← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فهو مما يسقط من ذلك الجبل، وهو وراءَ الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة، قيل لابن عباس: ما بالُ الأرضِ لا تَخْضَرُّ بِخُضْرَتهِ؟ قال: لأن السماء مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، والبحر هو ماء، فلو كانت الأرضُ ماءً لاخْضَرَّتْ، وعُرُوقُ الجبال كلها منه، فإذا أراد اللَّه الزَّلْزَلةَ بأرضٍ أوْحَى اللَّهُ إلى المَلَكِ الذي عنده أن يُحَرِّكَ عِرْقًا من الجبل، فيتحرك الجبلُ الذي يريده، وهو أول جَبَلٍ خُلِقَ، ثم بعده أبو قُبَيْسٍ (١)، وهو الجبل الذي الصَّفا تَحْتَهُ، ولِجَبَلِ قافٍ وَجْهٌ كَوَجْهِ الإنسانِ، وقَلْبٌ كقلوب الملائكة في المعرفة (٢)، واللَّه أعلم. وحَكَى الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أن قوما قالوا: معنى ﴿ق﴾: قُضِيَ الأمْرُ، أو قُضِيَ ما هو كائن، كما قيل في "حم": حُمَّ الأمرُ؛ أي: قُضِيَ ما هو كائن (٣). قوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾؛ أي: الشريفِ الكريمِ على اللَّه، الكثيرِ الخيرِ، واختلفوا فِي جواب هذا القَسَمِ، فقال أهل الكوفة (٤): جوابه ﴿بَلْ

стр. 1122

عَجِبُوا﴾، وقال الأخفش (١): جوابه محذوف، مجازه: والقرآنِ المَجِيدِ لَتُبْعَثُنَّ، وقال أيضًا (٢): جوابه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ. . . الآية﴾ (٣)، وجوابات القسم سبعة: "إنّ" المشددة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٤)، و"ما" التي للنفي كقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٥)، واللام المفتوحة كقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٦)، و"إنِ" الخفيفة كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٧)، و"لا" كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٨)، و"قَدْ" كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٩)، و"بَلْ" كقوله هاهنا (١٠): ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾. محمد ﷺ ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾ مُعْجِبٌ، عَجِبُوا من كون

стр. 1123

محمد ﷺ رسولًا إليهم، فأنكروا رسالته، وأنكروا البعث بعد الموت. قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من لحومهم ودمائهم وشعورهم، لا يَعْزُبُ ذلك عن علمه، ثم قال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾. حافِظُ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، و"كِتابٌ" رفع على خبر الظرف. قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ به محمد ﷺ ، يعني القرآن ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾؛ أي: مختلط ملتبس مختلف، وأصل المَرْجِ: الاضْطِرابُ والقَلَقُ، يقال: مَرَجَ أمْرُ النّاسِ، ومَرَجَ الدِّينُ، ومَرَجَ الخاتَمُ فِي إصْبَعِي أي: قَلِقَ من الهُزالِ (١)، وفي الحديث: "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأماناتُهُمْ" (٢). ومعنى الآية أنهم قالوا: هو كاهن، ومنهم من قال: هو ساحر، ومنهم من قال: هو شاعر، ومنهم من قال: هو مجنون، وللقرآن: إنه سِحْرٌ، ومرة يقولون: رِجْزٌ، ومرة يقولون: مُفْتَرًى، فالْتَبَسَ القولُ عليهم حتَّى اختلفوا فِي أمْرِهِ (٣). ثم دَلَّهُمْ على قدرته على البعث بعظيمِ خَلْقِهِ، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ يعني: أفلا ينظرون هؤلاء المشركون الذين أنكروا البعث،

стр. 1124

وجَحَدُوا قُدْرَتَنا على إحيائهم بعد البلَى، إلى قدرتنا على خلق السماء حين جعلناها سقفا محفوظا بغير عمد؟ ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾؛ أي رفعناها، وكل شيء ارتفع على شيء فهو بناء ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بنجومها وشمسها وقمرها ﴿وَمَا لَهَا﴾ في سَعَتِها ﴿مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾؛ أي: ليس فيها خِلَالٌ ولا فُرْجةٌ ولا شَقٌّ ولا صُدُوعٌ ولا وَهَنٌ ولا فتوقٌ، وفُرُوجٌ يكون جمعًا ويكون واحدًا (١). وفي الآية دلالة على استدارة السماء وإحاطتها بالأرض من جميع جهاتها؛ لأنَّهُ أخبر أنه لا فروج فيها، ولو كانت مبسوطةً مُتَّصِلةَ الأطرافِ لَمْ تكن كذلك (٢). قوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾؛ أي: مَدَدْنا الأرضَ، يعني: بَسَطْناها مَسِيرَ خمسمائة عام، ونصب الأرض بإضمار فعل؛ أي: مَدَدْنا الأرضَ وبَسَطْناها، والرفع جائزٌ، إلا أن النصبَ أحسنُ؛ لِيُعْطَفَ بالفعل على الفعل (٣)، وقد تقدم نظيره فِي سورة الحجر (٤). قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابتَ، وهي الجبال التي خلقها اللَّه أوْتادًا للأرض لِئَلَّا تتحرك بأهلها وتَمِيدَ بهم ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: من كل

стр. 1125

لون ﴿بَهِيجٍ (٧)﴾؛ أي: حَسَنٍ من أخْضَرَ وأحْمَرَ وأصْفَرَ، والبَهِيجُ: الجميل، والبَهْجةُ: الجمال، كقوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (١)؛ أي: ذات جَمالٍ. ثم قال تعالى: ﴿تَبْصِرَةً﴾؛ أي: جَعَلْنا ذلك تَبْصِرةً، وقال أبو حاتم (٢): هو نصب على المصدر، وقيل (٣): على المفعول، قال الزجاج (٤): فَعَلْنا ذلك لِنُبَصِّرَ به ونُذَكِّرَ به، وهو قوله: ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ يعني: مخلص القلب، منيب راجع إلى اللَّه بقوله وعمله ونِيَّتِهِ، و ﴿وَذِكْرَى﴾ مقصور، وهو فِي موضع نصب عطف على "تَبْصِرةً". قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ يعني: المطر كثير الخير، وفيه حياة كل شيء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ يعني البساتين وما أخرج فيها لعباده من الثمار ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ أراد: الحَبَّ الحَصِيدَ، يعني المَحْصُودَ، وهو البُرُّ والشَّعِيرُ والذُّرةُ وسائر الحبوب مما يُحْصَدُ (٥)، قال الشاعر: ٢٧١ - والنَّاسُ فِي قَسْمِ المَنِيّةِ بَيْنَهُمْ... [كالزَّرْعِ مِنْهُ] قائِمٌ وَحَصِيدُ (٦)

стр. 1126

وأضاف الحَبَّ إلى الحَصِيدِ كما يُقالُ: صَلاةُ الأُولَى؛ أي: الصلاةُ وَقْتَ الأُولَى، ومَسْجِدُ الجامِعِ، وزعم الفَرّاءُ أن الشيء أُضِيفَ لِنَفْسِهِ لاختلاف اللفظين (١)؛ لأن الحَبَّ هو الحَصِيدُ عنده، وقال محمد بن يزيد (٢): إضافة الشيء إلى نفسه مُحالُ ولكن التقدير: حَبَّ النَّبْتِ الحَصِيدِ. قوله: ﴿وَالنَّخْلَ﴾؛ أي: وأنْبَتْنا النَّخْلَ ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ يعني طِوالًا يقال: بَسَقَ الشَّيءُ يَبْسُقُ بُسُوقًا: إذا طالَ، وكل طويلٍ باسِقٌ، والتاء في موضع نصب على الحال والقطع. وقوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾؛ أي: ثَمَرٌ مَنْضُودٌ بَعْضُهُ على بعض، وذلك قبل أن يَتَفَتَّحَ، وهو نَضِيدٌ فِي أكْمامِهِ، فإذا خَرَجَ من أكْمامِهِ فليس بِنَضِيدٍ (٣) ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ (١١)﴾، مفعول من أجله؛ أي: أنْبَتْنا هذه الأشياءَ للرزق، وقيل: هو منصوب على المصدر (٤). ثم ذكر الأُمَمَ المُكَذِّبةَ تخويفًا لكفار مكة، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾؛ أي: وَجَبَ عليهم عذابِي، وحَقَّتْ عليهم كلمةُ

стр. 1127

العذاب، و"وَعِيدِ" في موضع رفع لأنَّهُ فاعل، إلّا أن ما قبل ياء الإضافة لا يكون إلّا مكسورًا (١). قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني آدم ﵇ ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾؛ أي: ما تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ، يقال لِما يَقَعُ في النفس من فِعْلِ الشيطان وشَرِّه: وَسْواسٌ، ومصدره: وَسْوَسَ وَسْوَسةً ووِسْواسًا (٢) ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾؛ أي: أعْلَمُ وأقْدَرُ عليه من حبل الوريد؛ لأن أبْعاضَهُ وأجْزاءَهُ يَحْجُبُ بَعْضُها بَعْضًا، ولا يَحْجُبُ عِلْمَ اللَّهِ عَنْهُ شَيْءٌ. وحَبْلُ الوَرِيدِ: عِرْقٌ بين الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ (٣)، وجمعه أوْرِدةٌ، وقيل (٤): هو الوَتِينُ، وقيل (٥): هو عِرْقُ العُنُقِ، وهو مُخالِطٌ للقلب، وقيل (٦): عِرْقٌ

стр. 1128

مُتَفَرِّقٌ فِي البَدَنِ، مُخالِطٌ للإنسان في جميع أعضائه، والحَبْلُ هو الوَرِيدُ فأُضِيفَ إلى نفسه لاختلاف اللفظين (١)، وسُمِّيَ الوَرِيدُ وَرِيدًا؛ لأن الرُّوحَ تَرِدُهُ. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ قال الحسن (٢): هما مَلَكانِ مُوَكَّلَانِ بابن آدم، مَلَكٌ عن يمينه يكتب حسناتِهِ، ومَلَكٌ عن يَسارِهِ يكتب سيئاته، ثم قال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾؛ أي: جَلِيسٌ وقَرِينٌ لا يفارقه، قال أهل البصرة (٣): أراد: عن اليمين قعيدٌ وعن الشمال قعيدٌ، فاكتفى بأحدهما عن الَاخَر، كقول الشاعر: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وَأنْتَ بِما عِنْـ... دَكَ راضٍ، والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ (٤) ولَمْ يقل: راضِيانِ. وقال أهل الكوفة (٥): أراد: قُعُودٌ، رَدَّهُ إلى الجنس، فوضع الواحد موضع

стр. 1129

الجميع، كالرسول في الاثنين جُعِلَ للاثنين والجميع، قال اللَّه تعالى في الاثنين: "إنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِين" (١)، وقال الشاعر: ألِكْنِي إلَيْها، وَخَيْرُ الرَّسُو... لِ أعْلَمُهُمْ بِنَواحِي الخَبَرْ (٢) ومعنى الآية: أن اللَّه وَكَّلَ بالإنسان -مع عِلْمِهِ بأحواله- مَلَكَيْنِ بالليل وملكين بالنهار، يحفظان عَمَلَهُ، ويكتبان أثَرَهُ، إلزامًا لِلْحُجّةِ، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شِمالِهِ يكتب السيئات، فذلك قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، والمراد بالقَعِيدِ هاهنا المُلَازِمُ الذي لا يَبْرَحُ، لا القاعدُ الذي هو ضِدُّ القائمِ (٣).

стр. 1130

فصل عن أبِي أمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كاتِبُ الحَسَناتِ على يمين الرَّجُلِ، وكاتِبُ السَّيِّئاتِ على يَسارِ الرَّجُلِ، فَكاتِبُ الحَسَناتِ أمِيرٌ على كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فإذا عَمِلَ حَسَنةً كَتبَها صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئةً قال صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ، لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أو يَسْتَغْفِرُ، فإن اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ شَيْئًا، وإنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كَتَبَ عَلَيْهِ سَيِّئةً واحدةً" (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه ﵎ وَكَّلَ بعَبْدِه المُؤْمِنِ مَلَكَيْنِ يكتبان عَمَلَهُ، فإذا مات قال المَلَكانِ اللَّذانِ وُكِّلَا به يَكْتُبانِ عَمَلَهُ: يا رَبِّ! قد مات فلانٌ، فَأْذَنْ لنا نَصْعَدْ إلى السماء، فيقول اللَّه تعالى: سَمائِي مَمْلُوءةٌ من ملائكتي، فيقولان: نُقِيمُ فِي الأرض، فيقول اللَّه تعالى: أرْضِي مَمْلُوءةٌ من خَلْقِي يُسَبِّحُونَ لِي، فيقولان: فأين نذهبُ؛ فيقول: قُوما على قَبْرِ عَبْدِي، فَسَبِّحانِي وكَبِّرانِي وهَلِّلَانِي، واكْتُبا ذلك له إلى يوم القيامة" (٢). قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾؛ أي: ما يَتَكَلَّمُ من قول ﴿إِلَّا لَدَيْهِ﴾؛ أي: عنده ﴿رَقِيبٌ﴾ يَرْقُبُهُ ويَحْفَظُ عليه عَمَلَهُ خَيْرَهُ وشَرَّهُ ﴿عَتِيدٌ (١٨)﴾؛ أي: حاضر

стр. 1131

لا يغيب عنه، وهو معنى المُعْتَدِ، من قوله: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ (١)، والعرب تُعاقِبُ بين التاء والدال لقرب مخرجيهما، فتقول: أعْتَدْتُ وأعْدَدْتُ، وهَرَدَ وَهَرَتَ (٢)، وَكَبِدٌ وَكَبِتٌ، قال الشاعر: ٢٧٢ - لَئِنْ كُنْتَ مِنِّي فِي العِيانِ مُغَيَّبًا... فَذِكْرُكَ عِنْدِي فِي الفُؤادِ عَتِيدُ (٣) أي: حاضر، و"رَقِيبٌ" رفع لأنَّهُ خبر الظرف، وهو "لَدَيَّ"، و"عَتِيدٌ" نعته. قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: غَمْرَتُهُ وشِدَّتُهُ التي تَغْشَى الإنسانَ وتَغْلِبُ على عقله ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: بحقيقة الموت، يريد: أنه حَقٌّ كائنٌ ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾؛ أي: تَفِرُّ وتَكْرَهُ وتَهْرُبُ وتَمِيلُ، وأصل الحَيْدِ المَيْلُ، يقال: حِدْتُ عن الشيء أحِيدُ حَيْدًا: إذا مِلْتَ عنه، قال طرفة: ٢٧٣ - أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ... وَحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ (٤)

стр. 1132

قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يعني نَفْخةَ البعث ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: ذلك اليوم ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ قال مقاتل (١): يعني بالوعيدِ العَذابَ فِي الآخرة، والمعنى: فِي ذلك يَوْمُ وُقُوعِ الوَعِيدِ. ﴿وَجَاءَتْ﴾ يعني فِي ذلك اليوم ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ يَسُوقُها إلى المَحْشَرِ ﴿وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ يشهد عليها بما عملت، قال الكلبي (٢): السائق: هو الذي كان يكتب عليها، والمراد بالنفس هاهنا نفس الكافر، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ يعني البعث والحساب ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾؛ أي: قَوِيٌّ نافِذٌ ثاقِبٌ، تَرَى ما كان محجوبًا عنك، وتُبْصِرُ ما كنتَ تُنْكِرُهُ في الدنيا، قال مقاتل: هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي. ثم يقول اللَّه تعالى للزبانية: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾؛ أي: مُعانِدٍ للَّه تعالى ورسولِهِ، مُجانِبِ للإيمان، مُعْرِضٍ عن الحق، مأخوذ من العَنَدِ، وهو عَظْمٌ يَعْتَرِضُ فِي الحَلْقِ (٣)، قال الشاعر: ٢٧٤ - إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا (٤)

стр. 1133

وقوله: "ألقيا" قيل: هو خطاب لِخَزَنةِ جَهَنَّمَ وزَبانِيَتِها، وقال الفَرّاءُ (١): هو خِطابٌ للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، تقول للواحد: ارْحَلاها وازْجُراها وخُذاهُ وأطْلِقاهُ، قال امرؤ القيس: قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ (٢) وقال أيضًا: ٢٧٥ - خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبِ... نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ ألَمْ تَرَ أنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا... وَجَدْتُ بِها طِيبًا وَإنْ لَمْ تَطَيَّبِ (٣) معناه: ألَمْ تَرَيانِي، فَرَجَعَ إلى الواحد، وأوَّلُ الكلام اثْنانِ، وقال آخر:

стр. 1134

٢٧٦ - فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفَّانَ أنْزَجِرْ... وَإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا (١) والخطاب لِخازِنِ النارِ على قول الفراء، والعرب تَأْمُرُ الواحِدَ والجَمْعَ كما تَأْمُرُ الاثْنَيْنِ، وذلك أن الرجل أدْنَى أعْوانِهِ فِي إبِلِهِ وغَنَمِهِ اثنان، وكذلك الرفْقةُ أدْنَى ما تكون ثلاثةً، فَجَرَى كلام الواحد على صاحبيه (٢)، وقال الزجاج (٣): هذا أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ به، وهما السائق والشهيد. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ هذا سؤال توبيخ لِمَنْ دخلها، وقرأ قتادة والأعرج وشيبة ونافع وأبو بكر: "يَقُولُ" بالياء (٤) على معنى: يقول اللَّه لجهنم: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ تَسْتَزِيدُ رَبَّها تَعَبُّدًا منها له؛ لأنَّهُ

стр. 1135

جعلها نَكالًا لأعدائه، وإنما هي خَلْقٌ من خَلْقِهِ، مطيعة له، تتقرب إليه بإحراق أعدائه (١)، وقيل: معنى "هَلْ مِنْ مَزِيدٍ"؛ أي: قد امتلأتُ، ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يُمْلأْ، وهذا استفهام إنكار، ويجوز أن يكون المعنى أنها طلبت أن تُزادَ فِي سَعَتِها لِتَضايُقِها بأهلها. والعامل فِي "يوم" (٢): ﴿بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣)، ومنهم من قال: في ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قولان، أحدهما: ما فِيَّ مِنْ مَزِيدٍ، والثانِي: اسْتِدْعاءٌ للزيادة كما ذكرنا (٤)، وهو قول أنس بن مالك ﵁. فصل رُوِيَ عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "لا تزال جهنم تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، حتَّى يضع رَبُّ العالمين فيها -أو قال: عليها- قَدَمَهُ، فتقول: قَطْ قَطْ -أي: حَسْبِي حَسْبِي-" (٥)، فهذا الحديث صحيح الإسناد، وهو يَدُلُّ على خلاف القول الأول، وينبغي الوقوف والتسليم بهذا الحديث من غير تكييف.

стр. 1136

قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: بُرِّزَتْ وقُرِّبَتْ منهم ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾ نصب على الحال، يعني: ينظرون إليها قبل دخولها غير متباعدين، ويقال لهم: ﴿هَذَا﴾ الذي تَرَوْنَهُ ﴿مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)﴾ راجِعٍ عن معاصي اللَّه، حَفِيظٍ يَحْفَظُ ذُنُوبَهُ حتَّى يرجع عنها، ويستغفر لها، وقرأ ابن كثير: ﴿يُوعَدُونَ﴾ بالياء (١). قوله: ﴿مَنْ خَشِيَ﴾ يعني الأواب الحفيظ؛ أي: هو ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: خافَهُ وأطاعَهُ، ولَمْ يَرَهُ ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ مخلص راجع عن معاصي اللَّه إلى طاعة اللَّه. وفي محل "مَنْ" مِن الإعراب وجهان (٢): الخفض على البدل من "حَفِيظٍ"، والرفع على الاستئناف، والخبر في قوله: ﴿دْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾؛ أي: يُقالُ لهم: ادخلوا الجنة بسلامة من الهموم والعذاب ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ يعني: في الجنة؛ لأنَّهُ لا مَوْتَ فيها ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ يزيدهم اللَّه تعالى من عنده ما لَمْ يَسْألُوهُ، رُوِيَ عن عَلِيِّ بنِ أبِي طالبٍ -كَرُّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: "يَتَجَلَّى الرَّبُّ لَهُمْ" (٣). ثم خَوُّفَ كُفّارَ مكة، فقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ

стр. 1137

مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ نصب على التفسير ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ (٣٦)﴾ قال امرؤُ القيس الشاعِرُ: ٢٧٧ - لقدْ نَقَّبْتُ فِي الآفاقِ حَتَّى... رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمةِ بِالإيابِ (١) ويقال: رَجُلٌ نَقِيبٌ: إذا كان يَظُنُّ ظَنًّا فَيُصِيبُهُ، والنَّقِيبُ فوق العَرِيفِ، وأصله من: نَقَّبَ عن الأمر؛ أي: تَعَرَّفَهُ (٢). قرأ العامة: "فنَقَّبُوا" بفتح القاف مشددة، وقرأ الحسن بفتح القاف مخففة، وقرأ السُّلَمِيُّ ويحيى بن يَعْمُرَ (٣) بكسر القاف مشددة (٤) على التهديد والوعيد.

стр. 1138

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ عني الذي ذُكِرَ من إهْلَاكِ القُرَى ﴿لَذِكْرَى﴾ تذكرة وموعظة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال ابن عباس: عقل، قال الفراء (١): وهذا جائز في العربية أن تقول: ما لَكَ قَلْبٌ، وما قَلْبُكَ مَعَكَ؛ أي: ما عَقْلُكَ مَعَكَ ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾؛ أي: استمع ما يُقالُ له، يقال: ألْقِ سَمْعَكَ إلَيَّ؛ أي: اسْتَمِعْ مِنِّي (٢) ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ شاهد بالقلب والفهم ليس بِغافِلٍ ولا ساهٍ. واختلف العلماء في ماهِيّةِ العَقْلِ، قيل: هو الغَرِيزةُ، وقيل: هو نُورٌ، وقيل: هو قُوّة يُفْصَلُ بِها بين حقائق المعلومات، وقيل: هو نوع من المعلومات الضرورية، وقيل: هو جَوْهَرٌ بَسِيطٌ، وقيل: هو جسم شَفّافٌ، كما قيل في الرُّوحِ: إنه جسم لطيف يَسْكُنُ البَدَنَ. وأصل العَقْلِ: الامْتِناعُ، يقال: عَقَلْتُ النّاقةَ؛ أي: مَنَعْتُها من السَّيْرِ، وسُمِّيَ العَقْلُ عَقْلًا لأنَّهُ يَمْنَعُ من فِعْلِ القَبِيحِ، واختلفوا في مَحَلِّهِ، فمنهم من قال: مَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو مذهب الشافعيِّ -رحمه اللَّه تعالى-، لقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٣) وقوله هاهنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾؛ أي: عَقْلٌ، فَعَبَّرَ عنه لأنَّهُ محله، ومنهم من قال: مَحَلُّهُ الدِّماغُ، وهو قول أبِي حنيفة ﵀، ومنهم من قال: هو مُشْتَرَكٌ بين الرأس والقلب، هكذا ذكره ابن الجَوْزِيِّ في كتاب الأذكياء (٤)، واللَّه أعلم.

стр. 1139

قوله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، قال المفسرون (١): إن اليهود قالت: خَلَقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ وما بينهما في ستة أيام، أوَّلُها يومُ الأحَدِ، وآخِرُها يَوْمُ الجُمُعةِ، واستراح يوم السبت، فلذلك لا نعمل فيه شيئًا، فَأكْذَبَهُم اللَّهُ بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ أي: تَعَبٍ، يقال: لَغَبَ يَلْغُبُ لُغُوبًا: إذا أعْيا من التَّعَبِ (٢). ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿عَلَى مَا يَقُولُون﴾ من بَهْتِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وهذا قَبْلَ أن يُؤْمَرَ بالقتال ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي: صَلِّ للَّهِ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يعني الفجر ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ يعني: الظهر. فصل عن جرير بن عبد اللَّه قال: كُنّا عند رسول اللَّه ﷺ ، فنَظَرُوا إلى القمر ليلةَ البَدْرِ، فقال: "إنكم سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيانًا كما تَرَوْنَ هذا، لا تُضامُونَ فِي رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب"، رواه البخاري (٣).

стр. 1140

قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ قولان، قيل: أراد النَّوافِلَ؛ لأن الآية عامّةٌ، فهي على العُمُومِ، إلّا أن يقع دليلٌ، وقيل: هما ركعتان بعد المغرب، رَوَى ذلك ابنُ عباس عن النَّبِيِّ ﷺ (١). قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بفتح الهمزة، جعلوه جمع دُبْرٍ بمعنى خَلْفَ، وقرأ الباقون: "وَإدْبارَ" بالكسر (٢)، جعلوه مصدر أدْبَرَ الشَّيءُ إدْبارًا: إذا وَلَّى، وأجمعوا جميعًا على الكسر في: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (٣)، وقيل: من قرأ بنصب الألف فنَصْبُهُ على أنه اسم أُقِيمَ مُقامَ الظَّرْفِ، ومن قرأ بخفض الألف فنَصْبُهُ على الظَّرْفِ؛ لأن معناه: خَلْفَ السُّجُودِ (٤).

стр. 1141

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يعني صَيْحةَ النَّفْخةِ لِيَقُومُوا ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ وهو إسرافيل ﵇، ينادي بالحشر فيقول: يا أيها الناس! هَلُمُّوا إلى الحِسابِ ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ قيل: من صخرة بيت المقدس، ينادي: أيَّتُها اللُّحُومُ المُتَمَزِّقةُ، والأوْصالُ المُتَفَرِّقةُ، والشُّعُورُ السّاقِطةُ، قومِي إلَى رَبِّكِ لِيُجازِيكِ بِعَمَلِكِ، قرأ نافع وأبو عمرو: "المُنادِي" بياء في الوصل فقط، وقرأ الباقون بحذفها فِي الحالين، إلّا ابن كثير فإنه يُثْبِتُ الياءَ في الحالين (١). ومعنى "واسْتَمِعْ"؛ أي: وقِفْ، إذِ المراد: واذْكُرْ واسْتَمِعْ هذا الكلامَ يا محمد! وهو صفة لـ "يَوْمَ"، ومعنى "قَرِيبٍ": أدْنَى وأقْرَبُ مكانٍ من الأرض إلى السماء بثمانيةَ عَشَرَ مِيلًا، وهي صخرة بيت المقدس. قال صاحب "إنسان العين" (٢): ورَوَى الواحِدِيُّ عن الكَلْبِيِّ أنه قال: هي أقْرَبُ من الأرض إلى السماء بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا (٣). وقوله: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالبعث أنه كائِن حَقًّا، و ﴿يَوْمَ﴾ نصب على البدل من الأول، وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ من القبور، وهو

стр. 1142

ابتداء وخبر ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ أراد: نُمِيتُ في الدنيا، ونُحْيِي للبعث ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ بعد البعث، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ جمع سَرِيعٍ، وهو نصب على الحال، مجازه: فَيَخْرُجُونَ من قبورهم سِراعًا (١) إلى إجابة الدعي الذي دعاهم إليه ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ أي: جَمْعٌ علينا هَيِّنٌ أن نبعثهم بعد الموت ثم نَحْشُرُهُمْ، ليس كما ظَنَّ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ، وهذا جواب لقولهم: "ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ". ثُمَّ عَزَّى نَبيَّهُ ﷺ فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة من الأذى والتكذيب ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾؛ أي: بِمُسَلَّطٍ، والجَبّارُ في كلام العرب: المُتَكَبِّرُ الذي لا يُرامُ، وهو مأخوذ من جَبّارِ النَّخْلِ، وهو الذي قد ارتفع عن أن تَنالَهُ اليَدُ، والجَبّارُ: القَتّالُ الذي يَقْتُلُ على الغَضَبِ، وهو من الأضداد (٢). وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ فَعِظْ يا محمد ﴿بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ وعذابِي في الآخرة لِمَنْ عَصانِي، وخالَفَ أمْرِي فَيَحْذَرُ المَعاصِي، وإنما يتذكر من يخشى، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1143

سورة الذاريات مكّية وهي ألف ومائتان وسبعة وثمانون حرفًا، وثلاثمائة وستون كلمة، وستون آية. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ "والذّارِياتِ" أُعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ رِيحٍ هَبَّتْ وَجَرَتْ فِي الدُّنْيا" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الذّارِياتِ صَلَّى عَلَيْهِ الروحُ والملائكةُ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ يعني الرياحَ التي تَذرُو التُّرابَ ذَرْوًا،

стр. 1144

يقال: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرابَ تَذْرُو ذَرْوًا: إذا فَرَّقَتْهُ، وأذْرَتْ فَهِيَ مُذْرِيةٌ ومُذْرِياتٌ للجماعات (١)، وهي مخفوضة على القَسَمِ، وما بعده من الأسماء المخفوضةِ مَعْطُوفٌ عليه، ﴿ذَرْوًا﴾ منصوب على المصدر ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾ مفعول، يعني السحابَ يَحْمِلُ ثِقْلًا من الماء، والوِقْرُ بكسر الواو: الحِمْلُ على الظَّهْرِ، والوَقْرُ -بالفتح-: الصَّمَمُ (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٣) يعني صَمَمًا ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ يعني السفن تجري مُيَسَّرةً؛ أي: مُسَخَّرةً فِي الماء جَرْيًا سَهْلًا، والمفسرون على ذلك. وقيل (٤): أراد النجوم السبعة التي تسير في السماء، وهي الشمس والقمر وعُطارِدُ والمُشْتَرِي والزُّهَرةُ وبَهْرامُ (٥) وزُحَلُ، تَجْري في السماء بغير عَناءٍ ولا مَشَمة، والسفن لا تجري يُسْرًا، وإنما تجري بالمشقة والعلاج والعناء والأهوال، وربما غَرِقَتْ، وربما انكسرت، و"يُسْرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، تقديرُهُ: جَرْيًا يُسْرًا (٦)، وقيل: هو منصوب على التفسير، وقيل: بِنَزْعِ الخافض؛ أي: باليسر (٧). قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ يعني الملائكة يُقَسِّمُونَ الأمورَ بين الخَلْقِ على ما أُمِرُوا به، وهم جبريل صاحب الغِلْظةِ، ومِيكائِيلُ صاحب الرحمة، وإسْرافِيلُ صاحب الصُّورِ، وعِزْرائِيلُ صاحب الموت -صلوات اللَّه عليهم أجمعين-.

стр. 1145

أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بهذه الأشياء لِما فيها من الدلالة على صَنْعَتِهِ وقدرته، وله أن يقسم ببعضِ بَدِائِعِ خَلْقِهِ على وَجْهٍ يُوجِبُ الاعتبار، ويَدُلُّ عَلَى التوحيد، ولا تَخْفَى عَجائِبُ قُدْرةِ اللَّهِ وبدائع حِكْمَتِهِ في الأربع، ويَحْتَمِلُ الكُلَّ الرِّياحُ تَذْرُو التُّرابَ، وتَحْمِلُ السَّحابَ، وتَجْرِي رُخاءً حيث أصابَ، وتتَحَرَّى في قِسْمةِ الأُمُورِ الصَّوابَ، من إيصال الكلام، وإصْلَاحِ أمْرِ الأنامِ، وشِفاءِ الأسْقامِ، وتَرْوِيحِ المَسامِّ، وقيل: أراد النِّساءَ الوالِداتِ تَذْرُو الخَلْقَ، وهُن الحامِلَاتُ الجارِياتُ في ترتيب أمْرِ البُعُولِ، المُقَسِّماتُ أمْرَ البَيْتِ في الدُّخُورِ والدُّخُولِ. ثم ذَكَرَ المُقْسَمَ عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ من الخير والشر والثواب والعقاب والجنة والنار ﴿لَصَادِقٌ (٥)﴾ وهذا جواب القسم ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ يعني الحساب والجزاء ﴿لَصَادِقٌ (٥)﴾ لَنازِلٌ كائِنٌ. ثم ابتدأ قَسَمًا آخَرَ، فقال تعالى: ﴿السَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ يعني: ذات الخَلْقِ الحَسَنِ المُسْتَوِي، وقيل (١): ذات الطَّرائِقِ كَحُبُكِ الرَّمْلِ والماءِ إذا ضَرَبَتْهُما الرِّيحُ، وحُبُكِ الشعَرِ الجَعْدِ، ولكنّا لا نرى تلك الحُبُكَ لِبُعْدِها عَنّا، وهو جمع حِباكٍ وحَبِيكةٍ (٢)، قال الراجز: ٢٧٨ - كَأنّما جَلَّلَها الحَوّاكُ

стр. 1146

طِنْفِسةٌ فِي وَشْيِها حِباكُ (١) ثم ذكر جواب القسم، فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ يعني: في القرآنِ ومحمدٍ ﵇، فَمِنْ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، ومُقِرٍّ ومُنْكِرٍ، فبعضكم يقول: شاعر، وبعضكم يقول: ساحر، وبعضكم يقول: مجنون، وفِي القرآن تقولون: إنه سِحْرٌ وكَهانةٌ وما سَطَرَهُ الأوَّلُونَ ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾؛ أي: يُصْرَفُ عن الإيمان به مَنْ صُرِفَ حَتَّى يُكَذِّبَ به، يعني: مَنْ حَرَمَهُ اللَّهُ الإيمانَ بمحمدٍ ﷺ والقرآنِ. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ يعني: لُعِنَ الكَذّابُونَ الذين يَخْرُصُونَ الكَذِبَ على اللَّه وعلى رسوله وعلى دِينِهِ، وهم الذين قالوا: محمد ساحرٌ وشاعرٌ وكذابٌ، وأشباهَ ذلك، خَرَّصُوا ما لا عِلْمَ لهم به، ثم وَصَفَهُمْ فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)﴾؛ أي: في حَيْرةٍ وعَمًى غافلون لاهُونَ عن اللَّه، فَأخْبَرَ أن الغَمْرةَ تُغَطِّي عليهم كَغَمْرةِ الماءِ، وهي التَّغْطِيةُ، إذا وَقَعَ الإنسانُ فيه مَنَعَهُ من مَعْرِفةِ شَيْءٍ. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾؛ أي: مَتَى يا محمدُ يَوْمُ الجَزاءِ،

стр. 1147

استهزاءً منهم بذلك وتكذيبًا، وهو مبني على الفتح، ومحله رفع بالابتداء، و ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ خبره، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ: "إيّانَ" بكسر الهمزة، وهي لغةٌ (١). ثم أخبر اللَّه تعالى عن ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾؛ أي: يكون هذا الجَزاءُ يوم هم على النار يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ ويُنْضَجُونَ بالنار، يقال: فُتِنَ الذَّهَبُ: إذا أُدْخِلَ النّارَ، ويقال: دِينارٌ مَفْتُونٌ: إذا أُدْخِلَ النّارَ (٢). واختلف النحويون في نصب "يَوْمَ"، فقال الزجاج (٣): موضعه نصب؛ أي: يَقَعُ الجَزاءُ يَوْمَ هُمْ على النار يُفْتَنُونَ، وقال غيره (٤): هو فِي موضع رفع على البدل من قوله: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. وتكلموا في نصبه، فقال الفراء (٥): لأنَّهُ أُضِيفَ إلى شيئين، وأجاز

стр. 1148

الرَّفْعَ على أصله (١)، وقال غيره (٢): لأنها إضافةٌ غَيْرُ مَحْضةٍ، ومذهب الخليل وسيبويه (٣) أن ظروف الزمان غَيْرُ مُتَمَكِّنةٍ، فإذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ مُعْرَبٍ أو إلى جملة مِثْلِ هذه بُنِيَتْ على الفتح، هكذا ذكره الصَّفَّارُ (٤). وقال صاحب إنسان العين (٥): النصب على حذف الفعل أو للإضافة إلى غير متمكن نحو: يَوْمَئِذٍ. والوصل بالضمير فِي الخط متابعة للمصحف، وحقه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٦). ثم تقول لهم خزنة النار: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾؛ أي حَرِيقَكُمْ وعَذابَكُمْ ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ في الدنيا تكذيبًا به. ثم أعْلَمَ ما لأهل الجنة عنده من الثواب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾؛ أي: قابِلِينَ ما أعطاهم رَبُّهُمْ من الثواب وأنواع الكرامات، ونصب ﴿آخِذِينَ﴾ على الحال، ويَجُوزُ رفعُهُ في غير القرآن

стр. 1149

على خبر "إنّ" (١)، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ يعني الثواب الذي أعْطاهُمْ ﴿مُحْسِنِينَ (١٦)﴾ في أعمالِهِمْ فِي الدنيا. ثم أخْبَرَ عن إحسانهم ما هو؛ فقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾؛ أي: ينامون، قيل (٢): "ما" هاهنا بمعنى الجحد؛ أي: كانوا لا ينامون بالليل، بل يقومون للصلاة والعبادة، وقيل: هو بمعنى "الَّذِي"؛ أي: كانوا قَلِيلًا من الليل الَّذِي يَهْجَعُونَ أي: كانوا قَلِيلًا من الليل هُجُوعُهُمْ؛ لأن "ما" إذا اتصل به الفعل صار في تأويل المصدر، كقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ (٣)؛ أي: بِظُلْمِهِم (٤).

стр. 1150

وقيل (١): "ما" هاهنا صلة مؤكدة للكلام، والخبر ما عاد من "يَهْجَعُونَ"، والمعنى: كانوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، على النعت لمصدر محذوف أو ظرف محذوف، أي: هُجُوعًا قَلِيلًا، أو وَقْتًا قَلِيلًا (٢)، وقيل (٣): هو منصوب على أنه خبر "كانَ". قوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾؛ أي: يُصَلُّونَ في السُّدُسِ الأخير من الليل، وقال أنَسٌ: "كُنّا نُؤْمَرُ بالسَّحَرِ بالاسْتِغْفارِ سَبْعِينَ مَرّةً" (٤). فصل عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من ليلة إلّا وَمُنادٍ يُنادِي مِنْ بُطْنانِ (٥) العَرْشِ: يا بني آدم! إن اللَّه تعالى يُقْرِئُكُم السَّلَامَ، ويقول: شَوَّقْناكُمْ فلم تَشْتاقُوا، وخَوَّفْناكُمْ فلم تَخافُوا، ونُحْنا لكم فلم تَبْكُوا، بالليل تنامون، وبالنهار تَقِيلُونَ، المَنْزِلَ الطَّوِيلَ مَتَى تَقْطَعُونَ" (٦). قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ يعني بالحَقِّ الزكاةَ الواجِبةَ، وهو رفع بالابتداء، والسائل: الذي يسأل الناسَ، والمَحْرُومُ: قيل: هو

стр. 1151

غير السائل، وقيل: هو المُحارَفُ، وقيل (١): المَحْرُومُ والمُحارَفُ واحد؛ لأن المَحْرُومَ: الذي حُرِمَ الرِّزْقَ، فلا يَتَأتى له، والمُحارَفُ: الذي حارَفَهُ الكَسْبُ؛ أي: انْحَرَفَ عنه، وقيل (٢): المَحْرُومُ: الكَلِبُ، وقال صاحب "إنسان العين" (٣): المَحْرُومُ: مَنْ لا سَهْمَ له في الإسلام، أو مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ على غَيْرِهِ. وقال الواحديُّ (٤): هو الذي ليس له في الغنيمة سَهْمٌ، ولا يَجْرِي عليه من الفَيْءِ شَيْءٌ، ومعناه في اللغة: المَمْنُوعُ من كل شيء، وهو الذي مُنِعَ الخيرَ والعطاءَ، وقال قتادة والزُّهْرِيُّ: المَحْرُومُ هو المُتَعَفِّفُ الذي لا يَسْألُ، وقد ذكره النَّبِيّ ﷺ ، فقال: "هو الذي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لِحاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ" (٥). قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ يعني: ما خَلَقَ اللَّهُ فيها من الجبال والبحار والأنهار والأشجار والثمار والنبت عامًا بِعامٍ، فيها آيات للموقنين باللَّه، يعرفونه بصنعته ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ آيات أيضًا، إذْ كانت نُطْفةً ثم عَلَقةً ثم مُضْغةً ثم عَظْمًا، إلى أن يُنْفَخَ فيها الرُّوحُ.

стр. 1152

ثم عَنَّفَهُمْ فقال: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ قال مقاتل (١): أفَلَا تُبْصِرُونَ كَيْفَ خَلَقَكُمْ فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ على البعث؟ ثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني المطر الذي يَنْزِلُ من السماء إلى الأرض لِيُحْيِيَ به الأرضَ، فَيُخْرِجُ به ألْوانَ النبات ﴿وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ من الخير والشر والجنة والنار. ثم أقْسَمَ الرَّبُّ بنفسه فقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لأنَّهُ رَبُّهُما ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ يعني القرآن وما ذكر من الآيات والرزق أنه كائن ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ شَبَّهَ اللَّهُ تعالى تَحَقُّقَ ما أخْبَرَ عنه بِتَحَقُّقِ نُطْقِ الآدَمِيِّ وَوُجُودِه، والمعنى: أنه في صِدْقِهِ وَوُجُودِه كالذي يعرفه ضرورةً. وقوله: "مِثْلَ ما" قرأ أهل الكوفة إلّا حَفْصًا: ﴿مِثْلُ ما﴾ بالرفع على البدل من الحق، وقيل (٢): هو من صفة الحق، وقرأ غيرهم بالنصب (٣) على عدم الخافض؛ أي: كَمِثْلِ ما أنّكُمْ تَنْطِقُونَ (٤)، وقيل: من نصب جعل ﴿مِثْلَ﴾ مع

стр. 1153

﴿ما﴾ بمنزلة شيء واحد، قاله أبو عثمان المازنيُّ وأبو عَلِيٍّ الفارسي (١)، قال: ومثله قولُ حُمَيْدٍ: ٢٧٩ - وَوَيْحًا لِمَنْ لَمْ يَدْرِ ما هُنَّ وَيْحَما (٢) فَبَنَى وَيْحًا مع "ما"، ولَمْ يُلْحِقْهُ التَّنْوِينَ. وقال الفراء (٣): من نصب ﴿مِثْلَ مَا﴾ جعله في مذهب المصدر، كقولك: إنه لَحَقّ حَقًّا. ونَحْوَ ذلك قال الزجاج (٤)، وقيل: هو نصب على التوكيد، وقيل (٥): انتصب مَبْنِيًّا لإضافته إلى مَبْنِيٍّ، وهو "ما" -وهي زائدة-، إذ

стр. 1154

المضاف يَكْتَسِي حُكْمَ المضاف إليه، قال الشاعر: ٢٨٠ - لَمْ يَمْنَعِ الشَّرْبَ مِنِّي غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ... حَمامةٌ فِي غُصُونٍ ذاتِ أوْقالِ (١) والمعنى: إنه لَحَقٌّ كَما أنّكُمْ تَنْطِقُونَ. فصل عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَوْ أنّ

стр. 1155

أحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقِهِ لَتَبِعَهُ كَما يَتْبَعُهُ المَوْتُ" (١)، وأُنْشِدَ فِي معناه: ٢٨١ - الرِّزْقُ فِي القُرْبِ وَفِي البُعْدِ... أطْلَبُ لِلْعَبْدِ مِنَ العَبْدِ لَوْ قَصَدَ الطّالِبُ فِي سَعْيِهْ... أتاهُ ما قُدِّرَ فِي قَصْدِ (٢) وقال آخر: ٢٨٢ - أسْعَى لأَطْلُبَ رِزْقًا، وَهْوَ يَطْلُبُنِي... والرِّزْقُ أكْثَرُ لِي مِنِّي لَهُ طَلَبا (٣) قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ يا محمد ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ يعني الملائكة، ولَمْ يقل: أضْياف؛ لأن ضَيْفًا مَصْدَرٌ، وحقيقته فِي العربية: حَدِيثُ ذَوِي ضَيْفِ، مثل قوله تعالى: "واسْألِ الْقَرْيةَ" (٤)، و"هَلْ" بمعنى: قَدْ أتاكَ -ولَمْ يكن إذْ ذاكَ أتاهُ (٥) - حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم المكرمين ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ نصب على المصدر؛ أي: سَلَّمُوا على إبراهيم سَلَامًا (٦)،

стр. 1156

وقيل (١): هو منصوب بوقوع الفعل عليه ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: عَلَيْكُمْ سَلامُ، وقد تقدم نظيره في سورة هود (٢)، وقرأ حمزة والكسائي: "قالَ سِلْمٌ" (٣)، وفي هذا تقديران، أحدهما: أن يكون سِلْمٌ وسَلَامٌ بمعنى واحد، مثل حِلٍّ وحَلَالٍ، ويجوز أن يكون التقدير: نَحْنُ سِلْمٌ (٤). وقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ خبر ابتداء محذوف تقديره: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، قال ابن عباس ﵁: قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم، وذلك أنه ظَنُّهُمْ من الإنس، ولَمْ يَعْرِفْهُمْ، وكانوا جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ ﵈. فصل عن أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ (٥) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّه واليوم الآخَر فَلْيُحْسِنْ إلَى جارِهِ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ

стр. 1157

ضَيْفَهُ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتَ" (١). قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ يعني سارةَ ﴿فِي صَرَّةٍ﴾؛ أي: فِي صَيْحةٍ وصَرْخةٍ وشِدّةِ صَوْتٍ (٢)، وقيل (٣): في جَماعةِ نِسْوةٍ مُتَبادِراتٍ؛ لِيَنْظُرْنَ الملائكةَ، ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ معنى الصَّكِّ: ضَرْبُ الشيءِ بالشيءِ العَرِيضِ (٤)؛ أي: ضَرَبَتْ وَجْهَها بجميع أصابعها تَعَجُّبًا ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾؛ أي: أنا عجوزٌ عاقِرٌ، فكيف ألِدُ؟! ﴿قَالُوا كَذَلِكِ﴾؛ أي: هكذا ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ سَتَلِدِينَ غُلَامًا ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾ بأمر الوَلَدِ في بَطْنِ سارّةَ ﴿الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ بما لَمْ يَعْلَمْ به العبادُ. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ ابتداء وخبر؛ أي: ما أمْرُكُمْ؟ ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾، فَأخْبَرُوهُ فـ ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ يعني قوم لوط ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً (٣٤)﴾ هو مِنْ نَعْتِ الحجارة، أو هي نصب على

стр. 1158

لحال (١)، وقد تقدم تفسير المُسَوَّمةِ في سورة هود (٢)، فأغنى عن الإعادة هاهنا. قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف والأعمش بجَرِّ الميمِ (٣)؛ أي: وفي قَوْمِ نُوحٍ، وقرأ غيرهم بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه أحدها: أن يَكون مَرْدُودًا على الهاء والميم في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ (٤٤)﴾؛ أي: وَأخَذَتْ قَوْمَ نُوحٍ الصّاعِقةُ، وقرأ الكسائيُّ: ﴿الصَّعْقةُ﴾ (٤) ساكنة العين من غير ألف، والثانِي: على تقدير: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ، والثالث: واذْكُرْ قَوْمَ نُوحٍ (٥) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِنْ قَبْلِ عاب وفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾؛ أي: عاصِينَ خارجين عن أمْرِ اللَّه وطاعَتِهِ.

стр. 1159

قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾؛ أي: بِقُوّةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ (١) أي: ذا القُوّةِ فِي العبادة، والمعنى: رَفَعْناها، وكل شيء ارتفع فوق شيء فهو بناء (٢)، ﴿إِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ لَذَوُو سَعةٍ لِخَلْقِنا، والمعنى: لقادرون على رزقهم لا نعجز عنه، والمُوسِعُ: ذُو الوُسْعِ والسَّعةِ. قوله: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾؛ أي: بَسَطْناها، نظيره: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ (٣)، وقد تقدم في سورة ق ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ قال ابن عباس: نِعْمَ ما وَطَّأْتُ لِعِبادِي ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والبَرِّ والبَحْرِ، والنُّورِ والظُّلْمةِ، والحُلْوِ والمُرِّ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ أي: لكي تتعظوا، فتعلموا أن خالق الأزواج واحِدٌ أحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يريد: بالتوبة من ذنوبكم، والمعنى: فِرُّوا من الكفر والعصيان إلى الطاعة والإيمان، والْجَأُوا إلى اللَّه، وفارِقُوا ما أنتم عليه من المَظالِمِ والمعاصي ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ أنذِرُكُم العقابَ على الكفر والمعصية، وأصل الفرار البُعْدُ من الشيء، وقال شُرَيْكٌ (٤): فِرُّوا منه إليه، قال الشاعر: ٢٨٣ - مِنْهُ إلَيْهِ يَفِرُّ العالِمُونَ بِهَ... وَأيْنَ إلَّا إلَيْهِ يَلْجَأُ اللّاجِئُ؟ (٥)

стр. 1160

قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ قرأ العامة بكسر النون مضافة إلى اللَّه، وقرأ بعض أهل الشام بنصب النون (١)، قال: ولو كان بالكسر ما عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ؛ لأن مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَهُ، ومِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ، قال المفسرون (٢): هذا خاصٌّ لأهل طاعته، يعني: مَنْ آمَنَ مِنَ الفريقين، وفي قراءة أُبَيٍّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣)، والمعنى: إلا لِيَخْضَعُوا إلَيَّ ويَتَذَلَّلُوا، ومعنى العبادة في اللغة: الذُّلُّ والانْقِيادُ. ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾؛ أي قُوّةٍ، وقيل: أُجْرةٍ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾؛ أي: ما أريد منهم أن يَرْزُقُوا أحَدًا من خَلْقِي، ولا أن يُطْعِمُوا أحَدًا من خَلْقِي، وإنما أسْنَدَ الإطْعامَ إلى نفسه، لأن الخَلْقَ عِيالُ اللَّهِ، فمن أطْعَمَ عِيالَ اللَّهِ فقد أطْعَمَهُ، وهذا كما يُرْوَى أن اللَّه يقول: "عَبْدِي: اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي" (٤)، أي: فَلَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي. ثم بَيَّنَ أن الرَّزّاقَ هو لا غيره، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ لهم المُطْعِمُ ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ قرأه العامة برفع النون على أنه خبر بعد خبر لـ "إنّ"،
следующие страницы →