ابن عباس (١): كان عبد اللَّه بن أُبَيٍّ جَسِيمًا صَحِيحًا فَصِيحًا ذَلِقَ اللسانِ، فإذا قالَ يَسْمَعُ النبيُّ ﷺ لقوله.
وأجاز النحويون الجزم بـ "إذا"، وأن يُجْعَلَ بِمَنْزِلةِ حَرْفِ المُجازاةِ، قال الشاعر:
٣٥٩ - واسْتَغْنِ ما أغْناكَ رَبُّكَ بِالغِنَى... وَإذا تُصِبْكَ خَصاصة فتجَمَّلِ (٢)
والاختيار عند الخليل وسيبويه (٣) والفراء (٤) ألا يُجْزَمَ بـ "إذا"؛ لأن ما بعدها مُؤَقَّتٌ، فخالفت المجازاةَ في هذا كما قال الشاعر:
٣٦٠ - وَإذا تَكُونُ كَرِيهةٌ أُدْعَى لَها... وَإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ (٥)
стр. 1402
قوله: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ لأن مَنْطِقَهُمْ كَمَنْطِقِ أهل الإيمان، وهو شرط وجزاء، ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾؛ أي: أشْباحٌ بلا أرْواحٍ، وأجْسامٌ بلا أحْلَامٍ، قرأ الأعمش وأبو عمرو والكسائي: "خُشْبٌ" بجزم الشين، ورُوِيَ ذلك عن ابن كثير، واختاره أبو عبيد، قال (١): لِمَذْهَبِها في العربية، وذلك أن واحِدَتَها خَشَبةٌ، ولَمْ نَجِدْ فِي كلامهم اسْمًا على وزن "فَعَلةٍ" يُجْمَعُ على "فُعُلٍ" بضم الفاء والعين، ويَلْزَمُ مَنْ ثَقَّلَها أن يُثَقِّلَ البُدْنَ أيضًا فيقول: "والبُدُنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ" (٢)؛ لأن واحدتها بَدَنةٌ أيضًا.
وقرأ الآخرون بالتثقيل، وهي اختيار أبِي حاتم (٣)، واختلف فيه عن ابن كثير وعاصم (٤)، ومعنى قوله: "مُسَنَّدةٌ"؛ أي: مُمالةٌ إلى الجِدارِ، من قولهم:
стр. 1403
أسْنَدْتُ الشَّيْءَ؛ أي: أمَلْتُهُ، والتفعيل للتكثير لأنه صفة ﴿خُشُبٌ﴾، وهي جَمْعٌ، وأراد أنها ليست بأشجارٍ تُثْمِرُ وتَنْمُو ويَحْسُنُ مَنْظَرُها، بل هي خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ إلَى حائطٍ (١).
ثم عابَهُمْ بالجُبْنِ، فقال تعالى: ﴿مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ لا يسمعون صوتًا إلّا ظَنُّوا أنهم قد آلوا، أو نادَى مُنادٍ في العَسْكَرِ، أو انْفَلَتَتْ دابّةٌ، أو أُنْشِدَتْ ضالّةٌ، ظَنُّوا أنهم يُرادُونَ بذلك، مِمّا في قلوبهم من الرعب أن يَكْشِفَ اللَّهُ أسْرارَهُمْ.
ثم أخْبَرَ بعداوتهم، فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ يا محمد أن تَأْمَنَهُمْ على سِرِّكَ؛ لأنهم عُيُونٌ لأعدائك من الكفار، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ﴾؛ أي: لا تَشْغَلْكُمْ ﴿أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: عن طاعة اللَّه وعن الصلاة وعن القرآن ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: مَنْ شَغَلَهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ عن ذكر اللَّه، شرط وجزاء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾؛ أي: المَغْبُونُونَ، ومحل "مَنْ" رفع بالابتداء، و"أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ" ابتداء وخبر، وهو جواب الشرط، والجملة خَبَرُ ابتداءِ الأوَّلِ، وهو قوله: ﴿وَمَنْ﴾.
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يريد زكاة الأموال ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فَيَسْألَ الرَّجْعةَ إلَى الدنيا، وهو قوله: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾؛ أي: أجَّلْتَنِي وأمْهَلْتَنِي ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: مِثْلَما أجَّلْتَ لِي فِي الدنيا.
стр. 1404
يجوز أن تكون "لا" صلةً، فيكون الكلام بمعنى التمني (١)، ويجوز أن تكون بمعنى "هَلّا"، وهو قول الزَّجّاجِ (٢)، فيكون استفهامًا، فإن قيل: كيف يَصِحُّ معنى التوبيخ والإنكار في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، وهو بمعنى: هَلّا أخَّرْتَنِي؟ قيل: فيه جوابان:
أحدهما: أن هذا يجري مَجْرَى مخاطبة الإنسان لنفسه مُوَبِّخًا لَها، وإن كان في الظاهر خطابًا لإلَهِنا ﵎.
والآخر: أن هذا دعاء؛ لأن كل ما كان من هذا النوع لِمَنْ هُوَ دُونَكَ فهو بمعنى الأمْرِ، وما كان لِمَنْ هو فَوْقَكَ فهو بمعنى الدعاء، وما كان لمن هو مِثْلُكَ فهو بمعنى السؤال، وإن اشْتَرَكَ اللفظُ فالمعنى مختلف، ونصب ﴿فَيَقُولَ﴾ لأنه عطف على قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾.
وقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ أُؤَدِّي الفرائضَ، وأجْتَنِبُ المَحارِمَ، والتقدير: وَأكُنْ صالِحًا من الصالحين.
واختلف القُرّاءُ فيه (٣)، فقرأ أبو عمرو والحسن وابن مُحَيْصِنٍ: ﴿وَأكُونَ﴾ بالواو ونصب النون، وقرأ الباقون: ﴿وَأَكُنْ﴾ بغير واو، فمن حذف الواو عطفها على موضع الفاء قبل دخول الفاء؛ لأن موضعها جَزْمٌ على التَّمَنِّي؛ أي:
стр. 1405
إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ من الصالحين، قال الشاعر:
٣٦١ - فَأبْلُونِي بَلِيَّتَكُمْ لَعَلِّي... أُصالِحُكُمْ وَأسْتَدْرِجْ نَويَّا (١)
فجزم "أسْتَدْرِجْ" على محل "أُصالِحُكُمْ" قبل دخول "لَعَلِّي".
ومن أثبت الواوَ عَطَفَهُ على لفظ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، والنصب في قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ على إضمار "أنْ"، وفي "وَأكُونَ" عطف على ما بعد الفاء.
قال الخليل (٢): نصب ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ على جواب الاستفهام بالفاء، ثم
стр. 1406
قال: ﴿وَأَكُنْ﴾، فجزم على معنى: هَلّا أخَّرْتَنِي وَأكُنْ، كأنه جعله نسقًا بالواو على جواب الاستفهام ولَمْ تُعْمَلِ الفاءُ، قال الشاعر:
٣٦٢ - إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا... أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ (١)
فرفع على معنى: وَأنْتُمْ تَنْزِلُونَ.
وأصل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: فَأتَصَدَّقَ، فأدغمت التاء في الصاد، وحَسُنَ ذلك لأنهما في كلمة واحدة، ولتقاربهما (٢).
فصل
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان عنده مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ فَلَمْ يُزَكِّ، سَألَ اللَّهَ الرَّجْعةَ عند الموت"، فقالوا: يا ابن عباس: إنما كُنّا نَرَى هذا لِلْكافِرِ، فقال: أقْرَأُ عليكم بِها قُرْآنًا إلَى قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تعالى أنه لا
стр. 1407
يُؤَخِّرُ عن الموت مَن انقضت مُدَّتُهُ وحَضَرَ أجَلُهُ، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء (١)، وقرأ الباقون بالتاء، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 1408
سورة التغابن
مدنية
وهي ألف وسبعون حرفًا، ومائتان وإحدى وأربعون كلمةً، وثمانِي عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ التَّغابُنِ دُفِعَ عنه مَوْتُ الفُجاءةِ"، ورُوِيَ: "أمِنَ مِنْ مَوْتِ الفَجْأةِ" (١)، ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ التَّغابُنِ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنّةَ" (٢).
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا مَكْتُوبٌ في تَشْبِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِنْ سُورةِ التَّغابُنِ" (٣).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يُخْبِرُ عِبادَهُ أنَّ كل
стр. 1409
شيء يسبِّح للَّه، ويكون هذا تَمامَ الكلام، وقد يكون متَّصلًا، ويكون قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ في موضع الحال، ومعناه: أنَّ سلطانه وأمره وقضاءه نافذٌ فيهما ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: ذُو قُدْرةٍ على ما يشاء، يخلق ما يشاء، ويحيي ويميت، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ لأنه ذو القدرة التامة (١).
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعنِي: من آدَمَ وَحَوّاءَ، وكان بَدْءُ خَلْقِهِما من تراب، ويجوز إدغام القاف في الكاف فِي قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ (٢)، ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ﴾ خبر "مِنْ"؛ أي: جاحِدٌ بأن اللَّه خَلَقَهُ ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ خبر "مِنْ"؛ أي: مُصَدِّقٌ أنَّهُ خالِقُهُ وإلَهُهُ، لا إلَهَ لَهُ غَيْرُهُ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾؛ أي: عالِمٌ بأعمالكم، لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أعمالكم، فلا تُخالِفُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ، فَيَنْتَقِمَ منكم.
فصل
عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيَى بن زَكَرِيّا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا" (٣).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ يعني العذاب ﴿بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ﴾ يعني الأمم الخالية ﴿رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾؛ أي: آدَمِيٌّ مِثْلُنا يَهْدُونَنا؟، ولَمْ يقل: يَهْدِينا؛ لأن البشر، وإن كان لفظه واحدًا، فإنه في معنى الجمع، وهو اسم الجنس، وواحده إنسان لا واحد له من لفظه، وقد أجاز النحويون: رَأيْتُ
стр. 1410
ثَلاثةَ نَفَرٍ وثَلَاثةَ رَهْطٍ حملًا على المعنى، ولَمْ يجيزوا: رَأيْتُ ثَلاثةَ قَوْمٍ ولا ثَلاثةَ بَشَرٍ، والفَرْقُ بينهما أن نَفَرًا ورَهْطًا لِما دُونَ العَشَرةِ من العدد، فأضيف ما دون العشرة من العدد إليه، إذْ هو نظيره، و"قَوْمٌ" قد يقع لِما فَوْقَ العشرة، فلم يَحْسُنْ إضافةُ ما دون العشرة إلى ما فوقها، فأما ﴿بَشَرٌ﴾ فيقع للواحد فلم يمكن إضافة عدد إلى واحد (١).
و ﴿بَشَرٌ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿يَهْدُونَنَا﴾ خبر، وقيل: بإضمار فعل؛ أي: أيَهْدِينا بَشَرٌ يَهْدُونَنا، ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ عن إيمانهم ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن خلقه ﴿حَمِيدٌ (٦)﴾ فِي أفعاله.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ يعني يوم القيامة، يُجْمَعُ فيه أهْلُ السماوات وأهْلُ الأرض، قرأه العامة بالياء، وقرأ رُوَيْسٌ وسلام ويعقوبُ في بعض رواياته: "نَجْمَعُكُمْ" (٢) بالنون، و ﴿يَوْمَ﴾ ظرف زمان، والعامل فيه ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ (٣).
стр. 1411
وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ مبتدأ وخبر، ويجوز في غير القرآن نصب ﴿يَوْمُ﴾ على الظرف (١).
والتَّغابُنُ: التفاعل من الغَبْنِ، وهو اسم للقيامة، سميت بذلك لأنه غَبَنَ فيه أهْلُ الحَقِّ أهْلَ الباطل، وأهْلُ الإيمان أهْلَ الكُفْرِ، وأهْلُ الجَنّةِ أهْلَ النار، وأصل الغَبْنِ النَّقْصُ في المعاملة والمُبايَعةِ والمُقاسَمةِ (٢)، قال الشاعر:
٣٦٣ - لَعَمْرُكَ ما شَيْءٌ يَفُوتُكَ نَيْلُهُ... بِغَبْنٍ، وَلَكِنْ فِي العُقُولِ التَّغابُنُ (٣)
وقيل: يَغْبِنُ فيه المَظْلُومُ الظّالِمَ، وقيل (٤): لأنه يخفى عن الخلق، والغَبْنُ: الاخْتِفاءُ، ومنه: مَغابِنُ الجَسَدِ (٥)، وغَبْنُ البَيْعِ لاستخفائه، وفِي الحديث: "ما مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَدْخُلُ الجَنّةَ إلا أُرِيَ مَكانَهُ في النارِ لو أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِنْ عَبْدٍ كافرٍ يَدْخُلُ النارَ إلّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ في الجنة لو أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرةً" (٦)، رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ .
стр. 1412
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يعني: ما أطَقْتُمْ، وهذه الآية ناسخةٌ لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١)، ومحل ﴿مَا﴾ نصب في موضع ظرف تقديره: ما دُمْتُمْ مُسْتَطِيعِينَ؛ أي: وَقْتَ استطاعتكم ﴿وَاسْمَعُوا﴾ فيما دعاكم إليه ﴿وَأَطِيعُوا﴾؛ أي: أطِيعُوهُ فيما أمَرَكُمْ به ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ في الوجوه التي أمَرَكُمْ بالنفقة فيها.
وانتصب ﴿خَيْرًا﴾ عند سيبويه على إضمار فعل دَلَّ عليه الكلامُ (٢)؛ لأنه لَمّا قال: ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ دَلَّ على أنه أمرهم أن يأتوا فِعْلَ خَيْرٍ، فكأنه قال: وَأْتُوا خَيْرًا، وقال الفراء (٣) والكسائي (٤): هو نعت لمصدر محذوف تقديره: وأنفقوا
стр. 1413
إنْفاقًا خَيْرًا لكم، وقد تقدم نظيرها في آخر سورة النساء (١).
قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يعني بُخْلَها ومَنْعَها عن الحق، ويجعل النفقة في طاعة اللَّه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ عند اللَّه، وقد مضى تفسير هذه الآية وإعرابُها في سورة الحشر (٢)، فأغنى عن الإعادة هاهنا؛ إذ المعنى واحد، وما بعدها إلى آخر السورة ظاهر التفسير.
فصل
رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قيل له: يا رسول اللَّه: ما يُدْخِلُ العَبْدَ النّارَ من الأعمال؟ فقال: "شُحٌّ مُطاعٌ، وهَوًى مُتَّبَعٌ، وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ" (٣)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1414
سورة الطلاق
مدنية
وهي ألف وستون حرفًا، ومائتان وتسع وأربعون كلمةً، واثنتا عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ مات فِي سُنّةِ رسول اللَّه ﷺ " (١).
ورُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الطلاق حُجِزَتْ عنه الضَّلَالةُ والرَّدَى، ووُفِّقَ لِلصَّلاحِ والهُدَى" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ نادَى النَّبِيَّ ﷺ ، ثُمَّ خاطَبَ أُمَّتَهُ؛ لأنه السَّيِّدُ المُقَدَّمُ، فإذا نُودِيَ وخُوطِبَ خِطابَ الجَمْعِ كانت أُمَّتُهُ داخلةً
стр. 1415
في ذلك الخطاب كدخول الرعايا في خطاب الرئيس، وهذه السورة تسمى سورة النساء القُصْرَى، ومعنى الآية: إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١)، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٢).
وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١)﴾؛ أي: في عِدَّتِهِنَّ، اللام هاهنا في موضع "في"، وتُسَمَّى لامَ التوقيت (٣)، والمعنى: فَطَلِّقُوهُنَّ في حالِ وَقْتِ العِدّةِ، وهو زمان الطهر، وتقول: آتِيكَ لِشَهْرِ رَمَضانَ أي: في شهر رمضان أوَّلَهُ أو أوْسَطَهُ أو آخِرَهُ، وإذا لَمْ يكن الوقت فَسِيحًا كان اللام بمعنى "عِنْدَ" نحو: آتِيكَ لِغُرُوبِ الشمس (٤).
نزلت هذه الآية في عبد اللَّه بن عُمَرَ (٥) لَمّا طَلَّقَ امرأته حائِضًا، فَأمَرَ اللَّهُ تعالى الزَّوْجَ أن يطلق امرأتَهُ -إذا شاءَ الطلاقَ- في طُهْرِها، وهو قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: لِزَمانِ عِدَّتِهِنَّ، وهو أن يطلقها طاهرا من غير جماع.
стр. 1416
فصل
عن عبد اللَّه بن عمر قال: طَلَّقْتُ امرأتِي على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وهي حائضٌ، فَذَكَرَ ذلك عُمَرُ لرسول اللَّه ﷺ ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثُمْ يُمْسِكْها حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عنده حَيْضةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَها حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِها، فإذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْها -إن شاء- قبل أن يُجامِعَها أو يُمْسِكْها، فتلك العِدّةُ التِي أمَرَ اللَّهُ أن تُطَلَّقَ لَها النساءُ" (١)، رواه البخاري ومسلم عن قتيبة عن الليث.
وهذا هو طلاق السُّنّةِ، وأما طلاق البِدْعةِ فهو أن يقع في حال الحيض أو في طُهْرٍ جامَعَها فيه، فهو واقعٌ، وصاحِبُهُ آثِمٌ.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ يَكْفِيهِ هَمَّ الدنيا وغَمَّها وكَرْبَ الموت وأهوالَ يوم القيامة ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾؛ أي: من حيث لا يأمل ولا يرجو ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يَثِقُ باللَّه فيما أخْبَرَهُ به، ويَكِلُ أمْرَهُ إلَى اللَّه فيما أمره به، وفيما نَهاهُ عنه ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾؛ أي: كافِيهِ، يقال: أحْسَبَنِي الشَّيْءُ أي: كَفانِي، وهو شرط وجزاء، وبه تَمامُ الكلام، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ يعني: القضاءُ جارٍ على مَنْ يَتَوَكَّلُ وعلى مَنْ لَمْ يَتَوَكَّلْ.
قرأه العامة: ﴿بَالِغٌ﴾ بالتنوين ﴿أَمْرَهُ﴾ بالنصب؛ أي: مُنْفِذٌ أمْرَهُ، مُمْضٍ في خَلْقِهِ قَضاءَهُ، ونصب "أمْرَهُ" بـ "بالِغٌ"؛ لأنه بمعنى الاستقبال؛ أي: سَيَبْلُغُ أمْرُهُ
стр. 1417
فيما يريد منكم، وقرأ طلحة بن مُصَرِّفٍ: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ على الإضافة وحَذْفِ التنوين كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ (١)، و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢)، ومِثْلَهُ رَوَى حَفْصٌ والمُفَضَّلُ عن عاصم، وقرأ داودُ بنُ أبِي هند (٣): ﴿بَالِغٌ أَمْرُهُ﴾ (٤) بالتنوين ورفع الأمر، قال الفراء (٥): أي: أمْرُهُ بالِغٌ، فرفعه على الابتداء، و ﴿بَالِغٌ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾.
فصل
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أيها الناس اتَّخِذُوا تَقْوَى اللَّه تِجارةً، يَأْتِكُم الرزقُ بلا بضاعة"، ثم قرأ ﵇: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" (٦).
стр. 1418
وعن ابن عباس ﵁ قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ : "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا" قال: "مِنْ شُبُهاتِ الدنيا، ومن غَمَراتِ الموت، ومن شدائد يوم القيامة" (١).
وعن ابن عباس أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أكْثَرَ الاستغفارَ جَعَلَ اللَّهُ له من كل هَمٍّ فَرَجًا، ومِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا" (٢).
قال أكثر المفسرين: "نزلت هذه الآية في عَوْفِ بن مالك الأشْجَعِيِّ (٣)، أسَرَ العَدُوُّ ابنًا له، فأتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذلك له، وَشَكا إليه الفاقةَ أيضًا، فقال له: "اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ، وأكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاللَّهِ"، فَفَعَلَ ذلك، فَبَيْنَما هو فِي بَيْتِهِ إذْ أتاهُ ابْنَهُ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ العَدُوُّ، فَأصابَ إبِلًا، وَجاءَ بِها إلى أبِيهِ، فَنَزَلَ قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤).
стр. 1419
وقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ يعني حَدًّا وَوَقْتًا وأجَلًا يَنْتَهِي إليه، قال الحسن: خَلَقَ اللَّهُ السماء بِقَدْرٍ، وخَلَقَ الأرضَ بِقَدْرٍ، وَخَلَقَ الأشياء كُلَّها بِقَدْرٍ، وقرأ بعضُ القُرّاءِ: "قَدَرًا" (١) بفتح الدال على معنى القضاء.
قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ﴿وَاللَّائِي﴾ ابتداء، و ﴿يَئِسْنَ﴾ وما بعده صلته إلى ﴿نِسَائِكُمْ﴾، والشرط وجوابه وما تعلق به خَبَرٌ عن ﴿وَاللَّائِي﴾ (٢)، وواحد "اللَّائِي": "الَّتِي" و"الذي" جميعًا، و"الَّلاتِي" جمع "الَّتِي" (٣).
وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شَكَكْتُمْ، فَلَمْ تَدْرُوا ما عِدَّتُهُنَّ؟ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يعني الصِّغارَ؛ أي: هُنَّ بِمَنْزِلةِ الكبيرة التي قد يَئِسَتْ، عِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾؛ أي: عِدَّتُهُنَّ ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وأجَلُ كُلِّ حامِلٍ أن تَضَعَ ما فِي بطنها، مطلقةً كانت أو مُتَوَفًّى عنها زَوْجُها.
стр. 1420
و ﴿أُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ مبتدأ ثانٍ، ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خبَر الثانِي، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ بدلًا من ﴿أُولَاتُ﴾، والخبر ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في جميع ما أمَرَهُ بِطاعَتِهِ فيه ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ يُسَهِّلْ عليه أمْرَ الدنيا والآخرةِ.
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يعني ما ذكر من الأحكام ﴿أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بطاعته، شَرْطٌ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ جواب الشرط، وأراد بالتكفير عنه: من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلَى الجمعة ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ﴾ فِي الآخرة ﴿أَجْرًا (٥)﴾.
وما بعد هذا ظاهرٌ إلى قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ يعني: على قَدْرِ مَيْسَرَتِهِ، وجاءت لام الأمر مكسورةً على بابِها، وسكنت في قوله تعالى: ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ﴾ لاتصالها بالفاء، ويجوز كَسْرُها (٢)؛ لأن أصل لام الأمر الكَسْرُ، وإنما تُسَكَّنُ تخفيفًا إذا تقدمها حرفُ عطفٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا. . . وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ (٣)، تُقْرَأُ بكسر اللام وبالإسكان لَمّا تَقَدَّمَ حرفُ عطفٍ، بخلاف قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ﴾، فإنه بِكَسْرِ لامِهِ لا غَيْرُ؛ لأنه لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حرف (٤) عطف.
стр. 1421
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾؛ أي: أعطاها من الرزق ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ يريد: بعد ضِيقٍ وشِدّةٍ غِنًى وسَعةً.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا (٨)﴾. . . "أيٌّ" مخفوض بالكاف، وصارت ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ بمعنى "كَمْ" للتكثير، والمعنى: وكم من أهل قرية عَتَوْا عن أمر ربهم، ثم أُقِيمَ المضاف إليه مُقامَ المضاف (١)، ومعنى "عَتَوْا" هاهنا: عَصَوْا وكفروا، والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والعصيان.
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يعني العقول والبصائر، وهو نداء مضاف، ثم وَصَفَهُمْ فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو في موضع نصب على النعت لـ ﴿أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾ يعني القرآن ﴿رَسُولًا﴾ يعني النبي ﷺ .
وانتصب ﴿ذِكْرًا﴾ بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، وفي انتصاب الرسول وُجُوهٌ، أحدها: على النعت لذِكْر، تقديره: ذِكْرًا ذا رَسُولٍ، ثم حذف المضاف (٢)، وقيل (٣): على البدل من ذِكْر، ورَسُول بمعنى رسالة، وقيل (٤): معناه: وأرْسَلَ رَسُولًا، وقيل:
стр. 1422
مع الرسول، وقيل (١): انتصب على إضمار أعْنِي، وقيل (٢): هو نصب على الإغراء؛ أي: اتَّبعُوا رسولًا، وقال ابن الأنباري (٣): هو منصوب على الإتْباعِ لِلذِّكْرِ، ولا يحسَن الوقف على متبوع دون تابع، ولو رَفَعَ رافِعٌ الرسول (٤) على معنى: هو رَسُولٌ، لَحَسُنَ الوقفُ على الذِّكْرِ.
فإن قال قائل: كيف يكون الرسول تابعًا للذِّكر والرسول لا يُنْزَلُ وإنما يُنْزَلُ القرآنُ؟ قيل له: ﴿أَنْزَلَ﴾ محمول على معنى "أظْهَرَ" ومعنى "بَيَّنَ"، كما قال الشاعر:
٣٦٤ - إذا تَغَنُّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي... -وَلَوْ تَعَزَّيْتُ عَنْها- أُمَّ عَمّارِ (٥)
فنصب "أُمَّ عَمّارٍ" بـ "هَيَّجَنِي" من أجل أنه بمعنى: ذَكَّرَنِي، وقيل (٦): هو
стр. 1423
نصبٍ بذِكْر؛ لأنه مصدر يعمل عمل الفعل تقديره: قد أنْزَلَ اللَّهُ إليكم أنْ تَذْكُرُوا رَسُولًا.
﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني القرآن ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ (١) بفتح الياء، وقرأ الباقون بالكسر، وهي في موضع نصب على الحال.
وقوله: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ يعني: من ظلمات الكفر إلَى نور الهدى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ شرط وجزاء ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ جواب الشرط، قرأ نافع وابن عامر: "نُدْخِلْهُ" (٢) بالنون، وقرأ الباقون بالياء ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مُقِيمًا في الجنات، نصب على الحال ﴿أَبَدًا﴾، نصب على الظرف ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها في الآخرة.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يريد: في العَدَدِ، و ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ نصب بالعطف على ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، تقديره: وَخَلَقَ مِثْلَهُنَّ من الأرض ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السابعة السفلى، قال قتادة (٣): في كل أرض من أرضه، وسماءٍ من سمائه خَلْقٌ من خَلْقِهِ، وأمْرٌ من أمْرِهِ، وقَضاءٌ من قَضائِهِ.
стр. 1424
وليس في القرآن آيةٌ تَدُلُّ على أن الأرض هي سَبْعٌ إلا هذه الآيةُ وَحْدَها، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شيءٌ طَلَبَهُ، ولا يَمْتَنِعُ منه شيءٌ أراده ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ فلا يخفى عليه شيء، ولا يَخْرُجُ شيءٌ من علمه، وهو منصوب على التفسير (١)، وقيل (٢): على المصدر، أي: عَلِمَهُ عِلْمًا، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1425
سورة التحريم
مدنية
نزلت في مارِيةَ القِبْطِيّةِ (١)، وهي ألف ومائة وستون حرفًا، ومائتان وسبع وأربعون كلمةً، واثنتا عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ التَّحْرِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، أعْطاهُ اللَّهُ تَوْبةً نَصُوحًا" (٢).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ التَّحْرِيمِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، وَجَعَلَ مَأْواهُ الجَنّةَ، واللَّهُ وَلِيُّهُ وَحافِظُهُ" (٣).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ يعني: لِمَ تُحَرِّمُ على
стр. 1426
نفسك ما أحَلَّ اللَّهُ مِنْ مِلْكِ اليَمِينِ؟، وقوله: ﴿يَا﴾ نداء، "أيُّ" إشارة (١)، والهاء تنبيه، و ﴿النَّبِيُّ﴾ نعت لـ "أيّ"؛ لأن المبهمات تُنْعَتُ بالمعارف التي هي الأجناس بالألف واللام (٢)، وضَمَمْتَ أيًّا لأنه نداء مفرد، وقوله: ﴿لِمَ﴾ هي "ما" دخلت عليها اللام، فحذفت الألِفُ فَرْقًا بين الاستفهام والخبر، وأنها قد اتصلت باللام، والوقوف عليها في غير القرآن: لِمَهْ، ويؤتى بالهاء لبيان الحركة، وفي القرآن لا يُوقَفُ عليها (٣).
وقوله: ﴿تَبْتَغِي﴾ في موضع نصب على الحال ﴿مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ هذه هاء التأنيث، ولو كانت هاءَ الجَمْعِ لَكُسِرَتْ، ومعنى قوله: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾؛
стр. 1427
أي: تَطْلُبُ رِضا عائشة وحفصة بتحريمِ مارِيةَ على نفسك ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِهَذِهِ اليمينِ التي حَلَفْتَ عليها ﴿رَحِيمٌ (١)﴾ بِكُمْ لا يُعَذِّبُ مَنْ تاب إليه.
قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: بَيَّنَ وأوْجَبَ لكم ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ يعني تَحْلِيلَها بِالكَفّارةِ. وأصل تَحِلّةٍ: تَحْلِلةٌ على وزن "تَفْعِلة"، ثم ألقيت حركة اللام الأولَى على الحاء، وأدغمت في الثانية (١)، وتَفْعِلةٌ من مصادر التَّفْعِيل كالتوصية والتسمية، والتَّحِلّةُ مصدر حَلَّلْتُ ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ وَلِيُّكُمْ وَناصِرُكُمْ ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بِخَلْقِهِ ﴿الْحَكِيمُ (٢)﴾ فيما فَرَضَ من حُكْمِهِ.
قوله : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني عائشة وحفصة، يريد: مِنْ أذَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؛ أي: عَدَلَتْ ومالَتْ إلى الحق، قال الشاعر:
٣٦٥ - تُصْغِي القُلُوبُ إلى أعَزِّ مَنازِلٍ... مِنْ آلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبْ (٢)
أي: إلَى الحق، وإنما جمع القَلْبَ -وهما اثنان- لأن كل شيء ليس في الإنسان منه غَيْرُ واحدٍ إذا قُرِنَ به مِثْلُهُ فهو جَمْعٌ (٣)، وقيل (٤): لأن معنى الجمع
стр. 1428
ضَمُّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ، فهو يقع على القليل والكثير، قال الفرزدق:
٣٦٦ - بِما فِي فُؤادَيْنا مِنَ الهَمِّ والهَوَى... فَيَبْرَأُ مُنْهاضُ الفُؤادِ المُشَعَّفُ (١)
فجاء به مُثَنًّى كما ترى.
وقيل (٢): إنما جَمَعَهُ لأنه استثقل الجمع بين تَثْنِيَتَيْنِ، ولا تجوز الكناية عن الاثنين بلفظ الجمع، ولكن الخلاف: هل هو حقيقة في الاثنين أو مَجازٌ؟ فيه وجهان، أحدهما: أنه حقيقة، وإليه ذهب مالك وأبو بكر بن داود (٣)، والثانِي:
стр. 1429
أنه مَجازٌ، وهو الصحيح، وإليه ذهب الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢).
قال صاحب "إنسان العين" (٣): وفي التثنية معنى الجمع، والإضافة بلفظ الجمع أخَفُّ وأمْكَنُ وألْيَقُ وأشْبَهُ بإعراب الواحد، قال الشاعر:
٣٦٧ - ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ (٤)
فَجَمَعَ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ.
стр. 1430
قوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: تَعاوَنا على أذَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قرأ أهل الكوفة: ﴿تَظَاهَرَا﴾ بتخفيف الظاء على الحذف، واختاره أبو عبيد، وقرأ الباقون بالتشديد على الإدغام (١)، واختاره أبو حاتم؛ لأن الأصل "تَتَظاهَرا"، فأدغمت التاء في الظاء.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾؛ أي: وَلِيُّهُ وناصِرُهُ وحافِظُهُ ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وَلِيُّهُ ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أبو بكر وعُمَرُ ﵄، وقيل: عَلِيُّ بن أبِي طالب -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ-، وقيل: هم المخلصون الذين ليسوا بِمُنافِقِينَ، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾؛ أي: أعْوانٌ له بعد اللَّه وجبريل وصالحُ المؤمنين، قال الشاعر:
٣٦٨ - يا سَمِيَّ النَّبِيِّ أصْبَحْتَ للدِّيـ... نِ قِوامًا وَلِلإمامِ ظَهِيرا (٢)
يعني: عَوْنًا، وجمع صالِحٍ صالحون، وجمع ظَهْيرٍ ظُهَراءُ وظُهُرٌ.
وإنما قال: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولَمْ يقل: صالِحُو ولا ظُهَراءُ؛ لأن لفظهم -وإن كان واحدًا-، فهو في معنى الجمع، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). وارتفع
стр. 1431
"جِبْرِيلُ" وما بعده عطفًا على محل قوله: ﴿اللَّهِ﴾ قبل دخول "إنَّ"، نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (١)، وقد مضت هذه المسألة.
قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ ﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجِبٌ وَيَقِينٌ، ومن الناس شَكٌّ ووَهْمٌ (٢)؛ أي: واجِبٌ من اللَّه إن طَلَّقَكُنَّ رسولُ اللَّهِ ﵇ ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿عَسَى﴾، والشرط
стр. 1432
معترض (١)، قرأ نافع وأبو عمرو: "يُبَدِّلَهُ" (٢) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف.
ثم نعت تلك الأزواج التي كان يُبْدِلُهُ بِهِنَّ لو طَلَّقَ نِساءَهُ، فقال: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي: خاضعات للَّه بالطاعة ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾؛ أَي: مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿قَانِتَاتٍ﴾؛ أي: طائعاتٍ داعياتٍ مُصَلِّياتٍ ﴿تَائِبَاتٍ﴾؛ أي: عائدات ﴿سَائِحَاتٍ﴾؛ أي: يَسِحْنَ مَعَهُ حيث ساحَ، وقيل: صائِماتٍ ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثَيِّبٍ وهي المرأة التي قد تَزَوَّجَتْ ثم ثابَتْ عن زوجها، فعادت كما كانت غَيْرَ ذاتِ زَوْجٍ ﴿وَأَبْكَارًا (٥)﴾ يريد: عَذارَى وهو جمع بِكْرٍ.
قال ابن عباس (٣): وَعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أن يُزَوِّجَهُ بِالثَّيِّبِ آسِيةَ بنت مُزاحِمٍ امرأةَ فرعون، وبِالبِكْرِ مَرْيَمَ ابنة عمران، قال الثعلبي ﵀ (٤): وهذه الآية واردة في الإخبار عن القدرة لا عن الكَوْنِ في الوقت؛ لأنه قال: ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وقد عَلِمَ أنه لا يُطَلِّقُهُنَّ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٥)، فهذا إخْبارٌ عن القدرة، وتَخْوِيفٌ لهم؛ لأنه ما فِي الوجود مَنْ هُوَ خَيْرٌ من أُمّةِ محمد ﷺ .
ومحل الهاء والأزواج نصب بوقوع التبديل عليه (٦)، ونصب ﴿خَيْرًا﴾
стр. 1433
و ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ وما بعدها إلى آخر الآية كُلِّها على النعت للأزواج.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يعني: مُرُوهُمْ بالخَيْرِ، وانْهَوْهُمْ عن الشَّرِّ، وعَلِّمُوهُمْ وأدِّبُوهُمْ، تَقُوهُمْ بذلك نارًا، وأصله: اوْقِيُوا، فحذفت الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ في قولك: يَقِي (١)، واستغني عن ألف الوصل، ثم ألقيت حركة الياء على القاف، وحُذِفَتْ لسكونها وسكون الواو بعدها فصارت: قُوا.
وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [٦] قال ابن السِّكِّيتِ (٢): الوُقُودُ -بالضم- المصدر، يقال: وَقَدَتِ النّارُ تَقِدُ وُقُودًا، والوَقُودُ -بالفتح- اسم لِما تُوقَدُ به النارُ، يقال: ما أجْوَدَ هذا الوَقُودَ لِلْحَطَبِ.
والحِجارةُ جمع حَجَرٍ، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جَمَلٌ وجِمالةٌ، وذَكَرٌ وذِكارةٌ، والقياس أحْجارٌ (٣)، وجاء في التفسير عن ابن عُمَرَ وغيرِهِ أن الحجارة هاهنا حجارة الكِبْرِيتِ، وهي أشَدُّ لإيقادِ النار.
стр. 1434
فصل
رُوِيَ عن منصورِ بنِ عَمّارٍ (١) واعظِ أهْلِ العراق أنه قال: دخلتُ خَرِبةً، فرأيتُ شابًّا يصلي صلاة الخائفين، فقلتُ في نفسي: إن لهذا الفتى شأنًا، لعله وَلِيٌّ من أولياء اللَّه، فوقفتُ حتى فَرَغَ من صلاته، فلما سَلَّمْتُ عليه وَرَدَّ عَلَيَّ السلامَ قلتُ له: إن في جهنم وادِيًا يقال له: ﴿لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (٢)، قال: فَشَهَقَ شَهْقةً، وخَرَّ مَغْشِيًّا عليه، فَلَمّا أفاقَ قال: زِدْنِي، فقلتُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (٣)، فَخَرَّ مَيْتًا، فلما كشفتُ ثيابه عن صَدْرِهِ رأيتُ على صدره مكتوبًا: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ (٤)، فلما كان الليل نِمْتُ فرأيتُهُ في المنام جالسًا على سرير وعلى رَأْسِهِ تاجٌ، فقلتُ له: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟، فقال: آتانِي ثواب أهْلِ بَدْرٍ وزادَنِي، فقلتُ: لِمَ؟ قال: لأنهم قُتِلُوا بِسَيْفِ الكُفّارِ، وأنا قُتِلْتُ بسيف الجبار.
стр. 1435
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ﴾ في الآخرة ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ فِي الدنيا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾؛ أي: خالصةً، قرأ العامة بفتح النون على نعت التوبة، وَرَوَى أبو بكر عن عاصم بِضَمِّهِ على المصدر (١)، وهي قراءة الحَسَنِ.
قال المُبَرِّدُ (٢): أراد: توبةً ذاتَ نُصْحٍ، وهو نعت كقولك: ناقةٌ رَكُوبٌ وناقةٌ حَلُوبٌ؛ أي: ذاتُ رُكُوبٍ وذاتُ حَلَبٍ، وَماءٌ شَرُوبٌ.
والتوبة النَّصُوحُ: أن يتوب ثم لا يعود إلى الذَّنْبِ، كما لا يعود اللَّبَنُ إلَى الضَّرْعِ، رَوَى ذلك مُعاذُ بن جبل عن رسول اللَّه ﷺ (٣)، والمعنى: أنها تَنْصَحُ صاحِبَها بِتَرْكِ العَوْدِ إلَى ما تاب منه، وأصله من النُّصْحِ، يقال: نَصَحْتُ له نُصْحًا ونُصُوحًا، ويقال أيضًا: نَصَحْتُ الثَّوْبَ: إذا خِطْتَهُ، والناصح: الخَيّاطُ، والنِّصاحُ: الخَيْطُ (٤).
стр. 1436
قال صاحب "إنسان العين" (١): فالخَيّاطُ يَضُمُّ أجزاء الثوب بحُسْنِ التناسب، والناصح يَضُمُّ أجزاء الثَّوابِ بِحُسْنِ النِّيّاتِ، قال الحسن (٢): التوبة النصوح: أن تُبْغِضَ الذَّنْبَ كما أحْبَبْتَهُ، وتَسْتَغْفِرَ منه إذا ذَكَرْتَهُ، وقال أيضًا (٣): هي نَدَمٌ بالقلب، واستغفارٌ باللسان، وتَرْكٌ بالجوارح، وإضمارُ ألَّا يَعُودَ.
وقيل: التوبة النصوح: هي المُبالِغةُ في النصح، التي لا يَنْوِي التائبُ معها مُعاوَدةً لِلْمَعْصِيةِ. وقال ذو النون (٤): علامتها ثلاثٌ: قِلّةُ الكلام وقِلّةُ الطعام وقِلّةُ المنام. وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ (٥): التوبة النَّصُوحُ تجمعها أربعةُ أشياءَ: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمارُ تَرْكُ العَوْدِ بالجَنانِ، ومُهاجَرةُ سَيِّئِ الخِلَّانِ، وقال فَتْحٌ المَوْصِلِيُّ (٦): علامتها ثلاثٌ: مخالفة الهوى وكثرة البُكا ومكابدة الجوع والظَّما (٧).
قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ يعني: إذا تُبْتُمْ، ﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجبٌ، وقد تقدم نظيره (٨) ﴿أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: يُغَطِّيَها ويَسْتُرَها عنكم ﴿وَيُدْخِلَكُمْ
стр. 1437
جَنَّاتٍ﴾ يعني بساتين ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني: من تحت البساتين، ثم أخبر مَتَى ذلك فقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ يعني: يومَ لا يُعَذِّبُ اللَّهُ النبيَّ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ولا يُخْزَى يومئذٍ إلا مَنْ دَخَلَ النارَ، والعامل في ﴿يَوْمَ﴾ ما قبله (١).
وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني المؤمنين، وذلك حين يُعْطَوْنَ النُّورَ فَيَسْعَى بين أيديهم على الصراط، فَيُورِدُهُمْ إلى الجنة ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ يعني: يُعْطَوْنَ كُتُبَهُم التي فيها أعمالهم الطيبة، فهي نُورٌ لهم أيضًا ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون إذا طُفِئَ نُورُ المنافقين: ﴿رَبَّنَا﴾ نداء مضاف؛ أي: يا ربنا ﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ من إثبات النور والمغفرة للمؤمنين، وإطفاء نور المنافقين.
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ واسمها واغِلةُ ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ واسمها واهِلةُ، وقال مقاتل (٢): اسمهما والِغةُ ووالِهةُ ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني: في الدِّينِ، قال الحسن (٣): في فُرُوجِهِما، وقال ابن عباس (٤): ما بَغَت امرأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، إنما كانت
стр. 1438
خِيانَتُهُما في الدِّينِ، كانت امرأة نوح تُخْبِرُ الناسَ أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تَدُلُّ قَوْمَهُ على الأضياف، إذا نَزَلَ بِلُوطٍ ضَيْفٌ بالليل أوْقَدَتِ النارُ، وإذا نَزَلَ بالنهار دَخَنَتْ لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أنه قد نَزَلَ به ضَيْفٌ، وقال الكلبي (١): أسَرَّتا النِّفاقَ وأظْهَرَتا الإيمانَ ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا﴾ يعني نُوحًا ولُوطًا، لَمْ يُغْنِيا مع نُبُوَّتِهِما عن امرأتيهما ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ وإنما لَمْ يَقُلْ: مع الداخلات؛ لأن المعنى: مع القوم الداخلين (٢)، أعْلَمَ اللَّهُ أن الأنبياء لا يُغْنُونَ عَنْ مَنْ عَمِلَ بالمعاصي شيئًا.
ونصب ﴿مَثَلًا﴾ و ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ لأنهما مفعولان لـ ﴿ضَرَبَ﴾ (٣)، وقيل (٤): نصب ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ على البدل من ﴿مَثَلًا﴾، تقديره: مَثَلًا مَثَلَ امْرَأةِ نُوحٍ، ثم حذف مَثَلًا الثانِي؛ لدلالة الأول عليه، وكذلك إعراب الآية بعدها مثله، وهو قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ وهي آسِيةُ بنت مُزاحِمٍ، كانت قد آمنتْ بِمُوسَى ﵇، وسألت اللَّه تعالى بَيْتًا في الجنة، فقالت: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ
стр. 1439
وَعَمَلِهِ﴾ قيل: شِرْكُهُ، وقيل: جِماعُهُ ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ الكافرين أهْلِ دِينِ فرعون اللعين.
وفي هذين المَثَلَيْنِ اللذين ضربهما اللَّه تعالى تخويفٌ لعائشة وحفصة ﵄، وزَجْرٌ لَهُما عن أذَى رسولِ اللَّه ﷺ ، يقول: لا تكونا بِمَنْزِلةِ امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية، وكُونا بمَنْزِلةِ امرأة فرعون ومريم، وهو قوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾؛ أي: حَفِظَتْهُ من الفواحش، فَلَمْ يَمَسَّها بَشَرٌ قَطُّ.
ونصب "مَرْيَمَ" عطفًا على مَثَلٍ، و ﴿ابْنَتَ﴾ نعت لها، وقيل: على البدل (١)، ولَمْ ينصرف مَرْيَمُ للتأنيث والتعريف، وقيل: إنه اسم أعجمي، وقيل: عربِي (٢).
وقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ يعني: في جَيْبِ دِرْعِها ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ مِنْ أمْرِنا، يقال: إن جبريل ﵇ مَدَّ جَيْبَ مِدْرَعَتِها بِإصْبَعِهِ، ثم نفخ في جيبها فحملت، والكناية عن غير مذكور، وقيل: إن الرُّوحَ عيسى ﵇؛ أي: جعله اللَّه تعالى في بطن أمه.
стр. 1440
قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ يعني الشرائع التي شرعها اللَّه تعالى للعباد بكلماته المُنْزَلةِ في كتبه، وقيل: الكلمات هي البشارات، نحو قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ (١).
وقوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني كتب اللَّه تعالى كُلَّها، قرأ العامة: ﴿وَصَدَّقَتْ﴾ بالتشديد، وقرأ لاحِقُ بن حُمَيْدٍ بالتخفيف (٢)، وقرأ أيضًا العامةُ: ﴿بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ على الجَمْعِ، وقرأ الحسنُ وعيسى بن عُمَرَ والجَحْدَرِيُّ: "بكَلِمةِ" (٣) على التوحيد، يَعْنُونَ عيسى ﵇، وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ على الجمع، وهي روايةُ حَفْصٍ عن عاصم، واختيارُ أبِي حاتم، قال (٤): لأنَّها أعَمُّ، وقرأ الباقون: ﴿وَكِتابِهِ﴾ (٥) على الواحد، وهي اختيار أبِي عبيد، وأرادوا به الإنجيلَ، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ يعني العابدين الراكعين الساجدين، وقال قتادة (٦): أراد: من القوم المُطِيعِينَ لِرَبِّها، ولذلك لَمْ يَقُلْ: من القانتات.