نَهَارٍ﴾ يعني: في جَنْبِ القيامة، وقيل: لأنهم يُنْسِيهِمْ هَوْلُ ما عايَنُوا من العذاب قَدْرَ مُكْثِهِمْ في الدنيا، كأنه ساعة من نهار؛ لأن ما مضى كَأنْ لَمْ يكن وإن كان طويلًا، و ﴿سَاعَةً﴾ فصب على الظرف.
وتَمَّ الكلامُ ثم قال: ﴿بَلَاغٌ﴾ ارتفع بإضمارٍ، يعني: أن هذا القرآن وما فيه من البيان بلاع عن اللَّه إليكم، يعني كفار مكة، والبلاغ بمعنى التبليغ، وقال ابن الأنباري (١): ارتفع البلاع بإضمار: ذلك بلاغٌ أو هو بَلَاغٌ، ويجوز في العربية: "بَلَاغًا" بالنصب و"بَلَاغٍ" بالخفض، وبالنصب قرأ عيسى بن عمر (٢)، فمن نصبه جعله بدلًا أو مصدرًا أو نعتًا لـ "ساعةً"، ومَنْ خَفَضَهُ رَدَّهُ على قوله: "نَهارٍ بَلَاغٍ"، ولا يجوز لأحد أن يقرأ بالوجهين؛ لأنهما لا إمامَ لهما هكذا، وأنشد الفراء (٣) في الإضمار:
٢٤٩ - فَبَعَثْتُ جارِيَتِي فقلْتُ لَها اذْهَبِي... قُولِي: مُحِبُّكِ هائِمًا مَخْبُولا (٤)
أراد: قُولِي: هَذا مُحِبُّكِ، فأضمر "هَذا"، ومثله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥)
стр. 1052
رفع البراءة بإضمار: هذه براءة، ونصب "هائِمًا" على الحال.
وقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾؛ أي: لا يقع العذاب إلّا بالعاصين الخارجين عن أمر اللَّه، قال الزجاج (١): تأويله: لا يُهْلَكُ مع رحمة اللَّه وفَضْلِهِ إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما فِي الرجاء لرحمة اللَّه أقوى من هذه الآية.
فصل
عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا عَسُرَ على المَرْأةِ وَلَدٌ فَلْيُكْتَبْ هؤلاءِ الآياتُ في صَحِيفةٍ، ثُمَّ تُغْسَلُ بماءٍ، ثم تُسْقَى المرأةُ منها، ويُنْضَحُ على بطنها، وهي: "بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢)، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣)، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٤)، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1053
سورة محمد ﷺ -
مدنيّة
وهي ألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون حرفًا، وخمسمائة وتسع وثلاثون كلمة، وثمان وثلاثون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورة محمد ﷺ كان حَقًّا على اللَّه أنْ يَسْقِيَهُ من أنهار الجنة" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة محمد ﷺ حَمَلَتْهُ الملائكةُ على أجنحتها، لا يَمُرُّ بشيء إلّا خَرَّ جاثيًا من شِدّةِ نُورِهِ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ يعني
стр. 1054
كفار مكة، كفروا بتوحيد اللَّه، وصَدُّوا الناسَ عن الإسلام، وقوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: أبْطَلَها اللَّهُ وأذْهَبَها، حتى كأنها لَمْ تَكُنْ؛ لأنهم لَمْ يَرَوْا في الآخرة لها ثوابًا.
و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وهو اسم ناقص، و ﴿كَفَرُوا﴾ من صلته، و ﴿صَدُّوا﴾ معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾ (١)، ومن العرب من يقول: "اللَّذُونَ" (٢)، فيجعله مُسَلَّمًا.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَصَدَّقُوا بتوحيد اللَّه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني أصحاب النبي ﷺ ، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾؛ أي: صَدَّقُوا بما نُزِّلَ عليه من آيات القرآن ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ يعني: سَتَرَها عنهم، وغفرها لهم ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾؛ يعني: حالهم، والبال: الحال في هذا الموضع (٣)، وجمعه بالَاتٌ (٤)، وقد يكون في غير هذا الموضع القَلْبَ، يقول القائل: لَمْ يَخْطُرْ هذا على بالِي؛ أي: قلبي (٥).
стр. 1055
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: من أهل الحرب ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ نصب على الإغراء (١)، وقيل (٢): على المصدر، أي: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا، والرقاب: الأعناق، واحدتها رَقَبةٌ، والمعنى: اقْتُلُوهُمْ؛ لأن أكثر مواضع القتل ضَرْبُ العُنُقِ، فَإنْ ضَرَبَهُ على مَقْتَلٍ آخَرَ كان كما لو ضَرَبَ عُنُقَهُ؛ لأن المَقْصِدَ قَتْلُهُ (٣).
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: بالَغْتُمْ في قَتْلِهِمْ، وقَهَرْتُمُو هُمْ وغَلَبْتُمُوهُمْ بالسيف، والإثخان: المبالغة فِي الضرب، مشتق من قولهم: شَيْءٌ ثَخِينٌ أي: مُتَكاثِفٌ (٤)، وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ يعني: إذا أسَرْتُمُوهُمْ كَي لا يُفْلِتُوا، والوَثاقُ اسم من الإيثاقِ، أوْثَقَهُ إيثاقًا: إذا شَدَّ أسْرَهُ كَي لا يُفْلِتَ (٥).
قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ يعني: بعد الأسْرِ ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وهما مصدران منصوبان بإضمار فعلٍ، مجازه: فَإمّا أنْ تَمُنُّوا عليهم مَنًّا، فَتُطْلِقُوهُمْ من غير عِوَضٍ، وإما أنْ تُفادُوهُمْ فِداءً ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (٤)﴾ يعني: بِتَرْكِ الشِّرْكِ حتى لا يكون في العرب مشرك، وقال ابن عباس (٦): حتى يُسْلِمَ كُلُّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأرضِ، وقيل: حتى تقع الهُدْنةُ.
стр. 1056
والمعنى: حتى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ أوْزارَها، وهو السلاح، وأصل الوِزْرِ: ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السلاحُ وِزْرًا لأنه يُحْمَلُ (١)، وأمَرَ ألَّا يُقْبَلَ منهم إلّا الإسلامُ، ولَمْ يُسْمَعْ لأوْزارِ الحَرْبِ بِو احِدٍ، إلّا أنه على التأويل: وِزْرٌ (٢)، وقد فَسَّرَهُ الأعشى بقوله:
٢٥٠ - وَأعْدَدْتُ لِلْحَزبِ أوْزارَها... رِماحًا طِوالًا وَخَيْلًا ذُكُورا
وَمِنْ نَسْجِ داوُدَ يُحْدَى بِها... عَلَى أثَرِ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرا (٣)
أي: يُحْدَى بها الإبِلُ.
стр. 1057
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ شرط وجزاء، والمعنى: إن تُعِينُوا رسولَهُ حيمث تَوَجَّهَ يُعِنْكُمْ على عدوكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ بالنصر عند القتال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾؛ أي: بُعْدًا لهم، وقيل: نَكْسًا لهم، وقيل: خِزْيًا وبَلَاءً، وقيل: مَقْتًا، وقيل: عِثارًا وسقوطًا، وقيل: خَيْبةً، وقيل: مكروها وسُوءًا، ويقال (١): الئعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه، والنَّكْسُ: أنْ يَخِرَّ على رأسه. وأصل التَّعْسِ فِي الناس والدَّوابِّ، يقال للعاثر: تَعْسًا: إذا لَمْ يريدوا قيامه، وقالوا: أتْعَسَهُ اللَّهُ فَتَعِسَ وهو مُتْعَسٌ.
قال ثعلب (٢): والتَّعْسُ: الهَلَاكُ. وضده لَعًا: إذا أرادوا قيامَهُ، ولَعًا بمعنى سَلِمْتَ، وقد جمعهما الأعشى في بيت واحد يصف به ناقته، فقال:
٢٥١ - بِذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَثَرَتْ... والتَّعْسُ أدْنَى لَها مِنْ أقُولَ: لَعا (٣)
стр. 1058
وهو منصوب على المصدر على سبيل الدعاء، يقال لِمَنْ دُعِيَ عليه بالشر والهَلَكةِ: تَعِسَ يَتْعَسُ تَعْسًا: إذا عَثَرَ وانْكَمث (١)، وقيل: هو نصب بإضمار فعل تقديره: ألْزَمَهُم اللَّهُ تَعْسًا، وقيل: نصب على المَذَمّةِ، نحو قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ (٢)، قال ابن عباس: يريد: في الدنيا العَثْرةُ، وفي الآخرة التَّرَدِّي فِي النار.
قوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾؛ أي: أبْطَلَها؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان، خاليةً عن الإيمان، وقد تقدم نظيرها في أول السورة (٣).
قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني كفار مكة ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (١٠)﴾ الآية، ونصب ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ على جواب الجحد، وقد تَقَدَّمَ تفسيرُ نظيرِها في سورة الحج (٤).
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وكم من قرية قد مضت ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾ يعني: أشد بطشًا وأكثر عددًا ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ﴾؛ يعني مكة ﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ أهْلُها، يعني أهل مكة حين أخرجوا محمدًا ﷺ منها، فكنى بالقرية عن الرجال، ولهذا قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ولَمْ يقل: أهلكناها، قال مقاتل: أُهْلِكُوا بالعذاب حين كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾؛ أي: لَمْ يكن لهم ناصر يمنعهم من عذاب اللَّه.
стр. 1059
فصل
عن ابن عباس ﵁ قال: لَمّا خرج رسول اللَّه ﷺ من مكة إلى الغار الْتَفَتَ إلى مكة، وقال: "أنْتِ أحَبُّ بلاد اللَّه إلى اللَّه، وأحَبُّ بلاد اللَّه إلَيَّ، ولولا أن المشركين أخرجوني منكِ لَمْ أخْرُجْ"، فأنزل اللَّه هذه الآية (١).
قوله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾؛ أي: آجِنٍ مُتَغَيِّرٍ مُنْتِنٍ، يقال: أسِنَ الماءُ يَأْسَنُ أسَنا، وأجِنَ يَأْجَنُ أجَنًا، وأسَنَ يَأْسُنُ، وأجَنَ يَأْجُنُ أُسُونًا وأُجُونًا: إذا تَغَيَّرَ (٢)، ويقال: أسِنَ الرَّجُلُ -بكسر السين-: إذا أصابته ريحٌ مُنْتِنةٌ فَغُشِيَ عليه (٣)، قال زهير:
٢٥٢ - يُغادِرُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ... يَمِيدُ فِي الرُّمْحِ مَيْدَ المائِحِ الأسِنِ (٤)
стр. 1060
قرأه العامة: "آسِنٍ" بالمد، وقرأه ابن كثير بالقصر (١)، وهما لغتان يقال: آسِنٌ وأسِنٌ، مثل حاذِرٍ وحَذِرٍ.
قوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ لَمْ يَحْمُضْ كما تتغير ألبان أهل الدنيا؛ لأنها لَمْ تخرج من ضروع الإبل والبقر والغنم ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ لَمْ تُدَنِّسْها الأيدي ولا الأرجلُ، و"لَذّةٍ" نعت لـ "خَمْرٍ" بمعنى: ذات لذة (٢)، ويجوز: لَذّةٌ بالرفع نعت لـ "أنْهارٌ"، ويجوز النصب على المصدر، كما تقول: هُوَ لَكَ هِبةً (٣)، ونظير لَذٍّ ولَذِيذٍ: طَبٌّ وطَبِيبٌ.
قوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ من العَكَرِ والكَدَرِ، وهذه الأنهار الأربعة بِيضٌ، تُفَجَّرُ من نَهَرِ الكوثر.
فصل
قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر جَيْحانَ نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر (٤).
стр. 1061
قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا﴾ يعني: فِي الجنة ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ وهذا محذوف الجواب، قال الفراء (١): أراد: أمَنْ كان فِي هذا النعيم كَمَنْ هو خالد في النار؟ وقيل (٢): معناه: أفَمَنْ حالُهُ ذلك في هذا النعيم كمن هو خالد في النار فيها الحميم؟ ومَثَلُ أهل الجنة فِي النعيم المقيم كمثل أهل النار فِي العذاب الأليم؟! شَتّانَ ما بينهما ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ شديد الحر ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾، والأمعاء جميع ما في البطن من الحَوايا، واحدها مِعًى.
فصل
عن أبِي أُمامةَ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا شَرِبَ الكافرُ الماءَ الحميمَ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حتى يخرج من دُبُرِهِ، يقول اللَّه تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ".
ورُوِيَ عن محمد بن عبيد اللَّه الكاتب (٣) قال: قَدِمْتُ من مكة، فلما صرت إلى طِيْزَناباذَ ذكرتُ قول أبِي نواس:
стр. 1062
٢٥٣ - بِطِيزَناباذَ كَرْمٌ ما مَرَرْتُ بِهِ... إلّا تَعَجَّبْتُ مِمَّنْ يَشْرَبُ الماءَ
فهتف بِي هاتفٌ أسمع صوته، ولا أراه يقول:
٢٥٤ - وَفِي الجَحِيمِ حَمِيمٌ ما تَجَرَّعَهُ... حَلْقٌ فَأبْقَى لَهُ فِي البَطْنِ أمْعاءَ (١)
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني المنافقين ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: يستمعون إلى خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة، ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعني: من المسجد ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة ﴿مَاذَا قَالَ﴾ محمد ﴿آنِفًا (١٦)﴾؛ أي: الآنَ والساعةَ، استهزاءً وتهاونًا منهم بقوله، وهو نصب على المصدر (٢)، ومعنى الآنِفِ من الائْتِنافِ، وأصله من الأنْفِ وهو الابتداء من كل شيء، يقال: ائْتَنَفْتُ الأمْرَ؛ أي: ابْتَدَأْتُهُ (٣).
стр. 1063
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يعني كفار مكة، أي: ينتظرون ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ يعني القيامة ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني: فجأة، نصب على الحال ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا (١٨)﴾ أماراتُها وعَلَاماتُها، من انشقاقِ القمرِ، وخروجِ النبِيِّ ﷺ ، والأشْراطُ واحدها شَرَطٌ، وأصل الإشْراطِ الإعْلَامُ، يقال: أشْرَطَ نَفْسَهُ للأمر: إذا جَعَلَ نَفْسَهُ عَلَمًا فيه، وبهذا سُمِّيَ أصحاب الشُّرَطِ لِلُبْسِهِمْ لِباسًا يكون علامةً لَهُمْ، ومنه قيل: الشرْطُ فِي البيع وغيرِه؛ لأنه علامة من المتبايعين (١).
ويقال (٢): أشْرَطَ فُلَانٌ نَفْسَهُ في عمل كذا؛ أي: أعْلَمَها وجعلها له. قال أوس بن حَجَرٍ يصف رَجُلًا تَدَلَّى بِحَبْلٍ من رأس جَبَلٍ إلى نَبِقةٍ ليقطعها ويتخذ منها قَوْسًا:
٢٥٥ - فَأشْرَطَ فِيها نَفْسَهُ، وَهْوَ مُعْصِمٌ... وَألْقَى بِأسْبابٍ لَهُ وَتَوَكَّلا (٣)
стр. 1064
قوله تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ يعني المنافقين، وَعِيدٌ لهم وتهديدٌ، والعرب تتكلم به فِي الوعيد والتعجب، تقول للإنسان إذا كاد أن يَعْطَبَ: أوْلَى لَكَ، أي: قارَبَكَ العَطَبُ (١).
ثم استأنف فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾؛ أي: حَسَنٌ، مجازه: ويقول هؤلاء المنافقون قبل نزول الآية المحكمة: ﴿طَاعَةٌ﴾، وهو رفع على الحكاية، وقيل: هو ابتداء محذوف الخبر، تقديره: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أمْثَلُ أو أحْسَنُ، أو أمْرُنا طاعةٌ (٢)، والمعنى على هذا أن اللَّه قال: لو أطاعوا، وقالوا قولا معروفًا، كان أمْثَلَ وأحْسَنَ، ويجوز أن يكون متصلًا بما قبله على معنى: فَأوْلَى لَهُمْ طاعةٌ للَّهِ ولِرَسُولِهِ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ بالإجابة (٣)؛ أي: لو أطاعوه كانت الطاعة والإجابة
стр. 1065
أوْلَى لهم، وهذا معنى قول ابن عباس (١) في رواية عطاء (٢)، واختيارُ الكسائي (٣).
قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: جَدَّ ولَزِمَ فَرْضُ القتالِ، وصار الأمْرُ مَعْزُومًا عليه، وذلك عند حقائق الأمور، وإن العزيمة للرجال، فَأسْنَدَ العزيمةَ إلى الأمر لأنه فيه، كما يقال: نامَ لَيْلُكَ؛ لأن النوم فيه (٤).
وجواب "إذا" محذوف، يدل عليه قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ (٥) يعني النَّبِيَّ ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من الشك، وتقديره: فإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا، وكَذَبُوا فيما وَعَدُوا من أنفسهم، ولو صَدَقُوا اللَّهَ في إيمانهم وجهادهم، لكان الصدق خَيْرًا لهم من المعصية، وقيل: المعنى: فلو صدقوا اللَّه في القلب كما قالوا باللسان إذْ أُمِرُوا لكان خيرا لهم.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ يقول: لعلكم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتم عن الإسلام وما جاء به محمد ﵇ ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تعودوا إلى ما
стр. 1066
كنتم عليه في الجاهلية، فتُفْسِدُوا ويقتل بعضكم بعضًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ وقرأ نافع: "عَسِيتُمْ" بكسر السين (١)، وقد مضى نظيرها في سورة البقرة (٢).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني المنافقين ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ عن الحق ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ فيعرفون ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُتَمَسِّكِ بالإسلام ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ فلا تَفْهَمُ مَواعِظَ القرآن وأحكامَهُ، يقال: تَدَبَّرْتُ الأمْرَ أي: نَظَرْتُ فِي عاقبته، والتَّدَبُّرُ: هو قَيْسُ دُبُرِ الكلام بِقَلْبِهِ لِيُنْظَرَ: هل يَخْتَلِفُ؟ ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ تَمْيِيزٍ تَدَّبُّرًا (٣).
ومعنى الأقفال هاهنا: الطبْعُ على القلب، والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الإسلام والقرآن.
وفي إضافة الأقفال إلى القلوب تنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بِمَنْزِلةِ الأقفال للأبواب، إذْ ليست للقلوب أقفالٌ حقيقةً (٤)، ومعنى الاستفهام فِي قوله ﴿أَمْ﴾ الإخبارُ أنها كذلك؛ لأن معنى "أمْ" هاهنا "بَلْ".
стр. 1067
فصل
رُوِيَ عن خالد بن مَعْدانَ (١) أنه قال: "ما من الناس أحد إلّا وله أربع (٢) أعين: عينان في وجهه لِدُنْياهُ ومَعِيشَتِهِ، وعينان في قلبه لِدِينِهِ وما وَعَدَ اللَّهُ من الغيب، وما من أحد إلّا وله شيطان مُتبَطِّنٌ فَقارَ ظَهْرِهِ (٣)، عاطِفٌ على عاتِقِهِ (٤)، فاغِرٌ فاهُ إلى ثمرة قلبه، فإذا أراد اللَّهُ بعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عيناه اللتان في قلبه ما وَعَدَ اللَّهُ من الغيب، فَعَمِلَ به، وإذا أرادَ اللَّهُ بعَبْدٍ شَرًّا طَمَسَ عليهما، فذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٥).
ورُوِيَ عن عُرْوةَ بن الزبير أن النبي ﷺ كان يُقْرِئُ شابًّا من أهل اليمن، فقرأ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، فقال الشابُّ: عَلَيْها أقْفالُها، حتى يُفَرِّجَها اللَّهُ، فقال النبي ﷺ : "صَدَقْتَ" (٦).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ قيل: هم المنافقون، وقيل:
стр. 1068
هم كفار أهل الكتاب الذين ارتدوا عن الإيمان بمحمد ﷺ بعد المعرفة به، أي: ارْتَدُّوا على أعقابهم كفارًا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ يعني أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، تبين لهم في التوراة أنه نَبِيٌّ رَسُولٌ، ثم قال: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾؛ أي: زَيَّنَ لهم تَرْكَ الهدى ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾ هذه قراءة أكثر الأئمة، وقرأ أبو عمرو والأعرج وشيبة وعاصم الجحدري: ﴿وَأُمْلَيَ لَهُمْ﴾ على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، وقرأ مجاهد وسلام (١) ويعقوب: ﴿وَأُمْلَي لَهُمْ﴾ بإسكان الياء (٢).
فالقراءة الأولى بمعنى: فَأمْلَى اللَّهُ لهم، والثانية تَؤُولُ إلى هذا المعنى، والثالثة بَيِّنةٌ، أخْبَرَ اللَّهُ تعالى أنه يُمْلِي لهم.
ومعنى ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾؛ أي: أمْهَلَهُمْ ومَدَّ لهم في العُمُرِ؛ لِيَتَمادَوْا في طغيانهم، ولَمْ يُعاجِلْهُمْ بالعقوبة، كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٣)، ويَحْسُنُ الوقفُ على قوله: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾؛ لأنه فعل الشيطان، والإملاءُ فِعْلُ اللَّهِ، وعلى قول الحَسَنِ لا يَحْسُنُ (٤)؛ لأنه يقول في تفسيره: "وَأمْلَى لَهُمْ" مَدَّ لَهُم الشيطانُ في الأمَلِ.
стр. 1069
والإمْلَاءُ مشتق من الْمَلاوةِ، وهي القِطْعةُ من الدهر، ومنه قولهم: مَلَّاكَ اللَّهُ نِعْمةً؛ أي: جَعَلَها مُقِيمةً مَعَكَ، وكذا قولهم: تَمَلَّيْتُ حَبيبًا، أي: عِشْتُ معه حِينًا، والمَلَوانِ: الليلُ والنهارُ (١).
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شَكٌّ، يعني المنافقين ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾، يعني: يظهر اللَّه أحقادَهُمْ والغِشَّ الذي في قلوبهم على المؤمنين، واحدها ضِغْنٌ، فَيُبْدِيَها لهم حتى يعرفوا نِفاقَهُمْ، والضِّغْنُ والضَّغِينةُ: الحِقْدُ، وهو ما يُضْمِرُهُ الإنسانُ من مكروه (٢)، يقال: في قلبه عليه ضِغْنٌ؛ أي: حِقْدٌ، واضْطَغَنْتُ عليكَ ما فَعَلْتَ؛ أي: حَقَدْتُ (٣).
قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾؛ يعني: عَلَّمْناكَهُمْ، وعَرَّفْناكَهُمْ، ودَلَلْناكَ عليهم، تقول العربُ: سأريك ما أصنع؛ أي: سأعلمك، ومنه قوله تعالى: "بما أراكَ اللَّهُ" (٤)؛ أي: بِما أعْلَمَكَ ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعني: بِعَلَاماتِهِم الخبيثَةِ،
стр. 1070
والسِّيما مقصور، وهي العلامة ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾، أي: فَحْواهُ ومَقْصِدِهِ ومَغْزاهُ، يقال: لَحَنْتُ لَهُ ألْحَنُ: إذا قلتَ له قولًا يفهمه عنك، ويَخْفَى على غيرك (١)، قال الشاعر:
٢٥٦ - وَلقدْ لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْما تَفْهَمُوا... وَوَحَيْتُ وَحْيًا لَيْسَ بِالمُرْتابِ (٢)
ويقال: لَحَنَ يَلْحَنُ لَحَنًا: إذا كان جَيِّدَ الحُجّةِ والمَنْطِقِ، ولَحَنَ القارئُ فيما قَرَأ: إذا تَرَكَ الإعرابَ الصوابَ وعَدَلَ عنه.
ولِلّحْنِ وجهان: صَوابٌ وخَطَأٌ، فأما الصواب فالفعل منه: لَحَنَ يَلْحَنُ لَحَنًا -بفتح الحاء-، فهو لَحِنٌ: إذا فَطِنَ للشيءِ، ومنه قول النبي ﷺ : "فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ" (٣)؛ أي: أفْطَنُ وأقْوَمُ بِها، وأما الخطأ فالفعل منه: لَحَنَ يَلْحَنُ لَحْنًا -بإسكان الحاء-، فهو لَاحِنٌ، والأصل فيه إزالة الكلام عن جهته، قال الشاعر:
لَهُمْ (٣٤)﴾ دخلت الفاء فِي خَبَرِ "إنّ"، لأن اسمها ﴿الَّذِينَ﴾ وصلته فِعْلٌ، فَأشْبَهَ المُجازاةَ، فدخلت فيه الفاء، ولو قلت: إنّ زيدًا فَمُنْطَلِقٌ، لَمْ يَجُزْ (١).
قوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾، أي: فلا تَضْعُفُوا، يعني المسلمين، مأخوذ من: وَهَنَ يَهِنُ: إذا ضَعُفَ، والأصل: تَوْهِنُوا، حُذِفَت الواوُ إتْباعًا (٢) ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ عطف عليه، ويَجُوزُ أن يكون جَوابًا (٣)، والمعنى: لا تَبْدَؤوهُمْ بالدعاء إلى السلام، يعنِي: فلا تَضْعُفُوا إلَى الصلح والمُوادَعةِ، وقرأ حَمْزةُ وأبو بكر: "السِّلْمِ" بكسر السين، الباقون بالفتح (٤)، والسِّلْمُ والسَّلْمُ والمُسالَمةُ واحد (٥)،
стр. 1073
وهو الصُّلْحُ بمعنى المسالمة وتَرْكِ الحَرْبِ، وقال يونس بن حبيب (١): السِّلْمُ -مكسورةً-: الإسلامُ، ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢)، والصُّلْحُ سَلْمٌ وسَلَامٌ.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: الغالبون ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصر يا معشر المؤمنين على عدوكم ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾؛ أي: لن يظلمكم، وقيل: لن يَنْقُصَكُمْ ثَوابَ أعمالكم، يقال: وَتَرَهُ يَتِرُهُ وَتْرًا ووِتْرًا وتِرةً: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويقال: وَتَرْتُ الرَّجُلَ: إذا قَتَلْتَ له قتيلًا، أو أخَذْتَ له مالًا بغير حَقٍّ (٣).
والأصل فيه: يَوْتِرَكُمْ، فحُذِفَت الواو لأنها بين ياء وكسرة، وحُذِفَ حرف الجر ليتعدى الفعل إلى مفعولين، مثل قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (٤)، والتقدير عند الأخفش: وَلَنْ يَتِرَكُمْ في أعْمالِكُمْ (٥)، وهو مشتق من الوَتْرِ، وهو الفرد (٦).
стр. 1074
فصل
عن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ فاتَتْهُ صلاةُ العَصْرِ فَكَأنّما وُتِرَ أهْلَهُ وَمالَهُ" (١)؛ أيْ: نُقِصَ وَسُلِبَ، وَقِيلَ: قُطِعَ، وقال ﵇: "مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ حَبطَ عَمَلُهُ" (٢)، فالذي تفوته صلاة العصر لِما فاتَهُ من الأجر والثواب بِمَنْزِلةِ مَنْ أخذَ أهْلُهُ ومالُهُ وبَقِيَ منفردًا، وخُصَّتْ صلاةُ العصر بهذا فِي قول بعض العلماء لأنها الصلاة الوسطى، وقيل (٣): خُصَّتْ بهذا لأنها فِي وقت أشغالهم ومعايشهم، واللَّه أعلم.
ثم حَضَّ على طلب الآخرة فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطل وغرور تَفْنَى وتزول عن قريب ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا بمحمد ﷺ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الفواحش والكبائر ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ يعني: جزاء أعمالكم في الآخرة ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾ كُلَّها فِي الصُّدَقةِ ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾؛ أي: يُجْهِدْكُم بِمَسْألةِ جَمِيعِها، فَتَبْخَلُوا بها
стр. 1075
فلا تعطوها، وهو عطف على ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾، يقال: أحْفَى فلانٌ فُلانًا: إذا أجْهَدَهُ وألْحَفَ عليه فِي المسألة، والإلْحافُ: أن تأخذ كل شيء بيدك (١).
قوله: ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ عطف على جواب الشرط، والمعنى: يظهر بغضكم وعداوتكم للَّهِ ورسولِهِ، ولكنه فَرَضَ عليكم يَسِيرًا رُبُعَ العُشْرِ في أموالكم، قال قتادة (٢): عَلِمَ اللَّهُ أن في مسألة الأموال خُرُوجَ الأضغان.
قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: ما فرض عليهم في أموالهم؛ أي: مما يؤمرون بإخراج ذلك وإنفاقه في طاعة اللَّه ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ بما فرض عليه من الزكاة ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ قال مقاتل: إنما يَبْخَلُ بالخير والفضل في الآخرة عن نفسه ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ عما عندكم من الأموال ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ يعني: عن الإسلام وعما افترضت عليكم ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعني: أمْثَلَ وأطْوَعَ منكم ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ بل يكونوا خَيْرًا منكم وأطْوَعَ، وكل هذه الآيات شرط ومجازاة.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: إن ناسًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه: مَنْ هؤلاء الذين ذَكَرَ اللَّهُ في القرآن إنْ تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا، ثُمَّ لا يكونوا أمْثالَنا؟ قال: وكان سَلْمانُ الفارسيُّ إلى جَنْبِ رسول اللَّه ﷺ فَضَرَبَ
стр. 1076
رسولُ اللَّه ﷺ يَدَهُ على فَخِذِ سَلْمانَ وقال: "هذا وَقَوْمُهُ، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان مَنُوطًا بالثُّرَيّا لتناوله رجالٌ من أهل فارِسَ" (١)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1077
سورة الفتح
مدنية
وهي ألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون حرفًا، وخَمسمائة وستون كلمة، وتسع وعشرون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة الفتح فكأنما كان مع مَنْ شَهِدَ مع محمد ﷺ فَتْحَ مَكّةَ" (١)، وعنه أيضًا أنه قال: "من قرأها فكأنما بايَعَ النَّبِيَّ ﷺ تحت الشجرة" (٢).
وعن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فِي سَفَرٍ، فقال ﵇: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ البارحةَ سورةٌ هِيَ أحَبُّ إلَيَّ من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٣).
стр. 1078
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الفتح أمِنَ من كل داء في الدنيا ومن خوف الآخرة" (١).
وعن يزيد بن هارون (٢) قال: سمعت المسعوديَّ (٣) يَذْكُرُ فقال: بلغني أنه من قرأ في أول ليلة من شهر رمضان: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ في التطوع حُفِظَ ذلك العامَ (٤).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾؛ أي: يَسَّرْنا لك يا محمد يُسْرًا، وقيل: قَضَيْنا لك قَضاءً بَيِّنًا، والفتح هاهنا قيل: هو فتح مكة، وقيل: خَيْبَرُ، وقيل: هو صُلْحُ الحُدَيْبِيةِ، وهو الصحيح، كان فتحا بغير قتال (٥)، ومعنى الفتح
стр. 1079
في اللغة فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والأصل في "إنّا" إنّنا، فحُذفت النون لاجتماع النونات وللألف (١).
قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾؛ أي: ما كان عليك من إثم الجاهلية ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مما يكون، واللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ لامُ القَسَمِ، لَمّا حُذِفَت النونُ من فعله كُسِرَتِ اللامُ، ونُصِبَ فِعْلُها تشبيها بلام "كَيْ" (٢)،
стр. 1080
معناه: إنا فتحنا فتحًا مبينًا، لكي يُجْمَعَ لك مع المغفرة تَمامُ النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيءٌ حادثٌ واقعٌ حَسُنَ معنى "كَيْ"، هكذا ذكره ابن الأنباري عن أبِي عَبّاسٍ المُبَرِّدِ (١).
قوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ يعني: بالإسلام والنبوة والحكمة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾؛ أي: إلى صراط مستقيم، ثم حُذِفَتْ "إلَى"، وانتصب الصراط؛ لأنه مفعول به في المعنى (٢).
ومعنى الآية: ليجتمع لك مع الفتح تَمامُ النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم، وهو الإسلام ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ على عدوك ﴿نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ ذا عِزٍّ لا يقع معه ذُلٌّ.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقوم -يعنِي: فِي الصلاة- حتى تَرِمَ قَدَماهُ، فقيل له: يا رسول اللَّه: أتصنع هذا وقد جاءك من اللَّه
стр. 1081
عَزَّ وَجَلَّ أنْ قَدْ غَفَرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يعني النبي ﷺ ﴿شَاهِدًا﴾ يريد: على هذه الأمة بالرسالة ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ لهم بالنصر في الدنيا، والجنةِ في الآخرة ﴿وَنَذِيرًا (٨)﴾ تُخَوِّفُ النارَ، وقيل: مبشرًا بالجنة للمطيعين ونذيرًا بالنار للعاصين، والنذير من اللَّه: المُعْلِمُ المُخْبِرُ، وهي (٢) منصوبة على الحال من الكاف في "أرْسَلْناكَ"، والعامل فيها "أرْسَلَ" كما أنه هو العامل في صاحب الحال (٣).
قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ يعني: لتصدقوا باللَّه أنه واحد لا شريك له ﴿وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾؛ أي: تُعَظِّمُوهُ وتَنْصُرُوهُ وتُعاوِنُوهُ على أمْرِهِ كُلِّهِ، والتعزير: النُّصْرةُ بالسيف واللسانِ (٤) ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ يعني: تُعَظِّمُوا النَّبِيَّ ﷺ وتُبَجِّلُوهُ، وهاهنا وقف تام، ثم قال فِي التقديم: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ يعني:
стр. 1082
تسبحوا اللَّهَ ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ (١) يريد: تُصَلُّونَ لِله بالغَداةِ والعَشِيِّ، وهما منصوبان على الظرف والحال (٢).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو أرْبَعَتَها بالياء (٣)، واختاره أبو عبيد، قال (٤): لِذِكْرِ اللَّهِ تعالى المؤمنين قبله وبعده، فأما قبله فقوله: ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما بعده فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾، وقرأها الآخرون بالتاء، واختاره أبو حاتم على خطاب الحاضرين (٥)، معناه: قُلْ لهم يا محمد، وقرأ محمد بن السَّمَيْفَعِ: ﴿وَتُعَزِّزُوهُ﴾ بالزّايَيْنِ (٦)، غيره بالزاي والراء.
стр. 1083
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ يعني أعْرابَ غِفارٍ وجُهَيْنةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ ومُزَيْنةَ ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعني بني حنيفة أتباع مُسَيْلِمةَ الكَذّابِ، وهو قول أكثر المفسرين، وقيل: أراد به فارس والروم ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ قرأه العامة بالنون في محل الرفع [عطفًا] على قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ (١)، وفِي حرف أُبَيٍّ: "أوْ يُسْلِمُوا" (٢) يعني: حَتَّى يُسْلِمُوا (٣) كقول امرئ القيس:
٢٥٩ -. . . . أوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرا (٤)
стр. 1084
قوله: ﴿قُلْ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ شرط وجزاء، وقيل: معناه: فإن تطيعوا أبا بكر وعُمَرَ يُؤْتكُم اللَّه أجرًا حسنًا، يعني الجنة ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ تُعْرِضُوا عن طاعتهما ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن طاعة محمد ﷺ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني عام الحُدَيْبيةِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ وهو النار، وهذه الآية تدل على خلافة الشيخينَ أبِي بكر وعُمَرَ ﵄؛ لأن اللَّه تعالى وَعَدَ على طاعتهما الجنةَ، وعلى مخالفتهما النارَ (١).
قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني غنيمة خَيْبَرَ ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: كَفَّ أيْدِيَ الكفار عنكم بإلقاء الرعب في قلوبهم ﴿وَلِتَكُونَ﴾ يعني الغنيمة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على صدق محمد ﷺ ، حيث وعدهم أن يصيبوها ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾؛ أي: إلى صراط مستقيم، وقد تقدم نظيرها (٢).
ثم قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ محل "أُخْرَى" نصب بالعطف على قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾، وتقديره: ووعدكم مغانمَ أخرى (٣)، يريد: مدائن فارس والروم، وقيل (٤): محل "أُخْرَى" رفع بإضمار حرف الصفة،
стр. 1085
تقديره: ولكم مغانمُ أخرى ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾؛ أي: حَواها لكم وحَفِظَها عليكم حتى تفتحوها وتأخذوها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من فتح القرى وغير ذلك ﴿قَدِيرًا (٢١)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أسَدًا وغَطَفانَ وأهل خَيْبَرَ، وقيل: يعني كفار قريش ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ لانْهَزَمُوا عنكم يا معشر المؤمنين؛ لأنّ اللَّهَ ينصركم عليهم ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢)﴾ قال ابن عباس: مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ اللَّه خَذَلَهُ اللَّهُ ولَمْ يَنْصُرْهُ.
ثم ذكر أن سُنّةَ اللَّه النُّصْرةُ لأوليائه، فقال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد: هذه سُنَّتِي في أهل طاعتي وأهل معصيتي، أنْصُرُ أوليائي وأخْذُلُ أعدائي، وانتصب "سُنّةَ اللَّه" لعدم الخافض؛ أي: كَسُنّةِ اللَّهِ الَّتِي قد خَلَتْ (١).
وقيل (٢): هو نصب على المصدر، وقال أبو إسحاق الزجاج (٣): يجوز "سُنّةُ اللَّهِ" بالرفع؛ أي: تلك سنة اللَّه التي قد خلت من قبل في نصر أوليائه وقهر أعدائه ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾.
قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
стр. 1086
الْحَرَامِ﴾ أن تطوفوا به ﴿وَالْهَدْيَ﴾ معطوف على الكاف والميم؛ أي: وصَدُّوا الهَدْيَ ﴿مَعْكُوفًا﴾ يعني: محبوسًا، يقال: عَكَفْتُهُ عن كذا عَكْفًا؛ أي: حَبَسْتُهُ، فَعَكَفَ عُكُوفًا، كما يقال: رَجَعْتُهُ رَجْعًا، فَرَجَعَ رُجُوعًا (١)، ونصب ﴿مَعْكُوفًا﴾ على الحال.
وقوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ يعني مَنْحَرَهُ، وهو حيث يَحِلُّ نَحْرُهُ، يعني الحرم ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ رفع إما بالابتداء وإما بفعل مضمر (٢) تقديره: ولولا ثَبَتَ رجالٌ مؤمنون ﴿وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ يعني المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين الكفار ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾؛ أي: لَمْ تعرفوهم ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ أي: بالقتل، وتقعوا بهم، يقال: وَطِئْتُ القَوْمَ: إذا أوْقَعْتَ بهم، قال الزَّجّاجُ (٣): المعنى: لولا أن تَطَؤُوا رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ والمَعَرّةُ: المَشَقّةُ، وأصلها من الجَرَبِ (٤).
ونصب "فتصِيبَكُمْ" عطفًا على "تَطَؤُوهُمْ" وهو الحَرْبُ، وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ موضعه التقديم؛ لأن التقدير: لولا أن تَطَؤُوهُمْ بغير علم ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ
стр. 1087
فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ اللّام متعلق بمحذوف دَلَّ عليه معنى الكلام على تقدير: حالَ بينكم وبينهم؛ ليدخل اللَّه في رحمته من يشاء (١)، يعني مَنْ أسْلَمَ من الكفار بعد الصلح، هكذا نَظْمُ الآية وحكمُها، فحذف جواب "لَوْلا" استغناءً بدلالة الكلام عليه (٢).
وقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾؛ أي: تَمَيَّزُوا، يعني المؤمنين من الكفار ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ يعني: بالقتل والسَّبْيِ بأيديكم.
قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ﴾ مفعول ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ نصب على البدل من الأُولَى، وذلك حين صَدُّوا رسولَ اللَّه ﷺ عن البيت، ومَنَعُوهُ الطوافَ، ولَمْ يُقِرُّوا برسالته. و ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ﴾ من صلة قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾.
والحَمِيّةُ "فَعِيلةٌ" من قول القائل: حَمَى فلانٌ أنْفَهُ يَحْمِي حَمِيّةً ومَحْمِيةً (٣)، قال المتلمس (٤):
стр. 1088
٢٦٠ - ألا إنّنِي مِنْهُمْ وَعِرْضِيَ عِرْضُهُمْ... كَذِي الرَّأْسِ يَحْمِي أنْفَهُ أنْ يُهَشَّما (١)
أي: يَمْنَعُ، وكل ما مَنَعْتَهُ أي: حَمَيْتَهُ.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ حتى لا يَدْخُلَهُمْ ما دَخَلَ الكُفّارَ من الحَمِيّةِ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ وهي: لا إله إلا اللَّه، كلمة الإخلاص التي يُتَّقَى بها من الشرك ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ يعني: وكان المؤمنون أحَقَّ بها من كفار مكة، وكانوا أهْلَها في عِلْمِ اللَّه؛ لأن اللَّه تعالى اختار لدينه ولِنَبيِّهِ أهل الخير ومَنْ هو أوْلَى بالهداية مِنْ غيرهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾ من أمْرِ الفريقين.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ هما مفعولان، وهي الرؤيا التي أراها اللَّهُ نَبِيَّهُ في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يَدْخُلُ هو وأصحابُهُ المسجدَ الحرامَ، فقال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ اللام لام جواب القسم المضمر، والنون توكيد لفعل جماعة الرجال؛ ولهذا ضَمَمْتَ ما قبل النون، والتقدير: واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ المسجدَ الحرامَ ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ كلها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بَعْضَها.
стр. 1089
قال أبو عبيدة (١): "إنْ" هاهنا بمعنى "إذْ"، مَجازُهُ: إذْ شاء اللَّه، حيث أرَى رَسُولَهُ ذلك، وقيل (٢): الاستثناء من المخلوقين؛ لأنهم لا يعرفون عواقب الأمور، وقيل (٣): خُوطِبَ الناسُ بما يعرفون؛ لأن الاستثناء لا يكون في البِشارةِ، فيكون فيها فائدة.
ونصب ﴿آمِنِينَ﴾ و ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ على الحال، وزعم الفراء أنه يجوز ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤)، يعني: بَعْضُكُمْ كَذا وبَعْضُكُمْ كَذا، وأنشد:
وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودُ (٥)
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ من الضلالة ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ يعني دين الإسلام؛ لأن كُلَّ دِينٍ باطِلٌ غَيْرَ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعني: على مِلّةِ اهل الأديان كلها ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ بأنك نَبِيٌّ صادقٌ فيما تخبر به، ونصب ﴿شَهِيدًا﴾ على التفسير، وقيل: على الحال والقطع، وقد تقدم نظيره في مواضع من القرآن.
стр. 1090
قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، تَمَّ الكلامُ هاهنا، ثم قال مبتدئًا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني: من المؤمنين، الواو فيه استئناف، و ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ في محل الرفع بالابتداء ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ يعني: غِلَظًا كقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١) ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أىِ: مُتَوادُّونَ متواضعون، بعضهم لبعض كالوَلَدِ لِوالِدِهِ، والعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إخبار عن كثرة صلاتهم ومُداوَمَتِهِمْ عليها، وأصل الرُّكُوعِ: الانْحِناءُ، يقال: رَكَعَ الشَّيْخُ: إذا انْحَنَى من الكِبَرِ، قال لبيد:
٢٦١ - أدِبُّ كَأنِّي كُلَّما قُمْتُ راكِعُ (٣)
والسجود: الانحناء أيضًا، وهما منصوبان على الحال.
وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يعني رزقًا، وهو الجنة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ يعني رِضاءَ اللَّهِ ﴿سِيمَاهُمْ﴾؛ أي: علامتهم ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قرأ الأعرج: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ساكنة الثاء (٤)، وقرأ الباقون بالفتح،