إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ (١)
فَخَرَجَ منها شَيْطانةٌ ناشِرةٌ شَعَرَها داعِية ويلًا، واضِعةٌ يَدَها على رأسها.
وكان الكسائي يقف على "اللّاتَ" (٢) بالهاء على الأصل، وأبو حاتم يقف عليها بالتاء، وشَدَّدَ الباقون (٣)، قال الزجّاجُ (٤): الوقف عليها بالتاء؛ لاتِّباعِ المصحف، فإنها كُتِبَتْ بالتاء.
стр. 1192
وكان ابن كثير يقرؤها (١) بالمَدِّ والهَمْزِ، والصحيح قراءة العامة؛ لأن العرب سَمَّتْ زيدَ مَناةَ وعَبْدَ مَناةَ، ولَمْ يُسْمَعْ فيها المَدُّ (٢)، و"الثّالِثةَ" نعت لـ "مَناةَ"، يعني: الثالثةَ لِصَنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، و"الأُخْرَى" نعت لها أيضًا، والجواب محذوف والتقدير: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تُغْنِي عنكم شيئًا؟ (٣).
قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ استفهام فيه معنى التوبيخ، وذلك
стр. 1193
أن المشركين كانوا يقولون: الملائكة بنات اللَّه، تَعالَى اللَّهُ عن ذلك وتَعَظَّمَ، فنَزَّهَ نَفْسَهُ عما قال المشركون، فقال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ يعني: ناقصة، وقيل: جائرة غير عادلة، حيث جَعَلُوا للَّهِ ما يَكْرَهُونَ لأنفسهم من نِسْبةِ الإناث إلى اللَّه -جَلَّ اسْمُهُ وتَعالَى عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا-.
يقال: ضازَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ، وضازَ فِي الحُكْمِ: إذا جارَ فيه (١)، قرأ ابن كثير: "ضِئْزَى" (٢) بالهمز، وضَأزَ يَضْأزُ ضَأْزًا: إذا ظَلَمَ ونَقَصَ، قال الشاعر:
٢٩٦ - ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمُ... إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ (٣)
وتقدير "ضِيزَى" من الكلام "فُعْلَى" بضم الفاء؛ لأنها صفة، والصفات لا تكون إلا على "فُعْلَى" بضم الفاء، نحو حُبْلَى وأُنْثَى وبُشْرَى، أو "فَعْلَى" بفتح الفاء، نحو: غَضْبَى وسَكْرَى وعَطْشَى، وليس في كلام العرب "فِعْلَى" بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء مثل ذِكْرَى وشِعْرَى، وإنما
стр. 1194
كُسِرَت الضادُ للياء (١)، قال المُؤَرِّجُ (٢): كَرِهُوا ضَمَّ الضاد، وخافوا انقلابَ الياء واوًا، وهو من بنات الياء، فكسروا الضادَ لهذه العلة، كما قالوا في جمع أبْيَضَ: بِيضٌ، والأصل: بُيْضٌ مثل: حُمْرٍ وصُفْرٍ، وأما من قال: ضازَ يَضُوزُ، فالاسم منه ضُوزَى مثل: شُورَى (٣). ومحل ﴿ضِيزَى﴾ رفع، نعت ﴿قِسْمَةٌ﴾، و ﴿قِسْمَةٌ﴾ رفع لأنه خبر الابتداء، والابتداء قوله: "تِلْكَ".
قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾؛ أي: ما هي، يعني: الأصنام ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ (٢٣)﴾ الآية، و"أنْتُمْ" رفع تأكيد للتاء والميم في ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾، و ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ عطف على ﴿أَنْتُمْ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ قال الأخفش (٥): المَلَكُ مُوَحَّدٌ، ومعناه الجمع؛ ولهذا جَمَعَ الكناية؛ لأن المراد بقوله:
стр. 1195
"وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ" الكثرةُ، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١).
قوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ يريد: في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ يعني: من أهل التوحيد.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أخْبَرَ عن قدرته وسَعةِ مُلْكِهِ وسلطانه ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فِي الآخرة ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ من الشِّرْكِ في الدنيا ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وَحَّدُوا رَبَّهُمْ ﴿بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ بالجنة، واللام في قوله: "لِيَجْزِيَ" متعلق بِمَعْنَى الآية الأولى (٢)، وهي لام العاقبة، وذلك أنّ عِلْمَهُ بالفريقين أدَّى إلى جزاء استحقاقهم.
ثم نَعَتَ المحسنين فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصب على النعت أو البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ قبله، والكبائر: كُلُّ ذَنْبٍ حُتِمَ بالنار، والفواحشُ: كُلُّ ذَنْبٍ فيه الحَدُّ، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿كَبِيرَ الْإِثْمِ﴾ (٣) على التوحيد لأنه مضاف إلى واحد في اللفظ، وإن كان يُرادُ به الكثرةُ،
стр. 1196
فَلِتَوْحِيدِهُ في اللفظ وَحَّدَ الكبير وهو يريد الجمعَ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١).
وقوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ اختلفوا في معنى "إلّا"، فقال قوم (٢): هو استثناء صحيح، واللَّمَمُ من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أنْ يُلِمَّ بالفاحشة ثم يتوب فلا يعود، قال ابن عباس ﵁: وكان النبي ﷺ يقول (٣):
٢٩٧ - إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا
وَأيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا ألَمّا (٤)
أي: وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لَمْ يُذْنِبْ.
стр. 1197
وقال آخرون (١): هو استثناء منقطعٌ، مجازه: لَكِنِ اللَّمَمَ، ولَمْ يجعلوا اللَّمَمَ من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سَلَفَ في الجاهلية فلا يُؤاخِذُهُمْ به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنّما كانوا بالأمس يعملون معنا، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٢).
وقال بعضهم (٣): هو صِغارُ الذُّنُوبِ من النظرة والغَمْزةِ والقُبْلةِ وما كان دون الزنا، وقيل (٤): اللَّمَمُ هو أن يُلِمَّ بَالذَّنْبِ، ثم لا يعود إليه، وقيل (٥): هو ما ألَمَّ على القَلْبِ أي: خَطَرَ، وقيل (٦): هي النظرة من غير تَعَمُّدٍ وهو مغفور، فإن أعادَ النظرَ فليس بِلَمَمٍ بل هو ذنب.
وأصل اللَّمَمِ والإلْمامِ: هو ما يعمله الإنسان المَرّةَ بعد المَرّةِ، والحِينَ بعد الحِينِ، ولا يَتَعَمَّقُ فيه، ولا يُقِيمُ عليه، يقال: ألْمَمْتُ به: إذا زُرْتَهُ وانْصَرَفْتَ
стр. 1198
عنه، ومنه: ألَمَّ في الخَيالِ، قال الأعشى:
٢٩٨ - ألَمَّ خَيالٌ مِنْ قُتَيْلةَ بَعْدَما... وَهَى حَبْلُها مِنْ حَبْلِنا فَتَصَرَّما (١)
وقال آخر:
٢٩٩ - أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ... وَمَطافُهُ لَكَ ذُكْرةٌ وَشُعُوفُ (٢)
فصل
عن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّهَ كَتَبَ على ابن آدم حَظَّهُ من الزِّنا، أدْرَكَهُ لا مَحالةَ، فَزِنا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ، واللِّسانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَشْتَهِي وتَتَمَنَّى، ويُصَدِّقُ ذلك ويُكَذِّبُهُ الفَرْجُ، فإن تَقَدَّمَ بفَرْجِهِ كان الزِّنا، وإلا فهو اللَّمَمُ"، هكذا رواه البخاري عن محمود بن غَيْلَانَ (٣) عن عبد الرَّزّاقِ (٤).
стр. 1199
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لِمَنْ تابَ إليه واسْتَغْفَرَهُ، وتَمَّ الكلامُ هاهنا، ثم قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: خَلَقَ أباكُمْ آدَمَ من التراب ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ هو جمع جَنِينٍ، وهو الولد ما دام فِي البطن، سُمِّيَ جَنِينًا لاجْتِنانِهِ؛ أي: لاسْتِتارِهِ، وكذلك سُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا لاختفائهم (١)، ومعنى الآية أن اللَّه -سبحانه- عَلِمَ من كل نفس ما هي صانِعةٌ، وإلى ما هي صائِرةٌ ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: لا تُبَرِّئُوها عن الإثْمِ، ولا تَمْدَحُوها بِحُسْنِ أعمالها ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾؛ أي: بمَنْ بَرِئَ وأطاع اللَّه، وأخلص العمل له.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)﴾؛ أي: أعْرَضَ عن الحق وعن طاعة اللَّه تعالى ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾ قيل (٢): نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة، كان قد أسْلَمَ، ثُمَّ عَيَّرَهُ بعضُ المشركين على تَرْكِ دِينِهِ، فقال: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّه، فقال: أنا أتَحَمَّلُ عنك العذابَ إن أعْطَيْتَنِي من مالك كذا وكذا، فرجع إلى الشِّرْكِ، فَأعْطَى الذي عَيَّرَهُ بَعْضَ ذلك المالِ الذي ضَمِنَ له، ومَنَعَهُ تَمامَهُ، فنَزَلَ فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾؛ أي: أدْبَرَ عن الحق والإسلام، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾؛ أي: قَطَعَ ومَنَعَ وبَخِلَ.
وأصله من الكُدْيةِ وهو حَجَرٌ يظهر فِي البِئْرِ، ويَمْنَعُ من الحَفْرِ، ويُيْئِسُ من الماء، تقول العرب: أكْدَى الحافِرُ وأجْبَلَ: إذا بلغ فِي الحَفْرِ الكُدْيةَ
стр. 1200
والجَبَلَ، ويقال: كَدِيَتْ أصابِعُهُ: إذا بَخِلَتْ، وكَدِيَتْ أصابِعُهُ: إذا كَلَّتْ فَلَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا (١)، وقال المُؤَرِّجُ (٢). أكْدَى: إذا مَنَعَ الخَيْرَ، قال الحطيئة:
٣٠٠ - فَأَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ أكْدَى بِنَفْسِهِ... وَمَنْ يَبْذُلِ المَعْرُوفَ فِي النّاسِ يُحْمَدِ (٣)
قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ يريد: ما غاب عنه من أمر العذاب ﴿فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾؛ أي: يعلم أن صاحبه يَتَحَفلُ عنه عَذابَهُ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾؛ أي: لَمْ يُخَبَّرْ ولَمْ يُحَدَّثْ ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾ يعني أسفار التوراة ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾؛ أي: صحف إبراهيم الذي وَفَّى، أي: أتَمَّ وأكْمَلَ ما أُمِرَ به.
ثم بيَّنَ ما في صحفهما، فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾؛ أي: لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِإثْمِ غَيْرِها، وهذا في صحف إبراهيم ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ عطف على قوله: "أنْ لَا تَزِرُ"، وهذا أيضًا ما في صحف إبراهيم وموسى.
والمعنى: ليس له جَزاءٌ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ فِي الدنيا، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًا، و"أنْ" هاهنا هي المخففة من الثقيلة، والهاء مضمرة، والتقدير: وأنه ليس للإنسان إلّا ما سعى ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ يوم القيامة فِي ميزانه ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ يعني: يُجْزَى الإنسانُ
стр. 1201
بِسَعْيِهِ الجَزاءَ الأتَمَّ الأكمَلَ، وهو مفعولٌ ثانٍ (١).
قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ يعني: أن مُنْتَهَى العبادِ ومرجعهم إليه في الآخرة، وقيل: منه ابتداء المِنّةِ، وإليه انتهاء الآمال ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ وهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان بقضائه وقَدَرِهِ، حتى الضحك والبكاء، وفي هذا رَدٌّ على القَدَرِيّةِ.
وقال الكلبي: أضْحَكَ أهْلَ الجَنّةِ، وأبْكَى أهْلَ النارِ. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. وقيل: أضحك الأشجار بالأنوار، وأبكى السماء بالأمطار.
وقال ذو النون (٢): أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بِظُلْمةِ نُكْرتِهِ ومَعْصِيَتِهِ. وقال بَسّامُ بن عبد اللَّه (٣):
المَنِيّةُ لأنها مُقَدَّرةٌ، وأصلها: مَنِييةٌ (١).
قوله: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ يعني الخَلْقَ الثانِيَ للبعث يوم القيامة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير: "النَّشاءةَ" بالمد، ومثله في العنكبوت والواقعة (٢) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾ أغْنَى الناسَ بالأموال، وأعْطاهُم القِنْيةَ وما يَدَّخِرُونَهُ بعد الكفاية ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ وهو كوكب خَلْفَ الجَوْزاءِ، كانت خُزاعةُ يعبدونها من دون اللَّه، فقال تعالى: أنا رَبُّ الشِّعْرَى فاعبدوني.
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ وهم قوم هُودٍ أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ، وكان لهم عَقِبٌ، فهم عاد الأُخْرَى، وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب: ﴿عَادًا لُّولَى﴾ بتشديد اللّام من غير هَمْزٍ، غير أن قالُونَ جَعَلَ مكان الواو هَمْزةً ساكنةً، وقرأ الباقون بالتشديد مع الهمزة (٣).
стр. 1204
﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ وهم قوم صالح، أهلكهم اللَّه بالصيحة، فما أبقى منهم أحَدًا، وقرأ حمزة وعاصم: ﴿ثَمُودَ﴾ (١) بغير تنوين، وثَمُودُ على وزن فَعُولٍ، فمن جعله اسمَ حَيٍّ أو أبٍ صَرَفَهُ لأنه مُذَكَّر، ومن جعله اسمَ قبيلةٍ أو أرْضٍ لَمْ يصرفه (٢)، وسُمِّيَتْ ثَمُودً لِقِلّةِ مائِها، والثَّمَدُ: الماء القليل.
قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ يعني: أهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ من قبل عادٍ وثمودَ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ وهي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ المَخْسُوفِ بها، وذلك أن جبريل ﵇ أدخل جَناحَهُ تحتها، فَرَفَعَها إلى السماء حتى سَمِعَ ملائكةُ السماء الدنيا أصوات الدِّيَكةِ ونَبْحَ الكِلَابِ، ثُمَّ قَلَبَها فَهَوَتْ من السماء إلى الأرض (٣)، ونصب "المُؤْتَفِكةَ" بـ "أهْوَى".
وقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ يعني: من العذاب؛ أي: ألْبَسَها الحِجارةَ، ومحل "ما" نصب لأنه مفعولٌ ثانٍ لِلتَّغْشِيةِ (٤)، والفائدة في هذا معنى التعظيم،
стр. 1205
أي: ما غَشَّى مِمّا ذَكَرَهُ لكم (١)، قال قتادة (٢): غَشّاها الصُّخُورَ بعد ما رَفَعَها وقَلَبَها.
فصل
رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بِيَدِهِ إن مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ لَتَجَلْجَلُ (٣) فِي الأرض ما بَلَغَت القَرارَ، ولا تَبْلُغُ القَرارَ إلى الساعة" (٤).
قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ هذا خطاب للوليد بن المغيرة، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مما يَدُلُّ على قدرته ووحدانيته، قال: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ التي تدل على وحدانيته تَتَشَككُ وتُكَذِّبُ يا وَلِيدُ؟
ثم قال: ﴿هَذَا﴾ يعني النَّبِيَّ ﷺ ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾ يعني: من الرسل قبله، أنْذَرَ كما أنْذَرُوا مِنْ قبله ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ يعني: دَنَتِ القِيامةُ، وقَرُبَتِ الساعةُ، سُمِّيَتْ بذلك لِقُرْبِها، يقال: أزِفَ شُخُوصُ فُلَانٍ؛ أي: قَرُبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ (٥) يعني: يوم القيامة.
стр. 1206
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ يعني أنّها إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ بِشَدائِدِها وأهْوالِها لَمْ يَكْشِفْها عنهم أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، وتأنيث "كاشِفةٌ" على تقدير: نَفْسٌ كاشِفةٌ (١)، ويجوز أن يكون مصدرًا كالخائنة والعاقبة والباقية والداهية (٢)، والمعنى: ليس لها من دون اللَّه كَشْفٌ؛ أي: لا يَكْشِفُ عَنْها ولا يُظْهِرُها غَيْرُهُ كقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٣)، و"دُونِ اللَّهِ" هاهنا اسمٌ لا ظَرْفٌ، لِسَلْبِ الإضافة معنى الظرفية (٤) نحو:
٣٠٣ - يا سارِقَ اللَّيْلةَ أهْلِ الدّارِ (٥)
قوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾ يريد: مِنْ إنْزالِهِ على محمد ﷺ ، فتكَذِّبُونَ به ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾؛ أي: تستهزئون ﴿وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾ مما فيه من الوعيد ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ ساهون لاهون غافلون مُعْرِضُونَ، يقال: سَمَدَ
стр. 1207
يَسْمُدُ سُمُودًا: إذا لَهَى، والسُّمُودُ: الغَفْلةُ والسَّهْوُ عن الشيء (١)، وقال مجاهد (٢): السُّمُودُ: البَرْطَمةُ، يعني: الغناء بالحِمْيَرِيّةِ، ويقال: هو الشّامِخُ بِأنْفِهِ (٣).
والسّامِدُ في اللغة على ستة أوجه (٤): السّامِدُ: اللَّاهِي، والسامد: المُغَنِّي، والسامد: الهائِمُ، والسامد: السّاكِتُ، والسامد: القائِمُ، والسامد: الحَزِينُ.
﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ الخالق، لا تسجدوا لِلَّاتِ والعُزَّى ومَناةَ ﴿وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾؛ أي: اعبدوا اللَّه وَحْدَهُ، فإنه المُسْتَحِقُّ للعبادة.
فصل
عن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَلِجُ النّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيةِ اللَّهِ، ولا يدخل الجنةَ مُصِرٌّ على معصية اللَّه، ولو لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ بقومٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لهم" (٥).
стр. 1208
وروى أبو حازم (١) أن النبي ﷺ نزل عليه جبريل ﵇ وعنده رَجُلٌ يَبْكِي، فقال: "مَنْ هذا؟ فقال: فلانٌ، قال جبريل: إنّا نَزِنُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ كُلَّها إلّا البُكاءَ، فإن اللَّه يُطْفِئُ بالدَّمْعةِ بُحُورًا من نِيرانِ جَهَنَّمَ" (٢).
وعن عبد اللَّه بن مسعود: "أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم فَسَجَدَ فيها، فما بَقِيَ من القوم إلّا رَجُلٌ واحدٌ قَدْ أخَذَ كَفًّا من حَصًى فَوَضَعَهُ على جَبْهَتِهِ وقال: يَكْفِينِي، قال عبد اللَّه: لَقَدْ رَأيْتُهُ بعد ذلك قُتِلَ كافِرًا" (٣)، رواه البخاريُّ ومسلمٌ عن بُنْدارٍ عن غُنْدَرٍ عن شُعْبةَ.
وعن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سَجْدةَ نافِلةٍ، فقال فِي سجوده: اللَّهُمَّ أنا عَبْدُكَ وابنُ عَبْدِكَ وابنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، أتَقَلَّبُ فِي قَبْضَتِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، نافِذٌ فِي قَضاؤُكَ، وأُصَدِّقُ بلِقائِكَ، وَأُومِنُ بِوَعْدِكَ وَوَعِيدِكَ، أمَرْتَنِي فَعَصَيْتُ، وَنَهَيْتَنِي فَأبَيْتُ، هذا مَقامُ العَائِذِ بكَ من النار، لا إله إلّا أنت سبحانك، ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ، واللَّهِ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَّا عَلَى المَغْفِرةِ"، واللَّه أعلم.
стр. 1209
سورة القمر
مكّية
وهي ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفًا، وثلاثمائة واثنتان وأربعون كلمة، وخمس وخمسون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة "اقْتَرَبَتِ السّاعةُ" كُلَّ غِبٍّ (١) بُعِثَ يَوْمَ القيامة وَوَجْهُهُ على صورة القمر لَيْلةَ البَدْرِ، ومن قرأها كُلَّ ليلةٍ كان أفْضَلَ، وَجاءَ يوم القيامة وَوَجْهُهُ مُسْفِرٌ (٢) على وجوه الخلائق" (٣).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة القمر كان له بكل حرف منها مَلَكٌ، له ألْفُ جَناحٍ، يَطِيرُ تحت العرش يستغفر لقارئها" (٤).
стр. 1210
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ في الآية تقديم وتأخير، مجازها: انْشَقَّ القَمَرُ واقْتَرَبَتِ السّاعةُ (١)، وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نُبُوّةِ محمدٍ ﷺ ، ونُبُوَّتُهُ وزَمانُهُ من أشراط اقتراب الساعة، وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ : إنْ كُنْتَ صادقًا فَشُقَّ لنا القَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "إنْ فَعَلْتُ ذلك تُؤْمِنُونَ"؟ قالوا: نعم! وكانت ليلةَ بَدْرٍ، فسأل رسولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أن يُعْطِيَهُ ما قالوا، فانْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي: "يا فُلَانُ! يا فُلَانُ! اشْهَدُوا"، قال ابن مسعود وحذيفةُ: لقد رأيناه حتى صار نصفه على جَبَلٍ، ونصفه على جَبَلٍ آخرَ، ثم الْتَأمَ بعد ذلك، وعاد كما كان، فلما رَأوْا ذلك أعْرَضُوا عن الإيمان (٢).
وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ شرط، يعني انشقاق القمر ﴿يُعْرِضُوا﴾ جواب الشرط، يعني: عن التصديق والإيمان بها ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾؛ أي: هذا سِحْرٌ قَوِيّ شَدِيدٌ، يَعْلُو كُل سِحْرٍ، مأخوذ من قولهم: اسْتَمَرَّ الشَّيءُ: إذا قَوِيَ
стр. 1211
واسْتَحْكَمَ، واسْتَمَرَّ فلانٌ على أمْرِ كَذا: إذا اسْتَحْكَمَ فِي معرفته ومُمارَسَتِهِ (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ يعني: من أخبار الأمم الماضية ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾؛ أي: نَهْيٌ وعِظةٌ، وهو مصدر بمعنى الازْدِجارِ، يقال: زَجَرْتُهُ وازْدَجَرْتُهُ: إذا نَهَيْتَهُ عن السوء، وهو "مُفْتَعَلٌ" من الزَّجْرِ، وهو الانْتِهارُ، وأصله: مُزْتَجَرٌ، فَقُلِبَت التاءُ دالًا؛ لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة، فثَقُلَ الجمع بينهما، فأبدل من التاء ما هو من مخرجها وهو الدال (٢).
وقوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ يعني القرآن، أي: هو حكمة بالغة تامّةٌ لمن أخذ بما فيه، وآمن بما فيه، واتبع ما أمر فيه، ووصفها بقوله: "بالِغةٌ"؛ لأن هذه الصفة لكل ما بَلَغَ فِي نهاية الغاية، كما يُقالُ: فُلَانٌ جَيِّدٌ بالِغٌ، أي: قد بَلَغَ في الجَوْدةِ الغايةَ (٣).
وقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾؛ أي: لا تُغْنِي عَمَّنْ لا يُؤْمِنُ بها، ويَتَّبِعُ ما أُمِرَ فيها، و"ما" هاهنا يجوز أن تكون نفيًا على معنى: فليست تغني النُّذُرُ، وهو نَذِيرٌ، ويجوز أن تكون استفهامًا، المعنى: بِأيِّ شَيءٍ تُغْنِي النُّذُرُ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بها؟ (٤)، نظيرها في سورة يونس، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥).
стр. 1212
ثم أمَرَ اللَّهُ تعالى نَبِيَّهُ ﷺ بالإعراض عنهم بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: فَأعْرِضْ يا محمد عن كفار مكة مما تسمع منهم من الأذى، وهاهنا وقف تام (١)، والخبر محذوف، أي: تَرَى ما تَرَى ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ وهو إسرافيل ﵇ حين يَنْفُخُ النَّفْخةَ الثانيةَ، وهو قائمٌ على صخرة بيت المقدس ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾؛ أي: عظيم فظيع، لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، فينكرونه استعظامًا له، قال الخليل (٢): النُّكُرُ: نعت للأمر الشديد، والنُّكُرُ: الداهية.
قرأ وَرْشٌ وأبو عمرو: "الدّاعِي" (٣) بياء فِي الوصل فقط، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين، وقرأ ابن كثير: "إلى شَيْءٍ نُكْرٍ" (٤) ساكنةَ الكاف، الباقون بالتحريك (٥).
стр. 1213
قوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ (٧)﴾ قرأ ابن عباس وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف: "خاشِعًا" (١) بالألف على الواحد، وهو الاختيار اعتبارًا بقراءة عبد اللَّه وأبِي رَجاءٍ: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (٢)؛ أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب، وقرأ الباقون: "خُشَّعًا" بغير ألف (٣) على الجمع، قال الفراء (٤) وأبو عبيدة (٥): إذا تأخرت الأسماءُ عن فِعْلِها فَلَكَ فيها التوحيدُ والجَمْعُ والتأنيثُ والتذكيرُ، ويَجُوزُ فِي أسماء الفاعِلِينَ إذا تقدمتْ على الجماعةِ التوحيدُ والجَمْعُ والتأنيثُ، تقول مِنْ ذلك: مَرَرْتُ بِشُبّانٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ، وحِسانٍ (٦) أوْجُهُهُمْ، وحَسَنةٍ أوْجُهُهُمْ، قال الشاعر:
٣٠٤ - وَشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ... مِنْ إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدْ (٧)
стр. 1214
وقال آخر:
٣٠٥ - يَرمِي الفِجاجَ بِها الرُّكْبانُ مُعْتَرِضًا... أعْناقَ بُزَّلِها مُرْخًى لَها الجُدُلُ (١)
قال الفراء (٢): ولو قال: مُعْتَرِضةً أو مُعْتَرِضاتٍ، أو مُرْخاةً أو مُرْخَياتٍ، كان كُلُّ ذلك جائزًا.
فَمَنْ وَحَّدَ فلأنه في معنى الجمع، ومَنْ جَمَعَ فلأنه صفات، والصفات أسماء، ومَنْ أنّثَ فَلِتَأْنِيثِ الجماعةِ، وهو نصب على الحال تقديره: يخرجون من الأجداث خُشَّعًا أبْصارُهُمْ (٣)، و ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ رفع فاعل، وفِعْلُها الخُشُوعُ، والأجداث: القبور، واحدها جَدَثٌ، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ متفرق يَنْبَثُّ بَعْضُها
стр. 1215
في بعضٍ، والمعنى: أنهم يخرجون من قبورهم فَزِعِينِ حَيارَى، لا جِهةَ لأحَدٍ منهم فيقصدها، والجَرادُ لا جِهةَ لها، تكون أبَدًا مختلفةً بعضها فِي بعض، والجَرادُ جمع جَرادةٍ، وهو مُذَكَّرٌ، قاله صاحب الضياء (١)، وَذَكَّرَ المُنْتَشِرَ على لفظ الجَرادِ، ونظيرها: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (٢).
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ يعني: مُقْبِلِينَ مُسْرعِينَ إلَى صَوْتِ إسرافيل إذا دَعاهُمْ من قبورهم ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ لا يقومون مَقامًا، ولا يَخْرُجُونَ مَخْرَجًا، إلّا عَسُرَ عليهم في كل مَوْطِنٍ شَرُّهُ، ويقال: المُهْطِعُ: الذّاهِلُ العَقْلِ (٣)، وهو نصب على الحال، قرأ نافع وأبو عمرو: "الدّاعِي" بياء في الوصل، وقرأ ابن كثير بِياءٍ في الحالين، وقرأ الباقون بغير ياء في الحالين (٤).
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾؛ أي: هو مجنون ﴿وَازْدُجِرَ (٩)﴾ زَجَرُوهُ عن دعوته بالشتم والضرب والوعيد ﴿فَدَعَا﴾ نوحٌ ﵇ ﴿رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾؛ أي: فَخُذْ لِي بِحَقِّي، وانْتَقِمْ لِي مِمَّن كَذَّبَنِي، وذلك أنه كان يُضْرَبُ فِي كل يوم مرتين حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاقَ قال: اللَّهُمَّ اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون (٥)، قرأ العامة: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾
стр. 1216
بالفتح يعني: بِأنِّي، وقرأ بعض القراء: "إنِّي" بالكسر (١)؛ لأن الدعاء قول فِي المعنى.
قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ يعني: مُنْصَبًّا كثيرًا شديدَ الانْصِبابِ، لا ينقطع أربعين يومًا، يقال: هَمَرْتُ الماءَ فانْهَمَرَ؛ أي: فانْصَبَّ، ويقال: هَمَرَ الرَّجُلُ: إذا أكْثَرَ من الكلام وأسْرَعَ (٢)، ويقال: المُنْهَمِرُ: الماء السائل، قرأ ابن عامر: ﴿فَفَتَّحْنا﴾ بالتشديد (٣)، وقرأ الباقون بالتخفيف.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ جمع عَيْنٍ، يعني يوم الطُّوفانِ، وذلك أن اللَّه أرسل من السماء ماءً كأفواه القِرَبِ في أربعين يومًا وأربعين ليلة، وانفتحت الأرض بعيونٍ من الماء حتى اجتمع الماءان، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ ماء الأرض وماء السماء ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾؛ أي: قُضِيَ عليهم في أُمِّ الكتاب،
стр. 1217
وعُيُونٌ جمع عَيْنٍ فِي أكثر العدد، وقرأ الكوفيون بكسر العين (١)، والأصل الضَّمُّ فأبدل من الضمة كسرة استثقالًا للجمع بين ضمةٍ وياءٍ (٢).
ونصب ﴿عُيُونًا﴾ على التفسير، إذْ ليس كل الأرض عيونًا، فيكون كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٣)، وقيل: هو نصب على الحال؛ أي: ذاتَ عُيُونٍ، وقيل: هو مفعول ﴿فَجَّرْنَا﴾ (٤)، وإنما قال: ﴿الْمَاءُ﴾، ولَمْ يقل: الماءانِ على هذه القراءة، والالتقاء لا يكون من واحد، وإنما يكون من اثنين فصاعدًا؛ لأن الماء يكون جمعًا وواحدًا (٥)، وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ: ﴿فَالْتَقَى الماءانِ﴾، وقرأ الحسن: ﴿فَالْتَقَى الماوانِ﴾ (٦)، جعل أحد الألفين واوًا.
стр. 1218
قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾ يعني نوحًا ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ يعني صَفائِحَ السفينة، أي: على سفينةٍ ذاتِ ألواح، وهي خُشْبانُها العَرِيضةُ التي منها جُمِّعَتْ ﴿وَدُسُرٍ (١٣)﴾ يعني المسامير التي تُشدُّ بها الألواحُ، واحدها دِسارٌ ودَسِيرٌ، دَسَرْتُ السفينةَ: إذا شَدَدْتَها بالمسامير، وكل شيء إذا دَخَلَ فِي شيء بشِدّةٍ فهو الدَّسْرُ (١)، وقيل (٢): الدُّسُرُ: حِبالُ اللِّيفِ.
قوله: ﴿تَجْرِي﴾ يعني السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ بنَظَرٍ ومَرْأًى مِنّا، وقيل: بحِفْظِنا، ومنه قول الناس لِلْمُوَدَّعِ: عَيْنُ اللَّهِ عليك أي: حِفْظُهُ ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ يعني: فَعَلْنا ذلك ثَوابًا لِنُوحٍ ﵇، فأنجيناه ومَنْ آمَنَ به، وأغرقنا من جَحَدَ أمْرَهُ وكَفَرَ به، وما نَجا من الكفار غيْرُ عُوجِ بن عُنُقٍ (٣)، كان الماء إلى مِنْخَرَيْهِ (٤)، ونصب "جَزاءً" على المصدر (٥).
стр. 1219
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ يعني السفينة ﴿آيَةً﴾؛ أي: عِبْرةً وعِظةً ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾؛ أي: مُتَّعِظٍ، والأصل عند سيبويه (١): مُذْتَكِرٌ، فاجتمعت الذال، وهي مجهورة أصلية، والتاءُ وهي مهموسة زائدة، فأبدلوا من التاء حرفًا مجهورًا من مخرجها، فصار: مُذْدَكِرٌ، فأدغمت الدال فصار: مُدَّكِرٌ.
قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ استفهام عن تلك الحالة، ومعناه التعظيم لذلك العذاب، وفيه تخويفٌ لِمُشْرِكِي مَكّةَ، وقوله: "نُذُرِ"؛ أي: إنذاري، قرأ وَرْشٌ: "نُذُرِي" بياء فِي الوصل حيث وقع فقط، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين (٢)، قال الفراء (٣): النُّذُرُ والإنْذارُ مصدران.
تقول العرب: أنْذَرْتُ إنْذارًا ونُذُرًا، كقوله: أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقةً، وأيْقَنْتُ إيقانًا ويَقِينًا، و"كَيْفَ" في موضع نصب على خبر "كان"، إلا أنها مبنية لأن فيها معنى الاستفهام، وفُتِحَتْ لالتقاء الساكنين (٤).
قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يعني: للحفظ والقراءة، قال سعيد ابن جُبَيْرٍ (٥): ليس مِنْ كُتُبِ اللَّه كتابٌ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظاهرًا إلا القرآن ﴿فَهَلْ مِنْ
стр. 1220
مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ يعني: مِنْ ذاكِرٍ يَذْكُرُهُ، وقارِع يَقْرَؤُهُ، ومعناه الحَثُّ على قراءة القرآن ودَرْسِهِ وتَعَلُّمِهِ.
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على قوم هود ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وهي الدَّبُورُ، والصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الشدِيدةُ البارِدةُ (١)، قيل (٢): كانت الريح تَمُرُّ على الرّاعِي فتحمله مع غَنَمِهِ، وتَمُرُّ على العَرُوسِ وهي في خِدْرِها فتحملها ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ دائِمِ الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عليهم بِنُحُوسِهِ، قيل (٣): كان فِي يوم الأربعاء آخرَ الشهر، وكان القمر منحوسًا بِزُحَلَ، واستمرت الريح لا تَفْتُرُ عنهم سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيةَ أيّامٍ حُسُومًا دائمةً ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ يعني الريحُ، تَنْزِعُ أرْواحَ الناس؛ أي: تقطعها عن أجسامها فَتَصْرَعُهُمْ.
ثم شَبَّهَهُمْ فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ شَبَّهَهُمْ بالنخل لِطُولِهِمْ، يقال: قَعَرَتْهُ الرِّيحُ: إذا ألْقَتْهُ على الأرض، وانْقَعَرَتِ النَّخْلةُ من أصلها: إذا سَقَطَتْ (٤)، وقوله: "مُنْقَعِرٍ"؛ لأن النخل يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، يقال: هذا نَخْلٌ، وهَذِهِ نَخْلٌ، فـ ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ على لغة من قال: هذا نَخْلٌ، ومن قال: هذه نَخْلٌ فدليله قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٥)، وأعْجازٌ جمع عَجُزٍ، وهو مُؤَخَّرُ الشَّيْءِ.
стр. 1221
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)﴾ يعني: بالرسل، وهم قوم صالح، وأراد بالإنذار: الذي جاءهم به صالح، ولَمْ يصرف "ثَمُودُ" لأنه اسم للقبيلة، ويجوز صرفه على أنه اسم للحي ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾؛ أي: هذا آدَمِيٌّ مِثْلُنا، وهو واحد، فلا نكون له تَبَعًا ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾؛ أي: خَطَأٍ وشَقاءٍ وغَباءٍ وشِدّةِ عَذابٍ بما يلزمنا من طاعته، ونصب ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا﴾ على تفسير ما بعده (١)، وتقديره: أنتَّبِعُ بَشَرًا نتَّبِعُهُ، أنكروا أن يكون الوحي إليه.
ثم قالوا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ استفهامُ إنكارٍ؛ أي: كيف خُصَّ من بيننا بالنبوة والوحي؟ ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ فيما يقول ﴿أَشِرٌ (٢٥)﴾؛ أي: بَطِرٌ مُتَكَبِّرٌ يريد أن يَتَعَظَّمَ علينا بالنبوة، فقال اللَّه تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ يعني: يوم القيامة، حين يَنْزِلُ بهم العذابُ ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾؛ أي: باعِثُوها ومُخْرِجُوها من الصخرة التي سألوا ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾؛ أي: مِحْنةً واختبارًا لقوم صالح، وهو منصوب على المصدر (٢)، وقيل (٣): على المفعول من أجله ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾؛ أي: فانْتَظِرْ ما هم
стр. 1222
صانعون ﴿وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾ على ما يُصِيبُكَ] (١) من الأذى، و"اصْطَبِرْ": افْتَعِلْ من الصَّبْرِ، وأصل الطاء فيه تاء، فَحُوِّلَتْ طاءً لأجل الصاد.
قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: بَيْنَ ثَمُودَ وبَيْنَ الناقةِ، يَوْمٌ لها ويَوْمٌ لهم، وإنما قال: "بَيْنَهُمْ"؛ لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غَلَّبُوا بني آدم على البهائم (٢)، وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ يعني: إذا كان يومُ الناقة حَضرَتْ شِرْبَها، وإذا كان يَوْمُهُمْ حَضَرُوا شِرْبَهُمْ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ، وحُضِرَ واحْتُضِرَ واحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على قوم صالح ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ صاحَ بهم جبريلُ ﵇ صَيْحةً، فَخَمَدُوا جميعًا ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾ الهَشِيمُ: حُطامُ الشَّجَرِ والبَقْلِ، شَبَّهَهُمْ بالشيء الذي قد بَلِيَ وتَغَيَّرَ. والمُحْتَظِرُ -بكسر الظاء-: الرَّجُلُ الذي يَتَّخِذُ الحَظِيرةَ لإبلِهِ أو غَنَمِهِ من البَرْدِ (٣)، ويقال: احْتَظَرَ على غَنَمِهِ: إذا جَمَعَ الشَّجَرَ، ووَضَعَ بَعْضَهاَ فَوْقَ بَعْضٍ، وهو كُلُّ شَيءٍ كان رَطْبًا فَيَبسَ (٤)، وقيل (٥): المُحْتَظَرُ: هو الشَّوْكُ الذي تَحْظُرُ به العَرَبُ حَوْلَ مَواشِيها من السباع، والمعنى: أنهم بادُوا وهَلَكُوا، فصاروا كَيابِسِ الشَّجَرِ إذا تَحَطَّمَ.
стр. 1223
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)﴾ يعني الرسل ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ يعني: رِيحًا تَرْضَخُهُمْ بالحَصْباءِ، وهي الحَصَى، والحاصِبُ والحَصَبُ والحَصْباءُ هي الحَجَرُ الذي دُونَ مِلْءِ الكَفِّ، والمُحَصَّبُ: الموضع الذي تُرْمَى فيه الحِجارةُ (١).
ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يعني لوطا وابنتيه ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ يريد: من ذلك العذاب الذي أصاب قومه ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال الأخفش (٢): إنما أجرى قوله: "بسَحَرٍ" لأنه نَكِرةٌ، ومجازه: بِسَحَرٍ من الأسْحارِ، ولو أراد سَحَرَ يَوْمٍ بعينه لقالَ: "بِسَحَرَ" غير مُجْرًى.
ونصب "نِعْمةً" على تقدير: جعلنا ذلك نعمةً من عندنا عليهم، وقيل (٣): هو مفعول له؛ أي: للإنعام عليهم، وقيل (٤): هو نصب على المصدر، ويجوز الرفع بمعنى: تلك نعمةٌ من عندنا (٥)، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما أنعمنا عليهم ﴿نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾ قال مقاتل: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ لَمْ يُعَذَّبْ مع المشركين.
стр. 1224
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾ يعني لوطًا، أنذر قومه ﴿بَطْشَتَنَا﴾؛ أي: أخْذَنا إيّاهُمْ بالعذاب ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)﴾؛ أي: شَكُّوا بالإنذار، ولَمْ يُصدِّقُوا، ونصب "بَطْشَتَنا" بنَزْعِ الصفة، تقديره: ببَطْشَتِنا ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ طلبوا أن يُسْلِمَ إليهم أضْيَافَهُ ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ وهو أن جبريل ﵇ صَفَقَ عليهم بِجَناحَيْهِ فَأذْهَبَها، والقصة مذكورة في سورة هود (١).
وتَمَّ الكلامُ ثم قال: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾؛ أي: وما أنْذَرَكُمْ به لوطٌ من العذاب، سُمِّيَ العذابُ باسم الإنذار.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ يعني: أتاهم العذاب صباحًا ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)﴾ يعني: استقر بقوم لوط عذاب اللَّه، ونصب ﴿بُكْرَةً﴾ على الظرف أي: في وقت الصبح.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾ يجوز أن يكون جمع نَذِيرٍ وهي الآيات، وذلك قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يعني الآيات التي أنذرهم بها موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ يريد: بالعذاب ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾؛ أي: غالب في انتقامه ﴿مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾ قادر على هلاكهم، ونصب "أخْذَ" على المصدر.
ثم خَوَّفَ كُفّارَ مكة، فقال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ هذه إشارة إلى قوم فرعون، والخطاب لكفار قريش، وهذا استفهام معناه الإنكار، وقيل: هو إشارة إلى مَنْ مَضَى من الأمم الخالية، والمعنى: ليسوا بأقوى ولا أشَدَّ من قوم نوح وعاد وثمود، وقد أهلكناهم ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾ يعني الكتب التي أنزلها اللَّه، بأنكم لا تُعَذَّبُونَ، والمعنى: ألَكُمْ بَراءةٌ من العذاب في الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.
стр. 1225
قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾؛ أي: جماعة لا تُرامُ ولا تُضامُ، ننتصر على أعدائنا، و"نَحْنُ" مبتدأ، و"جَمِيعٌ" توكيد، و"مُنْتَصِرٌ" خبره (١)، والمعنى: نَحْنُ يَدٌ واحدةٌ على مَنْ خالَفَنا، وكان حقه: مُنْتَصِرُونَ، فَتَبِعَ رُؤُوسَ الآيِ، وَوُحِّدَ في اللفظ وإن كان اسْمًا للجماعة كالرَّهْطِ والجيش (٢).
قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ يعني جَمْعَ كُفّارِ مكة ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ يعني: ينهزمون، فَيُوَلُّونَكُمْ أدْبارَهُمْ، وكان ذلك يَوْمَ بَدْرٍ، وإنما وَحَّدَ الدُّبُرَ ولَمْ يقل: الأدْبار لأجل رُؤُوسِ الآيِ أيضًا، كما يقال: ضَرَبْنا منهم الرُّؤوسَ، وضَرَبْنا منهم الرَّأْسَ، إذْ كان الواحد يُؤَدِّي عن معنى الجميع (٣).
ثم قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ يعني أن موعدهم الجَمْعُ للعذاب يوم القيامة ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾ أعظم فِي الضرر وأفظع، مأخوذ من الدهاء، وهو النُّكْرُ والفظاعة ﴿وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ أشَدُّ مَرارةً من القَتْلِ والأسْرِ فِي الدنيا.
قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ يريد القَدَرِيّةَ ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ نارٍ مُسَعَّرةٍ،
стр. 1226
وهو جمع سَعِيرٍ في قول أبي عبيدة (١)، وقال غيره (٢): في ضلال وجنون، يقال: باناقةٌ مَسْعُورةٌ: إذا كانت كَأَنّ بها جُنُونًا.
ثم بيَّنَ ذلك، فقال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ويقال لهم ذلك اليومَ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ يعني عذاب سَقَرَ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾؛ أي: كُلُّ ما خَلَقْناهُ مَقْدُورٌ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المحفوظ قبل وقوعه، قال ابن عباس: قَدَّرَ لأهل الجنة الكرامةَ والفضلَ والمنازلَ فيها بِقَدْرِ أعمالهم التي عملوا في الدنيا، وقَدَّرَ لأهل النار منازلَهم فيها وأصنافَ عذابهم على قَدْرِ أعمالهم التي عملوا فِي الدنيا. ونصب كُلًّا بـ "خَلَقْنا" (٣)، وهي من ألفاظ العموم، وتستعمل فيمن يعقل وفيما لا يعقل.
فصل
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَجُوسُ هذه الأمةِ القَدَرِيّةُ، وهم المجرمون الذين سَمّاهُم اللَّهُ بقوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤).
стр. 1227
وعن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلَائِقَ يومَ القيامة، أمَرَ مُنادِيًا فَنادَى نِداءً يسمعه الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فيقوم القَدَرِيّةُ فَيُؤْمَرُ بهم إلى النار"، يقول اللَّه: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)، وإنما سُمُّوا خُصَماءَ اللَّه لأنهم يقولون: يَكْتُبُ علينا المعاصيَ ثم يُعَذِّبُنا؟ هذا ما لا يكون، فبهذا يُخاصِمُونَ فِي أنه لا يجوز أن يُقَدِّرَ المعصيةَ على العبد، ثم يُعَذِّبُهُ عليها.
ورُوِيَ عن الحسن أنه قال (٢): "واللَّهِ لو أنّ قَدَريًّا صامَ حتى يصير كالحَبْلِ، ثم صام حتى يصير كالوَتَرِ، ثم أُخِذَ ظُلْمًا وَزُورًا حتى ذُبِحَ بين الرُّكْنِ والمَقامِ، لَكَبَّهُ اللَّهُ على وجهه في سَقَرَ، ثم قيل له: ذُقْ مَسَّ سَقَرَ، إنّا كُل شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ".
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ يعني: وما أمْرُ الساعةِ في جميع ما نريده إلا واحدة، أن نقول له: كُنْ فَيَكُونُ، وقيل: معناه: وما أمْرُنا إلّا أمْرٌ واحِدٌ، فدخلت الهاء في نعت المذكر، قاله الخليل (٣)، ثم قال: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾؛ أي: كَخَطْفٍ بالبَصَرِ، ومعنى اللَّمْحِ: أوَّلُ النظر وأسْرَعُهُ، ومعنى الآية: إن قضائي في خلقي أسرعُ من لَمْحٍ البصر.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يريد: أشباهكم ونُظَراءَكُمْ في
стр. 1228
الكفر من الأمم الماضية ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾؛ مُتَّعِظٍ يَعْلَمُ أن تلك حَقٌّ فَيَخافُ ويَعْتَبِرُ.
ثم أخْبَرَ أن جميع ما فَعَلَتْهُ الأممُ قبلهم كان مكتوبًا عليهم فقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الخَلْقِ والأعمال ﴿مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ مكتوب على فاعليه قبل أن يفعلوه.
قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين ﴿وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ أراد أنهار الجنة من الماءِ والخمر واللبن والعسل، وإنّما وُحِّدَ لأجْلِ رُؤُوسِ الآيِ، كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (١)، ولفظ الواحد يُؤَدِّي عن الجميع، وقرأ الأعرج وطلحة: "وَنُهُرٍ" (٢) بضمتَيْنِ، كأنه جَمْعُ نَهارٍ (٣) -ولا لَيْلَ لَهُمْ-، قال الفراء (٤):
стр. 1229
أنشدنِي بعض الأعراب:
٣٠٦ - إنْ تَكُ لَيْلِيًّا فَإنِّي نَهِرُ
مَتَى أرَ اللَّيْلَ فَلا أنْتَظِرُ (١)
وقال آخر (٢):
٣٠٧ - لَوْلَا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُر
ثَرِيدُ لَيْلٍ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُر (٣)
وقيل (٤): هو جمع نَهَرٍ كَأسَدٍ وأُسُدٍ، أو جمع نَهْرٍ كَرَهْنٍ وَرُهُنٍ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾؛ أي: فِي مَجْلِسِ حَقٍّ لا لَغْوَ فيه ولا تَأْثِيمَ، وهو الجنة ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ يعني: عند مَلِكٍ قادِرٍ لا يُعْجِزُهُ شَيءٌ، و"عِنْدَ" إشارة إلى القُرْبةِ والرُّتْبةِ، والمعنى: في المكان الذي كَرَّسَهُ اللَّهُ لأوليائه.
стр. 1230
فصل
عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵁ قال: بَيْنا رسولُ اللَّه ﷺ يوما فِي مسجد المدينة، فذكر بعضُ أصحابه الجنةَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ للَّهِ لِواءً مِنْ نُورٍ وَعَمُودًا مِنْ زَبَرْجَدٍ، خَلَقَهُما قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ بِألْفَي عامٍ، مَكْتُوبٌ عَلَى رِداءِ ذَلِكَ اللِّواءِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، آلُ مُحَمَّدٍ خَيْرُ البَرِيّةِ صاحِبِ اللِّواءِ أمامَ القَوْمِ"، فَقالَ عَلِي بْنُ أبِي طالِبٍ ﵁: الحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدانا بِكَ وَكَرَّمَنا وَشَرَّفَنا، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "يا عَلِيُّ أما علمتَ أن من أحَبَّنا وانْتَحَلَ مَحَبَّتَنا أسْكَنَهُ اللَّهُ تعالى مَعَنا"، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيةَ: "فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ" (١)، واللَّه أعلم.
* * *