← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فصل عن شَدّادِ بن أوْسٍ (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجَنّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا عُتُلٌّ زَرنيمٌ"، قال: قلتُ: فما الجَوّاظُ؟ (٢) قال: "كُلُّ دَفّاعٍ مَنّاعٍ"، قلتُ: فما الجَعْظَرِيُّ؟ قال: "الغَلِيظُ"، قلتُ: فما العُتُلُّ الزَّنِيمُ؟ قال: "كُلُّ رَحْبِ الجَوْفِ سَيِّئِّ الخُلُقِ أكُولٍ شَرُوبٍ ظَلُومٍ غَشُومٍ" (٣). وعن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجَنّةَ وَلَدُ الزِّنَى ولا وَلَدُهُ ولا وَلَدُ وَلَدِهِ" (٤)، وعن ابن عُمَرَ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ أوْلَادَ الزِّنَى يُحْشَرُونَ يوم القيامة فِي صورة القِرَدةِ والخَنازِيرِ" (٥).

стр. 1472

وعن مَيْمُونةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تَزالُ أُمَّتِي بخَيْرٍ ما لَمْ يَفْشُ فيهم وَلَدُ الزِّنَى، فإذا فَشا فيهم وَلَدُ الزِّنَى فَيُوشَكُ أنْ يَعُمَّهُم اللَّهُ بِعِقابٍ" (١)، وعن عكرمة أنه قال: "إذا كَثُرَ وَلَدُ الزِّنَى قَل المَطَرُ" (٢). قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ يعني الوليد بن المغيرة، قرأ ابن عامر وأبو جعفر وحمزة ويعقوب: ﴿أَنْ كَانَ﴾ بهمزة واحدة، بعدها مَدّةٌ، واختاره أبو حاتم، غير أن هِشامًا يَمُدُّ أطْوَلَ مِنْ مَدِّ ابن ذَكْوانَ؛ لأنه يُدْخِلُ بَيْنَ الهمزتين ألِفًا على أصله، وقرأ حمزةُ، وعاصم برواية أبِي بكر: ﴿أأنْ﴾ بهمزتين من غير مَدٍّ على الاستفهام، وهو استفهام توبيخ، وقرأ الباقون: ﴿أَنْ كَانَ﴾ (٣) بهمزة واحدة من غير مَدٍّ على الخبر، قال الفَرّاءُ والزَّجّاجُ (٤): معناه: لأنْ كان ذا مال وبنين. ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ يعني القرآن الكريم ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ يعني أحاديث الأولين، و ﴿أَسَاطِيرُ﴾ خبر ابتداء مضمر، وواحد الأساطير: سَطْرٌ، وجمع السَّطْرِ سُطُورٌ، وجمع السُّطُورِ أساطِيرُ، وهو قول الكسائيِّ (٥)، وقال ثعلب (٦): واحد الأساطِيرِ أُسْطُورةٌ مثل أُحْدُوثةٍ وأحادِيثَ، وأُرْجُوزِةٍ وأراجِيزَ، وأُعْجُوبةٍ وأعاجِيبَ.

стр. 1473

قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ يعني الوليد بن المغيرة، أي: نَخْطِمُهُ بالسَّيْفِ عَلَامةً، فَخُطِمَ يوم بَدْرٍ (١)، والسِّمةُ: سُبّةٌ قَبِيحةٌ لا تُفارِقُ صاحِبَها، قال الشاعر: ٣٧٨ - لَمّا وَضَعْتُ عَلَى الفَرَزْدَقِ مَيْسَمِي... وَعَلَى البُعَيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ (٢) وقيل (٣): نجعل على أنْفِهِ سِمةً؛ أي: عَلَامةً في القيامة يَتَمَيَّزُ بها الكافرُ، وقيل (٤): نُسَوِّدُ وَجْهَهُ، فَعَبَّرَ بالأنْفِ عن الوَجْهِ كما عَبَّرَ بالبَعْضِ عن الكُلِّ، وقيل (٥): معناه: نُعَذِّبُهُ على شُرْبِ الخُرْطُومِ وهي الخَمْرُ، قال الشاعر:

стр. 1474

٣٧٩ - تَظَلُّ يَوْمَكَ فِي لَهْوٍ وَفِي طَرَبٍ... وَأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ (١) قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ يعني أهل مكة؛ أي: اخْتبَرْناهُمْ وامْتَحَنّاهُمْ بالقَحْطِ والجُوعِ حتى أكَلُوا الجِيَفَ والرِّمَمَ ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ يعني البستان التِي في اليمن ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾. والمَعْنِيُّ بالآية قوم من ثَقَيفٍ، كانوا باليمن مُسْلِمِينَ، وَرِثُوا من أبيهم ضَيْعةً فيها زَرْعٌ ونَخِيلٌ، وكان أبوهم يجعل مِمّا فيها نصيبًا للمساكين، فلما وَرثُوها حَرَمُوا المساكينَ، فصارت عاقبتهم إلى ما قَصَّ اللَّه فِي كتابه، وهو قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (٢) يعني النخيل، حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّ ثَمَرَها إذا أصبحوا قبل أن يعلم المساكينُ، واللام لام القَسَمِ، ونصب ﴿مُصْبِحِينَ﴾ على الحال. قوله: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾؛ أي: لَمْ يقولوا: إنْ شاءَ اللَّهُ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ قال ابن عباس (٣): أحاطَتْ بها النارُ فاحترقت، وقال مقاتل (٤): بَعَثَ اللَّهُ نارًا بالليل على جَنَّتِهِمْ، فَأحْرَقَتْها حتى صارت سَوْداءَ، فذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ يعني: كالليل المظلم -والصريم: الظُّلْمةُ- لِسَوادِها بالحَرْقِ (٥)، قال الشاعر:

стр. 1475

٣٨٠ - فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ صَرِيمُ (١) يريد اللَّيْلَ؛ لأنه يَنْصَرِمُ من النهار، والصَّرِيمانِ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، وأصل الصَّرِيمِ: المَصْرُومُ، وكُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ مِنْ شَيْءٍ فهو صَرِيمٌ، فالليل صَرِيمٌ والنهار صَرِيمٌ؛ لأن كل واحد منهما يَنْصَرِمُ من صاحبه (٢). قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ نادَى بعضُهم بعضًا وقت الصباح ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ يعني: قاطِعِينَ الجَنّةَ، ولَمْ يعلموا أنها قد احترقت، و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ نصب على الحال أيضًا، ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ يَتَشاوَرُونَ ويُسِرُّونَ الكلامَ بينهم ﴿أَنْ لَا﴾؛ أي: بِألّا ﴿يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾؛ أي: على جِدٍّ وجُهْدٍ قادرين عند أنفسهم على جَنَّتِهِمْ وثِمارِها، لا يَحُولُ بينها وبينهم آفةٌ. وأصل الحَرْدِ في اللغة يكون بمَعْنَى المَنْعِ والغَصْبِ والقَصْدِ، تقول العرب: حارَدَتِ السَّنةُ: إذا لَمْ يَكُنْ فيهَا مَطَرٌ، وحارَدَتِ النّاقةُ: إذا لَمْ يَكُنْ بِها لَبَنٌ (٣)، قال الشاعر:

стр. 1476

٣٨١ - أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنّةِ المُغِلَّه (١) وفيه لغتان: حَرْدٌ وحَرَدٌ كالدَّرْكِ والدَّرَكِ (٢)، ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال. قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا (٣٢)﴾ يعني خَيْرًا من جَنَّتِهِمْ، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو بالتشديد، وقرأ غيرهم بالتخفيف (٣)، وهما لغتان، ومنهم من فَرَّقَ بينهما فقال: التبديل: تغييرُ شَيْءٍ أو تَغْيِيرُ حالِهِ وعَيْنُ الشَّيْءِ

стр. 1477

قائِمٌ، والإبدال: رَفْعُ الشَّيْءِ وَوَضْعُ شَيْءٍ آخَرَ مَكانَهُ (١). قال عبد اللَّه بن مسعود (٢): بَلَغَنِي أن القوم لَمّا أخْلَصُوا، وعَرَفَ اللَّهُ منهم الصِّدْقَ، أبْدَلَهُمْ بِها جَنّةً يقال لَها: الحَيَوانُ، فيها عِنَبٌ لا يَحْمِلُ البَغْلُ العُنْقُودَ منها، فهو كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: في الآخرة ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ يعني البساتين ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ هذه ألِفُ الاستفهام، ومعناها التوبيخ والتقرير ﴿مَا لَكُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾؛ أي: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ؟ إن هذا الحُكْمَ لَجَوْرٌ، أنْ يُعْطَوْا من الخَيْرِ في الآخرة ما يُعْطَى المسلمون، و ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، وهو اسمٌ تامٌّ، و ﴿لَكُمْ﴾ الخبر، و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَحْكُمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ﴾ يا محمد ﴿أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾؛ أي: أيُّهُمْ بذلك كَفِيلٌ أنَّ لَهُمْ في الآخرة ما للمسلمين؟، والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ، قال ﵇:

стр. 1478

"الزعِيمُ غارِمٌ" (١) يعني الكفيل، والفعل منه: زَعَمَ يَزْعُمُ زَعامةً. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قرأه العامة بِياءٍ مضمومةٍ، وقرأ ابن عباس بِتاءٍ مفتوحةٍ وكَسْرِ الشين (٢)؛ أي: تَكْشِفُ القيامةُ، و ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ في ذلك اليوم ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾، وقيل (٣): انتصب ﴿يَوْمَ﴾ على تقدير: اذْكُرْ يا محمدُ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ، فَيُبْتَدَأُ به (٤). وقوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾؛ أي: عن أمْرٍ شَدِيدٍ فَظِيعٍ، وهو إقبال الآخرة وذَهاب الدنيا، قال ابن عباس (٥): هو أشَدُّ ساعةٍ في القيامة، قال الشاعر: ٣٨٢ - كَشَفَتْ لَكُمْ عَنْ ساقِها... وَبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّراحُ (٦)

стр. 1479

وهذا من باب الاستعارة، يقال للأمر إذا اشْتَدَّ وتَفاقَمَ وظَهَرَ فَزالَتْ غُمّاهُ (١): كَشَفَ عن ساقِهِ، وهذا جائز فِي اللغة، وإنْ لَمْ يكن للأمر ساقٌ، وهذا كما يقال: أسْفَرَ وَجْهُ الأمْرِ، واسْتَقامَ صَدْرُ الرَّأْي (٢)، قال الشاعر يصف حَرْبًا: ٣٨٣ - قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا وَجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا (٣) وعن عكرمة قال: سُئِلَ ابنُ عَبّاسٍ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، فقال (٤): إذا خَفِيَ عليكم شَيْءٌ في القرآن فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ، فإنه

стр. 1480

ديوان العرب، أما سَمِعْتُمْ قول الشاعر: ٣٨٤ - صَبْرًا أُمامَ إنْ شَرَّ باقِ قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكِ ضَرْبَ الأعْناقِ وَقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلَى ساقِ (١) والعرب تقول لِسَنةِ الحَرْبِ: كَشَفَتْ عن ساقها، قال الشاعر: ٣٨٥ - عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ إشْفاقِها وَمِنْ طِرادِي الطَّيْرَ عَنْ أرْزاقِها فِي سَنةٍ قَدْ كشَفَتْ عَنْ ساقِها حَمْراءَ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها (٢)

стр. 1481

ورَوَى مقاتل بن سليمان عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، يعني: عن ساقه اليُمْنَى، فَيُضِيءُ نُورُ ساقِهِ الأرضَ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (١)، يعني: بِنُورِ ساقِهِ اليُمْنَى. وقال ابن قتيبة (٢): أصْلُ هذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقع في أمْرٍ عَظِيمٍ احتاج إلَى الجِدِّ فيه شَمَّرَ عن ساقه، فاسْتُعِيرَ الكَشْفُ عن السّاقِ في موضع الشِّدّةِ، وأنشد لِدُرَيْدِ بن الصِّمّةِ: ٣٨٦ - كَمِيشُ الإزارِ، خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ... صَبُورٌ عَلَى الجُلَّى (٣)، طَلَّاعُ أنْجُدِ (٤)

стр. 1482

وقوله: "الجُلَّى" بالضم مع التشديد والقَصرِ على "فُعْلَى": هو الأمر العظيم، وجمعه جُلَلٌ (١). وتأويل الآية: يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ كما يَشْتَدُّ بمَنْ يَحْتاجُ فيه إلَى أنْ يَكْشِفَ عن ساقٍ ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ يعني الكفار والمَنافقين ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ قال المفسرون (٢): يَسْجُدُ الخَلْقُ كُلُّهُمْ للَّه سَجْدةً واحدةً، ويَبْقَى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصْلابَهُمْ تَيْبَسُ فلا تَلِينُ لِلسُّجُودِ. فصل عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقه (٣)، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ، ويَبْقَى كُلُّ مَنْ كانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيا رِياءً وَسُمْعةً فَيَذْهَبُ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا" (٤). وعن أبِي بُرْدةَ (٥) ﵁ عن أبيه أنه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1483

يقول: "إذا كان يَوْمُ القيامة مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويَبْقَى أهْلُ التوحيد، فَيُقالُ لهم: ما تَنْتَظِرُونَ وقد ذَهَبَ الناسُ؟، فيقولون: إنَّ لَنا رَبًّا كُنّا نَعْبُدُهُ فِي الدنيا لَمْ نَرَهُ، فيقال لهم: أوَتَعْرِفُونَهُ إذا رَأيْتُمُوهُ؟ فيقولون: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: كَيْفَ تَعْرِفُونَهُ وَلَمْ تَرَوْهُ؟، قالوا: إنه لا شَبِيهَ لَهُ، فَيُكْشَفُ لَهُمْ عن الحِجابِ، فينظرون إلى اللَّه ، فَيَخِرُّونَ له سُجَّدًا، ويَبْقَى أقْوامٌ ظُهُورُهُمْ مِثْلُ صَياصِي البَقَرِ، يريدون السجودَ فلا يستطيعون، وذلك قوله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، فيقول اللَّه : عِبادِي: ارْفَعُوا رُؤوسَكُمْ، فَقَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ رَجُلٍ منكم رَجُلًا من اليَهُودِ والنَّصارَى فِي النّارِ" (١). وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ يعني: ذليلةً خاضعةً حين أيْقَنُوا بالعذاب، وعايَنُوا النّارَ، وهو نصب على الحال، و ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ رفع بفعله، ويجوز رفعهما جميعًا على الابتداء والخبر (٢). وقوله: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾؛ أي: تَغْشاهُمْ نَدامةٌ وحَسْرةٌ ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ يعني: بالأذانِ في دار الدنيا والإقامةِ، ويُؤْمَرُونَ بالصلاة المكتوبة ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ مُعافَوْنَ، ليس في أصْلَابِهِمْ مِثْلُ سَفافِيدِ الحَدِيدِ. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ "إنْ" عند الكوفيين بمعنى "ما"، واللام بمعنى "إلّا"، تقديره: وما يكاد الذين كفروا إلّا لَيُزْلِقُونَكَ، و"إنْ" عند البصريين مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر معها، واللّام لام

стр. 1484

التأكيد لَزِمَتْ هذا النوعَ لِئَلّا تُشْبِهَ "إنْ" الَّتِي بمعنى "ما" (١)، وقال ثعلب (٢): "إنْ" هاهُنا بِمَعْنَى "قَدْ". قرأ أهل المدينة: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بفتح الياء، وقرأ غيرهم بِضَمِّهِ، وهما لغتان (٣)، وقراءة العامّةِ أكْثَرُ وأوْسَعُ، يقال: زَلَقَهُ يَزْلِقُهُ زَلَقًا، وأزْلَقَهُ يُزْلِقُهُ إزْلَاقًا، بمعنًى واحدٍ، ويقال: زَلِقَ من مكانه وأزْلَقْتُهُ أنا، وزَلِقَ هو وزَلَّقْتُهُ مثل: حَزِنَ وحَزَّنْتُهُ. واختلفوا في تأويله، فقيل (٤): معناه: يُنْفِذُونَكَ يا محمدُ بأبصارهم، يقال: زَهِقَ السَّهْمُ وَزَلِقَ: إذا نَفَذَ، وقيل (٥): يَصْرِفُونَكَ عَمّا أنت عليه من تبليغ الرسالة، وقيل (٦): يَعِينُونَكَ، وقيل: يُصِيبُونَكَ بِعُيُونهِمْ، وقيل (٧): يَرْمُونَكَ، وقيل (٨):

стр. 1485

يَسْتَأْصِلُونَكَ، من قولهم: زَلَقَ رَأْسَهُ وأزْلَقَهُ: إذا حَلَقَهُ، وقيل (١): معناه: لَيَقْتُلُونَكَ، وهذا كما يُقالُ: صَرَعَنِي بِطَرفِهِ، وقَتَلَنِى بِعَيْنِهِ، قال الشاعر: ٣٨٧ - تَرْمِيكَ مُزْلِقةُ العُيُونِ بِطَرْفِها... وَتَكِلُّ عَنْكَ نِصالُ نَبْلِ الرّامِي (٢) وقال آخر: ٣٨٨ - يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا فِي مَوْطِنٍ... نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ (٣) وهذا مُسْتَعْمَلٌ فِي الكلام، يقول القائل: نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يكاد يَصْرَعُنِي، ونَظَرًا يَكادُ يَأْكُلُنِي (٤).

стр. 1486

وقوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ يعنون محمَّدًا ﷺ ، ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: موعظة ﴿لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾؛ أي: للمؤمنين، يعني محمَّدًا ﵇، وقيل: القرآن ذِكْرٌ، ذَكَّرَهُم اللَّهُ تعالى فيه بنفسه، فَأعْلَمَهُمْ ما يأتون مِمّا يُحِبُّ، وما يَذَرُونَ مِمّا يَكْرَهُ ويَسْخَطُ، وهو مبتدأ وخبر، والضمير يعود على الذِّكْرِ المتقدمِ. فصل قال الحسن: "دَواءُ إصابةِ العَيْنِ أن يَقْرَأ الإنسانُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ إلى آخرها" (١)، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "العَيْنُ حَقٌّ، وَإنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ" (٢). واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1487

سورة الحاقة مكية وهي ألف وأربعمائة وثمانون حرفًا، ومائتان وست وخمسون كلمةً، واثنتان وخمسون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الحاقّةِ حاسَبَهُ اللَّهُ حِسابًا يَسِيرًا، وَلَمْ تَكْتُبْهُ المَلَائِكةُ مِنَ الغاوِينَ" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الحاقّةِ كُتِبَ لَهُ بِها فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ حَسَنةٌ، وَمُحِيَ عَنْهُ سَيِّئةٌ، وَرُفِعَ لَهُ دَرَجةٌ فِي الجَنّةِ". باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾؛ أي: القيامةُ ما القيامةُ؟ سُمِّيَتْ حاقّةً لأنَّها ذاتُ الحَواقِّ من الأمور وحَقائِقِها، فهي الصادقة الواجبةُ الصِّدْقِ،

стр. 1488

وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود، ولأنه فيها يَحِقُّ الجَزاءُ على الأعمال أي: يَجِبُ، واشتقاقها من: حَقَّ الشَّيْءُ يَحِقُّ: إذا وَجَبَ، يقال: حَقَّ عليه الشَّيْءُ: إذا وَجَبَ يَحِقُّ حُقُوقًا (١). فالحاقّةُ الأُولى رفع بالابتداء، وخبره فيما بعده (٢)، و ﴿مَا﴾ بمعنى الاستفهام الذي معناه التفخيم والتعظيم لشأنها والتَّعْجِيبُ، كما تقول: زيدٌ ما زيدٌ؟، قال أبو النَّجْمِ (٣): ٣٨٩ - أنا أبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي (٤) أي: الذي يُعْرَفُ.

стр. 1489

وقيل (١): الحاقّةُ الأُولَى مرفوعة بالثانية؛ لأن الثانية بِمَنْزِلةِ الكناية عنها، والحاقّةُ الثانية مرفوعة بـ ﴿مَا﴾، و ﴿مَا﴾ بمَعْنَى: أيُّ شَيْءٍ؟، وهو رَفَعَ الحاقة الثانية، ومثله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٢) ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ (٣) ونَحْوُهُما. ثم زاد في التهويل، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمد ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾؛ أي: كَأنَّكَ لَسْتَ تعلمها، إذْ لَمْ تُعايِنْها، ولَمْ تَرَ ما فيها من الأهوال، لولا أن اللَّه تعالى أدْراكَ ما هي، فَسَمّاها الحاقَّة. و ﴿مَا﴾ الأولى ابتداء، و ﴿مَا﴾ الثانية ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ خبرها، والجملة في موضع نصب بـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ وما اتصل به خبر عن ﴿مَا﴾ الأولى، وفي ﴿أَدْرَاكَ﴾ ضميرُ فاعلٍ يعود على ﴿مَا﴾ الأُولَى، و ﴿مَا﴾ الأولى والثانية استفهام فلذلك لَمْ يعمل ﴿أَدْرَاكَ﴾ في ﴿مَا﴾ الثانية وعَمِلَ في الجملة، وهو استفهام فيه معنى التعظيم (٤) والتَّعْجِيبِ، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ فعل يتعدى إلَى مفعولين، الكاف المفعول الأول، والجملة في موضع الثانِي، ومثله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٥)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ (٧)،

стр. 1490

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ (١)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٣)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٤)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ (٥) كُلُّهُ على قياسٍ واحدٍ، فَقِسْ بَعْضَهُ على بعضٍ (٦). قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ يعني الساعة، سُمِّيَتْ قارعةً لأنها تَقْرَعُ قُلُوبَ العِبادِ بالمَخافةِ. ثم أخْبَرَ عنهما جميعًا، فقال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ﴾ ابتداء ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ خبره، يعني: عُذِّبُوا بِطُغْيانِهِمْ في نِعَمِ اللَّه، والطُّغْيانُ حَمَلَهُمْ على تكذيب صالحِ ﵇، والطاغي من كل شيء: ما عَلَا وَجاوَزَ الحَدَّ، والطّاغِيةُ: الصَّيْحَةُ، وقيل: الصاعقة؛ أي: أخَذَتْهُمْ، وهو ما أخْبَرَ اللَّهُ تعالى عنه في سورة الذاريات، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٧)، والطاغية قيل (٨): هي مصدر كالجاثِيةِ، وقيل (٩): هي نعت مجازه: بِفِعْلَتِهِم الطّاغِيةِ.

стр. 1491

قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ فالصَّرْصَرُ: الصَّوْتُ الذي لها، وقيل (١): الباردة، والعاتية: الشديدة، عَتَتْ عَلَى خُزّانِها، فَلَمْ تُطِعْهُمْ، وجاوَزَت المِقْدارَ، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَمْ خَرَجَ منها، ثم عَتَتْ على عادٍ حتى فَتَّتَتْ أفْئِدَتَهُمْ، والعاتِي: الذي لا يُطاقُ ولا يَلِينُ. فصل عن قُبَيْصةَ بن ذُؤَيْبٍ (٢) أنه قال: "ما يَخْرُجُ من الرِّيحِ شَيْءٌ إلّا عليها خُزّانٌ يعلمون قَدْرَها وعَدَدَها وكَيْلَها، حتى كانت الرِّيحُ التِي أُرْسِلَتْ على عادٍ، فانْدَفَقَ منها شَيْءٌ لا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ غَضَبًا للَّه تعالى، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ عاتِيةً" (٣). وعن ابن عباس قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أرْسَلَ اللَّهُ تعالى شيئًا مِنْ رِيحٍ إلّا بِمِكْيالٍ، ولا قَطْرةً مِنْ مَطَرٍ إلّا بِمِكْيالٍ، إلّا يَوْمَ عادٍ ويَوْمَ قَوْمِ نُوحٍ، فإن

стр. 1492

الماءَ يَوْمَ نُوحٍ طَغَى عَلَى الخُزّانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، والرِّيحُ لَمّا كانَ يَوْمُ عادٍ عَتَتْ على الخُزّانِ فلم يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْها سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (١). ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: أرْسَلَها وسَلَّطَها على قوم عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يعني مُتَتابِعةً، وإنما أثْبَتَ الهاءَ في "ثَمانِيةَ"، وحَذَفَها من ﴿سَبْعَ﴾ فَرْقًا بَيْنَ المذكر والمؤنث، ونصب ﴿سَبْعَ﴾ و"ثَمانِيةَ" على الظرف (٢)، و ﴿حُسُومًا﴾ على الحال والقطع (٣)، وقيل (٤): على النعت للأيام، وقيل (٥): على المصدر؛ أي: تَحْسِمُهُمْ حُسُومًا، يعني: تِباعًا. والحُسُومُ: الشُّؤومُ، يقال: هذه لَيالِي الحُسُومِ؛ لأنها تَحْسِمُ الخَيْرَ عن أهلها (٦)، وهو مأخوذ من: حُسِمَ الدّاءُ: إذا كَواهُ صاحِبُهُ؛ لأنه يُتابِعُ عليه

стр. 1493

بِالمِكْواةِ مَرّةً بعدَ مَرّةٍ حَتَّى يَبْرَأ، فجُعِلَ مَثَلًا فيما يُتابَعُ (١). وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا﴾؛ أي: في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ ﴿صَرْعَى﴾ جمع صَرِيعٍ، يعني: أنَّهُمْ صُرِعُوا بمَوْتهِمْ، وهو اسمٌ مقصورٌ في موضع نصب على الحال، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ يعني: ساقطةٍ، وقيل: خاليةِ الأجواف، شَبَّهَهُم اللَّهُ تعالى بالنَّخْلِ إذا قَعَرَتْها الرِّيحُ وقَلَعَتْها من أُصُولِها، فَألْقَتْها على الأرض، وإنما شَبَّهَهُم اللَّهُ بالنَّخْلِ لِطُولِهِمْ. وقوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ يعني: فَهَلْ تَرَى منهم أحَدًا، وقيل: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ أثَرٍ أو بَقاءٍ، وقيل: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ نَفْسٍ باقِيةٍ، يعني: لَمْ يَبْقَ منهم أحَدٌ. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ يعني: مِنَ الأُمَمِ الكافِرةِ، قرأ أبو عمرو والكسائيُّ ويعقوبُ والحَسَنُ وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ وعاصمٌ الجَحْدَرِيُّ بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: وَمَنْ مَعَهُ ومَنْ يَلِيهِ ويَحُفُّ به من جُنُودِهِ وأتْباعِهِ، وهو اختيار أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتم (٢)، اعتبارًا بقراءة عبد اللَّه وأُبَيِّ: "وَمَنْ مَعَهُ"، وقرأ أبو موسى الأشعريُّ: "وَمَنْ تِلْقاءَهُ"، وقرأ الباقون بفتح القاف وجزم الباء (٣)؛ أي: وَمَنْ تَقَدَّمَهُ من القُرُونِ الخالِيةِ، وهو منصوب على ظرف المكان.

стр. 1494

قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، والمعنى: وَأهْلُ المُؤْتَفِكاتِ، ويجوز أن يريد الأمم والجماعات الذين ائْتُفِكُوا بخَطِيئَتِهِمْ، قرأه العامة بالألف، وقرأ الحسن: "والمُؤْتَفِكةُ" بغير ألف (١)، وقوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾ يعني: بالمعصية، وهي الشرك والكفر باللَّه، والخاطِئةُ مصدر كالخَطَأِ والخَطِيئةِ. قوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يعني لوطًا وموسى ﵉، ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾؛ أي: نامِيةً زائِدةً على عذاب الأُمَمِ، يقال: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ وتَضاعَفَ ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾؛ أي: عَتا وَجاوَزَ حَدَّهُ حَتَّى عَلَا كُلَّ شَيْءٍ، وارتفع فوقه خمسة عشر ذراعا (٢)، يعني: زَمَنَ نُوحٍ ﵇ ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾؛ أي: حَمَلْنا آباءَكُم وأنتم في أصْلَابِهِمْ ﴿فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ يَعني: في السفينة التِي تَجْرِي في الماءِ؛ ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾؛ أي: لِنَجْعَلَ تلك الفِعْلةَ (٣) التِي فَعَلْنا من إغْراقِ قَوْمٍ نُوحٍ ونَجاةِ مَنْ أنْجَيْنا منهم مِمَّنْ حَمَلْنا فيها ﴿لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾؛ أي: عِظةً وعِبْرةً ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾؛ أي: حافظةٌ لِما جاء من عند اللَّه تَسْمَعُهُ وتَعْقِلُهُ وتَحْفَظُهُ. قرأ طلحة: "وَتَعْيها" بإسكان العين، واخْتُلِفَ فيه عن عاصم وابن كثير (٤)، وهي قراءة رَدِيئةٌ غَيْرُ قَوِيّةٍ (٥)، وقرأ الباقون بالإشباع.

стр. 1495

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ وهي النفخة الأُولَى، وقيل: الثانية، وإنما رفع المصدر، وهو (١) النفخة؛ لأنه لَمّا نَعَتَها أقامها مُقام المرفوع؛ لأن الرفع فِي المصدر (٢) إذا نُعِتَ أحْسَنُ؛ لأنه يَقْرُبُ من الاسم، والنصب جائز (٣)، ومثله فِي الكلام: ضُرِبَ بِزَيْدٍ ضَرْبٌ شَدِيدٌ، فإذا لَمْ يُنْعَت المصدرُ كان الوجه النصبَ، وقَبُحَ الرفعُ، وذلك قولك: ضُرِبَ بِزَيْدٍ ضَرْبًا، وسِيرَ بِزَيْدٍ سَيْرًا (٤). قوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ حُمِلَ ما على الأرض من شَجَرٍ أو ماء أو شيء، وحُمِلَت الجبال عن أماكنها وما فيها؛ أي: رُفِعَتْ فَضُرِبَتْ على الأرض ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾؛ أي: كُسِّرَتا ودُقَّتا دَقّةً واحدةً، فصارتا هَباءً مُنْبَثًّا، وإنما قال: ﴿فَدُكَّتَا﴾، ولَمْ يقل: دُكِكْنَ (٥)؛ لأنه جعل الأرض كالشيء الواحد والجبالَ كالشيء الواحد (٦).

стр. 1496

حُكِيَ عن الرَّبِيعِ بن خُثَيْمٍ أنه كان إذا قرأ هذه الآيةَ أخَذَ بجِلْدةِ ذِراعِهِ ويقول: يا لَحْماهُ يا دَماهُ: أين أنتَ يومئذ؟ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ يعني: وقعت الصيحة الأخرى بعد الصيحة الأولَى، وقامت القيامة، ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يعني: انفجرت السماء لِنُزُولِ الرَّبِّ تعالى ومَنْ فيها مِن الملائكة، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾؛ أي: ضعيفة من الخوف، وهي اليومَ غَلِيظةٌ شديدةٌ، يقال: وَهَى الشَّيْءُ يَهِي، فهو واهٍ: إذا تَشَقَّقَ وتَصَدَّعَ. قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يعني الملائكة، وهو اسم جنس (١)، وأرْجاؤُها: نواحيها وأطرافها وجوانبها وأقطارها بلغة هُذَيْلٍ (٢)، واحدها رَجًا مقصور، وهو يكتب بالألف؛ لأن تثنيته: رَجَوانِ، مثل: قَفًا وقَفَوانِ (٣). قال الضحاك (٤): إذا كان يومُ القيامة أمَرَ اللَّهُ السماء الدنيا فَتَشَقَّقَتْ، وتكون الملائكة على حافّاتِها حتى يأمرهم الرَّبُّ، فَيَنْزِلُونَ إلَى الأرض، فيحيطون بالأرض ومَنْ عليها. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ يعني: فَوْقَ رُؤوسِ الحَمَلةِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ يعني ثمانية أمْلاكٍ على صورة الأوْعالِ، ما بين أظْلافِهِمْ

стр. 1497

إلى رُكَبِهِمْ كما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ، قال رسول اللَّه ﷺ : "هم اليومَ أربعةٌ، فإذا كان يومُ القيامة أيَّدَهُم اللَّهُ بأربعةٍ آخرين، فكانوا ثمانيةً" (١). وفي الحديث: "إنَّ لكل مَلَكٍ منهم وَجْهَ رَجُلٍ، وَوَجْهَ أسَدٍ، وَوَجْهَ ثَوْرٍ، وَوَجْهَ نَسْرٍ" (٢)، وقيل: معناه: ثمانية صُفُوفٍ من الملائكة، لا يَعلم عَدَدَهُمْ إلا اللَّهُ تعالى. فصل رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ ﵁ أنه قال: إن اللَّه تعالى خَلَقَ العَرْشَ رابِعًا، لَمْ يَخْلُقْ قَبْلَهُ إلا ثلاثةَ أشياءَ: الهواء والقلم والنور، ثم خلق العرش من ألوانِ أنْوارٍ مختلفةٍ، من ذلك: نُورٌ أخْضَرُ، منه اخْضَرَّت الخُضْرةُ، ونُورٌ أصْفَرُ، منه اصْفَرَّت الصُّفْرةُ، ونُورٌ أحْمَرُ، منه احْمَرَّت الحُمْرةُ، ونُورٌ أبْيَضُ، وهو نُورُ الأنْوارِ، ومنه ضوء النهار، ثم جعله سبعين ألْفَ ألْفِ طَيْفٍ، ليس من ذلك طَيْفٌ إلا يُسَبِّحُ بحَمْدِهِ ويُقَدِّسُهُ بأصوات مختلفة، لو أُذِنَ لِلِسانٍ أنْ يُسْمَعَ لَهَدَّمَ الجِبالَ والقُصُوَرَ، وَخُسِفَتِ البِحارُ (٣). قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ يعني: على اللَّه -سبحانه-، فيحاسبكم بأعمالكم ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾؛ أي: نَفْسٌ خافِيةٌ، أو فِعْلةٌ خافِيةٌ (٤)، وقال الكَلْبِيُّ:

стр. 1498

يعني: لا يخفى على اللَّه شيءٌ من أعمالكم دون أن تجدوه مكتوبًا مُحْصًى عليكم، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأول (١)، وقوله: ﴿لَا تَخْفَى﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، وقرأه الباقون بالتاء (٢). فصل عن ثابت بن الحَجّاجِ (٣) قال: قال عُمَرُ بن الخطاب ﵁: "زِنُوا أنفسكم قبل أن تُوزَنُوا، وحاسِبُوها قبل أن تُحاسَبُوا، فإنه أهْوَنُ عليكم غَدًا، وتَزَيَّنُوا للعرض الأكبر، وذلك يومَ القيامة يومَ ﴿تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ " (٤).

стр. 1499

وقال أبو موسى الأشْعَرِيُّ: "يُعْرَضُ الناسُ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فأما عَرْضَتانِ فَجِدالٌ وخُصُوماتٌ ومَعاذِيرُ، وأما العَرْضةُ الثالثة فَعِنْدَ ذلك تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فآخِذٌ بيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ" (١)، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ﴾ هذه "ها" التنبيه؛ أي: هاكُمْ (٢)، وقيل: تَعالَوْا ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَه (١٩)﴾ يعني: حَسَناتِيَهْ، وهذه أيضًا هاء الوقف، وتسمى أيضًا هاء السَّكْتِ في الاستراحة، قال ابن السِّكِّيتِ (٣): يقال: هاءِ يا رَجُلُ، وهاؤُما يا رَجُلَانِ، وهاؤُمْ يا رِجالُ. ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾؛ أي: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ فِي الدنيا أنِّي مُحاسَبٌ فِي الآخرة، والظَّنُّ يستعمل فِي اللغة بمعنى اليقين، ويستوي اللفظُ

стр. 1500

بحقيقته فيه، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الشَّكِّ، قال أهل اللغة (١): الظَّنُّ من الأضداد، يكون يقينا ويكون شَكًّا، كالرَّجاءِ يكون أمَلًا ويكون خَوْفًا، وأما في عُرْفِ الشَّرْعِ فقد قال في اللُّمَعِ (٢): الظَّنُّ: تَجْوِيزُ أمْرَيْنِ أحَدُهُما أظْهَرُ من الآخر، والشَّكُّ: تَجْوِيزُ أمْرَيْنِ لا مَزِيّةَ لأحدهما على الآخر، وقيل: الظَّنُّ: تَعارُضُ احتمالَيْنِ أحَدُهُما أظْهَرُ من الآخر. قيل (٣): نزلت هذه الآية في أبِي أسْلَمَ بن عبد اللَّه المخزومي، وقيل (٤): في أبِي سَلَمةَ بن عبد الأسَدِ (٥) زَوْجِ أُمِّ سَلَمةَ.

стр. 1501

فصل عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّلُ مَنْ يُعْطَى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ هذه الأُمّةِ عُمَرُ بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس"، فقيل له: فَأيْنَ أبو بكر؟ قال: "هَيْهاتَ هَيْهاتَ، زَفَّتْهُ المَلَائِكةُ إلَى الجَنّةِ" (١). وعن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا عائشة: كُلُّ الناس يُحاسَبُونَ يومَ القيامة إلا أبا بكر ﵁" (٢). قوله: ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ﴾؛ أي: في حالة من العيش ﴿رَّاضِيَةٍ (٢١)﴾؛ أي: مَرْضِيّةٍ يرضاها بأن لَقِيَ الثوابَ، وأمِنَ مِنَ العقاب ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ رفيعة المنازل ﴿قُطُوفُهَا دَانِيةٌ (٢٣)﴾ ثمارها قريبة يَنالُها القائمُ والقاعد والمُضْطَجِعُ، وهو جمع قِطْفٍ وهو ما انْقَطَفَ من الثمار. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾؛ أي: ويُقالُ لهم: كُلُوا واشربوا في الجنة ﴿هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾؛ أي: قَدَّمْتُمْ لآخِرَتِكُمْ من الأعمال الصالحة ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ يريد: الماضية، وهي أيام الدنيا، ونصب ﴿هَنِيئًا﴾ على الحال، وقيل (٣): على النعت لمصدر محذوف.

стр. 1502

فصل عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَدْخُلُ أحَدُكُم الجنةَ إلّا بِجِوارِ "بِسْمِ اللَّه الرحمن الرحيم"، هذا كتابٌ من اللَّه لِفُلَانِ ابنِ فُلانٍ، أدْخِلُوهُ جَنّةً عاليةً، قُطُوفُها دانِيةٌ" (١). وذُكِرَ أن اللَّه تعالى يقول يوم القيامة: "يا أوليائي، طالَما نَظَرْتُ إليكم فِي الدنيا، وقد قَلَصَتْ شِفاهُكُمْ عن الأشْرِبةِ، وغارَتْ أعْيُنُكُمْ، وخَمِصَتْ بُطُونُكُمْ، فَكُونُوا اليومَ فِي نعيمكم، فَكُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ فِي الأيّامِ الخالِيةِ" (٢). وَرَوَى الحَسَنُ بن أبِي طَيْبةَ المالِكِيُّ (٣) عن أبِي عَلِيٍّ الأصَمِّ (٤) أنه قال: "يُوضَعُ لِلصُّوّامِ مائِدةٌ يَوْمَ القيامة، فيأكلون عليها والناسُ فِي الحِسابِ، فيقولون: يا رَبِّ: نَحْنُ فِي الحِسابِ وهؤلاء يأكلون؟، فيقول لهم: إنَّهُمْ طالَما صامُوا وأكَلْتُمْ، وقامُوا وَنِمْتُمْ" (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ قال ابن السائب (٦): تُلْوَى يَدُهُ

стр. 1503

اليُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِهِ، ثم يُعْطَى كِتابَهُ، وقيل: تُنْزَعُ من صدره إلَى خَلْفِ ظَهْرِهِ ﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ بإثبات الهاء في الوقف، وكذا ما تقدم وكذا ما يليه، و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ لِبَيانِ الحَرَكةِ، قال الصَّفّارُ (١): وإثباتها في الوصل لَحْنٌ، لا يجوز عند أحد من أهل العربية عَلِمْتُهُ، ومَن اتَّبَعَ السوادَ، وأراد السلامة من اللحن، ووقف عليها كان مصيبًا من الجهتين. وقوله: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ يعني الموت، يتمنى الموتَ فيقول: يا ليتني حين مِتُّ لَمْ أُحْيَ بعدها (٢)، ويقال: القاضية: الموتة لا حياة بعدها، ومعنى القاضية: القاطعة للحياة، تَمَنَّى الكافرُ دَوامَ الموت، وأنه لَمْ يُبْعَثْ للحساب. وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾؛ أي: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي من عذاب اللَّه ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾؛ أي: ذَهَبَ عَنِّي مُلْكِي فَصِرْتُ ذليلًا، وقيل: عُذْرِي وحُجَّتِي، حين شَهِدَتْ عليه الجَوارِحُ، وقرأ حمزة: ﴿مالِي﴾ و ﴿سُلْطانِي﴾ بغير هاء في الوصل فيهما، ولا خلاف في الوقف أنهما بالهاء (٣)، ومعنى السُّلْطانِ: الحُجّةُ

стр. 1504

والبُرْهانُ، والسُّلْطانُ أيضًا: القُوّةُ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ (١). قيل (٢): نزلت هذه الآية في أبِي الأسْوَدِ بن عبد الأسَدِ (٣) المخزومي أخِ أبِي سَلَمةَ، قَتَلَهُ حَمْزةُ بن عبد المطلب ﵁ بِبَدْرٍ على الحوض، وقيل: نزلت في أبِي جهل بن هشام. ثم يقول اللَّه لِخَزَنةِ جَهَنَّمَ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠)﴾؛ أي: غُلُّوا يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ، ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾؛ أي: أدْخِلُوهُ وأحْرِقُوهُ، يقال: صَلَّيْتُهُ بالنار وأصْلَيْتُهُ، و ﴿الْجَحِيمَ﴾ نصب؛ لأنه مفعولٌ ثانٍ، تقديره: ثم صَلُّوهُ الجَحِيمَ، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ يعني: فَأدْخِلُوهُ، يقال: سَلَكْتُهُ في الطَّرِيقِ وفي القَيْدِ وغَيْرِهِ: إذا أدْخَلْتَهُ فيه (٤)، قال الكَلْبِيُّ (٥): كما يُسْلَكُ الخَيْطُ فِي اللُّؤْلُؤِ. والمعنى: فاسْلُكُوا السِّلْسِلةَ، كما تقول: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوةَ في رَأْسِي، والخاتَمَ في إصْبَعِي، وإنما يُدْخَلُ الرَّأْسُ في القَلَنْسُوةِ، والإصْبَعُ في الخاتَمِ،

стр. 1505

وهذا معروف عند العرب (١)، قيل (٢): إنه تُدْخَلُ السلسلة في دُبُرِهِ، فَتُخْرُجُ من مِنْخَرِهِ، وقيل (٣): تُدْخَلُ مِنْ فِيهِ، وتُخْرَجُ مِنْ دُبُرِهِ. واختلفوا في قَدْرِ الذِّراعِ، فقيل: قَدْرُ الذِّراعِ سبعون باعًا، والباعُ كما بينك وبَيْنَ مَكّةَ، وهو قول نَوْفٍ الشّامِيِّ (٤)، وكان في رَحَبةِ مسجد الكوفة، وقيل: كل باعٍ كما بَيْنَ الكوفة إلى مَكّةَ وَأبْعَدَ، وقال الحَسَنُ (٥): اللَّه أعْلَمُ بأيِّ ذِراعٍ هو، والسلسلة حِلَقٌ مُنْتَظِمةٌ، قيل: لو أن حَلْقةً منها وُضِعَتْ على ذِرْوةِ جَبَلٍ لَذابَ كما يذوب الرَّصاصُ. فصل عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو أن رَصاصةً مثل هذه -وأشار إلى جُمْجُمةٍ-، أُرْسِلَتْ إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لَبَلَغَت الأرضَ قَبْلَ الليل، ولو أنها أُرْسِلَتْ من رأس

стр. 1506

السلسلة لَسارَتْ أربعين خريفًا الليلَ والنهارَ قبل أن تَبْلُغَ أصْلَها أو قَعْرَها" (١). وَرُوِيَ عن كعب الأحبار أنه قال: لو جُمِعَ حَدِيدُ الدنيا ما وَزَنَ حَلْقةً منها (٢)، وعن سُوَيْدِ بن أبِي نُجَيْحٍ (٣) أنه قال: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النار في تلك السلسلة، لو أن حلقة منها وُضِعَتْ على جَبَلٍ لَذابَ مِنْ حَرِّها. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾؛ أي: لا يُصَدِّقُ بتوحيد اللَّه وعظمته ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾؛ أي: لا يُطْعِمُ المسكينَ فِي الدنيا، ولا يأمر أهلَه بذلك ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا﴾ يعني: في الآخرة ﴿حَمِيمٌ (٣٥)﴾؛ أي: قريب وصديق يمنعه من عذاب اللَّه، وهو رفع؛ لأنه اسم "لَيْسَ"، ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ وهو صَدِيدُ أهْلِ النار، مأخوذ من الغَسْلِ، قال الأخفش (٤): هو ما يُغْسَلُ من لُحُومِ أهْلِ النار ودمائهم، وزِيدَ فيه الياءُ والنونُ كما زِيدَ "عِفِرِّينُ"،

стр. 1507

وقيل (١): هو غُسالةُ أجْوافِ أهْلِ النار، وكُلُّ جُرْحٍ ودَبَرٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ منه شَيْءٌ فهو غِسْلِينٌ، أي: فِعْلِينٌ من غَسْلِ الجِراحِ والدَّبَرِ (٢). قال ابن عباس (٣): لو أن قطرة من الغِسْلِينِ وقعت في الأرض لأفْسَدَتْ على الناس معايشهم، وقال الضحاك والربيع (٤): هو شجر يأكله أهل النار، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ المذنبون، وهم الكافرون. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾ يعني: مِنْ ظاهِرِ القُدْرة ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ من أسرار القدرة؛ أي: ما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ، وأراد جميع المَكُوناتِ والمَوْجُوداتِ، وقيل: أراد الدنيا والآخرة، وقيل: ما في ظَهْرِ الأرض والسماء وبَطْنِهِما، وقال جعفر الصادق (٥): ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ من صُنْعِي في مُلْكِي، ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ من بِرِّي بأوليائي، وفيه تفاسير يطول شرحها هاهنا. و"لا" في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ صلة، تقديره: فَأُقْسِمُ (٦) ﴿إِنَّهُ﴾ يعني القرآن

стр. 1508

﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ، والمعنى: إنه لَتِلَاوةُ رَسولٍ كَرِيمٍ، فحذف كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) وبابِهِ، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾؛ أي: لا تصدقون بأن القرآن من عند اللَّه ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾؛ أي: تَتَّعِظُونَ بالقرآن، قرأ ابن عامر وابن كثير ويعقوب وأبو حاتم: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يَذَكَّرُونَ﴾ بالياء فيهما (٢) إخْبارًا عن المشركين، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، وخَفَّفَ حَمْزةُ والكسائيُّ وحَفْصٌ الذالَ على أُصُولِهِمْ. ويريد بالقليل نَفْيَ إيمانهم أصْلًا، كما تقول لِمَنْ لا يزورك: قَلَّما تَأْتِينا، وأنت تريد: لا تأتينا أصلا (٣)، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ في الموضعين بـ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿ومَّا﴾ زائدة، وحقيقته أنه نعت لمصدر محذوف تقديره: وَقْتًا قَلِيلًا أو إيمانًا قَلِيلًا، وكذلك: تَذَكَّرُونَ وَقْتًا قَلِيلًا أو تَذَكُّرًا قَلِيلًا (٤). قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ يعني القرآن، والتقدير: بل القرآن الذي يجيئكم به محمد ﷺ الذي تزعمون أنه شِعْرٌ وكَهانةٌ وسِحْرٌ تَنْزِيلٌ من رَبِّ العالمين.

стр. 1509

فصل عن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ قال: "خَرَجْتُ أتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ أُسْلِمَ، فوجدته قد سَبَقَنِي إلَى المسجد، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فاستفتح سُورةَ الحاقة، فَجَعَلْتُ أعْجَبُ من تأليف القرآن، فقلتُ: هذا -واللَّهِ- شاعِرٌ كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، قال: قلتُ: كاهِنٌ، فقال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر السورة، قال: فوقع الإسلامُ فِي قلبِي كُلَّ موقع" (١). قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ، فَزادَ في الوَحْيِ، أو نَقَصَ منه، أو قال علينا ما لَمْ نَقُلْ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ يعني: بالعَدْلِ بلغة قريش (٢)، وقيل: بالحق، وهو قول ثعلب (٣)، وقيل: بالقوة والقدرة، وهو قول المُبَرِّدِ (٤) والفَرّاءِ (٥) والزَّجّاجِ (٦)، قال الشاعر: ٣٩٠ - إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ... تَلَقّاها عَرابةُ بِاليَمِينِ (٧)

стр. 1510

يريد: بالقوة. قال ابن قتيبة (١): وإنما أقامَ اليَمِينَ مُقامَ القوة؛ لأن قُوّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ. وقال صاحب إنسان العين (٢): الباء مؤكدة، والمعنى: أخَذْنا يَمِينَهُ وأعْجَزْناهُ، أو أخذنا باليمين منه كما تقول: خُذْ بِيَمِينِهِ فَأخْرِجْهُ. وقال الثعلبيُّ (٣): قيل: معناه: لأخذنا منه باليَدِ اليَمِينِ من يديه، وهو مَثَلٌ معناه: لأذْلَلْناهُ وَأهَنّاهُ، وهذا كقول ذِي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إهانةً، قال لبعض أعوانه: خُذْ بِيَدِهِ فَأقِمْهُ. واعْتَمَدَ محمدُ بن جرير الطبري هذا القول (٤). ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ وهو عِرْقٌ يكون في القَلْبِ، يُسَمَّى نِياطَ القَلْبِ، فإذا قُطِعَ مات صاحبه، وإنما يُسَمَّى نِياطًا لِتَعَلُّقِهِ بِالقَلْبِ (٥)، وقال
следующие страницы →