← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ يعني: امرأة، وقيل: ولدًا ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: من عندنا، يريد: من الحُور العين وما اتخذناه من أهل الأرض ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ يعني: ما كنا فاعلينَ ذلك، قال الفَرّاء (١) والمبرّد (٢) والزَّجّاج (٣): يجوز أن تكون "إنْ" للنفي، كقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (٤)، ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٥)، ويجوز أن تكون للشرط؛ أي: إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لَدُنّا، قال الفراء (٦): وهذا أَشْبَهُ الوجهينِ بِمَذْهَبِ العربيةِ. واللهو في اللغة يقع على المرأة وعلى الولد، ولهذا يقال: امرأةُ الرجلِ وَوَلَدُهُ ريحانَتاهُ (٧)، وأصل اللهو: الجماعُ، كُنِّيَ عنه باللهو كما كُنِّيَ عنه بالسِّرِّ، ثم قيل للمرأة: لَهْوٌ؛ لأنها تُجامَعُ، قال امرؤ القيس: ٤ - أَلا زَعَمَتْ بَسْباسةُ اليومَ أنَّنِي... كَبِرتُ وأنْ لا يحسنُ السرَّ أمثالِي (٨)

стр. 177

يريد: الجماع (١)، وهذه الآية نزلت في الذين قالوا: اتخذ اللَّه ولدًا. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (٢٢)﴾ يعني السماواتِ والأرض، و"إلّا" هاهنا صفةٌ للآلهة بمعنى "غَيْرٍ" (٢)، وليس باستثناءٍ ولا ببدل (٣)، ويجوز أن يُشَبَّهَ "إلّا" بـ "غَيْرٍ" فيُوصَفَ بها، كما يجوز أن يُشَبَّه "غَيْرُ" بـ "إلّا" ويُسْتَثْنَى بِها، قال الزَّجّاج (٤): ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، قال الشاعر: ٥ - وكلُّ أخٍ مفارقُهُ أخوهُ... لعَمْرُ أبيكَ إلّا الفَرقَدانِ (٥)

стр. 178

يعني: غير الفرقدَينِ، قال الزَّجّاج (١): المعنى: وكلُّ أخ غيرَ الفرقَدَيْنِ مفارقُه أخوه. قوله: ﴿لَفَسَدَتَا﴾؛ أي: لَخَرِبتا وبَطَلتا وهلَكتا وهلَكَ من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة ولم يَجْرِ أَمْرُ العالَمِ على النظام؛ لأنّ كلَّ أَمْرٍ صَدَرَ عن اثنين فأكثر لم يَجْرِ على النظام (٢). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، ثم نَزَّهَ نفسَه عما يقولون فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ أي: بل هم عبادٌ مُكْرَمون، يعني: الملائكة، نزلت هذه الآيةُ في خُزاعة، حيث قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّه -جَلَّ وعز عن ذلك-. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن كثير (٣): ﴿ألَمْ يَر﴾ بغير واو (٤)، والمعنى: أولم يعلم الذين كفروا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾

стр. 179

قيل: كانت السماواتُ مرتَّقةً طبقةً واحدةً ففتقها فجعلها سبعَ سماوات، وكذلك الأرَضُونَ كانت مرتَّقةً طبقًا واحدًا ففَتقَها فجعلها سبعَ أرَضِين، وقيل: كانت السماء معَ الأرض جميعًا، ففتقهما اللَّه بالهواء الذي جُعِل بينهما، وقيل: كانت السماء رَتْقاءَ لا تمطر ففتقها بالمطر، وكانت الأرض رَتْقاءَ لا تنبت ففتقها بالنبات، نظيره قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ (١). وأصل الرَّتق: السدُّ، ومنه قيل للمرأة التي فرجُها ملتحم: رتقاءُ، وأصل الفَتْق: الفتح، وإنما وحَّد الرتقَ وهو من نعت السماواتِ والأرض، لأنه مصدرٌ وُضع موضعَ الاسم، مثلَ: الزَّوْر والصوم والفطر والعدل ونحوِها، والمعنى: كانتا ذواتي رتق (٢). قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني: أنّ كلَّ شيءٍ خُلِقَ من الماء، نظيره قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (٣). "ولَمْ يصرَّح اللَّه تعالى بذكر الخبز والطعام لقلّته عنده، فصرح بذكر الماء لأنه شرفُه، إذْ كان كل شيءٍ خَلَقَهُ -من الحيوان والفاكهة وغير ذلك- حياتُهُ بالماء" (٤)، وخَفَضَ حَيًّا على النعت لـ "شيء".

стр. 180

فصل رُوِيَ في الأخبار المشهورة المَأْثُورةِ، أن اللَّه تعالَى لَمّا أراد أن يَخْلُقَ السماواتِ والأرضَ خلق جوهرةً خضراءَ مثلَ السماوات السبع والأرَضينَ السبع، فنظر إليها نظرةَ هَيْبة، فصارت ماءً، ثم نظر إلى ذلك الماء فَغَلَى، فارتفع منه زَبَدٌ ودخانٌ، فخلق من الزبد الأرض، فأول ما ظهر على وجه الأرض: مكةُ، فدَحا اللَّهُ الأرض طبقًا واحدًا، وفتقها وصيَّرها سبعًا، وخلق من الدخان السماءَ، وذلك قوله تعالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (١) ثم فتقها بعد أن كانت طبقةً واحدة، فصيَّرها سبع سماوات، وذلك قوله تعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أفلا يؤمنون بعد هذا البيان؟ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الخلد: اسمٌ من الخلود، وهو البقاء الدائم. قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾؛ أي: أفهُم الخالدونَ إن مِتَّ؟ كقول الشاعر: ٦ - رَفَوْني وَقالُوا: يا خُويلِدُ لم تُرَعْ... فَقُلْتُ -وَأنكَرْتُ (٢) الوُجُوهَ-: هُمُ هُمُ (٣)

стр. 181

أي: أَهُم هُم، نزلت هذه الآية حين قال المشركون: نتربَّص بمحمد ريبَ المَنُون. قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: من نفوسهم ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ﴾؛ أي: نختبركم؛ ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾؛ أي: ابتلاءً، لننظر كيف شُكرُكم فيما تحبون، وكيف صبرُكم فيما تكرهون ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ تُردُّون للجزاء على أعمالكم حسنِها وسيِّئها، ونصب "فِتْنةً" على المصدر (١). فصل عن عائشةَ ﵂ قالت: استأذن أبو بكر ﵁ على رسول اللَّه ﷺ وقد مات وسُجِّي عليه الثوب، فكشف عن وجهه، ووضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صُدغَيْه، وقال: واخليلاه! واصفياه! صدق اللَّه ورسوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ثم خرج إلى الناس، فخطب (٢).

стр. 182

قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ الميم: صلةٌ فيه وفي أمثاله (١)، تقديره: ألهم آلهةٌ ﴿تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ وفي الآية تقديمٌ وتأخير، والتقدير: أم لهم آلهةٌ من دوننا تمنَعُهم؟ وتم الكلام، ثم وَصَف آلهتهم بالضعف، فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾؛ أي: يُحْفَظُونَ ويُمْنَعُونَ، وقيل (٢): يُجارُونَ؛ لأن المجيرَ صاحبٌ لجاره، والعرب تقول: صَحِبَكَ اللَّهُ، أي: حفظك اللَّه وأجارك. قوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ هو: جمعُ الميزان، ووَحَّدَ "القِسْطَ" وهو نعتٌ للموازين؛ لأنه في مذهب: عَدْلٌ ورِضا (٣)، قال الزَّجّاج (٤): "قسط": مصدرٌ يوصَف به، تقول: ميزانٌ قِسْطٌ وموازينُ قِسْطٌ، والمعنى: ذواتَي قِسط. قوله: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: في يوم القيامة، اللام هنا بمعنى" في"، وتسمى: لامَ التوقيت (٥)، وقوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يُنْقَصُ من ثواب حسَناتِه، ولا يُزادُ على سيئاته، ونَصْبٌ ﴿شَيْئًا﴾ على خبرِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٦).

стр. 183

فصل عن أبي أُمامة (١)، أنّ النبيَّ ﷺ قال: "يا بني هاشم، اشتروا أنفسَكم من اللَّه واسْعَوْا في فِكاكِ رقابكم، ولا تَغُرَّنَّكُمْ قَرابَتُكُمْ مِنِّي، فإني لا أملِكُ لكم من اللَّه شيئًا"، فبَكَتْ عائشةُ ﵂ وقالت: يا رسول اللَّه: ويكونُ يومٌ لا تُغني عنّا من اللَّه شيئًا؟! فقال: "نعم، في ثلاثة مواطن، يقول اللَّه : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. . .﴾ الآية (٢)، [وعند] (٣) النُّور والظلمة، من شاء اللَّهُ سَلَّمَهُ وأجاره، ومن شاء كَبْكَبَهُ في النار" (٤). [رُوِيَ] (٥) أن داودَ ﵇ سأل ربَّه أن يُرِيَهُ الميزانَ فأراه، فلما رآه غُشِيَ عليه، ثم أفاق، فقال: يا إلهي: من الذي يَقدِر أن يملأَ كِفَّتَهُ حسناتٍ؟ فقال: يا داود، إِنِّي إذا رضيتُ عن عبدي ملأتُها بِتَمْرةٍ" (٦).

стр. 184

قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ أي: أحضرناها، قَرأَ أهلُ المدينة المثقالَ بالرَّفع (١)، بمعنى: وإنْ وَقَعَ، وحينئذٍ لا خَبَرَ لها (٢)، وقَرأَ الباقون بالنَّصب على معنى: وإن كان ذلك الشيءُ مِثْقالَ حبةٍ، يعني: العمل، وقيل: الظُّلَامة، ومثله في سورة لقمان (٣). قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾؛ أي: مُحاسِبين وكافِيَن ومُطالِبين ومُجازِين وشاهدين ومُحصِين، والحَسْبُ معناه: العَدُّ، وقال ابن عباس: عالِمينَ حافظين، وذلك أن من حَسَبَ شيئًا عَلِمَهُ وحَفِظَهُ، وهو منصوبٌ على الحال أو التمييز (٤). فصل عن حُذَيفةَ بن اليمان، قال: إنّ جِبريلَ ﵇ صاحبُ الميزان يوم القيامة، يقول له ربُّه: زِنْ بينَهم، ورُدَّ من بعضهم على بعض -ولا ذَهَبٌ يومئذٍ ولا فِضّةٌ- فيَرُدُّ على المظلوم من الظالم ما وَجَدَ له من حسناتٍ، فإن لم تكن له حسنةٌ أَخَذَ من سيئاتِ المظلوم فيَرُدُّ على الظالم، فيرجع وعليه مثلُ الجبال (٥).

стр. 185

قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ يعني: التَّوراةَ التي تفرِّق بين الحلال والحرام ﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ أي: ضياءً، والواو هاهنا زائدة (١) لا موضعَ لها؛ لأنها دخلت حَشْوًا، ومنه قولُ امرئ القيس: ٧ - فَلَمّا أَجَزْنا ساحةَ الحَيِّ وانْتَحَى... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ (٢) معناه: انتحى، فأُدخلت الواو حشوًا وإقحامًا، هكذا قاله الخليل (٣).

стр. 186

وهو نصبٌ على الحال (١)، و ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ عطفٌ عليه؛ أي: أنهم يذكرونه، ويعملون بما فيه، ويتَّعظون بمواعظه، وقيل (٢): هو من صفة التوراة، مثلَ قوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (٣)، والمعنى: أنهم استضاءُوا بها حتى اهتدَوْا في دينهم، وقيل (٤): معناه: وجَعَلناها ضياءً، وأراد بالفُرقان: فَرْق البحر أو النَّصر أو اليد أو التوراة. قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ الكيد: المكر، يقال: كادَهُ يَكِيدُهُ كَيْدًا ومَكِيدةً، والمكرُ هو: الاحتيال والخديعة، ونصب "مُدْبِرِينَ" على الحال. قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ يعني: الأصنام ﴿جُذَاذًا﴾ الجَذُّ: القَطْعُ والكَسْرُ، والجُذاذُ: قِطَعُ ما كُسِّرَ، الواحدة: جُذاذةٌ، وهو مثل الحُطامِ والرُّفاتِ والدُّقاقِ، وقَرَأ الكِسائيُّ بكسر الجيم (٥) على أنه جَمْعُ جَذِيذٍ، مثل: ثقيل وثِقالٍ، وخفيف

стр. 187

وخِفافٍ (١)، والجَذيذ بمعنى المجذوذ، وهو المكسور (٢). ثم استثنى كبيرَ الأصنام، فقال: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ يعني: كَسَّرَ الأصنامَ إلا كبيرَها ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ الهاء عائدةٌ على إبراهيم ﵇ (٣) أي: يرجِعون إلى دينه، وإلى ما يدعوهم إليه من عبادة ربه، لوجوب الحُجّة عليهم في عبادة ما لا يَدفَع عن نفسه. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ يعني: لإبراهيم ﵇ ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي: زيادةً، والنافلة: ما كان زيادةً على الفرض، ويقال لولَد الولد: نافلةٌ لأنه زيادةٌ علي الولد؛ لأنّ إبراهيم ﵇ دعا بإسحاقَ فاستُجيب له وزِيدَ يعقوبَ ﵇، و ﴿نَافِلَةً﴾ نصبٌ على المصدر (٤). قوله: ﴿وَكُلًّا﴾ يعني: إبراهيمَ ويعقوبَ ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ يريد:

стр. 188

أنبياءً عاملينَ بطاعة اللَّه ، ونصب "كُلَّا" بـ "جعلنا" (١). قوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾؛ أي: وآتينا لوطًا، وقيل: هو منصوبٌ بإضمار فعل، تقديرُه: وأرسَلْنا لوطًا، وقيل: معناه: واذكر لوطًا (٢) ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ يعني: النُّبوةَ، وقيل: الفصل بين الخصوم بالحق ﴿وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾؛ أي: من أهل القرية ﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ وهي سَدُومُ، وكان أهلُها يأتُون الذُّكرانَ في أدبارهم، ويتضارَطون في أنديتِهم، معَ أشياءَ أُخَرَ كانوا يعملونها من المنكرات ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ خارجين عن الطاعة مُصِرِّينَ على المعصية. قولُه تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾؛ أي: واذكُرْ نوحًا (٣) ﴿إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: من قبلِ إبراهيمَ ولوطٍ؛ لأنه كان قبلَهما، دعا على قومه بالهلاك فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ أَنهَارًا. . .﴾ الآيةَ (٤)، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ وأتباعَه، يعني: من كان معه في سفينته ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ يعني: الغرقَ يومَ الطُّوفان، والكربُ: أشدُّ الغمّ. قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ

стр. 189

أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ قيل: مَنَعْناهُ من القوم الذين كذَّبوا بآياتنا (١)، وقيل: "مِن" هاهنا بمعنى "عَلَى" (٢) أي: ونصرناه على القوم، نَصْب "أجمعين" لأنه توكيدٌ للمضمر، وهو الهاء والميم، وهما في موضع نصب. قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: واذكُرْ يا محمدُ داودَ وسليمانَ ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ قيل: كان الحرث زرعًا، وقيل: كان كَرْمًا قد نَبَتَتْ عناقيدُهُ وتَدَلَّتْ ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾؛ أي: رَعَتْهُ ليلًا فأفسدته، والنَّفَشُ: بالليل، والهَمَلُ: بالنهار، وهما الرَّعْيُ بلا راعٍ. "ولم ينصرفْ داودُ لأنه اسمٌ أعجميٌّ لا يَحسُن فيه الألف واللام، ولم ينصرف سُليمانُ لأنّ في آخِره ألفا ونونًا زائدتَيْن" (٣). قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ يعني: داودَ وسُليمانَ وأصحابَ الغنم وصاحبَ الكَرْم (٤)، وقال الفراء (٥): إنما جَمَع اثنَيْنِ فقال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾

стр. 190

وهو يريد داودَ وسُليمان؛ لأنّ الاثنَيْنِ جمع، وهو مثل قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (١) وهو يريد أخوَيْنِ. وقوله: ﴿شَاهِدِينَ﴾؛ أي: لم يغب عنا من أمرهم شيء. قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ يعني: الحكومة، كُنِّي عنها لأنه سَبَق ما يدلُّ عليها من ذكر الحُكم. ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا﴾ يعني: داودَ وسليمان ﴿حُكْمًا﴾ نبوةً ﴿وَعِلْمًا﴾ بأمور الدين، ونصب ﴿وَكُلًّا﴾ بـ ﴿آتَيْنَا﴾. قوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ التقدير: وسخَّرنا الجبالَ يسبِّحن مع داود، وهو أنه كان إذا وَجَد فترةً أَمَرَ الجبالَ فسبَّحت حتى يشتاق هو فيسبح، وقال وَهْب (٢): كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. قوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ معطوفٌ على الجبال، ويجوز أن يكون بمعنى: مع الطير، كما تقول: التقى الماءُ والخشبةَ (٣)، قال الزَّجّاج (٤): ويجوز: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بالرفع بمعنى: يسبِّحن هن والطيرُ.

стр. 191

ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾؛ أي: نَقْدِرُ على ما نريد. قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾؛ أي: وسخَّرنا لسليمان الريحَ ﴿عَاصِفَةً (٨١)﴾ يعني: شديدةَ الهبوب، قال ابن عباس: إنْ أَمَرَ الرِّيحَ أَنْ تَعْصِفَ عَصَفَتْ، فإذا أراد أن تُرْخِيَ أَرْخَتْ، وذلك قوله: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (١). ونَصْب ﴿عَاصِفَةً﴾: على الحال (٢). والرِّيح: هواءٌ مُحَرِّكٌ، وهو جسمٌ لطيفٌ ممتنع بلُطْفِهِ من القبض عليه، وتَظْهَرُ لِلْحِسِّ حَرَكتُهُ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ﴾؛ أي: واذكُرْ أيوب ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾؛ أي: دعا ربه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾؛ أي: أصابني الجَهْد ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ أكثرهم رحمةً ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ يريد: الأوجاع ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ نَصْبٌ علي المصدر، وقيل (٤): على المفعول من

стр. 192

أجله، والمعنى: فعلنا ذلك به رحمةً من عندنا ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ يعني: موعظةً للمتقين. واختلفوا في ذلك، فقال قومٌ: إنّما ردَّ اللَّه على أيوب ﵇ مثلَ أهلِه الذين هلَكوا، ولم يُرِدْهم بأعيانهم في الدنيا، وإنما وعده اللَّه تعالى أن يؤتيَه إياهم في الآخرة، وقال اَخرون: بل ردَّهم اللَّه عليه بأعيانهم، وأعطاه مثلَهم معهم. وهذا القول أشبهُ بظاهر الآية. فصلٌ عن ابن عباس قال: سألت نبيَّ اللَّه ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾، قال: "يا ابن عباس، رَدَّ اللَّهُ امرأتَه إليه، وزاد في شبابها، حتى ولدت له ستةً وعشرين (١) ذكرًا، وأَهْبَطَ اللَّهُ إليه مَلَكًا فقال له: يا أيوب: إنّ اللَّه يُقرئُك السلام لصَبْرِك على البلاء، فاخرُجْ إلى أَنْدَرِكَ (٢)، فبعث اللَّه تعالى سحابةً حمراءَ، فهبطت عليه بجراد الذهب، والملك قائمٌ معه، فكانت الجرادة تذهب فيتَّبعها حتى يردَّها إلى أندره، فقال له الملك: يا أيوب، أما تَشْبَعُ من الداخلِ حتى تتبع الخارج؟ قال: إن هذه بركةٌ من بركات ربِّي، وليس أشبَعُ منها" (٣). قوله : ﴿وَذَا النُّونِ﴾؛ أي: واذكُرْ يا محمد صاحبَ النون، يعني: الحوت (٤)، وهو يونس بن مَتَّى ﵇ سُمِّيَ بذلك لابتلاع النون

стр. 193

إياه في البحر، والنون: السمكة، وجمعها: نِينانٌ (١). وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قيل: لقومه، وقيل (٢): لربه؛ أي: لأمر ربِّه، وقال آخرون (٣): معناه: مُغاضبًا لبعض الملوك. والمغاضَبة: مفاعلةٌ، وأكثر ما تكون المفاعلةُ من اثنين كالمخاصَمة والمجادلة والمقاتلة، وقد تكون من واحدٍ كقولك: سافرتُ وعاقبتُ الرجل، وطارَقتُ النَّعلَ (٤)، وشارفت الأمرَ ونحوها، ومعنى قوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ يعني: غضبانَ أنِفًّا، والعرب تسمِّي الغضبانَ أَنِفًا، والأنِفَ غضبانٌ لقرب أحدهما من الآخر (٥)، وهو منصوب على الحال. وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: لن نقضيَ عليه من العقوبة ما قضيناه، يقال: قَدَرَ اللَّهُ الشيءَ وقَدَّره؛ أي: قضاه، وهذا القول اختيارُ الفراء (٦) والزَّجّاج (٧). وقال عطاء (٨): معناه: فظن أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عليه الحبسَ، من قوله تعالى:

стр. 194

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (١)؛ أي: يضيق، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٢)؛ أي: ضُيِّقَ. وقال ابنُ زيد (٣): هو استفهامٌ معناه: أَفَظَنَّ أن لن نقدِرَ عليه؟ قال أبو عُمر محمدُ بنُ عبد الواحد البيوَرْدِيُّ (٤): "هو من التقدير ليس من القدرة، يقال: قَدَرَ اللَّه لك الخيرَ يَقْدُرُهُ قَدْرًا، المعنى: قَدَّرَهُ، ومنه: الخبر في هلال رمضان: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فاقْدُرُوا لَهُ"؛ أي: قدِّرُوا له (٥)، فهذا كلُّه من التقدير، وتقول من القدرة: قَدَرْتُ على الشيء أَقْدِرُ عليه قُدْرةً، وفي لغة أخرى: قَدِرْتُ عليه أَقْدَرُ قُدْرةً" (٦).

стр. 195

وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ أراد [بقوله]: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: ظُلمة اللَيل وظُلمةَ البحر وظُلمةَ بطن الحوت، وهذا قولُ أكثر المفسِّرين، وقال سالم بن أبي الجَعْد (١): حوتٌ في حوتٍ وظُلمةِ البحر، قال: ابتلعه حوتٌ، ثم ابتلعه حوتٌ آخَر. فصلٌ رَوَى سعيدُ بن المسيِّب (٢)، عن سعد بن مالك (٣)، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "اسمُ اللَّه الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: دعوهُ يونُسَ بن مَتَّى"، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه: هي ليونُسَ خاصةً أم لجماعة المسلمين؟ قال: "هي ليونُسَ خاصةً وللمسلمين عامةً، إذا دَعَوْا بها، ألم تسمعْ قوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ (٤)

стр. 196

وعن سعد بن أبي وَقّاص، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنّي لَأعلمُ كلمةً لا يقولها مكروبُ إلّا فَرَّجَ اللَّهُ عنه، كلمة أخي يونُسَ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). قوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ أي: أجبنا دعاءه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ يعني: من تلك الظلمات ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: وكما نجيَّناه ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقَرأَ ابنُ عامر (٢) وأبو بكرٍ (٣) عن عاصم (٤): ﴿نُجِّي﴾ (٥) بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجَميع النَّحويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغَلَط وأنها لحنٌ (٦)،

стр. 197

ثم ذكر الفَرّاءُ لها وجهًا، فقال (١): أضمَر المصدر في ﴿نُجِّي﴾ فنَوَى به الرَّفعَ، ونَصَبَ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا، ثم تقول: ضُرِب زيدًا، على إضمار المصدر. وأنشد ابنُ قُتيبةَ حجةً لهذه القراءة (٢): ٨ - ولَوْ وَلَدَتْ قُفَيْرةُ جَرْوَ كَلْبٍ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلَابا (٣) قال أبو عليٍّ الفارسيُّ (٤): هذا إنَّما يَجُوزُ في ضرورة الشعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصم غالطٌ في الرواية، فإنه قرأ: ﴿نُنْجِي﴾ بنونَيْن كما روى حفصٌ، ولكن النونَ الثانية من ﴿نُنْجِي﴾ تخفى مع الجيم، ولا يجوز تبيينها، فالتبس على السامع الإخفاءُ بالإدغام فظُنَّ أنه إدغام، ويدلُّ على هذا إسكانه الياءَ من ﴿نُجِّي﴾ ونَصْبُ قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان على ما لم يُسَمَّ فاعله ما سكَّن الياء، ولَوَجَبَ أن ترفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 198

قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: زكريا وامرأتَه ويحيى ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ وقيل: إنّ الكناية تعود إلى الأنبياء الذين ذَكَرهم اللَّه في هذه السُّورة، ومعنى ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: يبادرون في طاعة اللَّه وأداء فرائضه ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ يعني: خوفًا وطمعًا، رغبًا: في رحمة اللَّه ورَهَبًا: من عذابِ اللَّه، وقرأ الأعمش (١): ﴿رُغْبًا وَرُهْبًا﴾ (٢) بضمِّ الراءَيْنِ وجزم الغين والهاء، وهما لغتان، مثل: السُّقْم والسَّقَمِ والبُخْل والبَخَلِ والعُدْمِ والعَدَمِ (٣). وهما منصوبانِ على المصدر، وقيل: على المفعول له؛ أي: للرَّغبة والرهبة (٤)، رغبةً في الجنة ورهبةً من النار ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ يعني: ذُلُلًا متواضِعِينَ خاضِعين. قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يعني: مريمَ ﵍؛ أي: حَفِظت فرجَها عَمّا لا يَحِلُّ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أمَرْنا جِبريلَ حتى نفَخ في دِرْعِها، وأضاف الرُّوحَ إليه إضافةَ المِلْكِ لِلتشريف والتفضيل والتخصيص، وهو يريد رُوحَ عيسى ﵇، ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً

стр. 199

لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾؛ أي: دِلالةً على قدرتنا، ولم يقل: آيتَيْنِ -وقد ذكرهما جميعًا- قيل (١): لأنه مصدر، فلم يُثَنَّ، وقيل (٢): لأنّ الآية لهما واحدةٌ وهي الولادة من غير فَحْل، وقيل (٣): معناه: جعلناها آيةً وابنَها آية، فاكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، وقيل (٤): هو على التقديم؛ أي: جعلناها آيةً وابنَها. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ يعني: دينكم واحدٌ، فجعل الشريعة أُمّةً لاجتماع أهلها على مقصِدٍ واحد، والأُمّة: الدِّين، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٥)؛ أي: على دِين، وقيل: معناه: مِلَّتكم. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملةً واحدة، وهي الإسلام، وأصلُ الأُمّة: الجماعة التي على مقصدٍ واحدٍ، وانتَصب ﴿أُمَّةً﴾: على الحال (٦)، وقيل (٧): على القطع. وقرأ ابنُ أبي إسحاق (٨): ﴿أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ﴾ بالرَّفع على التكرير، وقيل: خبرٌ

стр. 200

بعدَ خبر، وإن شئت على إضمارِ مبتدأٍ، وإن شئتَ على بدلِ النكرة من المعرفة (١). قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾؛ أي: على أهل قرية، يريد: لا يرجِعون إلى الدنيا، وفي هذا تخويفٌ لأهل مكةَ أنهم إذا عذِّبوا وأُهلكوا لم يرجِعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلَكة. وذهب جماعةٌ إلى أنّ "لا" في قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾: زائدةٌ (٢)، وقالوا: المعنى: حرامٌ على قريةٍ مهَلكةٍ رجوعُهم إلى الدنيا، كما قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣). وقرأ الكوفيُّون سوى حفص: "وحِرْمٌ" بكسرِ الحاء وإسكان الراء (٤)، وهو بمعنى "حَرامٌ"، كما يقال: حِلٌّ وَحَلالٌ.

стр. 201

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ معنى فتحِهما: إخراجُهما من السدِّ الذي جعلا وراءه، قرأ ابن عامر: ﴿فُتِّحَتْ﴾ (١) بالتشديد على التكثير، وقرأ الباقون -يعقوبُ (٢) وأبو جعفير (٣) -: بالتخفيف. وجوابُ "إذا" محذوفٌ (٤)، قال ابنُ الأنباري (٥): ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ هو الجواب، كأنه قال: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ اقتربَ الوعدُ الحق، والواو مُقْحَمةٌ بمعنى التعجُّب، كما تقول في الكلام: "وأَيُّ رَجُلٍ زيدٌ" (٦). وقرأ

стр. 202

عاصم: ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ بالهمز فيهما، وقرأهما الباقون من غيرِ همز (١). قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ قال ثعلبٌ (٢): الحَدَب: التلال والآكام، واحِدُهُ: حَدَبةٌ، ومعنى ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يُسرعون، مأخوذٌ من النَّسَلَانِ، وهو: مقاربةُ الخَطْوِ مع الإسراع كمشي الذئب إذا أسرع، يقال: مَرَّ الذئبُ يَنْسِلُ ويَعْسِلُ (٣)، والمعنى: وهم من كل نَشَزٍ من الأرض يُسرِعون. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يعني: المشركين ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنام ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قرأه العامّةُ بالصاد المهمَلة، وقرأ عليٌّ وعائشةُ وإسحاقُ بن حميد (٤): ﴿حَطَبُ﴾ (٥) بالطاء، نظيرُه قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٦)، قيل (٧): إنّ الحَصَبَ في لغة أهل اليمن: الحَطَبُ.

стр. 203

وقرأ ابنُ عباس: ﴿حَضَبُ﴾ (١) بالضاد المعجَمة، وهو: كلُّ ما هُيِّجَتْ وأُوقِدَتْ به النارُ، ومنه قيل لدِقاقِ الناس: حَضَبٌ (٢)، قال أبو ذُؤيب الهُذَلي (٣): ٩ - فَأَطْفِئْ وَلا تُوِقِدْ وَلاتَكُ مِحْضَبًا... لِنارِ العُداةِ أَنْ تَطِيرَ شَكاتُها (٤) وأصلُ الحَصْبِ: الرَّمْيُ، قال الضحّاك (٥): يُرْمَوْنَ في النار كما تُرْمَى الحصباءُ. ثعلبٌ عن ابن الأعرابِيِّ (٦) أنه قال: العرب تقول: هذا حَصَبُ النارِ

стр. 204

وحَضَبُها وحَطَبُها، كلُّه بمعنًى واحدٍ، وهو ما تأكلُه النار. وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾؛ أي: فيها داخلون. قوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: الأصنامَ ﴿آلِهَةً﴾ كما يزعُم الكفار ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ يعني: العابدينَ والمعبودين ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا﴾ يعني: في جهنَّم ﴿زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ قال ابن مسعود (١): إذا بقي في النار من يُخَلَّدُ فيها جُعِلُوا في توابيتَ من نار، ثم جُعِلَتْ تلك التوابيتُ في توابيتَ أخرى، فلا يسمعون شيئًا، ولا يَرَى أحدٌ منهم أنّ في النار أحدًا يُعَذَّبُ غيره. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال قومٌ من العلماء (٢): "إِنَّ" هاهنا: استثناءٌ بمعنى "إِلّا"، وليس في القرآن سواه. والسَّبْقُ: تقدُّمُ الشيءِ على غيره، والحُسنى: السعادة والعِدةُ الجميلة بالجنة. قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى ﴿عَنْهَا﴾ يعني: عن النار ﴿مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ والإبعاد: طولُ المسافة.

стр. 205

قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾؛ أي: حِسَّها وحركةَ تلهُّبها، والحِسُّ والحَسِيسُ: الصوتُ تسمَعُه من الشيء يَمُرُّ منك قريبًا (١)، ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من النَّعيم والكرامة ﴿خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ يعني: إطباقَ جهنَّم على أهلها ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: تستقبلُهم ملائكةُ الرحمة عند خروجهم من قبورهم ويقولون لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ في الدنيا. فصل عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "ثلاثةٌ على كُثْبانٍ من مِسكٍ لا يَحزُنُهم الفَزَعُ الأكبر، ولا يكترثونَ للحساب: رجلٌ قَرأَ القرآنَ محتسِبًا ثم أَمَّ به قومًا محتسِبًا، ورجلٌ أَذَّنَ محتسِبًا، ومملوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّه وحقَّ مواليه" (٢). قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قَرأَ أبو جعفرٍ (٣): ﴿تُطْوَي﴾ بالتاء مضمومةً: على الفعل المَجهول، وقرأ الباقونَ بالنون والنصب، وقَرأَ أهلُ الكوفة إلّا أبا بكر: ﴿لِلْكُتُبِ﴾: على الجَمْع، وقرأ الباقون: "لِلْكِتابِ" (٤): على الواحد.

стр. 206

والسِّجِلُّ: مَلَكٌ يَكتُب أعمالَ العباد، فإذا صَعِدَ بالاستغفار قال اللَّه : "اكتُبْها نُورًا" (١)، وقيل (٢): السِّجِلُّ: هو الصحيفة، واللام في قوله: "لِلْكِتابِ" بمعنى "عَلَى"، تأويلها: كَطَيِّ الصحيفةِ على مكتوبها. والمراد بالكتابِ والكتُب على القراءتَيْن: الصحائف، كما تقول: كطَيِّ زيدٍ الكُتُبَ، ويجوزُ أن تكون اللام زائدةً كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٣) أي: رَدِفَكُمْ. وقيل (٤): السِّجلُّ: كاتبٌ كان يَكتُب للنبيِّ ﷺ . وهو مشتقٌّ من السِّجالِ وهي المكاتبة، وأصلها من السَّجْلِ وهو الدَّلْوُ، تقول: ساجلتُ الرجلَ: إذا نَزَعْتَ دلوًا ونَزَعَ دلوًا، ثم استُعيرت فسُمِّيت المكاتَبةُ والمراجعةُ مساجلةً (٥)، قال الشاعر: ١٠ - مَنْ يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا... يَمْلأُ الدَّلْوَ إِلَى عَقْدِ الكَرَبْ (٦)

стр. 207

والطيُّ في هذه الآية يحتمل معنيَيْن، أحدُهما: الدَّرْجُ الذي هو ضدُّ النشر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)، والثاني: الإخفاء والتعمية والمَحْو والطَّمس؛ لأنّ اللَّه تعالى يمحو رسومَها، ويُكدِّر نجومها، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (٢)، وتقول العرب: اطْوِ عن فلان هذا الحديثَ؛ أي: اسْتُرْهُ وأَخْفِهِ. ثم ابتَدأَ واستأنف الكلامَ، فقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ يريد: كما بدَأْناهم في بطون أُمّهاتِهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كذلك نُعيدهم يومَ القيامة، نظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٤)، وهذا قول أكثر العلماء (٥). وقيل: معناه: كما بدَأْناه من الماء نُعيدُه من التراب، وقال الزَّجّاج (٦):

стр. 208

المعنى: نبعَثُ الخلقَ كما بدأناه؛ أي: قُدرتُنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء، والخلق هاهنا: مصدرٌ، لا بمعنى المخلوق. قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: وَعَدناكم ذلك وعدًا علينا (١) ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ الإعادةَ والبعثَ. فصلٌ عن عائشةَ ﵂ قالت: دَخَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وعندي عجوزٌ من بني عامر، فقال: "مَنْ هذه العجوزُ يا عائشةُ؟ "، فقلتُ: إحدى خالاتِي، فقالت العجوزُ: ادْعُ اللَّهَ أن يُدخلَني الجنةَ، فقال لها: "إنّ الجنةَ لا يَدْخُلُها العُجُزُ"، فأخَذ العجوزَ ما أخَذَها، فقال ﵇: "إنّ اللَّه يُنْشِئُهُنَّ خَلْقًا غيرَ خَلْقِهِنَّ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. . .﴾ الآيةَ (٢)، قال: "إنكم تُحشَرون يومَ القيامة عُراةً حُفاةً غُرْلًا غُلْفًا، فأولُ من يُكْسَى إبراهيمُ ﵇ خليلُ اللَّهِ (٣) "، فقالت عائشةُ ﵂: واسَوْأَتاه! أفلا يَحتشمُ الناسُ بعضهم بعضًا؟! فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٤)، ثم قَرأَ رسول اللَّه ﷺ : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (٥).

стр. 209

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ يعني: أمةَ محمد ﷺ والمؤمنين العاملينَ بطاعة اللَّه يرِثون الجنة، كقوله: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ (١). قرأ الأعمشُ وحمزةُ (٢) وخَلَفٌ (٣): ﴿الزَّبُورِ﴾ بضمِّ الزاي (٤)، وقرأ الباقون بالنصب (٥)، وهي بمعنى المَزْبور، كالحَلُوب والرَّكوب، يقال: زَبَرْتُ الكتابَ: إذا كَتَبْتَهُ (٦). واختلفوا في معنى الزَّبور والذِّكر، فقال سعيدُ بن جُبَير (٧) ومجاهدٌ (٨)

стр. 210

وابنُ زيد: عنَى بالزَّبور: الكتُبَ المُنْزَلةَ، وبالذِّكر: أُمَّ الكتاب الذي عنده، وقال ابنُ عباس والضحّاك: الذِّكر: التَّوراة، والزَّبور: الكتُبُ المنزَلة من بعد التوراة، وقال الشَّعبي (١): الزَّبور: كتابُ داود، والذِّكر: التَّوراة، وقال بعضهم: الزَّبور: زبورُ داود، والذِّكر: الفرقان. و ﴿بَعْدِ﴾ بمعنى "قبل" (٢) كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٣) أي: أمامَهم، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٤)؛ أي: قبلَ ذلك. قوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ يعني القرآنَ ﴿لَبَلَاغًا﴾؛ أي: لَكفايةً ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ للبَرِّ والفاجر، وهو نصَبٌ على المصدر أو الحال. فصلٌ عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسولَ اللَّه: ادْعُ على

стр. 211

المشركين، قال: "إِنِّي لم أُبْعَثْ لَعّانًا، وَإنَّما بُعِثْتُ رَحْمةً" (١). قوله : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: افْصِلْ بيني وبين مَنْ كَذَّبَنِي بالحق، واللَّه لا يَحكم إلّا بالحقّ، وفيه وجهانِ من التأويل، قال أهلُ التفسير: الحقُّ هاهنا بمعنى: العذاب، كأنه استَعجل العذابَ لقومه، فعذِّبوا يومَ بدر، نظيرُه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ (٢)، وقال قَتادة (٣): كان النبيُّ ﷺ إذا شهد قتالًا قال: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقال أهل المعاني (٤): معناه: ربِّ احكُمْ بحُكمك الحقِّ، فحُذِفَ الحكم وأُقِيمَ الحقُّ مقامَه. واختلف القُرّاء في هذه الآية (٥)، فقَرأَ حفص: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالألف على الخبر، وقرأ الباقون: ﴿قُلْ﴾ على الأمر، وقرأ أبو جعفرٍ: ﴿رَبُّ احْكُمْ﴾ برفع الباء على نداءِ المفرَد (٦)، وقَرأ الضحّاك ويعقوبُ في بعض رواياته: ﴿رَبِّي

стр. 212

أَحْكَمُ﴾ بإثبات الياء على وجه الخبر بأنّ اللَّه سبحانه أحكمُ بالحقِّ من كلِّ حاكم، وهذه قراءةٌ غير مَرْضيّة لمخالفة المصحَف والقُرّاء، وقرأ الباقون: ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ على وجهِ الدعاء. من قرأ: ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ جَزَمَهُ على الأمر، ومن قَرأَ: ﴿رَبِّي احْكُمْ﴾ فمحل ﴿رَبِّي﴾ رفعٌ بالابتداء، و ﴿احْكُمُ﴾: خبرُه، و ﴿رَّبُنا﴾: ابتداءٌ و ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبره و ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾: خبرٌ ثانٍ، وقيل: نعتُه ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ من الكذب والباطل، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 213

سورةُ الحجِّ مكِّيّة (١) غَيْرَ سِتِّ آياتٍ نزلت في المدينة في الذين تبارَزوا يومَ بدر، وهم ثلاثةٌ مؤمنون: عليٌّ وحمزةُ وعُبيدةُ بن الحارث (٢) ﵃، وثلاثةٌ كافرون، وهم: عُتبةُ وشَيْبةُ والوليدُ بن عُتبة، وهي قوله: "هَذانِ خَصْمانِ" (٣) إلى قوله: "وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ" (٤). وعددُ حروفها خمسةُ آلاف ومائةٌ وخمسةٌ وسبعونَ حرفًا، وألفٌ ومائتان وإحدى وتسعونَ كلمةً، وثمانٍ وسبعونَ آيةً. بابُ ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سُورةَ الحجِّ أُعْطِيَ من الأجر كحَجّةٍ حَجَّها وعُمْرةٍ اعْتَمَرَها بِعَدَدِ مَنْ حَجَّ

стр. 214

واعْتَمَرَ فِيما مَضَى وَفِيما بَقِيَ" (١). وهي من أعاجيبِ السُّور، نَزَلت ليلًا ونهارًا، وسَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا وَمَدَنِيًّا، سلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنْسُوخًا، مُحْكَمًا وَمُتَشابِهًا مُخْتَلِفَ العَدَدِ (٢). ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأَ سُورةَ الحَجِّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ يَدْخُلُ البَيْتَ بِكُلِّ واحِدٍ وَحْدَهُ أَلْفَ حَسَنةٍ" (٣). بابُ ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يريدُ أهلَ مكةَ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ احذَروا عقابَه بطاعته، و"يا": نداء و"أَيُّ" منادى، و"ها": تنبيه، "النّاسُ": مرفوع على البدل من "أُيُّها"، وقيل: على النعت لـ "أَيُّ"، والمعنى: يا ناسُ اتقوا ربَّكم ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ يعني: أنه لا يُوصَفُ لِعِظَمِهِ. والزَّلْزَلةُ والزِّلْزالُ: شدةُ الحركة على الحال الهائلة، من قولهم: زَلَّتْ قَدَمُهُ، إذا زالت عن الجهة بسرعة (٤). قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني: تلك الزَّلزَلة ﴿تَذْهَلُ﴾ في ذلك اليوم ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾؛ أي: تنسى وتترُك كلُّ والدةٍ ولدَها، يقال: ذَهَلَ

стр. 215

عن كذا يَذْهَلُ ذُهُولًا: إذا تَرَكه أو شَغَلَهُ عنه شاغلٌ، قال الحسَن (١): تَذهَلُ المُرضِعةُ عن ولدِها لغير فِطام وتضَعُ الحاملُ ما في بطنِها لغير تمام من هول ذلك اليوم ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ يعني: تراهم سُكارى من الغمِّ والهم ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب، وقرأ بعضُهم: ﴿وَتَرَى﴾ (٢) بضم التاء؛ أي: تَظُنُّهُم، قال الفَرّاء (٣): ولهذه القراءةِ وجهٌ جيِّد. ﴿سُكَارَى﴾: جمعُ سكران، وهو نَصْبٌ على الحال (٤)، وقَرأَ حمزةُ والكسائي (٥): ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ بفتح السِّين من غير ألفٍ وبالإمالة، قال الفَرّاء (٦): وهو وجهٌ جيِّد في العربية؛ لأنه بمنزلة: الهَلْكَى والجَرْحَى
следующие страницы →