الْحَرَامِ﴾ أن تطوفوا به ﴿وَالْهَدْيَ﴾ معطوف على الكاف والميم؛ أي: وصَدُّوا الهَدْيَ ﴿مَعْكُوفًا﴾ يعني: محبوسًا، يقال: عَكَفْتُهُ عن كذا عَكْفًا؛ أي: حَبَسْتُهُ، فَعَكَفَ عُكُوفًا، كما يقال: رَجَعْتُهُ رَجْعًا، فَرَجَعَ رُجُوعًا (١)، ونصب ﴿مَعْكُوفًا﴾ على الحال.
وقوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ يعني مَنْحَرَهُ، وهو حيث يَحِلُّ نَحْرُهُ، يعني الحرم ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ رفع إما بالابتداء وإما بفعل مضمر (٢) تقديره: ولولا ثَبَتَ رجالٌ مؤمنون ﴿وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ يعني المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين الكفار ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾؛ أي: لَمْ تعرفوهم ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ أي: بالقتل، وتقعوا بهم، يقال: وَطِئْتُ القَوْمَ: إذا أوْقَعْتَ بهم، قال الزَّجّاجُ (٣): المعنى: لولا أن تَطَؤُوا رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ والمَعَرّةُ: المَشَقّةُ، وأصلها من الجَرَبِ (٤).
ونصب "فتصِيبَكُمْ" عطفًا على "تَطَؤُوهُمْ" وهو الحَرْبُ، وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ موضعه التقديم؛ لأن التقدير: لولا أن تَطَؤُوهُمْ بغير علم ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ
стр. 1087
فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ اللّام متعلق بمحذوف دَلَّ عليه معنى الكلام على تقدير: حالَ بينكم وبينهم؛ ليدخل اللَّه في رحمته من يشاء (١)، يعني مَنْ أسْلَمَ من الكفار بعد الصلح، هكذا نَظْمُ الآية وحكمُها، فحذف جواب "لَوْلا" استغناءً بدلالة الكلام عليه (٢).
وقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾؛ أي: تَمَيَّزُوا، يعني المؤمنين من الكفار ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ يعني: بالقتل والسَّبْيِ بأيديكم.
قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ﴾ مفعول ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ نصب على البدل من الأُولَى، وذلك حين صَدُّوا رسولَ اللَّه ﷺ عن البيت، ومَنَعُوهُ الطوافَ، ولَمْ يُقِرُّوا برسالته. و ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ﴾ من صلة قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾.
والحَمِيّةُ "فَعِيلةٌ" من قول القائل: حَمَى فلانٌ أنْفَهُ يَحْمِي حَمِيّةً ومَحْمِيةً (٣)، قال المتلمس (٤):
стр. 1088
٢٦٠ - ألا إنّنِي مِنْهُمْ وَعِرْضِيَ عِرْضُهُمْ... كَذِي الرَّأْسِ يَحْمِي أنْفَهُ أنْ يُهَشَّما (١)
أي: يَمْنَعُ، وكل ما مَنَعْتَهُ أي: حَمَيْتَهُ.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ حتى لا يَدْخُلَهُمْ ما دَخَلَ الكُفّارَ من الحَمِيّةِ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ وهي: لا إله إلا اللَّه، كلمة الإخلاص التي يُتَّقَى بها من الشرك ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ يعني: وكان المؤمنون أحَقَّ بها من كفار مكة، وكانوا أهْلَها في عِلْمِ اللَّه؛ لأن اللَّه تعالى اختار لدينه ولِنَبيِّهِ أهل الخير ومَنْ هو أوْلَى بالهداية مِنْ غيرهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾ من أمْرِ الفريقين.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ هما مفعولان، وهي الرؤيا التي أراها اللَّهُ نَبِيَّهُ في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يَدْخُلُ هو وأصحابُهُ المسجدَ الحرامَ، فقال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ اللام لام جواب القسم المضمر، والنون توكيد لفعل جماعة الرجال؛ ولهذا ضَمَمْتَ ما قبل النون، والتقدير: واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ المسجدَ الحرامَ ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ كلها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بَعْضَها.
стр. 1089
قال أبو عبيدة (١): "إنْ" هاهنا بمعنى "إذْ"، مَجازُهُ: إذْ شاء اللَّه، حيث أرَى رَسُولَهُ ذلك، وقيل (٢): الاستثناء من المخلوقين؛ لأنهم لا يعرفون عواقب الأمور، وقيل (٣): خُوطِبَ الناسُ بما يعرفون؛ لأن الاستثناء لا يكون في البِشارةِ، فيكون فيها فائدة.
ونصب ﴿آمِنِينَ﴾ و ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ على الحال، وزعم الفراء أنه يجوز ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤)، يعني: بَعْضُكُمْ كَذا وبَعْضُكُمْ كَذا، وأنشد:
وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودُ (٥)
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ من الضلالة ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ يعني دين الإسلام؛ لأن كُلَّ دِينٍ باطِلٌ غَيْرَ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعني: على مِلّةِ اهل الأديان كلها ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ بأنك نَبِيٌّ صادقٌ فيما تخبر به، ونصب ﴿شَهِيدًا﴾ على التفسير، وقيل: على الحال والقطع، وقد تقدم نظيره في مواضع من القرآن.
стр. 1090
قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، تَمَّ الكلامُ هاهنا، ثم قال مبتدئًا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني: من المؤمنين، الواو فيه استئناف، و ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ في محل الرفع بالابتداء ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ يعني: غِلَظًا كقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١) ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أىِ: مُتَوادُّونَ متواضعون، بعضهم لبعض كالوَلَدِ لِوالِدِهِ، والعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إخبار عن كثرة صلاتهم ومُداوَمَتِهِمْ عليها، وأصل الرُّكُوعِ: الانْحِناءُ، يقال: رَكَعَ الشَّيْخُ: إذا انْحَنَى من الكِبَرِ، قال لبيد:
٢٦١ - أدِبُّ كَأنِّي كُلَّما قُمْتُ راكِعُ (٣)
والسجود: الانحناء أيضًا، وهما منصوبان على الحال.
وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يعني رزقًا، وهو الجنة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ يعني رِضاءَ اللَّهِ ﴿سِيمَاهُمْ﴾؛ أي: علامتهم ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قرأ الأعرج: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ساكنة الثاء (٤)، وقرأ الباقون بالفتح،
стр. 1091
وَأثَرٌ وَإثْرٌ واحد (١)، ﴿ذَلِكَ﴾ يعني الذي ذكره من نعت أمة محمد ﷺ ﴿مَثَلُهُمْ﴾ يعني صفتهم ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾، وتَمَّ الكلامُ، ثم استأنف (٢) وقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾؛ أي: وَصْفُهُمْ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ يعني نَباتَهُ (٣)، وقيل (٤): سُنْبُلَهُ حين يُسَنْبِلُ نَباتُهُ، وقيل (٥): فُرُوخُهُ، وجمعه أشْطاءٌ. والعرب تقول: أشْطَأ الزَّرْعُ فهو شَطْء ومُشْطِئٌ: إذا انْبَسَطَ، واسْتَأْزَرَ: إذا فَرَّخَ (٦)، قال الشاعر:
٢٦٢ - أخْرَجَ الشَّطْءَ عَلَى وَجْهِ الثَّرَى... وَمِنَ الأشْجارِ أفْنانُ الثَّمَرْ (٧)
стр. 1092
واختلف القُرّاءُ فيه، فقرأ العامة بجزم الطاء، وقرأ أهل مكة والشام بفتحه، وقرأ أنسٌ ويحيى بنُ وثاب: "شَطاهُ" مثل: عَصاهُ، وقرأ الجحدري: "شَطَهُ" بلا همزة (١)، وكلها لغات، والشَّطْءُ والشَّطَأُ لغتان كالبَعْرِ والبَعَرِ، وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ للنبي ﷺ إذْ أُخْرِجُ وَحْدَهُ ثم قَوّاهُ اللَّهُ بأصحابه (٢).
قوله: ﴿فَآزَرَهُ﴾؛ أي: فَساواهُ في طُولِهِ، وقيل: شَدَّهُ وأعانَهُ وقَوّاهُ، وقرأ ابن عامر: "فَأزَرَهُ" (٣) مقصورًا، قال الفراء (٤): يقال: أزَرْتُ فُلَانًا أزِرُهُ أزْرًا: إذا قَوَّيْتَهُ ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾، أي: غَلُظَ ذلك الزرعُ وقَوِيَ واشْتَدَّ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ يعني: قام
стр. 1093
على قُضُبِهِ (١) وأُصُولِهِ، وقرأ قُنْبُل: "سُؤْقِهِ" (٢) بالهمز ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ حَسُنَ زَرْعُهُ حين استوى قائما على سُوقِهِ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ يعني: يغيظهم كَثْرةُ المؤمنين واجتماعهم، والغيظ: اجتماع الغضب ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ يعني: جزاء عظيمًا وهو الجنة.
وقوله: "مِنْهُمْ" قال الزجاج (٣): هو تخليص للجنس، وليس يريد بعضهم؛ لأنهم كُلَّهُمْ مؤمنون، وقال صاحب "إنسان العين" (٤): "مِنْهُمْ" للتبعيض؛ إذ المنافقون أيضًا كانوا يُؤازِرُونَ، أو للجنس كقول الزجاج، نحو قولك: أنْفِقْ مِنَ الدراهم لا الدنانير.
فصل
في معنى قوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ يعني محمدًا ﷺ "فَآزَرَهُ" بِأبِي بكر، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ بِعُمَرَ، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ بعثمان، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾
стр. 1094
عَلِيُّ بن أبِي طالب، ﴿لِيَغِيظَ﴾ اللَّهُ بالنبي ﷺ وأصحابه ﴿الْكُفَّارَ﴾ (١).
ورَوَى أنسُ بنُ مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن مثل أصحابي في أُمَّتِي كمثل الملح فِي الطعام، لا يصلح الطعام إلّا بالملح"، قال الحسنَ: "ذَهَبَ مِلْحُنا فكيف نَصْلُحُ؟ " (٢).
وقال سفيان بن عُيَيْنةَ (٣): "الرّافِضِيُّ كافر؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، فمن غاظَهُ أصحابُ رسول اللَّه ﷺ فهو كافر"، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1095
سورة الحجرات
مدنيّة
وهي ألف وأربعمائة وستة وسبعون حرفًا، وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمة، وثمانِي عشرة آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الحُجُراتِ أُعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَنْ أطاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصاهُ" (١).
ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الحُجُراتِ جاوَرَ بها محمدًا ﷺ في دار السلام".
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ "يا" حرف يُنادَى به، و"أيُّ" مضمومة لأنها نداء مفرد، و"ها" للتنبيه، و"الَّذِينَ" في موضع رفع نعت لـ "أيُّ"، ومن
стр. 1096
العرب من يقول: "اللَّذُونَ" (١)، و"آمَنُوا" صلة للذين (٢).
وقوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأه العامة بضم التاء وكسر الدال من التقديم، وقرأ الضحاك ويعقوب بفتحها من التَّقَدُّمِ، و"لا" حرف نهي، و"تَقَدَّمُوا" (٣) جزم بالنهي، وبعض النحويين يقول: هو جزم بـ "لا" لشبهها بـ "لَمْ"، وبعضهم يقول: لِقُوَّتها في قلب الفعل إلى المستقبل لا غَيْرُ (٤).
ومعنى بين اليدين يريد به: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين اليدين عبارة عن الأمامِ؛ لأن ما بين يدي الإنسان أمامه، قال أبو عبيدة (٥): والعرب تقول: لا تَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبين يَدَيِ الأبِ.
قال جابر ﵁ (٦): نزلت هذه الآية فِي النهي عن الذَّبْحِ يوم الأضحى قبل الصلاة؛ أي: لا تذبحوا قبل ذَبْحِ النَّبِيِّ ﷺ ، وذلك أن ناسًا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي ﷺ ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، وقالت عائشة ﵂: "نزلت فِي النهي عن صوم يوم الشك؛ أي: لا تصوموا قبل أن يصوم نَبِيُّكُمْ" (٧).
стр. 1097
وقيل: معناه: لا تَمْشُوا بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، وكذلك بين يدي العلماء، فإنهم وَرَثةُ الأنبياء، ودليل هذا التأويل ما رُوِيَ عن أبِي الدَّرْداءِ ﵁ قال: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ أمشي أمام أبِي بَكْرٍ ﵁، فقال: "أتَمْشِي أمامَ مَنْ هو خَيْرٌ منك فِي الدنيا والآخرة، ما طلعت الشمس ولا غَرَبَتْ على أحد بعد النبيين والمرسلين خَيْرٍ وأفْضَلَ من أبِي بكر" (١).
وقيل (٢): معناه: لا تَكَلَّمُوا قبل أن يتكلم النبي ﷺ ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِي تضييع حَقِّهِ الذي فرضه عليكم، وكَلَّفَكُم القيامَ لنبيه ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما تقولون ﴿عَلِيمٌ (١)﴾ بِما تفعلون.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ "فَوْقَ" نصب على الظرف ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ هذا أدَبٌ من اللَّه تعالى أدَّبَهُمْ إذا كانوا عند النبي ﷺ ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوته، وأن يُوَقِّرُوهُ ويُعَظِّمُوهُ، وكان واللَّهِ أهلًا لذلك ﷺ .
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ "أنْ" فِي موضع نصب، تقول العرب: أسْنِد الحائطَ أنْ يَمِيلَ (٣)، قال الزجاج (٤): المعنى: لِئَلّا تَحْبَطَ أعمالُكُمْ، وهي عنده مثل قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٥)، وهذه
стр. 1098
اللام تسمى لام الصيرورة، والمعنى: كَيْ لَا تَبْطُلَ حسناتُكُمْ ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾؛ أي: لا تشعرون أن أعمالكم قد حَبِطَتْ.
قيل: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس بن الشَّمّاسِ (١)، وكان جَهْوَرِيَّ الصوتِ (٢)، فربما كان يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَتَأذَّى بصوته، فنَزَلَتْ هذه الآية، وهذا يدل على أنه يُحِبُّ أن يُعَظَّمَ النَّبِيُّ ﷺ غايةَ التعظيم، ولَمّا نزلت هذه الآية حَبَسَ ثابت بن قيس نَفْسَهُ في بيته، وكان في أذنيه صَمَمٌ، فقال: أخاف أن أكون ممن حَبِطَ عَمَلُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، وكنتُ أرفع صوتِي فوق صوت رسول اللَّه ﷺ ، فبعث النَّبِيُّ ﷺ إليه: "ما الذي منعك من الحضور"؟ فقال: أخاف أن أكون من أهل النار، فقال: "بل أنت من أهل الجنة" (٣)، فَقُتِلَ يوم اليمامة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الغَضُّ: النَّقْصُ من كل شيء ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ قال الفراء (٤): أخْلَصَ قُلُوبَهُمْ للتقوى، كما يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ بالنار فَيَخْرُجُ جَيِّدُهُ مِنْ رَدِيئهِ، ويَسْقُطُ خَبِيثُهُ من صالحه، وتقدير الكلام على هذا: امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، فَأخْلَصَها للتقوى، فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ جَزاءٌ وافِرٌ، وهو الجنة.
стр. 1099
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ رفع ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ على الخبر (١)، ويَجُوزُ النصب على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ (٢).
نزلت هذه الآية في بني تميم، قَدِمُوا على النَّبِيِّ ﷺ لِفِداءِ ذَرارِيهِمْ، فَنادَوْا: يا محمدُ: اخْرُجْ إلينا، وقد كان النبيُّ ﷺ نامَ لِلْقائِلةِ، فَتَأذَّى بأصواتهم، ولَمْ يعلموا في أيِّ حُجْرةٍ هُوَ؟ وكانوا يطوفون على حُجُراتِ أزْواجِهِ، فَوَصَفَهُم اللَّهُ بالجهل وقِلّةِ العقل (٣).
والحُجُراتُ جمع الحُجَرِ، والحُجَرُ جمع حُجْرةٍ، فهو جَمْعُ الجمعِ (٤)، وفيه لغتان: فتح الجيم، وهي قراءة أبِي جعفر (٥)، كقول الشاعر:
стр. 1100
٢٦٣ - فَلَمّا رَأوْنا بادِيًا رُكَباتُنا... عَلَى مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجِدَّ بِالهَزَلْ (١)
وضَمُّ الجِيمِ، وهي قراءة الباقين، والضم أجود (٢) كقول الشاعر:
٢٦٤ - أما كانَ عَبّادٌ كَفِيئًا لِدارِمٍ؟ ... بَلَى وَلأبْياتٍ بِها الحُجُراتُ (٣)
يعني: بَلَى وَلِبَنِي هاشِمٍ.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾؛ أي: بِخَبَرِ كَذِبٍ، يعني الوليد بن عقبة بن أبِي مُعَيْطٍ، بَعَثَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ مُصَدِّقًا (٤) إلى بني المُصْطَلِقِ،
стр. 1101
فلما سمعوا به اجتمعوا لِيَتَلَقَّوْهُ تعظيمًا لأمْرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ولِرَسُولِهِ، فَحَدَّثَهُ الشيطانُ أنهم يريدون قَتْلَهُ، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، فَفَرِقَ الوليدُ منهم وهابَهُمْ، فرجع إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: إن بني المصطلق قد مَنَعُوا الصَّدَقةَ، وارْتَدُّوا، وأرادوا قَتْلِي، وهم بَراءٌ من ذلك، فنَزَلَتْ هذه الآية، وسَمّاهُ اللَّهُ فاسقًا (١).
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا﴾؛ أي: لِئَلّا تصيبوا بالقتل والقتال (٢) ﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ بحالهم وما هُمْ عليه من الإسلام والطاعة، وقرأ حمزة والكسائي: "فَتَثَبَّتُوا" (٣) بالتاء والثاء من الثَّباتِ، وهو أبلغ في المعنى؛ لأن الإنسان قد يَتَثَبَّتُ ولا يَتَبَيَّنُ، وإذا تَبَيَّنَ فقد تَثَبَّتَ.
وقوله: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ عطف على ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾؛ أي: تَنْدَمُوا على إصابتهم بالخطأ، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ هَمَّ بالإيقاع بهم حتى نزلت هذه الآية.
ثم وَعَظَهُمْ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ معناه: اتقوا اللَّه أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإن اللَّهَ يُخْبِرُ نَبِيَّهُ ﷺ فَتَفْتَضِحُوا، ثم قال:
стр. 1102
﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ يعني الرسول ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ يعني: لأثِمْتُمْ وهَلَكْتُمْ، والعَنَتُ: الضَّرَرُ والفَسادُ والهَلَاكُ في الدِّينِ، يقال: أعْنَتُّ الرَّجُلَ: إذا حَمَلْتَ عليه عامدًا بما يَكْرَهُهُ (١).
ثم خاطَبَ المؤمنين الذين لا يَكْذِبُونَ، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ جعله أحَبَّ الأديان إليكم ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حتى اخْتَرْتُمُوهُ ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾.
ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر عنهم، فقال -عَزَّ مِنْ قائِلٍ-: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ المهتدون إلى محاسن الأمور، نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢)، وقال النابغة:
٢٦٥ - يا دارَ مَيّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ... أقْوَتْ وَطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ (٣)
стр. 1103
ثُمَّ بيَنَ أن جميع ذلك تَفَضُّلٌ من اللَّه تعالى فقال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ انتصب على المفعول من أجله؛ أي: لِلْفَضْلِ (١)، وقيل (٢): على المصدر، وإن شئت على إضمار "كانَ"، أي: كان جميع ذلك فضلًا من اللَّه ونعمةً (٣) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما فيه صَلَاحِ خَلْقِهِ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ﴿حَكِيمٌ (٨)﴾ فِي تدبيره بالعدل.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ بالدعاء إلى حُكْمِ كتاب اللَّه، والرضا بما فيه لهما وعليهما، قال أكثر المفسرين: وَقَفَ رسولُ اللَّه ﷺ ذات يوم في مجلس من مجالس الأنصار، وهو على حمار، فَبالَ حِمارُهُ، فأمسك عبد اللَّه بن أُبَيٍّ أنْفَهُ، وقال: آذانِي نتَنُ حِمارِكَ، فقال عبد اللَّه بن رَواحةَ: واللَّهِ لَبَوْلُ حِمارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أطْيَبُ مِنْكَ رِيحًا،
стр. 1104
فغضب لعبد اللَّه بن أُبَيٍّ رَجُلٌ من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابُهُ، حتى اسْتَبُّوا، وكان بينهم ضَرْبٌ بالجَرِيدِ والأيْدِي والنِّعالِ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فلما قرأها رسول اللَّه ﷺ عليهم اصطلحوا وكَفَّ بَعْضُهُمْ عن بعض (١)، وارتفع "طائِفَتانِ" على إضمار فعل تقديره: وَإنِ اقْتَتَلَ طائِفَتانِ، أو: وَإنْ كانَ طائِفَتانِ (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يعني: بَيْنَ كل مُسْلِمَيْنِ تَخاصَما وتَقاتَلا، وهذه قراءة العامة، ومعنى الاثنين تَأتَّى على الجميع؛ لأن تأويله: بَيْنَ كُلِّ أخَوَيْنِ، وقرأ ابن سِيرِينَ (٣) ويعقوبُ: ﴿بَيْنَ إِخَوَتِكُمْ﴾ بالجمع، وقرأ الحسن: ﴿بَيْنَ إخْوانِكُمْ﴾ بالألف والنون (٤) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تَعْصُوهُ ولا تخالفوا أمْرَهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾.
стр. 1105
فصل
عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يَلْطِمُهُ ولا يَشْتُمُهُ، ومن كان فِي حاجة أخيه، كان اللَّه فِي حاجته، ومن فَرَّجَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدنيا، فَرَّجَ اللَّهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يوم القيامة" (١).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾؛ أي: لا يَسْتَهْزِئ الرجلُ بأخيه، فيقول له: إنك رديء المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك مما ينتقصه به، ولعله خير منه عند اللَّه، وهو قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ والقوم: اسم يجمع الرجال والنساء، وخص هاهنا الرجال بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ (٢)، قال زهير:
٢٦٦ - وَما أدْرِي وَلَسْتُ إخالُ أدْرِي... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟ (٣)
стр. 1106
وقوم الرجل: شِيعَتُهُ وعَشِيرَتُهُ، وسُمُّوا قَوْمًا لأنهم يقومون معه في العواقب وعند الشدائد، وينصرونه (١).
قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: لا تَعِيبُوا إخوانَكُم الذين هم كأنفسكم، ولا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ على بعض، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢)، أي: لا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وكقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣)، يعني: يسلم بعضكم على بعض.
واللَّمْزُ؛ أي: العَيْبةُ فِي المَشْهَدِ، والهَمْزُ فِي المَغِيبِ (٤)، وقيل (٥): اللَّمْزُ يكون باللسان والعَيْنِ والإشارةِ، والهَمْزُ لا يكون إلا باللسان، قال الشاعر:
٢٦٧ - إذا لَقِيتُكَ عَنْ شَحْطٍ تُكاشِرُنِي... وَإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ (٦)
стр. 1107
قوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ التَّنابُزُ: التفاعل من النَّبْزِ، وهو مصدر والنَّبَزُ الاسم، والألقاب جمع لَقَبٍ، وهو أن يُسَمِّيَهُ بغير اسمه، قال المفسرون: هو أن يقول الرجل لأخيه المسلم: يا فاسق! يا منافق! يا كافر، وقيل: هو أن يُعَيِّرَهُ بما كان يعمل من السيئات بعد التوبة منها، فنَهَى اللَّهُ أن يُعَيَّرَ الإنسانُ بما سَلَفَ من عمله، وقيل: هو كل شيء أخْرَجْتَ به أخاك من الإسلام كقولك له: يا كلب، يا خنزير، يا حمار.
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾؛ أي: بئس الاسم أن يقول لِمَنْ آمَنَ: يا فاسقُ! يا يهوديُّ! يا نَصْرانِيُّ! ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ يعني: من التنابز ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ المُجاوِزُونَ ما نَهاهُم اللَّه عنه، وهو شرط وجزاء.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ قيل: معناه: إن كُلَّ الظَّنِّ إثْمٌ، قال الحسن (١): أمَرَهُم اللَّهُ باجتناب الظَّنِّ كُلِّهِ، وأخْبَرَ أنه إثْمٌ كُلُّهُ، إلا ما كان منه حَسَنًا تَظُنُّهُ بأخيك المسلمِ، وما كان سوى ذلك فهو إثم كُلُّهُ، ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ قرأ العامة بالجيم، وقرأ ابن عباس وأبو رجاء العُطارِدِيُّ
стр. 1108
والحسنُ بالحاء (١)، قال الأخفش (٢): ليس تَبْعُدُ إحداهما عن الأخرى، إلّا أن التجسس بالجيم عما يُكْتَمُ ويُوارَى، ومنه الجاسوس، والتَّحَسُّسُ بالحاء طلب الأخبار والبحث عنها.
ويقال (٣): إن التجسس بالجيم للشر لا غير، والتحسس بالحاء للخير والشر. معنى الآية: خُذُوا ما ظَهَرَ، ودَعُوا ما سَتَرَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ الناس وعُيُوبَهُمْ.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إيّاكُمْ والظَّنَّ، فإن الظَّنَّ أكْذَبُ الحديث، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَقاطَعُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكونوا عبادَ اللَّه إخوانًا" (٤).
قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ أي: ولا يُعَيِّرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، والغِيبةُ أن
стр. 1109
يُقالَ فِي الرجل مِنْ خَلْفِهِ ما فيه، وإذا اسْتُقْبِلَ به فتلك المُجاهَرةُ، فإذا قيل فيه ما ليس فيه فذلك البَهْتُ (١).
وقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ قرأ نافع: ﴿مَيِّتًا﴾ بالتشديد (٢)، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهو منصوب على الحال، وقرأ أبو سعيد الخُدْرِيُّ: ﴿فَكُرِّهْتُمُوهُ﴾ (٣) بالتشديد على غير تسمية الفاعل، الباقون بالتخفيف، والمعنى: فكما تكرهون ذلك فاكرهوا غيبةَ أخيكم المسلم (٤)،
стр. 1110
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِحَقِّهِ الذي فَرَضَ عليكم، فأطيعوه فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ على من تاب إليه من ذنوبه ﴿رَحِيمٌ (١٢)﴾ بِخَلْقِهِ فلا أرْحَمَ منه.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ سُئِلَ عن الغِيبةِ: ما هي؟ قال: "ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ"، قال: فإن كان في أخي ما أقولُ، قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغْتَبْتَهُ، وإن لَمْ يكن ما قلتَ فيه فقد بَهَتَّهُ" (١).
ورُوِيَ عن أبي حكيم العَنْبَرِيِّ قال: سألتُ عائشةَ ﵂ عن الغِيبةِ، فقالتْ؛ عَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، دخلت امرأةٌ على رسول اللَّه ﷺ ، فَجَعَلَتْ تسألُهُ عن حاجتها، وكانت امرأةً جميلةً، إلا أنها كانت قصيرة، فلما خَرَجَتْ قُلْتُ: ما رأيتُ كاليوم امرأةً أجْمَلَ منها إلا أنها قصيرةٌ، فقال النبي ﷺ : "اغْتَبْتِها؛ لأنكِ نَظَرْتِ إلى أسوأ ما فيها فَذَكَرْتهِ" (٢).
وعن أبِي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لَيْلةَ أُسْرِيَ بِي مَرَرْتُ في السماء بقوم يُقَطَّعُ اللَّحْمُ من جُنُوبِهِمْ، ثم يُلْقَمُونَهُ، ثم يقال لهم: كُلُوا ما كنتم تأكلون من لحمِ أخيكم، قلت: يا جبريل: مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك الهَمّازُونَ اللَّمّازُون" (٣)، يعني: المغتابين.
стр. 1111
وعن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَمّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بقوم لهم أظْفارٌ من نُحاسٍ، يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ، فقلتُ: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويَقَعُونَ فِي أعراضهم" (١).
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وأبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "إيّاكُمْ والغِيبةَ، فإن الغيبة أشَدُّ من الزِّنا"، قيل: وكيف ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "إن الرجل يَزْنِي ويَتُوبُ، فَيَتُوبُ اللَّهُ عليه، وإن صاحب الغيبة لا يُغْفَرُ له حتى يَغْفِرَ له صاحِبُهُ" (٢).
وعن سَهْلِ بن سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اغتاب أحدُكم أخاه مِنْ خَلْفِهِ فَلْيَسْتَغْفِرْ له، فإن ذلك كَفّارةٌ له" (٣).
وعن ابن شَوْذَبٍ (٤) قال: قال رَجُلٌ لابن سِيرِينَ: إنِّي قد اغْتَبْتُكَ، فاجعلني فِي حِلٍّ، قال: أكْرَهُ أنْ أُحِلَّ ما حُرِّمَ (٥).
стр. 1112
ورُوِيَ عن عيسى ﵇ أنه قال لأصحابه: "أرأيتم لو أن أحَدَكُمْ رَأى أخاه المسلمَ قد كَشَفَ الرِّيحُ ثِيابَهُ؟ قالوا: سبحان اللَّه! إذَنْ كُنّا نَرُدُّها عليه، قال: بل كنتم تكشفون ما بَقِيَ، تسمعون للرجل سَيِّئةً، فتذكرون أكثرَ من ذلك" (١)، فَضَرَبَ لهم مَثَلًا.
ورُوِيَ عن خالد الرَّبَعِيِّ (٢) قال: كنتُ في المسجد الجامع وفيه جماعة، فَتَناوَلُوا رَجُلًا، فنَهَيْتُهُمْ عن ذلك، فَكَفُّوا عنه، وأخذوا عن غيره، ثم عادوا إليه، فدخلتُ معهم في شيء من أمره، فرأيتُ في تلك الليلةَ في المنام كأنه أتانِي رَجُلٌ أسْوَدُ طويلٌ جدا، ومعه طَبَقٌ عليه قطعة من لحم خِنْزِيرٍ، فقال لِي: كُلْ، فقلتُ: آكُلُ لَحْمَ الخنزير؟! واللَّه لا أكَلْتُهُ، فانْتَهَرَنِي انتهارًا شديدًا، وقال: قد أكَلْتَ ما هو شَرٌّ منه، فَجَعَلَ يَدُسُّهُ فِي فِيَّ حتى استيقظتُ من منامي، فواللَّه لقد مَكَثْتُ ثلاثين يوما أو أربعين يوما ما أكلتُ طعاما إلّا وَجَدْتُ طَعْمَ ذلك اللحم ونَتَنَهُ فِي فَمِي.
ويقال: ثلاثة لا تكون غيبتهم غيبةً: سلطان جائر، وفاسقٌ مُعْلِنٌ بِفِسْقِهِ، وصاحبُ بِدْعةٍ، يعني: إذا ذَكَرَ فِعْلَهُمْ، فلو ذَكَرَ شَيْئًا من أديانهم يَعِيبُ منهم ذلك، لكان ذلك غِيبةً عنهم، ولكن إذا ذَكَرَ فِعْلَهُمْ ومَذْهَبَهُمْ فلا بأس؛ لكي يَحْذَرَهُم
стр. 1113
الناسُ، وقد قال ﵇: "اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فيه يَحْذَرْهُ النّاسُ" (١).
قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ آدم وحواء، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ جمع شَعْبٍ، وهي رُؤوسُ القبائل مثل رَبيعةَ ومُضَرَ والأوْسِ والخَزْرَجِ، واحدها شَعْبٌ بفتح الشين، سُمُّوا بذلك لِتَشَعُّبِهِمْ واجتماعهم كَتَشَعُّبِ أغصان الشجر.
قوله: ﴿وَقَبَائِلَ﴾ القبائل دون الشعوب، واحدتها قبيلة، وهم كَبَكْرٍ من رَبيعةَ، وَتَمِيمٍ من مُضَرَ، هذا قول جماعة المفسرين (٢)، وقال أنس بن مالك وأَبن عباس (٣): أراد بالشعوب المَوالِيَ، وبالقبائل العَرَبَ.
وإلى هذا ذهب قومٌ، فقالوا (٤): الشعوب من العَجَمِ، وهم من لا يُعْرَفُ له أصْلُ نَسَبٍ كالهِنْدِ والجِبِلِّ (٥) والتُرْكِ، والقبائلُ من العرب، والقبيلة: الجماعة من أب واحد، والقَبِيلُ: من آباءٍ شَتَّى، والسلطان: الشجرة لها أغصان وأصلها واحد، ويقال (٦): إن القبائل مأخوذة من قبائل الرَّأْسِ، وهي أرْبَعُ قِطَعٍ مَشْعُوبٍ بَعْضُها إلَى بَعْضٍ.
стр. 1114
والشعوب أعظم من القبائل، ثم بعد القبائل العَمائِرُ، واحدها عَمِيرٌ، وقيل: عَمارةٌ بفتح العين، وهم كَشَيْبانَ من بَكْرٍ، ودارِمٍ من تَمِيمٍ، ودون العمائر البطون واحدتها بَطْنٌ، وهم كبَنِي غالِبٍ ولُؤَيٍّ من قريش، ثم الأفخاذ واحدها فَخِذٌ، وهم كبني هاشم وبني أمية من بني لُؤَيٍّ، ثم الفصائل واحدها فصيلة، ثم العشائر واحدها عَشِيرةٌ، وليس بعد العشيرة حَيٌّ يُوصَفُ (١)، والأسْباطُ من بني إسرائيل (٢).
وقوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾؛ أي: لِيَعْرِفَ بعضكم بعضًا في قُرْبِ النَّسَبِ وبُعْدِه، لا لِتَتَفاخَرُوا، وقرأ الأعمش: "لِتَتَعارَفُوا" بتاءين، وقرأ ابن عباس: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ بغير ألف (٣) ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾.
стр. 1115
فصل
عن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يقول يوم القيامة: أمَرْتُكُمْ، فَضَيَّعْتُمْ ما عَهِدْتُ إليكم، ورَفَعْتُمْ أنسابكم، فاليومَ أرْفَعُ نَسَبي، وأضَعُ أنْسابَكُمْ؛ أيْنَ المُتَّقُونَ؟ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ " (١).
وعن يحيى بن أبِي كثير (٢) أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن اللَّه لا ينظر إلى صُوَرِكُمْ، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإنما أنتم -بني آدم- أكْرَمُكُمْ عند اللَّه أتقاكم" (٣)، وعن أبِي هريرة قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : مَنْ أكْرَمُ الناسِ؟ قال: "أتقاهم" (٤).
وأنشد ابن الفَرُّخانِ (٥) في المعنى:
стр. 1116
٢٦٨ - ما يَصْنَعُ العَبْدُ بِعِزِّ الغِنَى... والعِزُّ كُلُّ العِزِّ لِلْمُتُّقِي
مَنْ عَرَفَ اللَّهَ فَلَمْ تُغْنِهِ... مَعْرِفةُ اللَّهِ فَذاكَ الشَّقِي (١)
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ قيل (٢): نزلت فِي بني أسَدِ بن خُزَيْمةَ، قَدِمُوا على رسول اللَّه ﷺ المدينةَ فِي سنة جَدْبةٍ، فأظهروا شهادة أن لا إله إلا اللَّه، ولَمْ يكونوا مؤمنين في السِّرِّ، إنما كانوا يطلبون الصدقة.
وقيل (٣): نزلت في الأعراب الذين ذكرهم اللَّه في سورة الفتح، وهم أعراب جُهَيْنةَ وأسْلَمَ وأشْجَعَ وغِفارٍ ومُزَيْنةَ، كانوا يقولون: آمنا باللَّه؛ ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ أي: انْقَدْنا واسْتَسْلَمْنا مَخافةَ القتل والسَّبْيِ.
ثم بينَ أن الإيمان محله القلب لا اللسان بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فَأخْبَرَ أن حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان،
стр. 1117
وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانًا دون الإخلاص الذي محله القلب، ولِما رَوَى أنَسٌ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "الإسلامُ عَلَانِيةٌ، والإيمانُ في القلب" (١)، وأشار إلى صدره.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد: ظاهرًا وباطنًا، وسِرًّا وعَلَانِيةً ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب: ﴿يَأْلِتْكُمْ﴾ (٢) بالألف، واختاره أبو حاتم اعتبارًا بقوله: "وَما ألَتْناهُمْ" (٣)، يقال: ألَتَ يَأْلِتُ ألْتًا، قال الشاعر:
٢٦٩ - أبْلِغْ بَنِي ثُعَلٍ مِنِّي مُغَلْغَلةً... جَهْدَ الرِّسالةِ لَا ألْتًا وَلَا كَذِبا (٤)
وقرأ الآخرون: ﴿يَلِتْكُمْ﴾ بغير ألف من: لَاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، كقول رؤبة:
٢٧٠ - وَلَيْلةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ
стр. 1118
وَلَم يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ (١)
وهما لغتان (٢)، ومعنى القراءتين جميعًا: لا يَنْقُصْكُمْ ولا يَظْلِمْكُمْ من ثواب أعمالكم شيئًا، إن تطيعوا اللَّه ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.
قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿أَنْ أَسْلَمُوا﴾؛ أي: بأن أسلموا، وذلك بأنهم كانوا يأتون النَّبِيّ ﷺ في كل يوم، يقولون: يا محمد! إنّ لنا عليك حَقًّا أصابك، أسْلَمْنا، وأتَيْناكَ بذَرارِينا، ولَمْ نُقاتِلْكَ كما قاتلك بنو فلان، يَمُنُّونَ عليه بذلك، فقال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾؛ أي:
стр. 1119
بإسلامكم ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ نصب على الصرف (١)، وإن شئت على نزع الصفة؛ أي: بأن هداكم ﴿لِلْإِيَمُانِ﴾ وفِي مصحف عبد اللَّه: "إذْ هَداكُمْ لِلإيمانِ" (٢)، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ أنكم مؤمنون.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ فلا يخفى عليه شيء، قرأ ابن كثير والأعمش وطلحة وعيسى بن عمر بالياء (٣)، وقرأ الباقون بالتاء، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1120
سورة ق
مكية
وهي ألف وأربعمائة وأربعة وسبعون حرفًا، وثلاثمائة وخمس وسبعون كلمة، وخمس وأربعون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة "ق"، هَوَّنَ اللَّهُ عليه تاراتِ الموت وسَكَراتِهِ" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة ﴿قَ﴾ كُتِبَ من الذاكرين ما شاء اللَّه كان" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله ﴿ق﴾ قيل: هو اسم من أسماء اللَّه، أقْسَمَ اللَّهُ تعالى به، وقيل: هو اسم من أسماء القرآن، وقيل: هو جَبَلٌ محيط بالدنيا من زُمُرُّذةٍ خضراءَ، خُضْرةُ السماء منه، والسماء مُقَبَّبة عليه، وما أصاب الناسُ من زُمُرُّذٍ،
стр. 1121
فهو مما يسقط من ذلك الجبل، وهو وراءَ الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة، قيل لابن عباس: ما بالُ الأرضِ لا تَخْضَرُّ بِخُضْرَتهِ؟ قال: لأن السماء مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، والبحر هو ماء، فلو كانت الأرضُ ماءً لاخْضَرَّتْ، وعُرُوقُ الجبال كلها منه، فإذا أراد اللَّه الزَّلْزَلةَ بأرضٍ أوْحَى اللَّهُ إلى المَلَكِ الذي عنده أن يُحَرِّكَ عِرْقًا من الجبل، فيتحرك الجبلُ الذي يريده، وهو أول جَبَلٍ خُلِقَ، ثم بعده أبو قُبَيْسٍ (١)، وهو الجبل الذي الصَّفا تَحْتَهُ، ولِجَبَلِ قافٍ وَجْهٌ كَوَجْهِ الإنسانِ، وقَلْبٌ كقلوب الملائكة في المعرفة (٢)، واللَّه أعلم.
وحَكَى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أن قوما قالوا: معنى ﴿ق﴾: قُضِيَ الأمْرُ، أو قُضِيَ ما هو كائن، كما قيل في "حم": حُمَّ الأمرُ؛ أي: قُضِيَ ما هو كائن (٣).
قوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾؛ أي: الشريفِ الكريمِ على اللَّه، الكثيرِ الخيرِ، واختلفوا فِي جواب هذا القَسَمِ، فقال أهل الكوفة (٤): جوابه ﴿بَلْ
محمد ﷺ رسولًا إليهم، فأنكروا رسالته، وأنكروا البعث بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من لحومهم ودمائهم وشعورهم، لا يَعْزُبُ ذلك عن علمه، ثم قال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾.
حافِظُ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، و"كِتابٌ" رفع على خبر الظرف.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ به محمد ﷺ ، يعني القرآن ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾؛ أي: مختلط ملتبس مختلف، وأصل المَرْجِ: الاضْطِرابُ والقَلَقُ، يقال: مَرَجَ أمْرُ النّاسِ، ومَرَجَ الدِّينُ، ومَرَجَ الخاتَمُ فِي إصْبَعِي أي: قَلِقَ من الهُزالِ (١)، وفي الحديث: "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأماناتُهُمْ" (٢).
ومعنى الآية أنهم قالوا: هو كاهن، ومنهم من قال: هو ساحر، ومنهم من قال: هو شاعر، ومنهم من قال: هو مجنون، وللقرآن: إنه سِحْرٌ، ومرة يقولون: رِجْزٌ، ومرة يقولون: مُفْتَرًى، فالْتَبَسَ القولُ عليهم حتَّى اختلفوا فِي أمْرِهِ (٣).
ثم دَلَّهُمْ على قدرته على البعث بعظيمِ خَلْقِهِ، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ يعني: أفلا ينظرون هؤلاء المشركون الذين أنكروا البعث،
стр. 1124
وجَحَدُوا قُدْرَتَنا على إحيائهم بعد البلَى، إلى قدرتنا على خلق السماء حين جعلناها سقفا محفوظا بغير عمد؟ ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾؛ أي رفعناها، وكل شيء ارتفع على شيء فهو بناء ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بنجومها وشمسها وقمرها ﴿وَمَا لَهَا﴾ في سَعَتِها ﴿مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾؛ أي: ليس فيها خِلَالٌ ولا فُرْجةٌ ولا شَقٌّ ولا صُدُوعٌ ولا وَهَنٌ ولا فتوقٌ، وفُرُوجٌ يكون جمعًا ويكون واحدًا (١).
وفي الآية دلالة على استدارة السماء وإحاطتها بالأرض من جميع جهاتها؛ لأنَّهُ أخبر أنه لا فروج فيها، ولو كانت مبسوطةً مُتَّصِلةَ الأطرافِ لَمْ تكن كذلك (٢).
قوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾؛ أي: مَدَدْنا الأرضَ، يعني: بَسَطْناها مَسِيرَ خمسمائة عام، ونصب الأرض بإضمار فعل؛ أي: مَدَدْنا الأرضَ وبَسَطْناها، والرفع جائزٌ، إلا أن النصبَ أحسنُ؛ لِيُعْطَفَ بالفعل على الفعل (٣)، وقد تقدم نظيره فِي سورة الحجر (٤).
قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابتَ، وهي الجبال التي خلقها اللَّه أوْتادًا للأرض لِئَلَّا تتحرك بأهلها وتَمِيدَ بهم ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: من كل
стр. 1125
لون ﴿بَهِيجٍ (٧)﴾؛ أي: حَسَنٍ من أخْضَرَ وأحْمَرَ وأصْفَرَ، والبَهِيجُ: الجميل، والبَهْجةُ: الجمال، كقوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (١)؛ أي: ذات جَمالٍ.
ثم قال تعالى: ﴿تَبْصِرَةً﴾؛ أي: جَعَلْنا ذلك تَبْصِرةً، وقال أبو حاتم (٢): هو نصب على المصدر، وقيل (٣): على المفعول، قال الزجاج (٤): فَعَلْنا ذلك لِنُبَصِّرَ به ونُذَكِّرَ به، وهو قوله: ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ يعني: مخلص القلب، منيب راجع إلى اللَّه بقوله وعمله ونِيَّتِهِ، و ﴿وَذِكْرَى﴾ مقصور، وهو فِي موضع نصب عطف على "تَبْصِرةً".
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ يعني: المطر كثير الخير، وفيه حياة كل شيء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ يعني البساتين وما أخرج فيها لعباده من الثمار ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ أراد: الحَبَّ الحَصِيدَ، يعني المَحْصُودَ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ والذُّرةُ وسائر الحبوب مما يُحْصَدُ (٥)، قال الشاعر:
٢٧١ - والنَّاسُ فِي قَسْمِ المَنِيّةِ بَيْنَهُمْ... [كالزَّرْعِ مِنْهُ] قائِمٌ وَحَصِيدُ (٦)