← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

قال صاحب "إنسان العين" (١): فالخَيّاطُ يَضُمُّ أجزاء الثوب بحُسْنِ التناسب، والناصح يَضُمُّ أجزاء الثَّوابِ بِحُسْنِ النِّيّاتِ، قال الحسن (٢): التوبة النصوح: أن تُبْغِضَ الذَّنْبَ كما أحْبَبْتَهُ، وتَسْتَغْفِرَ منه إذا ذَكَرْتَهُ، وقال أيضًا (٣): هي نَدَمٌ بالقلب، واستغفارٌ باللسان، وتَرْكٌ بالجوارح، وإضمارُ ألَّا يَعُودَ. وقيل: التوبة النصوح: هي المُبالِغةُ في النصح، التي لا يَنْوِي التائبُ معها مُعاوَدةً لِلْمَعْصِيةِ. وقال ذو النون (٤): علامتها ثلاثٌ: قِلّةُ الكلام وقِلّةُ الطعام وقِلّةُ المنام. وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ (٥): التوبة النَّصُوحُ تجمعها أربعةُ أشياءَ: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمارُ تَرْكُ العَوْدِ بالجَنانِ، ومُهاجَرةُ سَيِّئِ الخِلَّانِ، وقال فَتْحٌ المَوْصِلِيُّ (٦): علامتها ثلاثٌ: مخالفة الهوى وكثرة البُكا ومكابدة الجوع والظَّما (٧). قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ يعني: إذا تُبْتُمْ، ﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجبٌ، وقد تقدم نظيره (٨) ﴿أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: يُغَطِّيَها ويَسْتُرَها عنكم ﴿وَيُدْخِلَكُمْ

стр. 1437

جَنَّاتٍ﴾ يعني بساتين ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني: من تحت البساتين، ثم أخبر مَتَى ذلك فقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ يعني: يومَ لا يُعَذِّبُ اللَّهُ النبيَّ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ولا يُخْزَى يومئذٍ إلا مَنْ دَخَلَ النارَ، والعامل في ﴿يَوْمَ﴾ ما قبله (١). وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني المؤمنين، وذلك حين يُعْطَوْنَ النُّورَ فَيَسْعَى بين أيديهم على الصراط، فَيُورِدُهُمْ إلى الجنة ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ يعني: يُعْطَوْنَ كُتُبَهُم التي فيها أعمالهم الطيبة، فهي نُورٌ لهم أيضًا ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون إذا طُفِئَ نُورُ المنافقين: ﴿رَبَّنَا﴾ نداء مضاف؛ أي: يا ربنا ﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ من إثبات النور والمغفرة للمؤمنين، وإطفاء نور المنافقين. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ واسمها واغِلةُ ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ واسمها واهِلةُ، وقال مقاتل (٢): اسمهما والِغةُ ووالِهةُ ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني: في الدِّينِ، قال الحسن (٣): في فُرُوجِهِما، وقال ابن عباس (٤): ما بَغَت امرأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، إنما كانت

стр. 1438

خِيانَتُهُما في الدِّينِ، كانت امرأة نوح تُخْبِرُ الناسَ أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تَدُلُّ قَوْمَهُ على الأضياف، إذا نَزَلَ بِلُوطٍ ضَيْفٌ بالليل أوْقَدَتِ النارُ، وإذا نَزَلَ بالنهار دَخَنَتْ لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أنه قد نَزَلَ به ضَيْفٌ، وقال الكلبي (١): أسَرَّتا النِّفاقَ وأظْهَرَتا الإيمانَ ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا﴾ يعني نُوحًا ولُوطًا، لَمْ يُغْنِيا مع نُبُوَّتِهِما عن امرأتيهما ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ وإنما لَمْ يَقُلْ: مع الداخلات؛ لأن المعنى: مع القوم الداخلين (٢)، أعْلَمَ اللَّهُ أن الأنبياء لا يُغْنُونَ عَنْ مَنْ عَمِلَ بالمعاصي شيئًا. ونصب ﴿مَثَلًا﴾ و ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ لأنهما مفعولان لـ ﴿ضَرَبَ﴾ (٣)، وقيل (٤): نصب ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ على البدل من ﴿مَثَلًا﴾، تقديره: مَثَلًا مَثَلَ امْرَأةِ نُوحٍ، ثم حذف مَثَلًا الثانِي؛ لدلالة الأول عليه، وكذلك إعراب الآية بعدها مثله، وهو قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ وهي آسِيةُ بنت مُزاحِمٍ، كانت قد آمنتْ بِمُوسَى ﵇، وسألت اللَّه تعالى بَيْتًا في الجنة، فقالت: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ

стр. 1439

وَعَمَلِهِ﴾ قيل: شِرْكُهُ، وقيل: جِماعُهُ ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ الكافرين أهْلِ دِينِ فرعون اللعين. وفي هذين المَثَلَيْنِ اللذين ضربهما اللَّه تعالى تخويفٌ لعائشة وحفصة ﵄، وزَجْرٌ لَهُما عن أذَى رسولِ اللَّه ﷺ ، يقول: لا تكونا بِمَنْزِلةِ امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية، وكُونا بمَنْزِلةِ امرأة فرعون ومريم، وهو قوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾؛ أي: حَفِظَتْهُ من الفواحش، فَلَمْ يَمَسَّها بَشَرٌ قَطُّ. ونصب "مَرْيَمَ" عطفًا على مَثَلٍ، و ﴿ابْنَتَ﴾ نعت لها، وقيل: على البدل (١)، ولَمْ ينصرف مَرْيَمُ للتأنيث والتعريف، وقيل: إنه اسم أعجمي، وقيل: عربِي (٢). وقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ يعني: في جَيْبِ دِرْعِها ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ مِنْ أمْرِنا، يقال: إن جبريل ﵇ مَدَّ جَيْبَ مِدْرَعَتِها بِإصْبَعِهِ، ثم نفخ في جيبها فحملت، والكناية عن غير مذكور، وقيل: إن الرُّوحَ عيسى ﵇؛ أي: جعله اللَّه تعالى في بطن أمه.

стр. 1440

قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ يعني الشرائع التي شرعها اللَّه تعالى للعباد بكلماته المُنْزَلةِ في كتبه، وقيل: الكلمات هي البشارات، نحو قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ (١). وقوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني كتب اللَّه تعالى كُلَّها، قرأ العامة: ﴿وَصَدَّقَتْ﴾ بالتشديد، وقرأ لاحِقُ بن حُمَيْدٍ بالتخفيف (٢)، وقرأ أيضًا العامةُ: ﴿بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ على الجَمْعِ، وقرأ الحسنُ وعيسى بن عُمَرَ والجَحْدَرِيُّ: "بكَلِمةِ" (٣) على التوحيد، يَعْنُونَ عيسى ﵇، وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ على الجمع، وهي روايةُ حَفْصٍ عن عاصم، واختيارُ أبِي حاتم، قال (٤): لأنَّها أعَمُّ، وقرأ الباقون: ﴿وَكِتابِهِ﴾ (٥) على الواحد، وهي اختيار أبِي عبيد، وأرادوا به الإنجيلَ، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ يعني العابدين الراكعين الساجدين، وقال قتادة (٦): أراد: من القوم المُطِيعِينَ لِرَبِّها، ولذلك لَمْ يَقُلْ: من القانتات.

стр. 1441

فصل عن أبِي موسى الأشْعَرِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كَمُلَ من الرجال كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ من النساء إلّا أرْبَعٌ: آسِيةُ بنت مُزاحِمٍ امرأةُ فرعون، ومَرْيَمُ ابنةُ عِمْرانَ، وخَدِيجةُ بنت خُوَيْلِدٍ، وفاطِمةُ بنت محمد، وفَضْلُ عائِشةَ على النساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سائِرِ الطَّعامِ" (١)، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1442

سورة الملك مكِّية وهي ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر حرفًا، وثلاثمائة وخمس وثلاثون كلمةً، وثلاثون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ سُورةً مِنْ كِتابِ اللَّهِ هِيَ ثَلَاثُونَ آيةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ، فَأخْرَجَتْهُ مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامةِ، وَأدْخَلَتْهُ الجَنَّةَ، وهِيَ سُورةُ ﴿تَبَارَكَ﴾ المُلْكِ" (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وَدِدْتُ أنَّ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ" (٢). وعن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن (٣) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي

стр. 1443

بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تُجادِلُ عَنْ صاحِبِها يَوْمَ القِيامةِ" (١). وعن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿تَبَارَكَ﴾ فَكَأنَّما أحْيا لَيْلةَ القَدْرِ" (٢). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿تَبَارَكَ﴾ خَرَّ إسْرافِيلُ لِرُكْبَتَيْهِ، وقال: نَعَمْ! تَبارَكَ اللَّهُ كيف يصنع ما يشاء، وكيف يَصْنَعُ كاتِباكَ؟ فَيُنادِي مُنادٍ: قد (٣)، كاتباه أحْصِيا أجْرَ جَزائِهِ". و ﴿تَبَارَكَ﴾ تسمى المانعة، تَمْنَعُ قارِئَها مِنْ شَرِّ الشياطين والإنس والجنِّ، وتمنعه في الآخرة من عذاب القبر. وعن عَلِيِّ بن أبِي طالب -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- أنه قال: "مَنْ قَرَأها يَجِيءُ يَوْمَ القِيامةِ عَلَى أجْنِحةِ المَلَائِكةِ، وَلَهُ وَجْهٌ فِي الحُسْنِ كَوَجْهِ يُوسُفَ ﵇" (٤). وعن ابن مسعود ﵁ قال: "إذا وُضِعَ المَيِّتُ فِي قَبْرِهِ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَيُقالُ: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لأنه قد كان يقوم بِسُورةِ المُلْكِ، ثم يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ لِسانُهُ: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لأنه قد كان يَقْرَأُ بِسُورةَ المُلْكِ"، ثم قال: هي المانعة من عذاب القبر، وهي فِي التَّوْراةِ سُورةُ المُلْكِ، مَنْ قَرَأها فَقَدْ أكْثَرَ وَأطْيَبَ" (٥).

стр. 1444

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾؛ أي: تَعَظَّمَ وَتَمَجَّدَ وثَبَتَ ودامَ، وهو "تَفاعَلَ" من البَرَكةِ، وأصل البَرَكةَ النَّماءُ والزِّيادةُ، وقد مضى نظيره في سورة الفرقان (١). وقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ يعني: الذي له ملك الدنيا والآخرة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾؛ أي: قادر لا يمتنع عليه شيءٌ أرادَهُ، إنما يقول له: كُنْ فَيَكُونُ ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ يريد: خَلَقَ المَوْتَ في دارِ الدنيا؛ لأنها دار فناء، وخَلَقَ الحَياةَ في الآخرة؛ لأنها دار بقاء، وإنما قَدَّمَ الموت على الحياة لأنه الى الفَناءِ أقْرَبُ، كما قَدَّمَ البَناتِ على البَنِينَ فِي قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (٢). وقيل (٣): قَدَّمَهُ لأنه أقْدَمُ، وذلك أن الأشياء فِي الابتداء كانت فِي حُكْمِ المَواتِ كالنُّطْفةِ والتراب ونحوهما، ثم اعترضت الحياةُ. ومحل ﴿الَّذِي﴾ رفع على خبر ابتداء محذوف، تقديره: هو الذي، ويجوز أن يكون رفعًا على البدل من ﴿الَّذِي﴾ في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾.

стр. 1445

فصل قال ابن عباس (١): "خُلِقَ المَوْت على صُورةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ، ولا يَجِدُ رِيحَهُ شَيْءٌ إلّا ماتَ، وَخُلِقَ الحَياة على صُورةِ فَرَسٍ بَلْقاءَ، وهي التي كان جبريل والأنبياء ﵈ يركبونها، خَطْوُها مَدُّ البَصَرِ، فَوْقَ الحِمارِ وَدُونَ البَغْلِ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ، ولا تَطَأُ شيئًا، ولا يَجِدُ رِيحَها شَيْءٌ إلا حَيِيَ، وهي التي أخَذَ السّامِرِيُّ مِنْ أثَرِها، فَألْقاها على العِجْلِ". وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ يتعلق بِخَلْقِ الحَياةِ؛ لأن الابتلاء بالحياة دون الممات، والمعنى: "أيُّكُمْ أحْسَنُ عَقْلًا، وَأوْرَعُ في الدنيا عن مَحارِمِ اللَّه، وَأسْرَعُكُمْ فِي طاعة اللَّه"، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢). قال النحاس (٣): و ﴿أَيُّكُمْ﴾ رفع على الابتداء وهو اسم تام، و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبره. و ﴿عَمَلًا﴾ نصب على التفسير ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِهِ ونِقْمَتِهِ مِمَّنْ عَصاهُ، فلا أعَزَّ منه ﴿الْغَفُورُ (٢)﴾ لذنوب عباده المؤمنين، والمغفرة: الستر والتجاوز عنهم، ثم أخبر عن صنيعه الذي يَدُلُّ على توحيده، فقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ طَبَقًا فوق طَبَقٍ، بعضها فوق بعض، بين كل سَماءَينِ مسيرة خمسمائة عام.

стр. 1446

و ﴿طِبَاقًا﴾ جمع طَبَقةٍ كَرَحَبةٍ ورِحابٍ (١)، وقيل (٢): هو جمع طَبَقٍ كجَمَلٍ وجِمالٍ، و ﴿الَّذِي﴾ في موضع رفع على النعت لـ ﴿الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾، ونصب ﴿طِبَاقًا﴾ نعتًا لـ ﴿سَبْعَ﴾ (٣)، وقال سيبويه (٤): نصبه لأنه مفعول ثانٍ. ويجوز أن يكون حالًا أو مصدرًا (٥). وقوله: ﴿مَا تَرَى﴾ يعني: أيُّها الكافر ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ هذه قراءة العامة واختيار أبِي حاتم (٦)، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: ﴿مِنْ تَفَوُّتٍ﴾ (٧) بتشديد الواو، وهو اختيار أبِي عبيد (٨)، وهما بِمَنْزِلةٍ واحدةٍ، مثل:

стр. 1447

تَصَعَّدَ وتَصاعَدَ، وتَعَهَّدْتُهُ وتَعاهَدْتُهُ، فالتَّفاوُتُ والتَّفَوُّتُ كالتَّعاهُدِ والتَّعَهُّدِ (١)، ويقال: ما في صَنْعةِ فُلَانٍ من تَفاوُتٍ؛ أي: كُلُّها حَسَنةٌ، وأصلها من الفَوْتِ وهو أن يَفُوتَ شَيْءٌ شيئًا فَيَقَعَ الخَلَلُ (٢). والمعنى: هل ترى يا ابن آدم في خَلْقِ السماء من اختلاف أو خَلَلٍ أو عيب ﴿فَارْجِعِ الْبَصَر﴾؛ أي: فارْدُدِ البَصَرَ ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ يعني: من شُقُوقٍ وخِلَلٍ وصُدُوعٍ وخُرُوقٍ، ومنه يقال: فَطَرَ نابُ البَعِيرِ: إذا انْشَقَّ اللَّحْمُ فَظَهَرَ (٣)، قال الشاعر: ٣٦٩ - بَنَى لَكُمُ بِلَا عَمَدٍ سَماءً... وَزَيَّنَها، فَما فِيها فُطُورُ (٤) ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: كَرِّر النَّظَرَ مَرَّتَيْنِ ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾ جواب الأمر؛ أي: يرجع إليك البَصَرُ ﴿خَاسِئًا﴾ خاشِعًا ذَلِيلًا مُبْعَدًا صاغِرًا ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾؛ أي: كَلِيلٌ مُنْقَطِعٌ لَمْ يُدْرِكْ ما طَلَبَ، قال الشاعر: ٣٧٠ - نَظَرْتُ إلَيْها بِالمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى... فَعادَ إلَيَّ الطَّرْفُ وَهْوَ حَسِيرُ (٥)

стр. 1448

ونصب: ﴿كَرَّتَيْنِ﴾؛ لأنه في موضع المصدر، كأنه قال: فارْجِع البَصَرَ رَجْعَتَيْنِ (١)، وقيل (٢): هو بمعنى الظرف. ونصب ﴿خَاسِئًا﴾ على الحال، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ابتداء وخبر في موضع النصب على الحال من البَصَرِ، قال الزَّجّاج (٣): معناه: وقد أعْيا من قبل أنْ يَرَى فِي السماء خَلَلًا. وهو فَعِيلٌ بمعنى فاعل من الحُسُورِ وهو الإعْياءُ. فصل رُوِيَ عن كعب الأحبار أنه قال: "السماء الأولى مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، والثانية زُمُرُّدةٌ بَيْضاءُ، والثالثة حَدِيدٌ، والرابعة صُفْرٌ -أو قال: نُحاسٌ-، والخامسة فِضّةٌ، والسادسة ذَهَبٌ، والسابعة ياقُوتةٌ حَمْراءُ، وبين السماء السابعة إلى الحُجُبِ السَّبْعةِ صَحارَى من نُورٍ، واسم صاحب الحُجُبِ مِيطاطَرُوشَ" (٤).

стр. 1449

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ صَوْتًا مِثْلَ أوَّلِ نَهِيقِ الحِمارِ، وهو أقبح الأصوات، ﴿وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾ تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ، وقيل (١): تَفُورُ بِهِمْ كما يَفُورُ الماءُ الكثيرُ بالحَبِّ القَلِيلِ. و ﴿عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾ رفع على خبر اللام الزائدة، ومن قرأ: ﴿عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ (٢) بنصب الباء نصبه بالعطف على قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (٣). ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ يعني جهنم؛ أي: يَتَمَيَّزُ بَعْضُها من بعض من الغيظ على أعداء اللَّه، وقرأ البَزِّيُّ: ﴿تَمَيَّزُ﴾ (٤) بتشديد التاء، وأصله: تَتَمَيَّزُ، فأدغمت التاء فِي التاء ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾؛ أي: جماعة، وقيل: قوم ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ وهم الملائكة خُزّانُ جَهَنَّمَ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾؛ أي: رَسُولٌ يُحَذِّرُكُم النارَ، ويُخْبِرُكُمْ بِدِينِ اللَّه، وهذا التوبيخ زِيادةٌ لهم في العذاب، و ﴿كُلَّمَا﴾ نصب بـ ﴿أُلْقِيَ﴾ على الظرف. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ يعني: نسمع الهدى أو نعقله ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ قال الزَّجّاجُ (٥): معناه: لو كُنّا نَسْمَعُ سَمْعَ مَنْ يَعِي ويتفكر، أو نَعْقِلُ عَقْلَ مَنْ يُمَيِّزُ وينظر، ما كنا من أهل النار.

стр. 1450

﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ ولَمْ يقل: بِذُنُوبِهِمْ؛ لأنه مصدر يؤدي عن الجنس (١) ﴿فَسُحْقًا﴾ يعني: بُعْدًا ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ من رحمة اللَّه، ومنه: مكانٌ سحِيقٌ: إذا كان بعيدًا. قرأه العامة بالتخفيف، وثَقَّلَهُ أبو جعفر والكسائيُّ (٢)، وهما لغتان مثل: الرُّعْبِ والرُّعُبِ، والسُّحْتِ والسُّحُتِ، وهو منصوب على إضمار فعل؛ أي: ألْزَمَهُم اللَّهُ سُحْقًا (٣)، وقيل: هو مَصْدَرٌ جُعِلَ بدلًا من اللفظ بالفعل، وهو قول سيبويه (٤). فصل عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ لِكُلِّ شيء دِعامةً، ودِعامةُ المؤمن عَقْلُهُ، فَبقَدْرِ ما يَعْقِلُ يَعْبُدُ رَبَّهُ، ولَعَمْرِي لقد نَدِمَ الفُجّارُ يوم القيامة فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٥).

стр. 1451

وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرجل لَيَكُونُ من أهل الجهاد ومن أهل الصلاة والصيام، ومِمَّنْ يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وما يُجْزَى يوم القيامة إلّا على قَدْرِ عَقْلِهِ" (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: أثْنَى قَوْمٌ على رَجُلٍ عند رسول اللَّه ﷺ ، حتى أبْلَغُوا الثَّناءَ فِي خِصالِ الخَيْرِ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كَيِفَ عَقْلُ الرَّجُلِ؟ "، قالوا: يا رسول اللَّه: نُخْبِرُكَ عن اجتهاده فِي العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله؟ فقال نَبِيُّ اللَّه ﷺ : "إن الأحمق يُصِيبُ بِحُمْقِهِ أعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الفاجِرِ، وإنما يرتفع العُبّادُ غَدًا فِي الدَّرَجاتِ، وَيَنالُونَ الزُّلْفَى على قَدْرِ عُقُولِهِمْ" (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ يعني الكفار ﴿أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ قال ابن عباس (٣): كانوا يَنالُونَ من رسول اللَّه ﷺ ، فيخبره جبريل ﵇، فقال بعضهم لبعض: أسِرُّوا قَوْلَكُمْ كي لا يَسْمَعَ إلَهُ محمد ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. ثم قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إن شئتَ جعلتَ ﴿مَنْ﴾ اسمًا للخالق، ويكون في موضع رفع تقديره: ألا يَعْلَمُ اللَّهُ الخالِقُ بِما في الصدور، ﴿وَهُوَ

стр. 1452

اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وإن شئتَ جعلتَهُ اسمًا للمخلوق، ويكون في موضع نصب تقديره: ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَخْلُوقَهُ (١)، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾؛ أي: الواصل العليم، واللطيف: المتوصل إلَى علم الشيء، لَطُفَ عِلْمُهُ بِما في القلوب، الخبير بما فيها من السر والوسوسة. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ سَهْلةً مُسَخَّرةً لا تمتنع ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ قيل: جِبالِها وآكامِها، وقيل: جَوانِبِها، وقيل: نَواحِيها، وقيل: سُبُلِها، وقيل: طُرُقِها، وقيل: أطْرافِها، وقيل: شِعابِها، وأصل الكلمة:

стр. 1453

الجانِبُ، ومنه: مَنْكِبُ الرَّجُلِ والرِّيحُ النَّكْباءُ، وتَنَكَّبَ فُلَانٌ (١). قوله: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾؛ أي: مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ لكم في الأرض ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ وإلى اللَّه تُبْعَثُونَ من قبوركم. ثم خَوَّفَ كُفّارَ مكة، فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ قرأ قُنْبُلٌ: ﴿وَأمِنْتُمْ﴾ بقلب الهمزة واوًا، وقرأ الكوفيون وابن ذَكْوانَ: ﴿ءَأَمِنتُم﴾ بهمزتين، وقرأ الباقون: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ (٢) بهمزة واحدة بعدها مَدّةٌ. قال المفسرون: والمعنى في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني عُقُوبةَ مَنْ في السماء، أو عَذابَ مَنْ في السماء، وأراد: مَنْ في السماء سُلْطانُهُ ومُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، لا بُدَّ من أن يكون هذا؛ لاستحالة أن يكون اللَّهُ في مكان أو موصوفًا بِجِهةٍ، وأهل المعانِي يقولون: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بالعذاب، وهو جبريل ﵇، والمعنى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ بِأمْرِهِ، ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ تضطرب وتتحرك، فَتَعْلُو عليهم وهم يُخْسَفُونَ فيها، والأرض تَمُورُ

стр. 1454

فَوْقَهُمْ، فَتُلْقِيهِمْ إلَى أسْفَلَ، هكذا ذكره الواحديُّ (١)، ومِثْلَهُ قال الثعلبيُّ (٢). ومنهم من قال: يَعْنِي الرَّبُّ نَفْسَهُ، قال المحققون: ومعنى قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: فوق السماء، كقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) أي: فوقها، وقيل: معناه: على السماء، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٤)، ومعناه أنه فوقها لا بِالمُماسّةِ والتَّحَيُّزِ، ولكن بالقهر والتدبير، فهو مالكها ومُدَبِّرُها والقائم عليها، كما يقال: فُلَانٌ على العراق والحجاز، وفُلَانٌ عَلَى خُراسانَ وسِجِسْتانَ، يَعْنُونَ أنه والِيها وأمِيرُها (٥)، واللَّه أعلم، وفيه أقاويل كثيرة يطول شرحها. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وهي الحجارة كما أرْسَلَ على قوم لوط وأصحاب الفيل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾؛ أي: إنْذارِي إذا عايَنْتُم العذابَ عند الموت وفي الآخرة، وهو في موضع رفع (٦)؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: مِنْ قَبْلِ كُفّارِ مَكّةَ من الأُمَمِ الخالية ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾؛ أي: إنْكارِي عليهم بالعذاب، أثْبَتَ بعضُ القُرّاءِ -وهو

стр. 1455

وَرْشٌ- الياءَ في هذه الحروفِ (١) وأخواتِها حيث وقعت على الأصل في الوصل فقط، وحَذَفَها بعضُهُمْ في الخَطِّ لأنها رأس آية، ورؤوس الآيات يُنْوَى الوَقْفُ عليها، والوقوف على الياء يُسْتَثْقَلُ، فاستغنوا عنها بالكَسْرِ (٢). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ يعني: تَصفُّ أجْنِحَتَها في الهواء وهي تطير ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾؛ أي: قابِضاتٍ أجْنِحَتَها بعد انبساطها، وقيل: معنى قوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾؛ أي: يُسْرِعْنَ، والقَبْضُ: شِدّةُ العَدْوِ، و ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ عطف على معنى ﴿صَافَّاتٍ﴾؛ لِما بَيْنَ اسمِ الفاعل والفعلِ المضارع من المناسبة، قال الشاعر: ٣٧١ - باتَ يُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرِ يَعْدِلُ فِي أسْؤُقِها وَجائِرِ (٣)

стр. 1456

وقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ يعني: في حال البَسْطِ والقَبْضِ أنْ يَسْقُطْنَ ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ و ﴿صَافَّاتٍ﴾ في موضع نصب على الحال، وكذلك قوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ حال أيضًا من الطير. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ لفظ الجُنْدِ مُوَحَّدٌ، ولذلك قيل: ﴿هَذَا الَّذِي هُوَ﴾، وهو استفهام في معنى إنكارٍ؛ أي: لا جُنْدَ لَكُمْ ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ أي: يَمْنَعُكُمْ من عذاب اللَّه، قال ابن عباس (١): معناه: ينصركم مِنِّي إنْ أرَدْتُ عَذابَكُمْ ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾؛ أي: من الشيطان يَغُرُّهُمْ بأن العذاب لا يَنْزِلُ بِهِمْ ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾؛ أي: مَن الذي يرزقكم المَطَرَ إنْ أمْسَكَهُ اللَّهُ عنكم؟ ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾؛ أي: ليسوا يعتبرون ولا يتفكرون، بل لَجُّوا في طُغْيانِهِمْ وتَمادِيهِمْ وتَباعُدِهِمْ عن الآيات. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ يعني: راكِبًا رَأْسَهُ في الضلالة والجهالة أعْمَى القَلْبِ والعَيْنِ، يعني الكافر ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ معتدلًا، وهو المؤمن يبصر الطريق ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ يعني به الإسلامَ، وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تعالى للكافر؛ لأنه أكَبَّ على معاصي اللَّه في الدنيا، فَحَشَرَهُ اللَّهُ على وجهه لا يبصر يمينًا ولا شِمالًا، و"مَنْ" في موضع رفع بالابتداء، و ﴿أَهْدَى﴾ خبره، ونصب ﴿مُكِبًّا﴾ و ﴿سَوِيًّا﴾ على الحال. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾؛ أي: الذي خلقكم ولَمْ تكونوا شيئًا، وهو مبتدأ وخبر ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني العقول ﴿قَلِيلًا

стр. 1457

مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ وإنما لَمْ يقل: الأسْماع لأن السَّمْعَ في الأصل مصدر (١)، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿تَشْكُرُونَ﴾، يعني: ما تَشْكُرُونَ قَلِيلًا من الشكر ولا كثيرا رَبَّ هذه النعمةِ فَوَحِّدُوهُ (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ أي: مَتَى هذا العذاب الذي تَعِدُنا به يا محمد أنه نازِلٌ بنا، إن كنت من الصادقين، يقولون هذا استهزاء وتكذيبًا، و ﴿مَتَى﴾ في موضع رفع لأنها خبر الابتداء، هذا عند سيبويه (٣)، وعلى قول غيره هي في موضع نصب؛ لأنه لا يُرْفَعُ هذا بالابتداء (٤)، وأبو العباس يرفعه بمعنى: مَتَى يَسْتَقِرُّ هذا الوعدُ (٥)، وقيل (٦): ﴿مَتَى﴾ نصب على الظرف حيث كان، و ﴿هَذَا﴾ رفع بالابتداء، و ﴿الْوَعْدُ﴾ نعته. قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾ (٧). قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾ الهاء في ﴿رَأَوْهُ﴾ تعود على الوعد، وقيل: على العذاب يوم بَدْرٍ، وقيل: على العذاب في الآخرة، قاله أكثر المفسرين، وقوله:

стр. 1458

﴿زُلْفَةً﴾ يعني: قريبًا، يقال: ازْدَلَفَ إليه؛ أي: قَرُبَ منه (١)، وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع والواحد (٢). وقوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: اسْوَدَّتْ وغَلَبَتْ عليها الكَآبةُ، ومعنى ﴿سِيئَتْ﴾: قُبِّحَتْ وُجُوهُهُمْ بالسَّوادِ، يقال: ساءَ الشيءُ يَسُوءُ فهو سَيِّئٌ: إذا قَبُحَ، وسِيءَ يُساءُ: إذا قُبِّحَ، وضده: سَرَّ يَسُرُّ، يقال: سَرَّنِي الشيءُ وسُرِرْتُ به ﴿وَقِيلَ﴾ لهم ﴿هَذَا﴾ يعني العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ قال الفَرّاءُ (٣): يعني: تَدْعُونَ، وهما واحد مثل: تَذْكُرُونَ وتَذكَّرُونَ. قرأه العامة بالتشديد من الادِّعاءِ، وقرأه الضحاك وقتادة ويعقوب بالتخفيف (٤) من الدعاء، والمعنى: كنتم به تستعجلون. قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ﴾ يعني ماء زمزم ﴿غَوْرًا﴾ يعني غائِرًا ذاهبًا فِي الأرض، لا تَنالُهُ الأيدي أو الدِّلاءُ، والغَوْرُ: مصدر لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ وُضِعَ مَوْضِعَ الاسم، فأقامه مُقامَ الفاعل (٥)، وقيل (٦): تقديره: إن أصبح ماؤكم

стр. 1459

ذا غَوْرٍ، مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١)، وقد مضى نظيره في سورة الكهف (٢). وقوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ يعني: ظاهرًا تراه العيون، وتناله الأيدي والدِّلاءُ (٣)، وقيل (٤): جارٍ، يقال: عانَ الماءُ يَعِينُ: إذا جَرَى، وقيل (٥): عَذْبٌ -بِلُغةِ قُرَيْشٍ-. قال ثعلب (٦): الماءُ المَعِينُ: هو الماء السائل على وجه الأرض من العيون، والميم أصلية، وهو "فَعِيلٌ" مأخوذ من: مَعَنَ الماءُ: إذا كَثُرَ. واللَّه أعلم.

стр. 1460

سورة القلم مكِّية وهي ألف ومائتان وستة وخمسون حرفًا، وثلاثمائة كلمةٍ، واثنتان وخمسون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ الَّذِينَ حَسَّنَ أخْلَاقَهُمْ" (١). وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿ن﴾ ارْتَعَدَ القَلَمُ واسْتَغْفَرَ لَهُ، وَكُتِبَ مِنَ المُحْسِنِينَ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾؛ أي: ما تَكْتُبُ المَلَائِكةُ مِنْ

стр. 1461

أعمال بَنِي آدَمَ، افتتح اللَّهُ هذه السورةَ بِحَرْفٍ من حروف المعجم. واختلف القراء فيه (١)، فأدغم ابنُ عامر والكسائيُّ وأبو بكر النونَ في الواو، وأظهرها الباقون، وقرأ ابن عباس بالكسر على إضمار حرف القَسَمِ، وجوابه قوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢)، وقرأ عيسى بن عُمَرَ بالفتح على إضمار فعل؛ أي: اذْكُرْ نُونَ، أو: اقْرَأْ نُونَ، ولَمْ ينصرف؛ لأنه معرفة، وهو اسمٌ لِمُؤَنَّثٍ، وهي السورة (٣)، وقيل (٤): إنه اسمٌ أعجميٌّ،

стр. 1462

وقيل (١): إنها شبهت بـ "أيْنَ" و"كَيْفَ"، وقيل (٢): شبهت بـ "ثُمَّ"، وقيل (٣): شبهت بنون الجمع، وقال أبو حاتم (٤): حذفت منها واوُ القَسَمِ، فانتصب بإضمار فِعْلٍ كما تقول: اللَّهَ لَقَدْ كانَ ذَلِكَ. وأما النون فهو الحوت العظيم الذي يَحْمِلُ الأرضَ، وجمعه نِينانٌ (٥)، والحوت على البحر، والبحر على مَتْنِ الرِّيحِ، والرِّيحُ على القُدْرةِ، واختلفوا في اسمه، فمنهم من قال: اسمه بَهْمُوتُ، ومنهم من قال: لُيُوثا، ومنهم من قال: لُوثِيّا، ومنهم من قال: بَلْهُوتُ، قال الراجز: ٣٧٢ - ما لِي أراكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتا واللَّهُ رَبِّي خَلَقَ البُلْهُوتا (٦)

стр. 1463

وقيل: هو آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، وقيل: هو الدَّواةُ، قال الشاعر: ٣٧٣ - إذا ما الشَّوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ... ألْقَتِ النُّونُ بِالدَّمْعِ السَّجُومِ (١) يعني الدَّواةَ، وقيل: هو لَوْحٌ من نُورٍ، وقيل: هو افتتاح اسمه: نور وناصر ونَصِير، وقيل: هو قَسَم أقْسَمَ اللَّهُ تعالى به، وهو حرفُ اسْمٍ من أسْمائِهِ، وقال جعفر الصادق: هو نَهَرٌ في الجنة (٢). وأما القَلَمُ فهو الذي يُكْتَبُ به فِي اللَّوْحِ المحفوظ، وهو قَلَمٌ من نُورٍ، طُولُهُ ما بَيْنَ السماء والأرض، أقْسَمَ اللَّهُ تعالى به، ويُسَمَّى القَلَمُ الذي يُكْتَبُ به قَلَمًا؛ لأنه قُلِمَ مَرّةً بعد أُخْرَى، ومن هذا: قد قَلَمَ فُلَانٌ ظُفْرَهُ. فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ القَلَمُ، ثم خَلَقَ النونَ -وهي الدواة-، ثم قال: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ مِنْ عَمَلٍ أو أثَرٍ أو رِزْقٍ أو أجَلٍ، فَكَتَبَ ما يكون وما هو كائِنٌ إلى يوم القيامة، ثم خُتِمَ على القَلَمِ فلم يَنْطِقْ، ولا يَنْطِقُ إلَى يوم القيامة" (٣).

стр. 1464

ورُوِيَ عن أبِي هريرة أنه قال: "الأرَضُونَ على نُونٍ، ونُونٌ على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل رُكْنٍ منها مَلَكٌ قائِمٌ في الماء". وقيل (١): "لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الأرضَ وفَتَقَها، بَعَثَ اللَّهُ -سبحانه- من تحت العرش مَلَكًا، فَهَبَطَ إلَى الأرض حَتَّى دَخَلَ تَحْتَ الأرَضِينَ السَّبْعِ، فَوَضَعَها على عاتقه، وإحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسِطَتَيْنِ قابضَتَيْنِ على الأرَضِينَ السَّبْعِ حَتَّى ضَبَطَها، فلم يكن لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعُ قَرارٍ، فَأهْبَطَ اللَّهُ تعالى من الفردوس ثَوْرًا له أربعون ألْفَ قَرْنٍ، وأربعون ألْفَ قائِمةِ أقْدامٍ، وجَعَلَ قَرارَ قَدَمِ المَلَكِ على سَنامِهِ، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ قَدَماهُ، فَأحْدَرَ اللَّهُ تعالى ياقوتةً خَضراءَ من أعلى دَرَجةٍ فِي الفِرْدَوْسِ، غِلَظُها مسيرةُ خمسمائة عام، فوضعها من سَنامِ الثَّوْرِ إلَى أُذُنَيْهِ، فاستقرت عليها قَدَماهُ، وقُرُونُ ذلك الثَّوْرِ خارجةٌ من أقطار الأرض، ومِنْخَراهُ فِي البَحْرِ، فهو يتنفس كل يوم نَفَسًا، فإذا تَنَفَّسَ مَدَّ البَحْرُ، وإذا رَدَّ نَفَسَهُ جَزَرَ، فلم يَكُنْ لِقَوائِمِ الثَّوْرِ مَوْضِعُ قَرارٍ، فَخَلَقَ اللَّهُ تعالى صخرةً خضراءَ كَغِلَظِ سبْعِ سَماواتٍ وسبْعِ أرَضِينَ، فاستقرت قوائمُ الثور عليها، وهي الصخرة التي قال اللَّه تعالى فيها حكايةً عن لُقْمانَ: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ (٢)، ورُوِيَ أن لُقْمانَ لَمّا قال هذه الكلمةَ انْفَطَرَ مِنْ هَيْبَتِها ومات، فكان ذلك آخِرَ حِكْمَتِهِ، فلم يكن للصخرة مُسْتَقَرٌّ، فَخَلَقَ اللَّهُ تعالى نُونًا، وهو الحوت العظيم، اسمه لُوثِيّا، وكُنْيَتُهُ بَلْهُوتُ، ولَقَبُهُ بَهْمُوتُ، فَوَضَعَ الصخرةَ

стр. 1465

على ظهره، وسائرُ جَسَدِهِ خالٍ، والحوت على البحر، والبحر على مَتْنِ الرِّيحِ، والرِّيحُ على القُدْرةِ"، ويقال: إن الدنيا بما عليها حَرْفانِ من كتاب اللَّه تعالى، قال لها الجبارُ: كُونِي فكانت. قال كعب الأحبار (١): "إنَّ إبْلِيسَ تَغَلْغَلَ إلَى الحوت الذي على ظَهْرِهِ الأرْضُ كُلُّها، فَوَسْوَسَ إليه، وقال: أتَدْرِي ما على ظَهْرِكَ يا لُوثِيّا! من الأُمَمِ والدَّوابِّ والشَّجَرِ والجِبالِ وغَيْرِها؟ لو نَفَضْتَهُمْ ألْقَيْتَهُمْ عن ظَهْرِكَ أجْمَعَ، قال: فَهَمَّ لُوثِيّا أن يفعل ذلك، فبعث اللَّه دابّةً، فدخلت مِنْخَرَهُ ووصلت إلَى دِماغِهِ، فَضَجَّ الحُوتُ إلى اللَّه منها، فَأذِنَ اللَّهُ تعالى لها فَخَرَجَتْ، قال كعبٌ: الذي نفسي بِيَدِهِ إنه لَيَنْظُرُ إليها وتَنْظُرُ إليه، فَإنْ هَمَّ الحُوتُ بشيء من ذلك عادَتْ كما كانت". قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ هذا جواب القَسَمِ، وهو جواب لقولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٢)، فَأقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالحُوتِ وبالقَلَمِ وبأعمال بَنِي آدَمَ، فقال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، ومعناه: ما أنت يا محمد بما أنْعَمَ اللَّهُ عليك به من النُّبُوّةِ والرسالةِ والعَقْلِ والفَهْمِ بمَجْنُونٍ، إذْ كان ﵇ أعْقَلَ أهْلِ زَمانِهِ، والمَجْنُونُ: المَسْتُورُ العَقْلِ، ومن هذا: جَنَّ عليه الليلُ وأجَنَّهُ الليلُ، ومنه قيل للجَنِينِ: جَنِينٌ، ولِلْقَبْرِ: جَنَنٌ، ولِلْجِنِّ: جِنٌّ؛ لأنهم مستورون عن أعْيُنِ الناس (٣). قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ يا محمد ﴿وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ يعني كفار مكة

стр. 1466

الذين رَمَوْهُ بالجُنُونِ ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ يعني الجُنُون (١)، وهو مصدر على وزن المَفْعُولِ كما يقال: ما لِفُلَانٍ مَجْلُودٌ ومَعْقُودٌ ومَعْقُولٌ؛ أي: جَلَدٌ وعَقْدٌ وعَقْلٌ (٢)، قال الراعي (٣): ٣٧٤ - حَتَّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ... لَحْمًا وَلَا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا (٤) أي: عَقْلًا. وقيل (٥): الباء بمعنى "في"، مَجازُهُ: فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ، في أيِّ الفَرِيقَيْنِ المَجْنُونُ؟ في فَرِيقِكَ يا محمد أو في فَرِيقِهِمْ؟ وقيل: معناه: أيُّكُم المَفْتُونُ؟

стр. 1467

والباء زائدة كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) و ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (٢)، وهذا قول قتادة (٣) والأخفش (٤)، قال الراجز: نَحْنُ بَنُو جَعْدةَ أرْبابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالفَرَجْ (٥) أي: نَرْجُو الفَرَجَ، ومعنى الآية: سَتَرَى يا محمد، ويَرَى أهْلُ مكة إذا نَزَلَ بِهِم العَذابُ ببَدْرٍ بأيِّكُم المفتونُ المَجْنُونُ الذي فُتِنَ بالجُنُونِ أنْتَ أم هُمْ؟، وهذا وَعِيدٌ لَهُمَ بالعَذاب يوم بَدْرٍ. قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ يعني: وَدُّوا لو تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، يقال: أدْهَنَ الرَّجُلُ فِي دِينِهِ وداهَنَ فيه: إذا خانَ فيه، وأظْهَرَ خِلَافَ ما أضْمَرَ، والمُداهَنةُ: النِّفاقُ وتَرْكُ المُناصَحةِ والصِّدْقِ (٦). قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ يعني كَثِيرَ الحَلِفِ بالباطل ﴿مَهِينٍ (١٠)﴾ هو "فَعِيلٌ" من المَهانةِ، وهو الضعيفُ الحَقِيرُ قَلِيلُ الرَّأْيِ والتمييزِ (٧)، وليس هو مأخوذًا من الهَوانِ.

стр. 1468

قوله: ﴿هَمَّازٍ﴾؛ أي: مُغْتابٍ يأكل لُحُومَ الناسِ، وأصل الهَمْزِ: الغَمْزُ، وقيل لبعض الأعراب: الفَأْرةُ تُهْمَزُ؟ فقال: السِّنَّوْرُ يَهْمِزُها (١)، وقوله: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾؛ أي: قَتّاتٍ يَمْشِي بالنميمة بين الناس ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ بِخَيلٍ بالمال ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ غَشُومٍ ظَلُومٍ يَعْتَدِي على الحق، أثِيمٍ فِي جميع أفعاله فاجِرٍ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ العُتُلُّ هو الشَّدِيدُ الخُصُومةِ فِي الباطِلِ (٢)، وقيل (٣): الغَلِيظُ الجافِي، وقيل (٤): الفاحِشُ الخُلُقِ السَّيِّئُ الخَلْقِ، وقيل (٥): هو الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، وقيل (٦): هو الشَّدِيدُ فِي كُفْرِهِ، وكُلُّ شَدِيدٍ عند العرب فهو عُتُلٌّ، وأصله من العَتْلِ وهو الدَّفْعُ بالعُنْفِ، بُنِيَ على "فُعُلٍّ" (٧).

стр. 1469

وقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: مع ما وَصَفْناهُ به ﴿زَنِيمٍ﴾ الزَّبيمُ هو المُلْحَقُ النَّسَبِ المُلْصَقُ بالقوم وليس منهم (١)، قال عَلِيُّ بن أبِي طالب -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- (٢): الزَّنِيمُ: الذي لا أصْلَ لَهُ. وقيل (٣): الزَّنِيمُ هو الذي له زَنَمةٌ كَزَنَمةِ الشّاةِ، كما كان للوليد بن المُغِيرةِ زَنَمةٌ من أسْفَلِ أُذُنِهِ، فهو يُعْرَفُ باللُّؤْمِ كما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. ويقال (٤): تَيْسٌ زَنيمٌ: إذا كان له زَنَمَتانِ، وهما الحَلَمَتانِ المُعَلَّقَتانِ فِي حَلْقِهِ. والمَعْنِيُّ بذلك كله (٥) قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: الأخْنَسُ بن شَرِيقٍ (٦)، وقيل: الأسْوَدُ بن عبد يَغُوثَ (٧). قال الشاعر في الزنيم:

стр. 1470

٣٧٥ - زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادةً... كَما زِيدَ فِي عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ (١) وقال حسان: ٣٧٦ - فَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي آلِ هاشِمٍ... كما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ (٢) وقال آخر: ٣٧٧ - زَنِيمٌ لَيْسَ يُعْرَفُ مَنْ أبُوهُ... بَغِيُّ الأُمِّ (٣) ذُو حَسَبٍ لَئِيمِ (٤)

стр. 1471

فصل عن شَدّادِ بن أوْسٍ (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجَنّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا عُتُلٌّ زَرنيمٌ"، قال: قلتُ: فما الجَوّاظُ؟ (٢) قال: "كُلُّ دَفّاعٍ مَنّاعٍ"، قلتُ: فما الجَعْظَرِيُّ؟ قال: "الغَلِيظُ"، قلتُ: فما العُتُلُّ الزَّنِيمُ؟ قال: "كُلُّ رَحْبِ الجَوْفِ سَيِّئِّ الخُلُقِ أكُولٍ شَرُوبٍ ظَلُومٍ غَشُومٍ" (٣). وعن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجَنّةَ وَلَدُ الزِّنَى ولا وَلَدُهُ ولا وَلَدُ وَلَدِهِ" (٤)، وعن ابن عُمَرَ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ أوْلَادَ الزِّنَى يُحْشَرُونَ يوم القيامة فِي صورة القِرَدةِ والخَنازِيرِ" (٥).

стр. 1472

وعن مَيْمُونةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تَزالُ أُمَّتِي بخَيْرٍ ما لَمْ يَفْشُ فيهم وَلَدُ الزِّنَى، فإذا فَشا فيهم وَلَدُ الزِّنَى فَيُوشَكُ أنْ يَعُمَّهُم اللَّهُ بِعِقابٍ" (١)، وعن عكرمة أنه قال: "إذا كَثُرَ وَلَدُ الزِّنَى قَل المَطَرُ" (٢). قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ يعني الوليد بن المغيرة، قرأ ابن عامر وأبو جعفر وحمزة ويعقوب: ﴿أَنْ كَانَ﴾ بهمزة واحدة، بعدها مَدّةٌ، واختاره أبو حاتم، غير أن هِشامًا يَمُدُّ أطْوَلَ مِنْ مَدِّ ابن ذَكْوانَ؛ لأنه يُدْخِلُ بَيْنَ الهمزتين ألِفًا على أصله، وقرأ حمزةُ، وعاصم برواية أبِي بكر: ﴿أأنْ﴾ بهمزتين من غير مَدٍّ على الاستفهام، وهو استفهام توبيخ، وقرأ الباقون: ﴿أَنْ كَانَ﴾ (٣) بهمزة واحدة من غير مَدٍّ على الخبر، قال الفَرّاءُ والزَّجّاجُ (٤): معناه: لأنْ كان ذا مال وبنين. ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ يعني القرآن الكريم ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ يعني أحاديث الأولين، و ﴿أَسَاطِيرُ﴾ خبر ابتداء مضمر، وواحد الأساطير: سَطْرٌ، وجمع السَّطْرِ سُطُورٌ، وجمع السُّطُورِ أساطِيرُ، وهو قول الكسائيِّ (٥)، وقال ثعلب (٦): واحد الأساطِيرِ أُسْطُورةٌ مثل أُحْدُوثةٍ وأحادِيثَ، وأُرْجُوزِةٍ وأراجِيزَ، وأُعْجُوبةٍ وأعاجِيبَ.

стр. 1473

قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ يعني الوليد بن المغيرة، أي: نَخْطِمُهُ بالسَّيْفِ عَلَامةً، فَخُطِمَ يوم بَدْرٍ (١)، والسِّمةُ: سُبّةٌ قَبِيحةٌ لا تُفارِقُ صاحِبَها، قال الشاعر: ٣٧٨ - لَمّا وَضَعْتُ عَلَى الفَرَزْدَقِ مَيْسَمِي... وَعَلَى البُعَيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ (٢) وقيل (٣): نجعل على أنْفِهِ سِمةً؛ أي: عَلَامةً في القيامة يَتَمَيَّزُ بها الكافرُ، وقيل (٤): نُسَوِّدُ وَجْهَهُ، فَعَبَّرَ بالأنْفِ عن الوَجْهِ كما عَبَّرَ بالبَعْضِ عن الكُلِّ، وقيل (٥): معناه: نُعَذِّبُهُ على شُرْبِ الخُرْطُومِ وهي الخَمْرُ، قال الشاعر:

стр. 1474

٣٧٩ - تَظَلُّ يَوْمَكَ فِي لَهْوٍ وَفِي طَرَبٍ... وَأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ (١) قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ يعني أهل مكة؛ أي: اخْتبَرْناهُمْ وامْتَحَنّاهُمْ بالقَحْطِ والجُوعِ حتى أكَلُوا الجِيَفَ والرِّمَمَ ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ يعني البستان التِي في اليمن ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾. والمَعْنِيُّ بالآية قوم من ثَقَيفٍ، كانوا باليمن مُسْلِمِينَ، وَرِثُوا من أبيهم ضَيْعةً فيها زَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكان أبوهم يجعل مِمّا فيها نصيبًا للمساكين، فلما وَرثُوها حَرَمُوا المساكينَ، فصارت عاقبتهم إلى ما قَصَّ اللَّه فِي كتابه، وهو قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (٢) يعني النخيل، حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّ ثَمَرَها إذا أصبحوا قبل أن يعلم المساكينُ، واللام لام القَسَمِ، ونصب ﴿مُصْبِحِينَ﴾ على الحال. قوله: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾؛ أي: لَمْ يقولوا: إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ قال ابن عباس (٣): أحاطَتْ بها النارُ فاحترقت، وقال مقاتل (٤): بَعَثَ اللَّهُ نارًا بالليل على جَنَّتِهِمْ، فَأحْرَقَتْها حتى صارت سَوْداءَ، فذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ يعني: كالليل المظلم -والصريم: الظُّلْمةُ- لِسَوادِها بالحَرْقِ (٥)، قال الشاعر:

стр. 1475

٣٨٠ - فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ صَرِيمُ (١) يريد اللَّيْلَ؛ لأنه يَنْصَرِمُ من النهار، والصَّرِيمانِ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، وأصل الصَّرِيمِ: المَصْرُومُ، وكُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ مِنْ شَيْءٍ فهو صَرِيمٌ، فالليل صَرِيمٌ والنهار صَرِيمٌ؛ لأن كل واحد منهما يَنْصَرِمُ من صاحبه (٢). قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ نادَى بعضُهم بعضًا وقت الصباح ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ يعني: قاطِعِينَ الجَنّةَ، ولَمْ يعلموا أنها قد احترقت، و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ نصب على الحال أيضًا، ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ يَتَشاوَرُونَ ويُسِرُّونَ الكلامَ بينهم ﴿أَنْ لَا﴾؛ أي: بِألّا ﴿يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾؛ أي: على جِدٍّ وجُهْدٍ قادرين عند أنفسهم على جَنَّتِهِمْ وثِمارِها، لا يَحُولُ بينها وبينهم آفةٌ. وأصل الحَرْدِ في اللغة يكون بمَعْنَى المَنْعِ والغَصْبِ والقَصْدِ، تقول العرب: حارَدَتِ السَّنةُ: إذا لَمْ يَكُنْ فيهَا مَطَرٌ، وحارَدَتِ النّاقةُ: إذا لَمْ يَكُنْ بِها لَبَنٌ (٣)، قال الشاعر:
следующие страницы →