← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١ - في قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "قيل: اللامُ صِلةٌ، مجازُها: يدعو مَن ضُرُّه أقربُ من نَفْعِه، وهكذا قرأها ابنُ مسعود، وقال طاهر بن أحمد (٣): مَنْ قال: اللام هاهنا زائدةٌ ففاسدٌ؛ لأنّها لا تقَعُ أولًا في أقوى مراتبِها وتكونُ زائدةً، وإنّما زِيدت وسَطًا في قول بعضهم: أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى منَ الَّلحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبه". ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقال طاهر بن أحمد (٦): ليس المرادُ بالسلام في الآيةِ الكرامةَ والتحيّة، وإنّما المرادُ به التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيةُ؛ لأنه خطابُ المؤمنين للجاهلين، كأنّهم قالوا: تَبَرَّأْنا منكم تَبَرُّؤًا، وسُلِّمْنا منكم تَسْلِيمًا، فأَوْقَعَ السلامَ موقعَ التسليم، فانتصب بانتصابه، فلذلك وَجَب نصبُه". - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "وقال طاهر ابن أحمد (٩): ﴿حَدَائِقَ﴾: بدَلٌ من ﴿وَأَعْنَابًا﴾، وهو بَدَلُ بمِرةٍ من نَكِرةٍ. قال: ومثله من الشعر: وكُنْتُ كذِي رِجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحةٍ... ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ". _________ (١) الحج ١٣. (٢) البستان ١/ ٤٦٨. (٣) شرح جمل الزجاجي ١/ ١٣٦. (٤) الفرقان ٦٣. (٥) البستان ١/ ٣٩١. (٦) شرح جمل الزجاجي ٢/ ١٥٢. (٧) النبأ ٣٢، ٣١. (٨) البستان ٤/ ٢٥٨. (٩) شرح المقدمة المحسبة ص ٤٢٥، وينظر: شرح جمل الزجاجي ١/ ٥٧.

стр. 107

والثانية: النَّقل عنه بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "فـ ﴿مِن﴾ الأولى: للغاية؛ لأنّ ابتداءَ الإنزال من السماء، والثانية: للتبعيض؛ لأنّ البرَدَ بعضُ الجبال التي في السماء، والثالثة لتبيين الجِنس؛ لأنّ جنسَ تلك الجبال جنسُ البَرَد، فالأُولَيانِ متعلِّقتان بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾، والثالثة: متعلِّقةٌ باستقرارٍ محذوف". اهـ، فهذا النصُّ قاله طاهر بن أحمد في شرح جُمَل الزَّجّاجي (٣). ٢ - في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "و ﴿ما﴾ هاهنا بمعنى: "مَنْ"، قال بعض النَّحْويِّين: قد تدخُل "ما" لصفاتِ من يَعقِل، كقوله تعالى هاهنا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأنّ الربَّ هو المالك، والمِلْكُ صفة". اهـ، وبعض النَّحْويِّين هذا هو طاهر بن أحمد (٦). خامسًا: مصادرُ أخرى: وأهمُّها ثلاثةُ كتُب، هي: الكشفُ والبيان للثَّعلبي، والوسيطُ للواحدي، وإنسانُ عَيْن المعاني لِمُحمد بن طَيْفور الغَزْنَويِّ السّجاوَنْدي. ١ - الكشفُ والبيان للثَّعلبي: وهو من أكثرِ الكتُبِ التي نَقَل عنها الجِبْلي، وقد تعدَّدت هذه النُّقولُ بين نقولٍ نَحْويّة ولُغوية، بالإضافة إلى التفسير والحديث _________ (١) النور ٤٣. (٢) البستان ١/ ٣٤٧. (٣) ١/ ١٣٩. (٤) الشعراء ٢٣. (٥) البستان ١/ ٤١٤. (٦) وقد قاله في شرح جمل الزجاجي ١/ ٣٦.

стр. 108

وأسباب النزول ونحوِها، وكانت نُقولُه عن الثَّعلبيِّ بطريقةٍ من اثنتَيْن: الأُولَى: النَّقل الصَّريح، ومن أمثلته ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (١)، قال الجبْلي (٢): "قال الثعلبي ﵀ (٣): رأيتُ في بعض الكتب أنّ لقمان قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. . .﴾ إلى آخِر الآية، فانْفَطَرَ هَيْبةً من هذه الكلمة فمات، فكان آخِرَ حِكْمتِهِ". ٢ - في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قَرأَه العامّةُ بالياء لأَجْل الحائل، وقَرأ أبو جعفرٍ بالتاء لتأنيث النَّجْوَى، والأَوَّلُ أصَحُّ وأفْصَحُ، قاله الثَّعلبي (٦) ". والثانية: النقل عن الثَّعلبيِّ بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "والزَّلْزَلةُ والزَّلْزالُ: شدّةُ الحركة على الحال الهائلة، من قولهم: زَلَّتْ قَدَمُهُ: إذا زالت عن الجهة بسرعة". اهـ، وهذا ما قاله الثَّعلبي في الكشف والبيان (٩). _________ (١) لقمان ١٦. (٢) البستان ٢/ ٦٠. (٣) الكشف والبيان ٧/ ٣١٤. (٤) المجادلة ٧. (٥) البستان ٢/ ١١٤. (٦) في الكشف والبيان ٩/ ٢٥٦. (٧) الحج ١. (٨) البستان ١/ ٢٢٢. (٩) ٧/ ٦.

стр. 109

٢ - في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ونظيرها في الكلام: شِبْرٌ وأَشْبارٌ، وجِلْدٌ وأَجْلادٌ، فكما أنّ الحِمارَ يحمِلُها وهو لا يَدْرِي ما فيها، ولا يَنْتَفِعُ بها، كذلك اليهودُ يقرؤون التوراةَ ولا ينتفعون بها؛ لأنهم خالَفْوا ما فيها". اهـ، وهذا أيضًا ما قاله الثَّعلبي (٣). ٢ - الوَسِيط للواحِدي: وهو من أهمِّ المصادر عندَ الجِبْلي، وهو مثلُ الكشف والبيان، تعدَّدت نُقول الجِبْلي عنه بين نَحْويّةٍ ولُغويّة وتفسيريّة، وكانت نُقولُه عن الواحِدي بطريقةٍ من اثنتَيْن أيضًا: الأولى: النَّقل الصريح، ومن أمثلته ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قال الواحِدي (٦): ﴿أَنَّ﴾ في قراءة مَن فَتَح الألفَ محمولةٌ على الجارِّ في قول الخليل وسيبوَيْه (٧)، التقدير: ولأنَ هذه أُمّتُكم أمةً واحدةً ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، ومن قرأ بالتخفيف، فـ ﴿أَنْ﴾ هي المخفَّفة من المشدَّدة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨)، ومَن كَسَرَ مع التشديد فهو على الاستئناف". _________ (١) الجمعة ٥. (٢) البستان ٣/ ٤٠٩. (٣) في الكشف والبيان ٩/ ٣٠٧. (٤) المؤمنون ٥٢. (٥) البستان ١/ ٢٨٩. (٦) الوسيط ٣/ ٢٩٢. (٧) الكتاب ٣/ ١٢٦، ١٢٧. (٨) يونس ١٠.

стр. 110

٢ - في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقال الواحدي (٣): إنّما شَرَطَ إرادةَ التحصُّن لأنّ الإكراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عند إرادة التحصُّن، فإن لم تُرِدِ المرأةُ التحصنَ باغَتْ بالطبع". والثانية: النقل عن الواحدي بغير إشارةٍ إليه، ومن أمثلته ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "يعني: على شَكٍّ، وأصلُه من حَرْف الشّيء وهو: طَرَفُه، نحوَ: حَرْفِ الجبل والحائط الذي القائمُ عليه غيرُ مستقرٍ، فالذي يعبُد اللَّه على حرفٍ كالذي هو على حرفِ جبل أو نحوِه يضطرِبُ اضطرابًا، ويضعُف قيامه خوفًا من السقوط" اهـ، وهذا نصُّ كلام الواحدي (٦). ٢ - في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "وإنما خَصَّ الطيرَ بالذِّكر من جملة الحيَوان لأنها تكون بينَ السّماءِ والأرض، فهي خارجةٌ عن جُملة مَن في السماوات والأرض". اهـ، وهذا ما قاله الواحدي (٩). _________ (١) النور ٣٣. (٢) البستان ١/ ٣٢٩. (٣) الوسيط ٣/ ٣١٩. (٤) الحج ١١. (٥) البستان ١/ ٢٣٠. (٦) في الوسيط ٣/ ٢٦١. (٧) النور ٤١. (٨) البستان ١/ ٣٤٥. (٩) في الوسيط ٣/ ٣٢٣.

стр. 111

٣ - إنسانُ عَيْن المعاني أو إنسانُ العَيْن: وقد اعتمد عليه الجِبْلي اعتمادًا كبيرًا، إذ نَقَل عنه نقلًا صريحًا في أربعةٍ وخمسين موضعًا في البستان، وقد تنوَّعت نُقولُه عنه بينَ نقولٍ نَحْويّة ولُغويّة وتفسيريّة وغيرها، وهذأ الكتابُ أَلَّفَهُ أبو عبد اللَّه محمدُ بن طَيْفور الغَزْنَويُّ السَّجاوَنْدِيُّ اختصارًا لكتابه "عَيْنُ المعانِي في تفسير السَّبع المثاني" (١). وكتاب إنسان العَيْن لم أستطع الوصول إليه بعدَ أن بحثتُ عنه في فهارس المخطوطات المتاحة أمامي، ولذلك اضطُرِرت إلى تخريج أقوال السَّجاْوَنديِّ من كتابه الأصليِّ "عَيْن المعانِي في تفسير السبع المثاني"، باستثناء ما لم يَرِدْ في عين المعانِي، وقد نبَّهت على ذلك في موضعه، وكانت نُقولُ الجِبلي عن صاحب إنسان العَيْن بطريقة من اثنتَيْن: الأولى: النقل الصَّريح، ومن أمثلته ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "قال صاحب إنسان العَيْن (٤): والشُّكُورُ: إشارةٌ _________ (١) ينظر: طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ١٥٧، الوافي بالوفيات ٣/ ١٧٨، طبقات المفسرين للسيوطي ص ١٠١، كشف الظنون ٢/ ١١٨٢، الأعلام ٦/ ١٧٩، معجم المؤلفين ١٠/ ١١٢، وذكر القفطي أن ابن محمد بن طيفور هذا هو الذي اختصر كتاب والده، قال القفطي: "محمد بن طيفور السجاوندي الغزنوي المفسر النحوي اللغوي، قريب العهد منا، كان في وسط المائة السادسة للهجرة النبوية، صنف كتابًا في تفسير القرآن العزيز سماه "عَيْنَ التفسير"، ذكر فيه النحو وعلل القراءات والأبيات ومعانيها واللغة إلى غير ذلك من معانِي التفسير في مجلدات، أعدادها قليلة، وفوائدها كثيرة جليلة، واختصر وَلَدُهُ هذا التفسير وسماه: "إنسان العين". إنباه الرواة ٣/ ١٥٣. (٢) الفرقان ٦٢. (٣) البستان ١/ ٣٩٠. (٤) عين المعاني ورقة ٩٣/ أ.

стр. 112

إليه في عُمَر بن الخطاب ﵁ لِفَوات وِرْدِهِ". ٢ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وهو نُوحُ ابن لَمَكَ بن مَتُّوشَلَخَ بن أَخْنُوخَ -وهو إِدْرِيسُ ﵇ ونوحٌ بالسُّرْيانِيّةِ معناه: السّاكِنُ؛ لأن الأرض طُهِّرَتْ من خَبَثِ الكفار وسَكَنَتْ إليه، وفي الحديث: "أَوَّلُ بَنِي إسرائيلَ نُوحٌ ﵇"، قاله السَّجاوَنديُّ" (٣). والثانية: النقل عنه بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقَرأَ طلحة بن مصرِّف والحسن وعيسى بن عُمر: ﴿سُورةً﴾ بالنَّصب على معنى: أَنْزَلْناها سُورةً، والكناية صلةٌ زائدة، وقيل: على الإغراء؛ أي: اتَّبِعوا سورة أنزلناها". اهـ، وهذا الوجه الثاني قاله السَّجاوَندي في عين المعانِي (٦). ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "وقيل: الباء للتّعدِية؛ أي: تُشَقِّقُ السماءُ الغمامَ: تُهْوِيها إلى الأرض". اهـ، وهذا ما قاله السَّجاوَندي (٩). _________ (١) نوح ١. (٢) البستان ٤/ ٨١. (٣) عين المعانِي ورقة ١٣٧/ ب. (٤) النور ١. (٥) البستان ١/ ٣٠٨. (٦) ورقة ٨٨/ ب. (٧) الفرقان ٢٥. (٨) البستان ١/ ٣٧٤. (٩) ينظر: عين المعانِي ورقة ٩٢/ ب.

стр. 113

المبحثُ الثالث منهجُ الجِبْليِّ في البستان والحديثُ عن منهج الجِبْلي في البستان يتناول الأمورَ التالية: خُطّةُ الكتاب - نُقولُه عن العلماء - اهتمامُه باللُّغة - اهتمامُه بتوضيح التصحيف - استطرادُه في ذِكْرِ أشياءَ بعيدةٍ عن موضوع الآية التي يشرحها - تَرْكُهُ آياتٍ بدون إعراب أو شرح - تأثرُه بلغةِ الفقهاء والمتكلِّمين - اهتمامُه بالروايات المختلفة للشِّعر - أشعارٌ في الزهد والحِكمة. ١ - خُطّةُ الكتاب: أ- تناول الجِبْلي سُوَرَ القرآن سورةً سورةً، بترتيب المصحف. ب- كان الجِبْلي يبدأُ كلَّ سورةٍ بذكر اسمها، وما إذا كانت مكيّةً أو مَدنيّةً، ثم يذكر عددَ حروفها وعددَ كلماتها وعدد آياتها، ثم يذكر بابًا فيما جاء في فضل قراءتها، فيذكر حديثَيْن في الغالب (١)، وقد يذكر حديثًا واحدًا (٢)، وقد يذكر أكثرَ من ذلك (٣). _________ (١) وهذا هو الغالب في الكتاب. (٢) كما ذكر في فضل قراءة سورة قريش ٥/ ٧٣. (٣) فقد ذكر المؤلف ثلاثة أحاديث في فضل قراءة كل من السورة الآتية: النور، الرحمن، الواقعة، المعارج، التكوير، العاديات، التكاثر، الكوثر، الكافرون، وذكر أربعة أحاديث في فضل قراءة كل من السور الآتية: السجدة، الدخان، الحديد، البينة، الزلزلة، وذكر خمسة أحاديث في فضل قراءة كل من السور الآتية: الفتح، الأعلى، المعوذتين، وذكر ستة أحاديث في فضل قراءة سورتَيِ الملك، الإخلاص.

стр. 114

ج - أغلبُ الأحاديث التي أورَدها الجِبْلي في فضائل السُّور موضوعةٌ، وقد نبَّهتُ على ذلك في أوّل سُورة الأنبياء. د- بعدَ أن يذكرَ الجِبلي ما وَرَد في فضل قراءة السورة يذكر "بابُ ما جاء فيها من الإعراب"، فيتناول آياتِ هذه السورة بالإعراب والشّرح، ولكنه في الغالب لا يتناول جميعَ آياتِ السورة، بل ينتقي بعضًا منها، وهو في هذا يتَّبع طريقةَ أكثرِ المعرِبين السابقين، ولكنه في أحيانٍ أخرى يُعربُ جميعَ آيات السورة، كما هو الحالُ في أغلبِ سُوَر الجزءِ الثلاثين. هـ- قد يذكُر في ثنايا السورة فصلًا أو أكثرَ، يوردُ فيه حديثًا أو أكثرَ في تفسير آية أو ذكْرَ سببِ نزول، وقد يذكر بعضَ القَصَص في هذا الفصل. و- أَوْرد الجِبْلي نحوَ ثمانِمائة حديث، منها ما أَوْرده في فضائلِ السُّور كما سبق، ومنها ما أَوْرده في تفسير آيةٍ، أو في سببِ نزولٍ أو نحو ذلك، ومنها أحاديثُ استشهَد بها الجِبلي على حُكم نَحْويّ أو رأي لُغوي، وهي قليلةٌ بالنسبة للأحاديث الأخرى، وأما الأخبار والقَصَص فأغلبها إسرائيليّاتٌ موضوعة. ٢ - نُقولُه عن العلماء: - كان الجِبْلي يذكر آراءَ النُّحاة في مسألةٍ ما، وقد يُكْثِرُ من هذه الآراء كثرةً واضحةً، ثم يختار الرأيَ الراجح منها، وقد يذكُر هذه الآراءَ بدون ترجيح، وقد يكتفي الجِبلي بذِكر رأيٍ واحدٍ في إعراب الآية اعتمادًا على أنّ هذا هو الراجح، وقد يذكر الجِبْلي وجهًا إعرابيًّا أو أكثرَ في إعراب آيةٍ ما دون أن يعزوَ هذه الآراءَ إلى أصحابها. ٣ - اهتمامُه باللغة: اهتمَّ الجِبْلي اهتمامًا كبيرًا بالآراءِ اللغويّةِ في توضيحِ معاني الآياتِ التي يتناولها، كما اهتمَّ أيضًا بظواهرَ لغويّةٍ عديدة، ومنها:

стр. 115

أ- الفروق اللغوية: ومن أمثلتها عندَه ما يلي: - في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وواحدُ القواعد: قاعِدٌ بغير هاء، وقواعدُ البيت: أساسُه، واحدُها: قاعدةٌ، بهاء". - في قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (٣)، قال الجِبلي (٤): "يقال: ناصَهُ الشَّيءُ: إذا فاتَهُ، والنَّوْصُ بالنون: التَّأَخُّرُ، والبَوْصُ بالباء: التَّقَدُّمُ، قاله الفراء" (٥). وقد جمعهما امرؤ القيس في بيتٍ، فقال: فَتَقْصُرُ عَنْها خُطْوةً فَتَبُوصُ". - في قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "والنَّضْخُ -بالخاءِ المُعجَمةِ عند العرب-: الرَّشُّ، والنَّضْحُ -بالحاءِ المُهمَلةِ-: دُونَهُ". ب- الأضداد: اهتمَّ الجِبلي في مواضعَ كثيرةٍ بإبرازِ الألفاظ المتضادّة وبيان معانيها، ومن أمثلة ذلك عندَه ما يلي: - لفظ "التفكُّه": ففي قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٨)، قال الجِبلي (٩): "ومعنى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تتَعَجَّبُونَ مما نَزَلَ بكم في زَزعِكم، وقيل: تَنَدَّمُونَ، وقيل: تَلَاوَمُونَ، _________ (١) النور ٦٠. (٢) البستان ١/ ٣٥٥. (٣) سورة ص ٣. (٤) البستان ٢/ ٢٩٦. (٥) معاني القرآن ٢/ ٣٩٧. (٦) الرحمن ٦٦. (٧) البستان ٣/ ٢٧٧. (٨) الواقعة ٦٥. (٩) البستان ٣/ ٣١١.

стр. 116

وقيل: تَحْزَنُونَ، وهو من الأضداد، تقول العربُ: تَفَكَّهْتُ: إذا تَنَعَّمْتَ، وتَفَكَّهْتُ: إذا حَزِنْتَ، قال أبو عَمْرٍو والكِسائيُّ (١): التَّفَكُّهُ هو: التَّلَهُّفُ على ما فات، وقيل: التَّفَكُّهُ: التَّكلُّمُ فيما لا يَعْنِيكَ، ومنه قيل للمُزاح: فُكاهة". - لفظُ "الظنِّ": ففي قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (٢)، قال الجِبلي (٣): "أي: عَلِمْتُ وأَيْقَنْتُ في الدنيا أَنِّي مُحاسَبٌ في الآخرة، والظَّنُّ يُستعمَلُ في اللُّغة بمعنى: اليقين، ويستوي اللفظُ بحقيقته فيه، ويُسْتَعمَلُ بِمعنى الشَّكِّ، قال أهلُ اللغة: الظَّنُّ من الأَضْداد، يكون يقينًا ويكون شَكًّا، كالرَّجاءِ يكون أَمَلًا ويكون خَوْفًا". ٤ - اهتمامُه بتوضيح التصحيف: ومن أمثلته ما يلي: - في قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (٤)، قال الجبلي (٥): "قيل: هو في سَماءِ الدنيا، وقيل: في السَّماء الرابعة بِحِذاءِ الكعبةِ يُقالُ له: الضُّراحُ بضادٍ معجَمة، ومَن رواه بالصّاد المهمَلة فقد صَحَّفَ، ذكره ابنُ الأثير في غريبه" (٦). ٥ - استطرادُه في ذكر أشياءَ بعيدةٍ عن موضوع الآية التي يشرحها: كان الجِبلي يتطرَّقُ أحيانًا إلى ذِكرِ حكم نَحْويٍّ أو فائدة لُغويّة أو حُكم فِقْهيّ أو غير ذلك ممّا هو خارجٌ عن موضوع الآية التي يتناولها، ومن أمثلة استطراده في ذكر فوائدَ لُغويّة: _________ (١) ينظر قولهما في تهذيب اللغة للأزهري ١٠/ ٢٨٠، الوسيط للواحدي ٤/ ٢٣٨. (٢) الحاقة ٢٠. (٣) البستان ٤/ ٤٥. (٤) الطور ٤. (٥) البستان ٣/ ١٨٤. (٦) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٣/ ٨١.

стр. 117

- ما أورده في شرحه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (١)، فقد أورد فصلًا ذَكَر فيه أحاديثَ في فضل النِّكاح، وممّا وَرَد في هذا الفصل قولُه (٢): "ويُسْتَحَبُّ له أن يتزوَّج الأبكار، ولا يتزوجَ عجوزًا ولا عاقرًا، لما رُوِيَ عن ابن عُمر ﵁ أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "عليكم بالأبكار، فإنّهنَّ أعذب أفواهًا وأَنْتَقُ أرحامًا، وأَسْمَنُ أَقْبالًا، وأرضى باليسير من العمل"، ومعنى قوله ﵇: "أنتق أرحامًا"؛ يعني: كثيرة الولد، يقال: امرأة ناتِقٌ؛ أي كثيرة الأولاد"، قال الشاعر: أَبَى لهُمُ أَن يَعرِفُوا الضَّيْمَ أنَّهمْ... بَنُو ناتِقٍ كانتْ كثيرًا عِيالُها" - ما أَوْرده في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (٣) فقد قال الجِبْلي (٤): "أَماراتُها وعلاماتُها منَ انشقاق القمر وخروج النبيِّ ﷺ ، والأَشْراطُ واحدُها: شَرَطٌ، وأصلُ الإشراطِ: الإعلامُ، يقال: أَشْرَطَ نَفْسَهُ للأمر: إذا جَعَلَ نَفْسَهُ عَلَمًا فيه، وبهذا سُمِّيَ أصحابُ الشُّرَطِ، لِلُبْسِهِم لِباسًا يكون علامةً لهم، ومنه قيل: الشَّرْطُ في البيع وغيره؛ لأنه علامة من المتبايعَيْنِ، ويقال: أَشْرَطَ فُلانٌ نَفْسَهُ في عمل كذا؛ أي: أَعْلَمَها وجَعَلها له، قال أوسُ بن حُجْرٍ يصفُ رَجُلًا يُدَلِّي بحَبْلٍ من رأس جبلٍ إلى نَبِقَةٍ ليقطَعها ويتَّخذَ منها قَوْسًا: فأَشْرَطَ فيها نَفْسَهُ وهْوَ مُعْصِمٌ... وأَلْقَى بأسبابٍ لهُ وتَوَكَّلا". _________ (١) النور ٣٢. (٢) البستان ١/ ٣٢٧. (٣) محمد ١٨. (٤) البستان ٣/ ٧٩.

стр. 118

- وفي قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "أي: فُتِّتَتْ فَتًّا، ولُتَّتْ لَتًّا، كما يُبَسُّ السَّوِيقُ ويُلَتُّ، قال الشاعر: فانْبَسَّ حَيّاتُ الكَثِيبِ الأَهْيَلِ والبَسِيسةُ عندَ العرب: الدَّقيقُ أو السَّوِيقُ يُلَتُّ ويُتَّخَذُ زادًا، وذُكِرَ عن لِصٍّ من غَطَفانَ أنه أراد أن يَخْبِزَ، فخافَ أن يُعَجَّلَ عن الخَبْزِ، فقال: لا تَخْبِزا خُبْزًا، وبُسّا بَسّا ولَا تُطِيلَنْ بِمُناخٍ حَبْسا". ٦ - ترْكُه آياتٍ بدون إعراب أو شرح: كان الجِبْلي يرى في بعض الأحيان أنَّ بعضَ الآيات ظاهرةُ التفسير أو الإعراب، فلا يُعرِبُها، فنراه يقول مثلًا: "وما بعدَ هذا ظاهرُ التفسير" ونحوَه، ومن أمثلة ذلك ما يلي: - ما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣)، فقد قال الجِبْلي (٤): محَلُّ ﴿اَلَّذِينَ﴾: رفْعٌ على النعت للمؤمنين، وإن شئتَ قلت: هو رَفْعٌ على الابتداء، وإن شئتَ قلت: محَلُّه نَصْبٌ على المدح، وما بعدَه ظاهرُ التفسير". ثم انتقل إلى إعراب الآية الخامسة من السورة، فقال (٥): "قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٦)، قال اللَّيث: الفَرْجُ: اسمٌ يَجْمَعُ سَوْآتِ الرجال والنساء، _________ (١) الواقعة ٥. (٢) البستان ٣/ ٢٨٨. (٣) المؤمنون ٢. (٤) البستان ١/ ٢٦٨. (٥) البستان ١/ ٢٦٨. (٦) المؤمنون ٥.

стр. 119

فالقُبُلانِ وما حَوالَيْهِما كُلُّهُ فَرْجٌ، والمراد بالفَرْجِ هاهنا فُرُوجُ الرجال خاصةً، قال الكلبيُّ: يعني: يَعَفُّونَ عما لا يَحِلُّ لهم". - ما وَرَد في الآية الأولى من سُورة النور، فقد شَرَحَها إلى أنْ وصل فيها إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١)، ثم قال (٢): "أي: لكي تتَّعظوا وتعمَلوا بما أمَرَكم اللَّه به، وتنتهوا عمّا نهاكم اللَّه عنه، وما بعدَه ظاهرُ الإعراب إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٣) ". والأمثلة على هذا كثيرةٌ، وربما كان ذلك راجغا إلى أنّ هذا الكتابَ مُختصَرٌ وليس مُفَصَّلًا، وهذا ما ذكره الجِبْلي في أكثرَ من موضع من كتابه، ومنها: - في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (٤)، ذَكَر الجِبلي عدةَ آراءٍ، ثم قال (٥): "فيه اختلافٌ بين العلماءِ يطول شرحه هاهنا". - وفي قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٦)، ذَكَر الجِبْلي عدةَ آراءٍ ثم قال (٧): "وفيه تفاسيرُ واختلافٌ بين العلماء يطول شرحُها هاهنا، فاكتفَيْنا بحديث المصطفى وتفسيره ﷺ ". ٧ - تأثُّرُه بِلُغةِ الفقهاءِ والمتكلِّمين: الجِبْلِيُّ كان فقيهًا، وقد بدا تأثُّرُه في كتابه _________ (١) النور ١. (٢) البستان ١/ ٣١٠. (٣) النور ٦. (٤) القصص ٧٦. (٥) البستان ١/ ٥٠٩. (٦) لقمان ٢٠. (٧) البستان ٢/ ٦٥.

стр. 120

"البستان" بلغة الفقهاء واضحًا جَلِيًّا، كما تأثَّر أيضًا بلغة علماءِ الكلام والتوحيد، وهذا واضحٌ في غير موضع من كتابه. فمن المواضع التي تأثَّر فيها بلُغة الفقهاء: - في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (١)، قال (٢): "والمعنى: زوِّجوا أيُّها المؤمنونَ مَن لا زَوْجَ له من أحرارِ رجالكم ونسائكم، وهو أمرُ نَدْبٍ واستحباب، وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور، وفسَّر بعض الفقهاء الآيةَ على الحَتْم والإيجاب، فأَوْجب النكاحَ على من استطاعه". اهـ، ثم عَقَدَ فصلًا ذكر فيه أقوالَ الفقهاء في هذه الآية (٣). - وفي قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)، قال (٥): "فَصْلٌ: عن عبد اللَّه بن عُمر، قال: طَلَّقْتُ امرأتِي على عهد رسول اللَّه ﷺ وهي حائضٌ، فذَكَرَ ذلك عُمَرُ لرسول اللَّه ﷺ ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمْ يُمْسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عندَه حَيضةً أُخرى، ثُمَّ يُمْهِلها حتَّى تَطْهُرَ مِن حَيْضتِها، فإذا طَهُرَت فلْيُطَلِّقْها -إن شاء- قبلَ أن يُجامِعَها أو يُمْسِكْها، فتلك العِدّةُ التِي أَمَرَ اللَّهُ أن تُطَلَّقَ لها النساءُ"، رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن قُتَيبة عن الليث، وهذا هو طلاقُ السُّنة، وأمّا طلاق البِدعة فهو أن يقعَ في حال الحَيْض أو في طُهرٍ جامَعَها فيه، فهو واقعٌ وصاحبُه آثِمٌ". _________ (١) النور ٣٢. (٢) البستان ١/ ٣٢٦. (٣) ينظر: البستان ١/ ٣٢٦. (٤) الطلاق ١. (٥) البستان ٣/ ٤٤١.

стр. 121

ومن المواضع التي تأثَّر فيها بلغة المتكلِّمين: - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ (١)، قال (٢): "وهذه الآيةُ حُجّةٌ على القَدَرِيّةِ (٣)؛ لأنه نَفَى خالِقًا غَيْرَهُ وهم يثبتون معه خالِقِينَ". - وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٤)، قال (٥): "وفي قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ حُجّةٌ على القَدَرِيّةِ؛ لأن اللَّه تعالى صَرَفَ الجِنَّ إلى نَبِيِّهِ ﷺ بالإرادة، ولمْ يأمرهم بذلك؛ لأنّ اللَّه تعالى قد يريد ما لا يَأمُر به فيكون، ويَأمُر بما لا يريد فلا يكون". ٨ - اهتمامُه بإيراد الرّواياتِ المختلفة للشِّعر: كان الجِبْلي يهتمُّ بذكر الرّوايات المختلفة للشاهد الشِّعري الذي يُنشده، ومن أمثلته ما يلي: - قال الجِبْلي (٦): "والجزم بـ "إِذا" -وإن جاء في الشِّعر ضرورةً- لا يُحْمَلُ عليه القرآنُ، ورواية الجَزْم في الشعر كما قال: إِذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طُولُها... خُطانا إلى أَعْدائِنا فنُضارِبِ وخَطَّأَهُ المغربي؛ لأنّ القصيدةَ مرفوعةُ القوافي، وفيها: وقدْ عِشْتُ دَهْرًا والغُواةُ صَحابَتِي... أُولَئِكَ خُلْصانِي الَّذِينَ أُصاحِبُ _________ (١) فاطر ٣. (٢) البستان ٢/ ١٩١. (٣) يعني بالقدرية هنا المعتزلة. (٤) الأحقاف ٢٩. (٥) البستان ٣/ ٥٩. (٦) البستان ٢/ ١٥١.

стр. 122

وفيها: فلِلْمالِ عِنْدِي اليَوْمَ راعٍ وكاسِبُ" - وفي قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (١)، قال (٢): "قرأ أهلُ المدينة والشام وأيوبُ بفتح الفاء؛ أي: مُنَفَّرةٌ مَذْعُورةٌ، وقَرأ الآخَرون بالكسر، أي: نافِرةٌ، يقال: نَفَرَتْ واسْتَنْفَرَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنشد الفَرّاءُ: أَمْسِكْ حِمارَكَ، إِنَّهُ مُسْتَنْفَرٌ... في إِثْرِ أَحْمِرِةٍ عَمَدْنَ لِقُرَّبِ والقَرَبُ: طَلَبُ الماءِ، والقارِبُ: هو الطّالِبُ، ويروى: في إِثْرِ أَحْمِرِةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ و"غُرَّبٌ": اسم جَبَلٍ، ذكره صاحب ديوان الأدب" (٣). - قال الجِبْلي (٤): "وأنشد النَّحْويّون للفرزدَق: وِإذا الرِّجالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهمْ... خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسَ الأَبْصارِ وَرَوَوْهُ بكسر السِّين من نَواكِسِ، وأصله "نَواكِسِينَ"، فحُذِفَت النونُ للإضافة والياءُ لالتقاء الساكنَيْن، فبقيت السين مكسورةً في اللفظ". ٩ - أشعارٌ في الزهد والحِكمة: أكثَرَ الجِبلي من إيرادِ أبياتٍ ومقطَّعاتٍ في الزهد والحكمة، ممّا يدخُل في إطار استطرادِه في أشياءَ بعيدةٍ عن الإعراب، ويُنظَر ما سبق في موقف الجِبْلي من الشعر في الفصل الأول (٥). _________ (١) المدثر ٥٠. (٢) البستان ٤/ ١٦٥. (٣) ديوان الأدب للفارابي ١/ ٣٢٣. (٤) البستان ٤/ ١٩٨. (٥) ١/ ٦٠ وما بعدها.

стр. 123

المبحثُ الرابع المصطَلحاتُ النَّحوّية في البستان تُعَدُّ المصطَلحاتُ وسيلةً أساسيّةً لفهم العلوم، ومنها علم النَّحو، "فلا بد للنَّحو من مصطَلحاتٍ تكون أعلامًا على موضوعات ومعانٍ يُطْلِقُها أصحاب الصناعة، فيفهمُها الدارسون من أهلها" (١). وقد كان لكلِّ فريق من البَصْريِّين والكوفيِّين مصطلحاتٌ نَحْويةٌ خاصةٌ به، كما كانت هناك مصطَلحاتٌ مشتركة بين الفريقَيْن، يقول الدكتور مهدي المخزومي (٢): "والمصطلحات النَّحوية التي اصطنعتها المدرستانِ ثلاثُ طوائف: ١ - طائفةٌ كوفيّة خالصة، لم يعرفْها البصريُّون. ٢ - طائفةٌ بَصْريّة خالصة، لم يعرفْها الكوفيون. ٣ - طائفةٌ كوفيّةٌ بَصْريّة، إلّا أنّ لها عندَ الكوفيِّين اسمًا، وعند البصريِّين اسمًا آخر". اهـ. وقد كان الجِبلي يستخدمُ المصطلح البَصْريَّ أحيانًا، كما كان يستخدم المصطَلح الكوفيَّ أحيانًا أخرى، وربما استخدم مصطلحًا غيرَ معروف عند الفريقَيْن. _________ (١) مدرسة الكوفة في منهجها في دراسة اللغة والنحو، تأليف الدكتور/ مهدي المخزومي ص ٣٠٣، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط ٢، (١٣٧٧ هـ) = (١٩٥٨ م). (٢) مدرسة الكوفة للدكتور مهدي المخزومي ص ٣٠٥.

стр. 124

ولن أتناولَ في هذه الدراسة المصطلحاتِ البَصْريّةَ أو الكوفيّةَ التي استخدمها الجِبْلي؛ وذلك لأنّ هذه المصطلحاتِ قد بلغت من الشُّهرة عند النَّحويّين حَدًّا لا يحتاج إلى إبرازها وتوضيحها، ولكنني سأقتصرُ هنا على المصطلحات التي وقَفْتُ عليها عند الجِبْلي، وليست -على حَدِّ عِلْمِي- بصريّةً ولا كوفيّةً، ومن أمثلتها عندَه ما يلي: ١ - الفعل المستقبل: وقد استعمله الجِبْلي في كتابه في موضع واحد، وأراد به اسمَ الفاعل (١)، ففي قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ آتُوهُ دَاخِرِينَ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "وأصلُ ﴿آتُوهُ﴾: آتِيُوهُ، وهو فعلٌ مستقبَلٌ على قراءة العامة، وقرأ الأعمش وحمزة وحفص: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ من غير مَدٍّ، جعلوه فعلًا ماضيًا". ويبدو أن مصطلح الفعل المستقبَل هنا من مصطَلحات الكوفيِّين؛ فإنهم يُسَمُّونَ اسمَ الفاعل بالفعل الدائم (٤)، ولكنّي لم أقفْ على قولٍ لأحدٍ من العلماء في هذا. ٢ - النَّصب على الصَّرف: مصطَلح الصَّرف عند الكوفيِّين معناه: أنّ الفعل المضارع صُرِفَ من الجزم إلى النَّصب لوقوعه بعدَ الواو استخفافًا للنصب، ولكنّ الجِبْلي استعمل هذا المصطلحَ في موضع واحدٍ من البستان على وَجهٍ يختلف عن هذا المعنى الذي استعمَله فيه الكوفيُّون، ففي قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ (٥)، _________ (١) مصطلحات النحو الكوفي ص ٥٠ - ٥٢. (٢) النمل ٨٧. (٣) البستان ١/ ٤٧١. (٤) ينظر: مدرسة الكوفة للمخزومي ص ٢٨١، ٣١٠، مصطلحات النحو الكوفي ص ٥٢. (٥) الحجرات ١٧.

стр. 125

قال الجِبْلي في إعراب ﴿أَنْ﴾ (١): "نُصب على الصرف، وإن شئتَ على نزع الصفة؛ أي: بأنْ هداكم". فربما أراد الجِبْلي بالنَّصب على الصَّرف هنا: النصبَ على المفعول من أجله، وهو أحدُ وجهَيْن ذكرهما العلماءُ في إعراب قوله تعالى: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ﴾؛ لأنه لا سبيلَ هنا إلى المعنى الثاني الذي يستعمله فيه الكوفيون، وهو صرفُ الفعل من حال الجزم إلى حال النَّصب. ٣ - الاستثناء الصَّحيح: ويعني به الاستثناءَ المتَّصل، وقد استعمله الجِبْلي بهذا المعنى في موضع واحدٍ من البستان، ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "اختلفوا في معنى ﴿إِلَّا﴾، فقال قومٌ: هو استثناءٌ صحيح، واللَّمَمُ: من الكبائر والفواحش". ٤ - الابتداء المُحَقَّقُ: وربما يعني به المبتدأَ المذكورَ لا المقدَّر، وقد استعمله الجِبْلي في موضعَيْن: - الأول، في قوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (٤)، قال الجبلي (٥): "الَّلائِي" جَمْعُ "الَّتِي"، يقال: اللَّائِي واللَّاتِي، ومحله رفعٌ، خبرُ ابتداء محقَّق". - والثانِي: في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ _________ (١) البستان ٣/ ١٣٥. (٢) النجم ٣٢. (٣) البستان ٣/ ٢١٤. (٤) المجادلة ٢. (٥) البستان ٣/ ٣٥٣.

стр. 126

الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقوله: ﴿هُوَ اَللَّهُ﴾ ابتداءٌ وخبر، و ﴿الَّذِي﴾: رفعٌ؛ لأنه صفة ﴿اللَّهُ﴾، و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾: نعتٌ على التَّنْزِيهِ والنُّفْي، وموضعه رفعٌ بالابتداء، و ﴿الرَّحْمَنُ﴾: رفعُ خبرِ ابتداءٍ محقَّق، و ﴿الرَّحِيمُ﴾: رفعٌ: خَبَرٌ ثانٍ ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ إلى آخِرِهِ، كُلُّها أخبارٌ لابتداءٍ محذوف، تقديره: هو الملك، وذلك "هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ". ٥ - المفعول المُحَقُّقُ: ففي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "و ﴿يَوْمَ﴾ الأول: نُصِب على الظرف، واليوم الثاني نُصِب على البدَل منه، و ﴿مَنْ﴾: منصوبٌ بـ ﴿يَنفَعُ﴾، وهو مفعولٌ مُحَقَّقٌ". * * * _________ (١) الحشر ٢٢. (٢) البستان ٣/ ٣٨٥. (٣) الشعراء ٨٨، ٨٩. (٤) البستان ١/ ٤٢٠.

стр. 127

المبحثُ الخامس العلّة النَّحويّةُ في البستان استنبطَ النُّحاة عِلَل النَّحو من نَظَرِهِم في كلام العرب، حتى بَلَغت عندَهم ثلاثةً وعشرينَ نوعًا، ذكرها الجليسُ الدِّينَوريّ، فقال (١): "علّة سَماع، وعلّة تشبيه، وعلّة استغناء، وعلّة استثقال، وعلّة فَرْقٍ، وعلّة توكيد، وعلّة تعويض، وعلّة نظير، وعلّة نقيض، وعلّة حَمْل على المعنى، وعلّة مشاكَلةً، وعلّة معادلة، وعلة قُرْبٍ ومجاورة، وعلّة وجوب، وعلّة تغليب، وعلّة اختصار، وعلّة تخفيف، وعلّة دِلالةِ حال، وعلّة أَصْلٍ، وعلّة تحليل، وعلّة إشعار، وعلّة تضادٍّ، وعلّة أَوْلَى". وقد نَقَل السُّيوطي هذه العِلَلَ عن الدِّينَوري، ولكنه جَعَلها أربعًا وعشرين بزيادة: علّة الجَوازِ (٢). العلّة البسيطةُ والمركَّبة: هل يجوز أن يُعَلَّلَ الحكمُ الواحدُ بعلّتَيْنِ أو أكثرَ؟ أجاب الأَنْباري عن هذا السُّؤال فقال (٣): "اعلم أنّ العلماءَ اختلفوا في ذلك، فذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز؛ لأنّ هذه العِلّة مُشَبَّهةٌ بالعلّة العقليّة، والعلّة العقليّة لا يَثبُت الحكمُ معَها إلّا بعلّةٍ واحدة، فكذلك ما كان مُشَبَّهًا به، وذهب قومٌ إلى أنه _________ (١) ثمار الصناعة للجليس الدينوري ص ١٣٥. (٢) ينظر: الاقتراح للسيوطي ص ١٧٦. (٣) لمع الأدلة للأنباري ص ١١٧، وينظر: الاقتراح للسيوطي ص ١٨٢.

стр. 128

يجوزُ أن يُعَلَّلَ بعلّتَيْنِ فصاعدًا، وذلك مثلَ أن يُدَلَّ على كونِ الفاعل ينزلُ منزلةَ الجزءِ من الفعل بعِلَل". اهـ، ثم ذكر الأنباري عَشْرَ عِلَلٍ في هذا الحكم (١)، ثم اعتَرض على الرأي المُجَوِّزِ لِتَعَدُّدِ العِلَلِ في الحكم الواحد (٢). وكان السُّيوطيُّ أكثَرَ توضيحًا للمعنى، وكانت عبارته أخصرَ من عبارة الأنباري، حيث قال (٣): "العلة قد تكون بسيطةً، وهي: التي يقع التعليلُ بها من وجهٍ واحدٍ، كالتعليل بالاستثقال والجِوار والمشابَهة ونحو ذلك، وقد تكون مُرَكبةً من عدةِ أوصافٍ: اثنينِ فصاعدًا، كتعليل قلب "ميزان" بوقوع الواو ساكنةً بعد كسرة، فالعلّة ليس مجرَّدَ سكونِها، ولا وقوعِها بعد كسرة، بل مجموع الأمرَيْن، وذلك كثيرٌ جدًا". وقد استعمل الجِبْلِيُّ عدةَ أنواع من العلّة البسيطة في كتابه، كما استعمل العلّةَ المركَّبة في بعض المواضع، فعَلَّلَ لبعض الأحكام بعلّتَيْن أو أكثر، وهذا يتضح فيما يلي: أولًا- العِلَلُ البسيطة: من أصناف العِلَل البسيطة عند الجِبْلي: ١ - علّة السَّماع: والتعليلُ بالسَّماع حكاه الجِبْلي عن غيره من العلماء، فمن أمثلة التعليل بالسَّماع عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قال طاهرُ _________ (١) لُمَعُ الأدلة للأنباري ص ١١٧: ١٢٠، وقد أورد السيوطي عدة أمثلة على ذلك في الاقتراح ص ١٨٢، ١٨٣. (٢) لمع الأدلة للأنباري ص ١٢٠، ١٢١. (٣) الاقتراح للسيوطي ص ١٨٢. (٤) الفرقان ٧٤. (٥) البستان ١/ ٤٠٠.

стр. 129

ابن أحمد (١): وإمامٌ في الآية جَمْع؛ لأنه المفعول الثاني لـ "جَعَلَ"، والمفعول الأول جمعٌ أيضًا، والثاني هو الأول، فوجَبَ أن يكون جمعًا واحِدُه: آمٌّ؛ لأنه قد سُمِعَ هذا في واحِدِهِ، قال اللَّه سبحانه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (٢)، فهذا جمع آمٍّ مُسَلَّمًا". ب- وفي قوله تعالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "و ﴿وإِن﴾ في معنى "قَدْ"؛ أي: فذَكِّرْ قدْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، قال الكِسائِيُّ (٥): سَمِعْتُ العرب تقول: إِنْ قامَ زَيْدٌ، وظَنَنْتُهُ شَرْطًا، قال: فسألتُهُم فقالوا: نريد: قدْ قام زيدٌ، وليس نريد: ما قام زيد". ٢ - علة التشبيه: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "وإنما بُنِيا على الضمِّ دون الفتح والكسر؛ لأنهما أشبَها المنادى المفرَد، إذ المنادى يُعْرَبُ إذا أُضِيفَ أو نُكِّرَ، كما يُفعَلُ بهما، فبُنِيا على الضمِّ كما بُنِيَ المنادى المفرَد، وهما مرفوعان على الغاية". ب- وفي قوله تعالى: ﴿يسَ﴾، قال الجِبْلي (٨): "فإن قيل: لِمَ عُدَّ ﴿يسَ﴾ آيةً _________ (١) شرح جمل الزجاجي ٢/ ٢١٧. (٢) المائدة ٢. (٣) الأعلى ٩. (٤) البستان ٤/ ٣٩٤. (٥) ينظر قوله في شفاء الصدور للنقاش ورقة ٢٣٢/ أ، ياقوتة الصراط لأبي عمر الزاهد ص ٥٧١، الأضداد لابن الأنباري ص ١٨٩، ١٩٠، التهذيب للأزهري ١٥/ ٥٦٨. (٦) الروم ٤. (٧) البستان ٢/ ٢٩. (٨) البستان ٢/ ٢٢٢.

стр. 130

ولم يُعَدَّ ﴿طس﴾؟ فالجواب أن ﴿طس﴾ أشبه "قابيل" من جهة الزِّنةِ والحروفِ الصِّحاح، و ﴿يس﴾ أولُه حرفُ عِلّةٍ، وليس مثلُ ذلك في الأسماء المفرَدة، فأشبه الجُملةَ والكلامَ التامَّ، وشاكَلَ ما بعده من رؤوس الآي". ٣ - علّة الاستغناء: ومن أمثلتها عنده: - في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقَرأَ ابنُ كثيرٍ برواية قُنْبُلٍ والحَسَنُ وعبدُ الرحمن الأعرج: ﴿لأُقْسِمُ﴾ بغير أَلِفٍ، موصولةً ليس بين اللام والهمزة مَدٌّ. . .، فإن قيل: أَلَا يأتونَ بالنون على هذه القراءة ولا يَحسُن في القَسَمِ استعمالُ اللام بلا نُونٍ، كما لا يَحسُن استعمالُ النون بلا لَامٍ؟ قيل: المُعَوَّلُ على قراءة الأكثر والجمهور، والقراءة سُنّةٌ مُتَّبَعةٌ، ووجْهُها في العربيّة أنهم استغنَوْا بأحدِ التأكيدَيْنِ عن الآخَر". ٤ - علّة الاستثقال: وهي أكثرُ العِلَل استعمالًا عند الجِبْلي، ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وعُيُونٌ: جمع عَيْنٍ في أكثر العدد، وقرأ الكوفيُّون بكسر العين، والأصل الضَّمُّ، فأُبدِل من الضمّة كسرةٌ استثقالًا للجمع بين ضمةٍ وياءٍ". ب- وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "وأصله: اِوْقِيُوا، فحُذفت الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ في قولك: تَقِي، _________ (١) القيامة ١. (٢) البستان ٤/ ١٦٦. (٣) القمر ١٢. (٤) البستان ٣/ ٢٣٥. (٥) التحريم ٦. (٦) البستان ٣/ ٤٥٩.

стр. 131

واستُغني عن ألفِ الوصل، ثم أُلقِيت حركةُ الياء على القاف، وحُذفت لسكونِها وسكون الواو بعدها فصارت: قُوا". ٥ - علّة الفَرْقِ: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "والأصل: بما، حُذِفت الألفُ فَرْقًا بين الاستفهام والخبر". ب- وفي قوله تعالى: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "والألف ألفُ استفهام، وهو استفهامُ تعجُّبٍ وإنكار، ولَمّا دخلتْ أَلِفُ الاستفهام استَغْنَيتَ عن ألفِ الوصل فحَذَفْتَها، وكان فتحُ ألفِ الاستفهام فرقًا بينها وبينَ ألفِ الوصل". ج- وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "هذه ﴿إِنْ﴾ الثقيلةُ في الأصل خُفِّفَتْ، فزال عمَلُها في أكثرِ اللُّغات، ولزمتْها اللامُ فرقًا بينَها وبين التي بمعنى: "ما". ٦ - علّة التوكيد: ومن أمثلتها عندَه: أ- في قوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "قَرأَه العامّة: ﴿فَذَانِكَ﴾ بتخفيف النون، وقَرأَ ابن كثيرٍ وأبو عَمْرو ورُويْسٌ بتشديد النون، _________ (١) النمل ٣٥. (٢) البستان ٣/ ٤٥٢. (٣) سبأ ٨. (٤) البستان ٢/ ١٥٣. (٥) يس ٣٢. (٦) البستان ٢/ ٢٣٠. (٧) القصص ٣٢. (٨) البستان ١/ ٤٩٢.

стр. 132

وهي لغةُ قريش، وفي وجهِه أربعةُ أقوال". اهـ، ثم ذكر الجِبْلي من هذه الأقوال: "وقيل: التشديدُ للتأكيد، كما أدخَلوا اللام في (ذلك) (١). ب- وفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "وأدخل ﴿مِنْ﴾ هاهنا للتوكيد". ٧ - علّة التعويض: ومن أمثلتها عنده: أ- وفي قوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قَرأَه العامة: ﴿فَذَانِكَ﴾ بتخفيف النون، وقرأ ابنُ كثير وأبو عَمْرٍو ورُويْسٌ بتشديد النون، وهي لغةُ قريش، وفي وجهِه أربعة أقوال". ثم ذكر الجِبْلي من هذه الأقوال: "قيل: شَدَّدُوا النونَ عِوَضًا من الألف الساقطة، ولم يُلْتَفَتْ إلى التقاءِ الساكنَيْن" (٦). ب- وفي قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "وأصله: عِزْهةٌ، كما أنّ أصلَ السَّنةِ: سَنْهةٌ، ثم حُذِفَت الهاءُ، فجُعِلَ جَمْعُهُ بالواو والنون عِوَضًا من الحذف، وإنما جُمِعَ بالواو والنون وهو مؤنَّثٌ لا يَعقِل ليكون ذلك عِوَضًا مِمّا حُذِفَ منها". _________ (١) البستان ١/ ٤٩٢. (٢) الزمر ٧٥. (٣) البستان ٢/ ٣٧٢. (٤) القصص ٣٢. (٥) البستان ١/ ٤٩٢. (٦) البستان ١/ ٤٩٢. (٧) المعارج ٣٧. (٨) البستان ٤/ ٧٥.

стр. 133

٨ - علّة الحَمْل على النَّظير: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "يعني السَّماواتِ والأرضَ، و ﴿إلَّا﴾ هاهنا: صفةٌ للآلهة بمعنى "غير"، وليس باستثناءٍ ولا ببدل، ويجوز أن يُشَبَّهَ ﴿إلَّا﴾ بـ "غَيْرٍ" فيُوصَفَ بها، كما يجوز أن يُشبَّه "غيرٌ" بـ "إلّا" ويُستثنَى بها". ب- وفي قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "قَرأَ أهلُ المدينة وعاصمٌ الجَحْدَريُّ -هاهنا وفي سورة الملائكة-: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بالنَّصب على معنى: ويُحَلَّوْنَ لؤلؤًا، واستَدلّوا بأنها مكتوبةٌ في جميع المصاحف بالألفِ هاهنا، وقَرأَ الباقونَ بالخفض: عطفًا على الذهب، ثم اختلفوا في وجه إثباتِ الألف، فقال أبو عَمْرو: أُثبِتت فيه كما أُثبِتت في: قالوا وكالوا". ٩ - علّة الحَمْل على المعنى: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "أي: آدَمِيٌّ مِثْلُنا يَهْدُونَنا؟ ولم يقل: يَهْدِينا؛ لأن البشر -وإن كان لفظُه واحدًا- فإنه في معنى الجمع، وهو اسمِ الجنس، وواحده إنسانٌ لا واحدَ له من لفظه، وقد أجاز النَّحويُّون: رَأَيْتُ ثلاثةَ نَفرٍ وثلاثةَ رَهْطٍ، حَمْلًا على المعنى، ولم يجيزوا: رَأَيْتُ ثلاثةَ قَوْمٍ ولا ثلاثةَ بَشَرٍ". _________ (١) الأنبياء ٢٢. (٢) البستان ١/ ١٨٥. (٣) الحج ٢٣. (٤) البستان ١/ ٢٣٧. (٥) التغابن ٦. (٦) البستان ٣/ ٤٣٤.

стр. 134

ب- وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وإنّما جُمع وهو فِعْلُ واحِدٍ رَدًّا على معناه، كقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣)، وهو نعتٌ لـ ﴿أحَدٍ﴾؛ لأنه بمعنى: الجماعة، فحُمل النَّعتُ على المعنى فجُمِعَ". ١٠ - علّة المعادلة: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قرأ العامّةُ: ﴿آتَاكُمْ﴾ بِمَدِّ الَألِفِ؛ أي: أَعْطاكُمْ، واختاره أبو حاتم، وقَرأَ أبو عَمْرو بقَصْرِ الألف: من الإتيان؛ أي: جاءَكُمْ، واختاره أبو عُبيد للمُعادلةِ بينَه وبينَ ﴿فَاتَكُمْ﴾؛ لِيُوافِقَ الكلامُ بَعضُهُ بَعْضًا، ونَقِيضُ الفَوْتِ: الإِتْيانُ". ب- وفي قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "ومعنى ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أي: مَنْ أَعْبُدُ، ولكنه يقابِلُ قوله: ﴿أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني: مِن الأصنام، فحُمِلَ الثانِي عليه". ١١ - علّة القُربِ والمجاوَرة: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ _________ (١) الحاقة ٤٧. (٢) البستان ١/ ٥٧. (٣) البقرة ٢٨٥. (٤) الحديد ٢٣. (٥) البستان ٣/ ٣٤١. (٦) الكافرون ٣. (٧) البستان ٥/ ٩٦.

стр. 135

بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "قَرأَ الأعمَشُ وحمزةُ والكِسائيُّ وخلفٌ وحفصٌ ويعقوب: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بنَصْب الذّال، عطفًا على قوله: ﴿لِيُضُلَّ﴾، وهو اختيارُ أبِي عُبيدٍ لقُربِه من المنصوب، وقَرأَ الآخَرون بالرَّفع نَسْقًا على قوله: ﴿يَشْتَرِى﴾ ". ب- وفي قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "قَرأَ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ ورُويْس: ﴿يَغْلِي﴾ بالياء، جَعَلوا الفعلَ للمُهْلِ، واختاره أبو عُبيد، قال: لأنّ المُهْلَ مُذَكَّرٌ وهو الذي يَلِي الفِعْلَ، فصار أَوْلَى به التذكيرُ، ولِلْقُرْبِ". ١٢ - علّة الجَواز: ومن أمثلتها عنده: - في قوله -تعالَى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "و ﴿نَحْنُ نَزَّلْنا﴾: ابتداءٌ وخَبَر، وهُما جميعًا خَبَرُ ﴿إِنَّ﴾، ويُحْتمَلُ أن يكون ﴿نَحْنُ﴾ توكيدًا للنون في ﴿إِنَّا﴾ وإن كان أحدُهُما كنايةَ المنصوب؛ لأنه يَجُوز أن يُؤَكَّدَ المَنْصُوبُ بالمرفوع، كقولك: رَأَيْتُكَ أَنْتَ". ١٣ - علّة التغليب: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): _________ (١) لقمان ٦. (٢) البستان ١/ ٤٩٤. (٣) الدخان ٤٥. (٤) البستان ٣/ ١٩. (٥) الإنسان ٢٣. (٦) البستان ٢/ ٢٢٧. (٧) الزخرف ٣٨. (٨) البستان ٢/ ٤٧٢.

стр. 136

"والمعنى: بُعْدُ ما بَيْنَ المشرقِ والمغرب، فغُلِّبَ لَفْظُ المَشْرِقِ، كما يُقالُ للغَداةِ والعَشِيِّ: العَصْرانِ، قال حُمَيْدُ بن ثور: ولن يَلْبَثَ العَصْرانِ يومًا ولَيْلةً... إِذا طَلَبا أَنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما ويقال لأَبِي بكرٍ وعُمَرَ ﵄: العُمَرانِ، ولِلسِّبْطَيْنِ: الحَسَنانِ، ويقالُ للشمس والقمر: القَمَرانِ، قال الشاعر: أَخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ... لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يعني: الشمسَ والقمر، ويقال للكوفةِ والبصرة: البَصْرَتانِ والمِصْرانِ، قال الشاعر: وبَصْرةُ الأَزْدِ مِنّا، والعِراقُ لنا... والمَوْصِلَانِ، ومِنّا مِصْرُ والحَرَمُ أراد: المَوْصِلَ والجَزِيرةَ، والبَصْرةَ والكُوفةَ". ب- وفي قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "يعني: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ الناقةِ، يَوْمٌ لها ويَوْمٌ لهم، وإنما قال: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لأنّ العربَ إذا أَخْبرت عن بني آدمَ وعن البهائم غَلَّبُوا بني آدمَ على البهائم". ١٤ - علّةُ التخفيف: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وقوله: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ يعنِي: صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ﴿مَا يَغِيظُ﴾، قيل: ﴿مَا﴾ بِمعنَى _________ (١) القمر ٢٨. (٢) البستان ٣/ ٢٤٠. (٣) الحج ١٥. (٤) البستان ١/ ٢٣٣.

стр. 137

"الَّذِي"، مَجازه: هل يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ الذي يغيظُه، فحذف الهاءَ ليكون أَخَفَّ، وقيل: إِنَّها بِمَعْنَى المصدر، تقديرُه: هل يُذْهِبَنَّ كيدُه غيظَه"؟ ب- وفي قوله تعالى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ويجوز: ﴿دِرِّيٌّ﴾ بغيرِ همزٍ، يكون مخفَّفًا من المهموز، وهو بمعنى ﴿دُرِّىٌّ﴾، وكُسِرَ أولُه حملًا على وسَطِه وآخِره؛ لأنه ثَقُل عليه ضمةٌ بعدَها كسرةٌ وياء، كما قالوا: كِرْسِيٌّ للكُرْسِيِّ". ١٥ - علّة دِلالةِ الحال: ومن أمثلتها عنده: أ- في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "يعني: فإنّ تعظيمَها، ثم حَذَف المضافَ لدِلالةِ ﴿يُعَظِّمْ﴾ على التعظيم". ب- وفي قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "أي: بَرَدٌ، و"مِنْ": صلةٌ، وقيل: معناه: وينزِّل من السماء قَدْرَ جبالٍ، أو أمثالَ جبالٍ وبَرَدٍ إلى الأرض، ومفعولُ الإنزال محذوفٌ، التقدير: ويُنَزِّلُ من السّماء من جبالِ بَرَدٍ فيها بَرَدًا، فاستغنَى عن ذكر المفعول للدِّلالة عليه". ١٦ - علّةُ الأصل: ومن أمثلتها عنده: أ - فى قوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ (٧)، قال _________ (١) النور ٣٥. (٢) البستان ١/ ٣٣٤. (٣) الحج ٣٢. (٤) البستان ١/ ٢٤٧. (٥) النور ٤٣. (٦) البستان ١/ ٣٤٦. (٧) الفرقان ٤٩.

стр. 138

الجِبْلي (١): "والأناسيُّ: جمعُ الإنسان، فتكون الياءُ بدلًا من النون؛ لأنّ أصلَه: أَناسِينُ بالنون، مثلَ: سَراحِينَ جَمْع سِرْحانٍ، فلما أُلْقِيَت النونُ من آخِره عُوِّضَت الياءُ". ب- وفي قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "وجاءت لامُ الأمر مكسورةً على بابِها، وسُكِّنت في قوله تعالى: ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ﴾ لاتّصالها بالفاء، ويجوز كَسْرُها؛ لأنّ أصل لام الأمر الكَسْرُ، وإنما تُسَكَّنُ تخفيفًا إذا تقدَّمها حرفُ عطفٍ". ثانيًا- العِلَل المُركَّبة: ومما وَرَد في البستان منها: ا- التعليلُ بالتخفيف والفَرْق: ففي قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "أي: أَغْصانٍ، وقيل: ألوانٍ، وتثنيةُ ذاتٍ: ذَواتا على الأصل؛ لأنّ أصل ذاتٍ ذَواتٌ، لكنْ حُذِفَت الواوُ تخفيفًا وللفَرْق بين الواحد والجمع". ٢ - التعليلُ بالفَرْق والحَمْل على النَّظير: ففي قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "وهذه النونُ هي نونُ التأكيد الخفيفةُ دَخَلت معَ لام القَسَمِ، والوقفُ عليها إذا انفتح ما قبلَها بالألف فَرْقًا بينَها وبين النُّون الثقيلة، ولأنها بِمَنْزِلةِ قولك: رَأَيْتُ زَيْدا". _________ (١) البستان ١/ ٣٨٥. (٢) الطلاق ٧. (٣) البستان ٣/ ٤٤٥. (٤) الرحمن ٤٨. (٥) البستان ٣/ ٢٧٢. (٦) العلق ١٥. (٧) البستان ٤/ ٥٠١.

стр. 139

٣ - التعليلُ بالاستثقال والأصل: ففي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وموضع ﴿صالِي﴾: رفعٌ على خبرِ الابتداء، والأصل في ﴿صَالِ﴾: صالِيٌ، فاستثقَلوا الضَّمة في الياء فحذَفوها، فبقيت الياءُ ساكنة، والتنوين ساكنٌ، فأسقطوا الياءَ لاجتماع الساكنَيْن، وأبقَوا الكسرةَ في اللام على أصلِها. والعلّة في هذا أنّهم بنَوا الخَطَّ على الوقف، فكان حمزةُ والكِسائيُّ يقفانِ على ﴿صَالِ﴾ بغير ياء اتِّباعًا للكِتابِ". ٤ - التعليلُ بالاستثقال والأَوْلَى: ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وهو جَمْع: مُصْطَفًى، زِدْتَ عليه ياءً ساكنة ونونًا، والألفُ من مصطفى ساكنةٌ فحُذِفت الألف لالتقاء الساكنَيْن، وكانت أَوْلى بالحذف لأنّ قبلَها فتحة". * * * _________ (١) الصافات ١٦٣. (٢) البستان ٢/ ٢٨٧. (٣) سورة ص ٤٧. (٤) البستان ٢/ ٣٢٢.

стр. 140

المبحثُ السادس ملحوظاتٌ على الكتاب أولًا: ملحوظاتٌ على المنهج: ومنها نُقولُه عن العلماء: هناك ملحوظاتٌ في نُقول الجِبْلي عن العلماء، تتمثَّل فيما يأتي: أ- أخطاءٌ في النُّقول عن العلماء: وممّا أخطأَ فيه الجِبْليُّ: نُقُولُهُ التي نَقَلها من كتابِ الجُمَل في النَّحو المنسوب خَطَأً للخليل بن أحمد، وقد نَقَل الجِبْلي أربعةَ عشَرَ نصًّا عن هذا الكتاب، ونسبها للخليل بن أحمد، وهو في الحقيقة كتابٌ آخَرُ اسمه "المُحَلَّى في وجوه النَّصب" لابن شُقَيْرٍ البغداديِّ المتوفَّى سنة (٣١٧ هـ) (١)، وهذه الآراءُ في أغلبها آراءٌ كوفيةٌ؛ _________ (١) هو: أبو بكر أَحْمَدُ بن الحسن بن الفَرَجِ بن شُقَيْرٍ النحويُّ البغدادي، أخذ عن أَبِي العباس المُبَرِّدِ وأَبِي جعفر الطبري وأَحْمَدَ بنِ ناصحٍ، وكان في طبقة ابن السَّرّاجِ ومَبْرَمانَ، قال السيرافِيُّ: "وفي طبقتهما [يعني ابن السراج ومبرمان] ممن يَخْلِطُ علم البصريين بعلم الكوفيين: أبو بكر بن شُقَيْرٍ وأبو بكر بن الخياط". اهـ، ومن مؤلفات ابن شقير أيضًا بخلاف كتابه المحلى: المذكر والمؤنث -المقصور والممدود- مختصر في النحو، قال ياقوت: "قرأت في كتاب ابن مسعدة أن الكتاب الذي يُنْسَبُ إلى الخليل، ويُسَمَّى الجُمَلَ من تصانيف ابن شقير هذا". ينظر في ترجمة ابن شقير: أخبار النحويين البصريين للسيرافي ص ١٠٩، معجم الأدباء لياقوت ٣/ ١١، الفهرست لابن النديم ص ٩١، إنباه الرواة للقفطي ١/ ٦٩، ٧٠، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٤/ ٣٠٩، الوافي بالوفيات ٦/ ٣٤٩، بغية الوعاة للسيوطي =

стр. 141

لأن صاحبها الحقيقيَّ أبا بكرٍ بنَ شُقير كان من أوائل من خلطوا بَيْنَ المذهبَيْن: البصريِّ والكوفي، ويُمْكِنُ أن نلتمس العذر للجِبْلي في نسبته تلك النصوصَ للخليل؛ لأنه قد شاع بين الناس أن هذا الكتاب للخليل بن أحمد. وهذه الآراءُ قمتُ بتخريجها من كتاب الجُمَل المنسوب للخليل، ولكنَّني حَرصتُ على التنبيه في كلِّ موضع -تقريبًا- على أنّ هذا الكتابَ منسوب خَطَأً للخليل بن أحمد، وحَرصتُ -في أغلب هذه المواضع- على تبيين اتّجاه هذا الرأي إن كان بَصْريًّا أو كوفيًّا. - فمن الآراء التي نَقَلها الجِبْلي عن كتابِ الجُمَل المنسوب للخليل: ١ - قال الجِبلي (١): "قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ (٢)؛ أي: ضياءً، والواو هاهنا زائدةٌ لا موضعَ لها؛ لأنها دخلت حَشْوًا، ومنه قولُ امرئ القيس: فلَمّا أَجَزْنا ساحةَ الحَيِّ، وانْتَحَى... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ معناه: انتحى، فأُدخِلت الواو حَشْوًا وإقحامًا، هكذا قاله الخليل (٣) ". ٢ - قال الجِبْلي (٤): "قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ _________ = ١/ ٣٠٢، هدية العارفين للبغدادي ١/ ٥٨، الأعلام ١/ ١١٠، معجم المؤلفين ١/ ١٩٦، وينظر: تحقيق نسبة كتاب المحلى أو الجمل لابن شقير ما كتبه الدكتور/ فائز فارس في مقدمة تحقيقه لكتاب المحلى في وجوه النصب لابن شقير ص ٣٠ - ٣٣. (١) البستان ١/ ١٩٣. (٢) الأنبياء ٤٨. (٣) الجمل في النحو المنسوب للخليل ص ٢٨٨. (٤) البستان ١/ ٢٣٨.

стр. 142

اللَّهِ﴾ (١): عطفٌ بالمستقبل على الماضي؛ لأنّ الصَّدَّ بمعنى دوام الصِّفة لهم. . . وقال الخليل (٢): الواو إقحامٌ، ومعناه: يَصُدُّون". ب - آراءٌ منسوبةٌ خطأً: نَسَب الجِبلي بعضَ الآراء خطأً لبعض العلماء، والصّواب أنها لغيرهم، ومن أمثلة ذلك ما يلي: ١ - أنه نَسَب رأيًا للفَرّاء، وهو في الحقيقة للنحّاس، ففي قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ (٣)، قال الجِبْليّ (٤): "قال الفَرّاء: و ﴿مَفَاتِحَهُ﴾: جمع مِفْتَحٍ، ومن قال: مِفْتاحٌ، قال: جمعُه: مفاتيح". وهذا القول قاله النحّاسُ بنصِّه (٥)، أمّا الفَرّاء فإنه عندَ قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (٦) قال (٧): " ﴿مَفَاتِحَهُ﴾: خَزائِنُهُ، وواحدُ المفاتيح: مَفتَحٌ إذا أردتَ به المصدر، وإذا كان من المفاتيح التي يُفْتَحُ بها -وهو الإِقْلِيدُ- فهو: مِفْتَحٌ ومِفْتاحٌ". فواضحٌ من كلام الفَرّاء أنّ المفاتيحَ عندَه: جمعٌ لمِفْتَح ومِفتاح على السواء. ٢ - كما أنه نَسَب رأيًا آخَرَ للفَرّاء، وهو -في الحقيقة- للنَّحاس، ففي قوله _________ (١) الحج ٢٥. (٢) الجمل في النحو المنسوب للخليل ص ٢٨٨. (٣) القصص ٥٠. (٤) البستان ١/ ٥١٢. (٥) في إعراب القرآن ٣/ ٢٤٢. (٦) النور ٦١. (٧) معاني القرآن ٢/ ٢٦١.

стр. 143

تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١)، قال الجِبْليّ (٢): "قال الفَرّاء: و ﴿أَيُّكُمْ﴾: رفعٌ على الابتداء، وهو اسمٌ تامٌّ، و ﴿أَحْسَنُ﴾: خبَرُه. و ﴿عَمَلًا﴾: نصبٌ على التفسير". وهذا خطأ، فهذه العبارة بنصها قالها النحّاسُ، لا الفَرّاء (٣). ٣ - أنه نَسَب للمبرّد رأيًا، وهو في الحقيقة لثعلب، ففي قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٤)، قال الجِبلي (٥): "واللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ لامُ القَسَمِ، لَمّا حُذِفَت النونُ من فعله كُسِرَتِ اللامُ، ونُصِبَ فِعْلُها تشبيهًا بلام "كَي"، معناه: إنّا فتَحْنا فتحًا مُبِينًا لكي يُجْمَعَ لك معَ المغفرة تَمامُ النعمة في الفتح، فلمّا انضمَّ إلى المغفرة شيءٌ حادثٌ واقعٌ حَسُنَ معنى"كَيْ"، هكذا ذكره ابنُ الأنباري عن أبي عَبّاس المبرد". وهذا الكلام قاله ابنُ الأنباري في إيضاح الوَقْف والابتداء (٦)، ولم يَحْكِهِ عن المبرّد، وأمّا حكايةُ ابن الأنباريِّ عن المبرّدِ فقد أَوْردها الواحديُّ في الوسيط (٧)، ولكنّ الأزهريَّ حكاه عن ابن الأنباريِّ عن ثعلبٍ لا عن المبرّد، وكذلك ابنُ الجوزي، ولم أقف على أنه للمبرّد (٨). ٤ - أنه نَسَب للمبرّد رأيًا يناقضُ ما ذهب إليه المبرّدُ في المقتضَب، ففي قوله _________ (١) الملك ٢. (٢) البستان ٣/ ٤٧٢. (٣) ينظر: إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٦٧. (٤) الفتح ٢. (٥) البستان ٣/ ٩٥. (٦) إيضاح الوقف ص ٩٠٠. (٧) الوسيط ٤/ ١٣٣، ١٣٤. (٨) ينظر: التهذيب للأزهري ١٥/ ٤٠٩، زاد المسير لابن الجوزي ٧/ ٤٢٣.

стр. 144

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (١) قال الجِبلي (٢): "هذا عند المبرّد لفظُه لفظُ الخَبَرِ ومعناه الأَمْرُ، كأنه قال: آمِنُوا وجاهِدُوا، ولذلك قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) بالجزم؛ لأنه جوابُ الأمر، فهو محمولٌ على المعنى". ولكنّ كلامَ المبرّد في المقتضَب موافقٌ لسيبوَيْه في أن ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تُجَاهِدُونَ﴾: عطفُ بيانٍ للتِّجارة، وليس كما نُقِلَ عنه أنه يَجعَل ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ أَمْرًا في المعنى (٤). وقد ذكر الدكتور محمد عبد الخالق عُضَيْمة أنّ الذي نَسَبَ الرأيَ الأولَ للمبرّد هو ابن الشَّجَري وأبو حَيّان (٥). وقد رَجَعْتُ إلى غيرهما من الكتب، فوجدتُ أنّ النحّاسَ ومَكِّيًّا قد نَسَباهُ للمبرّد من قبلُ، وقد ذكره النحّاسُ بقوله: "وقد حُكِيَ لنا عن محمد بن يزيد. . . " (٦). جـ - نَقْلُهُ عن العلماء من كتُبِ غيرِهم: ومن أمثلته في البستان: ١ - أنه نَقَل عن ابن جِنِّي كلامًا من خلال شرح الجُمَل لطاهر بن أحمد، ففي قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "قرأ العامّة: ﴿يَامَالِكُ﴾ بإثباتِ الكاف، وقَرأ عَلِيٌّ بنُ أَبِي طالب ﵁ والأعمش: ﴿يا مالِ﴾ بحذف _________ (١) الصف ١٠، ١١. (٢) البستان ٣/ ٤٠١. (٣) الصف ١٢. (٤) ينظر: المقتضب ٢/ ٨٠، ١٣٣، ١٣٤. (٥) ينظر: أمالِي ابن الشجري ١/ ٣٩٥، البحر المحيط ٨/ ٢٦٠. (٦) إعراب القرآن ٤/ ٤٢٢، وينظر: مشكل إعراب القرآن لمكي ٢/ ٣٧٤. (٧) الزخرف ٧٧. (٨) البستان ٢/ ٤٨٩.

стр. 145

الكافِ على الترخيم، ورَوَى أبو الدَّرداء ذلك عن النبي ﷺ ، قال أبو الفتح عثمانُ ابن جِنِّي: هذا من أحقِّ الأشياء بالترخيم؛ لأنه موضعٌ قد ذَهَبَتْ فيه قُواهُم، ولم تنفَعْ فيه شكواهم، فضَعُفُوا عن تتميم نداء مالكٍ خازِنِ النار". وهذا النصُّ هو معنى كلام ابن جِنِّي في المحتسِب (١)، وأمّا ما أَوْرده المؤلِّف هنا فقد نَقَله بنصِّه عن طاهر بن أحمد عن ابن جِنِّي (٢). ٢ - أنه نَقَل عن الفَرّاء نصًّا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ (٣) يختلف اختلافًا كبيرًا عما قاله الفَرّاء، فقال (٤): "قال الفراء: الطَّمْثُ: الافْتِضاضُ، وهو النكاح بالتَّدْمِيةِ". بينما قال الفراء (٥): " ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم يَفْتَضِضْهُنَّ، قال: وطَمَثَها؛ أي: نَكَحَها، وذلك لِحالِ الدَّمِ". اهـ، أما النصُّ الذي أورده المؤلِّفُ هنا فهو ما نقله الواحديُّ وغيره من المفسِّرين عن الفراء (٦). ٣ - أنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (٧)، قال الجِبلي (٨): "وقَرأَ داودُ بن أَبِي هند: ﴿بَالِغٌ أَمْرُهُ﴾ بالتنوين ورفَعْ الأمر، قال الفراء: أي: أَمْرُهُ بالِغٌ، فرفعُه على الابتداء، و ﴿بَالِغٌ﴾: خبرُه، والجملة خبرُ ﴿إِنَّ﴾ ". _________ (١) المحتسب ٢/ ٢٥٧. (٢) ينظر: شرح جمل الزجاجي لطاهر بن أحمد بن بابشاذ ١/ ٢٨١. (٣) الرحمن ٥٦. (٤) البستان ٣/ ٢٧٤. (٥) معاني القرآن ٣/ ١١٩. (٦) ينظر: الوسيط للواحدي ٤/ ٢٢٧. (٧) الطلاق ٣. (٨) البستان ٣/ ٤٤٢.
следующие страницы →