وقيل (١): هو منصوب بوقوع الفعل عليه ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: عَلَيْكُمْ سَلامُ، وقد تقدم نظيره في سورة هود (٢)، وقرأ حمزة والكسائي: "قالَ سِلْمٌ" (٣)، وفي هذا تقديران، أحدهما: أن يكون سِلْمٌ وسَلَامٌ بمعنى واحد، مثل حِلٍّ وحَلَالٍ، ويجوز أن يكون التقدير: نَحْنُ سِلْمٌ (٤).
وقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ خبر ابتداء محذوف تقديره: أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، قال ابن عباس ﵁: قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم، وذلك أنه ظَنُّهُمْ من الإنس، ولَمْ يَعْرِفْهُمْ، وكانوا جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ ﵈.
فصل
عن أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ (٥) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّه واليوم الآخَر فَلْيُحْسِنْ إلَى جارِهِ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ
стр. 1157
ضَيْفَهُ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتَ" (١).
قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ يعني سارةَ ﴿فِي صَرَّةٍ﴾؛ أي: فِي صَيْحةٍ وصَرْخةٍ وشِدّةِ صَوْتٍ (٢)، وقيل (٣): في جَماعةِ نِسْوةٍ مُتَبادِراتٍ؛ لِيَنْظُرْنَ الملائكةَ، ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ معنى الصَّكِّ: ضَرْبُ الشيءِ بالشيءِ العَرِيضِ (٤)؛ أي: ضَرَبَتْ وَجْهَها بجميع أصابعها تَعَجُّبًا ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾؛ أي: أنا عجوزٌ عاقِرٌ، فكيف ألِدُ؟! ﴿قَالُوا كَذَلِكِ﴾؛ أي: هكذا ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ سَتَلِدِينَ غُلَامًا ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾ بأمر الوَلَدِ في بَطْنِ سارّةَ ﴿الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ بما لَمْ يَعْلَمْ به العبادُ.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ ابتداء وخبر؛ أي: ما أمْرُكُمْ؟ ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾، فَأخْبَرُوهُ فـ ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ يعني قوم لوط ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً (٣٤)﴾ هو مِنْ نَعْتِ الحجارة، أو هي نصب على
стр. 1158
لحال (١)، وقد تقدم تفسير المُسَوَّمةِ في سورة هود (٢)، فأغنى عن الإعادة هاهنا.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف والأعمش بجَرِّ الميمِ (٣)؛ أي: وفي قَوْمِ نُوحٍ، وقرأ غيرهم بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه أحدها: أن يَكون مَرْدُودًا على الهاء والميم في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ (٤٤)﴾؛ أي: وَأخَذَتْ قَوْمَ نُوحٍ الصّاعِقةُ، وقرأ الكسائيُّ: ﴿الصَّعْقةُ﴾ (٤) ساكنة العين من غير ألف، والثانِي: على تقدير: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ، والثالث: واذْكُرْ قَوْمَ نُوحٍ (٥) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِنْ قَبْلِ عاب وفِرْعَوْنَ وثَمُودَ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾؛ أي: عاصِينَ خارجين عن أمْرِ اللَّه وطاعَتِهِ.
стр. 1159
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾؛ أي: بِقُوّةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ (١) أي: ذا القُوّةِ فِي العبادة، والمعنى: رَفَعْناها، وكل شيء ارتفع فوق شيء فهو بناء (٢)، ﴿إِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ لَذَوُو سَعةٍ لِخَلْقِنا، والمعنى: لقادرون على رزقهم لا نعجز عنه، والمُوسِعُ: ذُو الوُسْعِ والسَّعةِ.
قوله: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾؛ أي: بَسَطْناها، نظيره: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ (٣)، وقد تقدم في سورة ق ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ قال ابن عباس: نِعْمَ ما وَطَّأْتُ لِعِبادِي ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والبَرِّ والبَحْرِ، والنُّورِ والظُّلْمةِ، والحُلْوِ والمُرِّ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ أي: لكي تتعظوا، فتعلموا أن خالق الأزواج واحِدٌ أحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يريد: بالتوبة من ذنوبكم، والمعنى: فِرُّوا من الكفر والعصيان إلى الطاعة والإيمان، والْجَأُوا إلى اللَّه، وفارِقُوا ما أنتم عليه من المَظالِمِ والمعاصي ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ أنذِرُكُم العقابَ على الكفر والمعصية، وأصل الفرار البُعْدُ من الشيء، وقال شُرَيْكٌ (٤): فِرُّوا منه إليه، قال الشاعر:
٢٨٣ - مِنْهُ إلَيْهِ يَفِرُّ العالِمُونَ بِهَ... وَأيْنَ إلَّا إلَيْهِ يَلْجَأُ اللّاجِئُ؟ (٥)
стр. 1160
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ قرأ العامة بكسر النون مضافة إلى اللَّه، وقرأ بعض أهل الشام بنصب النون (١)، قال: ولو كان بالكسر ما عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ؛ لأن مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَهُ، ومِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ، قال المفسرون (٢): هذا خاصٌّ لأهل طاعته، يعني: مَنْ آمَنَ مِنَ الفريقين، وفي قراءة أُبَيٍّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣)، والمعنى: إلا لِيَخْضَعُوا إلَيَّ ويَتَذَلَّلُوا، ومعنى العبادة في اللغة: الذُّلُّ والانْقِيادُ.
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾؛ أي قُوّةٍ، وقيل: أُجْرةٍ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾؛ أي: ما أريد منهم أن يَرْزُقُوا أحَدًا من خَلْقِي، ولا أن يُطْعِمُوا أحَدًا من خَلْقِي، وإنما أسْنَدَ الإطْعامَ إلى نفسه، لأن الخَلْقَ عِيالُ اللَّهِ، فمن أطْعَمَ عِيالَ اللَّهِ فقد أطْعَمَهُ، وهذا كما يُرْوَى أن اللَّه يقول: "عَبْدِي: اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي" (٤)، أي: فَلَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي.
ثم بَيَّنَ أن الرَّزّاقَ هو لا غيره، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ لهم المُطْعِمُ ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ قرأه العامة برفع النون على أنه خبر بعد خبر لـ "إنّ"،
стр. 1161
وقيل: هو نعت للرَّزّاقِ أو لذي القوة، أو على إضمار مبتدأ أو نعت لاسم "إنّ" على الموضع (١)، وقرأه يحيى والأعمشُ خَفْضًا (٢) على نعت القُوّةِ، وأصل القُوّةِ الطّاقةُ من طاقات الحَبْلِ وهي صَلَابَتُهُ، ثم جُعِلَ ذلك للإنسان ولغيره (٣).
والمَتِينُ هو القَوِيُّ المُقْتَدِرُ المُبالِغُ فِي القُوّةِ والقُدْرةِ، يقال: مَتُنَ مَتانةً: إذا قَوِىَ، قال الفراء (٤): كان حَقُّهُ: المَتِينةُ، فذَكَّرَهُ لأنَّهُ ذهب به إلى الشيء المُبْرَمِ المُحْكَمِ الفَتْلِ، كما يقال: حَبْلٌ مَتِينٌ، وأنشد الفراء:
٢٨٤ - لِكُلِّ دَهْرٍ قَدْ لَبِسْتُ أثْؤُبا
حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِناعًا أشْيَبا
مِنْ رَيْطةٍ واليَمْنةَ المُعَصَّبا (٥)
فَذَكَّرَ المُعَصَّبَ لأن اليَمْنةَ صِنْفٌ من الثياب.
стр. 1162
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿ذَنُوبًا﴾ قيل: نَصِيبًا، وقيل: حَظًّا، وقيل: عَذابًا، وقيل: طَرَفًا، وقيل: دَوْلةً، وقيل: دَلْوًا، وأصل الذَّنُوب فِي اللغة: الدَّلْوُ العَظِيمةُ المَمْلُوءةُ ماءً، ولا يقال لها: ذَنُوبٌ وهي فارغة (١)، وجمعها أذْنِبةٌ وذَنائِبُ، قال الراجز:
٢٨٥ - لَنا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذَنُوبُ
فَإنْ أَبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ (٢)
وقال آخر:
٢٨٦ - إنّا إذا نازَعَنا شَرِيبُ
стр. 1163
لَنا ذَنُوبٌ، وَلَهُ ذَنُوبُ
فَإنْ أبَى كانَ لَهُ القَلِيبُ (١)
وقال آخر:
٢٨٧ - لَعَمْرُكَ والمَنايا طارِقاتٌ... لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنْها ذَنُوبُ (٢)
وقوله: ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ يعني: مثل نصيب أصحابهم من الأمم الخالية، نحو قوم نوح وعاد وثمود الذين عُذِّبُوا، ونصب "مِثْلَ" على البدل من "ذَنُوبًا"، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ يريد: بالعذاب، تهديد لهم ووعيد، وكان أصله: يَسْتَعْجِلُوني، فحذفت الياء للنهي، وبقيت الكسرةُ فِي النون لتدل على
стр. 1164
الحذف؛ لأن النون صارت عوضًا من الياء؛ لأنها مكسورة وهي رأس آية (١).
والمعنى: أنهم أُخِّرُوا إلى يوم القيامة، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: من أهل مكة ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ﴾ يعني يوم القيامة ﴿الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾ فيه من العذاب، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 1165
سورة الطور
مكّية
وهي ألف وخمسمائة حرف، وثلاثمائة واثنتا عشرة كلمة، وتسع وأربعون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورة الطُّورِ كان حَقًّا على اللَّه أن يُؤَمِّنَهُ من عَذابِهِ، وأنْ يُنَعِّمَهُ في جَنَّتِهِ" (١).
وعنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الطُّورِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أفْضَلَ منه يَوْمَهُ ذَلِكَ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بِالجَبَلِ الذي كَلَّمَ عليه مُوسَى ﵇ بالأرض المقدسة، وهو بِمَدْيَنَ ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾؛
стр. 1166
أي: مكتوب فيه ما أُثْبتَ على بني آدم من أعمالهم، وهو أُمُّ الكتاب، وقيل: أراد بالكتاب التوراةَ، أَو كتابًا كَتَبَهُ اللَّهُ تعالى من اللَّوْحِ، فيه: "سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي"، أو كِتابَ الأعمال أو القُرْآنَ أو اللَّوْحَ، أو ما تَكْتُبُ الملائكةُ المُدَبِّرةُ لِلتَّنْفِيذِ، أو ما يُكْتَبُ فِي القلوب، واللَّه أعلم، وأصل السَّطْرِ أن يكون متصلًا على استواء، وكذلك الكتاب سُمِّيَ كِتابًا، لاتصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ (١).
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ الرَّقُّ: ما رَقَّ من الجِلْدِ، وهي الصَّحِيفةُ، والمَنْشُورُ: المَبْسُوطُ، قال الفَرّاءُ (٢): الرَّقُّ: الصَّحائِفُ التي تُخْرَجُ إلى بني آدم يوم القيامة، فآخِذٌ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، وهذا كقوله تعالى: "وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا" (٣).
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ قيل: هو في سَماءِ الدنيا، وقيل: في السماء الرابعة بِحِذاءِ الكَعْبةِ، يُقالُ له: الضُّراحُ بضاد معجمة، ومن رواه بالصاد المهملة فقد صَحَّفَ، ذكره ابن الأثير (٤) في غريبه (٥)، "حُرْمَتُهُ فِي السماء كَحُرْمةِ الكَعْبةِ في الأرض، يدخله كُلَّ يَوْمٍ سبعون ألف مَلَكٍ، يَطُوفُونَ به ويُصَلُّونَ فيه، لا
стр. 1167
يعودون إليه أبَدًا إلى يوم القيامة"، وقد رَوَى هذا ابنُ عَبّاسٍ عن النبي ﷺ (١).
وقيل: هو البيت الحرام الذي هو مَعْمُورٌ من الناس، يَعْمُرُهُ اللَّهُ كُلَّ سَنةٍ، وهو أول مسجد وُضِعَ لِلْعِبادةِ في الأرض، يقال: عَمَرَ المَنْزِلُ، فهو عامِرٌ، وعَمَرْتُهُ، فهو مَعْمُورٌ؛ أي: مَأْهُولٌ.
فصل
عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما مِنْ يَوْمٍ من الأيام إلا وَيَهْبِطُ جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ﵉، ومعهما ملائكةُ سَبْعِ سَماواتٍ، يُصَلُّونَ فِي البيت المعمور"، قال أنس: قلنا: يا رسول اللَّه: وما البيت المعمور؟ قال: "بيت فِي السماء الرابعة، من لُؤْلُؤةٍ بيضاءَ، له أربعة أركان، فأول رُكْنٍ منها من الياقوت الأحمر، والثانِي من الزَّبَرْجَدِ الأخضر، والثالث من الذهب الأحمر، والرابع من الفضة البيضاء، فإذا كان يومُ الجُمُعةِ، يُنْصَبُ مِنْبَرٌ من الياقوت، ومَنارةٌ من الذَّهَبِ، ويُبْسَطُ بساطٌ من النُّورِ، فيكون المُؤَذِّنُ جِبْرِيلَ، والإمامُ مِيكائِيلَ، فإذا فَرَغُوا من الصَلاة قال جبريل: إلَهِي وسَيِّدِيِ! اجْعَلْ ثَوابَ أذانِي لِلْمُؤَذِّنِينَ من أُمّةِ محمد ﷺ ، ويَبْقَى إسْرافِيلُ وسائرُ الملائكة، فيقولون: إلَهَنا وسَيِّدَنا! اجْعَلْ صَلَاتَنا لِلْمُذْنِبِينَ من أمة محمد ﵇، فيقول اللَّه تعالى: "يا ملائكتي: أتَسْخُونَ عَلَيَّ وأنا مَعْدِنُ السَّخاءِ والكَرَمِ؟! أُشْهِدُكُمْ أنِّي قد غَفَرْتُ للقائلين: لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه" (٢).
стр. 1168
قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ يعني السماء، سَمّاها سَقْفًا لأنها للأرض كالسقف للبيت، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ (١)، ورَفَعَها على الأرض مَسِيرَ خَمْسِمِائةِ عام، وجَعَلَها مَأْوًى للملائكة، وَلما أنْشَأ فيها من الشمس والقمر والنجوم والسحاب، وقال الربيع: السقف المرفوع: العرشُ.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ قيل: المَفْجُورِ، كقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ (٢)، وقيل: المَمْلُوءُ، يقال: سَجَرْتُ الإناءَ: إذا مَلأْتَهُ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بن أبِي طالب ﵁ أنه قال (٣): "هو بَحْرٌ تحت العرش، غَمْرُهُ كما بَيْنَ سبع سماوات إلى سبع أرَضِينَ، وهو بَحْرُ ماءٍ غَلِيظٍ، يقال له: بَحْرُ ماءِ الحَيَوانِ، يُمْطِرُ العِبادَ للنفخة الأولى أرْبَعِينَ صَباحًا، فَيَنْبُتُونَ في قبورهم".
وقيل: البحر المسجور: المُوقَدُ، مأخوذ من السَّجْرِ، وهو إيقاد النار في التَّنُّورِ، وهذا كما يُرْوَى أن اللَّه تعالى يجعل البِحارَ كُلَّها نارًا، فَتُزادُ في نار جَهَنَّمَ (٤)، والبحر: الشَّقُّ، وسُمِّيَ بَحْرًا لاسْتِبْحارِهِ واتِّساعِهِ وانْبساطِهِ، ويقال: فَرَسٌ بَحْرٌ: إذا كان كَثِيرَ العَدْوِ، واسْتَبْحَرَ فُلَان في العِلْمِ والمالِ: إذا اتَّسَعَ (٥).
стр. 1169
وهذا كُلُّهُ قَسَمٌ من [أوَّلِ] السورة إلى هاهنا، أقْسَمَ اللَّهُ - تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عَظِيمِ القُدْرةِ على أن تعذيب المشركين حَقٌّ، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ وهذا جَوابُ القَسَمِ؛ أي: لَكائِنٌ بالكافرين في الآخرة ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ يَدْفَعُ عنهم ذلك العذابَ.
ثم بيَّنَ مَتَى يقع بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾؛ أي: تَدُورُ دَوَرانًا، وتَضْطَرِبُ وتتَحَرَّكُ وتَسْتَدِيرُ، يقال: مارَ الشَّيْءُ يَمُورُ: إذا دارَ ولَمْ يَثْبُتْ، قال الأعشى:
٢٨٨ - كَأنّ مِشْيَتَها مِنْ بَيْتِ جارَتِها... مَوْرُ السَّحابةِ، لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ (١)
وقيل (٢): معناه: يَضْطَرِبُ نَظْمُها ويَخْتَلِفُ سَيْرُها، قال الشاعر:
٢٩٠ - بَعِيدةُ وَخْدِ الرِّجْلِ مَوّارةُ اليَدِ (٣)
стр. 1170
وأصل المَوْرِ في اللغة: الاختلاف والاضطراب والذَّهابُ والمَجْيءُ والتَّرَدُّدُ والدَّوَرانُ، و"يَوْمَ" ظرف لوقوع العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ فتزول عن أماكنها حتى تَسْتَوِيَ بالأرض، وتَبْقَى الأرْضُ كالأدِيمِ المَمْدُودِ ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: فَشِدّةُ عَذابٍ ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ بذلك اليومِ والعذابِ الذي يكون فيه، وأدخل الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة، تقديره: إذا كان هذا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ للمكذبين (١).
ثم نعتهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾ يعني: في باطِلٍ لَاهُونَ، يَخُوضُونَ في حديث محمد ﷺ بالتكذيب والاستهزاء، ويَلْهُونَ بِذِكْرِهِ، و"الَّذِينَ" في موضع خفض على النعت لـ "المُكَذِّبِينَ"، ويجوز أن يكون رفعًا على خبر ابتداء محذوف، تقديره: هُمُ الَّذِينَ، ويجوز أن يكون نصبًا على الذَّمِّ تقديره: أعْنِي الذين، والخَوْضُ: دُخُولٌ مُتَهافِتٌ (٢).
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (٣) دَفْعًا، والدَّعُّ: الدَّفْعُ فِي القَفا، وهو نصب على المصدر، يقال: دَعَعْتُهُ أدُعُّهُ دَعًّا، أي: دَفعْتُهُ دَفْعًا (٤)، وذلك أنهم يُدْفَعُونَ على وجوههم حتى إذا دَنَوْا منها قال لهم خزنتها: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ في الدنيا.
стр. 1171
ثم تُوَبِّخُهُم الخَزَنةُ حين عاينوا ما كانوا يُكَذِّبُونَ به، وهو قوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ لفظه لفظ استفهام، ومعناه التوبيخ والتقرير، أي: أتُصَدِّقُونَ الآنَ بما تَرَوْنَ أن عذب اللَّه واقع (١)؟ ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ وليس قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ﴾ جوابًا لِما قبله من الاستفهام، وإنما معناه: بَلْ أنتم لا تبصرون؛ أي: لا تفهمون، وذلك أنهم كانوا يَنْسُبُونَ محمدًا ﷺ إلى السِّحْرِ، وإلى أنه يُغَطِّي على الأبصار بالسِّحْرِ.
فَلَمّا شاهَدُوا ما وُعِدُوا به من العذاب وُبِّخُوا بهذا وقيل لهم: ﴿اصْلَوْهَا﴾ أي: قاسُوا شِدَّتَها ﴿فَاصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ الصَّبْرُ والجَزَعُ ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾؛ أي: جَزاءَ ما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب.
ثم ذكر ما للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ يعني: مُعْجَبينَ ناعِمِينَ فَرِحِينَ بما أعْطاهُمْ رَبُّهُمْ في الجنة من الخير والكرامة والنعيم ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾ يعني: صَرَفَ عنهم عَذابَ الجَحِيمِ، ونصب ﴿فَاكِهِينَ﴾ على الحال، ويجوز الرفع في غير القرآن على أنه خبر "إنّ" (٢).
قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾ الهَنِيءُ: الذي لا مَشَقّةَ
стр. 1172
عليهم فيه ولا تَبِعةَ، ولا يُحاسَبُونَ عليه (١)، وهو منصوب على المصدر؛ أي: هَنِئْتُمْ هَنِيئًا (٢)، وقيل (٣): هو صفة بمعنى المصدر.
فصل
عن زيد بن أرْقَمَ (٤) قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا أبا القاسم! تَزْعُمُ أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال: "والذي نفسي بيده إن الرجل منهم لَيُؤْتَى قُوّةَ مِائةِ رَجُلٍ في الأكل والشُّرْبِ والجِماعِ"، قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة؟ فقال: "عَرَقٌ يَفِيضُ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ، فإذا كان ذلك ضَمَرَ له بَطْنُهُ" (٥).
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ قد صُفَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وقُوبِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ونصب ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحال حيث كان.
قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾؛ أي: قَرَنّاهُمْ بِهِنَّ، قال أبو جعفر (٦):
стр. 1173
الحَوَرُ في العَيْنِ: البَياضُ، ومنه: الخُبْزُ الحُوّارِيُّ (١)، وعِينٌ جمع عَيْناءَ، وقد ذكرت نظيرها في سورة الدخان (٢).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ يعني أولادهم الصغار والكبار؛ لأن الكبار يَتْبَعُونَ الآباءَ بإيمانٍ منهم، والصِّغارُ يَتْبَعُونَ الآباءَ إيمانٍ من الآباء، والوَلَدُ يُحْكَمُ له بالإسلام تَبَعًا لِوالِدِهِ.
وقوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: أنهم يُرْفَعُونَ إليهم لِتَقَرَّ بهم أعْيُنُهُمْ، وإن كانوا دُونَهُمْ فِي العَمَلِ ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وما نَقَصْناهُمْ، قال ابن عباس: لَمْ نَنْقُصِ الآباءَ من الثواب حين ألحقنا بهم ذُرِّيَّتَهُمْ، يقال: ألَتَهُ يَأْلِتُهُ ألْتًا، وآلَتَهُ يُؤْلِتُهُ إيلَاتًا، ولَاتَهُ يَلِيُتُهُ لَيْتًا، كُلُّه: إذا نَقَصَهُ (٣)، و"مِنْ" في قوله: "مِنْ عَمَلِهِمْ" للتبعيض، وفي: "مِنْ شَيءٍ" زائدة بمعنى التوكيد (٤).
واختلف القُرّاءُ في هذه الآية، فقرأ أبو عمرو: ﴿وَأتْبَعْناهُمْ﴾ (٥) على جماعة المتكلمين، وقرأ الباقون: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ على فعلِ واحدٍ مؤنثٍ، وقرأ
стр. 1174
أبو عمرو وابن عامر: ﴿ذُرِّيَّاتُهُمْ﴾ بألف على الجمع، غير أن ابن عامر ضَمَّ التاءَ، وأبو عمرو كَسَرَها، وقرأ الباقون: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ على الواحد مضمومة التاء، وقرأ نافع وأبو عمرو: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ على الجمع مكسورة التاء، وقرأ الباقون: ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ على الواحد مفتوحة التاء.
فمن قرأ: ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ بالرفع، فرفعه لأنه فاعل، ومن قرأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" بالخفض فمحله نصب، ومن قرأ: ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ بنصب التاء فنصبه لأنه مفعول، وقرأ ابن كثير: ﴿أَلِتْنَاهُمْ﴾ بكسر اللام (١)، وذلك لا يعرفه أهل اللغة (٢)، وقرأ الباقون: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ بفتح اللام.
فصل
عن عَلِيِّ بن أبِي طالب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن المؤمنين وأولادَهُمْ فِي الجنة، وإن المشركين وأولادَهُمْ فِي النار"، ثم قرأ: "والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ. . الآية" (٣).
стр. 1175
قوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ مَحْبُوسٌ بِعَمَلِهِ في النار، وهو مبتدأ وخبر أي: كُلُّ إنْسانٍ مُتَرْهَنٌ بما عَمِلَ، لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بذنب أحَدٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ يريد: بالخِدْمةِ ﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ﴾ فِي الحُسْنِ والبَياضِ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ مَسْتُورٌ مَصُونٌ، لا تَمَسُّهُ الأيدي، قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن رَجُلًا قال: يا نَبِيَّ اللَّه! هذا الخادمُ، فكيف المخدوم؟ فقال: "والذي نفسي بِيَدِهِ، إن فَضْلَ المَخْدُومِ على الخادم كفَضْلِ القمر لَيْلةَ البَدْرِ على سائر الكواكب" (١)، والمؤمن لا يكون مُرْتَهَنًا لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ (٢)، فاسْتَثْنَى المؤمنين.
ثم ذَكَرَ ما أمَدَّهُمْ به من الخير والنعمة، فقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة؛ أي: يَتَعاطَوْنَ ويتناولون فيها ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾؛ أي: لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا ويَرْفُثُوا، كما يكون من خمر الدنيا (٣)، ولا يكون بينهم ما يُؤْثمُهُمْ، والتَّأْثِيمُ: تَفْعِيلٌ من الإثْمِ، يقال: أثَّمَهُ: إذا جَعَلَهُ ذا إثْمٍ، والمعنى أن تلك الكأس لا تَجْعَلُهُمْ آثِمِينَ (٤).
стр. 1176
قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ قال ابن عباس: يَتَذاكَرُونَ ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف، وذلك قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾ يعني: في الدنيا ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ خائِفِينَ وَجِلِينَ من عذاب اللَّه تعالى ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ وهي جهنم، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحارّةُ في جهنم، وفيها أنواع العذاب (١)، وقيل (٢): السَّمُومُ هاهنا: الرِّيحُ البارِدةُ، وقال الحَسَنُ (٣): السَّمُومُ: اسم من أسماء جهنم.
قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا ﴿نَدْعُوهُ﴾؛ أي: نَدْعُو الرَّبَّ تعالى، ونُوَحِّدُهُ ونَعْبُدُهُ ونَرْغَبُ إليه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ لإجابة الذين يدعونه ويرغبون إليه ﴿الرَّحِيمُ (٢٨)﴾ بهم، قرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر ونافع والكسائي: "أنّهُ" بفتح الألف (٤)؛ أي: لأنّهُ، أو: بِأنّهُ (٥)، وقرأ غيرهم بالكسر على الاستئناف وقطع الكلام مما قبله، ونظير هذا: "لَبَّيْكَ إنّ الحَمْدَ والنِّعْمةَ
стр. 1177
لَكَ" بفتح "إنّ" وكسرها (١)، والبَرُّ هو اللطيف بعباده، وقيل: هو الرحيم بخلقه لا يعذبهم بعد التوبة.
قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ أي: فَعِظْ يا محمد بالقراَن أهْلَ مَكّةَ ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ بإنعامه عليك بالنبوة ﴿بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ الكاهن: الذي يُوهِمُ أنه يَعْلَمُ الغَيْبَ، ويُخْبَرُ بما فِي غَدٍ من غَيْرِ وَحْيٍ (٢)، يقال: كَهَنَ يَكْهُنُ كِهانةً، مثل: كَتَبَ يَكْتُبُ كِتابةً (٣)، أي: لَسْتَ تقول بِقَوْلِ كَهانةٍ ولا تَنْطِقُ إلّا بِوَحْيٍ.
قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾؛ أي: هو شاعر ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ يعني صُرُوفَ الدَّهْرِ وحَوادِثَهُ، أي: نَنْتَظِرُ به حَدَثانَ المَوْتِ وحَوادِثَ الدَّهْرِ، فَيَهْلِكَ كما هَلَكَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَراءِ، قال ابن عباس ﵁ (٤):
٢٩١ - تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها... تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها (٥)
стр. 1178
والمَنُونُ يكون بمعنى الدهر ويكون بمعنى المَنِيّةِ.
قال صاحب "إنسان العين" (١): و"أمْ" هاهنا خمسة عشر، وكلها استفهام وإن كان حُكْمُ اللغة كَوْنَ ما بعدها مشكوكًا فيه، لكن أربعة منها للتحقيق: على التوبيخ أو بمعنى "بَلْ"، وهي: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾، و ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾، وقد قالُوهُما، و ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، و ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾، وقد فَعَلُوهُما، وسائِرُها للإنْكارِ، والمَنُونُ من المَنِّ وهو القَطْعُ، والمراد به حوادث الدهر وأسباب الموت، نزلت فِي المُقْسِمِينَ.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾؛ أي: هو سحاب مَرْكُومٌ بَعْضُهُ على بَعْضٍ، و"يَقُولُوا"جزم على جواب الشرط.
قوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾؛ أي: يَمُوتُونَ، ومن قرأ: "يُصْعَقُونَ" (٢) بضم الياء فهو من: أصْعَقَهُم اللَّهُ؛ أي: قَتَلَهُمْ أهْلَكَهُمْ (٣)، وذلك
стр. 1179
اليَوْمَ لا ينفعهم كيدهم ولا يمنعهم من العذاب مانع، وهو قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾ و ﴿يَوْمَ﴾ نصب على البدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾، وهو مفعولٌ، ويجوز أن يكون ﴿يَوْمَ﴾ نصبًا بفعل مضمر تقديره: اذكر يوم لا يغني.
قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿عَذَابًا﴾ فِي الدنيا ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ قبل عذاب الآخرة، يعني القتل ببدر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ ما هو نازِلٌ بِهِمْ.
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يعني: لِقَضاءِ رَبِّكَ على تكذيب قومك إيّاكَ يا محمد ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾؛ أي: بحَيْثُ نَراكَ ونَرْعاكَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صَلِّ بأمر ربك ﴿حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ إلى الصلاة المكتوبة، وكان عُمَرُ ابن الخَطّابِ ﵁ يقول في الصلاة: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالَى جَدُّكَ (١)، ولا إلَهَ غَيْرُكَ" (٢)، وكذلك قال الضَّحّاكُ.
стр. 1180
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ قيل: أراد بالليل صلاةَ العِشاءِ، وقيل: صلاة المغرب والعشاء و ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قيل: أراد رَكْعَتَي الفَجْرِ، وقيل: صلاة الصبح، وهو أوْلَى لأنه فرض من اللَّه تعالى، ودليل القول الأول ما رُوِيَ عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "إدْبارُ النُّجُومِ الرَّكْعَتانِ قبل الفجر، وأدْبارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتانِ بعد المغرب" (١).
ونصب ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ على الظرف؛ أي: وَسَبِّحْ وَقْتَ إدْبارِ النجوم، كما تقول: أنا آتِيكَ وَقْتَ مَقْدَمِ الحاجِّ، ولا يجوز: أنا آتِيكَ مَقْدَمَ زيدٍ، إنما يجوز هذا فيما عُرِفَ، وهو قول الخليل وسيبويه (٢)، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 1181
سورة النجم
مكِّية
وهي ألف وأربعمائة وخمسة أحرف، وثلاثمائة وستون كلمة، واثنتان وستون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة "والنَّجْمِ" أُعْطِيَ من الأجر عَشْرَ حَسَناتٍ بعدد من صَدَّقَ بمحمد وكَذَّبَ به" (١)، وعنه أنه قال: "من قرأ سورة النجم اسْتَغْفَرَتْ له النُّجُومُ إلى أنْ تَتَناثَرَ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالقرآن، إذْ نُزِّلَ نُجُومًا متفرقة على رسول اللَّه ﷺ في عشرين سنة، والمراد بالنَّجْمِ القرآنُ، سُمِّيَ نَجْمًا لِتَفَرُّقِهِ في النُّزُولِ، والعرب تُسَمِّي التفريق تَنْجِيمًا والمُفَرَّقَ مُنَجَّمًا،
стр. 1182
ومنه: نُجُومُ الدَّيْنِ (١)، وقوله: ﴿إِذَا هَوَى﴾ معناه: نَزَلَ من أعلى إلى أسفل، يقال: هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا وهُوِيًّا: إذا سَقَطَ من أعلى إلى أسفل، ومثله: مَضَى يَمْضِي مُضِيًّا.
وقيل: أراد بالنجم هاهنا الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ وغابَتْ، والعرب تسمي الثُّرَيّا نَجْمًا وإن كانت في العدد سَبْعةَ أنْجُمٍ، فَسِتّةٌ منها ظاهرة، وواحد منها خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ الناسُ به أبصارَهُمْ، ومنه قول العرب:
٢٩٢ - إذا طَلَعَ النَّجْمُ عِشاءً... ابْتَغَى الرّاعِي كِساءَ (٢)
وقيل: أراد نُجُومَ السماء كُلَّها حين تَغْرُبُ، لفظه واحد، ومعناه الجمع، فَعَبَّرَ بالواحد (٣) عن الجنس، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤)، وأراد الجنس (٥).
стр. 1183
فعلى هذا قيل (١): معناه: وَرَبِّ النَّجْمِ، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامَهُ، وقيل (٢): بل أقْسَمَ اللَّهُ تعالى به من غير إضافة، وله -سبحانه- أن يُقْسِمَ بما شاء من خَلْقِهِ، وليس لنا نحن ذلك، وقيل (٣): أراد به الرُّجُومَ من النُّجُومِ، وهو ما تُرْمَى به الشياطينُ عند اسْتِراقِهِم السَّمْعَ.
قرأ حمزة والكسائي هذه السورة بإمالةِ أواخرِ آياتِها، وقرأها نافعٌ وأبو عمرو بين اللفظينِ، إلا ما كان فيه راءٌ بعدها ياءٌ في الخَطِّ، فإن أبا عمرو يُمِيلُهُ، وقرأها الباقون بالفتح (٤).
قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿وَمَا غَوَى (٢)﴾؛ أي: وما ضَلَّ عن طريق الهدى، وهذا جواب القسم.
قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ يعني: ما يتكلم محمد بالباطل، وذلك أنهم قالوا: محمد ﷺ يقول القرآن من تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فقال اللَّه تعالى: ما ينطق محمد بالقرآن عن هَوَى نَفْسِهِ، ومعنى ﴿عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي: بالهوى، فأقيم "عَنْ" مُقامَ الباء،
стр. 1184
كما أُقِيمَ الباءُ مُقامَ "عَنْ" (١)، قال الشاعر:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ، فَإنّنِي... بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ (٢)
أراد: عن النساء.
قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾؛ أي: ما هذا القرآن إلا وَحْيٌ من اللَّه تعالى، يأتِي به جبريلُ محمدًا ﵉، وهو قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ يعني جبريل ﵇ عَلَّمَ محمدًا ﷺ .
والقُوَى: جمع قُوّةٍ، وحَكَى الفَرّاءُ أنه يُقْرَأُ: "شَدِيدُ الْقِوَى" بكسر القاف (٣)، ولأن "فِعْلةً" و"فُعْلةً" يتضارعان (٤)، وأصل القُوَى من قُوَى الحَبْلِ، وهي طاقاتُهُ، واحدتها قُوّةٌ.
قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ يعني جبريل ﵇؛ أي: هو ذُو قُوّةٍ
стр. 1185
وشِدّةٍ في خَلْقِهِ، يقال: رَجُلٌ مَرِيرٌ؛ أي: قَوِيٌّ ذُو مِرّةٍ، قال الشاعر:
٢٩٣ - تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فتزْدَرِيهِ... وَحَشْوُ ثِيابِهِ جَلْدٌ مَرِيرُ (١)
وأصله من شِدّةِ فَتْلِ الحَبْلِ، يقال: أمْرَرْتُ الحَبْلَ: إذا أحْكَمْتَ فَتْلَهُ (٢)، ومنه قول النبي ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرّةٍ قَوِيٍّ سَوِيٍّ" (٣)، فمعنى المِرّةِ في الحديث: شِدّةُ أسْرِ الخَلْقِ، وصِحّةُ البَدَنِ التي يكون معها احْتِمالُ الكَلِّ والتعَبِ.
وقال أبو جعفر (٤): حقيقة المِرّةِ في اللغة اعْتِدالُ الخَلْقِ والسَّلامةُ من الآفاتِ والعاهاتِ، فإذا كان كذا كان قَوِيًّا.
стр. 1186
وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ قيل (١): معناه: واعْتَدَلَ قائِمًا بعد أن كان يَنْزِلُ مُسْرِعًا، كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (٢)، وليس هو من باب: استوى زَيْدٌ وعَمْرٌو، فإنه يقال: هُوَ وهُوَ، ولا يُعطْفُ على الضمير المُسْتَكِنِّ، وما أنشده الفراء (٣):
٢٩٤ - ألَمْ تَرَ أنّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودهُ... فَلَا يَسْتَوِي والخِرْوَعُ المُتَقَصِّفُ (٤)
فجعل "الخِرْوَعُ" نَسَقًا على ما في "يَسْتَوِي"، وهذا لا تليق به بلاغة لغة القرآن، وقيل: معناه: اسْتَوَى محمدٌ وجِبْرِيلُ في الأُفُقِ الأعلى، هكذا ذكره صاحب "إنسان العين" (٥).
стр. 1187
وذلك لَمّا أُسْرِيَ به، وهو مَطْلِعُ الشمس، قُلْتُ: فعلى هذا التأويل يليق به معنى مذهب الفراء، وقد ذكره ابن الأنباري فِي الوقف والابتداء (١).
قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ المعنى واحد؛ لأن معناه: قَرُبَ، كما تقول: فَدَنا فُلَانٌ مِنِّي وقَرُبَ، والمعنى: دَنا جبريلُ ﵇ من محمد ﷺ (٢)، فَتَدَلَّى إليه من السماء، وذلك ليلةَ أُسْرِيَ بالنبي ﷺ إلى السماء السابعة ﴿فَكَانَ﴾ منه ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ يعني: قَدْرَ ما بَيْنَ طَرَفَيِ القَوْسِ مِنْ قِسِيِّ العرب ﴿أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ يعني: أو أقرب، وقيل: هو ما بين كَبِدِ الوَتَرِ وكَبِدِ القَوْسِ أو أدْنَى من ذلك، وهو قول مجاهد (٣)، وقيل: القابُ: نِصْفُ إصْبَعٍ، وقيل: ذِراعٌ.
والتَّدَلِّي على ثلاثة أوجه، أحدها: هذا، وهو من الدُّنُوِّ والقُرْبِ، والثانِي قوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (٤)؛ أي: أوْقَعَهُما على أكْلِ الشجرة، والثالث: التَّدَلِّي من فَوْقٍ إلى أسْفَلَ (٥).
стр. 1188
فصل
عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَمّا عُرِجَ بِي إلى السماء، قَرَّبَنِي رَبِّي ، حتى كان بيني وبينه كَقابِ قَوْسَيْنِ أو أدْنَى، لا بَلْ أدْنَى، وعَلَّمَنِي السِّماتِ، ثم قال: يا حبيبي! يا محمد!: هل غَمَّكَ أن جَعَلْتُكَ آخِرَ النَّبِيِّينَ؟ قلتُ: لا يا رَبِّ، قال: أبْلِغْ أُمُّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وأخْبِرْهُمْ أنِّي جَعَلْتُهُمْ آخِرَ الأُمَمِ لأفْضَحَ الأُمَمَ عِنْدَهُمْ، ولا أفْضَحَهُمْ عند الأُمَمِ" (١).
وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ قال ابن عباس: أوْحَى جبريلُ ﵇ إلى النبيِّ ﷺ ما أوْحَى اللَّهُ إليه.
وما بعد هذا ظاهر الإعراب إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ "نَزْلةً" مصدر في موضع الحال، كما تقول: جالَ فُلَانٌ مَشْيًا؛ أي: ماشِيًا (٢)، والتقدير: ولقد رآهُ نازِلًا نَزْلةً أُخْرَى؛ أي: في نُزُولِهِ، واختلفوا في المعنى، فقيل: رَأى محمدٌ ﷺ رَبَّهُ ، وقيل: رَأى جبريلَ ﵇ في صورته التي خُلِق عليها نازِلًا من السماء نَزْلةً أُخْرَى؛ أي: مَرّةً أُخْرَى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ أغْصانُها اللُّؤْلُؤُ والياقُوتُ والزَّبَرْجَدُ، وهي شجرة عن يمين العرش، فوق السماء السابعة العليا، ينتهي إليها عِلْمُ الخلائق.
стр. 1189
فصل
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَمّا رُفِعْتُ إلى سِدْرةِ المُنْتَهَى فِي السماء السابعة، فإذا نَبِقُها مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ (١)، ووَرَقُها مثل آذانِ الفِيَلةِ، يخرج من ساقها نهرانِ ظاهران ونهران باطنان، قلتُ: يا جبريل: ما هذا؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات" (٢).
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ قيل: إنه يأوي إليها جبريلُ والملائكةُ ﵈، وقيل: تأوي إليها أرواحُ الشهداءِ ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قيل (٣): يغشاها فَراشٌ من ذَهَبٍ، وقيل (٤): تَغْشاها الملائكةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حين يَقَعْنَ على الشجر، بدليل ما رُوِيَ عن النبي ﷺ قال: "رَأيْتُ على كل ورقة من ورقها مَلَكًا قائما يُسَبِّحُ اللّهَ " (٥) ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ يعني: ما مالَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ يمينًا ولا شِمالًا، وما جاوَزَ ما رَأى، وهذا وَصْفُ أدَبِهِ في
стр. 1190
ذلك المَقامِ المُعَظَّمِ، إذْ لَمْ يَلْتَفِتْ جانبًا، ولَمْ يُمِلْ بَصَرَهُ يمينًا ولا شمالًا، ولَمْ يَمُدَّهُ أمامَهُ إلى حيث ينتهي بصره.
قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى﴾ يعني: تلك الليلةَ ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ يعني الآياتِ العظامَ التي رآها تلك الليلةَ، وقيل: رأى جِبْرِيلَ ﵇ في صورته التي خُلِقَ عليها، له سِتُّمِائةِ جَناحٍ قد سَدَّ أُفُقَ السماءِ.
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ يا أهل مكة ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ هذه أسماءُ أصنامٍ اتخذوها آلهةً، فعبدوها من دون اللَّه، واشْتَقُّوا لها أسماءً من أسماء اللَّه ، فقالوا: اللَّاتُ من اللَّهِ، والعُزَّى من العَزِيزِ، واللَّات: صَنَمٌ كان لِثَقِيفٍ بالطائف، والعُزَّى لِغَطَفانَ، ومَناةُ لِخُزاعةَ وهُذَيلٍ.
وأصل اللَّات لَاوَهٌ، والتاء للتأنيث (١)، والعُزَّى تأنيث الأعَزِّ كالصُّغْرَى، وهي بمعنى العزيز (٢)، وكانت سَمُرةً (٣) بِنَخْلةٍ لِغَطَفانَ يعبدونها من دون اللَّه، فَبَعَثَ إليها رسولُ اللَّه ﷺ خالِدَ بن الوليد، فقطعها وقال:
٢٩٥ - يا عُزَّ كُفْرانَكِ لَا سُبْحانَكِ
стр. 1191
إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ (١)
فَخَرَجَ منها شَيْطانةٌ ناشِرةٌ شَعَرَها داعِية ويلًا، واضِعةٌ يَدَها على رأسها.
وكان الكسائي يقف على "اللّاتَ" (٢) بالهاء على الأصل، وأبو حاتم يقف عليها بالتاء، وشَدَّدَ الباقون (٣)، قال الزجّاجُ (٤): الوقف عليها بالتاء؛ لاتِّباعِ المصحف، فإنها كُتِبَتْ بالتاء.
стр. 1192
وكان ابن كثير يقرؤها (١) بالمَدِّ والهَمْزِ، والصحيح قراءة العامة؛ لأن العرب سَمَّتْ زيدَ مَناةَ وعَبْدَ مَناةَ، ولَمْ يُسْمَعْ فيها المَدُّ (٢)، و"الثّالِثةَ" نعت لـ "مَناةَ"، يعني: الثالثةَ لِصَنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، و"الأُخْرَى" نعت لها أيضًا، والجواب محذوف والتقدير: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تُغْنِي عنكم شيئًا؟ (٣).
قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ استفهام فيه معنى التوبيخ، وذلك
стр. 1193
أن المشركين كانوا يقولون: الملائكة بنات اللَّه، تَعالَى اللَّهُ عن ذلك وتَعَظَّمَ، فنَزَّهَ نَفْسَهُ عما قال المشركون، فقال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ يعني: ناقصة، وقيل: جائرة غير عادلة، حيث جَعَلُوا للَّهِ ما يَكْرَهُونَ لأنفسهم من نِسْبةِ الإناث إلى اللَّه -جَلَّ اسْمُهُ وتَعالَى عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا-.
يقال: ضازَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ، وضازَ فِي الحُكْمِ: إذا جارَ فيه (١)، قرأ ابن كثير: "ضِئْزَى" (٢) بالهمز، وضَأزَ يَضْأزُ ضَأْزًا: إذا ظَلَمَ ونَقَصَ، قال الشاعر:
٢٩٦ - ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمُ... إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ (٣)
وتقدير "ضِيزَى" من الكلام "فُعْلَى" بضم الفاء؛ لأنها صفة، والصفات لا تكون إلا على "فُعْلَى" بضم الفاء، نحو حُبْلَى وأُنْثَى وبُشْرَى، أو "فَعْلَى" بفتح الفاء، نحو: غَضْبَى وسَكْرَى وعَطْشَى، وليس في كلام العرب "فِعْلَى" بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء مثل ذِكْرَى وشِعْرَى، وإنما
стр. 1194
كُسِرَت الضادُ للياء (١)، قال المُؤَرِّجُ (٢): كَرِهُوا ضَمَّ الضاد، وخافوا انقلابَ الياء واوًا، وهو من بنات الياء، فكسروا الضادَ لهذه العلة، كما قالوا في جمع أبْيَضَ: بِيضٌ، والأصل: بُيْضٌ مثل: حُمْرٍ وصُفْرٍ، وأما من قال: ضازَ يَضُوزُ، فالاسم منه ضُوزَى مثل: شُورَى (٣). ومحل ﴿ضِيزَى﴾ رفع، نعت ﴿قِسْمَةٌ﴾، و ﴿قِسْمَةٌ﴾ رفع لأنه خبر الابتداء، والابتداء قوله: "تِلْكَ".
قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾؛ أي: ما هي، يعني: الأصنام ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ (٢٣)﴾ الآية، و"أنْتُمْ" رفع تأكيد للتاء والميم في ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾، و ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ عطف على ﴿أَنْتُمْ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ قال الأخفش (٥): المَلَكُ مُوَحَّدٌ، ومعناه الجمع؛ ولهذا جَمَعَ الكناية؛ لأن المراد بقوله:
стр. 1195
"وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ" الكثرةُ، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١).
قوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ يريد: في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ يعني: من أهل التوحيد.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أخْبَرَ عن قدرته وسَعةِ مُلْكِهِ وسلطانه ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فِي الآخرة ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ من الشِّرْكِ في الدنيا ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وَحَّدُوا رَبَّهُمْ ﴿بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ بالجنة، واللام في قوله: "لِيَجْزِيَ" متعلق بِمَعْنَى الآية الأولى (٢)، وهي لام العاقبة، وذلك أنّ عِلْمَهُ بالفريقين أدَّى إلى جزاء استحقاقهم.
ثم نَعَتَ المحسنين فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصب على النعت أو البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ قبله، والكبائر: كُلُّ ذَنْبٍ حُتِمَ بالنار، والفواحشُ: كُلُّ ذَنْبٍ فيه الحَدُّ، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿كَبِيرَ الْإِثْمِ﴾ (٣) على التوحيد لأنه مضاف إلى واحد في اللفظ، وإن كان يُرادُ به الكثرةُ،