على التحقيق، وقال بعض أهل العربية (١): معناه: فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القَسَمَ فقال: "أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ".
وعَنَى بالنجوم نُجُومَ القرآن التي كانت تُنَزَّلُ على رسول اللَّه ﷺ نُجُومًا متفرقةً، قال ابن عباس (٢): نزل القرآن فِي ليلة القدر جُمْلةً من عند اللَّه من اللَّوْحِ المحفوظ إلى السَّفَرةِ الكِرامِ الكاتبين فِي السماء الدنيا، فنَجَّمَتْهُ السَّفَرةُ الكِرامُ على جبريل ﵇ عشرين ليلة، ونَجَّمَهُ جِبْرِيلُ على محمد ﷺ عشرين سنة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ يعني نجوم القرآن، وقيل: أراد مَشارِقَ النجوم ومَغارِبَها، وقيل: أراد منازلها، وقيل: أراد انْكِدارَها وانْتِثارَها يوم القيامة.
واختلف القراء فيه، فقرأ حمزة والكسائي وخلف: "بِمَوْقِعِ" (٣) ساكنة
стр. 1297
الواو محذوفة الألف على الواحد، قال المبرد (١): "مَوْقِعٌ" هاهنا مصدر فهو يصلح للواحد والجمع، وقرأ الباقون: "بِمَواقِعِ" على الجمع، وهو الاختيار (٢).
قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ أخْبَرَ عن عِظَمِ القَسَمِ، قال الفَرّاءُ (٣) والزَّجّاجُ (٤): وهذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نُزُولُ القرآن، والضمير في "إنّهُ" يعود على القَسَمِ، ودَلَّ عليه "أُقْسِمُ"، والمعنى: وَإنّ القَسَمَ بمواقع النجوم لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ.
ثم ذكر المُقْسَمَ عليه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ حَسَنٌ عَزِيزٌ مُكَرَّمٌ، وقيل: غير مَخْلُوقٍ، وقيل: سُمِّيَ كَرِيمًا لأنّ يُسْرَهُ يَغْلِبُ عُسْرَهُ (٥)، وقال مقاتل (٦): كَرَّمَهُ اللَّهُ وأعَزَّهُ لأنه كلامه، وقال أهل المعانِي (٧): القرآن الكريم: الذي من شأنه أن يُعْطِيَ الخَيْرَ الكَثِيرَ بالدلائل التي تُؤَدِّي إلى الحَقِّ في الدِّينِ، قال الأزهريُّ (٨): الكَرِيمُ: اسْمٌ جامِعٌ لِما يُحْمَدُ، والقرآن كَرِيمٌ لِما فيه من الهُدَى والبَيانِ والعلم والحكمة.
стр. 1298
﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ مَصُونٍ مَسْتُورٍ من خَلْقِهِ عند اللَّه في اللَّوْحِ المحفوظ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال أكثر المفسرين (١): الكناية فِي قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ تعود إلى الكتاب المكنون، والمُطَهَّرُونَ هم الملائكة الذين طُهِّرُوا من الذنوب، قال: لا يَمَسُّ ذلك اللَّوْحَ المحفوظَ إلا الملائكةُ الذين وُصِفُوا بالطهارة من الذنوب، وذهب قوم إلى أن الضمير يعود إلى القرآن، والمراد به المُصْحَفُ، سَمّاهُ قُرْآنًا على قُربِ الجِوارِ والاتِّساعِ (٢)، كالخبر الصحيح: "أنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُسافَرَ بِالقُرْآنِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ" (٣)، يَعْنِي به المُصْحَفَ.
وأراد بقوله: "المُطَهَّرُونَ"، يعني: من الأحْداثِ والجَناباتِ والنَّجاساتِ، وقالوا: لا يجوز لِلْمُحْدِثِ والجُنُبِ والحائِضِ مَسُّ المُصْحَفِ. وبه قال مالك والشافعيُّ وطاوُوسُ (٤) وغَيْرُهُمْ من أهل العلم (٥)، بدليل ما رَوَى عَبْدُ الِله بن
стр. 1299
أبِي بكر (١) عن أبيه قال: كان في كتاب النبي ﷺ لِعَمْرِو بن حَزْمٍ (٢): "لَا يُمسُّ القُرْآنُ إلّا عَلَى طُهْرٍ" (٣).
وأصل قوله: "لَا يَمَسُّهُ": لا يَمْسَسُهُ، فأُدْغِمَت السين بالسين، ونُقِلَت الحركة إلى الميم، فظاهر الآية خبر، ومعناها نَهْيٌ، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٤) ونحوها، فاللفظ لفظ الخبر، والمراد به النَّهْيُ.
قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ يعني: القُرآنُ مُنَزَّلٌ من عند رَبِّ العالمين على رسولِهِ سَيِّدِ المرسلين محمد ﷺ ، فَسُمِّيَ المُنَزَّلُ تَنْزِيلًا على اتساع اللغة، كما تقول للمقدور: قَدَرٌ، وللمخلوق: خَلْقٌ، و"تَنْزِيلٌ" رفع على
стр. 1300
خبر ابتداء محذوف تقديره: هو تَنْزِيلٌ، ويحتمل أن يكون رَفْعُهُ على البَدَلِ من قوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (١).
قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن ﴿أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ مُكَذِّبُونَ كافرون، والمُدْهِنُ والمُداهِنُ: الكَذّابُ المنافق (٢)، ومعنى المُدْهِنِ من الإدْهانِ وهو الجَرْيُ في الباطن على خلاف الظاهر، هذا أصله.
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ يعني حَظَّكُمْ ونَصِيبَكُمْ من القرآن ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ وقيل (٣): هذا فِي الاستسقاء، كانوا يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كَذا، ولا يَنْسُبُونَ ذلك إلى اللَّه تعالى، فقيل لهم: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: شُكْرَكُمْ بما رُزِقْتُم التكذيبَ، والمعنى: شُكْرَ رِزْقِكُمْ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) ونحوها.
стр. 1301
قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾؛ أي: فَهَلَّا إذا بلغت الرُّوحُ أو النَّفْسُ الحُلْقُومَ عند خروجها من الجَسَدِ، فحذف النفس لدلالة الكلام عليها، كقول الشاعر:
٣٣٧ - لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى... إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، وَضاقَ بِها الصَّدْرُ (١)
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ يعني: إلى أمْرِي وسُلْطانِي، قال ابن عباس (٢): يريد: مَنْ حَضَرَ المَيِّتَ مِنْ أهْلِهِ، ينظرون إليه مَتَى تَخْرُجُ نَفْسُهُ؟ قال الفراء (٣): وذلك معروف من كلام العرب أن يُخاطِبُوا الجماعةَ بالفعل كأنهم أهْلُهُ وأصْحابُهُ والمراد بعضهم، غائبًا كان أو شاهدًا، فتقول: أقَتَلْتُمْ فُلَانًا، والقاتل منهم واحدٌ، ويقولون لأهل المسجد إذا آذَوْا رَجُلًا بالازدحام: اتَّقُوا اللَّهَ! فَإنّكُمْ تُؤْذُونَ المُسْلِمِينَ.
قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ يعني: مَلَكَ الموت وَحْدَهُ، إذا أتى لِقَبْضِ
стр. 1302
رُوحِهِ أقْرَبُ إلى الميت من أهله، وقيل: أراد مَلَكَ الموت وأعْوانَهُ، والمعنى: وَرُسُلُنا القابِضُونَ لِرُوحِهِ أقْرَبُ إليه منكم ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ يعني: أولئك الحاضرين.
قوله: ﴿فَلَوْلَا﴾؛ أي: فَهَلّا ﴿إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾؛ أي: غير مَمْلُوكِينَ أذِلَّاءَ، من قولك: دِنْتُ له بالطاعة (١)، وقيل (٢): مُحاسَبِينَ ومَجْزِيِّينَ.
فإن قيل: أين جواب قولِهِ: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وقولِهِ: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾؟ فالجواب عنه ما قاله الفراء (٣): أنهما أُجِيبا بجوابٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، وربما أعادت العَرَبُ الحرفين ومعناهما واحد، وهذا من ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) أُجِيبا بجواب واحد وهما جزاءان، وقيل (٥): في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، مَجازُها: فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها، أي: تَرُدُّونَ نَفْسَ المَيِّتِ إلى جَسَدِهِ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ.
ثم ذكر طَبَقاتِ الخَلْقِ عند الموت بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ يعني هذا الميت ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)﴾ يريد: عند اللَّه في الدرجات والفضل ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾
стр. 1303
رفع لأنه خبر الصفة المحذوفة، تقديره: فَلَهُ رَوْحٌ وَريحانٌ ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ قرأ العامة: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء، وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب بضم الراء (١)، وَرُوِيَ أنّها قِراءةُ النَّبِيِّ ﷺ (٢)، فَمَنْ ضَمَّ الرّاءَ أراد: فَحَياةٌ لا مَوْتَ فيها (٣)، ومَنْ فَتَحَ الراء فمعناه: طِيبُ نَسِيمٍ، ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ رِزْقٌ فِي الجنة، وقيل (٤): هو الرِّيْحانُ المعروف الذي يُشَمُّ، والمقربون هم السابقون.
قال أبو العالية (٥): لا يُفارِقُ أحَدٌ من المُقَرَّبِينَ الدنيا حتى يُؤْتَى بِغُصْنٍ من ريحانِ الجنة، فَيَشَمُّهُ ثم تُقْبَضُ رُوحُهُ (٦).
стр. 1304
واختلف في ذلك أهلُ اللسان، فقال أبو بكر الوَرّاقُ: الرَّوْحُ: النجاة من النار والرَّيْحانُ: دخول دار القَرارِ، وقيل: الرَّوْحُ: السلامة، والرَّيْحانُ: الكرامة، وقيل: الرَّوْحُ: مُعانَقةُ الأبكار، والرَّيْحانُ: مرافقة الأبرار، وقيل: الرَّوْحُ: الموت على الشهادة، والرَّيْحانُ: نداء السعادة، وقيل: الرَّوْحُ: كَشْفُ الكُرُوبِ، والرَّيْحانُ: غُفْرانُ الذُّنُوبِ، وقيل: الرَّوْحُ: تخفيف الحساب، والرَّيْحانُ: تضعيف الثواب، وقيل: الرَّوْحُ: عَفْوٌ بلا عتاب، والرَّيْحانُ: رِزْقٌ بلا حساب، وقيل: الرَّوْحُ لأزواجهم، والرَّيْحانُ لِقُلُوبِهِمْ، والجنة لأبدانهم، وقيل: "فَرَوْحٌ" للسابقين، "وَريحانٌ" لِلْمُقْتَصِدِينَ، "وَجَنّةُ نَعِيمٍ" للصائمين (١).
قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ يعني هذا الميت ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠)﴾ وهم التابعون بإحسان ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾؛ أي: سَلَامةٌ لك يا محمد من أصحاب اليمين، يعني: أنك ترى فيهم ما تُحِبُّ من السلامة، وقيل: معناه: فَسَلَامٌ عليك من أصحاب اليمين، وارتفع على معنى: فَلَكَ سَلامٌ، وَهُوَ سَلَامٌ لَكَ مِنْ أصْحابِ اليَمِينِ (٢).
قوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ يعني هذا المَيِّتَ ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني: بالبعث ﴿الضَّالِّينَ (٩٢)﴾ عن الهُدَى، قال الحسن: وهم أصحاب المشأمة ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)﴾؛ أي: فَلَهُ نُزُلٌ من حميم وهو الحارُّ الشديد الذي قد انتهى حَرُّهُ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ وإدْخالُ نارٍ عَظِيمٍ (٣)، والجَحِيمُ: ما عَظُمَ من النار.
стр. 1305
فصل
رُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَنْ أحبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَنْ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ"، فاستثنى القَوْمُ يَبْكُونَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما يُبْكِيكُمْ"؟ قالوا: يا رسول اللَّه! ليس مِنّا أحَدٌ إلا وهو يَكْرَهُ المَوْتَ، فقال: "ليس كذلك، إن اللَّه قال: "فَأمّا إنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ. فَرَوْحٌ وَريحانٌ وَجَنّةُ نَعِيمٍ"، قال: عند الموت، فَيُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أحَبُّ، "وَأمّا إنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ. فنزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ. وَتَصْلِيةُ جَحِيمٍ"، فَيَكْرَهُ لِقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ لِلِقائِهِ أكْرَهُ" (١).
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني: الذي ذُكِرَ من قصة المُحْتَضَرِينَ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾؛ أي الحَقُّ اليَقِينُ لا شَكَّ فيه، فأضافه إلى نفسه توكيدًا (٢)، وأصله: حَقُّ الشَّيءِ، أو: حَقُّ الأمْرِ اليَقِينِ، كقولك: عَيْنُ اليَقِينِ ومَحْضُ اليَقِينِ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ يعني: نَزِّهِ اللَّهَ عن السُّوءِ، والباء صلة زائدة، والاسم يكون بمعنى الذات والنفس، كأنه قيل: فَسَبِّحْ رَبَّكَ العَظِيمَ (٣).
стр. 1306
فصل
عن عُقْبةَ بن عامر الجُهَنِيِّ قال: لَمّا نَزَلَتْ على رسول اللَّه ﷺ : "فَسَبِّحْ باسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ"، قال: "اجْعَلُوها فِي رُكُوعِكُمْ"، ولَمّا نزل: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى" قال النبِيُّ ﷺ : "اجْعَلُوها فِي سُجُودِكُمْ" (١)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1307
سورة الحديد
مدنية بالإجماع
وهي ألفان وأربعمائة وستة وسبعون حرفًا، وخمسمائة وأربع وأربعون كلمةً، وتسع وعشرون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الذين آمَنُوا باللَّهِ وَرُسُلِهِ" (١).
ورُوِيَ عن فاطمة ﵂ أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "قارِئُ الحَدِيدِ و"إذا وَقَعَتِ الواقِعةُ" والرَّحْمَنِ، يُدْعَى فِي مَلَكُوتِ السماوات ساكِنَ الفِرْدَوْسِ" (٢).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الحَدِيدِ حُشِرَ مِنْ قَبْرِهِ لا يَحْجُبُهُ أحَدٌ حَتَّى يَدْخُلَ الجَنّةَ" (٣)، وَرُوِيَ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "اسمُ اللَّهِ الأعْظَمُ فِي سِتِّ آياتٍ مِنْ أوَّلِ سُورةِ الحَدِيدِ" (٤).
стр. 1308
وعن يَزِيدَ بن عبد اللَّه بن أبِي التَّيّاج أنه قال: "مَنْ أرادَ أنْ يَعْرِفَ كَيْفَ وَصَفَ الجَبّارُ نَفْسَهُ فَلْيَقْرَأْ سِتَّ آياتٍ مِنْ أَوَّلِ الحَدِيدِ" (١).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذِي الرُّوح وغَيْرِهِ وكُلَّ خَلْقٍ فيهما، ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، ومعنى قوله: ﴿سَبَّحَ﴾؛ أي: عَظَّمَ ورَفَعَ، مشتق من السِّباحةِ وهي الارتفاع (٢)، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ مبتدأ وخبر، والمعنى: وهو العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبير خلقه، الذي لا يدخل في تدبيره خَلَلٌ (٣) ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يَمْلِكُهُما أحَدٌ غَيْرُهُ ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يُحْيِي المَواتَ لِلْبَعْثِ، ويُمِيتُ الأحْياءَ فِي الدنيا، قال الزجاج (٤): ويجوز أن يكون المعنى: يُحْيِي النُّطْفةَ الَّتِي هي مَواتٌ، ويُمِيتُ الأحياءَ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾؛ أي: قادر على ما يشاء من حياة وموت.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء بلا حَدٍّ ولا ابْتِداءٍ، كان هو ولا شَيءَ مَوْجُودٌ، فهو الأول بلا ابتداء ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعد فناء كل شيء بلا انتهاء، يُفْنِي الأشْياءَ ويَبْقَى، آخِرٌ كما كان أوَّلًا ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ الغالب العالِي على كل شيء، وكل
стр. 1309
شيء دونه، فهو الظاهر بالأدلة والشواهد ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فلا أحَدَ أعْلَمُ منه، وهو المُحْتَجِبُ عن الأبصار.
وقيل: هو الأول بالأزَلِيّةِ، والآخِرُ بالأبَدِيّةِ، والظاهر بالأحَدِيّةِ، والباطن بالصَّمَدِيّةِ، وقيل: هو الأول بِشَرحِ القُلُوبِ، والآخِرُ بِغُفْرانِ الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بِعِلْمِ الغيوب، وقيل: هو الأول بالهِدايةِ، والآخِرُ بالكِفايةِ، والظاهر بالولاية، والباطن بالرعاية، وقيل: هو الأول بالإنعام، والآخر بالإتْمامِ، والظاهر بالإكْرامِ، والباطن بالإلهام، وقيل: هو الأول قبل كل معلوم، والآخِرُ بعد كل مَحْتُومٍ، والظاهر فوق كل مَرْسومٍ، والباطن مُحِيطٌ بكل مكتوم، وقيل: هو الأول بالتأليف، والآخر بالتكليف، والظاهر بالتصريف، والباطن بالتعريف، وقيل: هو الأول بالعطاء، والآخر بالجزاء، والظاهر بالثناء، والباطن بالوفاء، وقيل: هو الأول بالبِرِّ والكَرَمِ، والآخِرُ بِتَحِلّةِ القَسَمِ، والظاهر بإسباغ النِّعَمِ، والباطن بِدَفْعِ النِّقَمِ، وقيل: هو الأول بالهَيْبةِ والسلطان، والآخِرُ بالرحمة والإحسان، والظاهر بالحُجّةِ والبُرْهانِ، والباطن بالعصمة والامتنان، وقيل: هو الأول القديم، والآخِرُ الرحيم، والظاهر الحكيم، والباطن العليم (١) ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ يَعْلَمُ ما كانَ وما هو كائِنٌ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ -تَعالَى وَتَقَدَّسَ-.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: دَخَلَتْ فاطمةُ بنت رسول اللَّه ﷺ على النَّبِيِّ ﷺ تَسْألُهُ خادِمًا، فقال لَها رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ألا أدُلُّكِ عَلَى ما هو خَيْرٌ لَكِ مِنْ ذَلِكَ؟ أنْ تَقُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ السماوات السَّبْعِ ورَبَّ العَرْشِ
стр. 1310
العَظِيمِ، رَبَّنا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والفُرْقانِ، فالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنّا الدَّيْنَ، وَأغْنِنا مِنَ الفَقْرِ" (١).
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كَيْفٍ قبل أن يَخْلُقَهُما ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ مِنْ قَطْرِ المَطَرِ ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الوَحْيِ الذي يُنْزِلُهُ إلَى رُسُلِهِ ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾؛ أي: وما يَصْعَدُ فيها من الملائكة وأعمال بني آدم ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ يُخْبِرُهُم تعالى بقدرته عليهم وعِلْمِهِ بهم، فليس يَخْلُو أحَدٌ من تَعَلُّق عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتهِ بهِ أيْنَما كانَ، من أرض وسماء وبَرٍّ وبَحْرٍ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ لا يَخْفَى علَيه شيءٌ.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ يعني أمور الخلائق في الآخرة ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ نَظِيرُهُ قولُهُ : ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، وقد ذَكَرْتُ تفسير الإيلاج في سورة آل عمران (٣)، فَأغْنَى عن الإعادة هاهنا، ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ يعني ما في القلوب مما لَمْ تَنْطِقْ به الألْسُنُ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٤)؛ أي: ما تُحَدِّثُ به نَفْسُهُ.
стр. 1311
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ هذا استفهامُ إنكارٍ؛ أي: أيُّ شَيْءٍ لكم من الثواب في الآخرة إذا لَمْ تؤمنوا باللَّه؟ ثم قال: ﴿وَالرَّسُولُ﴾ رفع على الابتداء، والخبر ﴿يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني: حين أخْرَجَكُمْ (١) من صُلْبِ آدَمَ، فَأقِرُّوا بِالمَعْرِفةِ والرُّبُوبِيّةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ يعني: إذْ كُنْتُمْ مؤمنين بالحُجَجِ والدليلِ والإعلام على حقيقة الإسلام وصحة نبوة المصطفى ﵇، فقد بانَ وظَهَرَ على يَدِ محمدٍ ﷺ بِبَعْثِهِ وإنْزالِ القرآن عليه، قرأ العامة: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ بفتح الهمزة والقاف، وقرأ أبو عمرو بضمهما (٢) على وجه ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلهُ.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ يعني فتح مكة؛ أي: لا يستوي فِي الفضل مَنْ أنْفَقَ مالَهُ وقاتَلَ العَدُوَّ مِنْ قبل فتح مكة، مع مَنْ أنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وقاتَلَ، قيل (٣): نزلت هذه الآية في أبِي بكر الصديق ﵁، يَدُلُّ على هذا أنه أوَّلُ مَنْ أنْفَقَ المالَ على رسول اللَّه ﷺ ، وأوَّلُ مَنْ قاتَلَ على الإسلام.
ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ قال عطاء (٤): درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها، قال الزجاج (٥): لأن المتقدمين نالَهُمْ من المَشَقّةِ أكْثَرُ مِمّا نالَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وكانت
стр. 1312
بصائرهم أيضًا أنْفَذَ. ونصب ﴿دَرَجَةً﴾ على التمييز، ومَحَلُّ ﴿مَنْ﴾ رفع؛ لأنه فاعل بـ ﴿يَسْتَوِي﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا﴾ يعني الفريقين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يعني الجنة، قرأه العامة منصوبًا على المفعول به، وقرأ ابن عامر: "وَكُلٌّ" (١) بالرَّفع على الاستئناف، وقيل: على لغة من يقول: زيدٌ ضَرَبْتُ، ومعنى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾؛ أي: وَعَدَهُ اللَّهُ (٢)، قال الشاعر:
٣٣٨ - قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي
стр. 1313
عَلَيَّ ذَنْبًا، كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ (١)
فصل
عن ابن عمر قال: بينما النَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ وعنده أبو بكر ﵁ وعليه عباءة قد خَلَّها على صَدْرِهِ بِخِلالٍ، إذْ نَزَلَ عليه جِبْرِيلُ ﵇، فَأقْرَأهُ من اللَّه السلامَ، ثم قال: "يا محمد ما لِي أرى أبا بكر عليه عَباءةٌ وقد خَلَّها على صدره بِخِلالٍ؟ " فقال: "يا جبريل: أنْفَقَ مالَهُ قَبْلَ الفَتْحِ عَلَيَّ"، قال: "فَأقْرِئْهُ مِن اللَّهِ تعالى السلامَ، وقُلْ لَهُ: يقول لك رَبُّكَ: أراضٍ أنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ أمْ ساخِطٌ؟ "، فالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أبِي بكر فقال: "يا أبا بكر: هذا جبريل يُقْرِئُكَ من اللَّه السلامَ، ويقول لك رَبُّكَ: أراضٍ أنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ أمْ
стр. 1314
ساخِطٌ؟ "، قال: فَبَكَى أبو بكر ﵁ وقال: عَلَى رَبِّي أغْضَبُ؟ أنا عن رَبِّي راضٍ، أنا عن رَبِّي راضٍ" (١).
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مَنْ﴾ خبره، و ﴿الَّذِي﴾ نعت لـ ﴿ذَا﴾، ومعنى القرض الحسن هاهنا الحلال وأن ينفق مُحْتَسِبًا للَّه ، مُبْتَغِيًا ما عنده، ونصب ﴿قَرْضًا﴾ على أنه اسم للمصدر، ويجوز أن يكون مفعولًا كما تقول: أقْرَضْتُهُ مالًا (٢).
وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ (٣) قال الفراء (٤): أن يكون جعله عطفًا على ﴿يُقْرِضُ﴾، كما تقول: مَنْ يَجِيءُ فَيُكْرِمُنِي ويُحْسِنُ إلَيَّ، وقال الزَّجّاجُ (٥) أيضًا: يجوز أن يكون مقطوعًا من الأول مستأنفًا، ومن قرأ: "فَيُضاعِفَهُ" بنصب
стр. 1315
الفاء جعله جوابًا للاستفهام بالفاء، وقيل (١): بإضمار "أن"، وقد مضى نظيرها في سورة البقرة (٢) وذِكْرُ الخلاف فيها، فأغنى عن الإعادة هاهنا.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾؛ أي: نَسْتَضِئْ من نوركم، قرأه العامة: "انْظُرُونا" موصولًا؛ أي: انْتَظِرُونا، و"انْظُرْ" بمعنى "انْتَظِرْ" كثيرٌ في التَّنْزِيلِ، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة: ﴿انْظُرُونَا﴾ (٣) بقطع الألف وكسر الظاء، من الإنْظارِ؛ أي: أمْهِلُونا، قال الزَّجّاجُ (٤): ومعناه: انْتَظِرُونا أيضًا، قال الفَرّاءُ (٥): والعرب تقول: أنْظِرْني؛ أي: انْتَظِرْنِي، وأنشد عمرو ابن كُلْثُومٍ:
٣٣٩ - أبا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنا... وَأنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا (٦)
стр. 1316
يعني: انْتَظِرْنا، وقال آخر:
٣٤٠ - بِنَظْرةِ ذِي شَجَنٍ وامِقٍ... إذا ما الرَّكائِبُ جاوَزْنَ مِيلا (١)
ونصب يومًا على الظرف، ويجوز أن يكون بدلًا من اليوم الذي قبله (٢).
وقوله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ نصب على الظرف، أي: وَراءَ المكان الذي جاوَزْتُمُوهُ، استهزاءً بهم، أو رُجُوعَ القَهْقَرَى، فلا محلَّ له من الإعراب معناه: ارْجِعُوا ارْجِعُوا (٣)، قال الشاعر:
стр. 1317
٣٤١ - إذا جَشَأتْ نَفْسِي أقُولُ لَها: ارْجِعِي... وَراءَكِ، واسْتَحْيِي بَياضَ اللَّهازِمِ (١)
وقوله: ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ يعني: مِنْ حَيْثُ جِئْتُمْ، فاطْلُبُوا هنالك لأنفسكم نورًا، فإنه لا سَبِيلَ لكم إلى الاقتباس من نورنا، فالتَمَسُوا نورًا من الظلمة، فَلَمْ يَجْدُوا شيئًا ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: بين المؤمنين والمنافقين ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ يَعْنِي بالسُّورِ حائِطًا بين أهل الجنة والنار، وقيل (٢): هو السُّورُ الذي يُسَمَّى الأعرافَ، والسُّورُ في موضع رفع على أنه اسمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، والباء فيه صلة زائدة، قاله الكسائي (٣)، والباب رفع على الخبر لِلّامِ الزائدة.
فصل
رُوِيَ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "تَغْشَى النّاسَ ظُلْمةٌ يومَ القيامة، فيبعث اللَّه نورًا يهتدي به المؤمنون إلى الجنة، فإذا اتَّبَعَهُ المؤمنون تَبِعَهُم المنافقون، فَيَضْرِبُ اللَّهُ بينهم بسور له باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾، فَيُنادِي المنافقون المؤمنين: ﴿انْظُرُونَا
стр. 1318
نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، فيقول المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ في الموضع الذي كُنّا فيه -وفيه الظُّلْمةُ-، فالتَمِسُوا منه النورَ (١).
والرحمة: الجنة، والعذاب: جهنم، وقيل: الرحمة: النور، والعذاب: الظلمة، والباطن والظاهر رفع على الابتداء، والعذاب رفع لأنه خبر "مِنْ" (٢).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾؛ أي: يَحِنْ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تَرِقَّ وتَلِينَ قلوبُهُمْ ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقال: أنَى لَكَ يَأْنِي إنًى: إذا حانَ، ويقال: آنَ يَئينُ، وأنِىَ يَأْنَي وحانَ يَحِينُ بمعنًى واحدٍ (٣)، و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ فِي موضع رفع بـ ﴿يَأْنِ﴾.
قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني القرآن، ومحل "ما" خفض بالعطف على ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، قرأ شيبة ونافع وعاصم برواية المُفَضَّلِ وحَفْصٍ: "نَزَلَ" خفيفة الزاي، وقرأ غيرهم بالتشديد (٤)، والمعنى فيهما واحد؛ لأنه لا يَنْزِلُ إلا بأن يُنَزِّلَهُ اللَّهُ.
стр. 1319
قوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾؛ أي: وألَّا يَكُونُوا، محله نصب بالعطف على ﴿تَخْشَعَ﴾، قال الأخفش (١): وإن شِئْتَ جَعَلْتَهُ نَهْيًا، ودليل هذا التأويل روايةُ رُويسٍ عن يعقوب: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ بالتاء (٢) ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ يعني الزمان والدهر والغاية بينهم وبين أنبيائهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس (٣): مالُوا إلى الدنيا، وأعْرَضُوا عن مَواعِظِ اللَّهِ.
والمعنى أنه يَنْهَى المؤمنين أن يكونوا في صُحْبةِ القُرْآنِ كاليهود والنصارى الذين قَسَتْ قُلُوبُهُمْ لَمّا طالَ عليهم الدهرُ ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمدٍ -عليهما أفضل التحية والسلام-، قال محمد بن كعب القُرَظِيُّ (٤): كانت الصحابة في مكة مُجْدِبِينَ، فلما هاجَرُوا -يعني: إلى المدينة- أصابُوا الرِّيفَ والنِّعْمةَ، فَفَتَرُوا عَمّا كانوا عليه، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فينبغي للمؤمن أن يَزْدادَ إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا فِي طُولِ صُحْبةِ الكِتابِ.
стр. 1320
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قرأه العامة بتشديد الصاد على معنى المتصدقين، فأدغمت التاء فِي الصاد، وقرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ برواية أبِي بكر والمفضلِ بتخفيف الصاد (١) من التصديق الذي هو بمعنى الإيمان، ومعناه: إن المؤمنين والمؤمنات ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بالصَّدَقةِ والنَّفَقةِ في سبيل اللَّه، قال الحسن (٢): كل ما في القرآن من القَرْضِ الحَسَنِ فهو التَّطَوُّعُ.
وإنما عطف بالفعل على الاسم؛ لأنه في تقدير الفعل مجازه: إن الذين صَدَّقُوا، وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (٣) ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ قرأ العامة: ﴿يُضَاعَفُ﴾ بالألف وفتح العين، وقرأ الأعمش: ﴿يُضَاعِفَهُ﴾ بكسر العين وزيادة هاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر: ﴿يُضَّعَفُ لَهُمْ﴾ بالتشديد (٤)، ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: ثَوابٌ حَسَنٌ، وهو الجنة.
стр. 1321
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يعني: حياة الكفار باطل وغرور؛ لأنها في غير طاعة اللَّه، وهي تنقضي عما قريب ﴿وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ لأنهم يُزَيِّنُونَ في الدنيا دُونَ العَمَلِ للآخرة، ويُفاخِرُ الرَّجُلُ قَرِيبَهُ وجارَهُ في مالِهِ وَوَلَدِهِ، والمعنى: أنه يُفْنِي عُمُرَهُ في هذه الأشياءِ.
ثم ضرب لهذه الحياة مثلًا، فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ مفعول، يعني الزُّرّاعَ (١) ﴿نَبَاتُهُ﴾ رفعه بفعله ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ أي: يَيْبَسُ ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد خُضْرَتِهِ ورِيِّهِ ﴿ثُمَّ يَكُونُ﴾ بعد ذلك ﴿حُطَامًا﴾ يَتَحَطَّمُ ويَتَكَسُّرُ بعد يُبْسِهِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: لهم عذاب شديد، وقيل: هو رفعٌ خَبَرٌ لـ "في"، و ﴿مُصْفَرًّا﴾ نصب على الحال؛ لأنه من رُؤْيةِ العَيْنِ، نظيره في سورة الروم (٢).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ يريد: لأوليائه وأهل طاعته ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ لِمَن اغْتَرَّ بِها ولَمْ يَعْمَلْ لآخِرَتهِ.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ أي تَحْزَنُوا ﴿مَا فَاتَكُمْ﴾ يعني: من الدنيا ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ يعني: بما أعطاكم اللَّهُ منها، قرأ العامة: ﴿آتَاكُمْ﴾ بِمَدِّ الألِفِ؛ أي: أعْطاكُمْ، واختاره أبو حاتم (٣)، وقرأ أبو عمرو
стр. 1322
بِقَصْرِ الألف (١) من الإتيان؛ أي: جاءَكُمْ، واختاره أبو عبيد (٢) لِلْمُعادَلةِ بينه وبين ﴿فَاتَكُمْ﴾ لِيُوافِقَ الكلامُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ونَقِيضُ الفَوْتِ الإتْيانُ، قال ابن عباس (٣): لَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَفْرَحُ ويَحْزَنُ، ولكن اجعلوا للمصيبة صَبْرًا وللخير شُكْرًا ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ مُتَكَبِّرٍ بما أُوتِيَ من الدنيا فَخُورٍ به على الناس.
قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ في محله من الإعراب وجهان، أحدهما: الخفض على نعت المختال، والثانِي: الرفع بالابتداء، وخَبَرُهُ فيما بعده، ويجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من ﴿كُلَّ﴾، أو على الذمِّ بمعنى: أعْنِي، والمَعْنِيُّ بالآية قيل (٤): هم اليهود بَخِلُوا بِصِفةِ محمدٍ ﷺ ، وكَتَمُوا أمْرَهُ لِيَأْخُذُوا الفَضلَ من أتباعهم وسِفْلَتِهِمْ.
قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ يعني: بِكِتْمانِ أمْرِ محمدٍ ﷺ وصِفَتِهِ، والناس هاهنا هم اليهود وأتباعهم، وقرأ حمزة والكسائي: "بِالبَخَلِ" (٥) بفتح الباء والخاء ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ يعني: عن الإيمان باللَّه ورسوله فيما دَعاهُ إليه، وهو
стр. 1323
شرط وجزاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقِهِ ﴿الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ عند جميع خَلْقِهِ.
قرأ نافعٌ وابنُ عامر: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ (١)، وقرأ العامة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾، قال الواحِدِيُّ (٢): فمن أثبت ﴿هُوَ﴾ كان فَصْلًا، ولَمْ يكن مبتدأً، ومن حذف فلأن الفصلَ حَذْفُهُ سَهْلٌ، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب، فَحَذْفُهُ لا يُخِلُّ بالمعنى، وقال صاحب "إنسان العين" (٣): جَعْلُ هُوَ (٤) فَصلًا أوْلَى؛ لأنه لا حَظَّ لَهُ من الإعراب، فَحَذْفُهُ أسْهَلُ، تقول في الفَصْلِ: ضَرَبْتُ زيدًا هُوَ قائِمًا، وفي الابتداء: هُوَ قائِمٌ.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ يعني: الحَوارِيِّينَ، اتَّبَعُوا عيسى ﵇ ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ يعني المَوَدّةَ، ويقال: "رَآفةً" (٥)، وقد رَؤُفَ وَرَأفَ رَأْفةً وَرَحْمةً، وذلك أنهم كانوا مُتَوادِّينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، كما وَصَفَ اللَّهُ تعالى أصحاب محمد ﷺ بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٦).
стр. 1324
وقولُهُ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾؛ أي: أحْدَثُوها، مأخوذ من الرَّهْبةِ، وهي نصب بإضمار فعل؛ أي: وابْتَدَعُوا رَهْبانِيّةً، لَمْ نَكْتُبْها علمِهم، وليس بعطف على ما قبله (١)، وقيل (٢): هو معطوف على الأول، وقوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ما فَرَضْناها عليهم، وفي مصحف أبَيٍّ: "ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وَلَكِنِ ابْتَدَعُوها" (٣) يعني الرَّهْبانِيّةَ ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ نصب على الاستثناء الذي ليس من الأول، ويجوز أن يكون بدلًا من المضمر في ﴿كَتَبْنَاهَا﴾ (٤).
وقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يريد: حين ضَيَّعُوها، وكَفَرُوا بِدِينِ عِيسَى ﵇، فَتَهَوَّدُوا وتَنَصَّرُوا، ودخلوا في دِينِ مُلُوكِهِمْ، وتَرَكُوا التَّرَهُّبَ، وأقام منهم أُناسٌ على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا ﷺ ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾ يعني الذين تَهَوَّدُوا وتَنَصَّرُوا.
стр. 1325
فصل
عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ لِكُلِّ أُمّةٍ رَهْبانِيّةً، وَرَهْبانِيّةُ هَذِهِ الأُمّةِ الجِهادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (١).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بعيسى ﵇ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾؛ أي: وَحِّدُوا اللَّه وصَدِّقُوا برسوله محمدٍ ﷺ أنه رسول ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ جواب الأمر ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: أجْرَيْنِ ونَصِيبَيْنِ وضِعْفَيْنِ من رحمته، والكِفْلُ: النَّصِيبُ، يَدُلُّ عليه قولُهُ تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (٢)؛ أي: نَصِيبٌ، والكِفْلُ أيضًا: الكِساءُ الذي يَجْعَلُهُ الرّاكِبُ إذا ارْتَدَفَ لِئَلّا يَسْقُطَ (٣)، فكأنه قال: يُحَصِّنْكُمْ هذا من عذاب اللَّه كما يُحَصِّنُ الرّاكِبَ الكِفْلُ، وهو الكِساءُ وغَيْرُهُ مِمّا يَحْبِسُهُ من السُّقُوطِ.
قال ابن جَرِيرٍ (٤): وأصله ما يَكْتَفِلُ به الرّاكِبُ من الثياب والمَتاعِ فَيَحْبسُهُ ويَحْفَظُهُ من السَّقُوطِ. ومنه الكَفالةُ؛ لأنه تَحْصِينٌ لِلْحَقِّ ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: على الصراط، كما قال تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٥)، فهذا علامةُ المؤمنين في القيامة.
стр. 1326
قال ابن عباس (١): النور: القرآن، وقال مجاهد (٢): هو الهدى والبيان ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾.
فصل
عن أبِي موسى الأشْعَرِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ كانَ لَهُ جارِيةٌ فَأدَّبَها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها، وَعَلَّمَها فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها، ثُمَّ أعْتَقَها فَتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ، وَأيُّما مَمْلُوكٍ أدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوالِيهِ فَلَهُ أجْرانِ" (٣).
قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: لِيَعْلَمَ، و"لا" صلة زائدة (٤)، قال الشاعر:
٣٤٢ - تَذَكَّرْتُ لَيْلَى، فاعْتَرَتْنِي صَبابةٌ... وَكادَ ضَمِيرُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ (٥)
стр. 1327
أيْ: يَتَقَطَّعُ، وقرأ سعيد بن جُبَيْرٍ: "لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ" (١) ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وهو الإسلام إلّا بِرَحْمَتِهِ، ورفعت الفعل لأن المعنى: أنَّهُم لا يقدرون، كقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٢)، وأنشد الفراء (٣):
٣٤٣ - إنِّي كَفِيلٌ يا نُوَيْـ... قةُ إنْ نَجَوْتِ إلى الصَّباحِ
وَسَلِمْتِ مِنْ عَرَضِ الحُتُو... فِ مِنَ الغُدُوِّ إلى الرَّواحِ
أنْ تَهْبِطِينَ بِلَادَ قَوْ... مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلَاحِ (٤)
أي: أنَّكِ لا تَهْبِطِينَ.
قوله: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ يعني: الإسلام بِيَدِ اللَّه ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ على خَلْقِهِ ﴿الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ بنعمته ومِنَّتِهِ عليهم، واللَّه أعلم.
стр. 1328
سورة المجادلة
مدنية
وهي ألف وسبعمائة واثنان وتسعون حرفًا، وأربعمائة وثلاث وسبعون كلمةً، واثنتان وعشرون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُجادَلةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامةِ" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُجادَلةِ أُجِيرَ مِنْ فَتّانِ القَبْرِ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾؛ أي: تُخاصِمُكَ وتُحاوِرُكَ وتُراجِعُكَ ﴿فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: تتَضَرَّعُ إليه وتَشْكُو، يقال: اشْتَكَيْتُ ما بِي وشَكَوْتُ.
стр. 1329
تَنَزَّلَتْ هذه الآيةُ في شأن خَوْلةَ بنت مالك بن ثَعْلَبةَ (١) وزَوْجِها أوْسِ بن الصّامِتِ (٢)، وقصتها مع رسول اللَّه ﷺ مشهورة (٣)، وذلك أنَّ زَوْجَها ظاهَرَ مِنْها، فَأتَت النَّبِيَّ ﷺ ، وقالت: يا رسول اللَّه: إنَّ زَوْجِي أوْسَ بنَ الصّامِتِ ظاهَرَ مِنِّي، بعد أن قَدُمَتْ معه صُحْبَتِي، ونَثَرْتُ له كِنانَتِي (٤)، ولِي مِنْهُ صِبْيةٌ صِغارٌ، إنْ ضَمَّهُمْ إليه ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيَّ جاعُوا، أشْكُو إلَى اللَّه عُجَرِي وَبُجَرِي (٥)، تريد: جَمِيعَ أمْرِي الظّاهِرَ والباطِنَ، فنَزَلَتْ هذه الآياتُ فِي الظِّهارِ، وكان هذا أوَّلَ ظِهارٍ فِي الإسلام.
стр. 1330
وأصل العُجَرِ: العُقَدُ النّاتِئةُ فِي العَصَبِ، والبُجَرُ: العُقَدُ النّاتِئةُ فِي البَطْنِ.
قوله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ يعني خَوْلةَ والنَّبِيَّ ﷺ ، والتَّحاوُرُ: المُحاوَرةُ وهي المُخاطَبةُ، وأصله ما يُحِيرُ الإنسانُ؛ أي: يُدِيرُ من الكلام، يقال: كَلَّمْتُهُ فَما أحارَ جَوابًا (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لتحاوركما ﴿بَصِيرٌ (١)﴾ به.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قرأ الحسن وأبو عمرو ونافع وابن كثير: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ بتشديد الظاء والهاء من غير ألف، وقرأ أبو جعفر وشَيْبةُ ويَحْيَى بنُ وَثّاب والأعمشُ وابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ وأحمدُ بنُ مجاهد (٢): ﴿يَظّاهَرُونَ﴾ بفتح الياء والظاء والهاء مع التشديد فيها (٣) والألِفِ، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ وعاصمٌ: "يُظاهِرُونَ" بضم الياء وكسر الهاء وتخفيف الظاء (٤).
والمعنى: تُحَرِّمُونَهُنَّ تَحْرِيمَ ظُهُورِ الأُمَّهاتِ، وكل ما كان من الأُمِّ مُحَرَّمًا على الابن أن يراه، كالفرج والبطن والفَخِذَيْنِ وأشباهِ ذلك، فهو بِمَنْزِلةِ الظَّهْرِ على الأصح.
стр. 1331
و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع نصب بـ ﴿بَصِيرٌ﴾ (١).
وقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ قرأه العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ﴿مَا﴾، كقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾ (٢)، وقيل: على معنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ المفضلُ وعاصمٌ في بعض الروايات بضم التاء (٣) على المبتدأ والخبرِ، على لغة بني تميم؛ لأنهم لا يُعْمِلُونَ "ما" عَمَلَ "لَيْسَ" كَفِعْلِ أهْلِ
стр. 1332
الحِجازِ (١)، ولكنهم يرفعون ما بعده على الابتداء والخبر، قال الفراء (٢): وهي لغة أهل نَجْدٍ، وأنشدوا على لغتهم:
٣٤٤ - وَيَزْعُمُ حِسْلٌ أنَّهُ فَزعُ قَوْمِهِ... وَما أنْتَ فَرْعٌ يا حُسَيْلُ وَلا أصْلُ (٣)
وقوله: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ رفع بالابتداء؛ أي: ما أُمَّهاتُهُمْ ﴿إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ﴿اللَّائِي﴾ جَمْعُ "الَّتِي"، يقال: اللَّائِي واللَّاتِي، ومحله رفع خبر ابتداءٍ محققٍ.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ المُنْكَرُ: هو الذي لا يُعْرَفُ، والزُّورُ: الكَذِبُ، وهما نعتان لمصدر محذوف، وهو نصب بالقول؛ أي: لَيَقُولُونَ قَوْلًا مُنْكَرًا وَقَوْلًا زُورًا، يعني: كَذِبًا وبُهْتانًا (٤) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ عَفا عنهم وغَفَرَ لهم بإيجاب الكَفّارةِ عليهم.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾؛ أي: يعودون إلى الجِماعِ الذي حَرَّمُوا على أنفسهم، فنَهاهُم اللَّهُ عن الجِماعِ حَتَّى يُكَفِّرُوا.
стр. 1333
وقوله: ﴿لِمَا﴾ بمعنى "إلى"، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (١)؛ أي: إلَيْها، وقولِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٢)؛ أي: إلى ما نُهُوا عنه، وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣)؛ أي: إلى آبائِهِمْ، قال الشاعر:
٣٤٥ - فَلَمّا التَقَى فُرْسانُنا وَرِجالُهُمْ... دَعَوْا يا لَكَعْبٍ! واعْتَزَيْنا لِعامِرِ (٤)
أي: انْتَسَبْنا إلَى عامر.
ويجوز أن يكون ﴿لِمَا﴾ بمعنى: بِما قالوا، وهو قول الأخفش (٥)، ويجوز أن يكون بمعنى: فِيما قالُوا، وهو قول الفراء (٦)، وكُلٌّ في ذلك جائزٌ.
وفي الآية تقديم وتأخير، قال الأخفش (٧): تقدير الآية: والذين يُظاهِرُونَ
стр. 1334
مِنْ نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبةٍ لِما قالُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى نسائهم؛ أي: فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبةٍ لِما نَطَقُوا به مِنْ ذِكْرِ التحريم، والتقديم والتأخير كثيرٌ في التنزيل ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ قال الزَّجّاجُ (١): ذلكم التغليظ في الكَفّارةِ تُوعَظُونَ به؛ أي: إنَّ غِلَظَ الكَفّارةِ وَعْظٌ لَكُمْ حَتَّى تَتْرُكُوا الظِّهارَ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: يُعادُونَهُما ويُخالِفُونَ أمْرَهُما ويُحارِبُونَهُما، وقيل: يُجانِبُونَهُما؛ أي: يَكُونُونَ في حَدٍّ، واللَّهُ ورَسُولُهُ في حَدٍّ، والأصل: يُحادِدُونَ، فأدغمت الدال في الدال.
وقوله: ﴿كُبِتُوا﴾؛ أي: أُهْلِكُوا وأُذِلُّوا وأُخْزُوا، يقال: كَبَتَ اللَّهُ فُلَانًا: إذا أذَلَّهُ وأخْزاهُ، والمَرْدُودُ بالذُّلِّ يقال له: مَكْبُوتٌ (٢) ﴿كَمَا كُبِتَ﴾؛ أي: أُهْلِكَ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من أهل الشِّرك، والكاف في موضع نصب؛ لأنها نعت لمصدر محذوف (٣) ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني القرآن ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾ من الهَوانِ.
ثم بَيَّنَ وَقْتَ ذلك العذابِ، فقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يعني بذلك الخَلْقَ كُلَّهُمْ، يبعثهم من قبورهم أحياءً، والعامل في ﴿يَوْمَ﴾: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، و ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال.
قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ قرأه العامة بالياء لأجل الحائل، وقرأ أبو جعفر بالتاء (٤) لتأنيث النَّجْوَى، والأوَّلُ أصَحُّ وأفْصَحُ، قاله
стр. 1335
الثعلبي (١)، و ﴿نَجْوَى﴾ مصدر مضاف، قال الفراء (٢): إن شئت خفضت الثلاثة على نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها.
ويَجُوزُ رفعه على موضع ﴿نَجْوَى﴾، ويَجُوزُ نصبه على الحال من المضمر الذي فِي ﴿نَجْوَى﴾، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، يقال: ما جاءَنِي مِنْ رَجُلٍ؛ أي: ما جاءَنِي رَجُلٌ (٣).
والنَّجْوَى: الحَدِيثُ سِرًّا كان أو علانيةً (٤)، ومعنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾؛ أي: مِنْ حديثٍ يكون بين ثلاث ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: بالإحاطة بِهِمْ والعِلْمِ لا فِي العَدَدِ، يسمع نَجْواهُمْ ويَعْلَمُ فَحْواهُمْ ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ قرأه العامة: "أكْثَرَ" بالفتح، وهو في محل الخفض على العطف، وقرأ يعقوب وأبو حاتم بالرفع (٥)