عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثْنَتَيْنِ وسبعين زوجةً، سوى أزواجِهِ فِي الدنيا، وإن الواحدة منهن لَيَأْخُذُ مَقْعَدُها قَدْرَ مِيلٍ من الأرض" (١).
وعن عكرمة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ أدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً، وأسفلَهم درجةً: الرَّجُلُ لا يدخل الجنة إلّا بعد أن يُفْسَحَ له في قصره مسيرةَ مائة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ، ليس فيها موضع شبر إلّا معمور، يُغْدَى عليه ويُراحُ بسبعين ألف صَحْفةٍ من ذهب، ليس فيها صَحْفةٌ إلّا وفيها لَوْنٌ ليس في الأخرى، مَثَلُ شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الدنيا لَوَسَّعَ اللَّهُ عليهم مما أعطي، لا ينقص ذلك مما أُوتِيَ شيئًا" (٢).
ورُوِيَ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه: إنِّي أُحِبُّ الخيل، فهل في الجنة خَيْلٌ؟ قال: "إن اللَّه يدخلك الجنة -إن شاء اللَّه-، فلا تشاء أن تركب فرسًا من ياقوتةً حَمْراءَ تطير بك في أيِّ الجَنّةِ شئْتَ إلّا فعلت"، فقال الأعرابِيُّ: يا رسول اللَّه: إنِّي أحب الإبل، فهل في الجنة إبِلٌ؟ فقال: "يا أعرابِيُّ! إن اللَّه يدخلك الجنة -إن شاء اللَّه-، ففيها ما اشتهتْ نَفْسُكَ، ولَذَّتْ عيناك" (٣).
وذلك قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ يقال: لَذِذْتُ الشَّيْءَ ألَذُّهُ مثلما اسْتَلْذَذْتَهُ، والمعنى: أنه ما من شيء اشْتَهَتْهُ نَفْسٌ، أو اسْتَلَذَّتْهُ عَيْنٌ، إلا وهو فِي الجنة، وقد عَبَّرَ اللَّهُ تعالى بهذين اللفظين عن جميع
стр. 982
نِعَمِ أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلّا وهي تصيب النفس والعين، ثم تَمَّمَ هذه النِّعَمَ بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾؛ لأنها لو انقطعت لَمْ تَطِبْ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني المشركين ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)﴾ أبدًا مقيمون ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ﴾؛ يعني: في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ أذِلّةٌ آيِسُونَ مُتَحَيِّرُونَ مُنَكِّسُونَ رُءُوسَهُمْ مُنْكَسِرُونَ.
والإبْلَاسُ: الإياسُ، يقال: أبْلَسَ وأيِسَ، وسُمِّيَ إبْلِيسُ إبليسَ (١)؛ لأنه أبْلَسَ من رحمة اللَّه؛ أي: أيسَ من الرحمة، وفي قراءة عبد اللَّه: ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾ (٢) يعني: في جهنم ﴿مُبْلِسُونَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ فَنُعَذِّبَهُمْ على غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ بكفرهم باللَّه، وتكذيبِهم برسله، وتركهم ما دعاهم إليه.
ونصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على خَبَرِ ﴿كانَ﴾، و ﴿هُم﴾ عند سيبويه فاصلة لا موضع لها من الإعراب (٣) بِمَنْزِلةِ "ما" في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٤)، والكوفيون يقولون: هو عماد وتوكيد (٥)، قال الفراء (٦): وهي في
стр. 983
حرف عبد اللَّه ابن مسعود: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، قال أبو جعفر (٢): فعلى هذا يكون "هُمْ" في موضع رفع بالابتداء، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبر الابتداء، والابتداء وخبره خَبَرُ "كانَ"، كما تقول: كان زَيْدٌ أبُوهُ خارِجٌ.
ومثله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) و ﴿الرَّقِيبَ﴾ بالرَّفع أيضًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ (٤) بالنَّصب والرَّفع، قال قَيْسُ بن ذُرَيْحٍ:
٢٣٤ - أتَبْكِي عَلَى لُبْنَى وَأنْتَ تَرَكْتَها... وَكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلَا أنْتَ أقْدَرُ (٥)
والقوافي مرفوعة (٦).
стр. 984
قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ يدعون خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾؛ أي: لِيُمِتْنا رَبُّكَ، فنَسْتَرِيحَ مِنْ شِدّةِ العذاب، فيُجِيبُهم مالكٌ بعد ألْفِ سنةٍ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ مقيمون فِي العذاب، قرأَ العامة: "يا مالِكُ" بإثبات الكاف، وقرأ عَلِيُّ بنُ أبِي طالب ﵁ والأعمش: "يا مالِ" (١) بحذف الكاف على الترخيم، ورَوَى أبو الدرداء ذلك عن النبي ﷺ ، قال أبو الفتح عثمان بن جني (٢): هذا من أحق الأشياء بالترخيم؛ لأنه موضع قد ذَهَبَتْ فيه قُواهُمْ، وَلَمْ تنفع فيه شكواهم، فَضَعُفُوا عن تَتْمِيمِ نِداءِ مالكٍ خازِنِ النار (٣).
فصل
عن أبِي الدَّرْداءِ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُلْقَى على أهل النار الجُوعُ، حتى يَعْدِلَ ما هم فيه من العذاب"، قال: "فيقولون: ادْعُوا مالكًا، فَيَدْعُونَ مالِكًا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، قال: "فيجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٤)، قال الأعمش: أُنْبِئْتُ أن بين دعائهم وبين إجابته إيّاهُمْ ألْفَ عام، ومثل هذا رُوِيَ عن ابن عباس.
стр. 985
قوله: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يقول اللَّه : أرسلنا إليكم يا معشر قريش محمدًا ﷺ رسولنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ قال ابن عباس (١): يريد: كلكم كارهون لِما جاء به محمد ﷺ .
وقوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾؛ أي: بل أحكموا أمرًا، وكادوا كيدًا ومعصيةً في محمد ﷺ والمكرِ به ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ مُحْكِمُونَ أمْرًا في مجازاتهم وعقوبتهم، وقيل: معناه: أم أجمعوا أمرًا، فإنا مُجْمِعُونَ لهم العذابَ، و ﴿أَمْ﴾ بمعنى "بَلْ"، أو استفهام إنكار، وأصل الإبرام فِي فَتْلِ الحَبْلِ، يقال: أبْرَمَهُ: إذا فَتَلَهُ وأحْكَمَهُ.
قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾ الميم صلة؛ أي: أيَحْسَبُونَ ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ الذي بينهم ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ الذي اجتمعوا عليه ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك منهم ونعلمه ﴿وَرُسُلُنَا﴾ الملائكة الحفظة ﴿لَدَيْهِمْ﴾ يعني: عندهم ﴿يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ مع عِلْمِنا معهم، نزلت هذه الآية في كفار مكة لَمّا أجمعوا أمرهم على النبي ﷺ بالشَّرِّ، وكان ذلك منهم بمحضر إبليس -لعنه اللَّه-، تَصَوَّرَ لهم بصورة شيخ كبير، وجلس معهم مُشِيرًا بذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾؛ أي: ما كان للرحمن ولد، و ﴿إنْ﴾ هاهنا نفي وجحود، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (٢)؛ أي: ما أنت إلّا نذير، وقوله: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٣)؛ أي: ما نحن إلّا بشر مثلكم (٤).
стр. 986
والمعنى: قل لَهُمْ يا مُحَمَّدُ: إن كان للرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي قولِكم زعمكم (١) ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ يعنِي: الموَحِّدِينَ، وقيل (٢): الآنِفِينَ والجاحدين لِما قلتم من أن له ولدًا، دليله قراءة من قرأ: ﴿العَبِدِينَ﴾ (٣)، قال الشاعر:
٢٣٥ - وَأعْبَدُ أنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدارِمِ (٤)
стр. 987
ويقال: عَبِدَ: إذا أنِفَ وغَضِبَ عَبَدًا (١)، قال الشاعر:
٢٣٦ - ألَا هَزِئَتْ أُمُّ الوَليدِ وَأصْبَحَتْ... لِما أبْصَرَتْ فِي الرَّأْسِ مِنِّي تَعَبَّدُ (٢)
نزلت هذه الآية فِي النضر بن الحارث من بني عبد الدار بن قُصَيٍّ القُرَشِيِّ حين قال: الملائكة بنات اللَّه، فنَزَلَتْ هذه الآية (٣).
ثم نَزَّهَ الربُّ ﵎ نَفْسَهُ عما يقولون، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾ يعني: عما يقول كفار مكة من الكذب ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾؛ يعني: فِي أباطيلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾؛ أي: يَلْهُوا في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ في الآخرة ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ من العذابُ.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾؛ أي: يَعْبُدُه ويُوَحِّدُهُ أهْلُ السماء وأهلُ الأرض ﴿وَهُوَ﴾ هو إله واحد لا إله إلّا هو ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي ملكه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بخلقه.
قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، ثم استثنى عيسى وعُزَيْرًا والملائكةَ، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: شهد أنه لا إله إلّا اللَّه،
стр. 988
وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، ومحل "مَنْ" رفع لأنه فاعل (١).
قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ رفع على خبر ابتداء محذوف، تقديره: هو اللَّه، ويجوز أن يكون رفعًا لأنه فاعل، تقديره: خَلَقَهُم اللَّهُ (٢)، وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧﴾ استفهام إنكار، ومحله نصب على الظرف حيث كان (٣).
قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ يعني: وقول محمد ﷺ شاكيًا إلى ربه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني كفار مكة ﴿قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: لا يصدقون.
واختلف القُرّاءُ فِي "قَيلِهِ" (٤)، فقرأ عاصم وحمزة: "وَقِيلِهِ" بكسر اللام على معنى: وعنده عِلْمُ الساعةِ وعِلْمُ قِيلِهِ، وقرأ الأعرج بالرَّفع على الابتداء،
стр. 989
وهو محذوف الخبر (١)؛ أي: وَقِيلُهُ: يا رَبِّ مَسْمُوعٌ، أو: وَعِنْدَهُ قِيلُهُ.
وقرأ الباقون بالنصب، ولها وجهان، أحدهما: عطف على قوله: ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾؛ أي: بَلَى وَنَسْمَعُ قِيلَهُ، قال المبرد (٢): والعطف على المنصوب حَسَنٌ وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه، والثانِي: على إضمار فِعْلٍ، معناه: وَقالَ قِيلَهُ (٣).
стр. 990
وقال أبو العباس (١): نصبه على: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعةِ، وَيَعْلَمُ قِيلَهُ، والقِيلُ مصدر كالقَوْلِ، قال كعب بن زهير:
٢٣٧ - يَمْشِي الغُواةُ بِجَنْبَيْها وَقِيلَهُمُ... إنّكَ يا ابْنَ أبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ (٢)
قال أبو عبيد (٣): يقال: قُلْتُ قِيلًا وقَوْلًا وقالًا لَهُ.
و"قَيْلٌ" له جمعان أحدهما: -كما جاء فِي الحديث- "أقْيالٌ" والثانِي: "أقْوالٌ" (٤)، فَمَنْ جَمَعَهُ بالياء فعلى اللفظ، ومن جمعه بالواو فعلى الأصل؛ لأنه من ذوات الواو، وإن كان أصل قَيْلٍ قَيِّلًا من: قالَ يَقُولُ، كسَيِّدٍ من: سادَ يَسُودُ، وجَيِّد من: جادَ يَجُودُ (٥).
стр. 991
قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأعرض يا محمد عنهم ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾؛ أي: مُسالَمةٌ ومُتارَكةٌ، والتقدير فِي العربية: أمْرِي سَلامٌ (١)، أو عليكم السلام (٢)، وهذه الآية نسخَتْها آية القتال، قال مقاتل (٣): نَسَخَ السَّيْفُ الإعْراضَ والسَّلامَ.
ثم تَهَدَّدَهُمْ فقال: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾؛ يعني: عاقبة كفرهم، قرأ أهل المدينة والشام: "تَعْلَمُونَ" بالتاء، واختاره أبو عبيد، وهو على هذا من كلام واحد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: ﴿ويَعْلَمُونَ﴾ بالياء (٤) على أنه قد تَمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾، وهذا وعيد، والمعنى: فسوف يعلمون العقوبة على التهديد (٥)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 992
سورة الدخان
مكِّية
وهي ألفٌ وأربعمائةٍ وأحَدٌ وثلاثون حرفًا، وثلاثُمائةٍ وسِتٌّ (١) وأربعون كلمةً، وتسعٌ وخمسون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ ﴿حم﴾ الدخان في ليلةٍ أصْبَحَ يستغفرُ له سبعون ألف مَلَكٍ" (٢).
وعن أبِي هريرة أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ ﴿حم﴾ التي يُذْكَرُ فيها الدخانُ فِي ليلة الجمعة أصبح مغفورًا له" (٣).
وعن أبِي أُمامةَ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من قرأ ﴿حم﴾ الدخان
стр. 993
ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة بَنَي اللَّهُ له بيتًا فِي الجنة" (١).
وعن أُبَيِّ بنِ كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة الدخان فِي ليلة الجمعة غُفِرَ له" (٢).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الدخان صاحَ به كُلُّ باب في الجنة: أنا لَكَ أنا لَكَ، إذا رَأيْتَنِي فلا تُؤثِرْ عَلَيَّ" (٣).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ قَسَمٌ، أقسم اللَّه بـ "حم" والقرآن إنه أُنْزِلَ في ليلة مباركة، وقد تقدم تفسيره في سورة الزخرف (٤).
قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني القرآن، جواب القسم ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ (٣)﴾ يعني ليلة القدر، أنزل اللَّه تعالى القرآنَ في ليلة القدر من أُمِّ الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، إلى سماء الدنيا، ثم أنزله على نَبِيِّهِ محمدٍ ﷺ في الليالي والأيامِ (٥).
стр. 994
وقيل (١): أراد بالليلة المباركة ليلة النصف من شعبان، وإنما سمّاها مباركةً لِما فيها من الخير والرحمة والحكم والبركة، وما تَنْزِلُ به الملائكةُ من كل أمر.
قوله: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: فِي تلك الليلة المباركة ﴿يُفْرَقُ﴾؛ أي: يُ فْصَلُ ويُبَيَّنُ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾؛ أي: مُحْكَم؛ يعنِي: أمْرُ السنة يُبْرَمُ فِي ليلة القدر من شهر رمضان.
وقيل: فِي ليلة النصف من شعبان، كل أجَلٍ ورزق وعمل وخير وشر وما يكون فِي تلك السنة إلى مثلها من العام القابل.
فصل
رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "تُقَطَّعُ الآجالُ من شعبانَ إلى شعبانَ، حتى أن الرجل لَيَنْكِحُ، ويُولَدُ له، ولقد أُخْرِجَ اسْمُهُ فِي ديوان الموتى" (٢).
وعن عائشةَ ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن اللَّه تعالى يَنْزِلُ ليلةَ النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فَيَغْفِرُ لأكثرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ" (٣).
стр. 995
وعن عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللَّهُ وجهَه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان ليلة النصف من شعبان فَصُومُوا يَوْمَها، فإنّ اللَّه يَنْزِلُ لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مُسْتَغْفِرٌ فأغفرَ له؟ ألا مُسْتَعْفٍ فَأُعافِيَهُ؟ ألا مُسْتَرْزِقٌ فَأرْزُقَهُ؟ ألا كذا ألا كذا؟ حتى يطلع الفجر" (١).
قوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾؛ أي: أنزلنا أمْرًا من عندنا، وقيل: هو نصب على الحال بمعنى آمِرِينَ، فإن قيل: فهذه حال من نكرة؛ لأنها حال من "كُلُّ أمْرٍ" (٢)، ومِنْ شَرْطِ الحال أن تأتِي بعد معرفة، فالجواب أن صاحب الحال -وإن كان نكرة- فقد وُصِفَ، والصفة تُقَرِّبُ من المعرفة، فجاز لذلك (٣)، وقيل (٤): هو مصدر، قال الزجاج (٥): ﴿أَمْرًا﴾ هو نصب بـ ﴿يُفْرَقُ﴾ بِمَنْزِلةِ: يُفْرَقُ فَرْقًا؛
стр. 996
لأن ﴿أَمْرًا﴾ بمعنى فَرْقًا. والمعنى: أنّا نَأْمُرُ بِبَيانِ ذلك، ونَنْسَخُهُ من اللوح المحفوظ، وقال الفراء (١): يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ فَرْقًا وأمْرًا.
﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ مُحَمَّدًا ﷺ إلى عبادنا ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه: أنزلنا القرآن رحمة، وقيل: أرسلنا محمدًا ﷺ رحمة، وقيل (٢): نصبه على أنه مفعول له، أي: للرحمة، وقيل (٣): هو بدل من ﴿أمْرًا﴾، وقيل (٤): هو نصب على المصدر، وقال الأخفش (٥): هو نصب على الحال ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لِمَنْ دَعاهُ ﴿الْعَلِيمُ (٦)﴾ بخلقه.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قرأ أهل الكوفة: "رَبِّ" بكسر الباء رَدًّا على قوله: "مِن رَّبِّكَ"، جعلوه بَدَلًا منه، ورَفَعَهُ الآخرون (٦) رَدًّا على
стр. 997
قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وإن شئت على الابتداء، على معنى: هو رَبُّ السماوات والأرض ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الخَلْقِ والهَواءِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾ بذلك، وهو أنه لا إلَهَ غَيْرُهُ، ﴿بَلْ هُمْ﴾ يعني الكفار ﴿فِي شَكٍّ﴾ من هذا القرآن ﴿يَلْعَبُونَ (٩)﴾؛ أي: يَهْزَؤونَ به، لَاهِينَ عنه.
قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ يا محمد ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ دَعا على قومِه لَمّا كَذَّبُوهُ، فقال: "اللهُمَّ سَبْعًا كَسِنِي يُوسُفَ" (١)، فَأجْدَبَتِ الأرضُ، فأصابت قُرَيْشًا المَجاعةُ، فصار الرجلُ لِما بِهِ من الجوع يَرَى بينه وبين السماء كالدخان، و ﴿يَوْمَ﴾ نصب مفعول بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾، وليس بظرف.
قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ إنكار، يعني: مِنْ أيْن لَهُم التذكر والاتعاظ؟ ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، بَيَّنَ لكفار مكة الحقَّ بلسانِهِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ ولَمْ يَقْبَلُوا قولَه ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾؛ أي: هو مُعَلَّمٌ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴿مَجْنُونٌ (١٤)﴾ بِادِّعائِهِ النُّبُوّةَ.
قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ يعني: إلى شِرْكِكُمْ وتكذيبكم، وقيل: إلى عذاب الآخرة، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ، أو لظرفٍ محذوفٍ، تقديره: كَشْفًا قَلِيلًا، أو وَقْتًا قَلِيلا (٢).
стр. 998
قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ يعني يوم بدر، وهو قول أكثر المفسرين، وقال الحسن: يعني يوم القيامة، ونصب "يَوْمَ" على الظرف، تقديره: إنّا منتقمون يومَ نَبْطِشُ، ويحتمل أن يكون نصبًا بإضمار فعلٍ، تقديره: اذْكُرْ يا محمد يومَ نبطش البطشةَ الكبرى (١) ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ من كفار مكة.
قوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾ يعني موسى ﵇ ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾؛ أي: مشركون لا يؤمنون، ومحل "أنّ" نصب بِنَزْعِ الصفة؛ أي: بأن هؤلاء (٢)، ومن قرأ بكسر "إنّ" (٣) فلأنه بعد قولٍ مضمرٍ، تقديره: قال: إن هؤلاء (٤).
قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾ يعني بني إسرائيل ﴿لَيْلًا﴾؛ أي: سِرْ بِهِمْ لَيْلَتَكَ ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ يَتَّبِعُكُمْ فِرْعَوْنُ وقومُهُ؛ لِيَرُدُّوا بني إسرائيل في العبودية، ودخلت الفاء لوقوعه موقع الجواب، كأنه قال: فأجيب بأن قيل له: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ (٥)، ونصب ﴿لَيْلًا﴾ على الظرف.
стр. 999
قوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾؛ يعني: ساكنًا إذا قَطَعْتَهُ أنت وأصْحابُكَ، يعني موسى ﵇، وذلك أنه لَمّا قَطَعَ البحرَ هو وأصحابُهُ أراد أن يَضْرِبَ البَحْرَ بعصاه لِيَلْتَئِمَ، وخاف أن يَتْبَعَهُ فرعونُ وجنودُهُ، فقيل له: "اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا" (١) يعني: على حالته وهيئته التي كان عليها ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ يعني فرعون وقومه، فأغرقهم اللَّه تعالى فِي بَحْرِ القُلْزُمِ، وهو بحر أيْلةَ، وقيل: معناه: امْشِ رَهْوًا، يعني: على هيئتك، قال الشاعر:
٢٣٨ - يَمْشِينَ رَهْوًا فَلَا الأعْجازُ خاذِلةٌ... وَلا الصُّدُورُ عَلَى الأعْجازِ تَتَّكِلُ (٢)
وأصل الرَّهْوِ في كلام العرب السُّكُونُ، يقال: رَها يَرْهُو رَهْوًا فهو راهٍ، ويقال لكل شيء ساكن لا يتحرك: راهٍ (٣)، وهو نصب على الحال (٤)، والمعنى: اترك البحر راهِيًا؛ أي: ساكنًا على حاله، فسمي بالمصدر.
стр. 1000
قوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ يعني قوم فرعون ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ وهي البساتين ﴿وَعُيُونٍ (٢٥)﴾ وهي الأنهار الجارية ﴿وَزُرُوعٍ﴾ ما بين الخليجين من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ يعني المآثر والمنازل الحسنة ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾؛ يعني: ناعمين، و"فَكِهِينَ": أشِرِينَ بَطِرِينَ مُعْجَبينَ بذلك، والنَّعْمةُ بفتح النون: سَعةُ العَيْشِ والرّاحةِ، والنِّعْمةُ بكسر النون: المْنّةُ (١).
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كذلك أفعل بِمَنْ عَصانِي ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾؛ يعني أرض مصر: بساتينهم وأنهارهم وزروعهم ومنازلهم ﴿قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾؛ يعني بني إسرائيل بِإيمانِهِمْ، رَدَّهُم اللَّهُ إلى مِصْرَ بعد الخروج منها، نظيره قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ (٢)، وقوله فِي الشعراء: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣).
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُجِّرَتْ أرْبَعةُ أنْهارٍ من الجنة: النِّيلُ والفُراتُ وسَيْحانُ وجَيْحانُ"، ويروى: "سَيْحُونُ" و"جَيْحُونُ" (٤).
قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ يعني: على فرعون وقومه،
стр. 1001
يقول: لَمْ يكن لَهُمْ عَمَل صالِحٌ يصعد إلى السماء، فلم تَبْكِ عليهم السماءُ والأرضُ، وذلك أن المؤمن إذا مات بَكَتْ عليه السماءُ والأرضُ أربعين صباحًا (١)، وقيل (٢): معناه: أهْلُ السَّماءِ وَأهْلُ الأرْضِ ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾؛ أي: لَمْ يُنْظَرُوا حتى أُغْرِقُوا.
رُوِيَ عن عَلِيِّ بنِ أبِي طالب ﵁ أنه قال: "بكاء السماء حُمْرةُ أطرافها" (٣)، وقيل: "لَمّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بن علي ﵄ احْمَرَّتْ آفاقُ السماء" (٤)، قال الربيع بن خُثَيْمٍ: بكت السماء بواكيها.
فصل
عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مؤمن إلّا وله بابانِ: بابٌ يصعد فيه عملُه، وبابٌ يَنْزِلُ منه رزقه، فإذا مات فَقَداهُ، وبَكَيا عليه، فذلك قوله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (٥).
стр. 1002
وعن شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ الحَضْرَمِيِّ (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، ألا لا غُرْبةَ على مؤمنٍ، ما مات مؤمن في غُرْبةِ غابت عنه فيها بَواكِيهِ إلّا بكت عليه السماء والأرض"، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾، ثم قال: "إنهما لا تبكيان على الكافر" (٢).
وفي الخَبَرِ: أن الشمس بَكَتْ على يَحْيَى ﵇ أربعين صباحًا، وكان بكاؤها أنْ طَلَعَتْ حَمْراءَ وغَرَبَتْ حَمْراءَ (٣)، ويُرْوَى أن يَحْيَى ﵇ سَيِّدُ الشهداءِ يومَ القيامة، وقائدُهم إلى الجنة.
قوله تعالى: ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾؛ يعني: بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت، ورفع ﴿مَوْتَتُنَا﴾ على خبر ﴿إنْ﴾ (٤)؛ لأن ﴿إنْ﴾ بمعنى "ما"، والتقدير: ما هي إلا موتتنا الأولى ﴿فَأْتُوا
стр. 1003
بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ أنّا نُبْعَثُ أحْياءً بعد الموت، والخطاب للنبي ﷺ وحده، وهو كقوله تعالى: "يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ" (١)، فقال لِنَبيِّهِ ﷺ : ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ استفهام إنكار، يقول: أهُمْ أعَزُّ وأمْنَعُ وأَكْثَرُ أموالا وعددا أم قوم تُبَّع ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؟ مثل عاد وثمود ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾ يعني: مكذبين بالبعث.
ومحل ﴿الَّذِينَ﴾ رفعٌ بالعطف على ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، ويحتمل أن يكون رفعًا بالابتداء وخبره ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾، ويحتمل أن يكون خفضًا بالعطف على ﴿تُبَّعٍ﴾، تقديره: أهُمْ خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَقَوْمُ الذينَ؟ ويحتمل أن يكون نصبًا بإضمار فعل تفسيره ما بعده تقديره: وأهلكنا الذين من قبلهم أهلكناهم (٢).
وقوم تُبَّعٍ كانوا من أهل اليمن، وتُبَّعٌ هم ملوك اليمن، وإنما سُمِّيَ كُلُّ واحد منهم تُبَّعًا لأنه يَتْبَعُ صاحبه، وهو بِمَنْزِلةِ الخليفة فِي الإسلام، وهم ملوكُ العربِ الأعاظمُ (٣)، والتِّبْعُ أيضًا الذي يَتْبَعُ النساءَ (٤).
стр. 1004
فصل
عن سَهْلِ بنِ سعدٍ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فَإنّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ" (١)، وعن عائشة ﵂ أنها قالت: "لا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فَإنّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا، ألا تَرَى أنّ اللَّهَ ذَمَّ قَوْمَهُ وَلَمْ يَذُمَّهُ" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾؛ أي: لَمْ نَخْلُقْهُما عَبَثًا، نظيره قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣) فنجزيكم بأعمالكم، وإنما قال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ولَمْ يقل: وما بينهن؛ لأن المعنى: وما بَيْنَ هذين النوعين من الأشياء (٤)، ونصب ﴿لَاعِبِينَ﴾ على الحال.
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لِلْحَقِّ، يعني: للثواب على الطاعة، والعقابِ على المعصية ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني المشركين ﴿لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ يعني يوم القيامة؛ لأنه يُفْصَلُ بالقضاء، يَقْضِي اللَّهُ للمؤمنين بالجنة، ويَقْضِي للكافرين بالنار، وقيل: يفصل بين المرء
стр. 1005
وعمله، وقرأ عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ: ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾ (١) بالنصب، جعله اسم "إنّ"، ونصب يومًا على الظرف، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ على الحال، ويكون التقدير: إن مِيقاتَهُمْ فِي يوم الفصل أجمعين.
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾؛ أي: لا يَنْفَعُ ولا يَدْفَعُ وَلِيٌّ عن وَلِيٍّ، ولا قَرِيبٌ عن قريب، ولا حَمِيمٌ عن حميم ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾؛ يعني: ولا يُمْنَعُونَ من العذاب، ونصب يومًا على البدل من "يَوْمَ" الأول (٢)، ويحتمل أن يكون نصبًا على الظرف؛ أي: فِي ذلك اليوم (٣).
ثم استثنى فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ يعني: من المؤمنين، فإنه يشفع بعضهم لبعض، واختلف النحاة في محل ﴿مَن﴾ مِنَ الإعراب، فقال بعضهم (٤): محله رفع بدلًا من الاسم المضمر في ﴿يُنْصَرُونَ﴾، وإن شئت جعلته ابتداءً، وأضمرت خبره، تريد: إلا من رحم اللَّه، فإنه يشفع له (٥)، وقيل (٦): هو بمعنى: لا يُغْنِي إلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، وقيل: على البدل -كما تقدم- بمعنى: ولا يُنْصَرُ إلا مَنْ
стр. 1006
رَحِمَ اللَّهُ، هكذا ذكره الصَّفّارُ (١)، وإن شئت جعلته نصبًا على الاستثناء والانقطاع عن أول الكلام، وهو قول الكسائي والفراء (٢)، تريد: اللَّهُمَّ إلّا مَنْ رَحِمَ اللَّه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في نِقْمَتِهِ من أعدائه الذين لا شفاعة لهم ﴿الرَّحِيمُ (٤٢)﴾ بالمؤمنين المُوَحِّدِينَ الذين استثنى اللَّهُ تعالى فِي هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾ تقدم تفسيره فِي الصافات (٣)، ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ الفاجر ذي الإثم، وهو أبو جهل ﴿كَالْمُهْلِ﴾ وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُ القَطِرانِ (٤)، وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف (٥) ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)﴾ يعني بطون الكفار ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ يعني الماءَ الحارَّ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُهُ.
قرأ ابن كثير وحَفْصٌ ورُوَيْسٌ: ﴿يَغْلِي﴾ بالياء، جعلوا الفعل للمُهْلِ، واختاره أبو عبيد (٦)، قال (٧): لأن المُهْلَ مُذَكَّرٌ، وهو الذي يَلي الفِعْلَ، فصار أوْلَى به التذكيرُ ولِلْقُرْبِ، وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث الشجرة (٨)، قال أبو علي
стр. 1007
الفارسي (١): ولا يجوز أن يُحْمَلَ الغَلْيُ على المُهْلِ؛ لأن المُهْلَ إنّما ذُكِرَ للتشيبه به في الذَّوْبِ، ألا ترى أن المُهْلَ لا يَغْلِي في البطون، إنّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ به.
قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ﴾؛ يعني أبا جهل، أي: يقال للزبانية ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾؛ أي: وَسَطِها؛ يعني: سُوقُوهُ وادفعوه الى النار، يقال: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ عَتْلًا: إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب، وفيه لغتان: كسر التاء، وهي قراءة أبِي جعفر وأبِي عمرو وأهل الكوفة، وضَمُّها، وهي قراءة الباقين (٢).
قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ وهو الذي قد غَلِيَ حَتَّى انتهى حَرُّهُ؛ لِيَغْلِيَ دِماغُهُ، ويقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ يعني أبا جهل -لعنه اللَّه- (٣)، وذلك أنه كان يقول: أنا أعَزُّ أهْلِ الوادي وأكْرَمُهُمْ، فيقول له الخَزَنةُ: ذُقْ هذا العذابَ أيها المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ في زَعْمِكَ، وهذا القول أمْرٌ وَرَدَ على طريق الاستخفاف والإهانة والتوبيخ، لا على طريق الاستحقاق والتحقيق، قرأ العامة: "إنّكَ" بكسر الألف على الابتداء، وقرأه الكسائي بالنصب (٤) على معنى: لأنك أو: بأنك.
стр. 1008
فصل
عن أبِي هريرة عن كعب الأحبار قال: إنّ للَّهِ ثَلَاثةَ أثْوابٍ، اتَّزَرَ بالعِزِّ، وتَسَرْبَلَ الرَّحْمةَ، وارْتَدَى الكِبْرِياءَ، فَمَنْ تَعَزَّزَ بغير ما أعَزَّهُ اللَّهُ، فذلك الذي يُقالُ له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، وَمَنْ رَحِمَ النّاسَ بِرَحْمةِ اللَّه، ذلك الذي تَسَرْبَلَ بسِرْبالِهِ (١) الذي ينبغي له، ومن تَكَبَّرَ فذلك الذي نازَعَ اللَّهَ رِداءَهُ، إن اللَّه يقول: "لَاَ يَنْبَغِي لِمَن ادَّعَى رِدائِي أنْ أُدْخِلَهُ الجَنّةَ" (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني العذاب ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥)﴾؛ أي: تَشُكُّونَ به في الدنيا، ولا تؤمنون به، وتزعمون أنه غير كائن، فهذا مصير الكافرين ومستقرهم ومأواهم، والمِرْيةُ: الشَّكُّ.
ثم ذكر اللَّه تعالى مُسْتَقَرَّ المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني الذين يتقون الشرك ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ أمِنُوا فيه الغِيَرَ من الموت والحوادث، قرأ أهل المدينة والشام بضم الميم فِي المقام على المصدر، وهو موضع الإقامة؛ أي: في إقامة، وقرأ الباقون بالفتح (٣)؛ أي: في مكان كريم، وهو موضعُ القيامِ؛ لأنك إذا جعلته من: قامَ يَقُومُ فهو مفتوح، وإذا جعلته من: أقامَ يُقِيمُ فهو مضموم؛ لأن الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع منه
стр. 1009
مضموم، والمَقامُ: المَجْلِسُ، كقوله تعالى: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ (١)، ومعنى القراءتين واحد (٢).
قوله: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ من الدِّيباجِ ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غَلُظَ منه، وإنما قيل له: إسْتَبْرَقٌ لشدة بريقه (٣) ﴿مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾ يقابل بعضهم بعضًا، وهم على الأسِرّةِ، كيفما أدار الوَلِيُّ وَجْهَهُ إلى جليسه دارَ به السَّرِيرُ، حتى لا ينظر بعضهم في قَفا بعض (٤)، وهو نصب على الحال.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر كما وصفنا هكذا، يعني: في الجنة، ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ يعني: قَرَنّاهُمْ ﴿بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾، وليس في الجنة تزويج كتزويج الدنيا، قال أبو عبيدة (٥): جعلناهم أزواجًا بِهِنَّ كما تُزَوِّجُ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ؛ أي: جعلناهم اثنين اثنين، ونَحْوَ هذا قال الأخفشُ (٦): جعلناهم أزواجًا بالحور العين، وهُنَّ البِيضُ الوجوهِ، يَحارُ فيهنَّ الطَّرْفُ من بياضهنَّ وصَفاءِ لَوْنِهِنَّ.
стр. 1010
قال أبو عبيدة (١): الحوراء: الشَّدِيدةُ بَياضِ العَيْنِ، الشَّدِيدةُ سَوادِها، وقيل لها: حَوْراءُ؛ لأن الطَّرْفَ يَحارُ في النظر إليها؛ لِرِقّةِ جِلْدِها وصفاء لونها، يُرَى مُخُّ ساقِها من وراء سبعين حُلّةً، ويَرَى الرَّجُلُ وَجْهَهُ في وَجْهِها من رِقّةِ جِلْدِها وصَفاءِ لَوْنها (٢)، والعِينُ: جمع عَيْناءَ وهي العظيمة العينين (٣).
فصل
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مُهُورُ حُورِ العِينِ قَبَضاتُ التَّمْرِ، وَفِلَقُ الخُبْزِ" (٤)، ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "إخراج القمامة من المساجد مُهُورُ الحُورِ العِينِ" (٥).
قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ أي: بكل صنف من ألوان الفاكهة والنِّعَمِ التي يَتَفَكَّهُونَ بها، فَيُؤْتَوْنَ بها على
стр. 1011
ما يُحِبُّونَ، آمنين من كل ما يخافونه في الدنيا، ويحذرونه من الموت والأسقام والأوجاع والآلام، قال عَلِي بنُ أبِي طالب ﵁ (١): "نَسُوا المَوْتَ، فَصَفا لهم العَيْشُ"، ونصب "آمِنِينَ" على الحال.
قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾؛ يعني: فِي الجنة ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ نصب لأنه استثناء ليس من الأول؛ يعني: سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا، قال الفراء والزجاج (٢): ﴿إلا﴾ بمعنى "سِوَى"، كقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣)؛ أي: سِوَى ما سَلَفَ، وقيل (٤): ﴿إلا﴾ بمعنى "بَعْدَ"، وقيل (٥): هو استثناء منقطع، وهو الأحسن، وقال ابن قتيبة (٦): إنما استثنى الموتة الأولى -وهي فِي الدنيا- من موت الجنة؛ لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطفِ اللَّهِ وقدرتهِ إلى أسباب من الجنة، يُلَقَّوْنَ الرَّوْحَ والرَّيْحانَ، ويُرَوْنَ مَنازِلَهُمْ من الجنة، وتُفَتَّحُ
стр. 1012
لهم أبوابُها، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة؛ لاتصالهم بأسبابها، ومشاهدتِهم إياها.
قوله: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ وهي النار، وقيل لها: جَحِيمٌ لِعِظَمِها وبُعْدِ قَعْرِها (١) -أجارنا اللَّه منها آمين-.
وقوله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: فَعَلَ اللَّهُ ذلك بهم يا محمد فَضْلًا منه، وهو منصوب على المصدر (٢) ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ يعني الكبير.
قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ يعني القرآن، كناية عن غير مذكور (٣)؛ أي: سَهَّلْنا على لِسانِكَ قِراءَتَهُ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾؛ أي: لكي يتعظوا، فيؤمنوا به إذا سمعوه منك ويفهموه، فلم يؤمنوا به.
ثم قال اللَّه تعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾؛ أي: فانْتَظِرْ ما وَعَدْتُكَ من الفتح والنصر والظَّفَرِ عليهم والعذاب الذي أُنْزِلَ بهم ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾؛ أي: منتظرون بزعمهم قهرك وهلاكك ومَنْ مَعَكَ، نظيرها قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ (٤)، واللَّه أعلم.
стр. 1013
سورة الجاثية
مكِّية
وهي ألف ومائة وأحد وتسعون حرفًا، وأربعمائة وثمان وثمانون كلمة، وسبع وثلاثون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ "حم الجاثِيةِ" سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَسَكَّنَ رَوْعَتَهُ عِنْدَ الحِسابِ" (١).
ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنّهُ قالَ: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الجاثِيةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ أيّامِ الدُّنْيا ألْفَي حَسَنةٍ، وَمَحا عَنْهُ ألْفَي سَيِّئةٍ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿حم (١)﴾ مبتدأ، وخَبَرُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ وقيل: "تَنْزِيلُ" مرفوع بالابتداء، وخبره "مِنَ اللَّهِ"، ويجوز أن
стр. 1014
يكون مرفوعًا على أنه خبر ابتداء محذوف؛ أي: هذا تَنْزِيلُ الكتابِ، ويجوز أن يكون مرفوعا على أنه خَبَرٌ بعد خَبَرٍ (١).
ثم أخبر بما يَدُلُّ على قدرته فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ يعني: في خلقهما دليلٌ على وحدانية اللَّه تعالى؛ لأنه رَفَعَ السماواتِ بغير عَلَاقةٍ، وبَسَطَ الأرضَ على غَيْرِ عَمَدٍ، وجعل فيها رَواسِيَ لِئَلّا تَمِيدَ بهم الأرضُ، فَجَعَلَها لَهُم ذَلُولًا، وأخْرَجَ منها مَعايِشَهُمْ، ففي ذلك دليلٌ لَهُمْ على أنه الإلهُ الذي لا إلَهَ غيْرُهُ (٢).
قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ أنه لا إله غيره، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب والأعمش: ﴿آياتٍ﴾ وبكسر التاء، وكذلك التي بعدها في قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ (٥)﴾، وهي في موضع نصبٍ، نَسَقًا على قوله: ﴿لَآيَاتٍ﴾ (٣)،
стр. 1015
وقرأ الباقون: "آياتٌ" بالرفع (١) على الاستئناف بعد "إنّ"، وقيل: هو حمل على موضع "إنّ" قبل دخولها (٢)، وقيل: على خبرها، وقيل (٣): على خبر الصفة، قال الفراء (٤): تقول العرب: إنّ لِي عَلَيْكَ مالًا، وَعَلَى أخِيكَ مالٌ، فينصبون الثانِيَ ويرفعونه، وقرأ حمزة والكسائي: "الرِّيحِ" على الواحد، الباقون: "الرِّياحِ" على الجمع (٥).
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد: هذا الذي قَصَصْنا عليك من آيات اللَّه نَقُصُّها عليك بالحق ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: بَعْدَ كِتاب اللَّهِ، وقيل: بعد حديث اللَّه وكلامه ﴿وَآيَاتِهِ﴾ حُجَجِهِ وأدِلَّتِهِ ﴿يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا.
قرأ ابن عامر وأهل الكوفة سوى حَفْصٍ بالتاء، على تأويل: قُلْ لهم يا محمد: فَبِأيِّ حَدِيثٍ تُؤْمِنُونَ، واخْتُلِفَ فيه عن عاصم ويعقوب، وقرأ الباقون بالياء (٦).
стр. 1016
قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾؛ أي: كَذّابٍ صاحِبِ إثْمٍ، يعني النضر ابن الحارث ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني آيات القرآن ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾؛ أي: يُعْرِضُ عن الإيمان بآيات القرآن ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾؛ أي: وَجِيعٍ، ونصب ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ على الحال.
قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾ يعني: هذا القرآن بَيانٌ من الضلالة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾ قرأ ابن كثير وحفص: "ألِيمٌ" بالرفع على نعت العذاب، وقرأ الباقون بالكسر (١) على نعت الرِّجْزِ، والرِّجْزُ معناه العذاب.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يخافون وقائع اللَّه، ولا يخشون مِثْلَ عذاب الأمم الخالية.
نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب ﵁ (٢)، وذلك أن رجلًا من غِفارٍ كان يَشْتُمُهُ، فَهَمَّ عُمَرُ ﵁ أن يَبْطِشَ به، فأنزل اللَّه هذه الآية، وأمَرَهُ بالعفو والتجاوز عنه، والمعنى: قُلْ للذين آمنوا اغْفِرُوا، ولكنه شَبَّهَهُ
стр. 1017
بالشرط والجزاء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١)، وقد تقدم ذِكْرُهُ في سورة إبراهيم، وهذه الآية منسوخة بآية القتال (٢).
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾؛ أي: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الكُفّارَ بما عملوا من السيئات، قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بفتح النون
стр. 1018
والياء وكسر الزاي، وقرأ أبو جعفر بضم الياء الأولى وجَزْمِ الثانية (١)، قال أبو عمرو (٢): وهو لَحْنٌ ظاهِرٌ، وقال الكسائي (٣): معناه: لِيُجْزَى الجَزاءُ قَوْمًا، وقرأ الباقون بفتح الياءين على وجه الخبر عن اللَّه تعالى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم (٤) لذكر اللَّه تعالى قبل ذلك.
ثم ذَكَرَ المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ التوراة ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الفهم في الكتاب ﴿وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الحَلَالَاتِ من المَنِّ والسَّلْوَى، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ يعني عالَمِي زَمانِهِمْ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني ما بُيِّنَ لهم في التوراة من الحلال والحرام، والعِلْمِ بِمَبْعَثِ رسول اللَّه ﷺ
стр. 1019
﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ البيان ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ نصب على المفعول من أجله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)﴾.
قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾؛ أي: على سُنّةِ ومِلّةِ ومِنْهاجِ وطَرِيقةِ ودِينِ الإسلامِ ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ يا محمد ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ توحيد اللَّه، يعني كفار قريش، والشريعة جمعها شرائع، والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها اللَّه تعالى لعباده، ليعرفوها ويستقيموا عليها، ومنه سُمِّيَتْ شريعة النهر؛ لأنها يُوصَلُ منفا إلى الانتفاع به، والطريقُ الشّارِعُ: المُمْتَدُّ الواضح الذي يَرِدُ به ضرُوبٌ من الناس (١).
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: اكتسبوا الكفر والمعاصي، يعني كفار مكة ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من بني هاشم وبني المُطَّلِبِ، وذلك أن كفار مكة قالوا للمؤمنين: إنا نُعْطَى فِي الآخرة من الجنة مِثْلَ ما تُعْطَوْنَ، والمعنى: بل أحسب (٢)، وهو استفهام إنكار، ثم قال: ﴿سَوَاءً﴾ نصبًا، جعلوه مفعولًا ثانيًا، تقديره: أن نَجْعَلَ مَحْياهُمْ ومَماتَهُمْ سَواءً (٣)،
стр. 1020
واختاره أبو عبيد وقال (١): معناه: نجعلهم سواءً، وقيل (٢): هو منصوب على الحال.
وقرأ الآخرون بالرَّفع (٣) على الابتداء والخبر، وهو خبر مقدم (٤)، تقديره: مَحْياهُمْ ومَماتُهُمْ سَواءٌ (٥)، وأمالَ الكسائيُّ ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ (٦)، وقرأ الأعمش: ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٧) نصبًا على الظرف؛ أي: في محياهم ومماتهم (٨)، ﴿سَاءَ مَا