← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع نصب بـ ﴿بَصِيرٌ﴾ (١). وقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ قرأه العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ﴿مَا﴾، كقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾ (٢)، وقيل: على معنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ المفضلُ وعاصمٌ في بعض الروايات بضم التاء (٣) على المبتدأ والخبرِ، على لغة بني تميم؛ لأنهم لا يُعْمِلُونَ "ما" عَمَلَ "لَيْسَ" كَفِعْلِ أهْلِ

стр. 1332

الحِجازِ (١)، ولكنهم يرفعون ما بعده على الابتداء والخبر، قال الفراء (٢): وهي لغة أهل نَجْدٍ، وأنشدوا على لغتهم: ٣٤٤ - وَيَزْعُمُ حِسْلٌ أنَّهُ فَزعُ قَوْمِهِ... وَما أنْتَ فَرْعٌ يا حُسَيْلُ وَلا أصْلُ (٣) وقوله: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ رفع بالابتداء؛ أي: ما أُمَّهاتُهُمْ ﴿إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ﴿اللَّائِي﴾ جَمْعُ "الَّتِي"، يقال: اللَّائِي واللَّاتِي، ومحله رفع خبر ابتداءٍ محققٍ. قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ المُنْكَرُ: هو الذي لا يُعْرَفُ، والزُّورُ: الكَذِبُ، وهما نعتان لمصدر محذوف، وهو نصب بالقول؛ أي: لَيَقُولُونَ قَوْلًا مُنْكَرًا وَقَوْلًا زُورًا، يعني: كَذِبًا وبُهْتانًا (٤) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ عَفا عنهم وغَفَرَ لهم بإيجاب الكَفّارةِ عليهم. قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾؛ أي: يعودون إلى الجِماعِ الذي حَرَّمُوا على أنفسهم، فنَهاهُم اللَّهُ عن الجِماعِ حَتَّى يُكَفِّرُوا.

стр. 1333

وقوله: ﴿لِمَا﴾ بمعنى "إلى"، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (١)؛ أي: إلَيْها، وقولِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٢)؛ أي: إلى ما نُهُوا عنه، وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣)؛ أي: إلى آبائِهِمْ، قال الشاعر: ٣٤٥ - فَلَمّا التَقَى فُرْسانُنا وَرِجالُهُمْ... دَعَوْا يا لَكَعْبٍ! واعْتَزَيْنا لِعامِرِ (٤) أي: انْتَسَبْنا إلَى عامر. ويجوز أن يكون ﴿لِمَا﴾ بمعنى: بِما قالوا، وهو قول الأخفش (٥)، ويجوز أن يكون بمعنى: فِيما قالُوا، وهو قول الفراء (٦)، وكُلٌّ في ذلك جائزٌ. وفي الآية تقديم وتأخير، قال الأخفش (٧): تقدير الآية: والذين يُظاهِرُونَ

стр. 1334

مِنْ نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبةٍ لِما قالُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى نسائهم؛ أي: فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبةٍ لِما نَطَقُوا به مِنْ ذِكْرِ التحريم، والتقديم والتأخير كثيرٌ في التنزيل ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ قال الزَّجّاجُ (١): ذلكم التغليظ في الكَفّارةِ تُوعَظُونَ به؛ أي: إنَّ غِلَظَ الكَفّارةِ وَعْظٌ لَكُمْ حَتَّى تَتْرُكُوا الظِّهارَ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: يُعادُونَهُما ويُخالِفُونَ أمْرَهُما ويُحارِبُونَهُما، وقيل: يُجانِبُونَهُما؛ أي: يَكُونُونَ في حَدٍّ، واللَّهُ ورَسُولُهُ في حَدٍّ، والأصل: يُحادِدُونَ، فأدغمت الدال في الدال. وقوله: ﴿كُبِتُوا﴾؛ أي: أُهْلِكُوا وأُذِلُّوا وأُخْزُوا، يقال: كَبَتَ اللَّهُ فُلَانًا: إذا أذَلَّهُ وأخْزاهُ، والمَرْدُودُ بالذُّلِّ يقال له: مَكْبُوتٌ (٢) ﴿كَمَا كُبِتَ﴾؛ أي: أُهْلِكَ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من أهل الشِّرك، والكاف في موضع نصب؛ لأنها نعت لمصدر محذوف (٣) ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني القرآن ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾ من الهَوانِ. ثم بَيَّنَ وَقْتَ ذلك العذابِ، فقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يعني بذلك الخَلْقَ كُلَّهُمْ، يبعثهم من قبورهم أحياءً، والعامل في ﴿يَوْمَ﴾: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، و ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال. قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ قرأه العامة بالياء لأجل الحائل، وقرأ أبو جعفر بالتاء (٤) لتأنيث النَّجْوَى، والأوَّلُ أصَحُّ وأفْصَحُ، قاله

стр. 1335

الثعلبي (١)، و ﴿نَجْوَى﴾ مصدر مضاف، قال الفراء (٢): إن شئت خفضت الثلاثة على نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها. ويَجُوزُ رفعه على موضع ﴿نَجْوَى﴾، ويَجُوزُ نصبه على الحال من المضمر الذي فِي ﴿نَجْوَى﴾، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، يقال: ما جاءَنِي مِنْ رَجُلٍ؛ أي: ما جاءَنِي رَجُلٌ (٣). والنَّجْوَى: الحَدِيثُ سِرًّا كان أو علانيةً (٤)، ومعنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾؛ أي: مِنْ حديثٍ يكون بين ثلاث ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: بالإحاطة بِهِمْ والعِلْمِ لا فِي العَدَدِ، يسمع نَجْواهُمْ ويَعْلَمُ فَحْواهُمْ ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ قرأه العامة: "أكْثَرَ" بالفتح، وهو في محل الخفض على العطف، وقرأ يعقوب وأبو حاتم بالرفع (٥)

стр. 1336

على محل الكلام قبل دخول "مِنْ"، وقرأ الزُّهْرِيُّ: "أكْبَرَ" (١) بالباء المعجمة بنقطة من أسفل. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: بِما يُزَيِّنُ الشيطانُ لليهود والمنافقين ذلك النجوى (٢)؛ لِيَحْزُنَ المؤمنين، وذلك أن المؤمنين إذا رَأوا اليهود والمنافقين مُتَناجِينَ، قالوا: لعلهم يَتَناجَوْنَ لَمّا بَلَغَهُمْ عن إخواننا الذين خرجوا في السَّرايا قَتْلٌ أو مَوْتٌ أو هَزِيمةٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يريد: فِي الضُّرِّ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ يَكِلُونَ أُمُورَهُمْ إلَى اللَّه، ونصب ﴿شَيْئًا﴾؛ لأنه مفعول ثانٍ، والمفعول الأول الهاء والميم. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾؛ أي: تَوَسَّعُوا، ومنه قولهم: مَكانٌ فَسِيحٌ: إذا كان واسعًا، قرأ عاصم والسُّلَمِيُّ والحسن: "فِي المَجالِسِ" بالألف على الجمع، وقرأ قتادة: "تَفاسَحُوا فِي المَجالِسِ" بالألف فيهما، وقرأ الآخرون: "فِي المَجْلِسِ" (٣) يعنون: فِي مَجْلِسِ

стр. 1337

رسول اللَّه ﷺ (١)، وهو الاختيار؛ لأن المَجْلِسَ يُؤَدِّي معناه عن المَجالِسِ كُلِّها مَجْلِسُ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِ. وقوله: ﴿فَافْسَحُوا﴾؛ أي: أوْسِعُوا، يقال: فَسَحَ يَفْسَحُ فَسْحًا: إذا أوْسَعَ في المَجْلِسِ، وقوله: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: يُوَسِّعِ اللَّهُ لكم الجنةَ والمجالس فيها، وهو جواب الأمر، وفيه معنى المجازاة. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ قرأ أهل المدينة والشام وعاصم بضم الشين، وقرأ الآخرون بكسرها (٢)، وهما لغتان (٣)، والمعنى: قُومُوا وتَحَرَّكُوا وارْتَفِعُوا عن مواضعكم حتى تُوسِعُوا لغيركم، ومنه يقال: قَعَدَ على نَشَزٍ من الأرض؛ أي: على مكان مرتفع، وقيل: معناه: انْهَضُوا إلى الصلاة والجهاد والذِّكْرِ وعَمَلِ الخَيْرِ، ولا تُقَصِّرُوا ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وهذا أيضًا جواب الأمر، والعِلْمُ نصب على خَبَرِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ،

стр. 1338

و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ فِي موضع نصب مفعولٌ ثانٍ حذفت منه "إلى"، قال ابن عباس ﵁: يرفع اللَّه الذين أُوتُوا العِلْمَ درجات من المؤمنين على الذين لَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ. فصل عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فَضْلُ العالِمِ على الشَّهِيدِ دَرَجةٌ، وفَضْلُ الشَّهِيدِ على العابِدِ دَرَجةٌ، وفَضْلُ النَّبِيِّ على العالِمِ دَرَجةٌ، وفَضْلُ القُرْآنِ عَلَى سائِرِ الكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وفَضْلُ العالِمِ عَلَى سائِرِ النّاسِ كَفَضْلِي عَلَى أدْناهُمْ" (١). وقال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ جاءَتْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ العِلْمَ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ دَرَجةٌ واحِدةٌ" (٢). وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن فِي القيامة أهْوالًا وأفْزاعًا وحَسْرةً ونَدامةً، حَتَّى يَغْرِقَ الرَّجُلُ في عَرَقِهِ إلى شَحْمةِ أُذُنَيْهِ، حَتَّى لو أن سبعين بَعِيرًا شَرِبَ مِنْ عَرَقِ أحَدِهِمْ لَرَوَوْا، وما نَقَصَ منه شَيْءٌ"، قيل: يا رسول: فما يُنْجِينا من تلك الأهوال والأفزاع؟ قال: "جاثُوا بِرُكَبِكُمْ بَيْنَ يَدَي العالِمِ؛ فإنِّي أفْتَخِرُ بهم يوم القيامة، فأقول: عُلَماءُ أُمَّتِي كَسائِرِ الأنْبِياءِ".

стр. 1339

وعن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "يا ابن مسعود: جُلُوسُكَ فِي حَلْقةِ العالِمِ لا تَمَسُّ قَلَمًا، ولا تكتب حرفًا، خَيْرٌ لك مِنْ ألْفِ فَرَسٍ تُوَجِّهُهُ فِي سبيل اللَّه، وسَلَامُكَ عليه خَيْرٌ لك من ألْفِ فَرَسٍ تُوَجِّهُهُ فِي سبيل اللَّه، وسَلَامُكَ عليه خَيْرٌ لك مِنْ عِبادَتِكَ ألْفَ سَنةٍ" (١). قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ يعني: على المنافقين، وقيل: على القَدَرِيّةِ؛ أي: غَلَبَ واسْتَوْلَى، قال المبرد (٢): اسْتَحْوَذَ على الشيء: إذا حَواهُ وأحاطَ بِهِ، وجاء بالواو على أصله، ولَمْ يُعَلَّ، كما جاء: اسْتَرْوَحَ واسْتَصْوَبَ، والقياس: اسْتَحاذَ (٣)، ومعناه: اسْتَدارَ عليهم الشيطان، فأحاط بهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ يعني: جُنْدُهُ ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾. فصل عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامةِ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟ فتقوم القَدَرِيّةُ مُسْوَدّةً وُجُوهُهُمْ، مُزْرَقّةً أعْيُنُهُمْ، مائِلًا شِقِّهُمُ، يَسِيلُ لُعابُهُمْ، فيقولون: واللَّهِ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِكَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا،

стр. 1340

وَلا صَنَمًا وَلَا وَثَنًا، وَلَا اتَّخَذْنا مِنْ دُونِكَ إلَهًا"، قال ابن عباس: صَدَقُوا واللَّهِ، أتاهُم الشِّرْكُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تَلا ابن عباس: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، هُمْ -واللَّهِ- القَدَرُّيونَ، هُمْ -واللَّهِ -القَدَرُّيونَ، هُمْ -واللَّهِ- القَدَرُّيونَ" (١). ورُوِيَ عن داوُدَ ﵇ أنه قال: "إلَهِي: مَنْ حِزْبُكَ وَحَوْلَ عَرْشِكَ؟ "، فأوحى اللَّه تعالى إليه: "يا داوُدُ: الغاضّةُ أبْصارُهُمْ، النَّقِيّةُ قُلُوبُهُمْ، السَّلِيمةُ أكُفُّهُمْ، أولئك حِزْبِي وَحَوْلَ عَرْشِي" (٢)، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1341

سورة الحشر مدنية وهي ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعون حرفًا، وأربعمائة وخمس وأربعون كلمةً، وأربع وعشرون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب وعن ابن عباس ﵄: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورة الحَشْرِ لَمْ تَبْقَ جَنّةٌ ولا نارٌ ولا عَرْشٌ ولا كُرْسِيٌّ ولا حِجابٌ ولا السَّماواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ والهَوامُّ والرِّيحُ والطَّيْرُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ والجِبالُ والشَّمْسُ والقَمَرُ والملائكةُ، إلّا صَلَّوْا عليه واسْتَغْفَرُوا لَهُ، فَإنْ ماتَ مِنْ يَوْمِهِ أو لَيْلَتِهِ ماتَ شَهِيدًا" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سورة الحَشْرِ أخَذَ بِيَدِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، يقول: ما مِنْ أحَدٍ أفْضَلَ مِنْكَ، وَإنْ كُنْتَ لَمُخْلَصًا" (٢).

стр. 1342

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تعالى أنه يُسَبِّحُ له مَنْ فِي السماوات ومَنْ فِي الأرض، نظيرها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (١)، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي انتقامه مِمَّنْ عَصاهُ ﴿الْحَكِيمُ (١)﴾ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، والذي لا يَدْخُلُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلَلٌ، وهو مبتدأ، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبره، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ نعت لـ ﴿الْعَزِيزُ﴾، ويجوز أن يكون خبرًا ثانيًا (٢). قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ يعني بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أجْلاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسَدُوا المُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوا مَنازِلَهُمْ، فَجَعَلُوا يُخْرِبُونَها مِنْ داخِلٍ، والمسلمون مِنْ خارِجٍ، قرأ العامة: ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بالتخفيف من الإخْرابِ، وقرأ أبو عمرو بالتشديد (٣) من التَّخْرِيبِ، والمعنى واحد مثل فَرَّحْتُهُ وأفْرَحْتُهُ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ معنى الاعتبار: النَّظَرُ فِي الأُمُورِ لِيُعْرَفَ بِها شَيْءٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِها، والمعنى: تَدَبَّرُوا وانْظُرُوا واتَّعِظُوا فيما نَزَلَ بِهِمْ يا أهْلَ اللُّبِّ والعَقْلِ والبَصائِرِ.

стр. 1343

قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾؛ أي: قَضَى عليهم أنَّهُمْ يَخْرُجُونَ عن أوطانهم إلى الشام ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والسَّبْيِ كما فعل بِبَنِي قُرَيْظةَ، يقال: جَلا قَوْمٌ عَنْ دِيارِهِمْ جَلاءً: إذا هَرَبُوا، وأجْلَاهُم غَيرُهُمْ إجْلاءً (١)، والجَلَاءُ: الهَرَبُ والخُرُوجُ عن الأوطان، تقول: إمّا حَرْبٌ مُجْلِيةٌ أوْ سِلْمٌ مُخْزِيةٌ (٢)، المعنى: إمّا حَرْبٌ ودَمارٌ وخُرُوجٌ عن الديار، وإمّا صُلْحٌ وقَرارٌ على صَغارٍ ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾. قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ اللِّينةُ: النَّخْلُ كُلُّهُ ما خَلا العَجْوةَ والبَرْنيَّ (٣)، وقيل (٤): هي ألوان النخل كُلُّها من غير استثناء، وقيل (٥): هي النخلة القريبة من الأرض، واحدها: لِوْنٌ، وجمعها: لِوانٌ، ذَهَبَت الواوُ لكسرة اللام (٦)،

стр. 1344

وقيل: واحدها: لِينةٌ، وجمعها: لِينٌ وألْيانٌ وليانٌ (١)، وأصلها: لِوْنةٌ، فقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها، والعرب تسمي ألوان النخل كُلَّها لِينةً، قال الأخفش (٢): ٣٤٦ - قَدْ شَجانِي الحَمامُ حِينَ تَغَنَّى... بِفِراقِ الأحْبابِ مِنْ فَوْقِ لِينَهْ (٣) وقوله: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ يعني سُوقَها، فَلَمْ تَقْطَعُوها ولَمْ تُحْرِقُوها ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾؛ أي: لِيُذِلَّ اليهودَ ويُهِينَهُمْ ويُحْزِنَهُمْ ويَغِيظَهُمْ، والواو بمعنى التكرار، ونصب ﴿قَائِمَةً﴾ على الحال، وقرأ عبد اللَّه بن مسعود: ﴿قُوَّمًا﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ يعني من أموال بني النَّضِيرِ، يقال: فاءَ يَفِيءُ: إذا رَجَعَ، وأفاءَهُ اللَّهُ: إذا رَدَّهُ (٥) ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على

стр. 1345

ما أفاء اللَّه ﴿مِنْ خَيْلٍ﴾ يعني الفَرَسَ ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾ يعني الإبِلَ خاصّةً، ومعنى ﴿أَوْجَفْتُمْ﴾؛ أي: أسْرَعْتُمْ على الفَيءِ، والإيجافُ: إسْراعُ الدّابّةِ، والوَجِيفُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ، يقال: وَجَفَ الرَّجُلُ وَأوْجَفْتُهُ، وَوَجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ يَجِفُ وَجِيفًا، وهو سُرْعةُ السَّيْرِ، وأوْجَفَهُ صاحِبُهُ: إذا حَمَلَهُ على السَّيْرِ السَّرِيعِ (١). وقال عبد الملك بن هشام (٢): ﴿أَوْجَفْتُمْ﴾ حَرَّكْتُمْ وأتْعَبْتُمْ فِي السَّيْرِ، قال تَمِيمُ بنُ أُبَيِّ بنِ مُقْبِلٍ: ٣٤٧ - مَذاوِيدُ بِالبِيضِ الحَدِيثِ صِقالُها... عَنِ الرَّكبِ أحْيانًا إذا الرَّكبُ أوْجَفُوا (٣) والوَجِيفُ أيضًا: وَجِيفُ القَلْبِ والكَبدِ، وهو الضَّرَباتُ، قال قيس بن الخطيم: ٣٤٨ - إنّا وَإنْ قَدَّمُوا الَّتِي عَلِمُوا... أكْبادُنا مِنْ وَرائِهِمْ تَجِفُ (٤) وهذا البيت في قصيدة له. قوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ قرأ العامة بالياء، و ﴿دُولَةً﴾ بالنصب على معنى: كَيْ لا يكون الفيء دولةً، وقرأ أبو جعفر وهشام ويزيد بن القَعْقاعِ بالتاء

стр. 1346

والرفعِ (١)؛ أي: لا تكون الغنيمةُ والأموالُ، ورفع "دُولةٌ" على اسم "كانَ"، وجعل الكَيْنُونةِ بمعنى الوقوع، وحينئذ لا خَبَرَ لَها. وأجمع القُرّاءُ على ضَمِّ الدّالِ إلا ما حُكِيَ عن أبِي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ، فإنه فَتَحَ الدّالَ، قال عيسى بن عُمَرَ (٢): وهما لغتان بمعنًى واحدٍ، وفَرَّقَ الآخرون بينهما (٣)، فقالوا: الدَّوْلةُ -بالفتح-: القَهْرُ والغَلَبةُ فِي الحَرْبِ وغَيْرِها، وهو مصدر، والدُّولةُ بالضَّمِّ: اسْمٌ للشيءِ الذي يَتَداوَلُونَهُ النّاسُ بينهم، مثل العارية تكون لِهَذا مَرّةً ولِهَذا مَرّةً، فالدَّوْلةُ -بالفتح- فِي الأيام، وبالضَّمِّ فِي الأموال. ومعنى الآية: كَي لا يَكُونَ الفَيءُ دُولةً ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ والرؤساء والأقوياء، فَيَغْلِبُوا عليه الفُقَراءَ والضُّعَفاءَ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غَنِمُوا غَنِيمةً أخَذَ الرَّئِيسُ رُبُعَها، وهو المِرْباعُ، ثم يَصْطَفِي منها أيضًا بعد

стр. 1347

المِرْباعِ ما شاء، ومنه قَوْلُ شاعرهم فِي عَدِيِّ بن حاتم الطّائِيِّ (١): ٣٤٩ - لَكَ المِرْباعُ مِنْها والصَّفايا... وَحُكْمُكَ والنَّشِيطةُ والفُضُولُ (٢) فالمِرْباعُ: ما ذكرناه، والصَّفايا: ما يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ قبل القِسْمةِ، والنَّشِيطةُ: ما انْتَشَطَهُ أيضًا قَبْل القِسْمةِ، والانْتِشاطُ: الانْتِزاعُ، وحُكْمُهُ: ما أحْكَمَهُ فِي المَغْنَمِ، والفُضُولُ: ما فَضلَ بعد القِسْمةِ، هكذا قاله صاحب نظام الغريب (٣). فَجَعَلَ اللَّهُ تعالى هذا لرسوله ﷺ يُقَسِّمُهُ في المواضع التي أُمِرَ بِها. قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ قيل: هو بَدَلٌ مما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بإعادة الحرف كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٤)، وقيل: التقدير: كَيْ لا يَكُونَ دُولةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنْكُمْ، ولَكِنْ يَكُونُ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ (٥) ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا

стр. 1348

مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: أخْرَجَهُم المشركون، نظيرها قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقد ذُكِرَ. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: تَوَطَّنُوا المدينةَ دارَ الإيمان والهجرة، تَبَوَّأها الأنصارُ قَبْلَ المهاجرين. وتقدير الآية: والذين تَبَوَّءُوا الدّارَ من قبلهم والإيمانَ؛ لأن الأنصار لَمْ يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف الإيمان على الدار فِي الظاهر لا فِي المعنى؛ لأن الإيمان لَيْسَ بمَكانٍ يُتَبَوَّأُ، والتقدير: وَآثَرُوا الإيمانَ أو اعْتَقَدُوا الإيمانَ (٢) ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؛ لأن الأنصار أحْسَنُوا إلِى المهاجرين، وأشْرَكُوهُمْ في أموالهم ومساكنهم ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾؛ أي حَسَدًا وَحَزازةً وغَيْظًا ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ يعني: مِمّا أُعْطِيَ المهاجرون من الفَيْءِ دُونَهُمْ ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ المهاجرين ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بأموالهم ومنازلهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ حاجةٌ وفَقْرٌ وفاقةٌ، وأصل الخَصاصةِ الخِلَلُ والفُرَجُ، ومنه: خَصاصُ الأصابِعِ، وهي الفُرَجُ التِي بينها (٣). فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: جاء رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وقد أصابه الجَهْدُ، فقال: يا رسول اللَّه: إنِّي جائع فَأطْعِمْنِي، فَبَعَثَ النبِيُّ ﷺ إلَى

стр. 1349

أزواجه: "هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ؟ "، فَكُلُّهُنَّ قالت: والذي بَعَثَكَ بالحق نَبِيًّا ما عندنا إلا الماء، فقال ﵇: "ما عند رسول اللَّه ما يُطْعِمُكَ هذه الليلةَ"، ثم قال: "مَنْ يُضِيفُ هذا هَذِهِ الليلةَ ﵀؟ "، قال رجل من الأنصار: أنا يا رسول اللَّه، فَأتَى مَنْزِلَهُ، فقال لأهله: هذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأكرميه ولا تَدَّخِرِي عنه شيئًا، فقالت: ما عندنا إلّا قُوتُ الصِّبْيةِ، فقال: قُومِي فَعَلِّلِيهِمْ (١) عن قُوتِهِمْ حتى يناموا ولا يَطْعَمُوا، ثم أسْرِجِي واتَّزِرِي، فإذا أخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ فَقُومِي كأنك تُصْلِحِينَ السِّراجَ فَأطْفِئِيهِ، وتَعالَيْ نَمْضُغْ ألْسِنَتَنا لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَشْبَعَ، قال: فقامت إلَى الصِّبْيةِ فَعَلَّلَتْهُمْ حتى ناموا عن قُوتِهِمْ، ولَمْ يَطْعَمُوا شيئًا، ثم قامت فَأسْرَجَتْ واتَّزَرَتْ، فلما أخَذَ الضيفُ يَأْكُلُ قامت كأنها تُصْلِحُ السِّراجَ فَأطْفَأتْهُ، وجَعَلا يَمْضُغانِ ألْسِنَتَهُما لضيف رسول اللَّه ﷺ ، فَظَنَّ الضيف أنهما يأكلان معه، حتى شَبِعَ ضَيْفُ رسول اللَّه ﷺ ، وباتا طاوِيَيْنِ، فَلَمّا أصْبَحا غَدَوا إلَى رسول اللَّه ﷺ ، فلما نَظَرَ إليهما تَبَسَّمَ، ثم قال: "لقد عَجِبَ اللَّه من فلان وفلانة هذه الليلة"، فأنزل اللَّه : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (٢). ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ عند اللَّه الفائزون الرابحون الظافرون بكل خير، و ﴿يُوقَ﴾ مجزوم بالشرط، فلذلك حذفت الألف، ولا يجوز إثباتها إذا كانت شرطًا عند البصريين، ويجوز عند

стр. 1350

الكوفيين (١)، وشَبَّهُوهُ بقول الشاعر: ٣٥٠ - ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي... بِما لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟ (٢)

стр. 1351

والشُّحُّ في كلام العرب: البُخْلُ ومَنْعُ الفَضْلِ، يقال: فُلَانٌ شَحِيحٌ بيِّنُ الشُّحِّ والشِّحّةِ والشَّحاحةِ، وفَرَّقَ العلماء بَيْنَ الشُّحِّ والبُخْلِ فقالوا: الشُّحُّ: أن يَبْخَلَ الإنسان بِما فِي أيدي الناس، والبُخْلُ: أن يَبْخَلَ الإنسان بِما في يَدَيْهِ (١)، والمعروف في كلام العرب أن الشُّحَّ أزْيَدُ من البخل، يقال: شَحَّ فُلَانٌ يَشُحُّ: إذا اشْتَدَّ بُخْلُهُ ومَنَعَ فَضْلَ المالِ (٢)، كما قال عمرو بن كلثوم: ٣٥١ - تَرَى اللَّحْزَ الشَّحِيحَ -إذا أُمِرَّتْ... عَلَيْهِ- لِمالِهِ فِيها مُهِينا (٣) فصل عن عبد اللَّه بن عمرو قال: خطب رسول اللَّه ﷺ فقال: "إيّاكُمْ والظُّلْمَ، فإن الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يوم القيامة، وإيّاكُمْ والفُحْشَ، فإن اللَّه يُبْغِضُ الفاحِشَ،

стр. 1352

وإيّاكُمْ والشُّحَّ، فإنما هَلَكَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أمَرَهُمْ بِالبُخْلِ فَبَخِلُوا، وأمَرَهُمْ بِالقَطِيعةِ فَقَطَعُوا، وأمَرَهُمْ بِالفُجُورِ فَفَجَرُوا" (١). وعن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ والإيمانُ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، ولا يَجْتَمِعُ غُبارٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ ودُخانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ" (٢). ورَوَى ابنُ ربيعة (٣) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن فِي الجَنّةِ شَجَرةً تُسَمَّى السَّخاءَ، منها يَخْرُجُ السَّخاءُ، و [فِي النار شَجَرةٌ تُسَمَّى] (٤) الشُّحَّ، منها يَخْرُجُ الشُّحُّ، ولَنْ يَلِجَ الجَنّةَ شَحِيحٌ، فإذا ابْتَغَيْتُم المعروفَ فَفِي حُسّانِ الوُجُوهِ من الرِّجالِ فابْتَغُوهُ". قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ﴾ يعني المؤمنين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ يعني: خوفًا ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ يعني اليهود والمنافقين ﴿مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ يريد الخوف ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ

стр. 1353

لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون عَظَمةَ اللَّهِ، ومحل "أنْتُمْ" رفع بالابتداء، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبره، و ﴿رَهْبَةً﴾ نصب على التفسير. قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ يعني اليهود من بني قُرَيْظةَ والنَّضِيرِ ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾؛ أي: لا يَبْرُزُونَ لِحَرْبِكُمْ، إنما يقاتلونكم مُتَحَصِّنِينَ بالقرى والجدران. قرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: "جِدارٍ" بالألف على الواحد، والمراد به الجمع؛ لأن جِدارًا يصلح جمعًا في المعنى حَمْلًا على الجنس؛ لأنه يُعْلَمُ أنَّهُمْ لا يقاتلونهم من وراء جِدارٍ واحِدٍ، وقد جاء: ناقةٌ هِجانٌ ونُوقٌ هِجانٌ (١)، وقرأه أبو عمرو بالإمالة، ورُوِيَ عن بعض أهل مكة: ﴿جَدْرٍ﴾ بفتح الجيم وجزم الدال، وهي لغة في الجِدارِ (٢)، وقرأ يَحْيَى بن وَثّابٍ بِضَمِّ الجيم وجَزْمِ الدال، وقرأ الباقون: ﴿جُدُرٍ﴾ (٣) بضم الجيم والدال على الجمع. ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يعني: بَعْضُهُمْ فَظٌّ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني اليهود والمنافقين ﴿وَقُلُوبُهُمْ

стр. 1354

شَتَّى﴾ يعني: مُتَفَرِّقةٌ مُخْتَلِفةٌ أهْواؤُهُمْ مُخْتَلِفةٌ أعْمالُهُمْ، وهم مجتمعون على مُعاداةِ أهل الحَقِّ، قال مجاهد (١): ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ لأن بني النضير يهودٌ، والمنافقين ليسوا بيَهُودٍ، ونصب ﴿جَمِيعًا﴾ لأنه مفعول ثانٍ لـ "تَحْسَبُ"، وليس على الحال (٢)، ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك الاختلاف ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾. ثم ضَرَبَ لَهُمْ مثلًا، فقال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني مُشْرِكِي مَكّةَ ﴿قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ يعني يَوْمَ بَدْرٍ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾ في الآخرة، ونصب ﴿قَرِيبًا﴾ على الظرف، وقيل: هو نعت لظرف محذوف، قاله الصَّفّارُ (٣). قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية، يعنِي الشيطان وبَرْصِيصا العابدَ، وقصتهما مشهورة (٤)، ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾؛ أي: مُقِيمَيْنِ في النار، و ﴿أَنَّهُمَا﴾ في موضع رفع؛ لأنه اسم "كانَ"، والعاقبة الخَبَرُ، و ﴿خَالِدَيْنِ﴾ نصب على الحال والقطع من النار، وهذه قراءة العامة إلّا الحَسَنَ،

стр. 1355

فإنه كان يقرأ: "خالِدانِ فِيها" (١) فيرفعهما على خبر "أنَّ" (٢)، ﴿وَذَلِكَ﴾ يعني الخلود في النار ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ فَرَكَّبْنا فيه العَقْلَ ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ يا محمد ﴿خَاشِعًا﴾ ذليلًا خاضعًا ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ مُتَشَقِّقًا ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ يَخْشَعُ لِمَواعِظِ القُرْآنِ الذي لو نَزَلَ على جَبَلٍ لَخَشَعَ، ونصب ﴿خَاشِعًا﴾ و ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ على الحال من الهاء في "رَأيْتَهُ"، و"رَأيْتَ" من رؤية العين، وقيل: مفعولٌ ثانٍ (٣) ﴿وَتِلْكَ﴾ ابتداء ﴿الْأَمْثَالُ﴾ نعته (٤) ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾. ثم أخبر اللَّه بربوبيته وعظمته فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ وهو ما غاب عن العباد مما لَمْ يُعايِنُوهُ ولَمْ يَعْلَمُوهُ ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ وهو ما عَلِمُوهُ وشاهَدُوهُ، وقال الحسن (٥): يعني السر والعلانية ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ وهو ذُو المُلْكِ القادر على اختراع الأعيان ﴿الْقُدُّوسُ﴾ الطاهر من كل نقص وعيب، المُنَزَّهُ عَمّا لا

стр. 1356

يَلِيقُ به ﴿السَّلَامُ﴾ الذي سَلِمَ عن الآفات ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ المُصَدِّقُ لِرُسُلِهِ بإظهار معجزاته، الذي أمِنَ أوْلِياؤُهُ عَذابَهُ ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الشهيد على عباده بأعمالهم ﴿الْعَزِيزُ﴾ فِي انتقامه مِمَّنْ عَصاهُ ﴿الْجَبَّارُ﴾ هو العظيم، وجَبَرُوتُ اللَّهِ عَظَمَتُهُ، والعرب تسمي المَلِكَ: الجَبّارَ (١)، وهو على هذا القول صِفةُ ذاتٍ، ويجوز أن يكون "فَعّالًا" من: جَبَرَ: إذا أغْنَى الفقير وأصْلَحَ الكَسِيرَ (٢)، يقال: جَبَرْتُ العَظْمَ: إذا أصْلَحْتَهُ بعد الكَسْرِ، وجَبَرْتُ الأمْرَ فانْجَبَرَ، وجَبَرْتُهُ فَجَبَرَ (٣)، يكون لازمًا ومتعدِّيًا، قال العَجّاجُ: ٣٥٢ - قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرْ (٤) وقيل (٥): الجَبّارُ هو الذي لا تَنالُهُ كَثْرةُ الأيْدِي، مأخوذ من قول العرب:

стр. 1357

نَخْلةٌ جَبّارةٌ: إذا طالَتْ وفاتَتْ الأيْدِيَ، قال الشاعر: ٣٥٣ - بَواسِقَ جَبّارٍ أثِيثٍ فَرُوعُهُ... وَعالَيْنَ قُنْوانًا مِنَ البُسْرِ أحْمَرا (١) ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ الذي تَكَبَّرَ عن كل سُوءٍ، وقال أهل المعانِي (٢): المُتَكَبِّرُ في صفة اللَّه: الكبير، والعرب تضع "تَفَعَّلَ" في موضع "فَعَلَ"، مثل: تَظَلَّمَ بمعنى: ظَلَمَ، وتَشَتَّمَ بِمَعْنَى: شَتَمَ، وأصل الكِبْرِ والكِبْرِياءِ: الامتناعُ وقِلّةُ الانْقِيادِ، قال حُمَيْدٌ: ٣٥٤ - عَفَتْ قَبْلَ ما يَعْفُو الفَصِيلُ فَأصْبَحَتْ... بِها كِبْرِياءُ الصَّعْبِ وَهْوَ رَكُوبُ (٣)

стр. 1358

وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿الَّذِي﴾ رفع لأنه صفة ﴿اللَّهُ﴾ و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ نعت على التَّنْزِيهِ والنَّفْيِ، وموضعه رفع بالابتداء، و ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع خبر ابتداء محقق، و ﴿الرَّحِيمُ﴾ رفعٌ خَبَرٌ ثانٍ، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ إلَى آخِرِهِ، كُلُّها أخبار لابتداء محذوف، تقديره: هو الملك، وذلك ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ وما بعد هذا إلى آخر السورة ظاهر التفسير. فصل عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ آخِرَ سورة الحشر ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ إلى آخرها، فَماتَ مِنْ لَيْلَتِهِ ماتَ شَهِيدًا" (١). وعنه أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ آخر سورة الحشر غَفَرَ اللَّهُ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ" (٢). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قَرَأْتُ عَلَى جِبْرِيلَ، فلما بَلَغْتُ إلَى قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ قال: ضَعْ يَدَكَ على رَأْسِكَ فَإنَّها رُقْيةٌ مِن الصُّداعِ" (٣). وعن مَعْقِلِ بن يَسارٍ (٤) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ حين يُصْبِحُ

стр. 1359

ثَلَاثَ مَرّاتٍ: أعُوذُ بِاللَّه السَّمِيعِ العَلِيمِ من الشيطان الرجيم، وقرأ الثلاثَ الآياتِ مِنْ آخِرِ سورة الحشر وَكَّلَ اللَّهُ به سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عليه حَتَّى يُمْسِيَ، فإذا مات من ذلك اليَوْمِ ماتَ شَهِيدًا، ومَنْ قالَها حِينَ يُمْسِي كان بِتِلْكَ المَنْزِلةِ" (١). وعن أبِي أُمامةَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ خَواتِيمَ الحَشْرِ مِنْ لَيْلٍ أو نَهارٍ، فَقُبِضَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ أو اللَّيْلةِ، فَقَدْ أُوجِبَ الجَنّةُ" (٢). وعن أبِي هريرة قال: سَألْتُ حبيبي محمَّدًا ﷺ عن اسم اللَّه الأعظم، فقال: "عَلَيْكَ بِآخِرِ سُورةِ الحَشْرِ، فَأكْثِرْ قِراءَتَها"، فَأعَدْتُ عَلَيْهِ فَعادَ عَلَيَّ، فَأعَدْتُ عَلَيْهِ فَعادَ عَلَيَّ" (٣). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ فِي سِتِّ آياتٍ مِنْ آخِرِ سورة الحشر" (٤).

стр. 1360

ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "خاتِمةُ سورة الحشر تُدْعَى فِي مَلَكُوتِ السماوات الهادِياتِ لِكُلِّ خَيْرٍ، والمُنْقِذاتِ من كُلِّ شَرٍّ، والدّافِعاتِ لِسُخْطِ اللَّه تعالى عن العباد" (١). وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ ﵁ قال: رَأيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ قائما على هذا المنبر -يعني منبر رسول اللَّه ﷺ ، وهو يحكي عن ربه ، فقال: "إن اللَّه إذا كان يَوْمُ القيامة جَمَعَ السماوات السَّبْعَ والأرَضِينَ السَّبْعَ فِي قبضته ﵎"، ثم قال: "هكذا" -وشَدَّ قَبْضَتَهُ، ثم بَسَطَها-، ثم يقول: "أنا اللَّه، أنا الرحمن، أنا الرحيم، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بَدَأْتُ الدنيا ولَمْ تَكُ شيئًا، أنا الذي أعَدْتُها، أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين المتكبرون؟ "، قال: فَرَجَفَ المِنْبَرُ حتى قلنا: لَيَخِرَّنَّ به (٢)، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1361

سورة الامتحان مدنية وهي ألف وخمسمائة وعشرةُ أحْرُفٍ، وثلاثمائة وثمان وأربعون كلمةً، وثلاث عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُمْتَحَنةِ كان المؤمنون والمؤمنات لَهُ شُفَعاءَ يَوْمَ القِيامةِ، ولا يكون من المنافقين" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الامْتِحانِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ بالإيمان وَهَداهُ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ

стр. 1362

إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ﴿تُلْقُونَ﴾ في موضع نصب على الحال (١)، و ﴿عَدُوِّي﴾ بمعنى أعدائي، وُحِّدَ -وهو يَقَعُ للجميع والواحد والمؤنث على لَفْظٍ واحِدٍ-؛ لأنه غَيْرُ جارٍ على الفعل. والمَوَدّةُ: النَّصِيحةُ، والمعنى: تُلْقُونَ إلَى المشركين النصيحةَ وتُسِرُّونَها إليهم، يقال: ألْقَيْتُ إلَيْكَ سِرِّي وما عِنْدِي؛ أي: بَذَلْتُهُ لَكَ، وأطْلَعْتُكَ عليه (٢)، والباء صلة زائدة؛ أي: المَوَدّةَ، كقول القائل: أُرِيدُ أنْ أذْهَبَ وبِأنْ أذْهَبَ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٣)؛ أي: إلْحادًا فيه. نَزَلَتْ هذه الآيةُ في حاطِبِ بن أبِي بَلْتَعةَ (٤) حين كَتَبَ إلى أهل مكة يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّه- ﷺ إليهم لَمّاقَصَدَ فَتْحَ مَكّةَ، فكتب إليهم: إن

стр. 1363

رسول اللَّه ﷺ يريدكم، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فنَهاهُ اللَّهُ عن مُوالاةِ الكُفّارِ؛ لأنه قد كان أسْلَمَ، وشَهِدَ بَدْرًا (١). قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ يعني أهل مكّة ﴿بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني الوَحْيَ والدِّينَ واوُوَى الذي جاء به محمَّد ﷺ ، والواو في قوله: ﴿وَقَدْ﴾ واو الحال، والمعنى: وَحالُهُمْ أنَّهُمْ كَفَرُوا بما جاءكم من الحق ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ يريد: من مكة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: لِأنْ تُؤْمِنُوا باللَّه رَبِّكُمْ، أخْرَجُوكُم لإيمانكم باللَّه (٢) ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ ﴿إِنْ﴾ شرط، وجواب الشرط متقدم وهو قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، ونصب ﴿جِهَادًا﴾ على المصدر، وهو في موضع الحال، تقديره: مُجاهِدِينَ (٣)، وقيل (٤): هو مفعول من أجله، وكذلك قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ مثله، ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ يريد: بالنصيحة، قال الخليل (٥): "معناه: وَإيّاكُمْ -إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي- أنْ تُسِرُّوا إلَيْهِمْ بِالمَوَدّةِ، فلما أسْقَطَ الحَرْفُ النّاصِبُ رَفَعَهُ على الصَّرْفِ".

стр. 1364

ثم ذكر أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فقال تعالى: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ يريد: من المَوَدّةِ للكفار ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾؛ أي: ما أظهرتم بألسنتكم ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ يعني: من الإسْرارِ والإلْقاءِ إلَى الكفار، وهو شرط ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾؛ أي: أخْطَأ طَرِيقَ الهُدَى، وهو جواب الشرط. ثم أخبر اللَّه تعالى بعداوة الكفار، فقال: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾؛ أي: يَظْفَرُوا بكم، وهو شرط ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ جواب الشرط ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالضرب ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ يعني: بالشتم، ونُصِبَ ﴿وَيَبْسُطُوا﴾ عَطْفًا على الجواب، ثم قال تعالى: ﴿وَوَدُّوا﴾ يعني كفار مكة ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾ كما كفروا، ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ يعني: قَراباتُكمْ ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ التي بمكة بِالتَّقَربِ إليهم بِنَقْلِ أخبار رسول اللَّه ﷺ ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ فَيُدْخِلُ اللَّهُ أهْلَ طاعَتِهِ والإيمانِ به الجنةَ، ويُدْخِلُ أهْلَ معصيته والكفرِ به النارَ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ يعني: بِما عَمِلَ حاطِبٌ من مُكاتَبةِ أهْلِ مكة حين أخْبَرَ نَبِيَّهُ بذلك. قرأ عاصم: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففةً، وقرأ ابن عامر: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ بضم الياء وفتح الفاء والصاد مشددةً، وقرأ حمزة والكسائي كذلك، إلّا أنهما كَسَرا الصّادَ، وقرأ الباقون بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد مخففةً (١).

стр. 1365

فصل عن تَمِيمٍ الدّارِيِّ (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما الدِّينُ النَّصِيحةُ"، قالوا: لِمَنْ يا رسول اللَّهِ؟ قال: "للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتِهِمْ" (٢). قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ أي: مُشارَكةٌ في الأمْرِ، ومُتابَعةٌ وقُدْوةٌ في إبراهيم خَلِيلِ الرحمن ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من أهل الإيمان ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ من أهل الطغيان ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾. قرأ عاصم: ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضم الألف، وقرأه الباقون بالكسر (٣)، وكذلك ﴿بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ قرأه العامة على وزن "فُعَلَاءَ" غَيْرَ مُجْرًى، وهو جمع بَرِيءٍ مثل كَرِيمٍ وكُرَماءَ، وقرأ عيسى بن عمر: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ (٤) بالإجراء وكسر الباء على

стр. 1366

وزن كَرِيمٍ وكِرامٍ، وأجاز الفراء: "بَراءٌ" (١) بفتح الباء بلفظ الواحد يدل على الجمع كقوله: "إنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ" (٢)، و"بَرَآءٌ" في الأصل مصدر، فهو يقع للواحد والجمع بلفظٍ واحدٍ، وتحقيقه: إنَّنِي ذُو بَراءٍ أو ذُو تَبَرُّؤٍ منكم (٣). قوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (٨)﴾؛ أي: تَعْدِلُوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد، يقال: أقْسَطْتُ إلَى الرَّجُلِ: إذا عامَلْتَهُ بالعَدْلِ (٤)، ومحل ﴿أَنْ﴾ خفض لأنه بَدَلٌ من قوله: ﴿عَنِ الَّذِينَ﴾، وكذلك محل ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ في الآية بعدها مثله (٥). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾؛ أي: اخْتَبِرُوهُنَّ، والامتحان: الاختبار، وهو أن تَحْلِفَ المرأةُ أنها ما هاجرت

стр. 1367

لِبُغْضِ زَوْجِها، ولا خَرَجَتْ عِشْقًا لِرَجُلٍ من المسلمين، وما خَرَجَتْ إلا رَغْبةً في الإسلام، وهذا معنى الامتحان المأمورِ به (١)، و ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾ في موضع نصب على الحال. نزلت هذه الآية في سُبَيْعةَ بنت الحارثِ الأسْلَمِيّةِ (٢)، لَمّا أسْلَمَتْ هاجَرَتْ إلَى النبي ﷺ ، فجاء زَوْجُها يطلبها، وكان كافرًا، فَسَألَ النبيَّ ﷺ أنْ يَرُدَّها عليه، وقد كان ﵇ صالَحَ أهلَ مَكّةَ يوم الحديبية على أن يَرُدَّ عليهم مَنْ جاء منهم، فنَهاهُ اللَّهُ عن ذلك، وأنزل هذه الآية إلى قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ فَأعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوْجَها مَهْرَها وما أنْفَقَ عليها، ولَمْ يَرُدَّها عليه، فَتَزَوَّجَها عُمَرُ ﵁ بعد ذلك (٣). ومحل ﴿هُنَّ﴾ مهو رفع بالابتداء (٤)، وكذلك قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ هو في موضع نصب أعني: ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾، لأنه مفعول ثان لـ "عَلِمَ".

стр. 1368

قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني المؤمنين ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني مُهُورَهُنَّ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (١٠)﴾؛ أي: بحِبالِهِنَّ، قرأه العامة بالتخفيف من الإمْساكِ، ويكون الباءُ صلةً، مجازه: ولا تُمْسِكُوا عِصَمَ الكَوافِرِ، وقرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وأبو حاتِمٍ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا﴾ (١) بالتشديد من التَّمَسُّكِ، يقال: مَسَّكْتُ بِالشَّيءِ وَتَمَسَّكْتُ بِهِ (٢). والعِصَمُ حمع العِصْمةٍ، وهي ما اعْتُصِمَ به من العَهْدِ والسَّبَبِ، وأصل العِصْمةِ الحَبْلُ، وكُلُّ ما أمْسَكَ شيئًا فقد عَصَمَهُ (٣)، قال عبد الملك بن هشام (٤): وواحد العِصَمِ عِصْمةٌ، وهي الحَبْلُ والسَّبَبُ كما تقدم، قال أعْشَى قَيْسِ بن ثَعْلَبةَ: ٣٥٥ - إلى المَرْءِ قَيْسٍ نُطِيلُ السُّرَى... وَنَأْخُذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ عِصَمْ (٥)

стр. 1369

والكَوافِرُ جمع كافِرةٍ، نَهَى اللَّهُ المؤمنين عن المُقامِ على نكاح المشركات، وأمَرَهُمْ بِفِراقِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ إذا كَفَرْنَ فقد زالت العِصْمةُ بينهم، وقال صاحب "إنسان العين" (١): الكَوافِرُ يَحْتَمِلُ الرجالَ أيضًا، قال الشاعر: ٣٥٦ - وَإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهُمْ... خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾؛ أي: فَغَنِمْتُمْ، قرأه العامة بالألف، وهو الاختيار، وقرأ إبراهيمُ وحُمَيْدٌ والأعرجُ: ﴿فَعَقَّبْتُمْ﴾ مُشَدَّدًا، وقرأ مجاهد: ﴿فَأَعْقَبْتُمْ﴾ على وزن "أفْعَلْتُمْ"،

стр. 1370

وقرأ الزُّهْرِيُّ: "فَعَقَبْتُمْ" مخففًا من غير ألف، وقرأ مسروق: "فَعَقِبْتُمْ" (١) بكسر القاف خفيفةً، وكلها لغات بمعنًى واحدٍ، يقال: عاقَبَ وعَقَّبَ واعْتَقَبَ وأعْقَبَ وتَعاقَبَ: إذا غَنِمَ (٢). ومعنى الآية: فَغَزَوْتُمْ وأصَبْتُمْ من الكفار عُقْبَى، وهي الغنيمة، فَظَفِرْتُمْ وكانت العاقبةُ لكم ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ يريد: إلى الكفار ﴿مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ أي: فَأعْطُوا الأزواجَ من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المَهْرِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، وذلك أنه لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكّةَ، جاءَتْهُ النِّساءُ يُبايِعْنَهُ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (٣)، ونصب ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾ بـ ﴿أَنْ﴾، وما بعده من قوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ﴾ عطف عليه، إلا أن فِعْلَ جماعة النساء لا يَتَغَيَّرُ لفظه (٤).
следующие страницы →