ثم نَعَتَهُنَّ، فقال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ واحدتها حَوْراءُ، وهي البيضاء، وقوله: ﴿مَقْصُورَاتٌ﴾؛ أي: مَحْبُوساتٌ على أزواجهن ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ يعني: في الدُّرّةِ المُجَوَّفةِ، قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غير أزواجهن، والخِيامُ جمع خَيْمٍ، وخَيْمٌ جمع خَيْمةٍ (١)، وهي أعْوادٌ تُنْصَبُ وتُظَلَّلُ بالنبات، فتكون أبْرَدَ من الأخْبِيةِ، وأما خِيامُ الجنة فقد رَوَى قَتادةُ عن ابن عباس قال: الخَيْمةُ دُرّةٌ مُجَوَّفةٌ، فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، فيها أربعة آلاف مِصْراعٍ من ذهب (٢).
فصل
عن أبِي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الخَيْمةُ دُرّةٌ مُجَوَّفةٌ، طُولُها فِي السماء ستون مِيلًا، فِي كل زاوية منها أهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ، لا يراهم الآخرون" (٣).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَرَرْتُ لَيْلةَ أُسْرِيَ بِي بِنَهَرٍ
стр. 1262
حافَّتاهُ المَرْجانُ، فَنُودِيتُ منه: السلام عليك يا رسول اللَّه، فقلتُ: يا جبريلُ! مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء جَوارٍ من الحُورِ العِينِ، اسْتَأْذَنَّ رَبَّهُنَّ أن يُسَلِّمْنَ عليكَ فَأذِنَ لَهُنَّ، فَقُلْنَ: نحن الخالدات فلا نَمُوتُ، ونحن الناعمات فلا نَبْأسُ، أزْواجُ رِجالٍ كِرامٍ"، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾، قال: "مَحْبُوساتٌ" (١).
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾؛ أي: لَمْ يَطَأْهُنَّ ولَمْ يَقْرَبْهُنَّ ولَمْ يَمَسَّهُنَّ ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ يعني: قبل أهل الجنة ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ وقد تقدم نظيرها، قرأه العامّةُ بكسر الميم، وهي الاختيار، وقرأ أبو حَيْوةَ الشاميُّ وطلحة بن مُصَرِّفٍ بالضم في الموضعين، وكان الكسائي يَضُمُّ الأوَّلَ ويَكْسِرُ الآخَرَ (٢)، وهما لغتان.
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ الرَّفْرَفُ هاهنا قيل: هي رِياضُ الجنة، واحدتها رَفْرَفةٌ، والرَّفارِفُ جَمْعُ الجَمْعِ (٣)، وقيل: هي المَحابِسُ والبُسُطُ، وقيل: هي الوَسائِدُ، وقيل: الزَّرابِيُّ، وقيل: المَرافِقُ، وقيل: كُلُّ ثَوْبٍ عَرِيضٍ عند العرب فهو رَفْرَفٌ (٤)، قال ابن مقبل:
стр. 1263
٣١٩ - وَإنّا لنزّالُونَ، تَغْشَى نِعالَنا... سَواقِطُ مِنْ أصْنافِ ريطٍ وَرَفْرَفُ (١)
ورُوِيَ عن عاصم الجَحْدَرِيِّ أنه قرأ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ (٢)، قال صاحب "إنسان العين" (٣): وقراءة "عَباقِرِيَّ" لا تُحْمَدُ؛ إذْ لا يكون بعد ألف الجمع ثلاثة أحرف وأربعة إلّا وفي الثانِي حرفُ لِينٍ نحو قَنادِيلَ، ووَجْهُهُ النِّسْبةُ نحو مَدائِنِيٍّ، و"خضر" جمع أخضر.
والعَبْقَرِيُّ: الطَّنافِسُ والزَّرابِيُّ (٤)، وهي جمع واحدتها عَبْقَرِيّةٌ، وقيل: هي الدِّيباجُ، وقال القُتَيْبِي (٥): كُلُّ ثَوْبٍ مُوَشًّى عند العرب عَبْقَرِيٌّ.
قال أبو عبيد (٦): هو منسوب إلى أرضٍ يُعْمَلُ بها الوَشْيُ. وقال أبو
стр. 1264
عبيد (١): كُلُّ شَيْءٍ من البُسُطِ عَبْقَرِيٌّ، ويقال: إن عَبْقَرَ أرْضٌ يسكنها الجِنُّ.
وقال قُطْرُبٌ (٢): ليس هو منسوبًا، ولكنه بمنزلة قولك: كُرسِيٌّ وكَراسِيَّ وبُخْتِيٍّ وبَخاتِيَّ. وقال الخليل (٣): كُلُّ شَيْءٍ جَلِيل نَفِيسٍ فاضِلٍ فاخِرٍ من الرجال وغيرهم عند العرب عَبْقَرِيٌّ، ومنه الحديث في عمر ﵁: "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ" (٤)، ونصب "مُتَّكِئِينَ" على الحال.
ثم خَتَمَ السورة بما ينبغي أن يُمَجَّدَ به ويُعَظَّمَ، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾؛ أي: الجليل الكريم، وفي الحديث: "ألِظُّوا بِياذا الجَلَالِ والإكْرامِ" (٥).
قرأ ابن عامر: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ (٦) بالواو إجراءً على الاسم، وذلك يَدُلُّ
стр. 1265
على أن الاسم هو المُسَمَّى (١)، وكذلك هو في قراءة أهل الشام وفي مصاحفهم، وقرأ الباقون: "ذِي الْجَلَالِ والإِكْرامِ" بالياء على نعت الرب، ولا خلاف في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ أنه بالواو، نَعْتٌ لِلْوَجِهِ، وقد تقدم، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1266
سورة الواقعة
مكِّية
وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف، وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة، وست وتسعون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الواقِعةِ لَمْ تُصِبْهُ فاقةٌ أبَدًا" (١).
وعن أنَسٍ عن النبي ﷺ أنه قال: "عَلِّمُوا نِساءَكُمْ سُورةَ الواقِعةِ، فإنها سُورةُ الغِنَى" (٢)، وعن أُبَيِّ بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة الواقعة لَمْ يُكْتَبْ مِن الغافِلِينَ، وكان كَشاهِرٍ سَيْفَهُ فِي سبيل اللَّه" (٣).
وعن مسروق (٤) أنه قال: "من أراد أن يَعْلَمَ نَبَأ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وَنَبَأ
стр. 1267
أهْلِ الجَنّةِ، ونَبَأ أهْلِ النار، ونَبَأ الدنيا ونَبَأ الآخِرةِ، فَلْيَقْرَأْ سُورةَ الواقِعةِ".
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾؛ أي: إذا قامت القيامةُ، والواقعة: اسم للقيامة كالآزِفةِ وغيرها، و"إذا" في موضع نصب لأنها ظرف زمان، والعامل فيها "وَقَعَت"؛ لأنها تُشْبِهُ حُرُوفَ الشرط، وإنما يَعْمَلُ فيها ما بعدها (١).
قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ اسم "لَيْسَ"؛ أي: ليس لِمَجِيئها وظهورها تَكذِيبٌ، وهو اسم مصدر كالعافية والنازلة والعاقبة، قاله الفراء (٢)، وقال الكسائي (٣): هو بمعنى الكذب، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ (٤)؛ أي: لَغْوًا، ومنه قول العامّةِ: عائِذًا باللَّه؛ أي: مَعاذَ اللَّهِ، وقُمْ قائِمًا؛ أي: قُمْ قِيامًا، ولبعض نساء العرب تُرَقِّصُ ابْنَها:
٣٢٠ - قُمْ قائِمًا قُمْ قائِما
стр. 1268
أصَبْتَ عَبْدًا نائِما (١)
قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ تَخْفِضُ المُتَكَبِّرِينَ إلى النار، وتَرْفَعُ المُتَواضِعِينَ إلى الجنة، يقال: خَفَضَتْ فَأسْمَعَت القريبَ، ورَفَعَتْ فَأسْمَعَت البعيدَ، وهو رفعٌ على إضمار مبتدأ محذوف؛ أي: هي خافضة رافعة، وهذه قراءة العامة، ومَنْ قَرَأ بالنصب (٢)، وهي قراءة اليَزِيدِيِّ (٣)، فَعَلَى الحال من "الواقِعةٌ"، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الحال في أكثر أحوالها إنما تكون لِما يُمْكِنُ أن يكون، ويُمْكِنُ ألَّا يكون، والقيامة لا شَكَّ فيها أنها تَرْفَعُ قومًا إلى الجنة، وتَخْفِضُ آخَرِينَ إلى النار، لا بُدَّ من ذلك، فلا فائدة في الحال، وقد أجازه الفراء على
стр. 1269
إضمار: وَقَعَتْ خافِضةً رافِعةً (١)، هكذا ذكره المَكِّيُّ في مُشْكِلِهِ (٢).
وقال ابن الأنباري (٣): وذلك أن تَنْصِبَهُما على مذهب المدح، كما تقول: جاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ العاقِلَ، وأنت تمدحه، وكذلك: كَلَّمَنِي زيدٌ الفاسِقَ، وأنت تَذُمُّهُ.
قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ مصدر؛ أي: إذا زُلْزِلَت الأرضُ زِلْزالًا فَتَحَرَّكَت بأهلها، وكل ما زُعْزِعَ فقد رُجَّ، وكل ما اضطرب حتى سُمِعَ فقد رُجَّ، وصَوْتُهُ رَجَّتُهُ (٤)، ومنه قولهم: السَّهْمُ يَرْتَجُّ فِي الغَرَضِ؛ أي: يَهْتَزُّ ويَضْطَرِبُ.
قال المفسرون (٥): تَرْتَجُّ الأرْضُ كما يَرْتَجُّ الصَّبِيُّ فِي المَهْدِ، حتى يَتَهَدَّمَ كُلُّ بِناءٍ عليها، ويَتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عليها من الجبال وغيرها، وأصل الرَّجِّ في اللغة: التَّحْرِيكُ، يقال: رَجَجْتُهُ فارْتَجَّ، فإن ضاعَفْتَهُ قُلْتَ: رَجْرَجْتُهُ فَتَرَجْرَجَ.
قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾؛ أي: فتِّتَتْ فَتًّا، وَلُتَّتْ لَتَّا، كما يُبَسُّ السَّوِيقُ ويُلَتُّ (٦)، قال الشاعر:
стр. 1270
٣٢١ - فانْبَسَّ حَيّاتُ الكَثِيبِ الأهْيَلِ (١)
والبَسِيسةُ عند العرب: الدقيق أو السَّوِيقُ يُلَتُّ ويُتَّخَذُ زادًا (٢)، وذُكِرَ عن لِصٍّ من غَطَفانَ أنه أراد أن يَخْبِزَ، فَخافَ أن يُعَجَّلَ عن الخَبْزِ، فقال:
٣٢٢ - لَا تَخْبِزا خُبْزًا وَبُسّا بَسّا
وَلَا تُطِيلَنْ بِمُناخٍ حَبْسا (٣)
وقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾؛ أي: كالهَباءِ، وهو الغُبارُ المُنْبَثُّ
стр. 1271
المُتَفَرِّقُ الأجزاءِ، وقيل: الْهَباءُ: هو الذي يُرَى مع الشمس، وقيل: هو ما تَطايَرَ من شَرَرِ النار، قرأه العامة: ﴿مُنْبَثًّا﴾ بالثاء؛ أي: متفرقًا، وقرأه النخعي بالتاء (١)؛ أي: مُنْقَطِعًا.
ثم ذكر أحوال الناس، فقال: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ يعني أصنافًا ثلاثة، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض: أزْواجٌ، كما يقال لِلْخُفَّيْنِ: زَوْجانِ (٢).
ثم أخْبَرَ عنهم فقال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ يعني: الذين يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليمين إلى الجنة، وقيل: هم الذين يُعْطَوْنَ كُتبهُمْ بِأيْمانِهِمْ، واليمين صفة لكل خير وسعادة، وهي بِشارةٌ لهم بالجنة والكرامة.
ثم عَجَّبَ نَبيَّهُ ﵇، فقال: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾؛ أي: ماذا من الخير لأصحَاب الميمنة؟ فالأصحاب الأوَّلُونَ مرفوعون بما عاد من الأصحاب الآخرين، وهو رفع بالابتداء، و"ما" -أيضًا- محله رفع بالابتداء، و"أصحاب الميمنة" خبره، وهما جميعًا خبر المبتدأ الأول (٣)، و"ما" حرف تعجب (٤)، ومثله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٥)، وهذا كما يقال: زَيْدٌ ما زَيْدٌ أراد: زَيْدٌ شَدِيدٌ (٦).
стр. 1272
قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ يعني أصحاب الشِّمالِ، وهم المَشائِيمُ على أنفسهم ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾؛ أي: ما لأصحاب المشأمة من الشَّرِّ، والمشأمة صفة لكل شر وشقاوة، وهي بشارة لهم بالنار والخِزْيِ والهَوانِ، والعرب تسمي اليَدَ اليُسْرَى شُؤْمَى (١)، قال الشاعر:
٣٢٣ - السُّمُّ والشَّرُّ فِي شُؤْمَى يَدَيْكَ لَهُمْ.. وَفِي يَمِينِكَ ماءُ المُزْنِ والضَّرَبُ (٢)
وكذلك تُسَمِّي الجانِبَ الأيْسَرَ: الأشْأمَ، ومنه اليُمْنُ والشُّؤْمُ، فاليُمْنُ كأنه ما جاء عن اليَمِينِ، والشُّؤْمُ ما جاء عن الشِّمالِ، ومنه الشّامُ واليَمَنُ (٣)؛ لأن اليَمَنَ على يَمِينِ الكعبة، والشّامُ على شِمالِها إذا دَخَلْتَ الحِجْرَ تَحْتَ المِيزابِ (٤)، وهم الذين يُؤْخَذُ بهم ذات الشمال إلى النار، وقيل: هم الذين يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمائِلِهِمْ، وقيل: هم المَشائِيمُ على أنفسهم، وكانت أعمارهم فِي المعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ يعني: إلى الجنة فِي أوَّلِ زُمْرةٍ، وهم السابقون في الدنيا إلى الخَيْراتِ، وقيل: هم أوَّلُ الناس رَواحًا إلى المسجد، وأوَّلُهُمْ خُرُوجًا في سبيل اللَّه، وقيل: السابقون إلى إجابة الرسول في الدنيا، هم السابقون إلى الجنة في العُقْبَى.
стр. 1273
و"السّابِقُونَ" الأول رفع بالابتداء، والثانِي توكيد، ويكون الخبر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ (١) يريد: إلى جَزِيلِ ثَوابِ اللَّه وعَظِيمِ كَرامَتِهِ مثل النبيين والمرسلين والشهداء والصالحين، ثم أخْبَرَنا أين محلهم فقال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ على الجمع.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجَنّةُ لَبِنةٌ من فِضّةٍ، ولَبِنةٌ من ذَهَبٍ، تُرابُها الزَّعْفَرانُ، وطِينُها المِسْكُ، خَلَقَها اللَّهُ تعالى بِيَدِهِ، وخَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ" (٢).
وعن كعبٍ فِي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، قال: "هُمْ أهْلُ القرآن، وهم المُتَوَّجُونَ يومَ القيامة" (٣).
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ قال الزَّجّاجُ (٤): المعنى: هُمْ ثُلّةٌ من
стр. 1274
الأوَّلِينَ، يعني: من الأُمَمِ الماضية ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ يعني: من أمة محمد ﷺ : والثُّلّةُ غير محصورة العَدَدِ، وهي الفِرْقةُ من الناس، وجمعها ثُلَلٌ، واشتقاق الثُّلّةِ من القطعة، والثَّلُّ: الكَسْرُ والقَطْعُ، والثُّلّةُ نحو الفِئةِ والفِرْقةِ والقِطْعةِ (١).
وقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾؛ أي: مَنْسُوجةٍ مُشَبَّكةٍ بالذَّهَبِ والفِضّةِ والياقُوتِ والجَوْهَرِ واللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ، قد أُدْخِلَ بَعْضُها فِي بعض، كما تُوضَنُ حِلَقُ الدِّرْعِ بَعْضُها في بعض مُضاعَفةً (٢)، قال الأعشى:
٣٢٤ - وَبَيْضاءَ كالنِّهْيِ مَوْضُونةً... لَها قَوْنَسٌ فَوْقَ جَيْبِ البَدَنْ (٣)
وإنما سَمَّتِ العربُ وَضِينَ الناقة وَضِينًا لأنه منسوج (٤).
والسُّرُرُ جمع سرير، قال الكلبي (٥): طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا
стр. 1275
أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ يعني: في الزيارة، لا ينظر بعضُهم في قَفا بَعْضٍ، وهما منصوبان على الحال.
قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ غِلْمانٌ لا يموتون ولا يَهْرَمُونَ ولا يَكْبُرُونَ، مُنَعَّمُونَ مُقَرَّطُونَ، قال المُؤَرِّجُ (١): يقال لِلْقُرْطِ: الخَلَدُ، ومنه قولهم: خَلَّدَ جارِيتَهُ: إذا حَلَّاها بالخِلَدِ وهي القِرَطةُ، قال الشاعر:
٣٢٥ - وَمُخَلَّداتٍ بِاللُّجَيْنِ، كَأنّما... أعْجازُهُنَّ أقاوِزُ الكُثْبانِ (٢)
وقيل (٣): هُمْ وِلْدانُ أهْلِ الدنيا، لَمْ يكن لهم حسنات فَيُثابُوا عليها، ولا سَيِّئاتٌ فَيُعاقَبُوا عليها، لأن الجنة لا وِلَادةَ فيها، وفِي الحديث: "أطْفالُ الكُفّارِ خَدَمُ أهْلِ الجَنّةِ" (٤).
стр. 1276
وقوله: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ جمع كُوبٍ، وهي الأقداح المستديرة الأفْواهِ، لا آذانَ لها ولا عُرًى ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ جمع إبْرِيقٍ، وهي ذات الخراطيم، سُمِّيَتْ بذلك لِبَرِيقِ لونها من صفائها، ولَمْ ينصرف "أبارِيقَ"؛ لأنه جمع لا نظير له في الواحد (١) ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾؛ أي: خمر جارية، والكأس: الخمر، والمعين: الجاري.
قال الضحاك (٢): كل كَأْسٍ فِي القرآن فهي الخَمْرُ، وقوله: "مِنْ مَعِينٍ" قال قتادة (٣): يعني: من خَمْرٍ تُرَى بالعُيُونِ، وقيل (٤): تَجْرِي من العيون.
قوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ يعني: لا تُصَدَّعُ رُؤُوسهُمْ من شربها، ولا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ؛ أي: لا يَسْكَرُونَ كَفِعْلِ خَمْرِ أهْلِ الدنيا إذا شَرْبُوها، فهي كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ (٥)، وقرأ الكوفيون: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ (٦) بكسر الزاي، والمعنى: لا تَفْنَى خَمْرُهُمْ.
стр. 1277
قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾ يعني: مما يختارون من ألوان الفواكه، يقال: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ: إذا أخَذْتَ خَيْرَهُ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ قال ابن عباس: "يَخْطُرُ على قلبه الطَّيْرُ، فَيَصِيرُ مُمَثَّلًا بين يديه على ما اشْتَهَى" (١).
فصل
عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن فِي الجنة لَطَيْرًا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صَحْفةِ الرَّجُلِ من أهل الجنة، ثم يَنْتَفِضُ فَيَخْرُجُ من كل ريشة لَوْنٌ أبيضُ مِثْلُ الثَّلْجِ والبَرَدِ، وألْيَنُ من الزُّبْدِ، وأعذب من الشَّهْدِ، ليس فيه لون يُشْبِهُ صاحِبَهُ، ثم يطير فيذهب" (٢).
قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾؛ أي: بِيضٌ عِينٌ كِبارُ الأعْيُنِ، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمُفَضَّلُ بكسر الراء والنون (٣)، أتْبَعُوا آخِرَ الكلام في الإعراب على أوَّلِهِ في اللَّفْظِ دون المعنى؛ لأن الحُورَ لا يُطافُ بِهِنَّ، كقول الشاعر -الحُطَيْئةِ-:
٣٢٦ - إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْمًا... وَزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا (٤)
стр. 1278
فعطف العيون على الحواجب، والعَيْنُ لا تُزَجَّجُ وإنما تُكَحَّلُ، والمعنى: وكَحَّلْنَ العُيُونَ، كذلك هاهنا، معناه: ويُكْرَمُونَ بفاكهةٍ ولَحْمِ طَيْرٍ وحُورِ عِينٍ (١)، ويجوز أن يكون خفضا على تقدير: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢).
وقرأ النَّخْعِيُّ وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "وَحُورًا عِينًا" (٣) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أُبَيٍّ، عَلَى معنى: ويُزَوَّجُونَ حُورًا عِينًا (٤)، قال صاحب "إنسان
стр. 1279
العين" (١): النصب على تقدير: يُعْطَوْنَ حُورًا، والخفض على الجِوارِ، نحو قول الشاعر:
٣٢٧ - كَبِيرُ أُناسٍ فِي بِجادٍ مُزَمَّلِ (٢)
وحَكَى الفَرّاءُ أن من العرب من يقول: "حِيرٌ عِينٌ" على الإتْباعِ (٣)، وقرأ الباقون بالرَّفع على معنى: ولهم أو وعندهم حُورٌ عِينٌ (٤)، وقيل: هو ابتداء
стр. 1280
وخبره فيما بعده (١)، وقيل (٢): معناه: ويَطُوفُ عليهم حُورٌ عِينٌ.
﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ يعني: المَخْزُونِ فِي الصَّدَفِ الذي لا تَمَسُّهُ الأيدي ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ يعني: ثَوابًا، وهو نصب على المفعول له، معناه: نفعل ذلك لَهُمْ جزاءَ أعمالِهِمْ، وقيل: على المصدر؛ أي: نَجْزِيهِمْ بذلك جَزاءَ أعمالهم (٣).
فصل
عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سَطَعَ نُورٌ فِي الجنة، قالوا: ما هذا؟ قالوا: ضَوْءُ ثَغْرِ حَوْراءَ ضَحِكَتْ فِي وَجْهِ زَوْجِها" (٤).
ويُرْوَى أن الحَوْراءَ إذا مَشَتْ سُمِعَ تَقْدِيسُ الخَلَاخِلِ من ساقِها، وتَمْجِيدُ الأسْوِرةِ من ساعِدَيْها، وإنّ عِقْدَ الياقُوتِ يَضْحَكُ من نَحْرِها، فِي رِجْلَيْها نَعْلَانِ من ذَهَبٍ شِراكُهُما من لُؤْلُؤٍ يَصِرّانِ بالتسبيح (٥).
قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ هو يعني: في الجنة ﴿لَغْوًا﴾ يعني: باطلًا ﴿وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥)﴾ أي: لا يتكلمون بالإثم ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ،
стр. 1281
وقيل: تُسَلِّمُ عليهم الملائكةُ، وفِي نصبهما وجهان (١)، أحدهما: إتْباعٌ لِلْقِيلِ؛ أي: لَكِنْ يقولون قِيلًا سَلامًا، والثانِي: بإضمار فِعْلٍ؛ أي: بل يَسْمَعُونَ سَلَامًا، وقيل: هما منصوبان على المصدر (٢)، وقيل (٣): على الاستثناء و ﴿سَلَامًا﴾ يكون نعتًا لقِيلٍ؛ أي: إلّا قِيلًا يُسْلَمُ فيه من الصِّياحِ والصَّخَبِ وما يُؤْثَمُ فيه.
ثم رجع إلى ذِكْرِ منازل أصحاب الميمنة، فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾؛ أي: ماذا لهم؟ وما أعَدَّ اللَّهُ لهم من الكرامة؟ وفِي معنى أصحب اليمين ثلاثة أقوال (٤)، أحدها: أنه قيل لهم: أصحاب اليمين لأنهم أُعْطُوا كُتُبَهُمْ بأيْمانِهِمْ، والثانِي: لأنه يُؤْخَذُ بهم يوم القيامة ذاتَ اليَمِينِ، وذلك أمارةُ مَنْ نَجا، والثالث: أنهم الذين أقسم اللَّه تعالى أن يُدْخِلَهُم الجنةَ.
وقوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ يعني: لا شَوْكَ فيه، قد خُضِدَ شَوْكُهُ؛ أي: قُطِعَ (٥)، قال أُمَيّةُ بن أبِي الصَّلْتِ فِي وصف الجنة:
٣٢٨ - إنّ الحَدائِقَ فِي الجِنانِ ظَلِيلةٌ... فِيها الكَواعِبُ سِدْرُها مَخْضُودُ (٦)
стр. 1282
قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾؛ أي: مُتَراكِمٍ قد نُضِدَ بالحَمْلِ من أوله إلى آخره، والطَّلْحُ جمع طَلْحةٍ، وهو المَوْزُ، والسِّدْرُ المَخْضُودُ هو النَّبِقُ الذي لا شَوْكَ فيه، كأنه خُضِدَ شَوْكُهُ أي: قُطِعَ ونُزِعَ، ومنه الحديث فِي المدينة: "لا يُخْضَدُ شَوْكُها، ولا يُعْضَدُ شجَرُها" (١). وقيل (٢): الطَّلْحُ: هو من أعظم أشجار العرب كثير الشوك، قال بعض الحُداةِ:
٣٢٩ - سَيَّرَها دَلِيلُها وَقالا
غَدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والحِبالا (٣)
قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾؛ أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تَنْسَخُهُ الشمسُ، كَظِلِّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (٤)، والعرب تقول لكل شيء
стр. 1283
طويل لا ينقطع: مَمْدُودٌ، قال لبيد:
٣٣٠ - غَلَبَ العَزاءَ، وَكَانَ غَيْرَ مُغَلَّبٍ... دَهْرٌ طَوِيلٌ دائِمٌ مَمْدُودُ (١)
قيل: هو مسيرة سبعين ألف سنة، وقيل: هو ظِلُّ العَرْشِ، وقال ابن عباس ﵁: "هي شجرة في الجنة على ساق العرش، يَخْرُجُ إليها أهْلُ الجنة: أهْلُ الغُرَفِ وغَيْرُهُمْ، فيتحدثون في أصلها، ويُذاكِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ويشتهي بعضهم لَهْوَ الدنيا، فَيُرسِلُ اللَّهُ إليها رِيحًا من الجنة، فتتحرك تلك الشجرةُ بكل لَهْوٍ كان في الدنيا" (٢).
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن فِي الجنة شجرةً، يسير الراكب في ظِلِّها مائة سنة لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم قول اللَّه : ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (٣).
стр. 1284
قوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾؛ أي: مَصْبُوبٍ يجري دائمًا في غَيْرِ أُخْدُودٍ، لا ينقطع ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ بالأزمان ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ بالأثمانِ، قال قتادة (١): لا يَمْنَعُ منها شَوْكٌ ولا بُعْدٌ، رُوِيَ عن ثَوْبانَ (٢) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما قُطِعَتْ ثَمَرةٌ من ثِمارِ الجنة إلّا أبْدَلَ اللَّهُ مَكانَها ضِعْفَيْنِ" (٣)، قال الصَّفّارُ (٤): و ﴿مَقْطُوعَةٍ﴾ نعت، وجاز أن يفرق بين النعت والمنعوت بقولك: "لا" لكثرة تصرفها، وأنها تقع زائدة.
قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ يعني: على الأسِرّةِ، بعضُها فوق بعض عالية، رُوِيَ عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ وأبِي هريرة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ فِي قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾، قال: "إنّ ارتفاعَها لَكَما بين السماء والأرض، مسيرةَ خمسمائة عام" (٥)، وقيل (٦): إنه أراد بالفُرُشِ النَّسْلَ، والعرب تسمي المرأةَ
стр. 1285
فِراشًا ولباسًا وإزارًا على الاستعارة؛ لأن الفُرُشَ مَحْمَلُ النساء، وقوله: "مَرْفُوعةٍ" رُفِعَتْ بالجَمالِ والفَضْلِ على نساء أهل الدنيا، ودليل هذا التأويل قولُهُ تعالى في عقبه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ يعني مُؤْمِناتِ نِساءِ أهْلِ الدنيا؛ أي: خَلَقْناهُنَّ بعد الخَلْقِ الأوَّلِ خَلْقًا آخَرَ ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ عَذارَى ﴿عُرُبًا﴾ جمع عَرُوبٍ، وهي المُتَحَسِّنةُ المُتَحَبِّبةُ إلَى زوجها، العاشقة له الغَنِجةُ.
قال صاحب "إنسان العين" (١): العَرُوبُ: التي يُعْرِبُ لِسانُها على ما فِي قلبها، فهي التي تُكَلِّمُ زَوْجَها بما يُنَشِّطُ فِي الجِماعِ، قال الشاعر:
٣٣١ - يَعْرُبْنَ عِنْدَ بُعُولِهِنَّ إذا خَلَوْا... وَإذا هُمُ خَرَجُوا فَهُنَّ خِفارُ (٢)
قرأ حَمْزةُ وأبو بكر بنُ عَيّاشٍ: ﴿عُرْبًا﴾ (٣) ساكنة الراء، وقرأ الباقون بالتحريك، وقوله: ﴿أَتْرَابًا (٣٧)﴾ يعني: مُسْتَوْياتٍ فِي السِّنِّ، كأنهن وُلِدْنَ في
стр. 1286
يوم واحد، مأخوذ من لَعِبِ الصبيان بالتراب، وقوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ يريد: أنْشَأْناهُنَّ لأصحاب اليمين.
فصل
عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة الصالحة تفوق الحُورَ سبعين ضِعْفًا، إذا كانت صالحةً مسلمةً" (١).
وعن أبِي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يَدْخُلُ أهْلُ الجَنّةِ الجَنّةَ جُرْدًا مُرْدًا بِيضًا جِعادًا (٢) مُكَحَّلِينَ أبْناءَ ثَلَاثٍ وثَلَاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ، طوله ستون ذراعًا فِي سبعة أذرع" (٣).
ثم ذكر اللَّه تعالى أصحاب الشِّمالِ، وذكر منازلهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ﴾؛ أي: في رِيحٍ حارّةٍ أو بارِدةٍ تعمل عَمَلَ السُّمِّ ﴿وَحَمِيمٍ (٤٢)﴾ ماء حارٍّ يَغْلِي ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ من دخان جهنم، واليَحْمُومُ: "يَفْعُولٌ" من الأحَمِّ وهو الأسْوَدُ، والعرب تقول: أسْوَدُ يَحْمُومٌ: إذا كان شديد السواد (٤).
стр. 1287
وقيل (١): اليَحْمُومُ: نار شديدة السواد، يَغْلِبُها الدُّخانُ، مأخوذ من الحَمِّ، وهو الشَّحْمُ المُسَوَّدُ بالاحتراق، قال قُطْرُبٌ:
٣٣٢ - وَماءٍ قَدْ شَرِبْتُ بِبَطْنِ قِدْرٍ... فُراتِ المَدِّ كاليَحْمُومِ جارِي (٢)
وقال ابن بُرَيْدةَ (٣): اليَحْمُومُ: جَبَلٌ في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار.
ثم نعت ذلك الظِّلَّ، فقال: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر، قال الفراء (٥): العرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نَفَتْ عنه وَصْفًا تَنْوِي به الذَّمَّ، تقول: ما هو بِسَمِينٍ ولا كَرِيمٍ، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة.
ثم ذكر أعمالهم التي أوْجَبَتْ لهم هذا العذابَ، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ يعني: في الدنيا ﴿مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ مُنَعَّمِينَ مُتَكَبِّرِينَ في تَرْكِ أمْرِ اللَّه والعمل بطاعته ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ يعني: يقيمون على الذنب الكبير، وهو الشرك.
стр. 1288
وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله تعالى ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون بفتحه (١)، واختاره أبو عبيد، قال المبرد (٢): الفتح على أصل المصدر، والضم اسم للمصدر، والمعنى فيهما واحد، تقول: شَغَلَهُ شَغْلًا، والاسم الشُّغْلُ، وضَعُفَ ضَعْفًا، والاسم الضُّعْفُ.
وبعدهما لغتان جيدتان، تقول العرب: شَرِبْتُ شُرْبًا وشُرُوبًا بالضم (٣)، وشُرُبًا بضمتين، ومن العرب من يقول: شَرِبْتُ شِرْبًا (٤) بكسر الشين، وكلها لغات جاءت عن العرب، والتقدير: فَشارِبُونَ شُرْبًا مِثْلَ شُربِ الهِيمِ، فحذف المصدر (٥)، قال الشاعر:
٣٣٣ - شَكَّ الفَرِيصةَ بِالمِدْرَى فَأنْفَذَها.. شَكَّ المُبَيْطِرِ إذْ يَشْفِي مِنَ العَضَدِ (٦)
стр. 1289
وأما الهِيمُ فهي الإبِلُ العِطاشُ (١)، وقيل (٢): هو داءٌ بالإبل لا تَرْوَى معه، ولا تزال تشرب حتى تَهْلِكَ، ويقال لذلك الداء: الهُيامُ، والْهِيمُ جمع هَيْماءَ وأهْيَمَ، ويقال: جَمَلٌ أهْيَمُ وناقةٌ هَيْماءُ وإبِلٌ هِيمٌ، وقد أجاز الفراء أن يكون الهِيمُ جمع هائِمٍ (٣)، قال مقاتل (٤): يُلْقَى على أهل النار العَطَشُ، فيشربون -أراد: من الحميم- كشرب الهيم ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ يعني: ما ذُكِرَ من الزَّقُّومِ وشرب الحميم عذابُهُمْ ﴿يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ يعني: يَوْمَ يُجازَوْنَ بأعمالهم.
стр. 1290
ثم احتج عليهم في البعث بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: خلقناكم ولَمْ تكونوا شيئًا، وأنتم لا تعلمون ذلك ﴿فَلَوْلَا﴾؛ أي: فَهَلّا ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾ بالبعث.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾؛ أي: تَصُبُّونَ في أرحام النساء من النُّطَفِ ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ بَشَرًا ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ استفهام إنكار ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ منكم من يموت كبيرًا، ومنكم من يموت صغيرًا، وقيل: تقديره أنه جَعَلَ أهل السماء وأهل الأرض فيه سواءً، وعلى هذا يكون معنى "قَدَّرْنا" قَضَيْنا، وقرأ ابن كثير: ﴿قَدَرْنا﴾ (١) مخففًا، وهما لغتان، يقال: قَدَرْتُ الشَيءَ وقَدَّرْتُهُ (٢) ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾؛ أي: بمَغْلُوبِينَ ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾؛ أي: نأتِي بِخَلْقٍ مِثْلِكم بَدَلًا منكم ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ من الصُّوَرِ؛ أي: نجعل منكم القِرَدةَ والخَنازِيرَ، ولَمْ يَفُتْنا ذلك ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ يعني ابتداء الخَلْقِ حين خُلِقْتُمْ من نُطْفةٍ وعَلَقةٍ ومُضْغةٍ ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾؛ أي: فَهَلَّا تَتَّعِظُونَ، فلا تُنْكِرُوا قدرة اللَّه على النشأة الأخيرة، قرأ أبو عمرو وابن كثير والحسن: "النَّشاءةَ" بالمَدِّ حيث وقع، وقرأ الباقون بالقصر (٣)، وهما لغتان فصيحتان.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾؛ أي: تُثَيرُونَ الأرضَ وتعملون فيها وتُلْقُونَ فيها من البَذْرِ ﴿أَأَنْتُمْ﴾ ابتداء ﴿تَزْرَعُونَهُ﴾ خبره؛ أي: تُنْبِتُونَهُ،
стр. 1291
استفهام إنكار ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ المنبتون، قال المبرد (١): يقال: زَرَعَهُ اللَّهُ؛ أي: أنْماهُ.
ورَوَى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: زَرَعْتُ، ولْيَقُلْ: حَرَثْتُ"، قال أبو هريرة: ألَمْ يسمعوا قول اللَّه : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢).
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ يعني: هَشِيمًا يابِسًا ﴿فَظَلْتُمْ﴾ فَصِرْتُمْ ﴿تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ ويقال: تَفَكَّنُونَ (٣) أيضًا بالنون، وهي لغة عُكْلٍ (٤)؛ أي: تَنَدَّمُونَ، قرأ العامة: "فَظَلْتُمْ" بفتح الظاء، وقرأ عبد اللَّه بكسرها (٥)، والأصل: ظَلِلْتُمْ فحذف إحدى اللامين تخفيفًا، فمن فتح الظاء فعلى الأصل، ومن كسرها نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء، قال الشاعر:
٣٣٤ - ظَلِلْتُ بِها أبْكِي وَأبْكِي إلَى الغَدِ (٦)
стр. 1292
ومعنى "تَفَكَّهُونَ": تتَعَجَّبُونَ مما نَزَلَ بكم في زَرْعِكُمْ، وقيل: تَنَدَّمُونَ، وقيل: تَلَاوَمُونَ، وقيل: تَحْزَنُونَ، وهو من الأضداد، تقول العرب: تَفَكَّهْتُ: إذا تَنَعَّمْتَ، وتَفَكَّهْتُ: إذا حَزِنْتَ (١)، قال أبو عمرو والكسائيُّ (٢): التَّفَكُّهُ هو التَّلَهُّفُ على ما فات، وقيل (٣): التَّفَكُّهُ: التَّكَلُّمُ فيما لا يَعْنِيكَ، ومنه قيل للمِزاحِ: فُكاهةٌ.
﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ قرأ أبو بكر والمفضل: ﴿أإنّا﴾ بهمزتين (٤)، وقرأ الباقون: "إنّا" على الخبر، ومجاز الآية: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، وتقولون: إنا لَمُغْرَمُونَ (٥)؛ أي: مُعَذبُونَ، والغَرامُ: العذاب (٦)، وقيل (٧): المُغْرَمُ: الذي ذهب مالُهُ بغير عِوَضٍ،
стр. 1293
ومعناه: تقولون: إنا قد غَرمْنا الحَبَّ الذي بَذَرْناهُ، فذهب من غير عِوَضٍ، وذلك قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾؛ أي: ممنوعون مُحارَفُونَ، فالمَحْرُومُ ضِدُّ المَرْزُوقِ، والمعنى: إنا حُرِمْنا ما كُنّا نطلبه من الرَّيْعِ (١) والزَّرْعِ.
فصل
عن أنس بن مالك قال: مَرَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ بأرض الأنصار، فقال: "ما يَمْنَعُكُمْ من الحَرْثِ"؟ قالوا: الجُدُوبةُ، قال: "فلا تفعلوا، فإن اللَّه يقول: أنا الزارع، إن شئتُ زَرَعْتُ بالماء، وإن شئت زَرَعْتُ بالرِّيحِ، وإن شِئْتُ زَرَعْتُ بالبَذْرِ"، ثم تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يعني السحاب، واحدتها مُزْنةٌ، قال الشاعر:
٣٣٥ - فنَحْنُ كَماءِ المُزْنِ، ما فِي نِصابِنا... كَهامٌ، وَلا فِينا يُعَدُّ بَخِيلُ (٣)
стр. 1294
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ يعني: التي تُوقِدُونَ وتستخرجون من الحجارة والشجر، يقال: أوْرَى القِدْحُ: إذا أتَى بالنار من الزُّنُودِ (١) اسْتِخْراجًا، ويقال: وَرِيَ الزَّنْدُ يَرِي، فهو وارٍ: إذا انْقَدَحَتْ منه النارُ، وأوْريتُ النارَ: إذا قَدَحْتَها وأظْهَرتَها (٢) ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ يعني: خَلَقْتُمُوها ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ يعني: الخالقون لها ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا﴾ يعني نار الدنيا ﴿تَذْكِرَةً﴾ عِظةً ليتعظ بها المؤمن، وقيل: تذكرة للنار الكبرى -أجارنا اللَّه منها-، ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ أي: بُلْغةً للمسافرين الذين لا زادَ لهم ولا مالَ معهم، والمُقْوِي أيضًا: الكَثِيرُ المالِ، وهذا من الأضداد (٣)، والمُقْوِي: المسافر الذي يَنْزِلُ بالأرض القِيِّ والقَواءِ (٤)، وهي القَفْرُ الخالية البعيدة من العُمْرانِ والأهْلِينَ، يقال: أقْوَتِ الدارُ: إذا خَلَتْ من سُكّانِها، قال النابغة:
أقْوَتْ، وَطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ (٥)
وقال آخر:
٣٣٦ - حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ... أقْوَى، وَأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (٦)
стр. 1295
والمعنى: أنه يَنْتَفِعُ بها أهْلُ البَوادِي والأسفار، ومنفعتهم بها من منفعة أهل الحَضَرِ؛ لأنهم يوقدونها ليلًا لتهرب منهم السباع، ويهتدي بهم الضّالُّ عن الطريق.
فصل
عن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن نارَكُمْ هذه التي يُوقِدُ بنو آدم جُزْءٌ من سبعين جُزْءًا من حَرِّ جَهَنَّمَ"، قالوا: واللَّهِ إنْ كانَتْ لَكافِيَتَنا يا رسول اللَّه، قال: "فإنها فُضِّلَتْ عليها بِتِسْعةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّها مِثْلُ حَرِّها" (١).
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ معناه: أُقْسِمُ، و ﴿لَا﴾ صلة زائدة، المعنى: فَأُقْسِمُ (٢)، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: ﴿فَلأُقْسِمُ﴾ (٣)
стр. 1296
على التحقيق، وقال بعض أهل العربية (١): معناه: فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القَسَمَ فقال: "أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ".
وعَنَى بالنجوم نُجُومَ القرآن التي كانت تُنَزَّلُ على رسول اللَّه ﷺ نُجُومًا متفرقةً، قال ابن عباس (٢): نزل القرآن فِي ليلة القدر جُمْلةً من عند اللَّه من اللَّوْحِ المحفوظ إلى السَّفَرةِ الكِرامِ الكاتبين فِي السماء الدنيا، فنَجَّمَتْهُ السَّفَرةُ الكِرامُ على جبريل ﵇ عشرين ليلة، ونَجَّمَهُ جِبْرِيلُ على محمد ﷺ عشرين سنة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يعني نجوم القرآن، وقيل: أراد مَشارِقَ النجوم ومَغارِبَها، وقيل: أراد منازلها، وقيل: أراد انْكِدارَها وانْتِثارَها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه، فقرأ حمزة والكسائي وخلف: "بِمَوْقِعِ" (٣) ساكنة
стр. 1297
الواو محذوفة الألف على الواحد، قال المبرد (١): "مَوْقِعٌ" هاهنا مصدر فهو يصلح للواحد والجمع، وقرأ الباقون: "بِمَواقِعِ" على الجمع، وهو الاختيار (٢).
قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ أخْبَرَ عن عِظَمِ القَسَمِ، قال الفَرّاءُ (٣) والزَّجّاجُ (٤): وهذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نُزُولُ القرآن، والضمير في "إنّهُ" يعود على القَسَمِ، ودَلَّ عليه "أُقْسِمُ"، والمعنى: وَإنّ القَسَمَ بمواقع النجوم لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ.
ثم ذكر المُقْسَمَ عليه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ حَسَنٌ عَزِيزٌ مُكَرَّمٌ، وقيل: غير مَخْلُوقٍ، وقيل: سُمِّيَ كَرِيمًا لأنّ يُسْرَهُ يَغْلِبُ عُسْرَهُ (٥)، وقال مقاتل (٦): كَرَّمَهُ اللَّهُ وأعَزَّهُ لأنه كلامه، وقال أهل المعانِي (٧): القرآن الكريم: الذي من شأنه أن يُعْطِيَ الخَيْرَ الكَثِيرَ بالدلائل التي تُؤَدِّي إلى الحَقِّ في الدِّينِ، قال الأزهريُّ (٨): الكَرِيمُ: اسْمٌ جامِعٌ لِما يُحْمَدُ، والقرآن كَرِيمٌ لِما فيه من الهُدَى والبَيانِ والعلم والحكمة.
стр. 1298
﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ مَصُونٍ مَسْتُورٍ من خَلْقِهِ عند اللَّه في اللَّوْحِ المحفوظ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال أكثر المفسرين (١): الكناية فِي قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ تعود إلى الكتاب المكنون، والمُطَهَّرُونَ هم الملائكة الذين طُهِّرُوا من الذنوب، قال: لا يَمَسُّ ذلك اللَّوْحَ المحفوظَ إلا الملائكةُ الذين وُصِفُوا بالطهارة من الذنوب، وذهب قوم إلى أن الضمير يعود إلى القرآن، والمراد به المُصْحَفُ، سَمّاهُ قُرْآنًا على قُربِ الجِوارِ والاتِّساعِ (٢)، كالخبر الصحيح: "أنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُسافَرَ بِالقُرْآنِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ" (٣)، يَعْنِي به المُصْحَفَ.
وأراد بقوله: "المُطَهَّرُونَ"، يعني: من الأحْداثِ والجَناباتِ والنَّجاساتِ، وقالوا: لا يجوز لِلْمُحْدِثِ والجُنُبِ والحائِضِ مَسُّ المُصْحَفِ. وبه قال مالك والشافعيُّ وطاوُوسُ (٤) وغَيْرُهُمْ من أهل العلم (٥)، بدليل ما رَوَى عَبْدُ الِله بن
стр. 1299
أبِي بكر (١) عن أبيه قال: كان في كتاب النبي ﷺ لِعَمْرِو بن حَزْمٍ (٢): "لَا يُمسُّ القُرْآنُ إلّا عَلَى طُهْرٍ" (٣).
وأصل قوله: "لَا يَمَسُّهُ": لا يَمْسَسُهُ، فأُدْغِمَت السين بالسين، ونُقِلَت الحركة إلى الميم، فظاهر الآية خبر، ومعناها نَهْيٌ، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٤) ونحوها، فاللفظ لفظ الخبر، والمراد به النَّهْيُ.
قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ يعني: القُرآنُ مُنَزَّلٌ من عند رَبِّ العالمين على رسولِهِ سَيِّدِ المرسلين محمد ﷺ ، فَسُمِّيَ المُنَزَّلُ تَنْزِيلًا على اتساع اللغة، كما تقول للمقدور: قَدَرٌ، وللمخلوق: خَلْقٌ، و"تَنْزِيلٌ" رفع على
стр. 1300
خبر ابتداء محذوف تقديره: هو تَنْزِيلٌ، ويحتمل أن يكون رَفْعُهُ على البَدَلِ من قوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (١).
قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ مُكَذِّبُونَ كافرون، والمُدْهِنُ والمُداهِنُ: الكَذّابُ المنافق (٢)، ومعنى المُدْهِنِ من الإدْهانِ وهو الجَرْيُ في الباطن على خلاف الظاهر، هذا أصله.
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ يعني حَظَّكُمْ ونَصِيبَكُمْ من القرآن ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ وقيل (٣): هذا فِي الاستسقاء، كانوا يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كَذا، ولا يَنْسُبُونَ ذلك إلى اللَّه تعالى، فقيل لهم: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: شُكْرَكُمْ بما رُزِقْتُم التكذيبَ، والمعنى: شُكْرَ رِزْقِكُمْ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) ونحوها.