وهو جمع سَعِيرٍ في قول أبي عبيدة (١)، وقال غيره (٢): في ضلال وجنون، يقال: باناقةٌ مَسْعُورةٌ: إذا كانت كَأَنّ بها جُنُونًا.
ثم بيَّنَ ذلك، فقال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ويقال لهم ذلك اليومَ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ يعني عذاب سَقَرَ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾؛ أي: كُلُّ ما خَلَقْناهُ مَقْدُورٌ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المحفوظ قبل وقوعه، قال ابن عباس: قَدَّرَ لأهل الجنة الكرامةَ والفضلَ والمنازلَ فيها بِقَدْرِ أعمالهم التي عملوا في الدنيا، وقَدَّرَ لأهل النار منازلَهم فيها وأصنافَ عذابهم على قَدْرِ أعمالهم التي عملوا فِي الدنيا. ونصب كُلًّا بـ "خَلَقْنا" (٣)، وهي من ألفاظ العموم، وتستعمل فيمن يعقل وفيما لا يعقل.
فصل
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَجُوسُ هذه الأمةِ القَدَرِيّةُ، وهم المجرمون الذين سَمّاهُم اللَّهُ بقوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤).
стр. 1227
وعن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلَائِقَ يومَ القيامة، أمَرَ مُنادِيًا فَنادَى نِداءً يسمعه الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فيقوم القَدَرِيّةُ فَيُؤْمَرُ بهم إلى النار"، يقول اللَّه: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)، وإنما سُمُّوا خُصَماءَ اللَّه لأنهم يقولون: يَكْتُبُ علينا المعاصيَ ثم يُعَذِّبُنا؟ هذا ما لا يكون، فبهذا يُخاصِمُونَ فِي أنه لا يجوز أن يُقَدِّرَ المعصيةَ على العبد، ثم يُعَذِّبُهُ عليها.
ورُوِيَ عن الحسن أنه قال (٢): "واللَّهِ لو أنّ قَدَريًّا صامَ حتى يصير كالحَبْلِ، ثم صام حتى يصير كالوَتَرِ، ثم أُخِذَ ظُلْمًا وَزُورًا حتى ذُبِحَ بين الرُّكْنِ والمَقامِ، لَكَبَّهُ اللَّهُ على وجهه في سَقَرَ، ثم قيل له: ذُقْ مَسَّ سَقَرَ، إنّا كُل شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ".
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ يعني: وما أمْرُ الساعةِ في جميع ما نريده إلا واحدة، أن نقول له: كُنْ فَيَكُونُ، وقيل: معناه: وما أمْرُنا إلّا أمْرٌ واحِدٌ، فدخلت الهاء في نعت المذكر، قاله الخليل (٣)، ثم قال: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾؛ أي: كَخَطْفٍ بالبَصَرِ، ومعنى اللَّمْحِ: أوَّلُ النظر وأسْرَعُهُ، ومعنى الآية: إن قضائي في خلقي أسرعُ من لَمْحٍ البصر.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يريد: أشباهكم ونُظَراءَكُمْ في
стр. 1228
الكفر من الأمم الماضية ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾؛ مُتَّعِظٍ يَعْلَمُ أن تلك حَقٌّ فَيَخافُ ويَعْتَبِرُ.
ثم أخْبَرَ أن جميع ما فَعَلَتْهُ الأممُ قبلهم كان مكتوبًا عليهم فقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الخَلْقِ والأعمال ﴿مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ مكتوب على فاعليه قبل أن يفعلوه.
قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين ﴿وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ أراد أنهار الجنة من الماءِ والخمر واللبن والعسل، وإنّما وُحِّدَ لأجْلِ رُؤُوسِ الآيِ، كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (١)، ولفظ الواحد يُؤَدِّي عن الجميع، وقرأ الأعرج وطلحة: "وَنُهُرٍ" (٢) بضمتَيْنِ، كأنه جَمْعُ نَهارٍ (٣) -ولا لَيْلَ لَهُمْ-، قال الفراء (٤):
стр. 1229
أنشدنِي بعض الأعراب:
٣٠٦ - إنْ تَكُ لَيْلِيًّا فَإنِّي نَهِرُ
مَتَى أرَ اللَّيْلَ فَلا أنْتَظِرُ (١)
وقال آخر (٢):
٣٠٧ - لَوْلَا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُر
ثَرِيدُ لَيْلٍ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُر (٣)
وقيل (٤): هو جمع نَهَرٍ كَأسَدٍ وأُسُدٍ، أو جمع نَهْرٍ كَرَهْنٍ وَرُهُنٍ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾؛ أي: فِي مَجْلِسِ حَقٍّ لا لَغْوَ فيه ولا تَأْثِيمَ، وهو الجنة ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ يعني: عند مَلِكٍ قادِرٍ لا يُعْجِزُهُ شَيءٌ، و"عِنْدَ" إشارة إلى القُرْبةِ والرُّتْبةِ، والمعنى: في المكان الذي كَرَّسَهُ اللَّهُ لأوليائه.
стр. 1230
فصل
عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵁ قال: بَيْنا رسولُ اللَّه ﷺ يوما فِي مسجد المدينة، فذكر بعضُ أصحابه الجنةَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ للَّهِ لِواءً مِنْ نُورٍ وَعَمُودًا مِنْ زَبَرْجَدٍ، خَلَقَهُما قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ بِألْفَي عامٍ، مَكْتُوبٌ عَلَى رِداءِ ذَلِكَ اللِّواءِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، آلُ مُحَمَّدٍ خَيْرُ البَرِيّةِ صاحِبِ اللِّواءِ أمامَ القَوْمِ"، فَقالَ عَلِي بْنُ أبِي طالِبٍ ﵁: الحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدانا بِكَ وَكَرَّمَنا وَشَرَّفَنا، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "يا عَلِيُّ أما علمتَ أن من أحَبَّنا وانْتَحَلَ مَحَبَّتَنا أسْكَنَهُ اللَّهُ تعالى مَعَنا"، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيةَ: "فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ" (١)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1231
سورة الرحمن
مدنية
وهي ألف وستمائة وستة وثلاثون حرفًا، وثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة، وثمان وسبعون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة الرَّحْمَنِ رَحِمَ اللَّهُ ضُعْفَهُ، وأدَّى شُكْرَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عليه" (١).
وقال ﵇: "من قرأ سورة الرحمن دُعِيَ في مَلَكُوتِ السماوات عَظِيمًا، وكانوا من زُوّارِهِ" (٢).
وعن عَلِيِّ بن أبي طالب ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لِكُلِّ شَيْءٍ عَرُوسٌ، وعَرُوسُ القُرْآنِ سُورةُ الرَّحْمَنِ ﷻ " (٣).
стр. 1232
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ قال الكلبي (١): عَلَّمَ القُرْآنَ مُحَمَّدًا ﵇، وعَلَّمَهُ مُحَمَّد ﷺ أُمَّتَهُ، قيل: نزلت حين قال كفار مكة: "وَما الرَّحْمَنُ" (٢)، قال: الرَّحْمَنُ الذِي عَلَّمَ القُرْآنَ، وقيل: هو جواب لَهُمْ حين قالوا: "إنّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ" (٣)، و"الرَّحْمَنُ" رفع بالابتداء، وخبره قوله: "عَلَّمَ الْقُرْآنَ".
قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ يعني آدم ﵇ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ أسماءَ كُلِّ شيءٍ، وقيل: عَلَّمَهُ اللغاتِ كُلَّها، فكان يتكلم بسبعمائة ألف لُغةٍ، أفْضَلُها العَرَبِيّةُ، وقيل: أراد بالإنسان جميع الناس؛ لأن الإنسان اسمُ جِنْسٍ، ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ بَيانَ الحلال والحرام، وبينَ له طَرِيقَ الخَيْرِ والشر وما يأتِي وما يَذَرُ، لِيَحْتَجَّ بذلك عليه، وعَلَّمَهُ النُّطْقَ والتَّمْيِيزَ والكتابة والخَطَّ والفَهْمَ والإفْهامَ، حَتَّى عَرَفَ ما يقول وما يُقالُ له.
قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾؛ أي: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ ومَنازِلَ لا يَعْدُوانِها، وهما يَدُلَّانِ على عدد الشهور والسنين والأوقات، والحُسْبانُ يكون مصدرا، يقال: حَسَبَ حُسْبانًا، مثل الغُفْرانِ والكُفْرانِ والرُّجْحانِ والقُرْبانِ (٤)،
стр. 1233
وارتفع "الشَّمْسُ والْقَمَرُ" بإضمار فعل، مجازه: الشمس والقمر يجريان بحسبان (١)، وقيل (٢): هو مبتدأ وخبره فيما بعده.
فصل
قيل: "إنّ سَعةَ الشمس تسعةُ آلاف فَرْسَخٍ، وأرْبَعُمِائِةِ فَرْسَخٍ في مثلها، وسَعةُ القَمَرِ ألْفُ فَرْسَخٍ في ألْفِ فَرْسَخٍ، مكتوبٌ في وجه الشمس: لا إله إلّا اللَّه، محمد رسول اللَّه، خلق اللَّه الشمس بقدرته، وأجْراها بِأمْرِهِ وحِكْمَتِهِ، وفي بطنها مكتوب: لا إله إلّا اللَّه، رِضاهُ كَلَامٌ، وغَضَبُهُ كَلَامٌ، ورَحْمَتُهُ كَلَامٌ، وعَذابُهُ كَلَامٌ، وفي وجه القمر مكتوبٌ: لا إله إلّا اللَّه، محمد رسول اللَّه، خلق اللَّه الخَيْرَ والشَّرَّ بِقُدْرَتهِ، يَبْتَلِي بهما من شاء من خلقه، فَطُوبَى لِمَنْ أجْرَى اللَّهُ الخَيْرَ على يديه، والوَيْلُ لِمَنْ أجْرَى اللَّهُ الشَّرَّ على يديه" (٣).
قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ قيل: النَّجْمُ: هو ما ليس له ساقٌ
стр. 1234
من الأشجار، ويَنْبَسِطُ على وجه الأرض كالعُشْبِ والبَقْلِ، وسُمِّيَ نَجْمًا لِطُلُوعِهِ من الأرض، قاله الثعلبي (١)، والشَّجَرُ: ما كان له ساقٌ تَبْقَى فِي الشتاء، قاله الواحديُّ (٢)، قال زهير بن أبِي سلمى:
٣٠٨ - مُكُلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ... رِيحُ الجَنُوبِ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ (٣)
وقوله: "يَسْجُدانِ"؛ أي: يَخْضَعانِ للَّهِ، ويَذِلَّانِ له ويُعَظِّمانِهِ، والسُّجُودُ: الخُضُوعُ، والسّاجِدُ مُعَظِّمٌ لِمَنْ سَجَدَ له، وسُجُودُهُما: سُجُودُ ظِلِّهِما (٤)، وقيل (٥): سُجُودُهُما: أنهما يَسْتَقْبِلَانِ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ، ثم يَمِيلَانِ معها حتى
стр. 1235
يَنْكَسِرَ الفَيءُ، والسُّجُودُ من جميع المَواتِ: الاستسلامُ والانقيادُ لِما سُخِّرَ له (١).
قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ نصب بإضمار فعل؛ أي: رَفَعَ السَّماءَ بغير عمد من تحتها، ولا علاقةٍ من فوقها، ورفعها عن الأرض مسيرة خمسمائة عام، فجعلها سَقْفًا على خَلْقِهِ محفوظًا.
قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ يعني: الذي يُوزَنُ به، فجعله عَدْلًا بين الناس فِي الأرض في معاملتهم، لِيُوصَلَ به إلى الإنصاف والانتصاف.
قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ يعني: بَسَطَها على الماء، وجعلها فِراشًا ومِهادًا لجميع الخلق الذين بَثَّهُمْ فيها، ونصب الأرض بإضمار فعل؛ أي: وَضَعَ الأرضَ للأنام ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ يعني: جَعَلَ في الأرض أنواعَ الفاكهة وما يُتَفَكَّهُ به من ألْوانِ الثمار والنِّعَمِ التي لا تُحْصَى ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾ يعني أوْعِيةَ الثَّمَرِ، واحدها كُمٌّ، وأكْمامُها: اللِّيفُ المُلْتَفُّ المُسْتَدِيرُ عليها، التي تَخْرُجُ منها الثَّمَرةُ، فهي كالكُمِّ لها، وغِلَافُ كُلِّ شَيْءٍ: كُمُّهُ، وكل ما يَسْتُرُ شيئًا فهو كُمٌّ وكُمّةٌ، ومنه: كُمُّ القميص، ويقال لِلْقَلَنْسُوةِ: كُمّةٌ (٢)، قال الشاعر:
٣٠٩ - فَقُلْتُ لَهُمْ: كِيلُوا بِكُمّةِ بَعْضِكُمْ... دَراهِمَكُمْ، إنِّي كَذاكَ أكِيلُ (٣)
стр. 1236
قوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ قرأها العامة كُلَّها مرفوعةً عطفًا على الفاكهة، ونصبها ابن عامر كُلَّها على معنى: خَلَقَ الإنسانَ، وخَلَقَ هذه الأشياءَ، والوجه الرَّفع (١)، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصمًا: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ (٢) بالجر عطفًا على ﴿الْعَصْفِ﴾.
والحَبُّ: جَمِيعُ الحُبُوبِ، والعَصْفُ: وَرَقُ الزرع، قال ابن السكيت: تقول العرب لورق الزرع: العَصْفُ والعَصِيفةُ والجِلُّ بكسر الجيم (٣). قال عَلْقَمةُ بن عَبَدةَ:
٣١٠ - تَسْقِي مَذانِبَ قَدْ مالَتْ عَصِيفَتُها... حَدُورُها مِنْ أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ (٤)
стр. 1237
والرَّيْحانُ قيل: هو الرِّزْقُ في قول الأكثرين، وقيل: هو الرَّيْحانُ الذي يُشَمُّ (١)، قال الشاعر:
٣١١ - سَلَامُ الإلَهِ وَريحانُهُ... وَرَحْمَتُهُ وَسَماءٌ دِرَرْ (٢)
ثم خاطَبَ الجِنَّ والإنْسَ بلفظ التثنية على عادة العرب، فقال: ﴿فَبِأَيِّ
стр. 1238
﴿آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ (١)، نظيرها قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٢)، خاطَبَ الواحِدَ بلفظ الاثنين، وقد تقدم ذِكْرُهُ في سورة ق، ومعناه: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكذِّبانِ أيُّها الثَّقَلانِ.
والحكمة في تكرير هذه الآية في هذه السورة: تَقْرِيرٌ لِلنِّعْمةِ، وتَأْكِيدٌ في التذكير بها، على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع (٣)، والتكرار شائع في كلام العرب، حَسَنٌ في مثل هذا الموضع، قال الشاعر:
٣١٢ - كَمْ نِعْمةٍ كَانَتْ لَكُمْ، كَمْ كَمْ وَكَمْ (٤)
стр. 1239
وقال آخر:
٣١٣ - لَا تَقْطَعَنَّ الصَّدِيقَ ما طَرَفَتْ... عَيْناكَ مِنْ قَوْلِ كاشِحٍ أشِرْ
وَلَا تَمَلَّنَّ مِنْ زِيارَتهِ... زُرْهُ، وَزُرْهُ، وَزُرْ، وَزُرْ، وَزُرْ (١)
فَكَرَّرَ اللَّفْظَ فِي بَيْتٍ واحِدٍ مِرارًا تأكيدًا لِفَرْطِ العناية.
فصل
عن جابر ﵁ قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ على أصحابه سورة الرحمن فَسَكَتُوا، فقال: "لَقَدْ قَرَأْتُها على الجِنِّ لَيْلةَ الجِنِّ، فكانوا أحْسَنَ منكم، كُلَّما أتَيْتُ على قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ" (٢).
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ يعني آدم ﵇ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ تقدم تفسير الصلصال في سورة الحِجْرِ (٣)، والفَخّارُ هو
стр. 1240
الخَزَفُ الذي طُبخَ في النار، ومعناه: من طِينٍ يابسٍ كالخَزَفِ (١)، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ يعني أَبا الجِنِّ (٢) ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ وقال أبو عبيدة (٣): الجانُّ: واحِدُ الجِنِّ.
والمارِجُ: لَهَبٌ صافٍ لا دُخانَ فيه، وقيل: هو لِسانُ النّارِ الذي يكون في طَرَفِها إذا الْتَهَبَتْ، وهو أحْسَنُها، وقيل: هو ما اخْتَلَطَ بَعْضُهُ في بَعْضٍ من اللهب الأحمر والأخضر والأصفر الذي يَعْلُو النارَ إذا أُوقِدَتْ (٤)، وهو مأخوذ من قولهم: مَرَجَ الشَّيءُ: إذا اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، و"مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأماناتُهُمْ" (٥).
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ قيل (٦): إن لِلشَّمْسِ ثَلَاثَمِائةٍ وسِتِّينَ مَطْلِعًا فِي كل سنة، وثَلَاثَمِائةٍ وسِتِّينَ مَغْرِبًا، تَطْلُعُ في كل يوم في مَشْرِقٍ منها، ثم لا تَعُودُ إليه إلى قابِلٍ من ذلك، وتَغْرُبُ في كل يوم في مَغْرِبٍ منها، ثم لا تَعُودُ إليه إلى قابِلٍ من ذلك، وأراد بالمَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ هاهنا مَشْرِقَهُما
стр. 1241
في الشتاء، ومَشْرِقَهُما في الصيف، ومَغْرِبَهُما في الشتاء ومَغْرِبَهُما في الصيف، قاله ابن عباس (١).
وهو رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون بَدَلًا من المضمر الذي في "خَلَقَ"، ويجوز الخفض (٢) بمعنى: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبِّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبِّ الْمَغْرِبَيْنِ، ويجوز النصب بمعنى: أعْنِي (٣).
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾ أراد: في كل عام مَرّةً؛ أي: خَلَطَهُما، وقيل: أرْسَلَهُما، ومنه يقال: أمْرَجْتُ الدّابّةَ: إذا رَعَيْتَها، ومَرَجْتُ دابَّتِي: إذا خَلَّيْتَها تَرْعَى في المَرْجِ (٤).
وعَنَى بالبَحْرَيْنِ بَحْرَ فارِسَ والرُّومِ، وأحدهما عَذْبٌ، والآخَرُ مِلْحٌ ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ يعني حاجِزًا ومانِعًا من اللَّه تعالى ﴿لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾؛ أي: لا يَبْغِي أحَدُهُما على الآخر، فَيُغَيِّرُ هذا طَعْمَ هذا، ولا يَخْتَلِطانِ، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ قرأ أهل المدينة والبصرة: "يُخْرَجُ" (٥) بضم الياء وفَتْحِ
стр. 1242
الرّاءِ على غير تسمية الفاعل وهو الاختيار، من الإخْراجِ؛ لأنه يُخْرَجُ ولا يَخْرُجُ بِنَفْسِهِ، وقرأ الباقون على الضِّدِّ منهما على الاتِّساعِ، وذلك أنه إذا أُخْرِجَ خَرَجَ (١).
وقوله: "مِنْهُما" يعني: من البَحْرَيْنِ، قال أهل المعانِي: وإنما يُخْرَجُ من أحَدِهِما، وهو الِمْلُح دون العَذْبِ، ولكنَّ اللَّه تعالى ذَكَرَهُما وجَمَعَهُما، وهما بَحْرٌ واحدٌ، فإذا خَرَجَ من أحَدِهِما فقد خَرَجَ منهما، هذا قول الزَّجّاجِ (٢).
وقال أبو عَلِيٍّ الفارسيُّ (٣): أراد: من أحدهما، فحذف المضاف. وهذا جائز فِي كلام العرب أن يُذْكَرَ شيْئانِ، ثم يُخَصُّ أحَدُهُما بنِعْلٍ دون الآخَرِ، كقوله : ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٤)، والرُّسُلُ من الإنْسِ دون الجِنِّ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (٥)، وإنما هو في واحِدةٍ من السماوات.
وقوله: ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال الفراء (٦): اللُّؤْلُؤُ: ما عَظُمَ من الدُّرِّ، واحدتها لُؤْلُؤ، والمَرْجانُ: ما صَغُرَ. وهذا قول جميع أهل اللغة (٧).
стр. 1243
وقرأ أبو بكر بن عَيّاشٍ: "اللُّوْلُؤُ" بترك الهمزة الأولى (١) بناءً على أصله، قال جَبَلةُ بن عَدِيٍّ الكِنْدِيُّ الذي يقال له: الذّائِدُ:
٣١٤ - أذُودُ القَوافِيَ عَنِّي ذِيادا... ذِيادَ غُلَامٍ يُبَقِّي جِيادا
وَأعْزِلُ مَرجانَها جانِبًا... وَآخُذُ مِنْ دُرِّها المُسْتَجادا (٢)
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ يعني السُّفُنَ الجاريةَ في الماء ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ أي المرفوعات، والوجه فتح الشين، ومَنْ كَسَرَ (٣) أراد: المُنْشِئاتُ السَّيْرَ، أي: اللَّاتِي ابْتَدَأتْ وأنْشَأتِ السَّيْرَ ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾؛ أي: كالجِبالِ، والعَلَمُ: الجَبَلُ الطويل، ﴿الْجَوَارِ﴾ رفع على الخبر لِلَّامِ الزائدة.
стр. 1244
قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على الأرض ﴿فَانٍ (٢٦)﴾؛ أي: هالِكٌ، وهو ابتداء وخبر ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ أي: رَبُّكَ الظّاهِرُ بأدِلَّتِهِ ظُهُورَ الإنسانِ بوجهه ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ والعظمة والكبرياء ﴿وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾؛ أي: المُتَكَرِّمُ على أنبيائه وأوليائه بِلُطْفِهِ مع جلاله وعظمته، و"ذُو الجَلَالِ" نعت لـ "وَجْهُ رَبِّكَ".
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: يسأله مَنْ في السماوات المغفرةَ، ويسأله مَنْ في الأرض الرزقَ والمغفرةَ، لا يَسْتَغْنِي عنه أهْلُ السماء ولا أهْلُ الأرض ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ الشأنُ: الأمْرُ والحالُ، ومعناه أنه يُحْيِي ويُمِيتُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُغْنِي ويُفْقِرُ، ويُعافِي ويَبْتَلِي، ويَفُكُّ أسِيرًا ويَجْبُرُ كَسِيرًا، ويَغْفِرُ ذَنْبًا ويَكْشِفُ كَرْبًا، ويُجِيبُ داعِيًا ويُعْطِي سائِلًا، ويَفْعَلُ ما يشاء، لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عن شَأْنٍ، ونصب "كُلَّ يَوْمٍ" على الظرف.
فصل
عن عبد اللَّه بن مسعود قال: تَلا علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فقلنا: يا رسول اللَّه: ما ذلك الشأنُ؟ قال: "يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ قَوْمًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ" (١).
وعن ابن عباس ﵁ قال: "إن مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لَوْحًا من دُرّةٍ بَيْضاءَ، دَفَّتاهُ ياقوتة حمراء، قَلَمُهُ نُورٌ، وكتابه نور، يَنْظُرُ اللَّهُ فيه كُلَّ يَوْمٍ
стр. 1245
ثَلَاثَمِائةٍ وستين نَظْرةً، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١).
قيل (٢): نزلت هذه الآية في اليهود، حين قالوا: إن اللَّه لا يَقْضي يَوْمَ السبت شيئًا، فأنزل اللَّه : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ يعني الإنس والجن، قرأ عبد اللَّه بن مسعود وأُبَي بنُ كعب: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ (٣)، وقرأ الأعمش: ﴿سَيُفْرَغُ﴾ (٤) بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل، وقرأ الأعرج بفتح النون والراء (٥)، قال الكسائي (٦): هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بفتح الياء وضم الراء (٧)، واختاره أبو عبيد، اعتبارًا بقوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي
стр. 1246
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فَأتْبَعُوا الخَبَرَ الخَبَرَ، وقرأ الباقون بفتح النون وضم الراء (١)، واختاره أبو حاتم، وقرأ ابن عامر: ﴿أَيُّهُ الثَّقَلَانِ﴾ بضم الهاء، ومثله في النور والزخرف (٢).
ومعنى الآية: سَنَقْصِدُ لَكُمْ ونُجازِيكُمْ، وسَنُجازِيكُمْ على أعمالكم بما تَسْتَحِقُّونَ عليها أيُّها الثَّقَلَانِ، وليس معنى قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ عن شغل، وإنما هو من كلام العرب، تقول: سَأفْرُغُ لك، تريد بذلك تَوَعُّدًا وتَهَدُّدًا، أي: أقْصِدُ قَصْدَكَ (٣).
قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ الأقطار جمع قُطْرٍ، وهي الجوانب والنواحي والأطراف، وإنما قال: "إنِ اسْتَطَعْتُمْ"، وَلَمْ يقل: اسْتَطَعْتُما؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٥).
ورفع ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾ لأن معناه الإخبارُ دُونَ النَّهْيِ، بخلاف قوله تعالى:
стр. 1247
﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (١)، ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ (٢)، والباء في قوله: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ بمعنى "إلى"، يعني إلَّا إلى سلطان، في قول بعض المفسرين كقوله تعالى: "وَقَدْ أحْسَنَ بِي" (٣)؛ أي: إلَي، ومنه قول الشاعر:
٣١٥ - أسِيئِي بِنا، أوْ أحْسِنِي، لَا مَلُومةٌ... لَدَيْنا وَلَا مَقْلِيّةٌ إنْ تَقَلَّتِ (٤)
والسُّلْطانُ: الحُجّةُ والبُرْهانُ، وهو جِوارٌ يُعْطِي اللَّهُ أهْلَ الجَنّةِ، وقيل: معنى "إلّا بِسُلْطانٍ"؛ أي: بقدرة على ذلك، ولَمْ تُعْطَوْها، وقيل: إلّا بِمُلْكِي، حيث تَوَجَّهْتُمْ فثَمَّ مُلْكِي، وأنا أخَذْتُكُمْ بالموت، ومعنى السلطان القوة التي يُتَسَلَّطُ بها على الأمر، ثم المُلْكُ والقدرة والحجة والبرهان كلها سلطان.
ومعنى الآية: إن استطعتم أن تَهْرُبُوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات والأرض فاهْرُبُوا واخرجوا منها، ولن تستطيعوا ذلك، إنكم حيثما كنتم أدْرَكَكُم الموتُ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. . . الآية (٥).
стр. 1248
وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة، وفي الخبر أنه يُحاطُ على الخَلْقِ يوم القيامة بالملائكة وبِلِسانٍ من نار، ثم يُنادَوْنَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (١)، فذلك قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ يعني: على الجن والإنس ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾؛ أي: فلا تَمْتَنِعانِ من ذلك، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ أحَدًا، والشُّواظُ: القطعة من النار التي لا دُخانَ فيها، والنُّحاسُ: الدُّخانُ (٢)، قال النابغة:
٣١٦ - يُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السُّلِيـ... طِ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّه فِيهِ نُحاسا (٣)
стр. 1249
قرأ ابن كثير وابن أبِي إسحاق: "شِواظٌ" بكسر الشين، وقرأ غيرهما بالضم (١)، وهما لغتان مثل صِوارٍ وصُوارٍ (٢)، وهو اللَّهَبُ الذي لا دُخانَ فيه (٣)، قال حسان بن ثابت يهجو أُمَيّةَ بن أبِي الصَّلْتِ:
٣١٧ - هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ لَها بِذُلٍّ... بِقافِيةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ (٤)
و ﴿نُحاسٌ﴾ ويقرأ بالرفع والخفض، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر السين (٥)
стр. 1250
عطفًا على النار، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون بالرفع عطفًا على الشُّواظِ، واختاره أبو عبيد (١)، والمعنى: يُرْسَلُ عليكما شُواظٌ، ويُرْسَلُ نُحاسٌ؛ أي: يُرْسَلُ هذا مَرّةً وهذا مَرّةً، ويَجُوزُ أن يُرْسَلا مَعًا من غير أن يَمْتَزِجَ أحَدُهُما بالآخَرِ.
والرفع أقوى، والكَسْرُ ضعيف؛ لأنه لا يُمْكِنُ أن يُعْطَفَ به على "نارٍ" في قوله: "مِنْ نارٍ"؛ لأنه لا يكون شواظ من نحاس، قال أبو علي الفارسي (٢): وهذا يجوز من وَجْهٍ على أنّ تَقْدِيرَهُ: يُرْسَلُ عليكما شُواظٌ من نار وشَيْءٌ من نُحاسٍ، على أنه قد يُحْكَى أن الشُّواظَ لا يكون إلا من النارِ والدُّخانِ جميعًا، ونَحْوُ هذا حُكِيَ عن أبِي عمرو، وقال النابغة:
يُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيـ... طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه فِيهِ نُحاسا (٣)
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ فصارت أبوابًا لِنُزُولِ الملائكة ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ يعني: مُشْرِقةً، وقيل (٤): مُتَغَيِّرةً كَلَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، يكون في الربيع كُمَيْتًا أصْفَرَ، فإذا ضربه الشتاءُ يكون كُمَيْتًا أحْمَرَ، فإذا اشْتَدَّ الشتاءُ يكون كُمَيْتًا أغْبَرَ، فَشَبَّهَ السماءَ في تَغَيُّرِها عند انشقاقها بهذا الفرس في أوَّلِ تَلَوُّنِهِ.
стр. 1251
وقيل: تكون كالوَرْدِ الأحْمَرِ، وقيل (١): الدِّهانُ: الأدِيمُ الأحمرُ، وقال قتادة (٢): هي اليومَ خَضْراءُ كما تَرَوْنَ، ولها يوم القيامة لَوْنٌ آخِذٌ إلى الحُمْرةِ، "كالدِّهانِ" جمع دُهْنٍ، والدُّهْنُ ألْوانٌ، شَبَّهَ السماءَ بألوانه.
فصل
رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه مَرَّ على شابٍّ في جوف الليل وهو يقرأ هذه الآية: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾، فوقف الشّابُّ، وخَنَقَتْهُ العَبْرةُ، وجَعَلَ يقول: وَيْحِي من يَوْمٍ تَنْشَقُّ فيه السماءُ وَيْحِي! فقال النبي ﷺ : "والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لقد بَكَتِ الملائكةُ من بُكائِكَ" (٣).
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ قال الحَسَنُ: لا يُسْألُونَ عن ذُنُوبِهِمْ؛ لأن اللَّه تعالى عَلِمَها منهم وحَفِظَها عليهم، وكَتَبَتِ الملائكةُ أقْوالَهُمْ وأفْعالَهُمْ، فلا يُسْألُونَ سُؤالَ استفهام، ولكنْ يُسْألُونَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ.
قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ هو سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقةُ الأعْيُنِ ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ تُجْعَلُ الأقدامُ مَضْمُومةً إلى النَّواصِي مِنْ خَلْفٍ ويُلْقَوْنَ فِي النار، ثم يُقالُ لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾؛ أي: نَضِيجٍ حارٍّ، قد انتهى حَرُّهُ، ومعنى الآية أنهم يَسْعَوْنَ بين
стр. 1252
الجحيم والحميم، فإذا استغاثوا من النار جُعِلَ غِياثُهُم الحَمِيمَ الآنِيَ الذي قد صار كالمُهْلِ.
قال كعب الأحبار (١): هو وادٍ من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار، فَيُنْطَلَقُ بهم وهم في الأغلال، فَيُغْمَسُونَ في ذلك الوادي حتى تُخَلَّعَ أوصالُهُمْ، ثم يخرجون منه، وقد أحْدَثَ اللَّه تعالى لهم خَلْقًا جديدًا، فَيُلْقَوْن في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، وخفض الآنِي على النعت للحميم.
فصل
عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "والذي نفسي بيَدِهِ: لقد خُلِقَتْ ملائكةُ جهنم قبل أن تُخْلَقَ جَهَنَّمُ بألف عام، فهم كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُوَنَ قُوّةً إلى قُوَّتِهِمْ، حَتَّى يَقْبِضُوا على من قَبَضُوا عليه بالنواصي والأقدام" (٢). فنستجير باللَّه منهم ومن جهنم.
وعن مِرْدَويهِ الصّائِغِ (٣) قال: "صَلَّى بنا الإمامُ صلاةَ الصبح، فقرأ سورة الرحمن، ومعنا عَلِيُّ بنُ الفُضَيْلِ بنِ عِياضٍ (٤)، فلما قرأ الإمام: ﴿يُعْرَفُ
стр. 1253
الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾، خَرَّ مَغْشِيًّا عليه حتى فَرَغْنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا له: يا عَلِيُّ: أما سَمِعْتَ الإمامَ يقول: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾؟ قال: شَغَلَنِي عنها: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (١).
وكُلُّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تعالى من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ مَواعِظُ ومَزاجِرُ وتَهَدُّدٌ وتَخْوِيفٌ، وهي كلها نعمة من اللَّه تعالى لِلانْزِجارِ به عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٢).
ثم أعْلَمَ ما لِمَنِ اتَّقاهُ وخافه بقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ يعني منامه بين يَدَيْ رَبِّهِ للحساب، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣).
قيل (٤): نزلت هذه الآية في أبِي بكر الصديق ﵁، ومعنى قوله: "جَنَّتانِ"؛ أي: بُسْتانانِ من الياقوت الأحمر والزُّمُرُّدِ الأخضر، تُرابُهُما الكافور والعَنْبَرُ، وحَمْأتُهُما المِسْكُ الأذْفَرُ (٥)، كل بستان منهما مسيرة مائة عام، في وسط كل بستان دار من نور، وقال مقاتل: هما جَنّةُ عَدْنٍ وجَنّةُ النَّعِيمِ، وقال
стр. 1254
أبو موسى الأشعري (١): جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين.
فصل
عن أبِي الدَّرْداءِ قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فقلتُ: يا رسول اللَّه: وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ؟! قال: "وَإنْ زَنَى وَإنْ سَرَقَ، وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي الدَّرْداءِ" (٢).
ثم وصفهما فقال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾؛ أي: أغْصانٍ، وقيل: ألوان، وتثنية ذات: ذَواتا على الأصل، لأن أصل ذاتَ ذَوات، لكنْ حُذِفَت الواوُ تخفيفًا وللفرق بين الواحد والجمع، ودَلَّت التثنيةُ ورجوع الواو فيها على أصل الواحد (٣). وأفْنان جمع فنَنٍ على قول من جعل أفنانًا بمعنى أغصان، ومن جعل أفنانا بمعنى أجناس وأنواع يكون الواحد فَنًّا، وكان من حَقِّهِ أن يُجْمَعَ على فنونٍ (٤).
стр. 1255
قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ قيل: تجريان من جَبَلٍ من مِسْكٍ على أهل الجنة بالزيادة والكرامة من اللَّه تعالى، وقيل: تجريان بالماء الزُّلَالِ، إحداهما التَّسْنِيمُ، والأخرى السَّلْسَبيلُ، وقيل: إحداهما من ماء غَيْرِ آسِنٍ، والأخرى من خمر لَذّةٍ للشاربين ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾؛ أي: صِنْفانِ ونَوْعانِ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يعني: مُطْمَئِنِّينَ، والاتِّكاءُ: الطُّمَأْنِينةُ، والاسم منه: التُّكَاةُ ﴿عَلَى فُرُشٍ﴾ جمع فِراشٍ ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بِطانةٍ، وهي التي تحت الظِّهارةِ (١) ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غَلُظَ من الدِّيباجِ وخَشُنَ ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾ يعني: ثَمَرُها قَرِيبٌ، يَنالُهُ القائم والقاعد والمُضْطَجِعُ، ونصب "مُتَّكِئِينَ" على الحال.
قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعني: في الفُرُشِ التي ذكرها، ويجوز أن يكون في الجِنانِ؛ لأنها معلومة وإن لَمْ تُذْكَرْ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ غاضّاتُ الأعْيُنِ، قد قَصَرْنَ طَرْفَهُن على أزواجهن، فلا يَنْظُرْنَ إلى غيرهم، قال ابن زيد (٢): إنها تقول لزوجها: وَعِزّةِ رَبِّي ما أرى في الجنة شيئًا أحسنَ منك، فالحمد للَّهِ الذي
стр. 1256
جعلك زوجي، وجعلني زوجك، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾؛ أي: لَمْ يُجامِعْهُنَّ، ولَمْ يَفْتَرِعْهُنَّ، وقرأ الكسائي بِضَمِّ الميم هاهنا، وكَسَرَها في الثانِي كغيره (١)، قال الفراء (٢): الطَّمْثُ: الافْتِضاضُ، وهو النكاح بالتَّدْمِيةِ.
يقال (٣): طَمَثَ يَطْمُثُ ويَطْمِثُ، وطَمَثْتُ الجارِيةَ: إذا افْتَرَعْتَها، وأصله من الدَّمِ، ومنه قيل للحائض: طامِثٌ، كأنه قال: لَمْ يُدْمِهِنَّ أحَدٌ بالجِماعِ ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾، قال الشاعر:
٣١٨ - دُفِعْنَ إلَيَّ، لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي... وَهُنَّ أصَحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعامِ (٤)
стр. 1257
قال سَهْلٌ (١): مَنْ أمْسَكَ طَرْفَهُ في الدنيا عن اللَّذّاتِ عُوِّضَ في الآخرة القاصِراتِ، وقال أرْطاةُ بن المنذر (٢): سألتُ ضَمْرةَ بن حبيب (٣): هل لِلْجِنِّ من ثواب؟ قال: نعم، وقرأ هذه الآية، فالإنْسِيّاتُ لِلإنْسِ، والجِنِّيّاتُ لِلْجِنِّ (٤)، وفي هذه الآية دليل على أن الجن يَغْشَى كما يَغْشَى الإنسيُّ.
قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ قال قتادة (٥): أراد: لَهُنَّ صَفاءُ الياقوت
стр. 1258
في بَياضِ المَرْجانِ ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ ابتداء وخبر؛ أي: هل جزاء من قال: لا إله إلا اللَّه، وعَمِلَ بما جاء به محمد ﷺ إلّا الجنةُ؟
و"هَلْ" فِي كلام العرب على أربعة أوجه (١)، الأول: بمَعْنَى "قَدْ"، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٣) والثانِي: بمعنى الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ (٤)، والثالث: بمعنى الأمر كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٥)؛ أي: فانْتَهُوا، والرابع: بمعنى "ما" الجحدِ، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٦)، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٧)، والمعنى: ما جزاء مَنْ أحْسَنَ فِي الدنيا إلّا أن يُحْسَنَ إليه فِي الآخرة (٨).
فصل
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قرأ علينا رسول اللَّه ﷺ : "هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلَّا الإحْسانُ"، ثم قال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلمُ، قال: "يقول: هَلْ جَزاءُ مَنْ أنْعَمْتُ عليه بالتوحيد إلا الجنةُ"؟ (٩).
стр. 1259
وعن ابن عمر وابن عباس ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: "هَلْ جَزاءُ مَنْ أنْعَمْتُ عليه بِمَعْرِفَتِي وتَوْحِيدِي، إلا أنْ أُسكِنَهُ جَنَّتِي وحَظِيرةَ قُدْسِي بِرَحْمَتِي" (١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ يعني: من دون جَنَّتَيِ المُقَرَّبِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ في الفضل جَنَّتانِ، وهما جنة الفردوس وجنة المأوى.
ثم نعتهما، فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾؛ أي: دَهْماوانِ من شِدّةِ الخُضرةِ (٢)، مأخوذ من الدُّهْمةِ، وهو كل نبات أخضر، يقال: ادْهامَّ الزَّرْعُ: إذا عَلَاهُ السَّوادُ ريًّا ادْهِيْمامًا، فهو مُدْهامٌّ (٣) ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ نعت "عَيْنانِ"؛ أَي: فَوّارَتانِ بالماء لا ينقطع، والنَّضْخُ بالخاء المعجمة عند العرب: الرَّشُّ، والنَّضْحُ بالحاء المهملة: دونه (٤)، قيل (٥): ينضح المسك والعنبر على دورهم، كما ينضح المطر في دُورِ أهْلِ الدنيا.
стр. 1260
قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ الرُّطَبُ والرُّمّانُ من الفواكه، ولكنه ثَنَّى ذِكْرَهُما تَخْصِيصًا وتفضيلًا لهما، كقوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (١)، فذكر الملائكة، ثم أعادَ ذِكْرَ جبريلَ ومِيكالَ تخصيصًا وتفضيلًا لهما (٢).
قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعني: في الجِنانِ الأرْبَعِ ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ نعت "خَيْراتٌ" يعني: حِسانُ الوُجُوهِ والأخْلَاقِ، وأراد: خَيِّراتٌ فخفف، قرأه العامة بالتخفيف، وقرأ أبو رجاء العُطارِدِيُّ بالتشديد (٣)، وهما لغتان مثل هَيْنٍ وهَيِّنٍ، ولَيْنٍ ولَيِّنٍ.
فصل
عن أُمِّ سلَمةَ ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول اللَّه! أخْبِرْنِي عن قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾، قال: "خَيْراتُ الأخْلَاقِ حِسانُ الوُجُوهِ" (٤).
стр. 1261
ثم نَعَتَهُنَّ، فقال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ واحدتها حَوْراءُ، وهي البيضاء، وقوله: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾؛ أي: مَحْبُوساتٌ على أزواجهن ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ يعني: في الدُّرّةِ المُجَوَّفةِ، قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غير أزواجهن، والخِيامُ جمع خَيْمٍ، وخَيْمٌ جمع خَيْمةٍ (١)، وهي أعْوادٌ تُنْصَبُ وتُظَلَّلُ بالنبات، فتكون أبْرَدَ من الأخْبِيةِ، وأما خِيامُ الجنة فقد رَوَى قَتادةُ عن ابن عباس قال: الخَيْمةُ دُرّةٌ مُجَوَّفةٌ، فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، فيها أربعة آلاف مِصْراعٍ من ذهب (٢).
فصل
عن أبِي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الخَيْمةُ دُرّةٌ مُجَوَّفةٌ، طُولُها فِي السماء ستون مِيلًا، فِي كل زاوية منها أهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ، لا يراهم الآخرون" (٣).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَرَرْتُ لَيْلةَ أُسْرِيَ بِي بِنَهَرٍ
стр. 1262
حافَّتاهُ المَرْجانُ، فَنُودِيتُ منه: السلام عليك يا رسول اللَّه، فقلتُ: يا جبريلُ! مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء جَوارٍ من الحُورِ العِينِ، اسْتَأْذَنَّ رَبَّهُنَّ أن يُسَلِّمْنَ عليكَ فَأذِنَ لَهُنَّ، فَقُلْنَ: نحن الخالدات فلا نَمُوتُ، ونحن الناعمات فلا نَبْأسُ، أزْواجُ رِجالٍ كِرامٍ"، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾، قال: "مَحْبُوساتٌ" (١).
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾؛ أي: لَمْ يَطَأْهُنَّ ولَمْ يَقْرَبْهُنَّ ولَمْ يَمَسَّهُنَّ ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ يعني: قبل أهل الجنة ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ وقد تقدم نظيرها، قرأه العامّةُ بكسر الميم، وهي الاختيار، وقرأ أبو حَيْوةَ الشاميُّ وطلحة بن مُصَرِّفٍ بالضم في الموضعين، وكان الكسائي يَضُمُّ الأوَّلَ ويَكْسِرُ الآخَرَ (٢)، وهما لغتان.
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ الرَّفْرَفُ هاهنا قيل: هي رِياضُ الجنة، واحدتها رَفْرَفةٌ، والرَّفارِفُ جَمْعُ الجَمْعِ (٣)، وقيل: هي المَحابِسُ والبُسُطُ، وقيل: هي الوَسائِدُ، وقيل: الزَّرابِيُّ، وقيل: المَرافِقُ، وقيل: كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ عند العرب فهو رَفْرَفٌ (٤)، قال ابن مقبل:
стр. 1263
٣١٩ - وَإنّا لنزّالُونَ، تَغْشَى نِعالَنا... سَواقِطُ مِنْ أصْنافِ ريطٍ وَرَفْرَفُ (١)
ورُوِيَ عن عاصم الجَحْدَرِيِّ أنه قرأ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ (٢)، قال صاحب "إنسان العين" (٣): وقراءة "عَباقِرِيَّ" لا تُحْمَدُ؛ إذْ لا يكون بعد ألف الجمع ثلاثة أحرف وأربعة إلّا وفي الثانِي حرفُ لِينٍ نحو قَنادِيلَ، ووَجْهُهُ النِّسْبةُ نحو مَدائِنِيٍّ، و"خضر" جمع أخضر.
والعَبْقَرِيُّ: الطَّنافِسُ والزَّرابِيُّ (٤)، وهي جمع واحدتها عَبْقَرِيّةٌ، وقيل: هي الدِّيباجُ، وقال القُتَيْبِي (٥): كُلُّ ثَوْبٍ مُوَشًّى عند العرب عَبْقَرِيٌّ.
قال أبو عبيد (٦): هو منسوب إلى أرضٍ يُعْمَلُ بها الوَشْيُ. وقال أبو
стр. 1264
عبيد (١): كُلُّ شَيْءٍ من البُسُطِ عَبْقَرِيٌّ، ويقال: إن عَبْقَرَ أرْضٌ يسكنها الجِنُّ.
وقال قُطْرُبٌ (٢): ليس هو منسوبًا، ولكنه بمنزلة قولك: كُرسِيٌّ وكَراسِيَّ وبُخْتِيٍّ وبَخاتِيَّ. وقال الخليل (٣): كُلُّ شَيْءٍ جَلِيل نَفِيسٍ فاضِلٍ فاخِرٍ من الرجال وغيرهم عند العرب عَبْقَرِيٌّ، ومنه الحديث في عمر ﵁: "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ" (٤)، ونصب "مُتَّكِئِينَ" على الحال.
ثم خَتَمَ السورة بما ينبغي أن يُمَجَّدَ به ويُعَظَّمَ، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾؛ أي: الجليل الكريم، وفي الحديث: "ألِظُّوا بِياذا الجَلَالِ والإكْرامِ" (٥).
قرأ ابن عامر: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ (٦) بالواو إجراءً على الاسم، وذلك يَدُلُّ
стр. 1265
على أن الاسم هو المُسَمَّى (١)، وكذلك هو في قراءة أهل الشام وفي مصاحفهم، وقرأ الباقون: "ذِي الْجَلَالِ والإِكْرامِ" بالياء على نعت الرب، ولا خلاف في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ أنه بالواو، نَعْتٌ لِلْوَجِهِ، وقد تقدم، واللَّه أعلم.
* * *