقديره: فِعْلًا حَسَنًا (٤). ثم ذكر ما قاسَتْهُ الأُمُّ فِي حَمْلِ الوَلَدِ وَوَضْعِهِ، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: بِكَرْهٍ ومَشَقّةٍ ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا (١٥)﴾ يريد: بِشِدّةِ الطَّلْقِ، وهما منصوبان بِنَزْعِ الخافض، قرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن ذَكْوانَ: ﴿كُرْهًا﴾ بضم الكاف، ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وأبو عمرو وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي: ﴿كَرْهًا﴾ (٥) بفتح الكاف، وهو أوْلَى لأنه المصدر بِعَيْنِهِ، والكُرْهُ اسم للمصدر لا مصدر (٦).

стр. 1035

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾؛ يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، فنُثِيبُهُمْ عليها في الآخرة ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، فلا نعاقبهم بها ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ ﴿فِي﴾ بمعنى "مَعَ"، أي: مع أصحاب الجنة (١) ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ نصب على المصدر (٢) ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ وهو قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾؛ يعني: من القَبْرِ ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾؛ يعني الأمم الخالية، فلم أرَ أحَدًا بُعِثَ، قرأ هشام: "أتَعِدانِّي" بنون واحدة مشددة، الباقون بنونين، وفتح الياء منه نافع وابن كثير، وأسكنها الباقون (٤).

стр. 1036

وقوله: ﴿وَهُمَا﴾ يعني والديه ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾؛ أي: يَدْعُوانِ اللَّهَ له بالهدى، والجارُّ محذوف والتقدير: يستغيثان باللَّه، ويقولان: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾؛ أي: صَدِّقْ بِالبَعْثِ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾ لهما: ﴿مَا هَذَا﴾ الذي تقولان ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾ قيل (١): نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبِي بكر (٢) قبل إسلامه، والصحيح أنها نزلت في رجل كافرٍ عاقٍّ لوالديه. قال الزجاج (٣): وقول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبِي بكر قبل إسلامه يُبْطِلُهُ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾، أعْلَمَ أن هؤلاء قد حَقَّتْ عليهم كلمةُ العذاب، وعبدُ الرَّحْمَنِ مؤمنٌ من أفاضِلِ المؤمنين، لا يكون مِمَّنْ حَقَّتْ عليه كلمةُ العذاب. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ يعني كفار مكة، فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾؛ يعني الرزق والنعمة التي كنتم فيها ﴿فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا (٢٠)﴾ ولَمْ تُؤَدُّوا شكْرَها، وانتصب "يوم" علي إضمار فعل تقديره: واذكر يا محمد يوم يُعْرَضُ كُفّارُ مكةَ على النار، و ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ يُقْرَأ بالاستفهام والخبر، قال الفراء

стр. 1037

والزجاج (١): والعرب تُوَبِّخُ بالألف وبغير ألف، تقول: أذَهَبْتَ فَفَعَلْتَ كَذا؟ وذَهَبْتَ فَفَعَلْتَ كَذا؟ قرأ ابن كثير وهشام وأبو جعفر ويعقوب: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ بهمزة بعدها مدة، وقرأ ابن ذكوان: ﴿أَأَذْهَبْتُمْ﴾ بهمزتين من غير مَدٍّ، وقرأ الباقون بهمزة واحدة من غير مَدٍّ على الخبر (٢)، ومعنى القراءات كلها سواء. فصل رُوِيَ عن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ أنه قال: اسْتَأْذَنْتُ على رسول اللَّه ﷺ ، فدخلتُ عليه فِي مَشْرُبَتِهِ (٣)، وإنه لَمُضْطَجِعٌ على خَصَفةٍ (٤)، وإنّ بَعْضَهُ على التُّرابِ، وتحت رأسه وِسادةٌ مَحْشُوّةٌ لِيفًا، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ فقلتُ: يا رسول اللَّه: أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وصَفْوَتُهُ وخِيرَتُهُ من خَلْقِهِ، وَكِسْرَى وقَيْصَرُ على سُرُرِ الذَّهَبِ وفُرُشِ الدِّيباجِ والحَرِيرِ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا عُمَرُ: إنّ أولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لهم طَيِّباتُهُمْ، وهي وَشِيكةُ الانقطاعِ، وإنّا أُخِّرَتْ لنا طَيِّباتُنا" (٥).

стр. 1038

وعن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: "رأى عُمَرُ ﵁ فِي يدي لَحْمًا مُعَلَّقًا، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلتُ: اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فاشتريتُهُ، قال عُمَرُ: أوَ كُلَّما اشْتَهَيْتَ يا جابرُ اشْتَرَيْتَ؟ أما تَخافُ هذه الآيةَ يا جابرُ: "أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا؟ " (١). ورُوِيَ أن عُتْبةَ (٢) بنَ فَرْقَدٍ دخل على عمر بن الخطاب ﵁، وهو يَكْدِمُ (٣) كَعْكًا شامِيًّا، ويَتَفَوَّقُ لَبَنًا حازِرًا (٤)، فقال: يا أمير المؤمنين: لَوْ أمَرْتَ أنْ يُصْنَعَ لك طَعامٌ ألْيَنُ من هذا؟ فقال: يا ابن أُمِّ فَرْقَدٍ: أتَرَى أحَدًا من العرب أقْدَرَ على ذلك مِنِّي؟! فقال: ما أحَدٌ أقْدَرُ على ذلك منك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: سمعتُ اللَّهَ عَيَّرَ أقوامًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾؛ أي: واذكر يا محمدُ لِقَوْمِكَ أهْلِ مَكّةَ أخا عادٍ،

стр. 1039

يعني هُودًا ﵇، وهو أخوهم في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، وإنما صَرَفَ عادًا لأنه اسم للحَيِّ، ولو كان اسمًا للقبيلة لَمْ ينصرف، وإن كان على ثلاثة أحرف (١). وقوله: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ (٢١)﴾ قيل (٢): الأحقاف وادٍ بين عُمانَ ومَهْرةَ، وقيل (٣): جَبَل بالشام، وقيل (٤): هي رمال باليمن بحَضْرَمَوْتَ، فعلى هذا القول: الأحْقافُ جمع حِقْفٍ، وهو الرَّمْلُ المُسْتَطِيلُ المُعْوَجُّ من الرمال (٥)، وقيل: الحِقافُ جمع الحِقْفِ (٦) والأحقاف جمع الجمع، ونظير حِقْفٍ وأحْقافٍ: ستْر وأسْتارٍ، قال الأعشى: ٢٤٣ - فَباتَ إلَى أرْطاةِ حِقْفٍ يَكُفُّهُ... خَرِيقُ شِمالٍ يَتْرُكُ الوَجْهَ أقْتَما (٧)

стр. 1040

ويقال: حِقْفٌ أحْقَفُ؛ أي: رَمْلٌ مُتَناهٍ من الاسْتِدارةِ، قال العَجّاجُ: ٢٤٤ - باتَ إلَى أرْطاةِ حِقْفٍ أحْقَفا (١) والفعل منه: احْقَوْقَفَ، قال الراجز: ٢٤٥ - سَماوةَ الهِلَالِ حَتَّى احْقَوْقَفا (٢) أي: انْحَنَى واسْتَدارَ (٣). وانصرف الأحقافُ -وإن كان اسمَ أرْضٍ-؛ لأن فيه ألِفًا ولامًا، قال سيبويه (٤): واعلم أن كل ما لا ينصرف إذا دخله الألفُ واللّامُ انْصَرَفَ.

стр. 1041

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني العذاب ﴿عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾؛ أي: سحاب يمطرنا، وذلك أن اللَّه حَبَسَ عنهم المطرَ أيامًا، ثم ساق إليهم سحابةً سوداءَ، فخرجت على قوم عاد من وادٍ لهم (١) يُقال له: المغيث، فلما رأوها استقبلتْ أوديتَهُم اسْتَبْشَرُوا بها، وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾؛ أي: غَيْم فيه مَطَرٌ، فقال هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ ما هو فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾ والريح التي عُذِّبُوا بها نَشَأتْ من ذلك السحاب (٢). وقوله: ﴿مُمْطِرُنَا﴾ نكرة، وإن كان مضافًا إلى معرفة؛ لأن إضافته غير محضة، فلولا أنه نكرة لَمْ يَنْعَتْ به عارِضًا وهو نكرة (٣)، قال الشاعر: ٢٤٦ - يا رُبَّ غابِطِنا لَوْ كانَ يَطْلُبُكُمْ... لَاقَى مُباعَدةً مِنْكُمْ وَحِرْمانا (٤)

стр. 1042

ونصب "عارِضًا" الأول على الحال، وإن شئت على التكرير؛ أي: رأوا عارِضًا، وهو السحاب، سُمِّيَ بذلك لأنه يَعْرِضُ؛ أي: يَبْدُو فِي عُرْضِ السماء، قال الأعشى: ٢٤٧ - يا مَنْ رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ... كَأنّما البَرْقُ فِي حافاتِهِ الشُّعَلُ (١) قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾؛ يعني عادًا ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ (٢٦)﴾ يا أهل مكة؛ يعني: الذي أعْطَيْنا عادًا في الأرض من الخَيْرِ والقوة والأجسام والعمارة والأموال، ما إنْ مَكَّنّاكُمْ فِي الأرض يا أهل مكة. قال أهل اللغة (٢): ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ (٢٦)﴾ بمَنْزِلةِ "الَّذِي"، يعني: في الذي إنْ مَكَّنّاكُمْ فيه، و ﴿إِنْ﴾ هاهنا في الجحد بِمنْزِلَةِ "ما" في النفي، وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه. و ﴿مَا﴾ بمعنى "الَّذِي" أحسن في اللفظ من "ما"، أما ترى أنك لو قلت: رَغِبْنا فِيما إنْ رَغِبْتَ فِيهِ، لكان الأحسن أن تقول: قَدْ رَغِبْتَ فِيهِ، تريد: في الذي ما رَغِبْتُ فيه؛ لاختلاف اللفظين (٣)، وقيل (٤): معناه: فيما لَمْ نُمَكِّنْكُمْ فيه،

стр. 1043

و"إنْ" بمعنى "لَمْ"، وقيل (١): بل هي زائدة، والمعنى: مَكَّنّاكُمْ فيه. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾؛ أي: فَهَلَّا نَصَرَهُمْ، وهذا استفهام إنكار؛ أي: لَمْ ينصرهم ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ يعني الأوثان، قال الكسائي (٢): القُرْبانُ: كل ما يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّه تعالى من طاعة ونَسِيكةٍ، والجمع قَرابِينُ مثل رُهْبانٍ ورَهابينَ، وثُعْبانٍ وثَعابينَ. وهو منصوب على المصدر، وقيل: هو مفعول من أجله، وقيل: هو مفعولَ بـ "اتَّخَذُوا" و"آلِهةً" بدل منه (٣). ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل (٤): ضَلَّت الآلهةُ عنهم، فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾؛ أي: اتخاذ الآلهة من دون اللَّه كَذِبُهُمْ وافْتِراؤُهُمْ، وقرأ ابن عباس وابن الزبير: ﴿وَذَلِكَ أفَكَهُمْ﴾ بفتح الألف؛ أي: ذلك القول صَرَفَهُمْ عن التوحيد، وقرأ عكرمة: ﴿أفَّكَهُمْ﴾ (٥) بتشديد الفاء على

стр. 1044

التأكيد والتكثير، قال أبو حاتم (١)؛ يعني: قَلَبَهُمْ عما كانوا عليه من النعيم، ودليل قراءة العامة قوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾؛ أي: يكذبون من أنها آلهة تقربهم إلى اللَّه، وتشفع لهم عنده. قوله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني: وَجَّهْنا إليكَ يا محمد ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ والنَّفَرُ والرَّهْطُ والقَوْمُ لا يُقالُ إلّا في الرجال دون النساء (٢)، وفي قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ حُجّةٌ على القَدَرِيّةِ؛ لأن اللَّه تعالى صَرَفَ الجِنَّ إلى نَبِيِّهِ ﷺ بالإرادة، وَلَمْ يأمرهم بذلك؛ لأن اللَّه تعالى قد يريد ما لا يأمر به فيكون، ويأمر بما لا يريد فلا يكون (٣). وقوله: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ يعني الجن الذين صَرَفَهُمُ اللَّهُ إلى النبي ﷺ يستمعون منه القرآن، وكانوا سبعةَ نَفَرٍ في قول الكلبي ومقاتل (٤)، وهم شاصر وناصر وَبَسا وَحَسا والأزد وأُبْنان والأحقم (٥)، وقيل: تسعة من جن نَصِيبِينَ، وهو قول ابن عباس (٦).

стр. 1045

قال المفسرون (١): وذلك أنه لَمّا يَئسَ رَسُولُ اللَّه ﷺ من قومِهِ أهلِ مَكّةَ أن يُجِيبُوهُ خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة، فكان بِبَطْنِ نَخْلةَ بين مكة والطائف، قام يقرأ القرآن فِي صلاة الفجر، فَمَرَّ به نَفَرٌ من أشراف جِنِّ نَصِيبِينَ وساداتِهِمْ، فاستمعوا لقراءته، فجعلهم رسولُ اللَّه ﷺ رُسُلًا إلى قومهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾؛ أي: النبي ﷺ ، وقيل: حضروا استماع القرآن ﴿قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ يعني: قال بعضهم لبعض: صَهْ! أنْصِتُوا لِلْقُرْآنِ ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ بفتح القاف والضاد (٢) يعنِي النبي ﷺ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾؛ يعني: مُخَوِّفِينَ مُحَذِّرِينَ إيّاهُمْ عَذابَ اللَّه إن لَمْ يؤمنوا، داعِينَ قَوْمَهُمْ إلى الإيمان باللَّه وبرسوله، ونصب ﴿مُنْذِرِينَ﴾ على الحال. فصل اختلف العلماء فِي مُؤْمِنِي الجِنِّ! هل يدخلون الجنة كَمُؤْمِنِي الإنْسِ أم لا؟ فقال بعضهم: ليس لِمُؤْمِنِي الجِنِّ ثوابٌ على إيمانهم إلا نَجاتُهُمْ من النار، وتَأوَّلُوا قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾، وهذا جواب الأمر في قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ يعنون محمدًا ﷺ ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾، وهذا يدل على أنه كان مبعوثًا إلى الجِنِّ كما كان مبعوثًا

стр. 1046

إلى الإنس، قال مقاتل (١): ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الإنس والجن قبله، وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة، بدليل ما رُوِيَ عن الليث (٢) أنه قال: الجِنُّ ثَوابُهُمْ أن يُجارُوا من النار، ثم يُقالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرابًا مِثْلَ البهائم. وقال آخرون (٣): إنْ كان عليهم العقابُ في الإساءة، وجب أن يكون لهم الثواب في الإحسان مثل الإنس، وإلى هذا القول ذهب مالكٌ وابنُ أبِي ليلى، بدليل ما رُوِيَ عن الضَّحّاكِ أنه قال: الجِنُّ يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، وهذا القول أصَحُّ؛ لأن المُسِيءَ منهم يدخل النار بدليل قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤)، فكان المُحْسِنُ منهم يدخل الجنة، واللَّه أعلم بِنا وبِهِمْ. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ شرط ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا جواب الشرط؛ أي: لا يُعْجِزُ اللَّهَ فَيَسْبقُهُ، وقوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ أنصار يمنعونه من اللَّه ﴿أُولَئِكَ﴾ الذي لا يَجيبون داعيَ اللَّه ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.

стр. 1047

قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾؛ أي: لَمْ يَصْعُبْ عليه ذلك، يقال: عَيِيتُ بالأمْرِ أعْيا، وكذلك: عَيِيتُ بالجواب: إذا لَمْ تَتَّجِهْ لَهُ (١)، وفَي فُلَانٌ بِأمْرِهِ: إذا لَمْ يَهْتَدِ له، ولَمْ يَقْدِرْ عليه. وقوله: ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وهم أضْعَفُ خَلْقًا من السماوات والأرض، وهذا احتجاج على من أنكر البعث، قرأ العامة: ﴿بِقَادِرٍ﴾ بالباءِ والألفِ على الاسم، واختلفوا فِي وجه دخول الباء فيه، فقال أبو عبيدة (٢) والأخفش (٣): الباء زائدة مؤكدة، وهي صلة كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٤). وقال الفراء (٥) والكسائي (٦) والزجاج (٧): الباء فيه دخلت للاستفهام والجحد في أول الكلام، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ (٨)، والعرب تُدْخِلُها في الجحود إذا كانت رافعةً لِما قبلها كقول الشاعر: ٢٤٨ - فَما رَجَعَتْ بِخائِبةٍ رِكابٌ... حَكِيمُ بْنُ المُسَيَّبِ مُنْتَهاها (٩)

стр. 1048

وكذلك قال الفراء (١): العرب تُدْخِلُ الباءَ مع الجحد، مثل قولك: ما أظُنُّكَ بِقائِيم، وهو قول الكسائيِّ (٢) والزجاج أيضًا (٣). وقرأ الأعرج وعاصم الجَحْدَرِيُّ وابنُ أبِي إسحاق ويعقوب: ﴿يَقْدِرُ﴾ (٤) على الفعل، واختاره أبو حاتم؛ لأن دخول الباء في خبر "أنّ" قبيح (٥)، واختار أبو عبيد قراءة العامة لأنها في قراءة عبد اللَّه: "قادِرٌ" بغير باء (٦) ﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ على ذلك لا يُعْجِزُهُ شيءٌ. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّار﴾ يعني: إذا كُشِفَ الغِطاءُ

стр. 1049

عنها، فينظرون إليها، وانتصب ﴿يَوْمَ﴾ على إضمار فعل تقديره: واذكر يا محمد يوم يُعْرَضُ الذين كفروا على النار، وقد تقدم نظيرها في هذه السورة (١) ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: فَيُقالُ لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ﴾ لهم المُقَرِّرُ بذلك: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وهذا قول ابن عباس وقتادة (٢)، وقال مقاتل (٣): هم سِتّةٌ: نُوحٌ صَبَرَ على أذَى قَوْمِهِ، وإبراهيمُ صَبَرَ على النار، وإسحاقُ صَبَرَ على الذبح، ويعقوبُ صَبَرَ على فَقْدِ الوَلَدِ وذَهابِ البَصَرِ، ويوسفُ صَبَرَ في البئر والسجن، وأيوب صَبَرَ على الضُّرِّ، وقال الكلبي (٤): هم الذين أُمِرُوا بالجهاد والقتال، فأظهروا المكاشفة، وجاهدوا في الدين، وهذا قول السُّدِّيِّ، وقال أهل المعانِي والتحقيق (٥): كل الرسل أولو العزم، ولَمْ يَبْعَث اللَّهُ رسولًا إلّا كان ذا عَزْمٍ وحَزْمٍ ورَأْيٍ وكَمالِ عَقْلٍ، وإنما دخلت "مِنْ" للتجنيس لا للتبعيض، كما يقال: شَرَيْتُ أكْسِيةً مِنَ الخَزِّ، وَأرْدِيةً مِنَ البَزِّ (٦)، وكأنه قيل له: اصبر كما

стр. 1050

صبر أولو العزم من الرسل قبلك على أذى قومهم، فوصفهم بالعزم لصبرهم ورزانتهم. فصل ويدل على صحة هذا القول ما رُوِيَ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا عائشة: إن الدنيا لا تنبغي لِمُحَمَّدٍ ولا لآل محمد، يا عائشة: إن اللَّه تعالى لَمْ يَرْضَ من أُولي العَزْمِ إلّا بالصبر على مكروهها، والصبر عن مَحْبُوبِها، ولَمْ يَرْضَ إلّا إذا كَلَّفَنِي ما كَلَّفَهُمْ، فقال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وإنِّي -واللَّهِ- لا بُدَّ لِي من طاعته، وإنِّي واللَّهِ لأصْبِرَنَّ كما صَبَرُوا وَأجْهَدَنَّ، ولا قوة إلّا باللَّه" (١). وعن كعبِ الأحبارِ قال: في جنة عَدْنٍ مدينة من لؤلؤة بيضاء، تَكِلُّ عنها الأبصارُ، لم يَرَها نَبِيٌّ مرسلٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أعَدَّها اللَّهُ لأُولي العزم من الرسل والشهداء والمُجاهِدِينَ؛ لأنهم فُضِّلُوا على الناس عقلا وعلما وإنابة وَلُبًّا (٢). وفِي أُولِي العَزْمِ اختلاف كثير بَيْنَ العلماء، يطول شرحه هاهنا. قوله: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ العذابَ، فكأنه ﷺ ضَجِرَ بعضَ الضَّجَرِ حين لَمْ يُؤْمِنْ قومُهُ، وأحَبَّ أن يَنْزِلَ بهم العذابُ، فأُمِرَ بالصبر وترك الاستعجال. ثُمَّ خَبَّرَ بأن العذاب منهم قريب بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾، يعني: من العذاب فِي الآخرة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ فِي الدنيا، ولَمْ يَرَوْها ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنْ

стр. 1051

نَهَارٍ﴾ يعني: في جَنْبِ القيامة، وقيل: لأنهم يُنْسِيهِمْ هَوْلُ ما عايَنُوا من العذاب قَدْرَ مُكْثِهِمْ في الدنيا، كأنه ساعة من نهار؛ لأن ما مضى كَأنْ لَمْ يكن وإن كان طويلًا، و ﴿سَاعَةً﴾ فصب على الظرف. وتَمَّ الكلامُ ثم قال: ﴿بَلَاغٌ﴾ ارتفع بإضمارٍ، يعني: أن هذا القرآن وما فيه من البيان بلاع عن اللَّه إليكم، يعني كفار مكة، والبلاغ بمعنى التبليغ، وقال ابن الأنباري (١): ارتفع البلاع بإضمار: ذلك بلاغٌ أو هو بَلَاغٌ، ويجوز في العربية: "بَلَاغًا" بالنصب و"بَلَاغٍ" بالخفض، وبالنصب قرأ عيسى بن عمر (٢)، فمن نصبه جعله بدلًا أو مصدرًا أو نعتًا لـ "ساعةً"، ومَنْ خَفَضَهُ رَدَّهُ على قوله: "نَهارٍ بَلَاغٍ"، ولا يجوز لأحد أن يقرأ بالوجهين؛ لأنهما لا إمامَ لهما هكذا، وأنشد الفراء (٣) في الإضمار: ٢٤٩ - فَبَعَثْتُ جارِيَتِي فقلْتُ لَها اذْهَبِي... قُولِي: مُحِبُّكِ هائِمًا مَخْبُولا (٤) أراد: قُولِي: هَذا مُحِبُّكِ، فأضمر "هَذا"، ومثله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥)

стр. 1052

رفع البراءة بإضمار: هذه براءة، ونصب "هائِمًا" على الحال. وقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾؛ أي: لا يقع العذاب إلّا بالعاصين الخارجين عن أمر اللَّه، قال الزجاج (١): تأويله: لا يُهْلَكُ مع رحمة اللَّه وفَضْلِهِ إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما فِي الرجاء لرحمة اللَّه أقوى من هذه الآية. فصل عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا عَسُرَ على المَرْأةِ وَلَدٌ فَلْيُكْتَبْ هؤلاءِ الآياتُ في صَحِيفةٍ، ثُمَّ تُغْسَلُ بماءٍ، ثم تُسْقَى المرأةُ منها، ويُنْضَحُ على بطنها، وهي: "بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢)، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣)، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٤)، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1053

سورة محمد ﷺ - مدنيّة وهي ألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون حرفًا، وخمسمائة وتسع وثلاثون كلمة، وثمان وثلاثون آية. باب ما جاء فِي فضل قراءتها قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورة محمد ﷺ كان حَقًّا على اللَّه أنْ يَسْقِيَهُ من أنهار الجنة" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة محمد ﷺ حَمَلَتْهُ الملائكةُ على أجنحتها، لا يَمُرُّ بشيء إلّا خَرَّ جاثيًا من شِدّةِ نُورِهِ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ يعني

стр. 1054

كفار مكة، كفروا بتوحيد اللَّه، وصَدُّوا الناسَ عن الإسلام، وقوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: أبْطَلَها اللَّهُ وأذْهَبَها، حتى كأنها لَمْ تَكُنْ؛ لأنهم لَمْ يَرَوْا في الآخرة لها ثوابًا. و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وهو اسم ناقص، و ﴿كَفَرُوا﴾ من صلته، و ﴿صَدُّوا﴾ معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾ (١)، ومن العرب من يقول: "اللَّذُونَ" (٢)، فيجعله مُسَلَّمًا. قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَصَدَّقُوا بتوحيد اللَّه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني أصحاب النبي ﷺ ، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾؛ أي: صَدَّقُوا بما نُزِّلَ عليه من آيات القرآن ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ يعني: سَتَرَها عنهم، وغفرها لهم ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾؛ يعني: حالهم، والبال: الحال في هذا الموضع (٣)، وجمعه بالَاتٌ (٤)، وقد يكون في غير هذا الموضع القَلْبَ، يقول القائل: لَمْ يَخْطُرْ هذا على بالِي؛ أي: قلبي (٥).

стр. 1055

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: من أهل الحرب ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ نصب على الإغراء (١)، وقيل (٢): على المصدر، أي: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا، والرقاب: الأعناق، واحدتها رَقَبةٌ، والمعنى: اقْتُلُوهُمْ؛ لأن أكثر مواضع القتل ضَرْبُ العُنُقِ، فَإنْ ضَرَبَهُ على مَقْتَلٍ آخَرَ كان كما لو ضَرَبَ عُنُقَهُ؛ لأن المَقْصِدَ قَتْلُهُ (٣). قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، وقَهَرْتُمُو هُمْ وغَلَبْتُمُوهُمْ بالسيف، والإثخان: المبالغة فِي الضرب، مشتق من قولهم: شَيْءٌ ثَخِينٌ أي: مُتَكاثِفٌ (٤)، وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ يعني: إذا أسَرْتُمُوهُمْ كَي لا يُفْلِتُوا، والوَثاقُ اسم من الإيثاقِ، أوْثَقَهُ إيثاقًا: إذا شَدَّ أسْرَهُ كَي لا يُفْلِتَ (٥). قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ يعني: بعد الأسْرِ ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وهما مصدران منصوبان بإضمار فعلٍ، مجازه: فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عليهم مَنًّا، فَتُطْلِقُوهُمْ من غير عِوَضٍ، وإما أنْ تُفادُوهُمْ فِداءً ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (٤)﴾ يعني: بِتَرْكِ الشِّرْكِ حتى لا يكون في العرب مشرك، وقال ابن عباس (٦): حتى يُسْلِمَ كُلُّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأرضِ، وقيل: حتى تقع الهُدْنةُ.
следующие страницы →