← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

السلسلة لَسارَتْ أربعين خريفًا الليلَ والنهارَ قبل أن تَبْلُغَ أصْلَها أو قَعْرَها" (١). وَرُوِيَ عن كعب الأحبار أنه قال: لو جُمِعَ حَدِيدُ الدنيا ما وَزَنَ حَلْقةً منها (٢)، وعن سُوَيْدِ بن أبِي نُجَيْحٍ (٣) أنه قال: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النار في تلك السلسلة، لو أن حلقة منها وُضِعَتْ على جَبَلٍ لَذابَ مِنْ حَرِّها. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾؛ أي: لا يُصَدِّقُ بتوحيد اللَّه وعظمته ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾؛ أي: لا يُطْعِمُ المسكينَ فِي الدنيا، ولا يأمر أهلَه بذلك ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا﴾ يعني: في الآخرة ﴿حَمِيمٌ (٣٥)﴾؛ أي: قريب وصديق يمنعه من عذاب اللَّه، وهو رفع؛ لأنه اسم "لَيْسَ"، ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ وهو صَدِيدُ أهْلِ النار، مأخوذ من الغَسْلِ، قال الأخفش (٤): هو ما يُغْسَلُ من لُحُومِ أهْلِ النار ودمائهم، وزِيدَ فيه الياءُ والنونُ كما زِيدَ "عِفِرِّينُ"،

стр. 1507

وقيل (١): هو غُسالةُ أجْوافِ أهْلِ النار، وكُلُّ جُرْحٍ ودَبَرٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ منه شَيْءٌ فهو غِسْلِينٌ، أي: فِعْلِينٌ من غَسْلِ الجِراحِ والدَّبَرِ (٢). قال ابن عباس (٣): لو أن قطرة من الغِسْلِينِ وقعت في الأرض لأفْسَدَتْ على الناس معايشهم، وقال الضحاك والربيع (٤): هو شجر يأكله أهل النار، وذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ المذنبون، وهم الكافرون. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾ يعني: مِنْ ظاهِرِ القُدْرة ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ من أسرار القدرة؛ أي: ما تَرَوْنَ وما لا تَرَوْنَ، وأراد جميع المَكُوناتِ والمَوْجُوداتِ، وقيل: أراد الدنيا والآخرة، وقيل: ما في ظَهْرِ الأرض والسماء وبَطْنِهِما، وقال جعفر الصادق (٥): ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ من صُنْعِي في مُلْكِي، ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ من بِرِّي بأوليائي، وفيه تفاسير يطول شرحها هاهنا. و"لا" في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ صلة، تقديره: فَأُقْسِمُ (٦) ﴿إِنَّهُ﴾ يعني القرآن

стр. 1508

﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ، والمعنى: إنه لَتِلَاوةُ رَسولٍ كَرِيمٍ، فحذف كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) وبابِهِ، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾؛ أي: لا تصدقون بأن القرآن من عند اللَّه ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾؛ أي: تَتَّعِظُونَ بالقرآن، قرأ ابن عامر وابن كثير ويعقوب وأبو حاتم: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يَذَكَّرُونَ﴾ بالياء فيهما (٢) إخْبارًا عن المشركين، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، وخَفَّفَ حَمْزةُ والكسائيُّ وحَفْصٌ الذالَ على أُصُولِهِمْ. ويريد بالقليل نَفْيَ إيمانهم أصْلًا، كما تقول لِمَنْ لا يزورك: قَلَّما تَأْتِينا، وأنت تريد: لا تأتينا أصلا (٣)، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ في الموضعين بـ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿ومَّا﴾ زائدة، وحقيقته أنه نعت لمصدر محذوف تقديره: وَقْتًا قَلِيلًا أو إيمانًا قَلِيلًا، وكذلك: تَذَكَّرُونَ وَقْتًا قَلِيلًا أو تَذَكُّرًا قَلِيلًا (٤). قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ يعني القرآن، والتقدير: بل القرآن الذي يجيئكم به محمد ﷺ الذي تزعمون أنه شِعْرٌ وكَهانةٌ وسِحْرٌ تَنْزِيلٌ من رَبِّ العالمين.

стр. 1509

فصل عن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ قال: "خَرَجْتُ أتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ أُسْلِمَ، فوجدته قد سَبَقَنِي إلَى المسجد، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فاستفتح سُورةَ الحاقة، فَجَعَلْتُ أعْجَبُ من تأليف القرآن، فقلتُ: هذا -واللَّهِ- شاعِرٌ كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، قال: قلتُ: كاهِنٌ، فقال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر السورة، قال: فوقع الإسلامُ فِي قلبِي كُلَّ موقع" (١). قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ، فَزادَ في الوَحْيِ، أو نَقَصَ منه، أو قال علينا ما لَمْ نَقُلْ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ يعني: بالعَدْلِ بلغة قريش (٢)، وقيل: بالحق، وهو قول ثعلب (٣)، وقيل: بالقوة والقدرة، وهو قول المُبَرِّدِ (٤) والفَرّاءِ (٥) والزَّجّاجِ (٦)، قال الشاعر: ٣٩٠ - إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ... تَلَقّاها عَرابةُ بِاليَمِينِ (٧)

стр. 1510

يريد: بالقوة. قال ابن قتيبة (١): وإنما أقامَ اليَمِينَ مُقامَ القوة؛ لأن قُوّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ. وقال صاحب إنسان العين (٢): الباء مؤكدة، والمعنى: أخَذْنا يَمِينَهُ وأعْجَزْناهُ، أو أخذنا باليمين منه كما تقول: خُذْ بِيَمِينِهِ فَأخْرِجْهُ. وقال الثعلبيُّ (٣): قيل: معناه: لأخذنا منه باليَدِ اليَمِينِ من يديه، وهو مَثَلٌ معناه: لأذْلَلْناهُ وَأهَنّاهُ، وهذا كقول ذِي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إهانةً، قال لبعض أعوانه: خُذْ بِيَدِهِ فَأقِمْهُ. واعْتَمَدَ محمدُ بن جرير الطبري هذا القول (٤). ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ وهو عِرْقٌ يكون في القَلْبِ، يُسَمَّى نِياطَ القَلْبِ، فإذا قُطِعَ مات صاحبه، وإنما يُسَمَّى نِياطًا لِتَعَلُّقِهِ بِالقَلْبِ (٥)، وقال

стр. 1511

ثعلب (١): الوَتِينُ عِرْقٌ يكون فِي باطن فَخِذِ الإنسان، إذا قُطِعَ مات صاحبه. وقال الواحِدِيُّ (٢): هو عِرْقٌ يَجْرِي في الظَّهْرِ حتى يتصل بالقلب، إذا انقطع بَطَلَت القُوَى ومات صاحبُهُ. وقيل (٣): هو عِرْقٌ بَيْنَ العِلْباءِ والحُلْقُومِ. وقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾؛ أي: مانِعِينَ يَحْجِزُونَنا عن عقوبته وما نفعله به، وإنما جمع وهو فِعْلُ واحِدٍ رَدًّا على معناه، كقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٤) وهو نعت لـ ﴿أَحَدٍ﴾؛ لأنه بمعنى الجماعة، فحمل النعت على المعنى فجمع، وقيل (٥): هو نصب على خبر "ما" النافية، و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ صِلةٌ زائِدةٌ. قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾؛ أي: لَعِظةٌ لِمَن اتقى عِقابَ اللَّه بطاعته ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ﴾ يا أهل مكة ﴿أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ يعني: ندامة على الكافرين يوم القيامة، يندمون على ترك الإيمان به ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ من اللَّه، والحق هو اليقين، وإنما أضافه إلى اليقين

стр. 1512

توكيدا، وقيل: إنما أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين، نظيره في آخر سورة الواقعة (١). ثم أمَرَهُ بتنزيهه عن السوء بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾؛ أي: اذْكُر اسم ربك العظيم، أي: الذي يكون كُلُّ شَيْءٍ في جَنْبِ عَظَمَتِهِ صغيرًا، بالتوحيد والتَّنْزِيهِ عن كل سُوءٍ، فلا شَيْءَ أعْظَمُ منه ولا أكْبَرُ -جَلَّ وَعَزَّ في عظمته وسلطانه-، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1513

سورة المعارج مكية وهي ثمانمائة وأحَدٌ وستون حرفًا، ومائتان وسبع عشرة كلمةً، وأربع وأربعون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ الذين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ " (١). وعن أُبَيٍّ أيضًا أنه قال: "مَنْ قَرَأها أعْطاهُ اللَّهُ مِن الثواب مِثْلَ ما يُعْطِي الذين يُوفُونَ بِالعَهْدِ، ويُؤَدُّونَ الأماناتِ، ويُحافِظُونَ عَلَى الصَّلَواتِ" (٢)، ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ عُدِلَتْ لَهُ بِعِبادةِ الدَّهْرِ" (٣).

стр. 1514

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ قرأ أهْلُ المدينة والشامِ: "سالَ" بغير هَمْزٍ على وزن "قالَ"، وقرأ الباقون بالهمز، وهو الاختيار (١)، فمن قرأ بالهمز فهو من السؤال لا غَيْرُ، وله وجهانِ، أحدهما: أن تكون الباء في قوله: ﴿بعَذَابٍ﴾ بمعنى "عَنْ" كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٢)؛ أي: عَنْهُ، وقال عَلْقَمةُ ابن عَبْدةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ، فَإنَّنِي... بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ (٣) أي: عن النساء، ومعنى الآية: سأل سائل عن عذابٍ ﴿وَاقِعٍ﴾ (٤). والوجه الآخر (٥): أن تكون الباء صِلةً زائدةً للتوكيد، كقوله تعالى:

стр. 1515

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (١)، ومعنى الآية: دَعا داعٍ على نفسه، وَسَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا ﴿للكَافِرِينَ﴾؛ أي: على الكافرين، اللام بمعنى "عَلَى". ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضًا، أحدهما: أنه لغة من السؤال، تقول العرب: سالَ يَسالُ، مثل: نالَ يَنالُ، وخافَ يَخافُ (٢)، والثانِي: أن يكون من السَّيْلِ (٣)، فعلى هذا لَمْ تكن الباء بِمعنَى "عَنْ"، وكانت على بابها وأصلِها للتعدي، والأصل في سالَ: سَوَلَ (٤)، فلما تحركت الواو وتحرك ما قبلها قُلِبَتْ

стр. 1516

ألِفًا، قال ابن زيد بن أسلم (١): سالَ من أودية جهنم يقال له: سائِلٌ. قيل (٢): نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، حين دَعا على نفسه وسأل العذابَ، فقال: " ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. الآية" (٣)، فنَزَلَ به ما سَألَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ ودَافِعٌ﴾ يعني: العذاب في الآخرة، لا يدفعه عن الكافرين أحَدٌ. قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ قال الفَرّاءُ (٤): المَعارِجُ من نعت اللَّه تعالى؛ لأن الملائكة تَعْرُجُ في السماوات إلَى اللَّه، فَوَصَفَ نَفْسَهُ. قال مُؤَرِّجٌ (٥): والمَعارِجُ هي السُّلَّمُ، وهي الدَّرَجاتُ. وقيل (٦): هي الفَواضِلُ والنِّعَمُ. وقال الكَلْبِيُّ (٧): معناه: ذِي السماوات، وسَمّاها مَعارِجَ لأن الملائكة تَعْرُجُ فيها،

стр. 1517

وذلك قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الموضع الذي لا ينبغي لأحد سِواهُ فيه حُكْمٌ فجعل عُرُوجَهُمْ إلَى ذلك الموضع عُرُوجًا إليه، نظيره قول إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ (١)؛ أي: إلى حَيْثُ أمَرَنِي بِالذَّهابِ إليه، وقيل: إلى اللَّه ، وقيل: تَعْرُجُ الملائكةُ والرُّوحُ بَيْنَ اللَّه تعالى وَبَيْنَ خَلْقِهِ بأعمالهم. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ قرأ الكسائي: ﴿يَعْرُجُ﴾ بالياء (٢)، وهي قراءة ابن مسعود، وقرأه الباقون بالتاء، واختلفوا في الرُّوحِ فقيل: هو جبريل ﵇، وقيل: الرُّوحُ: خَلْقٌ يُشْبِهُونَ الناسَ، وقيل: هُمْ حَفَظةٌ على الملائكة كما أن الملائكة حَفَظةٌ على بَنِي آدَمَ. وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال عكرمة وقتادة: يعني يوم القيامة، وقيل: يعني بذلك أن مِقْدارَ مَوْقِفِ الخَلْقِ في الحساب حَتَّى يُفْصَلَ بينهم خَمْسُونَ ألْفَ سَنةٍ مِنْ سِنِي الدنيا، وليس يَعْنِي مِقْدارَ يَوْمِ القيامة؛ لأن يوم القيامة له أوَّلٌ وليس له آخِرٌ، وهو يَوْمٌ مَمْدُودٌ أبَدًا، ولو كان له آخِرٌ لانْقَطَعَ، وقيل: معناه: لَوْ صَعِدَ عَبْدٌ ما صَعِدَهُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنةٍ مِمّا يَعُدُّ أهْلُ الدنيا، والملائكةُ والرُّوحُ تقطعه في يَوْمٍ من أيام الدنيا، والمقدار خمسون ألف سنة، هكذا ذكره النَّقّاشُ (٣).

стр. 1518

وَرُوِيَ عن ابن عباس أنه قال (١): يَوْمُ القيامة جعله اللَّه على الكافرين خمسين ألف سنة، فأراد أنَّ أهل الموقف يستطيلون ذلك اليَوْمَ، وقيل: معناه: لَوْ وَلِيَ مُحاسَبةَ العباد غَيْرُ اللَّه في ذلك اليوم، لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ في خمسين ألف سنةٍ، واللَّهُ يَفْرُغُ منه في ساعة من النهار، قاله الكلبي (٢)، وقيل (٣): هو يَوْمُ القيامة، فيه خَمْسُونَ مَوْطِنًا، كُلُّ مَوْطِنٍ ألْفُ سَنةٍ، قال الثعلبي (٤): وفيه تقديم وتأخير، كأنه قال: ليس له دافع من اللَّه، في يَوْمٍ كان مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنةٍ، تعرج الملائكة والروح إليه. ﴿كَانَ﴾ هاهنا بمعنى يَكُونُ، قال الشاعر: ٣٩١ - وَإنِّي لآتِيكُمْ تَشَكُّرَ ما مَضَى... مِنَ العَرْفِ واسْتِيجابِ ما كانَ في غَدِ (٥) والمعنى: ما يكون فِي غَيْرِ هَذا. قاله الخليل (٦)، و ﴿خَمْسِينَ﴾ نصب خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿وأَلْفَ سَنَةٍ﴾ نصب على التفسير، واللَّه أعلم.

стр. 1519

فصل عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : يَوْمٌ كان مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنةٍ؟ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ!، فقال ﵇: "والذي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى المُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلاةٍ مَكْتُوبةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا" (١). وقال إبرإهيم التَّيْمِيُّ: "ما قَدْرُ ذلك اليَوْمِ على المؤمن إلّا كما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ" (٢). ثم عَزَّى نَبِيَّهُ ﷺ فقال: ﴿فَاَصبِرْ﴾ يا محمد على تكذيبهم إيّاكَ ﴿صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ وهو الذي لا جَزَعَ فيه، وهذا قَبْلَ أن يُؤْمَرَ بالقتال ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ يعني العذاب ﴿بَعِيدًا (٦)﴾ غَيْرَ كائِنٍ ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ كائنًا؛ لأن كل ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ونصب ﴿بَعِيدًا (٦)﴾ و ﴿قَرِيبًا﴾ على الحال، ولو قلت: نَصْبُهُما لأنهما مفعولان بـ "يَرَى" كان صوابًا (٣). ثم أخبر متى يقع بهم العذاب فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾؛ أي:

стр. 1520

كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ (١)، وقيل (٢): كَعَكَرِ القَطِرانِ المُذابِ، وقيل (٣): كالفِضّةِ إذا أُذِيبَتْ، وقد تقدم نظيره وتفسيره في سورة الكهف (٤). ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ كالصوف الأحمر في خِفَّتِها وَسَيْرِها، وهو أضْعَفُ الصُّوفِ، فأول ما تتغير الجبال تصير رَمْلًا مَهِيلًا، ثم عِهْنًا مَنْفُوشًا، ثم تصير بعد ذلك هَباءً مَنْثُورًا (٥) ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ لا يَسْألُ الرَّجُلُ قَرِيبَهُ من شدة الأهوال يوم القيامة، والمعنى: لا يَسْألُ ذو قرابة عن قرابته لاشتغاله بنفسه، وَرُوِيَ عن ابن كثير أنه قرأ: "وَلا يُسْألُ" (٦) بضم الياء؛ أي: لا يُقالُ

стр. 1521

لِحَمِيمٍ: أيْنَ حَمِيمُكَ؟ قال الفَرّاءُ (١): ولستُ أشْتَهِي ضَمَّ الياء؛ لأنه مُخالِفٌ للتفسير، وَلِما أجْمَعَ عليه القُرّاءُ. قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾؛ أي: يُعَرَّفُونَهُمْ ويُرَوْنَهُمْ، والمعنى: يُعَرُّفُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ حتى يعرفه، وهو مع ذلك لا يَسْألُ عن شأنه لِشُغُلِهِ بنفسه، يقال: بَصَّرْتُ زَيْدًا بكذا: إذا عَرَّفْتَهُ إيّاهُ، ثم يُحْذَفُ الجارُّ فَيُقالُ: بَصَّرْتُهُ كذا، والآية على حذف الجارِّ (٢). ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾؛ أي: يَتَمَنَّى المُشْركُ والكافر ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ﴾ زوجته ﴿وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)﴾ يعني عشيرته التي فُصِلَ منهم، تَضُمُّهُ ويَأْوِي إليها ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾؛ أي: كَلَّا لا يُنْجِيهِ ذلك الفِداءُ من عذاب اللَّه، وتَمَّ الكلامُ، ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّهَا لَظَى (١٥)﴾ وقيل: حَقًّا إنَّها لَظَى، فيكون الكلام متصلًا (٣). ولَظَى -نعوذ باللَّه منها-: اسمٌ من أسماء جهنم، فلذلك لَمْ تَنْصَرِفْ (٤)، وقيل (٥): هي الدَّرَكةُ الثانية، سُمِّيَتْ بذلك لأنها تتَلَظَّى، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ

стр. 1522

ناَرًا تَلَظَّى﴾ (١) والالتِظاءُ: الإيقادُ، ومعناها في اللغة: اللَّهَبُ الخالص، يقال: لَظِيَتِ النّارُ تَلْظَى لَظًى (٢). ﴿نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (١٦)﴾؛ أي: هي نَزّاعةٌ لِلشَّوَى، قرأه العامة بالرفع على الابتداء والخبر، وقيل: على نعت لَظَى (٣)، ورَوَى حَفْصٌ عن عاصم بالنصب (٤) على الحال والقطع للتنوين من ﴿لَظَى﴾، إذْ كانت نكرةً متصلةً بمعرفة، وفي هذه القراءة إشكال؛ لأنه ليس هاهنا عامل مشتق، ولا واقعٌ موقع المشتق، ولكن ﴿لَظَى﴾ -وإن كان عَلَمًا من أسماء جهنم-، ففيها معنى التَّلَظِّي، وذلك المعنى هو العامل فِي الحال، كأنها تتَلَظَّى وتَتَوَقَّدُ نَزّاعةً لِلشَّوَى (٥). وقيل (٦): نصب ﴿نَزَّاعَةً﴾ بتقدير: أعْنِي، وقيل (٧): إنها حال مؤكدة كما

стр. 1523

قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١)، قال ابن الأنباري (٢): ويجوز نصبها على المدح على معنى: اذْكُرْ نَزّاعةً، كما تقول: مَرَرْتُ بِهِ العاقِلَ الفاضِلَ. و"الشَّوَى" جَمْعُ شَواةٍ، وهي جِلْدةُ الرَّأْسِ (٣)، قال الأفْوَهُ الأوْدِيُّ (٤): ٣٩٢ - إنْ تَرَيْ رَأْسِيَ فِيهِ قَزَعٌ... وَشَواتِي خَلّةٌ فِيها دُوارُ (٥) وقيل (٦): هي الأطراف: اليدان والرجلان، قال امرؤ القيس الشاعر: ٣٩٣ - سَلِيمِ الشَّظَى عَبْلِ الشَّوَى شَنِجِ النَّسا (٧)

стр. 1524

وقال الأعشى: ٣٩٤ - قالَتْ قُتَيْلةُ: ما لَهُ... قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهْ (١) قال مقاتل (٢): تَنْزِعُ النّارُ الأطرافَ فلا تَتْرُكُ لَحْمًا ولا جِلْدًا إلا أحْرَقَتْهُ، وقال الضحاك (٣): تَنْزِعُ الجِلْدَ واللَّحْمَ عن العَظْمِ.

стр. 1525

وقوله: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ﴾ يريد: عن الإيمان ﴿وَتَوَلَّى (١٧)﴾ عن الحَقِّ، فتقول النارُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، إلَيَّ يا فاسِقُ، إلَيَّ يا ظالِمُ، تدعوهم بأسمائهم بِلِسانٍ فَصِيحٍ، ثم تَلْتَقِطُهُمْ كما يَلْتَقِطُ الطَّيْرُ الحَبَّ (١). قوله: ﴿وَجَمَعَ﴾ يعني: جَمَعَ المالَ ﴿فَأَوْعَى (١٨)﴾ أمْسَكَهُ فِي الوِعاءِ، وَلَمْ يُنْفِقْهُ في طاعة اللَّه، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّه منه، ولا وَصَلَ رَحِمًا، رُوِيَ عن عبد اللَّه ابن عُكَيْمٍ (٢) أنه كان لا يَرْبِطُ كِيسَهُ، ويقول: سمعتُ اللَّهَ يقول: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ الهَلُوعُ: الحريص على ما لا يَحِلُّ له، الشَّحِيحُ الضَّجِرُ، ويقال: الشَّرِهُ الذي لا يَشْبَعُ، وقيل: هو الجَبانُ، قال النَّبِيُّ ﷺ : "شَرُّ ما أُعْطِيَ العَبْدُ شُحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ" (٤)، وهو مأخوذ من الهَلَعِ وهو شِدّةُ الحِرْصِ وقِلّةُ الصَّبْرِ، وقيل: الهَلُوعُ: الذي لا يَرْضَى عند الموجود، ويَسْخَطُ عند المفقود، وقيل: هو الذي إذا افْتَقَرَ جَزِعَ، وإذا أيْسَرَ مَنَعَ (٥)، ويَدُلُّ

стр. 1526

على صِحّةِ هذا التأويل ما بعده (١)، وَرُوِيَ ذلك عن ابن عباس، ونصب ﴿هَلُوعًا﴾ على الحال، وهي الحال المُقَدَّرةُ؛ لأنه إنَّما يَحْدُثُ فيه الهَلَعُ بعد خَلْقِهِ لا في حالِ خَلْقِهِ (٢). وقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ يعني: إذا أصابه الفَقْرُ لا يَصْبِرُ، وإذا أصابه المالُ مَنَعَهُ. والمَنُوعُ: الذي يَمْنَعُ غَيْرَهُ، والمَنِيعُ: الذي يَمْنَعُ نَفْسَهُ (٣)، وهما منصوبان على تقدير خبر "كانَ" مضمرةً؛ أي: يَكُونُ جَزُوعًا وَيَكُونُ مَنُوعًا (٤)، وقيل (٥): نصبهما على النعت لِهَلُوع. ثم استثنى الموحدين، فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾ يعني المكتوبة ﴿دَائِمُونَ (٢٣)﴾ يُقِيمُونَها في أوقاتها، لا يلتفتون يَمِينًا ولا شِمالًا، فهذا

стр. 1527

معنى قوله: ﴿دَائِمُونَ﴾، وليس المراد أنهم يُصَلُّونَ أبَدًا، رُوِيَ ذلك عن عُقْبةَ بن عامِرٍ (١)، واختاره الزَّجّاجُ (٢). والمَعْنِيُّ بِهَذا الاستثناء قيل: هم الصحابة خاصّةً، وقيل: هم المؤمنون عامّةً، وإنما استثنى الجمع من الواحد لأن الإنسان اسم الجنس، فهو فِي معنى الجمع. وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ وقُرِئَ: "بِشَهاداتِهِمْ" (٣)، والإفراد أوْلَى؛ لأنه مصدر، ومَنْ جَمَعَ ذهب إلَى اختلاف الشهادات، والمعنى أنهم يقومون فيها بالحق ولا يكتمونها. قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾؛ أي: فَما بالُهُمْ؟ نزلت هذه الآية (٤) في جماعة من الكفار جلسوا حول النبي ﷺ ، يَسْتَهْزِئُونَ بالقرآن، ويُكَذِّبُونَ به، فقال اللَّه تعالى: ما لَهُمْ ينظرون إليك يا محمد ويجلسون عندك وهم لا ينتفعون بما يسمعون؟ ونصب ﴿قِبَلَكَ﴾ على الظرف، وقد مضى تفسير الإهْطاعِ في سورة

стр. 1528

إبراهيم و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (١)، وهو منصوب على الحال (٢)، وقيل: على خبر "مالِ"، قاله الخليل (٣). وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ يعني: متفرقين جَماعةً جَماعةً، وعُصْبةً عُصْبةً، وحِلَقًا خَلْفَ حِلَقٍ، لا يَدْنُونَ من النَّبِيِّ ﷺ ، والعِزُونَ: جَماعاتٌ في تَفْرِقةٍ، واحدتها عِزةٌ (٤) وهي العُصْبةُ من الناس، قال الشاعر:

стр. 1529

٣٩٥ - كَأنَّ الجَماجِمَ مِنْ وَقْعِها... خَناطِيلُ يَهْوِينَ شَتَّى عِزِينا (١) وأصله عِزْهةٌ، كما أن أصل السَّنةِ سَنْهةٌ، ثم حُذِفَت الهاءُ (٢)، فَجُعِلَ جَمْعُهُ بالواو والنون عِوَضًا من الحذف، وإنما جُمِعَ بالواو والنون وهو مؤنث لا يعقل؛ ليكون ذلك عِوَضًا مِمّا حُذِفَ منها (٣)، وهو منصوب على الحال. قوله: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾ قرأ الحسن

стр. 1530

وطلحة: "يَدْخُلَ" بفتح الياء وضم الخاء، ومِثْلَهُ رَوَى المُفَضَّلُ عن عاصم، وقرأ الباقون بضِدِّهِ (١)، والمعنى: أيَطْمَعُ كُلُّ رَجُلٍ من الكفار أن يَدْخَلَ جَنَّتِي كما يدخلها الَمسلمون، ويَتَنَعَّمَ فيها، وقد كَذَّبَ نَبِيِّي ﴿كَلَّا﴾ لا يكون ذلك ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ يريد: مِنْ نُطْفةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغةٍ، فلا يَسْتَوْجِبُ أحَدٌ الجَنّةَ بكونه شَرِيفًا؛ لأن الناس كُلَّهُم من أصلٍ واحدٍ، وإنما يَتَفاضَلُونَ بالإيمان والطاعة (٢). وقيل (٣): معناه: إنا خلقناهم مِنْ أجْلِ ما يعلمون، وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب، فحذف "أجْلَ"، كقول الشاعر: ٣٩٦ - أأزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلَى انْتِظارا... وَشَطَّتْ عَلَى ذِي هَوًى أنْ تُزارا (٤) أي: مِنْ أجْلِ آلِ لَيْلَى.

стр. 1531

فصل عن بُسْرِ بْنِ جِحاشٍ (١) قال: تَلَا رسولُ اللَّه ﷺ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾، ثُمَّ بَزَقَ فِي كَفِّهِ، وَوَضَعَ عليها إصْبَعَهُ، وقال: "يقول اللَّهُ تعالى: بُنَيَّ آدَمَ! أتُعْجِزُنِي وقد خَلَقْتُكَ من مِثْلِ هَذِهِ؟ حتى إذا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ، ولِلأرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ -وقيل: هَزِيزٌ-، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حتى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ: أتَصَدَّقُ، وَأنَّى أوانُ الصَّدَقةِ؟ " (٢)؛ أي: وَمِنْ أيْنَ له أنْ تُقْبَلَ منه الصَّدَقةُ فِي تلك الحال؟ قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ "لا" هاهنا صلة زائدة، والمعنى: فَأُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب، يعني مشارق الصيف والشتاء ومغاربهما، وإنما جَمَعَ بينهما لاختلاف مَشْرِقِ كُلِّ يَوْم ومَغْرِبِهِ (٣)، وقرأ أبو حَيْوةَ الشّامِيُّ: "بِرَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" (٤) على الواحد ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: على أن نَخْلُقَ أمْثَلَ منهم وأطْوَعَ للَّه حين عَصَوْاهُمْ، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾؛ أي: بِمَغْلُوبِينَ على ذلك.

стр. 1532

قال الزجاج (١): إنْ أرَدْنا أن نَخْلُقَ خَلْقًا غَيْرَكُمْ لَمْ يَسْبِقْنا سابِقٌ ولا يَفُوتُنا. قال صاحب إنسان العين: وهذه الباء كقولك: ما الأمر بكذا، جوابُ مَنْ قال: إنَّ الأمْرَ لَكَذا، تُجْعَلُ الباءُ بِإزاءِ اللَّامِ، و"ما" بإزاء "إنَّ". قوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ بِرَبِّكَ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهُمْ، أمْرُ وَعِيدٍ وتَهْدِيدٍ ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾ وهذه الآية منسوخة بآية القتال. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ يعني القبور ﴿سِرَاعًا﴾ قرأه العامّةُ: ﴿يَخْرُجُونَ﴾ بفتح الياء وضم الراء، وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ بضم الياء وفتح الراء (٢)، ونصب يوما على البدل من ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والأجْداثُ: القُبُورُ، واحدها جَدَثٌ، وقوله: ﴿سِرَاعًا﴾ يعني: مُسْرِعِينَ إلى إجابة الداعي، وهو نصب على الحال. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾؛ أي: يُسْرِعُونَ، والإيفاضُ: الإسْراعُ، يقال: أوْفَضَ إيفاضًا، قال الشاعر: ٣٩٧ - تَخالُها نَعامةً مِيفاضا (٣)

стр. 1533

قرأ العامة: "نَصْبٍ" بِنَصْبِ النون وجَزْمِ الصاد، يعنون: إلى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ، والنَّصْبُ: كُلُّ شَيْءٍ نُصِبَ مِن الحجارة وغَيْرِها، فَعَبَدُوهُ ودارُوا به، والصَّنَمُ: الصُّورةُ من حجارة أو حديد أو صُفْرٍ (١). وقرأ ابن عامر: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ (٢) بضم النون والصاد، وهي رواية حَفْصٍ عن عاصم، يعني أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه تعالى. قال الأخفشُ (٣) والفَرّاءُ (٤): النُّصُبُ جَمْعُ النَّصْبِ مثل رَهْنٍ ورُهُنٍ، والأنْصابُ جَمْعُ النُّصُبِ، فهي جَمْعُ الجمع، وقيل (٥): النُّصُبُ والأنْصابُ واحدٌ.

стр. 1534

قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ يعني: ذليلةً خاضعةً عند مُعايَنةِ النار، وهي نصب على الحال، و ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ فاعل، وقوله: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يعني: يَغْشاهُمْ هَوانٌ، ومنه: غُلَامٌ مُراهِقٌ: إذا غَشِيَ الاحتلامَ ﴿ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ يعني يوم القيامةُ ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ فيه من العذاب، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1535

سورة نوح مكية وهي تسعمائة وتسعة وعشرون حرفًا، ومائتان وأربع عشرة كلمةً، وثَمانٍ وعشرون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ نُوحٍ كانَ مِن المؤمنين الذين تُدْرِكُهُمْ دَعْوةُ نُوحٍ ﵇" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ نُوحٍ ﵇ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرةٍ نَزَلَتْ يَوْمَ الغَرَقِ حَسَنةٌ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهو نُوحُ بن لَمَكَ بن مَتُّوشَلَخَ ابنِ أخْنُوخَ - وهو إدْرِيسُ ﵇ (٣).

стр. 1536

ونوح بالسُّرْيانِيّةِ معناه السّاكِنُ لأن الأرض طُهِّرَتْ من خَبَثِ الكفار وسَكَنَتْ إليه، وفي الحديث: "أوَّلُ بَنِي إسْرائِيلَ نُوحٌ ﵇" (١)، قاله السجاونديُّ (٢). وسُمِّيَ نُوحًا؛ لأنه كان كَثِيرَ النِّياحةِ على نفسه. والأصل في ﴿إنَّا﴾ إنَّنا، حُذفت النون الثانية تخفيفًا، قال صاحب إنسان العين (٣): لأنه لو حُذِفَت الأولَى لَبَقِيَتْ نُونانِ متحركتان، فيجب الإدغام ويُكْرَهُ الإعلال بعد الإعلال، والثالثة اسم "إنَّ" فلا تحذف، وقوله: ﴿أرْسَلْنَا﴾ سكنت اللام في الأصل لاجتماع الحركات وأنه مَبْنِيٌّ، واسم نوح اسم أعجمي انصرف لأنه على ثلاثة أحرف (٤). وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ النِّذارةُ: التحذير والتخويف، و ﴿أَنْ﴾ في موضع

стр. 1537

نصب على حذف حرف الجر؛ أي: بأن أنذر قومك (١)، وقيل (٢): لا موضع لَها من الإعراب، إنما هي للبيان بمعنى "أيْ"، ومثلها: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (٣) على الوجهين. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾ يعني الطوفان والغرق، والمعنى: أرْسَلْناهُ لِيُنْذِرَهُم بالعذاب الأليم إنْ لَمْ يؤمنوا ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ (٤)﴾. . الآية، هذا جواب الأمر، و ﴿مِن﴾ هاهنا صلة معناه: يَغْفِرْ لكم ذُنُوبَكُمْ (٤)، ولَمْ تدخل لتبعيض الذنوب، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٥)؛ أي: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي هو الأوْثانُ (٦).

стр. 1538

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ هما ظرفا زمان، والعامل فيهما ﴿دَعَوْتُ﴾، ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ يعني: نِفارًا وإدْبارًا عنه، وتَباعُدًا من الإيمان، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿يَزِدْهُمْ﴾، قرأ الكوفيون: "دُعائِي" بإسكان الياء، وحركها الباقون (١). ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ﴾ يريد: إلى طاعتك والإيمانِ بِكَ ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ كي لا يسمعوا صوتِي ودعائي ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ يعني: غَطَّوْا بِها وُجُوهَهُمْ حَتَّى لا يَرَوْنِي ﴿وَأَصَرُّوا﴾؛ أي: أقاموا على الكفر، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ يعني: يَكَبَّرُوا على اللَّه وعلى دِينِهِ الذي جاءهم به ﴿اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ يعنِي تَكَبُّرًا، و ﴿كُلَّمَا﴾ نصب على الظرف، والعامل فيه فيه ﴿جَعَلُوا﴾. قوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾؛ أي: مُعْلِنًا لهم بالدعاء بأعلى صوتِي، وهو نصب على الحال (٢)، وقيل (٣): على المصدر، ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ

стр. 1539

إِسْرَارًا (٩)﴾ يعني: دَعَوْتُهُمْ على كل حال سِرًّا وعَلَانِيةً، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿ثُمَّ إنِّيَ﴾ بفتح الياء (١)، وأسكنها الباقون ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ يعني: من الشِّرْكِ ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾ لمن استغفره وتاب إليه من الذنوب، وأصل الغُفْرانِ السَّتْرُ، معناه: يستركم إنه كان سَتّارًا. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ جواب الأمر ﴿عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ كَثِيرَ الدَّرِّ مُتَتابِعًا، وهو التَّحَلُّبُ بالمَطَرِ، ولَمْ تَثْبُتْ فيه الهاءُ؛ لأن "مِفْعالًا" للمؤنث بغير هاء يكون إذا كان جارِيًا على الفعل نحو: امْرَأةٌ مِذْكارٌ ومِئْناثٌ (٢)، وهو منصوب على الحال، وأراد بالسماء هاهنا المَطَرَ، وجمعه أسْمِيةٌ (٣). فصل عن الشَّعْبِيِّ قال: "قَحَطَ المَطَرُ على عهد عُمَرَ ﵁، فَصَعِدَ المِنْبَرَ يَسْتَسْقِي للناس، فَلَمْ يَزِدْ على الاستغفار حَتَّى نَزَلَ، فَقِيلَ له: يا أمير

стр. 1540

المؤمنين! ما سَمِعْناكَ استسقيتَ، فقال: لقد طلبت الغيث بِمَجادِيحِ السماء (١) التي يُسْتَنْزَلُ بِها القَطْرُ، ثم قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ " (٢). قوله: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ يعني: يُكَثِّرْ أمْوالَكُمْ وأولادَكُمْ، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ جاريةً، وهذه الأفعال كلها مجزومة بالعطف على جواب الأمر؛ وذلك أن قوم نوح لَمّا كَذَّبُوهُ زمانًا طويلًا، حَبَسَ اللَّهُ تعالى عنهم القَطْرَ، وأعْقَمَ أرْحامَ نسائهم أربعين سنة، فَهَلَكَتْ أموالهم ومواشيهم، فوعدهم اللَّه -تعالى إنْ آمَنُوا- أنْ يُمِدَّهُم بالأموال والبنين والبساتين والأنهار. قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾؛ أي: لا تخافون للَّه عَظَمة، ولا تخشون له عقابًا، ولا ترجون منه ثوابًا بتوقيركم إيّاهُ، فالرجاء هاهنا بمعنى الخوف، والوَقارُ: العَظَمةُ، اسم من التَّوْقَيرِ وهو التعظيم، وهو منصوب على التمييز، قاله السجاوندي صاحب العين (٣). ومعنى الآية: ما لَكُمْ لا تعلمون حَقَّ عَظَمَتِهِ فَتُوَحِّدُوهُ وتُطِيعُوهُ، وقد جَعَلَ لكم فِي أنفسكم آيةً تَدُلُّ على توحيده، مِنْ خَلْقِهِ إيّاكُمْ، ومِنْ خَلْقِ

стр. 1541

السماوات والأرض (١)؟ وهو قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ يعني ألْوانًا طَوْرًا بعد طَوْرٍ، وقيل: أحوالًا، حالًا بعد حالٍ، نُطْفةً ثُمَّ عَلَقةً ثُمَّ مُضْغةً ثُمَّ لَحْمًا ثُمْ عَظْمًا، شيئًا بعد شَيْءٍ إلَى تَمامِ الخَلْقِ حَتَّى صِرْتُمْ شِيبانًا وشَبابًا وشُيُوخًا. قال ابن الأنباري (٢): الطَّوْرُ: الحال، والطَّوْرُ أيضًا: التّارةُ والمَرّةُ، وجمعه: أطْوارٌ. وهو نصب على الحال (٣). قوله ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ بعضها فوق بعض، وهو مصدر (٤)، وقيل (٥): نعت لـ ﴿وسَبْعَ﴾، وأجاز الفَرّاءُ في غير القرآن خَفْضَ طِباقٍ على النعت لـ ﴿سَمَاوَاتٍ﴾ (٦)، وقد تقدم نظيرها في سورة "تَبارَكَ" (٧). قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ يعني: في سَماءِ الدنيا، وهو جائز في كلام

стр. 1542

العرب، كما يقال: أتَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، وإنما أتَيْتَ بَعْضَهم، وفلانٌ يَتَوارَى فِي دُورِ بَنِي فُلَانٍ، وإنما هو في دارٍ واحِدةٍ (١). قال مقاتل (٢): معناه: وجَعَلَ القَمَرَ مَعَهُنَّ نورًا لأهل الأرض، "في" بمعنى "مَعَ"، قال ابن عباس (٣): وَجْهُهُ في السماء، وَقَفاهُ في الأرض، ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ يعني: ضِياءً يُسْتَضاءُ به فِي النهار. وقال عبد اللَّه بن عمر في هذه الآية: "إنَّ الشمس والقمر وُجُوهُهُما قِبَلَ السماوات، وَأقْفِيَتُهُما قِبَلَ الأرض، يُضِيئانِ في السماوات كما يُضِيئانِ في الأرض، قال: وأنا أقرأ عليكم بذلك آيةً في كتاب اللَّه : ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٤)، وهما منصوبان مفعولان بـ "جَعَلَ". فصل قيل لابن عمر ﵁: ما بالُ الشمس تُصْلِينا أحيانًا، وتَبْرُدُ علينا أحيانًا؟ فقال: "لأنَّها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في

стр. 1543

السماء السابعة عند عرش الرحمن، ولو كانت في السماء الدنيا لَما قامَ لَها شَيْءٌ" (١). قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ كان حقه: إنْباتًا، ولكنه مصدرٌ مخالف للصدر، وقال الخليل (٢): مجازه: فنَبَتُّمْ نَباتًا. والمعنى: أنه خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابِ الأرض، فَنَبَتُّمْ نَباتًا، يعني: خَلْقًا، ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ بعد الموت إذا مِتُّمْ ﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾ منها بعد النَّفْخةِ الآخِرةِ للبعث ﴿خْرَاجًا (١٨)﴾ أحياءً ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ مِهادًا تَحْمِلُكُمْ أحْياءً وتَسْتُرُكُمْ أمْواتًا، والمعنى: أنه تعالى بَسَطَها لِخَلْقِهِ، فجعلها ذَلُولًا وفِراشًا لَهُمْ، قيل: إنها بُسِطَتْ مِنْ تَحْتِ الكَعْبةِ مسيرة خمسمائة عام؛ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ السُّبُلُ: الطُّرُقُ واحدها سَبِيلٌ، والسَّبِيلُ يذكر ويؤنث، وقوله: ﴿فِجَاجًا﴾ يعني: طُرُقًا أيضًا واسعةً مختلفة بين الجبال والرمال، واحدها: فَجٌّ. ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ ضلالًا في الدنيا، وعقوبةً في الآخرة، يعني الرؤساء والأشراف. قرأ نافع وابن عامر وعاصم: "وَلَدُهُ" بفتح الواو واللام، وقرأ الباقون:

стр. 1544

"وُلْدُهُ" (١) بضم الواو وإسكان اللام، جعلوه جَمْعَ وَلَدٍ كوُثْنٍ وَوَثَنٍ (٢)، وقيل (٣): هي لغةٌ في الواحد، يقال: وَلَدٌ وَوُلْدٌ للواحد بِمَنْزِلةِ بَخَلٍ وبُخْلٍ. قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ يعني: كبيرًا عظيمًا، يقال: كَبِيرٌ وكُبّارٍ، مثل عَجِيبٍ وعُجّابٍ، وطَوِيلٍ وطُوّالٍ، قال الشاعر: أُزيرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَّنَبْ (٤) ويقال: رَجُلٌ حُسّانٌ وحُسانٌ، وكُمّالٌ وكُمالٌ، وقُرّاءٌ للقارئ، ووُضّاءٌ

стр. 1545

للوَضِيءٍ، وأنشد ابنُ السِّكِّيتِ (١): ٣٩٨ - بَيْضاءَ تَصْطادُ القُلُوبَ، وَتَسْتَبِي... بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ (٢) ٣٩٩ - والمَرْءُ يُلْحِقُهُ بِفِتْيانِ النَّدَى... خُلُقُ الكَرِيمِ وَلَيْسَ بِالوُضّاءِ (٣) وقرأ ابنُ مُحَيْصِنٍ وعيسى بن عُمَرَ: "كُبارًا" بالتخفيف (٤)، فإن زادَ حتى يَبْلُغَ النهايةَ قيل: "كُبّارٌ" بالتشديد (٥)، ومعنى المَكْرِ: السَّعْيُ بالفساد، واختلفوا
следующие страницы →