لأن صاحبها الحقيقيَّ أبا بكرٍ بنَ شُقير كان من أوائل من خلطوا بَيْنَ المذهبَيْن: البصريِّ والكوفي، ويُمْكِنُ أن نلتمس العذر للجِبْلي في نسبته تلك النصوصَ للخليل؛ لأنه قد شاع بين الناس أن هذا الكتاب للخليل بن أحمد.
وهذه الآراءُ قمتُ بتخريجها من كتاب الجُمَل المنسوب للخليل، ولكنَّني حَرصتُ على التنبيه في كلِّ موضع -تقريبًا- على أنّ هذا الكتابَ منسوب خَطَأً للخليل بن أحمد، وحَرصتُ -في أغلب هذه المواضع- على تبيين اتّجاه هذا الرأي إن كان بَصْريًّا أو كوفيًّا.
- فمن الآراء التي نَقَلها الجِبْلي عن كتابِ الجُمَل المنسوب للخليل:
١ - قال الجِبلي (١): "قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ (٢)؛ أي: ضياءً، والواو هاهنا زائدةٌ لا موضعَ لها؛ لأنها دخلت حَشْوًا، ومنه قولُ امرئ القيس:
فلَمّا أَجَزْنا ساحةَ الحَيِّ، وانْتَحَى... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ
معناه: انتحى، فأُدخِلت الواو حَشْوًا وإقحامًا، هكذا قاله الخليل (٣) ".
٢ - قال الجِبْلي (٤): "قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ
_________
= ١/ ٣٠٢، هدية العارفين للبغدادي ١/ ٥٨، الأعلام ١/ ١١٠، معجم المؤلفين ١/ ١٩٦، وينظر: تحقيق نسبة كتاب المحلى أو الجمل لابن شقير ما كتبه الدكتور/ فائز فارس في مقدمة تحقيقه لكتاب المحلى في وجوه النصب لابن شقير ص ٣٠ - ٣٣.
(١) البستان ١/ ١٩٣.
(٢) الأنبياء ٤٨.
(٣) الجمل في النحو المنسوب للخليل ص ٢٨٨.
(٤) البستان ١/ ٢٣٨.
стр. 142
اللَّهِ﴾ (١): عطفٌ بالمستقبل على الماضي؛ لأنّ الصَّدَّ بمعنى دوام الصِّفة لهم. . . وقال الخليل (٢): الواو إقحامٌ، ومعناه: يَصُدُّون".
ب - آراءٌ منسوبةٌ خطأً:
نَسَب الجِبلي بعضَ الآراء خطأً لبعض العلماء، والصّواب أنها لغيرهم، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - أنه نَسَب رأيًا للفَرّاء، وهو في الحقيقة للنحّاس، ففي قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ (٣)، قال الجِبْليّ (٤): "قال الفَرّاء: و ﴿مَفَاتِحَهُ﴾: جمع مِفْتَحٍ، ومن قال: مِفْتاحٌ، قال: جمعُه: مفاتيح".
وهذا القول قاله النحّاسُ بنصِّه (٥)، أمّا الفَرّاء فإنه عندَ قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (٦) قال (٧): " ﴿مَفَاتِحَهُ﴾: خَزائِنُهُ، وواحدُ المفاتيح: مَفتَحٌ إذا أردتَ به المصدر، وإذا كان من المفاتيح التي يُفْتَحُ بها -وهو الإِقْلِيدُ- فهو: مِفْتَحٌ ومِفْتاحٌ".
فواضحٌ من كلام الفَرّاء أنّ المفاتيحَ عندَه: جمعٌ لمِفْتَح ومِفتاح على السواء.
٢ - كما أنه نَسَب رأيًا آخَرَ للفَرّاء، وهو -في الحقيقة- للنَّحاس، ففي قوله
_________
(١) الحج ٢٥.
(٢) الجمل في النحو المنسوب للخليل ص ٢٨٨.
(٣) القصص ٥٠.
(٤) البستان ١/ ٥١٢.
(٥) في إعراب القرآن ٣/ ٢٤٢.
(٦) النور ٦١.
(٧) معاني القرآن ٢/ ٢٦١.
стр. 143
تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١)، قال الجِبْليّ (٢): "قال الفَرّاء: و ﴿أَيُّكُمْ﴾: رفعٌ على الابتداء، وهو اسمٌ تامٌّ، و ﴿أَحْسَنُ﴾: خبَرُه. و ﴿عَمَلًا﴾: نصبٌ على التفسير".
وهذا خطأ، فهذه العبارة بنصها قالها النحّاسُ، لا الفَرّاء (٣).
٣ - أنه نَسَب للمبرّد رأيًا، وهو في الحقيقة لثعلب، ففي قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٤)، قال الجِبلي (٥): "واللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ لامُ القَسَمِ، لَمّا حُذِفَت النونُ من فعله كُسِرَتِ اللامُ، ونُصِبَ فِعْلُها تشبيهًا بلام "كَي"، معناه: إنّا فتَحْنا فتحًا مُبِينًا لكي يُجْمَعَ لك معَ المغفرة تَمامُ النعمة في الفتح، فلمّا انضمَّ إلى المغفرة شيءٌ حادثٌ واقعٌ حَسُنَ معنى"كَيْ"، هكذا ذكره ابنُ الأنباري عن أبي عَبّاس المبرد".
وهذا الكلام قاله ابنُ الأنباري في إيضاح الوَقْف والابتداء (٦)، ولم يَحْكِهِ عن المبرّد، وأمّا حكايةُ ابن الأنباريِّ عن المبرّدِ فقد أَوْردها الواحديُّ في الوسيط (٧)، ولكنّ الأزهريَّ حكاه عن ابن الأنباريِّ عن ثعلبٍ لا عن المبرّد، وكذلك ابنُ الجوزي، ولم أقف على أنه للمبرّد (٨).
٤ - أنه نَسَب للمبرّد رأيًا يناقضُ ما ذهب إليه المبرّدُ في المقتضَب، ففي قوله
_________
(١) الملك ٢.
(٢) البستان ٣/ ٤٧٢.
(٣) ينظر: إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٦٧.
(٤) الفتح ٢.
(٥) البستان ٣/ ٩٥.
(٦) إيضاح الوقف ص ٩٠٠.
(٧) الوسيط ٤/ ١٣٣، ١٣٤.
(٨) ينظر: التهذيب للأزهري ١٥/ ٤٠٩، زاد المسير لابن الجوزي ٧/ ٤٢٣.
стр. 144
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (١) قال الجِبلي (٢): "هذا عند المبرّد لفظُه لفظُ الخَبَرِ ومعناه الأَمْرُ، كأنه قال: آمِنُوا وجاهِدُوا، ولذلك قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) بالجزم؛ لأنه جوابُ الأمر، فهو محمولٌ على المعنى".
ولكنّ كلامَ المبرّد في المقتضَب موافقٌ لسيبوَيْه في أن ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تُجَاهِدُونَ﴾: عطفُ بيانٍ للتِّجارة، وليس كما نُقِلَ عنه أنه يَجعَل ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ أَمْرًا في المعنى (٤).
وقد ذكر الدكتور محمد عبد الخالق عُضَيْمة أنّ الذي نَسَبَ الرأيَ الأولَ للمبرّد هو ابن الشَّجَري وأبو حَيّان (٥).
وقد رَجَعْتُ إلى غيرهما من الكتب، فوجدتُ أنّ النحّاسَ ومَكِّيًّا قد نَسَباهُ للمبرّد من قبلُ، وقد ذكره النحّاسُ بقوله: "وقد حُكِيَ لنا عن محمد بن يزيد. . . " (٦).
جـ - نَقْلُهُ عن العلماء من كتُبِ غيرِهم: ومن أمثلته في البستان:
١ - أنه نَقَل عن ابن جِنِّي كلامًا من خلال شرح الجُمَل لطاهر بن أحمد، ففي قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "قرأ العامّة: ﴿يَامَالِكُ﴾ بإثباتِ الكاف، وقَرأ عَلِيٌّ بنُ أَبِي طالب ﵁ والأعمش: ﴿يا مالِ﴾ بحذف
_________
(١) الصف ١٠، ١١.
(٢) البستان ٣/ ٤٠١.
(٣) الصف ١٢.
(٤) ينظر: المقتضب ٢/ ٨٠، ١٣٣، ١٣٤.
(٥) ينظر: أمالِي ابن الشجري ١/ ٣٩٥، البحر المحيط ٨/ ٢٦٠.
(٦) إعراب القرآن ٤/ ٤٢٢، وينظر: مشكل إعراب القرآن لمكي ٢/ ٣٧٤.
(٧) الزخرف ٧٧.
(٨) البستان ٢/ ٤٨٩.
стр. 145
الكافِ على الترخيم، ورَوَى أبو الدَّرداء ذلك عن النبي ﷺ ، قال أبو الفتح عثمانُ ابن جِنِّي: هذا من أحقِّ الأشياء بالترخيم؛ لأنه موضعٌ قد ذَهَبَتْ فيه قُواهُم، ولم تنفَعْ فيه شكواهم، فضَعُفُوا عن تتميم نداء مالكٍ خازِنِ النار".
وهذا النصُّ هو معنى كلام ابن جِنِّي في المحتسِب (١)، وأمّا ما أَوْرده المؤلِّف هنا فقد نَقَله بنصِّه عن طاهر بن أحمد عن ابن جِنِّي (٢).
٢ - أنه نَقَل عن الفَرّاء نصًّا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ (٣) يختلف اختلافًا كبيرًا عما قاله الفَرّاء، فقال (٤): "قال الفراء: الطَّمْثُ: الافْتِضاضُ، وهو النكاح بالتَّدْمِيةِ".
بينما قال الفراء (٥): " ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: لم يَفْتَضِضْهُنَّ، قال: وطَمَثَها؛ أي: نَكَحَها، وذلك لِحالِ الدَّمِ". اهـ، أما النصُّ الذي أورده المؤلِّفُ هنا فهو ما نقله الواحديُّ وغيره من المفسِّرين عن الفراء (٦).
٣ - أنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (٧)، قال الجِبلي (٨): "وقَرأَ داودُ بن أَبِي هند: ﴿بَالِغٌ أَمْرُهُ﴾ بالتنوين ورفَعْ الأمر، قال الفراء: أي: أَمْرُهُ بالِغٌ، فرفعُه على الابتداء، و ﴿بَالِغٌ﴾: خبرُه، والجملة خبرُ ﴿إِنَّ﴾ ".
_________
(١) المحتسب ٢/ ٢٥٧.
(٢) ينظر: شرح جمل الزجاجي لطاهر بن أحمد بن بابشاذ ١/ ٢٨١.
(٣) الرحمن ٥٦.
(٤) البستان ٣/ ٢٧٤.
(٥) معاني القرآن ٣/ ١١٩.
(٦) ينظر: الوسيط للواحدي ٤/ ٢٢٧.
(٧) الطلاق ٣.
(٨) البستان ٣/ ٤٤٢.
стр. 146
بينما قال الفراء (١): "ولو قُرِئَ: ﴿بَالِغٌ أَمْرُهُ﴾ بالرَّفع لَجاز"، أمّا النصُّ الذي جاء به المؤلِّفُ هنا فقد نَقَله عن مَكِّيِّ بن أَبِي طالب عن الفَرّاء (٢).
ثانيًا: ملحوظات على الأسلوب: ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - إيهامُ كلامِه خلافَ المراد:
قد يقعُ من الجِبْلي أحيانًا ما يشبهُ الخلطَ في كلامه، فيؤدِّي ذلك إلى وقوع القارئ في لَبْسٍ في فَهْمِ ما يريده من كلامه، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - أنه في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يُقرأُ بكسر الألفِ على الابتداء والحكاية".
فقوله: "يُقرَأُ بكسر الألف" يوهم أنه قُرِئَ بفتح الألف بالفعل، في حينَ أنّ أحدًا لم يَقرأْ بالفتح كما يوهمُ كلامُه.
٢ - أنه في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٥)، قال الجِبْليُّ (٦): "وأُسكِنت التاءُ الأُولَى لأنّها مؤنَّثة، وفُتِحت الأخرى لأنه فِعْلُ مُذَكَّرٍ".
وهو يعني بالتاءِ الأولى: تاءَ التأنيث الساكنةَ في ﴿تَبَّتْ﴾، وبفتح الأخرى: الباءَ المشدَّدة في قوله تعالى: ﴿وَتَبَّ﴾؛ لأنه ليس في الثاني تاءُ تأنيث، ولكنّ كلامَه فيه إلباسٌ.
_________
(١) معاني القرآن ٣/ ١٦٣.
(٢) ينظر: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٣٨٤.
(٣) سبأ ٧.
(٤) البستان ٢/ ١٥٣.
(٥) المسد ١.
(٦) البستان ٥/ ١٠٩.
стр. 147
٣ - تخليطُه في "أنِ" التي تكون بمعنى "إذْ" في قوله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (١)، فقد قال الجِبليّ (٢): "قَرأَ أهل المدينة والكوفة إلّا عاصمًا: (إِنْ) بكسر الألف، على معنى: "إِذْ"، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (٤)، والكسرُ في (إِنْ) على أنه: جزاءٌ استغنى عن جوابِه بما تقدُّمه، كما تقول: أَنْتَ ظالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ، كذا قاله الواحدي (٥)، وقَرأَ الآخَرون بالفتح على معنى: لَأنْ كنتم، أراد معنى المُضِيِّ".
هذا ما قاله الجِبْلي متابعًا فيه الواحديَّ، وإنما تكونُ هذه بمعنى "إِذْ" على مذهب الفَرّاء (٦) إذا كانت "أَنْ" بفتح الهمزة، وأمّا على قراءة ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ فـ ﴿إِنْ﴾: شَرْطيّة باتّفاقِ البَصْرييِّن والكوفيِّين، فهذا تخليطٌ من المؤلِّف تَبِعَ فيه الواحِدِيَّ فيما قاله في الوسيط (٧).
٢ - وقوعُ التناقُض في كلامه:
كان الجِبْلي أحيانًا يذكُر وجهًا إعرابيًّا في آية، ولكنه عندَ تأويله لَها يذكر تأويلًا مخالفًا للوجه الإعرابِيِّ الذي ذكره أَوَّلًا، ومن أمثلته في البستان ما يلي:
_________
(١) الزخرف ٥.
(٢) البستان ٢/ ٤٥٥.
(٣) البقرة ٢٧٨.
(٤) النور ٣٣.
(٥) في الوسيط ٤/ ٦٤.
(٦) ينظر: معاني القرآن ٣/ ٢٧.
(٧) ينظر: الوسيط ٤/ ٦٤.
стр. 148
١ - أنه في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (١)، قال الجِبلي (٢): "وفي محلِّ ﴿مَنْ﴾ من الإعراب ثلاثةُ أوجُه: الرَّفع على الابتداء، والنَّصب على الإضمار، تقديره: أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ في الحِلْيةِ يَجْعَلُونَهُ رَبًّا أو بَناتِ اللَّهِ؟ والخَفْض رَدًّا على قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ وقولِهِ: ﴿بِمَا ضَرَبَ﴾.
فقوله: "والنَّصب على الإضمار. . . " كان ينبغي أن يكون التقدير مثلًا: أَجَعَلْتُمْ أو أَتَجْعَلُونَ مَن يُنَشَّأُ في الحِلْية رَبُّا أو بناتِ اللَّهِ؟ حتى يوافقَ ما ذكره أولًا، لا كما قدَّره: أو مَن يُنشَّأُ في الحِلْية تجعَلونه ربًّا. . . إلخ؛ لأن "مَنْ" -على هذا التأويل الذي ذكره-: مبتدأٌ، و ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ المقدَّر هو الخبر.
٢ - أنه قال (٣): "قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ (٤)؛ أي: ما كان للرحمن ولدٌ، و"إِنْ "هاهنا: نفيٌ وجحودٌ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (٥)؛ أي: ما أنت إلّا نذيرٌ، وقوله: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٦)؛ أي: ما نحن إلّا بشَرٌ مِثلُكم، والمعنى: قلْ لهم يا محمد: إن كان للرَّحمن ولَدٌ في قولكم وزَعْمِكم ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ يعني: المُوَحِّدِينَ".
وهذا تخليطٌ من المؤلِّف؛ لأنه ذكر أنّ "إِنْ" نافيةٌ بمعنى "ما"، ثم فَسَّرَ المعنى على وجهٍ آخَرَ في "إِنْ" وهو: أنها شَرْطيّةٌ على بابها، والفاء جوابُها.
_________
(١) الزخرف ١٨.
(٢) البستان ١/ ١٥٢.
(٣) البستان ٢/ ٤٩٠.
(٤) الزخرف ٨١.
(٥) فاطر ٢٣.
(٦) إبراهيم ١١.
стр. 149
٣ - أنه في قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (١)، قال الجِبليّ (٢): ﴿طَاعَةٌ﴾، وهو رفعٌ على الحكاية، وقيل: هو ابتداءٌ محذوفُ الخبر تقديره: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أَمْثَلُ أو أَحْسَنُ، أو أَمْرُنا طاعةٌ".
فالمؤلِّف هنا ذكر أنّ ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأٌ محذوفُ الخبر، ثم فَسَّرَ ذلك بقوله: "طاعةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أَمْثَلُ"، وهذا مطابقٌ للوجه الإعرابِي، ولكنّ قوله: "أو: أَمْرُنا طاعةٌ" معناه أنّ ﴿طَاعَةٌ﴾: خبرُ ابتداءٍ محذوف، على عكىس ما ذكره هو أَوَّلًا من أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبر، وهذانِ الوجهان صحيحان، وقد قال بهما سيبوَيْه (٣).
٤ - أنه في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٤)، قال الجِبْليُّ (٥): "وقيل: "ما" بمعنى: "الَّذِي"، أي: كانوا قَلِيلًا من الليل الَّذِي يَهْجَعُونَ؛ أي: كانوا قَلِيلًا من الليل هُجُوعُهُم؛ لأن "ما" إذا اتصل به الفعل صار في تأويل المصدر، كقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ أي: بِظُلْمِهِمْ".
فهذانِ وجهانِ خَلَط المؤلِّف بينَهما، فالأول: أن تكون "ما" موصولةً، وعليه يكون المعنى: كانوا قليلًا من الليل الوقتِ الذي يهجَعونَه، والوجهُ الثاني: أن تكون "ما": مصدَريّةً، وهي معَ ما بعدَها في تأويل مصدرٍ في محلِّ رفع بَدَل من الضَّمير في ﴿كَانُوا﴾، و ﴿قَلِيلًا﴾ خبرُ "كان"، والمعنى على هذا: كانوا قليلًا من الليل هجوعُهم، ولكنّ المؤلِّف لفَّق بين هذَيْنِ الوجهَيْن، فذكر أنها موصولةٌ، ثم فسَّرها على أنها مصدَريّة.
_________
(١) محمد ٢١.
(٢) البستان ٣/ ٨٠.
(٣) ينظر: الكتاب ١/ ١٤١.
(٤) الذاريات ١٧.
(٥) البستان ٣/ ١٦٧.
стр. 150
٥ - أنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (١)، قال الجِبلي (٢): "أي: الحَقُّ اليَقِينُ لا شَكَّ فيه، فأضافه إلى نفسه توكيدًا، وأصله: حَقُّ الشَّىْءِ أو: حَقُّ الأَمْرِ اليَقِينِ، كقولك: عَيْنُ اليَقِينِ ومَحْضُ اليَقِينِ".
فقول المؤلِّف: "فأضافه إلى نفسِه توكيدًا" مؤيِّدٌ لمذهب الكوفيِّين في جواز إضافةِ الشيءِ لنفسه، والموصوفِ لصفتِه، ولكنّه بما ذكره بعدَه من تأويله للمعنى بقوله: "وأصله: حَقُّ الشّيءِ اليقين أو حقُّ الأمرِ اليقين" ذاهِبٌ مَذْهَبَ البصريِّين في أنّ الموصوفَ لا يضاف لصفتِه، وهم يؤوِّلون مثلَ هذا على حَذْف موصوفٍ كما ذكر المؤلِّف هنا من أنّ أصله: حَقُّ الشَّيءِ أو حَقُّ الأَمْرِ اليَقِينِ.
٦ - أنه في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ (٣)، قال الجِيْليُّ (٤): "و ﴿مِنْ﴾ هاهنا: صلةٌ معناه: يَغْفِرْ لكم ذُنُوبَكُمْ، ولم تدخُل لتبعيض الذنوب، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٥)؛ أي: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي هو الأَوْثانُ".
هذا ما قاله الجِبْلي، ولكنْ كيف تكونُ "مِنْ" صلةً ولبيان الجِنس في آنٍ واحد؟!
٧ - أنه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (٦) قال الجِبلي (٧): "رفعٌ بالابتداءِ
_________
(١) الواقعة ٩٥.
(٢) البستان ٣/ ٣٢٤.
(٣) نوح ٤.
(٤) البستان ٤/ ٨٣.
(٥) الحج ٣٠.
(٦) المرسلات ٨.
(٧) البستان ٤/ ٢٣١.
стр. 151
والخبر، وكذلك ما بعدَها". ثم قال بعد ذلك (١): "وهي مرفوعةٌ بإضمار فعل مثلِ هذا؛ لأن "إِذا" هاهنا بمنزلة حرفِ المجازاة".
٣ - ملحوظاتٌ نَحْويّة: ومن أمثلتها في البستان ما يلي:
١ - أنه في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ (٢) قال الجِبْلي (٣): "ورفعُ ﴿مَوْتَتُنَا﴾ على خبرِ ﴿إِنْ﴾؛ لأنّ ﴿إِنْ﴾ بمعنى: "ما"، والتقدير: ما هي إلا موتتُنا الأولى".
وما قاله المؤلِّفُ هنا غيرُ صحيح؛ لأن "إِنْ" عَمِلَتْ -على قِلّةٍ- لشِبهِها بـ "لَيْسَ"، ومن شروطِ إعمالِها عمَلَ "لَيْسَ" ألّا ينتقضَ نَفْيُها بـ "إِلّا"، وقد انتقضَ النَّفْيُ هنا بـ "إلّا"، فبَطَلَ عَمَلُها، وعليه فـ ﴿هِيَ﴾: مبتدأٌ، و ﴿إِلَّا﴾: أداةُ استثناءٍ مُلغاة، و ﴿مَوْتَتُنَا﴾: خبرُ المبتدأ.
٢ - أنه في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ (٤)، قال الجِبلي (٥): "ومحَلُّ ﴿أَنْتُمْ﴾: رفعُ توكيدٍ للواو في ﴿تَعْبُدُونَ﴾، و ﴿آبَاؤُكُمُ﴾: معطوفٌ عليه، و ﴿الْأَقْدَمُونَ﴾: نعتُه".
ومثله ما وَرَد في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ (٦)، فقد
_________
(١) البستان ٤/ ٢٣١.
(٢) الدخان ٣٥.
(٣) البستان ٣/ ١٥.
(٤) الشعراء ٧٥، ٧٦.
(٥) البستان ١/ ٤١٧.
(٦) النجم ٢٣.
стр. 152
قال الجِبْلي (١): "و ﴿أَنْتُمْ﴾: رفعُ تأكيدٍ للتاء والميم في ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾، و ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَنْتُمْ﴾.
وهذا غيرُ صحيح؛ لأنّ قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ في الآية الأولى معطوفٌ على الضمير المتَّصل، لا على ﴿أَنْتُمْ﴾، و ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ في الآية الثانية معطوفٌ على تاء الفاعل في: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾، وجاءت ﴿أَنْتُمْ﴾ توكيدًا لضمير الرَّفع المتَّصل في الآيتَيْنِ لكي يصحَّ العطفُ عليه.
٣ - أنه في قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "هذه ﴿ها﴾: التنبيه؛ أي: هاكُمْ، وقيل: تَعالَوْا".
وهذا وَهَمٌ؛ لأن ﴿ها﴾ هنا هي: اسمُ الفعل، وليست للتنبيه كما قال؛ لأنّها لو كانت للتنبيه لكانت حرفًا.
واللَّه أعلم.
* * *
_________
(١) البستان ٣/ ٢١٢.
(٢) الحاقة ١٩.
(٣) البستان ٤/ ٤٥.
стр. 153
خاتمةُ الدِّراسة
الحمدُ للَّه الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، أحمَدُ اللَّه حمدًا كثيرًا على نِعَمه السوابغ، وآلائه العظيمة، فبعد أربع سنواتٍ قضيتُها في صُحبة هذا الكتاب ومؤلِّفه، عايشتُهما معايشةَ الخِلِّ الوفِيِّ، والصاحب الأمين، والصَّديق المخلص، أفدتُ فيها إفاداتٍ عظيمةً في علم النَّحو واللُّغة والتفسير والقراءات وغيرها، أقول: بعدَ هذه الرحلة الطويلة، يمكنُني أن أرصُدَ بعض النتائج التي توصَّلت إليها من خلال تحقيقي لهذا الكتاب، وذلك فيما يلي:
١ - أنّ الكتابَ مهمٌّ في بابه، وهو إعرابُ مشكِلات القرآن، ويُعَدُّ إضافةً للمكتبة العربية بصفة عامة، وللمكتبة اللُّغوية بصفةٍ خاصة.
٢ - أنّ الكتابَ يكشف النِّقاب، ويُميط اللِّثام عن عالِم كبير، لم ينَلْ حظَّه من الذيوع والشهرة، ليس في علم النَّحو فحسبُ، وإنّما في علوم اللغة والفقه والتفسير والحديث وغيرها.
٣ - أنّ عدمَ اشتهار الجِبْليِّ وغيره من علماءِ اليمن المغمورين يرجع -فيما يبدو- إلى الطبيعة الخاصّة لبلاد اليمن، تلك الطبيعةِ التي فَرَضت عليها وعلى أهلها نوعًا من الانعزال عن بقيّة أقطار العالَم الإسلاميِّ الكبير، رَغْم إنجازاتهم ومؤلَّفاتهم العلميّة المهمة في مختلف ميادينِ المعرفة والحضارة الإسلامية.
٤ - أنّ الجِبْليَّ أَثْرَى كتابَه بنقولٍ كثيرةٍ عن العلماء السابقين، ومنهم: سيبوَيْهِ الذي نَقَل عنه الجِبْليُّ نقلًا صريحًا في نحو ثلاثينَ موضعًا، والفَرّاءُ الذي نقل عنه الجِبْلي
стр. 154
في أكثرَ من مائتَيْ موضع، والأخفَش الذي نَقَل عنه الجِبْلي في نحو خمسين موضعًا، وثعلبٌ الذي نَقَل عنه الجِبْلي في أربعينَ موضعًا، والزَّجّاج الذي نَقَل عنه الجِبْلي في نحو مائةٍ وخمسين موضعًا، وابنُ الأنباري الذي نقل عنه الجِبْلي في تسعة وعشرينَ موضعًا، والنحّاس الذي نَقَل عنه الجِبْليُّ في واحدٍ وعشرين موضعًا، وهكذا.
٥ - أنّ الكتابَ لم يقتصرْ على إعرابِ المشكِلات القرآنية، بل تَعدّاها إلى الاهتمام الكبير باللغة، فقد استعان الجِبْلي باللغة في توضيح معانِي الآيات، كما اهتمَّ الجِبْلي بآراءِ المفسِّرين، فقد كان الجِبْلي يمزجُ بين مسائل النَّحو واللغة والتفسير، وهذا واضحٌ في الكتاب من أوله إلى آخره.
٦ - أنّ الجِبْلي اهتمَّ بالقراءات اهتمامًا بالغًا، سواءٌ منها الصحيحة والشاذّة، فزادت القراءات التي أَوْردها في كتابه على ثمانِمائة قراءةٍ بين صحيحة وشاذّة، وقد كان في معظم المواضع يذكر القراءة ومن قَرأَ بها باستثناءِ بعض المواضع التي كان يذكر فيها القراءة بدون ذكر من قَرأَ بها.
٧ - أنّ الجِبْليَّ اهتمَّ بالشعر اهتمامًا كبيرًا، فبلغ عدد الأبيات عنده (٧٣٣) بيتًا، منها (١٠٣) أبيات في الزهد والحِكمة، وسائرها شواهدُ نَحْويّة أو لُغوية، باستثناء بَيْتَيْنِ للمتنبِّي أَوْردهما المؤلِّف على سبيل الاستئناس.
٨ - أنّ المؤلِّف -كما يبدو من خلال كتابه- كوفِيُّ النزعة، وهذا واضحٌ من خلال اختياراته ومواقفِه من آراءِ البصريِّين والكوفيين، ولكنه كغيرِه من المتأخِّرين، كانوا يمزُجونَ بين اختياراتهم البصريّة والكوفية، وهذا واضحٌ أيضًا في الكتاب.
٩ - أن الكتاب يكشف عن تَأَثُّرِ الجِبْلِيِّ النحويين السابقين، وخاصة النحويين المصريين كالنَّخاسِ وابن بَابَشَاذَّ، وهذا راجع إِلَى العلاقة السياسية بين البلدين:
стр. 155
مصر واليمن، مِمَّا أدى إِلَى تأثر اليمنيين العلماءَ المصريين في مختلف المَجالات العلمية، ومنها علم النحو.
١٠ - أنّ المؤلِّف استعمل المصطلَحاتِ النَّحويةَ للبَصْريين والكوفيِّين، ولكنه كان أكثَرَ استعمالًا لمصطلحاتِ الكوفيِّين، ومن مصطلحاتِ الكوفيين التي استعملها الجِبْلي: النَّصبُ على الصَّرف - الفعلُ المجهول - ما لم يُسَمَّ فاعله - خبرُ ما لم يُسَمَّ فاعله - ضمير العِماد - الردّ والتكرير - الخروجُ من الوصف - حروف الصِّفة، وحروفُ الإضافة - الإجراء وعدم الإجراء - القطع - التفسير - الترجمة، كما استعمل عدةَ مصطلحاتٍ ليست معروفةً عند الفريقَيْن، ومنها: الفعلُ المستقبَل - النَّصب على الصَّرف بمعنى النَّصب على المفعول من أَجْله - الاستثناء الصحيح - الابتداءُ المحقَّق - المفعولُ المحقَّق.
١١ - أنّ الجِبْلي اهتمَّ بالعِلّة النَّحوية اهتمامًا كبيرًا، وقد حصرتُ له سبعةَ عَشَر نوعًا من أنواع العِلّة البسيطة، وهي علةُ السَّماع وعلّةُ التشبيه وعلّة الاستغناء وعلّة الاستثقال وعلّة الفَرْق وعلّة التوكيد وعلّة التعويض وعلّة الحَمْل على النظير وعلّة الحَمْل على المعنى وعلّة المعادَلة وعلّة القُرب والمجاورة وعلّة الجواز وعلّة التغليب وعلّة التخفيف وعلّة دِلالة الحال وعلّة الأصل وعلّة الأَوْلَى، بالإضافة للعِلل المركَّبة، وهي: التعليل بالتخفيف والفَرْق، والتعليل بالفَرْق والحَمْل على النظير، والتعليل بالاستثقال والأصل، والتعليل بالاستثقال والأَوْلَى.
١٢ - أنّ الجِبْليَّ كان أحيانًا يوافق بعضَ النحاة السابقينَ الذين رَدُّوا بعض القراءات الصحيحة، فضعَّفوها أو طَعَنوا على من قرؤوا بها، ولكنّه في الغالب كان يقبَل بهذه القراءات، ولا يُضَعِّفُها ولا يَرُدُّها، ولا يطعَن على من قرأ بها.
واللَّه أعلم.
стр. 156
القسم الثاني التحقيق
ويشتمل على ما يأتي:
١ - وَصْفِ نسخةِ المخطوط.
٢ - منهجِ التحقيق.
٣ - نماذجَ مصوَّرةٍ من المخطوط.
٤ - النصِّ المحقَّق.
стр. 157
١ - وصفُ نُسخةِ المخطوط
كتاب "البستان في إعراب مشكِلات القرآن" له نسخةٌ مخطوطةٌ واحدة محفوظةٌ بالمكتبة المتوكِّليّة بالجامع الكبير بصنعاءَ باليمن برقم (١٠٦ - تفسير)، ومنها مصوَّرةٌ بدار الكتب المصرية برقم (٢٩١٣٦).
وهذه النُّسخة -فيما يبدو- هي الجزءُ الثاني من الكتاب؛ لأنّها تبدأُ بسورة الأنبياء، ولم أجدْ أَيّةَ إشارةٍ فيما رَجَعتُ إليه من فهارسِ المكتبات أو غيرِها إلى وجود نسخةٍ كاملة من الكتاب، أو نسخةٍ أخرى للجزء الموجود منه.
ومصوَّرةُ دار الكتب المصرية تنتهي باللوحة رقم (٢٦٠/ أ) من الكتاب عند قول المؤلِّف: "فَصْلٌ: عن عَلِيِّ بن أَبِي طالب ﵁ أنه قال: "يَأْتِي على الناس زَمانٌ لا يبقى من الإسلام إلا اسْمُهُ ولا من القرآن إلا".
وقد أشار مَنْ صوَّر هذه النُّسخة بدار الكتب المصرية إلى أنّ الباقيَ سقَطَ من التصوير، فاجتهدتُ في البحث عن بقيّة هذه النسخة، فوجدتُ أن فِهرِس المخطوطات بمركز البحث العلميِّ وإحياء التراث بجامعة أُمِّ القرى بمكةَ المكرَّمة أشار إلى أنّ بالمركز نسخةً مصوَّرةً للبستان برقم (٨٦٢ - تفسير)، فأرسلتُ في طلبها، فوجدتها مصوَّرةً عن نسخة دار الكتب المصرية، إلّا أنها تنتهي بآخِر القرآن الكريم، ويبدو أن القائمينَ على المركز قد أكملوا النقصَ الواقعَ في مصوَّرة دار الكتب المصرية عن الأصل المحفوظ بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء.
стр. 158
- وعدد أوراق نسخة البستان (٣٤٦ ورقة)، ومقاسها ٢١ سم × ١٥ سم، ويتراوح عدد سطور الصفحة في الغالب بين ٢٤ سطرًا و ٢٦ سطرًا، وقد يقِلّ عدد السطور في الصفحة إلى ١٦ سطرًا [كما في الورقة ٢٣٦/ ب، ٢٣٧/ أ]، وإلى ٢١ سطرًا [كما في الصفحة ٢٣٧/ ب]، وقد يزيد عدد السطور في الصفحة إلى ٢٨ سطرًا [كما في الصفحة ٥/ ب، ٨/ ب وغيرهما]، وقد يصل إلى ٣١ سطرًا [كما في الصفحتين ٣٠٥/ أ، ٣٠٧/ أ].
- والنسخة مكتوبةٌ بخطٍّ نَسْخي جيِّد، ولكنّها لا تخلو من بعض الأخطاء التي وقعت سهوًا من الناسخ، وقد تمكنت من إصلاحها بفضل اللَّه، ويغلِب على ظنِّي أن ثلاثةَ ناسخينَ تناوبوا على كتابة هذه النسخة؛ لأنّني اسقطعت أن أمِيزَ بَيْنَ ثلاثة خطوطٍ متفاوتة في أثنائها.
- وعلى الرَّغم من أنّ الكتابَ له نسخةٌ واحدةٌ فقط إلّا أنّها تتميَّز بأنها منقولةٌ من نسخةِ المؤلف التي كتبها بيده سنة ستمائة وتسعين ونيّف كما جاء على الورقة الأولى من المصوَّرة، وجاء في آخِر الكتاب أيضًا: "كُتِبَ "البُسْتانُ في إِعْرابِ مُشْكِلَاتِ القُرْآنِ" مِنْ نُسْخةِ المُؤَلِّفِ بِخَطِّهِ، وَهُوَ: الإِمامُ العالِمُ أَحْمَدُ بنُ أَبِي بَكْرِ ابنِ عُمَرَ بنِ أَبِي الخَيْرِ بنِ أَبِي الهَيْثَمِ الجِبْلِيُّ المَعْرُوفُ بِالأَحْنَفِ -نَفَعَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ-. . . تَمَّ الكِتابُ الكَرِيمُ بِعَوْنِ اللَّهِ المَلِكِ العَظِيمِ، والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وَكانَ فَراغُ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ -تَعالَى-. . . الثّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ المُعَظَّمِ أَحَدِ شُهُورِ سَنةِ أَرْبَع وَتِسْعِينَ وَتِسْعِمِائةٍ مِنَ الهِجْرةِ النَّبَوِيّةِ. . . . . وُجِدَ بخَطِّ المُؤَلِّفِ ما لَفْظُهُ: فُرِغَ مِنْ نِساخَتِهِ سَنةَ. . . (١) وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائةٍ مِنَ الهِجْرةِ النَّبَوِيّةِ، عَلَى صاحِبِها أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلَامِ".
_________
(١) بياض في الأصل بمقدار كلمة.
стр. 159
- وهذه النسخة لم يُعرَف اسمُ ناسخها، ولكنْ كُتِب عليها تاريخُ النسخ، وهو كما سبق: "الثّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ المُعَظَّمِ أَحَدِ شُهُورِ سَنةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَتِسْعِمِائةٍ مِنَ الهِجْرةِ النَّبَوِيّةِ".
- أمّا صفحة العنوان فقد كُتِب عليها: "كتاب البستان في إعراب مشكِلات القرآن -مؤلَّف الشيخ الإمام العالِمِ: أحمد بن أَبِي بكر بن عمر بن أَبِي الخيْر بن أَبِي الهيثم الجِبْلي المعروف بالأحنف- نفع اللَّه تعالى بعلومه".
- وعلى حواشي الصفحة عدة تمليكات، ومما استطعتُ قراءتَه منها ما جاء بأعلى الصفحة: ". . . الفقير إلى اللَّه سبحانه. . . عبد اللَّه بن محمد. . . بن محمد -غفر اللَّه له- في ٥ شهر ربيع الأول سنة (١١٧٠ هـ) "، ومنها ما جاء بأعلى الصفحة من جهة اليسار: "كتبه الموفق [كذا]. . . عَلِيُّ. . . ﵁ وجزاه الجنة"، فربما كان هذا اسم الناسخ، ولكنني لم أستطع قراءته؛ لأن بقية الكلام قد طمس.
- وكُتِبَ تحت هذا الكلام: "من كتب الفقير إلى اللَّه رب العالمين: محمد بن الحسن ابن أمير المؤمنين [كذا] المنتصر باللَّه رب العالمين. . . شهر محرم الحرام سنة ستٍّ وستينَ وألف". بالإضافة إلى أشعار وحِكَمٍ جاءت على صفحة العنوان.
- كما أنّ هذه النسخةَ مقابَلةٌ ومصحَّحةٌ على نسخة المؤلِّف، ففي مواضعَ عديدة من الكتاب نرى تصحيحاتٍ لبعض الألفاظ بخطٍّ مماثل إمّا فوق الكلمة المصحَّحة، وإمّا بإزائها في حاشية الصفحة، ثم يكتب رمز "صح" بعد انتهاء هذا التصحيح، وقد أشرتُ إلى ذلك في عدة مواضع، كما توجد في حواشي بعض الأوراق من حينٍ لآخَر عبارة "بلغ مقابلةً"، ومن ذلك ما ورد في حاشية الورقة (١١٠/ ب) والورقة (١٢٩/ ب) والورقة (١٣٥/ ب) والورقة (١٣٩/ ب) والورقة (١٤٤/ ب).
стр. 160
- وقد وقع تبديلٌ لورقتَيْن في أول المخطوط، فقد جاءت الورقة التاسعة مكانَ الورقة الثانية، وجاءت الورقة الثانية مكان الورقة التاسعة، ولكنّني استطعت -بحمد اللَّه- أن أعيدَ ترتيبَهما؛ لأنّ المخطوطَ به نظام التعقيبة في جميع صفحاته، مما أعانني على ترتيب هاتَيْن الورقتَيْن.
- وفي الورقة (٣٤٧/ أ) جاءت نهاية نصِّ كتاب البستان، ثم بدأَ نصُّ كتاب آخَر، هو في الحقيقة رسالةٌ صغيرة في أصول الفقه بعنوان "أوصاف العلل"، تصنيف الشيخ الصالح الولِيِّ يحيى بن أَبِي الخير اليمني.
- وقد شغلت هذه الرسالة بقية الورقة (٣٤٧/ أ)، ثم الورقة (٣٤٧/ ب و ٣٤٨/ أ و ٣٤٨/ ب)، ثم جاءت في الورقة (٣٤٩) عدةُ أبياتٍ من الشعر في الحكمة، ثم انتهى المخطوط بتمليكٍ جاء فيه: "صار هذا الكتاب المبارك إلى ملك. . . بتاريخ يوم الثلاثاء. . . من شهر رمضان المبارك سنة. . . واللَّه خير الشاهدين".
* * *
стр. 161
٢ - منهَجُ التحقيق
اتَّبعت في تحقيقي لهذا الكتاب المنهجَ العلميَّ المتَّبَع في تحقيق المخطوطات، وذلك وفق الخطُوات الآتية:
١ - قمتُ بنسخ نصِّ الكتاب من الأصل المخطوط متَّبِعًا قواعدَ الإملاء المألوفة، معَ مراعاة علامات الترقيم، وقد وجدت في النصِّ بعض الأخطاء الإملائيّة التي أمكن تداركُها، فصحَّحتُها، وأشرت إلى بعضٍ من ذلك في الحواشي.
٢ - وَجْه الورقة من المخطوط وضعتُ له رقمًا ثم شَرْطةً مائلة هكذا:/، ثم الحرف: أ، وظهرُ الورقة رَمَزتُ له بالحرف: ب، ووضعت كلًّا من الرقم والحرف بين معقوفتين بعدَ آخِر كلمة من الصفحة، ومثال ذلك: وجهُ الورقة الأولى [١/ أ]، ثم ظهرُ هذه الورقة هكذا [١/ ب]، ووجه الورقة (١٠٠) هكذا [١٠٠/ أ]، ثم ظهرها [١٠٠/ ب]، وهكذا.
٣ - الآياتُ القرآنيةُ التزمت فيها بقراءة حفص دائمًا، وأنزلتها في النصِّ من مصحف المدينة المنورة، إلّا ما ورد مخالفًا لها في أصل المخطوط، كما في قوله تعالى: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (١)، فقد جاءت في أصل المخطوط بضمِّ الميم وفتح اللام: ﴿مُهْلِكَ﴾، بينما قرأها حفصٌ: ﴿مَهْلِكَ﴾ بفتح الميم وكسر اللام.
وهذه الآيات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
_________
(١) النمل ٤٩.
стр. 162
الأول: الآياتُ موضوعُ الشّرح والإعراب: وهذه الآياتُ كنتُ أمِيزُها بالخطِّ الأسود العريض، وأضعُها بين قوسين مزهرين هكذا ﴿﴾، وكتبتُ رقمَ كلِّ آية في نهايتها واضعًا هذا الرقمَ بين معقوفَتين داخل القوسين المزهرين هكذا [].
الثانِي: الآياتُ المستشهَدُ بِها: وهذه الآيات وضعتُها بين مزهرين أيضًا، ولكن بخط أبيض، وعزوتُها إلى سُوَرها في حاشية التحقيق، ذاكرًا اسم السورة، ثم رقم الآية.
الثالث: الآيات المخالفة -بقراءةٍ- لمصحف المدينة المنوَّرة: نضدتُها بحرف الكتاب، لاشتمالها على كلمة أو أكثر ليست تتطابق مع قراءة حفصٍ عن عاصم التي كتب بها مصحف عثمان، ووضعتها بين قوسين مزهرين.
٥ - خَرَّجْتُ القراءات القرآنية من كُتب القراءاتِ وكُتب إعراب القرآن ومعانيه وكتب التفسير وغيرها، وعزوتُ القراءةَ إلى مَنْ قرأ بها إذا أغفَل المؤلِّف ذلك، وإذا ذكر المؤلِّف في قراءةٍ ما أسماءَ بعضِ القراء الذين قرؤوا بها، فإنني كنت أذكر أسماءَ بقية القُرّاء بقدر المستطاع.
٦ - الأحاديثُ النبويّة وضعتُها بين علامتَي التنصيص هكذا " "، وخرَّجتها من كتب السُّنّةِ وغيرها، ذاكرًا اسمَ الكتاب، ثم رقمَ الجزء والصفحة، ثم اسم الكتاب، ثم اسمَ الباب الذي ورد الحديث فيه.
وأمّا الأحاديث الضّعيفة والموضوعة فقد أشرتُ إلى درجتها، وخرَّجتها من كتب الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة، ومن كتُب التفسير وغيرها، وأمّا أحاديثُ فضائل السُّوَر فقد أشرتُ في أول سورة الأنبياء إلى أنّ أكثرَ هذه الأحاديث موضوعٌ، وخرَّجتها أيضًا من مظانِّها.
стр. 163
٧ - خَرَّجْتُ الأمثالَ والأقوال من كتُب الأمثال وكتب الأدب وغيرها.
٨ - جُلُّ الشواهد الشِّعريّة في "البستان" شواهدُ نَحْويّةٌ ولغوية، وقليلٌ منها أبيات في الزهد والحكمة، وقد أطلقتُ عليها لفظَ شواهدَ تَجَوُّزًا.
وقد خَرَّجْتُ الأشعارَ والأرجازَ، ذاكرًا البَحْرَ الذي ورد عليه البيت، ثم اسمَ القائل إن لم يذكره المؤلِّف، مُصَحِّحًا نِسْبةَ البيت إذا نَسَبَهُ المؤلف خطأً، ذاكرًا الرواياتِ في البيت إذا تعدَّدت، شارحًا الألفاظَ الغريبةَ فيه، ثم أُبَيِّنُ الشاهدَ ووجهَ الاستشهاد إن كان البيتُ يحتاج لبيانه، ثم أُخَرِّجُ البيتَ من مصادره التي يوجد فيها، بادئًا بذكر ديوان الشاعر إن كان له ديوان.
٩ - ترجمتُ للأعلام الذين وَرَد ذِكرهم في نصِّ المخطوط، وترجمت للمشهورينَ منهم أيضًا، ولكنَّني أوجزتُ في هذه التراجم.
١٠ - عَرَّفْتُ بالقبائل والطوائف والجماعات، وكذا بالأماكن والمواضع تعريفًا موجزًا.
١١ - خَرَّجْتُ أقوالَ العلماء من نحويِّين ولُغَويِّين من كتُبهم بقَدْر الإمكان مكتفيًا بِها في تخريج هذه الأقوال، فإن لم أجدها في كتبهم رجعتُ إلى غيرها لأُخَرِّجَ هذه الآراءَ منها، أمّا الأقوالُ غيرُ المنسوبة فقد كنت أعزُوها إلى قائليها مُخَرِّجًا إياها من كتبهم إذا وجدتها فيها، أو من غيرها إن تعَذَّر ذلك، كما خَرَّجْتُ أقوال المفسِّرين والفقهاء من كتب التفسير والفقه.
١٢ - عَلَّقْتُ على الآراءِ والمسائل الخلافيّة التي ذكرها المؤلِّف بإيجاز.
١٣ - الزِّيادةُ التي أضفتُها إلى النصّ، وكانت ضروريّةً لإصلاح النص وضعتها بين معقوفَتين هكذا []، وأشرت إلى ذلك في الحاشية.
стр. 164
١٤ - الألفاظ المكرَّرة في الأصل، والألفاظ المصحَّفة أو المُحَرَّفةُ صحَّحتها، وأشرت إلى ذلك كلِّه في الحاشية.
* * *
стр. 165
٣ - نماذج مصوَّرة من المخطوط
صفحة العنوان
стр. 166
الورقة الأولى
стр. 167
الورقة الأخيرة
стр. 168
البُسْتانُ في إعرابِ مُشكِلات القُرْآنِ
لِأَبي العَبّاسِ أحمَدَ بنِ أَبي بَكْرٍ بنِ عُمَرَ الجبلي ت (٧١٧ هـ)
من أولِ سورةِ الأنبياء إلى آخرِ القرآنِ الكريم
стр. 169
سورةُ الأنبياء ﵈ -
مكِّية
وهي أربعةُ آلافٍ وثمانِمائة حرف، وألفٌ وثمانٍ وستونَ كلمةً، ومائةٌ واثنتا عشْرةَ آيةً.
بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها (١)
عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ حاسبه اللَّه حسابًا يسيرًا، وصافَحَهُ وسَلَّمَ عليه كلُّ نَبِيٍّ ذُكِرَ اسمُهُ في القرآن" (٢).
стр. 170
وقال ﷺ : "من قرأ سورةَ الأنبياء ﵈ لم يدخُل النارَ، يعمل ما شاء إذا لم يُشْرِكْ باللَّه تعالى" (١).
بابُ ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ يعني: محاسبةَ اللَّهِ إياهم على أعمالهم، قيل: اللام بمعنى "مِنْ"، يعني: اقترب من الناس حسابُهُمْ، ولا يجوز في الكلام: اقترب حسابُهم للناس؛ لئلّا يُقَدَّمَ مُضْمَرٌ على مُظْهَرٍ لا يجوز أن يُنْوَى فيه التأخيرُ (٢)، و"اقْتَرَبَ": "افْتَعَلَ" من القُرْبِ، يقال (٣): قَرُبَ الشيءُ واقْتَرَبَ بمعنًى واحدٍ.
قوله: ﴿وَهُمْ﴾ واو الحال ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ عن التفكرِ فيه والتأهبِ له بالإيمان بمحمدٍ ﷺ والقرآنِ، نزلت هذه الآيةُ فيمن أنكر البعثَ.
قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ الخَفْض: نعتٌ لـ "ذِكْرٍ"، وأجاز الكِسائي (٤) والفَرّاء (٥): "مُحْدَثًا" (٦) يعني: ما يأتيهم مُحدَثًا، وأجاز الفراء (٧) أيضًا رفع ﴿مُحْدَثٍ﴾ (٨) على تأويل: ﴿ذِكْرٍ﴾؛ لأنك لو حذفت "مِنْ" رفعتَ
стр. 171
ذِكْرًا. ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ قال ابن عباس: يستمعون القرآن مستهزئين ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ يعني: ساهيةً. مشغولةً بالباطل عن الحق، معرضةً عن ذكر اللَّه، مأخوذٌ من قول العرب: لَهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ: إِذا تَرَكْتَهُ (١).
وهو منصوبٌ على الحال من ﴿يَلْعَبُونَ﴾ (٢)، وقيل: لأنه نعتٌ تقدَّم الاسمَ، ومن حقَّ النعت أن يَتْبع الاسمَ في جميع الإعراب، فإذا تقدَّم النعتُ الاسمَ فله حالتان: فَصْلٌ ووصل، فحالُهُ في الفصل النصبُ، كقوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (٣)، ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ (٤) و ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾، قال الشاعر:
١ - لِمَيّةَ مُوحِشًا طَلَلُ... يَلُوحُ كَأنَّهُ خِلَلُ (٥)
أراد: طلَلٌ موحِشٌ، وحالُه في الوصل حالُ ما قبلَه من الإعراب، كقوله
стр. 172
تعالَى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (١)، قال النابغة (٢):
٢ - مِنْ وَحْشِ وَجْرةَ مُوشِيٍّ أَكَارِعُهُ... طاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرَدِ (٣)
أراد: أكارعه مُوشِيّةٌ، ويجوز الرفع بمعنى: قُلُوبُهُم لَاهِيةٌ (٤)، أو يكون خبرًا بعد خبر، أو على إضمار مبتدأ (٥).
قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كان حقه: وأسرَّ؛ لأنه فعل تقدم
стр. 173
الاسمَ، واختلف النحاة فيه، فمنهم من قال (١): ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محل الخفض على أنه تابع للناس في قوله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وقال الكسائي (٢): فيه تقديمٌ وتأخير، أراد: الذين ظلموا أسَرُّوا النجوى.
وقال قُطرب (٣): هو شائع في كلام العرب، وحُكِيَ عن بعضهم أنه قال: سمعت بعض العرب يقول: أَكَلُونِي البَراغِيثُ (٤)، قال اللَّه : ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (٥)، قال الشاعر:
٣ - بِكَ نالَ النِّضالُ دونَ المَساعِي... فاهتدينَ النِّبالُ للأغراضِ (٦)
стр. 174
ويحتمل أن يكون محل "الَّذِينَ" رفعًا على الابتداء (١)، أو يكون معناه: "وأسروا النجوى"، ثم قال: هم الذين ظلموا (٢)، ويحتمل أن يكون محله رفعًا على البدل من الواو في: ﴿أَسَرُّوا﴾ (٣)، قال المبرد: فهذا كقولك في الكلام: إن الذين في الدار انْطَلَقُوا بَنُو عبدِ اللَّه، على البدل مما في ﴿انْطَلِقُوا﴾، ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: أعني الذين ظلموا (٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ يعني الرسل الأولين، قال الزَّجّاج (٥): هو واحدٌ ينبئ عن جماعة؛ أي: وما جعلناهم ذوي أجساد (٦): ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ قال ثعلبٌ والمبرّدُ جميعًا: العرب إذا جاءت بين الكلام بجَحْدَيْن كان الكلام إخبارًا، فمعناه: إنما جعلناهم جسدًا ليأكلوا الطعام، ومثله في الكلام: ما سمعتُ منكَ ولا أَقْبَلُ، فمعناه: إنما سمعت منك لأقبل منك، قال: وإذا كان في أول الكلام جَحْدٌ كان الكلام مجحودًا جحدًا حفيقيًّا، وهو مثل قولك: ما
стр. 175
زيدٌ بخارج، فإذا جاءت العرب بالجَحْدَيْن في أول الكلام كان أحدُهما صلةً، تقول: ما ما قمتُ، تريد: ما قمتُ، ومثله: ما إنْ قمتُ، تريد: ما قمت (١).
قال الفراء (٢): وإنَّما قال: ﴿جَسَدًا﴾ ولم يقل: أجسادًا؛ لأنها اسم الجنس، كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٣)، وقد تقدَّم قول الزَّجّاج فيه.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: أهلكنا أهلَها، يُخَوِّفُ أهلَ مكة، والقَصْمُ: الكسر والدَّقُّ، يقال منه: قَصَمْتُ ظَهْرَ فلانٍ، وانْقَصَمَتْ سِنُّهُ: إذا انكسرتْ.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ يعني: رأَوْا عذابنا ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ يعني: يسرعون هاربين، يقال منه: رَكَضَ فلانٌ فَرَسَهُ: إذا لَكَزَهُ بالرِّجْلِ، وأصله: التحريك.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ يريد: لم نخلقهما عبثًا ولا باطلًا، بل خلقناهما دلالةً على قدرتنا ووحدانيَّتنا ليعتبروا بخلقهما ويتفكَّروا فيهما ويعلموا أنّ العبادةَ لا تصلح إلا لخالقهما (٤)، ونَصْب ﴿لَاعِبِينَ﴾ على الحال (٥).
стр. 176
قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ يعني: امرأة، وقيل: ولدًا ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: من عندنا، يريد: من الحُور العين وما اتخذناه من أهل الأرض ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ يعني: ما كنا فاعلينَ ذلك، قال الفَرّاء (١) والمبرّد (٢) والزَّجّاج (٣): يجوز أن تكون "إنْ" للنفي، كقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (٤)، ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٥)، ويجوز أن تكون للشرط؛ أي: إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لَدُنّا، قال الفراء (٦): وهذا أَشْبَهُ الوجهينِ بِمَذْهَبِ العربيةِ.
واللهو في اللغة يقع على المرأة وعلى الولد، ولهذا يقال: امرأةُ الرجلِ وَوَلَدُهُ ريحانَتاهُ (٧)، وأصل اللهو: الجماعُ، كُنِّيَ عنه باللهو كما كُنِّيَ عنه بالسِّرِّ، ثم قيل للمرأة: لَهْوٌ؛ لأنها تُجامَعُ، قال امرؤ القيس:
٤ - أَلا زَعَمَتْ بَسْباسةُ اليومَ أنَّنِي... كَبِرتُ وأنْ لا يحسنُ السرَّ أمثالِي (٨)
стр. 177
يريد: الجماع (١)، وهذه الآية نزلت في الذين قالوا: اتخذ اللَّه ولدًا.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (٢٢)﴾ يعني السماواتِ والأرض، و"إلّا" هاهنا صفةٌ للآلهة بمعنى "غَيْرٍ" (٢)، وليس باستثناءٍ ولا ببدل (٣)، ويجوز أن يُشَبَّهَ "إلّا" بـ "غَيْرٍ" فيُوصَفَ بها، كما يجوز أن يُشَبَّه "غَيْرُ" بـ "إلّا" ويُسْتَثْنَى بِها، قال الزَّجّاج (٤): ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، قال الشاعر:
٥ - وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوهُ... لعَمْرُ أبيكَ إلّا الفَرقَدانِ (٥)
стр. 178
يعني: غير الفرقدَينِ، قال الزَّجّاج (١): المعنى: وكلُّ أخ غيرَ الفرقَدَيْنِ مفارقُه أخوه.
قوله: ﴿لَفَسَدَتَا﴾؛ أي: لَخَرِبتا وبَطَلتا وهلَكتا وهلَكَ من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة ولم يَجْرِ أَمْرُ العالَمِ على النظام؛ لأنّ كلَّ أَمْرٍ صَدَرَ عن اثنين فأكثر لم يَجْرِ على النظام (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، ثم نَزَّهَ نفسَه عما يقولون فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ أي: بل هم عبادٌ مُكْرَمون، يعني: الملائكة، نزلت هذه الآيةُ في خُزاعة، حيث قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّه -جَلَّ وعز عن ذلك-.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن كثير (٣): ﴿ألَمْ يَر﴾ بغير واو (٤)، والمعنى: أولم يعلم الذين كفروا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾
стр. 179
قيل: كانت السماواتُ مرتَّقةً طبقةً واحدةً ففتقها فجعلها سبعَ سماوات، وكذلك الأرَضُونَ كانت مرتَّقةً طبقًا واحدًا ففَتقَها فجعلها سبعَ أرَضِين، وقيل: كانت السماء معَ الأرض جميعًا، ففتقهما اللَّه بالهواء الذي جُعِل بينهما، وقيل: كانت السماء رَتْقاءَ لا تمطر ففتقها بالمطر، وكانت الأرض رَتْقاءَ لا تنبت ففتقها بالنبات، نظيره قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ (١).
وأصل الرَّتق: السدُّ، ومنه قيل للمرأة التي فرجُها ملتحم: رتقاءُ، وأصل الفَتْق: الفتح، وإنما وحَّد الرتقَ وهو من نعت السماواتِ والأرض، لأنه مصدرٌ وُضع موضعَ الاسم، مثلَ: الزَّوْر والصوم والفطر والعدل ونحوِها، والمعنى: كانتا ذواتي رتق (٢).
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني: أنّ كلَّ شيءٍ خُلِقَ من الماء، نظيره قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (٣).
"ولَمْ يصرَّح اللَّه تعالى بذكر الخبز والطعام لقلّته عنده، فصرح بذكر الماء لأنه شرفُه، إذْ كان كل شيءٍ خَلَقَهُ -من الحيوان والفاكهة وغير ذلك- حياتُهُ بالماء" (٤)، وخَفَضَ حَيًّا على النعت لـ "شيء".
стр. 180
فصل
رُوِيَ في الأخبار المشهورة المَأْثُورةِ، أن اللَّه تعالَى لَمّا أراد أن يَخْلُقَ السماواتِ والأرضَ خلق جوهرةً خضراءَ مثلَ السماوات السبع والأرَضينَ السبع، فنظر إليها نظرةَ هَيْبة، فصارت ماءً، ثم نظر إلى ذلك الماء فَغَلَى، فارتفع منه زَبَدٌ ودخانٌ، فخلق من الزبد الأرض، فأول ما ظهر على وجه الأرض: مكةُ، فدَحا اللَّهُ الأرض طبقًا واحدًا، وفتقها وصيَّرها سبعًا، وخلق من الدخان السماءَ، وذلك قوله تعالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (١) ثم فتقها بعد أن كانت طبقةً واحدة، فصيَّرها سبع سماوات، وذلك قوله تعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أفلا يؤمنون بعد هذا البيان؟
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الخلد: اسمٌ من الخلود، وهو البقاء الدائم.
قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾؛ أي: أفهُم الخالدونَ إن مِتَّ؟ كقول الشاعر:
٦ - رَفَوْني وَقالُوا: يا خُويلِدُ لم تُرَعْ... فَقُلْتُ -وَأنكَرْتُ (٢) الوُجُوهَ-: هُمُ هُمُ (٣)