← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وزن كَرِيمٍ وكِرامٍ، وأجاز الفراء: "بَراءٌ" (١) بفتح الباء بلفظ الواحد يدل على الجمع كقوله: "إنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ" (٢)، و"بَرَآءٌ" في الأصل مصدر، فهو يقع للواحد والجمع بلفظٍ واحدٍ، وتحقيقه: إنَّنِي ذُو بَراءٍ أو ذُو تَبَرُّؤٍ منكم (٣). قوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (٨)﴾؛ أي: تَعْدِلُوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد، يقال: أقْسَطْتُ إلَى الرَّجُلِ: إذا عامَلْتَهُ بالعَدْلِ (٤)، ومحل ﴿أَنْ﴾ خفض لأنه بَدَلٌ من قوله: ﴿عَنِ الَّذِينَ﴾، وكذلك محل ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ في الآية بعدها مثله (٥). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾؛ أي: اخْتَبِرُوهُنَّ، والامتحان: الاختبار، وهو أن تَحْلِفَ المرأةُ أنها ما هاجرت

стр. 1367

لِبُغْضِ زَوْجِها، ولا خَرَجَتْ عِشْقًا لِرَجُلٍ من المسلمين، وما خَرَجَتْ إلا رَغْبةً في الإسلام، وهذا معنى الامتحان المأمورِ به (١)، و ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾ في موضع نصب على الحال. نزلت هذه الآية في سُبَيْعةَ بنت الحارثِ الأسْلَمِيّةِ (٢)، لَمّا أسْلَمَتْ هاجَرَتْ إلَى النبي ﷺ ، فجاء زَوْجُها يطلبها، وكان كافرًا، فَسَألَ النبيَّ ﷺ أنْ يَرُدَّها عليه، وقد كان ﵇ صالَحَ أهلَ مَكّةَ يوم الحديبية على أن يَرُدَّ عليهم مَنْ جاء منهم، فنَهاهُ اللَّهُ عن ذلك، وأنزل هذه الآية إلى قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ فَأعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوْجَها مَهْرَها وما أنْفَقَ عليها، ولَمْ يَرُدَّها عليه، فَتَزَوَّجَها عُمَرُ ﵁ بعد ذلك (٣). ومحل ﴿هُنَّ﴾ مهو رفع بالابتداء (٤)، وكذلك قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ هو في موضع نصب أعني: ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾، لأنه مفعول ثان لـ "عَلِمَ".

стр. 1368

قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني المؤمنين ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني مُهُورَهُنَّ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (١٠)﴾؛ أي: بحِبالِهِنَّ، قرأه العامة بالتخفيف من الإمْساكِ، ويكون الباءُ صلةً، مجازه: ولا تُمْسِكُوا عِصَمَ الكَوافِرِ، وقرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وأبو حاتِمٍ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا﴾ (١) بالتشديد من التَّمَسُّكِ، يقال: مَسَّكْتُ بِالشَّيءِ وَتَمَسَّكْتُ بِهِ (٢). والعِصَمُ حمع العِصْمةٍ، وهي ما اعْتُصِمَ به من العَهْدِ والسَّبَبِ، وأصل العِصْمةِ الحَبْلُ، وكُلُّ ما أمْسَكَ شيئًا فقد عَصَمَهُ (٣)، قال عبد الملك بن هشام (٤): وواحد العِصَمِ عِصْمةٌ، وهي الحَبْلُ والسَّبَبُ كما تقدم، قال أعْشَى قَيْسِ بن ثَعْلَبةَ: ٣٥٥ - إلى المَرْءِ قَيْسٍ نُطِيلُ السُّرَى... وَنَأْخُذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ عِصَمْ (٥)

стр. 1369

والكَوافِرُ جمع كافِرةٍ، نَهَى اللَّهُ المؤمنين عن المُقامِ على نكاح المشركات، وأمَرَهُمْ بِفِراقِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ إذا كَفَرْنَ فقد زالت العِصْمةُ بينهم، وقال صاحب "إنسان العين" (١): الكَوافِرُ يَحْتَمِلُ الرجالَ أيضًا، قال الشاعر: ٣٥٦ - وَإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهُمْ... خُضُعَ الرِّقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾؛ أي: فَغَنِمْتُمْ، قرأه العامة بالألف، وهو الاختيار، وقرأ إبراهيمُ وحُمَيْدٌ والأعرجُ: ﴿فَعَقَّبْتُمْ﴾ مُشَدَّدًا، وقرأ مجاهد: ﴿فَأَعْقَبْتُمْ﴾ على وزن "أفْعَلْتُمْ"،

стр. 1370

وقرأ الزُّهْرِيُّ: "فَعَقَبْتُمْ" مخففًا من غير ألف، وقرأ مسروق: "فَعَقِبْتُمْ" (١) بكسر القاف خفيفةً، وكلها لغات بمعنًى واحدٍ، يقال: عاقَبَ وعَقَّبَ واعْتَقَبَ وأعْقَبَ وتَعاقَبَ: إذا غَنِمَ (٢). ومعنى الآية: فَغَزَوْتُمْ وأصَبْتُمْ من الكفار عُقْبَى، وهي الغنيمة، فَظَفِرْتُمْ وكانت العاقبةُ لكم ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ يريد: إلى الكفار ﴿مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ أي: فَأعْطُوا الأزواجَ من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المَهْرِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، وذلك أنه لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكّةَ، جاءَتْهُ النِّساءُ يُبايِعْنَهُ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (٣)، ونصب ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾ بـ ﴿أَنْ﴾، وما بعده من قوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ﴾ عطف عليه، إلا أن فِعْلَ جماعة النساء لا يَتَغَيَّرُ لفظه (٤).

стр. 1371

وقوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ في أول الآية؛ أي: إذا بايعنك على هذه الشرائط ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، وذلك أن ناسًا من فقراء المسلمين كانوا يُخْبِرُونَ اليهودَ بأخبار المسلين، يَتَواصَلُونَ إليهم بذلك، فَيُصِيبُونَ من ثمارهم، فنَهاهُم اللَّهُ تعالى عن ذلك (١). ثم قال: ﴿قَدْ يَئِسُوا﴾ يعني: هؤلاء اليهود يئسوا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: أن يكون لهم فيها ثوابٌ ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ من ثواب الآخرة، حين تَبَيَّنَ لهم عَمَلُهُم القبيحُ فِي الدنيا يَئِسُوا فِي الآخرة من رحمة اللَّه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1372

سورة الصف مدنية وهي تسعمائة وستة وعشرون حرفًا، ومائتان وإحدى وعشرون كلمةً، وأربع عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ عِيسَى، كانَ عِيسَى مُصَلِّيًا عَلَيْهِ مُسْتَغْفِرًا لَهُ ما دامَ فِي الدُّنْيا، وَيَوْمَ القِيامةِ هُوَ رَفِيقُهُ وَيَشْفَعُ لَهُ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الحَوارِّيينَ صارَتْ لَهُ خَلَفًا فِي الجَنّةِ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أذْعَنَ له

стр. 1373

وانْقادَ عَلَى ما أرادَ -جَلَّ وَعَزَّ-، وهذا داخِلٌ في كُلِّ شَيْءٍ؛ لأن ﴿مَا﴾ عامّةٌ في كَلَامِ العَرَب، والتَّسْبِيحُ هو التَّنْزِيهُ للَّه تعالى، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه مِمَّنْ عَصاهُ ﴿الْحَكِيمُ (١)﴾ في تَدْبِيرِهِ (١). فصل رُوِيَ عن النبِيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ للَّه تعالى مَلَائِكةً في السماء الدنيا قِيامًا مُنْذُ خَلَقَهُم اللَّهُ تعالى إلَى أنْ تَقُومَ الساعةُ، واللَّه مَلَائِكةً في السماء الثانية رُكَّعًا مُنْذُ خَلَقَهُم اللَّهُ إلَى أنْ تَقُومَ الساعةُ، وللَّهِ مَلَائِكةً في السماء الثالثة سُجَّدًا مُنْذُ خَلَقَهُم اللَّهُ إلَى أنْ تَقُومَ الساعةُ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تعالى"، فقال عُمَرُ بن الخطاب ﵁: يا نَبِيَّ اللَّه: ما يَقُولُونَ؟ فَإذا الرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ ﵇ قد نَزَلَ فقال: "إنَّ اللَّهَ تعالى يُقْرِئُ عُمَرَ بن الخطاب السلامَ، ويَقُولُ: إنَّ أهْلَ السَّماءِ الدُّنْيا يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي العِزّةِ والجَبَرُوتِ، وأهْلُ السَّماءِ الثانية يقولون: سُبْحانَ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وأهْلَ السماء الثالثة يقولون: سُبْحانَ الحَيِّ الذي لا يَمُوتُ" (٢). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ الأصل "لِما"، حُذِفَتِ الألِفُ لاتِّصالِ الكلمة بما قَبْلَها، وهو استفهامُ إنكارٍ، قيل (٣):

стр. 1374

كان السبب لِنُزُولِ هذه الآية أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يَتَمَنَّوْنَ القتالَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا به، فلما رَأوْهُ كَرِهُوهُ، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: عَظُمَ بُغْضًا عند اللَّه، نصب على التمييز ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ قال الكِسائِيُّ (١): ﴿أَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، أو على إضمار مبتدأ، لأن ﴿كَبُرَ﴾ بمَنْزِلةِ قولك: بِئْسَ رَجُلًا أخُوكَ، وأضْمَرَ الفَرّاءُ فيه اسمًا مرفوعًا (٢)، وقيل (٣): مَحَلُّهُ رفع، لأنه فاعل بـ ﴿كَبُرَ﴾، تقديره: كَبُرَ قَوْلُكُمْ، والمَقْتُ والمَقاتةُ مصدران، يقال: رَجُلٌ مَمْقُوتٌ ومَقِيتٌ: إذا لَمْ يُحِبَّهُ الناسُ (٤). قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ

стр. 1375

(٤)﴾ يعني: مُلْزَقًا بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ في الصَّفِّ، كقوله ﷺ : "تَراصُّوا بَيْنَكُمْ في الصُّفُوفِ، لا يَتَخَلَّلْكُمُ الشيْطانُ" (١)، ويقال: رَصَصْتُ البِناءَ أرُصُّهُ: إذا ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وأصله من الرَّصاصِ (٢). أعْلَمَ اللَّهُ تعالى أنهُ يُحِبُّ مَنْ يَثْبُتُ فِي القِتالِ، ويَلْزَمُ مَكانَهُ كَثُبُوتِ البِناءِ المَرْصُوصِ، ونصب ﴿صَفًّا﴾ على المصدر؛ أي: يَصُفُّونَ أنْفُسَهُمْ في القتال صَفًّا، وهو مصدر فِي موضع الحال تقديره: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ مُصْطَفِّينَ. قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: وَدِدْنا أنَّ اللَّه يُخْبِرُنا بِأحَبِّ الأعمال إليه حَتَّى نَعْمَلَهُ، ولو ذَهَبَتْ فيه أمْوالُنا وَأنْفُسُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ، فَكَرِهُوا المَوْتَ، وأحَبُّوا الحَياةَ، وتَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ عن رسول اللَّه ﷺ ، حَتَّى شُجَّ وَجْهُهُ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾. . . . لآيات (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (٦)﴾ الآية، قرأ أهْلُ المدينة وابنُ كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: ﴿مِنْ بَعْدِيَ﴾ بِياءٍ مُحَرَّكةٍ، وقرأ حمزة

стр. 1376

والكسائي وابن عامر وابن مُحَيْصِنٍ: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١) بحذف الياء في الوصل لسكونها وسكون السين بعدها، وهي اختيار أبِي عُبَيْدٍ (٢). ونصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ على الحال، قال صاحب "إنسان العين" (٣): وهي حال مُؤَكِّدةٌ من معنى الفعل الذي دَلَّتْ عليه الجملةُ، أو من الضمير الذي في ﴿إِلَيْكُمْ﴾، والعامل معنى الفعل فيه. ومعنى قوله: ﴿أَحْمَدُ﴾ يحتمل مَعْنَيَيْنِ، أحدهما: أن يجعل ﴿أَحْمَدُ﴾ مبالغةً من الفاعل، فيكون معناه: أنه أكْثَرُ حَمْدًا من غيره، والآخر: أن تجعله مبالغةً من المفعول، فيكون معناه: أنه يُحْمَدُ لِما فيه من الأخلاق والمحاسن أكْثَرَ مِمّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ؛ لأن نَبِيُّنا مُحَمَّدًا ﷺ أكْثَرُ مَناقِبَ وأجْمَعُ فَضائِلَ (٤). فصل عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ (٥) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ

стр. 1377

لِي أسْماء، أنا أحْمَدُ، وأنا مُحَمَّدٌ، وأنا الماحِي الذي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ الناسُ على قَدَمِي، وأنا العاقِبُ الذي ليس بَعْدِي نَبِيٌّ" (١)، رواه البخاري في تفسير هذه الآية عن أبِي اليَمانِ عن شُعَيْبٍ (٢) عن الزُّهْرِيِّ. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني: بألسنتهم، وهم اليهود والنصارى حين كَتَمُوا أمْرَ محمدٍ ﷺ ، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾؛ أي: مُكْمِلُ الإسلامِ ومُعْلِيهِ حَتَّى يكون هو الظاهرَ ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ قرأ نافعٌ وأبو عمرو وابنُ عامر وعاصمٌ برواية أبِي بكر: ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ بالتنوين، وقرأ ابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكسائي وحفصٌ والأعمشُ: ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ (٣) بالإضافة، والأصل التنوين، والحذف على التخفيف نحو: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ (٤) و ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ ثُمَّ

стр. 1378

دَلَّهُمْ عليها، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ (١١)﴾ هذا عند المبرد لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومعناه الأمْرُ (١)، كأنه قال: آمِنُوا وجاهِدُوا، ولذلك قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (١٢)﴾ بالجزم لأنه جواب الأمر، فهو محمول على المعنى، ودَلَّ على ذلك أنَّ في حرف عبد اللَّه: "آمِنُوا" (٢) على الأمْرِ.

стр. 1379

وقال غيره (١): ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ و ﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ عطف بيان على ما قبله وتفسيرٌ للتجارة، ما هي؟ كأنه قال: هل أدُلُّكُمْ على تجارة؟ لَمْ يُدْرَ ما التجارة، فَبَيَّنَها بالإيمان والجهاد، فَعُلِمَ أن التجارةَ الإيمانُ والجهادُ، فيكون على هذا ﴿يَغْفِرْ﴾ جواب الاستفهام، محمول على المعنى؛ لأن المعنى: هَلْ تُؤْمِنُونَ باللَّهِ وتُجاهِدُونَ في سبيل اللَّه يَغْفِرْ لكم؟ قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾؛ أي: نِعْمةٌ أُخْرَى تُحِبُّونَها ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ قال الكلبي: يعني النَّصر على قريش وفتح مكة، وقال عطاء: أراد فتح فارس والروم ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمد ﴿الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ بالنصر في الدنيا وبالجنة في العُقْبَى. وفي محل ﴿أُخْرَى﴾ من الإعراب وجهان، أحدهما: الخفض عطفًا على ﴿تِجَارَةٍ﴾؛ أي: وهل أدُلُّكُمْ على خُلّةٍ أُخْرَى تُحِبُّونَها؟، هذا مذهب الأخفش (٢)، ويرفع ﴿نَصْرٌ﴾ على إضمار مبتدأ؛ أي: ذَلِكَ نَصْرٌ أو هِيَ نَصْرٌ، والثانِي -وهو

стр. 1380

قول الفراء (١) -: أن محلها رفع على الابتداء، والتقدير عنده: وَلَكُمْ خُلّةٌ أُخْرَى، وهو اختيار الطبري (٢)، واستدل على هذا بقوله: ﴿نَصْرٌ﴾ و ﴿فَتْحٌ﴾ بالرفع على البدل من ﴿أُخْرَى﴾. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعْوانًا بالسيف على أعدائه، حَثَّ اللَّهُ المؤمنين على نُصْرةِ الجِهادِ والدِّينِ، والمعنى: دُومُوا على ما أنتم عليه من النُّصْرةِ، قرأ أبو عمرو وأهل الحجاز: ﴿أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (٣) بالتنوين، وهو اختيار أيوب، وقرأ الباقون بالإضافة، وهي اختيار أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتم (٤) كقوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (٥) ولَمْ يَقُلْ: أنْصارٌ للَّه ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قرأ نافع وحده بفتح الياء (٦)، وأسكنها الباقون، والمعنى: مَنْ يَنْصُرُنِي مَعَ اللَّهِ (٧). ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ وهم الذين قالوا: المسيح ابن اللَّه ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: قَوَّيْنا الذين آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ

стр. 1381

- ﷺ ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ يعني: عالِينَ عليهم، من قولك: ظَهَرْتُ عَلَى فُلانٍ: إذا عَلَوْتَهُ، وظَهَرْتُ عَلَى السَّطْحِ: إذا صِرْتَ فَوْقَهُ، ونصب ﴿ظَاهِرِينَ﴾ على خبر "أصْبَحَ"، والضمير فيه اسْمُها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1382

سورة الجمعة مدنية وهي سبعمائة وثمانية وأربعون حرفًا، ومائة وثمانون كلمةً، وإحدى عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الجُمُعةِ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ، بعَدَدِ مَنْ ذَهَبَ الجُمُعةَ مِنْ مِصْرٍ مِنْ أمْصارِ المُسْلِمِينَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَذْهَبْ" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الجُمُعةِ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرةِ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من كل شيء غَيْرَ كُفّارِ الجِنِّ والإنْسِ، ثم نعت الرَّبُّ نَفْسَهُ، فقال: ﴿الْمَلِكِ

стр. 1383

الْقُدُّوسِ﴾ قال أهل اللغة (١): كل اسم على "فَعُّولٍ" بتشديد العين فالفاء فيه منصوبة نحو سَفُّودٍ وكَلُّوب وسَمُّورٍ وشَبُّوطٍ (٢)، وهو ضَرْبٌ من السَّمَكِ، إلا ثلاثةَ أحْرُفٍ: سُبُّوحٌ وقُدُّوسٌ وذُرُّوحٌ لواحد الذَّرارِيحِ (٣). وحَكَى الفَرّاءُ (٤) عن الكسائي أنه قال: سمعت أبا الدِّينارِ -وكان أعرابيًّا فصيحًا- يقرأ: "القَدُّوسِ" بفتح القاف (٥)، ولَعَلَّهُ لُغةٌ. وقرأ أبو وائل: "المَلِكُ القُدُّوسُ" (٦) بالرَّفع على معنى: هُوَ المَلِكُ

стр. 1384

القُدُّوسُ ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ وقرأ الباقون بالخفض على النعت للَّه. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ يعنِي العربَ، وكانت أُمّةً أُمِّيّةً لا تكتب ولا تقرأ ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ، نَسَبُهُ نَسَبُهُمْ، وهو من جنسهم، نظيرها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١). وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾؛ أي: وما كانوا قبل بَعْثِهِ فيهم إلّا في ضلال مبين (٢)، وهو الشرك باللَّه تعالى. قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ في محله من الإعراب وجهان، أحدهما: الخفض عطفًا على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾، تقديره: في الأُمِّيين وفي آخَرِينَ منهم، وقيل: على الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، والآخَر: النصب عطفًا على المضمر المنصوب في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾؛ أي: وَيُعَلِّمُ آخَرِينَ منهم (٣)؛ أي: من المؤمنين الذين يَدِينُونَ بِدِينِ محمدٍ ﷺ . وقيل: معناه: وبَعَثَ في آخَرِينَ، يعني الأعاجم ومَنْ لا يتكلم بلغة العرب، والنبي ﷺ مبعوث إلى العرب والعَجَمِ، وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ لأنهم إذا

стр. 1385

أسْلَمُوا صاروا منهم، والمسلمون كُلُّهُمْ يَدٌ واحِدةٌ وأُمّةٌ واحِدةٌ، وإن اخْتَلَفَتْ أجْناسُهُمْ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١)، ومَنْ لَمْ يؤمن باللَّه ورسولِهِ محمدٍ ﷺ ، فليسوا مِمَّنْ عَناهُم اللَّهُ بقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾، وإن كان ﵇ مبعوثًا إليهم بالدعوة؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، ومن لَمْ يُؤْمِنْ فليس مِمَّنْ زَكّاهُ وعَلَّمَهُ القرآنَ والسنةَ. وقوله: ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ (٣)﴾؛ أي: لَمْ يُدْرِكُوهُمْ، ولكنهم بَعْدَهُمْ؛ لأن التابعين لا يدركون شيئًا، والصحابة في الفضل والسابقة. وأصل ﴿لَمَّا﴾ "لَمْ"، زِيدَتْ عليها "ما" لِيُنْفَى بها ما قَرُبَ من الحال، ولو لَمْ يكن معها "ما" لكانت نَفْيَ ماضٍ لا غَيْرُ، فإذا قلت: لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، فهو نَفْي لِمَنْ قال: قامَ زَيْدٌ، وإذا قلت: لَمّا يَقُمْ زَيْدٌ، فهو نَفْي لِمَنْ قال: قَدْ قامَ زَيْدٌ (٢). واختلفوا فيهم، فقيل: هم العَجَمُ -كما تقدَّم-، وقيل: هم التابعون، وقيل: هم جميع مَنْ دَخَلَ فِي الإسلام بعد النبي ﷺ إلى يوم القيامة، واللَّه أعلم.

стр. 1386

فصل عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السّاعِدِيِّ أن النبي ﷺ -قال: "إنَّ فِي أصْلابِ أصْلابِ أصْلاب رِجالِ أُمَّتِي رِجالًا ونساء يَدْخُلُونَ الجَنّةَ بغَيْرِ حِسابٍ"، ثم تلا رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني الإسلام والهداية الى دِينِهِ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾؛ أي: ذُو المَنِّ العظيم على خَلْقِهِ بِبَعْثِ محمدٍ ﷺ . ثم ضَرَبَ اللَّه تعالى مَثَلًا لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾؛ أي: كُلِّفُوا القِيامَ بِها والعَمَلَ بما فيها ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي: لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (٥)﴾ يعني كُتُبًا من العلم والحكمة، قال الفَرّاءُ (٢): هي الكُتُبُ العِظامُ، واحدها سِفْرٌ. ونظيرها فِي الكلام: شبْرٌ وأشْبارٌ وجِلْدٌ وَأجْلَادٌ، فكما أن الحِمارَ يحملها وهو لا يَدْرِي ما فيها ولا يَنْتَفِعُ بها، كذلك اليهودُ يقرؤون التوراةَ، ولا ينتفعون بها؛ لأنهم خالَفُوا ما فيها (٣)، وأنشد أبو سعيد الضَّرِيرُ (٤) في المعنى:

стр. 1387

٣٥٧ - نَواقِلُ لِلأسْفارِ، لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ... بِجَيِّدِها إلَّا كَعِلْمِ الأباعِرِ لَعَمْرُكَ ما يَدْرِي المَطِيُّ إذا غَدا.. بِأسْفارِهِ أوْ راحَ ما فِي الغَرائِرِ (١) قرأ أبو عمرو وابن ذَكْوانَ، والدُّورِيُّ عن الكسائي: ﴿الحِمارِ﴾ بالإمالة، وقرأ نافع وحمزة وأبو الحارث (٢) بين اللفظين، وفَتَحَهُ الباقون (٣). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾؛ أي: لِوَقْتِ الصلاةِ ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾؛ أي: فِي يَوْمِ الجُمُعةِ، كقوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤)؛ أي:

стр. 1388

في الأرض، وأراد بهذا النداء الأذانَ عند قُعُودِ الإمام على المنبر للخطبة. قرأ العامة: ﴿الْجُمُعَةِ﴾ بضم الميم، وقرأها الأعمش مُخَفَّفًا بجَزْمِ الميم، وهما لغتان (١)، وجمعها: جُمَعٌ وجُمُعاتٌ، قال ابن عباس (٢). نزل القرآن بالتثقيل والتخفيف، قال الفَرّاءُ وأبو عُبَيْدٍ (٣): التخفيف أحسن، وهو أقْيَسُ في مذهب العربية مثل غُرْفةٍ وغُرَفٍ وطُرْفةٍ وطُرَفٍ وحُجْرةٍ وحُجَرٍ. قال الفراء (٤): ولُغةٌ أُخْرَى ثالِثةٌ، يقال: جُمَعةٌ بفتح الميم كقولك: رَجُلٌ ضُحَكةٌ وهُمَزةٌ ولُمَزةٌ ولُحَنةٌ: إذا كان يُلَحِّنُ الناسَ، وقُرَأةٌ: إذا كان يُقْرِئُ الناسَ، وهي لغة بني عُقَيْلٍ، وقيل (٥): هي لغة النبي ﷺ .

стр. 1389

[وعن سلمان الفارسي] (١) أنه قال: "إنما سُمِّيَت الجمعةَ لأن اللَّه تعالى جَمَعَ فيها خَلْقَ آدَمَ ﵇" (٢)، وقيل: لأن اللَّه تعالى فَرَغَ مِنْ خَلْقِ الأشياء، فاجتمعت فيه المخلوقاتُ، وقيل: لِجَمْعِ الجَماعاتِ، وقيل: لاجْتِماعِ الناس فيها للصلاة. قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: بادِرُوا بِالنِّيّةِ والجِدِّ، ولَمْ يُرِدِ العَدْوَ والإسْراعَ في المَشْي، والمعنى: فامْضُوا إلى الصلاة، وقيل: إلى موعظة الإمام، وهو قول سعيد بن المسيب (٣)، قال الفراء (٤): المُضِيُّ والسَّعْيُ والذَّهابُ فِي معنًى واحدٍ. يَدُلُّ عليه قراءةُ ابن مسعود: "فامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ" (٥) - ورُوِيَ عن ابن عمر أنه كان يقرؤها: "فامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ"، ويقول (٦): "لو قَرَأْتُها: "فاسْعَوْا" لَسَعَيْتُ حَتَّى يَسْقُطَ رِدائِي. وهي قراءة أبِي العالية أيضًا. قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ يعني البيع والشراء؛ لأن البَيْعَ يتناول المعنيين

стр. 1390

جميعًا (١)، ومنه قول النبي ﷺ : "البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا أوْ يَتَخايَرا" (٢)، وأراد البائع والمشتري، وهذا نَهْيُ تَنْزِيهٍ يَدُلُّ على الترغيب في تَرْكِ البَيْعِ تلك الساعةَ، فمن لَمْ يفعل ذلك فقد خالَفَ الأمْرَ، وبَيْعُهُ مُنْعَقِدٌ؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: استماع الخطبة وأداء الفريضة خير لكم من المبايعة ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ يعني مصالح أنفسكم ومَضارَّها. قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾؛ أي: فُرِغَ منها؛ لأن الجمعة لا تُقْضَى إجْماعًا، وإنما سُمِّيَ الأداءُ هاهنا قَضاءً مَجازًا وهو حقيقة، ومثله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: للتجارة والتصرف في حوائجكم، ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ يعني الرزق، وقيل: لِعِيادةِ مَرِيضٍ، أو لِحُضُورِ جِنازةٍ، أو لزيارة أخٍ في اللَّه. وظاهِرُ الآية يَدُلُّ على إباحة الانتشار في الأرض لطلب رزقٍ في الدنيا، أو ثَوابٍ في الآخرة، وهما أمْرُ إباحةٍ وتَخْيِيرٍ، فإن شاؤوا خرجوا، وإن شاءؤوا قَعَدُوا، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٤).

стр. 1391

قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ يعني: باللسان والقلب ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ رَدَّ الكناية إلى التجارة؛ لأنها أعَمُّ وأفْضلُ، قال المبرد (١): الضمير للتجارة، وخُصَّتْ بِرَدِّ الضمير إليها لأنها كانت أهَمَّ إليهم. وقد تقدم نظير هذه المسألة فِي سورة التوبة (٢). واللَّهْوُ هاهنا قيل (٣): هو الطَّبْلُ، كانوا إذا وافَتْ تِجارةٌ ضَرَبُوا الطَّبْلَ لِيَعْلَمَ الناسُ بها، وقيل (٤): كانت المرأة إذا نُكِحَتْ حُرِّكَتْ لها المَزامِيرُ والطُّبُولُ وابْتَدَرَ الناسُ إليها، فأنزل اللَّه : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾؛ أي: ذهبوا ومالوا إليها، وعَدَلُوا نحوها ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ يعني النبي ﷺ . وقال الحسن (٥): أصابَ أهْلَ المدينة جُوعٌ وغَلَاءُ سِعْرٍ، فَقَدِمَتْ عِيرٌ من الشام تحمل تِجارةً لِدِحْيةَ بن خليفة الكلبي (٦)، والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يوم

стр. 1392

الجمعة، فَسَمِعُوا بها، فَتَفَرَّقُوا عنه، وخرجوا إليها، والنَّبِيُّ ﷺ قائمٌ كما هو على المنبر، ولَمْ يَبْقَ معه في المسجد إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وامرأةً، وقيل: لَمْ يَبْقَ معه إلا رَهْطٌ، فيهم أبو بكر وعُمَرُ ﵄، فقال النبي ﷺ : "لو اتبع آخِرُهُمْ أوَّلَهُمْ لَالْتَهَبَ عليهم الوادي نارًا"، فنَزَلَتْ هذه الآيةُ، ونصب ﴿قَائِمًا﴾ على الحال ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: من ثواب الصلاة والثبات مع النبي ﷺ ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ لأنه مُوجِدُ الأرزاق، فَإيّاهُ فاسْألُوا، ومنه فاطلبوا، إنه كريم وَهّابٌ. فصل في ذِكر بعض ما ورد من الأخبار في فَضْلِ هذا اليومِ وسُنَتِهِ عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيْلةَ أُسْرِيَ بِي إلى السَّماءِ رأيتُ تحت العرش سبعين مدينةً، كلُّ مدينةٍ مثل دنياكم هذه سبعين مرّةً، مملوءةً من الملائكة، يسبِّحون اللَّه ويُقَدِّسُونَهُ، ويقولون في تسبيحهم: اللهم اغْفِرْ لِمَنْ شَهِدَ الجُمُعةَ، اللهم اغْفِرْ لِمَن اغتسل فِي يوم الجمعة" (١). وقال ﷺ : "إذا جاءَ أحَدُكُم الجمعةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (٢)، وقال ﵇:

стр. 1393

"غُسْلُ يَوْمِ الجمعةِ واجِبٌ على كل مُحْتَلِمٍ" (١)، وقال ﵇: "حَقٌّ على كل مسلم أن يغتسل فِي كل سبعةِ أيّامٍ يَوْمًا، يغسل فيها رأسه وجسده" (٢). وعن مَعْقِلِ بن يَسارٍ عن النبي ﷺ قال: "ليس مِنْ يَوْمِ جُمُعةٍ إلّا واللَّهِ فيه عُتَقاءُ من النار، سِتُّمِائةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ على عشرين ألْفًا، كُلُّهُمْ قد اسْتَوْجَبُوا النارَ" (٣). وعن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما مِنْ أعْيادِ أُمَّتِي عِيدٌ أفْضَلُ من يوم الجمعة، وركعتان فِي يوم الجمعة أفضل من ألف ركعة فِي غَيْرِ يوم الجمعة، وتَسْبِيحةٌ فِي يوم الجمعة أفضل من ألف تَسْبِيحةٍ فِي غير يوم الجمعة" (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَصَّ أظْفارَهُ يوم الجمعة حُفِظَ من الجمعة إلى الجمعة" (٥).

стр. 1394

وعن أبِي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة غُسِلَتْ ذُنُوبُهُ وخَطاياهُ، فإذا راحَ -يريد إلى الصلاة- كَتَبَ اللَّهُ له بكل قَدَمٍ عَمَلَ عشرين سنةً، فإذا قُضِيَت الصلاة أُجِيزَ بِعَمَلِ مائة سنة" (١). وعن سلمان الفارسي (٢) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، فَأحْسَنَ غُسْلَهُ، ولَبسَ مِنْ صالِحِ ثِيابهِ، ومَسَّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ أو دُهْنِهِ، ثم لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثنين، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادةَ ثلاثةِ أيامٍ بعدها" (٣)، رواه البخاري عن آدم عن ابن أبِي ذِئْبٍ (٤) عن سعيد المَقْبُرِيِّ (٥). وعن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة غُسْلَ الجَنابةِ، ثم راحَ فِي الساعة الأولى فكأنما قَرَّبَ بَدَنةً، ومن

стр. 1395

راح فِي الساعة الثانية فكأنما قَرَّبَ بَقَرةً، ومن راح فِي الساعة الثالثة فكأنما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومن راح فِي الساعة الرابعة فكأنما قَرَّبَ دجاجةً، ومن راح فِي الساعة الخامسة فكأنما قَرَّبَ بيضةً، فإذا خرج الإمام حَضَرَت الملائكةُ يستمعون الذِّكْرَ" (١)، رواه البخاري عن عبد اللَّه بن يوسف (٢)، ورواه مسلم عن قتيبة (٣) كلاهما عن مالك. وعن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طلعت فيه الشمس يَوْمُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه أُهْبِطَ، وفيه تِيبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلّا وهي مُسَبِّحةٌ يَوْمَ الجمعة من حين تصبح حتى تغرب الشمس شَفَقًا من الساعة إلّا الجِنَّ والإنْسَ، وفيها ساعة لا يصادفها عَبْدٌ مسلمٌ فَيَسْألُ اللَّهَ تعالى فيها شيئًا إلّا أعطاه إيّاهُ" (٤)، قيل: هي آخِرُ ساعة في يوم الجمعة.

стр. 1396

وَرُوِيَ عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: خَطَبَنا رسولُ اللَّه ﷺ يوم الجمعة فقال: "يا أيها الناس تُوبُوا إلى رَبِّكُم من قبل أن تَمُوتُوا، وبادِرُوا بالأعمال الزّاكِيةِ من قبل أن تُشْغَلُوا، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربكم بِكَثْرةِ ذِكْرِكُمْ له والصدقةِ فِي السِّرِّ والعلانية، تُنْصَرُوا وتُجْبَرُوا وتُرْزَقُوا، واعلموا أن اللَّه قد فَرَضَ عليكم يومَ الجمعة فِي مَقامِي هذا فِي يومي هذا فِي شَهْرِي هذا فِي عامِي هذا إلى يوم القيامة، فَمَنْ تَرَكَها فِي حَياتِي أو بعد مَوْتي، وله إمامٌ عادِلٌ أو جائِرٌ اسْتِخْفافًا بِها أو جُحُودًا لَها، فَلا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، ولا بارَكَ له فِي أمْرِهِ، ألا لا صَلاةَ له، ألا لا زَكاةَ له، ألَا لَا صِيامَ له، ألا لا حَجَّ له، إلَّا أنْ يَتُوبَ، فإن تابَ تابَ اللَّهُ عليه" (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1397

سورة المنافقين مدنية وهي سبعمائة وستة وسبعون حرفًا، وثَمانٍ وثَمانُونَ كلمةً، وإحدى عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُنافِقِينَ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُنافِقِينَ بُنِيَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بَيْتٌ ألْفَ باعٍ فِي ألْفِ باعٍ، كُلُّهُ نُور" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني عبد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابَهُ،

стр. 1398

و ﴿إِذَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿جَاءَكَ﴾، إلّا أنها غير معربة لِتَنَقُّلِها، وفي آخرها ألِفٌ، والألِفُ لا تُحَرَّكُ (١). قوله: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وتَمَّ الخَبَرُ عنهم، وهو جواب ﴿إِذَا﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾؛ أي: أنَّهُ أرْسَلَكَ، وكُسِرَتْ "إنَّ" لدخول اللَّامِ فِي خَبَرِها. قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ جَعَلَهُمْ كاذبين؛ لأنهم أضْمَرُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا، فَدَلَّ هذا على أن حقيقة الإيمان بالقلب، ومن قال شيئًا واعْتَقَدَ بخلافه فهو كاذب، وإنما كُسِرَت الألف من ﴿إِنَّ﴾ لأجل لام الخبر، ولولا ذلك لكانت مفتوحةً؛ لتوسطها الكلام، قال الشاعر: ٣٥٨ - وَأعْلَمُ عِلْمًا -لَيْسَ بِالظَّنِّ- أنَّهُ... إذا ذَلَّ مَوْلَى المَرْءِ فَهْوَ ذَلِيلُ وَإنَّ لِسانَ المَرْءِ -ما لَمْ يمُنْ لَهُ... حَصاةٌ- عَلَى عَوْراتِهِ لَدَلِيلُ (٢)

стр. 1399

ففتح الألف في البيت الأول في قوله: "أنَّهُ" لَمّا لَمْ يُدْخِل اللامَ على الخَبَرِ، وكَسَرَ الألِفَ في البيت الثانِي: "وَإنَّ لِسانَ المَرْءِ" لدخول اللام على الخبر في قوله: "لَدَلِيلُ" (١). قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يعني: سِتْرًا من القتل ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: مَنَعُوا الناسَ عن دين اللَّه الإسلامِ ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا﴾ بِئْسَ ما ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾ من النفاق، و ﴿مَا﴾ في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾ عند سيبويه (٢)،

стр. 1400

و ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صفةُ ﴿مَا﴾، والهاء محذوفة؛ أي: يَعْمَلُونَهُ، وقال الأخفش (١): ﴿مَا﴾ نكرة. في موضع نصب، و ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ نَعْتُهُ، والهاء محذوفة أيضًا من الصفة، وحَذْفُها من الصِّلةِ أحْسَنُ، وهو جائز من الصِّفةِ. وقال ابن كيسان (٢): ﴿مَا﴾ والفعل مصدر في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾. فلا يُحْتاجُ إلَى هاءٍ محذوفة على قوله. ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء؛ أي: ذلك الكَذِبُ ﴿بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ باللسان ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بالسِّرِّ ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بالكفر ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ الإيمان والقرآن. قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ يا محمد، يعني المنافقين ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ في المَنْطِقِ والصُّورةِ والحُسْنِ، قيل: إنهم كانوا أحسن الناس وُجُوهًا، وقال

стр. 1401

ابن عباس (١): كان عبد اللَّه بن أُبَيٍّ جَسِيمًا صَحِيحًا فَصِيحًا ذَلِقَ اللسانِ، فإذا قالَ يَسْمَعُ النبيُّ ﷺ لقوله. وأجاز النحويون الجزم بـ "إذا"، وأن يُجْعَلَ بِمَنْزِلةِ حَرْفِ المُجازاةِ، قال الشاعر: ٣٥٩ - واسْتَغْنِ ما أغْناكَ رَبُّكَ بِالغِنَى... وَإذا تُصِبْكَ خَصاصة فتجَمَّلِ (٢) والاختيار عند الخليل وسيبويه (٣) والفراء (٤) ألا يُجْزَمَ بـ "إذا"؛ لأن ما بعدها مُؤَقَّتٌ، فخالفت المجازاةَ في هذا كما قال الشاعر: ٣٦٠ - وَإذا تَكُونُ كَرِيهةٌ أُدْعَى لَها... وَإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ (٥)

стр. 1402

قوله: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ لأن مَنْطِقَهُمْ كَمَنْطِقِ أهل الإيمان، وهو شرط وجزاء، ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾؛ أي: أشْباحٌ بلا أرْواحٍ، وأجْسامٌ بلا أحْلَامٍ، قرأ الأعمش وأبو عمرو والكسائي: "خُشْبٌ" بجزم الشين، ورُوِيَ ذلك عن ابن كثير، واختاره أبو عبيد، قال (١): لِمَذْهَبِها في العربية، وذلك أن واحِدَتَها خَشَبةٌ، ولَمْ نَجِدْ فِي كلامهم اسْمًا على وزن "فَعَلةٍ" يُجْمَعُ على "فُعُلٍ" بضم الفاء والعين، ويَلْزَمُ مَنْ ثَقَّلَها أن يُثَقِّلَ البُدْنَ أيضًا فيقول: "والبُدُنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ" (٢)؛ لأن واحدتها بَدَنةٌ أيضًا. وقرأ الآخرون بالتثقيل، وهي اختيار أبِي حاتم (٣)، واختلف فيه عن ابن كثير وعاصم (٤)، ومعنى قوله: "مُسَنَّدةٌ"؛ أي: مُمالةٌ إلى الجِدارِ، من قولهم:

стр. 1403

أسْنَدْتُ الشَّيْءَ؛ أي: أمَلْتُهُ، والتفعيل للتكثير لأنه صفة ﴿خُشُبٌ﴾، وهي جَمْعٌ، وأراد أنها ليست بأشجارٍ تُثْمِرُ وتَنْمُو ويَحْسُنُ مَنْظَرُها، بل هي خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ إلَى حائطٍ (١). ثم عابَهُمْ بالجُبْنِ، فقال تعالى: ﴿مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ لا يسمعون صوتًا إلّا ظَنُّوا أنهم قد آلوا، أو نادَى مُنادٍ في العَسْكَرِ، أو انْفَلَتَتْ دابّةٌ، أو أُنْشِدَتْ ضالّةٌ، ظَنُّوا أنهم يُرادُونَ بذلك، مِمّا في قلوبهم من الرعب أن يَكْشِفَ اللَّهُ أسْرارَهُمْ. ثم أخْبَرَ بعداوتهم، فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ يا محمد أن تَأْمَنَهُمْ على سِرِّكَ؛ لأنهم عُيُونٌ لأعدائك من الكفار، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ﴾؛ أي: لا تَشْغَلْكُمْ ﴿أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: عن طاعة اللَّه وعن الصلاة وعن القرآن ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: مَنْ شَغَلَهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ عن ذكر اللَّه، شرط وجزاء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾؛ أي: المَغْبُونُونَ، ومحل "مَنْ" رفع بالابتداء، و"أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ" ابتداء وخبر، وهو جواب الشرط، والجملة خَبَرُ ابتداءِ الأوَّلِ، وهو قوله: ﴿وَمَنْ﴾. ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يريد زكاة الأموال ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فَيَسْألَ الرَّجْعةَ إلَى الدنيا، وهو قوله: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾؛ أي: أجَّلْتَنِي وأمْهَلْتَنِي ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: مِثْلَما أجَّلْتَ لِي فِي الدنيا.

стр. 1404

يجوز أن تكون "لا" صلةً، فيكون الكلام بمعنى التمني (١)، ويجوز أن تكون بمعنى "هَلّا"، وهو قول الزَّجّاجِ (٢)، فيكون استفهامًا، فإن قيل: كيف يَصِحُّ معنى التوبيخ والإنكار في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، وهو بمعنى: هَلّا أخَّرْتَنِي؟ قيل: فيه جوابان: أحدهما: أن هذا يجري مَجْرَى مخاطبة الإنسان لنفسه مُوَبِّخًا لَها، وإن كان في الظاهر خطابًا لإلَهِنا ﵎. والآخر: أن هذا دعاء؛ لأن كل ما كان من هذا النوع لِمَنْ هُوَ دُونَكَ فهو بمعنى الأمْرِ، وما كان لِمَنْ هو فَوْقَكَ فهو بمعنى الدعاء، وما كان لمن هو مِثْلُكَ فهو بمعنى السؤال، وإن اشْتَرَكَ اللفظُ فالمعنى مختلف، ونصب ﴿فَيَقُولَ﴾ لأنه عطف على قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾. وقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ أُؤَدِّي الفرائضَ، وأجْتَنِبُ المَحارِمَ، والتقدير: وَأكُنْ صالِحًا من الصالحين. واختلف القُرّاءُ فيه (٣)، فقرأ أبو عمرو والحسن وابن مُحَيْصِنٍ: ﴿وَأكُونَ﴾ بالواو ونصب النون، وقرأ الباقون: ﴿وَأَكُنْ﴾ بغير واو، فمن حذف الواو عطفها على موضع الفاء قبل دخول الفاء؛ لأن موضعها جَزْمٌ على التَّمَنِّي؛ أي:

стр. 1405

إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ من الصالحين، قال الشاعر: ٣٦١ - فَأبْلُونِي بَلِيَّتَكُمْ لَعَلِّي... أُصالِحُكُمْ وَأسْتَدْرِجْ نَويَّا (١) فجزم "أسْتَدْرِجْ" على محل "أُصالِحُكُمْ" قبل دخول "لَعَلِّي". ومن أثبت الواوَ عَطَفَهُ على لفظ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، والنصب في قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ على إضمار "أنْ"، وفي "وَأكُونَ" عطف على ما بعد الفاء. قال الخليل (٢): نصب ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ على جواب الاستفهام بالفاء، ثم
следующие страницы →