← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

السماوات والأرض (١)؟ وهو قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ يعني ألْوانًا طَوْرًا بعد طَوْرٍ، وقيل: أحوالًا، حالًا بعد حالٍ، نُطْفةً ثُمَّ عَلَقةً ثُمَّ مُضْغةً ثُمَّ لَحْمًا ثُمْ عَظْمًا، شيئًا بعد شَيْءٍ إلَى تَمامِ الخَلْقِ حَتَّى صِرْتُمْ شِيبانًا وشَبابًا وشُيُوخًا. قال ابن الأنباري (٢): الطَّوْرُ: الحال، والطَّوْرُ أيضًا: التّارةُ والمَرّةُ، وجمعه: أطْوارٌ. وهو نصب على الحال (٣). قوله ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ بعضها فوق بعض، وهو مصدر (٤)، وقيل (٥): نعت لـ ﴿وسَبْعَ﴾، وأجاز الفَرّاءُ في غير القرآن خَفْضَ طِباقٍ على النعت لـ ﴿سَمَاوَاتٍ﴾ (٦)، وقد تقدم نظيرها في سورة "تَبارَكَ" (٧). قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ يعني: في سَماءِ الدنيا، وهو جائز في كلام

стр. 1542

العرب، كما يقال: أتَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، وإنما أتَيْتَ بَعْضَهم، وفلانٌ يَتَوارَى فِي دُورِ بَنِي فُلَانٍ، وإنما هو في دارٍ واحِدةٍ (١). قال مقاتل (٢): معناه: وجَعَلَ القَمَرَ مَعَهُنَّ نورًا لأهل الأرض، "في" بمعنى "مَعَ"، قال ابن عباس (٣): وَجْهُهُ في السماء، وَقَفاهُ في الأرض، ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ يعني: ضِياءً يُسْتَضاءُ به فِي النهار. وقال عبد اللَّه بن عمر في هذه الآية: "إنَّ الشمس والقمر وُجُوهُهُما قِبَلَ السماوات، وَأقْفِيَتُهُما قِبَلَ الأرض، يُضِيئانِ في السماوات كما يُضِيئانِ في الأرض، قال: وأنا أقرأ عليكم بذلك آيةً في كتاب اللَّه : ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٤)، وهما منصوبان مفعولان بـ "جَعَلَ". فصل قيل لابن عمر ﵁: ما بالُ الشمس تُصْلِينا أحيانًا، وتَبْرُدُ علينا أحيانًا؟ فقال: "لأنَّها في الصيف في السماء الرابعة، وفي الشتاء في

стр. 1543

السماء السابعة عند عرش الرحمن، ولو كانت في السماء الدنيا لَما قامَ لَها شَيْءٌ" (١). قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ كان حقه: إنْباتًا، ولكنه مصدرٌ مخالف للصدر، وقال الخليل (٢): مجازه: فنَبَتُّمْ نَباتًا. والمعنى: أنه خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابِ الأرض، فَنَبَتُّمْ نَباتًا، يعني: خَلْقًا، ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ بعد الموت إذا مِتُّمْ ﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾ منها بعد النَّفْخةِ الآخِرةِ للبعث ﴿خْرَاجًا (١٨)﴾ أحياءً ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ مِهادًا تَحْمِلُكُمْ أحْياءً وتَسْتُرُكُمْ أمْواتًا، والمعنى: أنه تعالى بَسَطَها لِخَلْقِهِ، فجعلها ذَلُولًا وفِراشًا لَهُمْ، قيل: إنها بُسِطَتْ مِنْ تَحْتِ الكَعْبةِ مسيرة خمسمائة عام؛ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ السُّبُلُ: الطُّرُقُ واحدها سَبِيلٌ، والسَّبِيلُ يذكر ويؤنث، وقوله: ﴿فِجَاجًا﴾ يعني: طُرُقًا أيضًا واسعةً مختلفة بين الجبال والرمال، واحدها: فَجٌّ. ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ ولَمْ يُجِيبُوا دَعْوَتِي ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ ضلالًا في الدنيا، وعقوبةً في الآخرة، يعني الرؤساء والأشراف. قرأ نافع وابن عامر وعاصم: "وَلَدُهُ" بفتح الواو واللام، وقرأ الباقون:

стр. 1544

"وُلْدُهُ" (١) بضم الواو وإسكان اللام، جعلوه جَمْعَ وَلَدٍ كوُثْنٍ وَوَثَنٍ (٢)، وقيل (٣): هي لغةٌ في الواحد، يقال: وَلَدٌ وَوُلْدٌ للواحد بِمَنْزِلةِ بَخَلٍ وبُخْلٍ. قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ يعني: كبيرًا عظيمًا، يقال: كَبِيرٌ وكُبّارٍ، مثل عَجِيبٍ وعُجّابٍ، وطَوِيلٍ وطُوّالٍ، قال الشاعر: أُزيرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَّنَبْ (٤) ويقال: رَجُلٌ حُسّانٌ وحُسانٌ، وكُمّالٌ وكُمالٌ، وقُرّاءٌ للقارئ، ووُضّاءٌ

стр. 1545

للوَضِيءٍ، وأنشد ابنُ السِّكِّيتِ (١): ٣٩٨ - بَيْضاءَ تَصْطادُ القُلُوبَ، وَتَسْتَبِي... بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القُرّاءِ (٢) ٣٩٩ - والمَرْءُ يُلْحِقُهُ بِفِتْيانِ النَّدَى... خُلُقُ الكَرِيمِ وَلَيْسَ بِالوُضّاءِ (٣) وقرأ ابنُ مُحَيْصِنٍ وعيسى بن عُمَرَ: "كُبارًا" بالتخفيف (٤)، فإن زادَ حتى يَبْلُغَ النهايةَ قيل: "كُبّارٌ" بالتشديد (٥)، ومعنى المَكْرِ: السَّعْيُ بالفساد، واختلفوا

стр. 1546

فِي معنى مَكْرِهِمْ، فقال ابن عباس: قالوا قَوْلًا عظيمًا، وقال الضحاك: افْتَرَوْا على اللَّه كَذِبًا، وكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وقيل: إن الرؤساء حَرَّشُوا سِفْلَتَهُمْ (١) على قَتْلِ نُوح، ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: قالوا للضعفاء: لا تَذَرُنَّ عِبادةَ آلِهَتِكُمْ ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾؛ أي: عِبادةَ وَدٍّ ﴿وَلَا سُوَاعًا﴾. قرأ أهل المدينة: "وُدًّا" بضم الواو، وقرأ غيرهم بِفَتْحِهِ (٢)، وهما لغتان، والفتح في وَدٍّ أشْهَرُ وأعْرَفُ، قال الأخفش (٣): ولعل الضم أن يكون لغةً في اسم الصنم. قوله: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ قَرَأهُ العامّةُ غَيْرَ مُجْرًى فيهما، قال أبو حاتم (٤): لأنهما على بناء فِعْلٍ مضارعٍ، وهما على وزن: يَقُومُ ويَقُولُ، وهما -مع ذلك- أعجميانِ معرفةٌ، فلم ينصرفا. وقرأ الأعمش وأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "وَلَا يَغُوثًا وَيَعُوقًا" مصروفين (٥)؛ لأنهما جعلاهما نكرتين، وهذا لا معنى له، إذْ لَيْسَ كُلُّ صَنَمٍ اسْمُهُ يَغُوثُ ويَعُوقُ، إنما هما اسمان لِصَنَمَيْنِ معروفين مخصوصين، فلا وجه لتنكيرهما (٦).

стр. 1547

قوله: ﴿وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ قال مقاتل (١): معناه: أضَلَّ كُبَراؤُهُمْ كَثِيرًا من الناس، ويجوز أن يكون المعنى: أضَلَّ الأصنامُ كثيرًا (٢)، أي: ضَلُّوا بعبادتها وَسَبَبِها، نظيرها قوله - تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٣)، ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ دَعا عليهم نُوحٌ بعد أن أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُمْ لا يؤمنون، وهو قوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٤). قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ يعني: بالطوفان، و"ما" زائدة للتوكيد، أي: من خَطِيئاتِهِمْ، وقرأ أبو عمرو: ﴿خَطاياهُمْ﴾، وهو في موضع خفض بـ "مِنْ"، وكلاهما جمع خطيئة، وقرأ أبو حَيْوةَ والأعمشُ: "خَطِيئَتِهِمْ" (٥) على الواحد. وقوله: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ يعني: فِي الآخرة، ونصب ﴿نَارًا﴾ لأنه مفعولٌ ثانٍ خَبَرٌ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، وجاء لفظ المُضِيِّ بمعنى الاستقبال لصدق الوعد به (٦)،

стр. 1548

وقيل (١): إنهم كانوا يُغْرَقُونَ من جانب، ويَحْتَرِقُونَ من جانب في الدنيا، وأنشد ابن الأنباري: ٤٠٠ - الخَلْقُ مُجْتَمِعٌ طَوْرًا وَمُفْتَرِقٌ... والحادِثاتُ فُنُونٌ ذاتُ أطْوارِ لَا تَعْجَبَنَّ لأضْدادٍ وَإنْ جُمِعَتْ... فاللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ (٢) فصل رُوِيَ عن الحَسَنِ أنه قال: "لَمّا أغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نوحٍ ﵇ عَلَا الماءُ فوق كل شيء، قال: وامرأةٌ منهم معها صَبِيٌّ لَها، فلما غَشِيَها الماءُ صَعِدَت الجَبَلَ، فَصَعِدَ الماءُ إليها، فلما رَأتْ ذلك صَعِدَتْ على صَخْرةٍ فِي الجَبَلِ، فَغَشِيَها الماءُ هِيَ والصخرةَ، فلما غَشِيَها الماءُ رَفَعَتْ صَبِيَّها فوق رَأْسِها فَغَشِيَها، قال الحَسَنُ: فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ أحَدًا منهم لَرَحِمَ تلك المَرْأةَ (٣). ومثل هذا الحديث رُوِيَ عن ابن عباس ﵁ (٤)، ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾ لَمْ يجدوا أحدًا يمنعهم من عذاب اللَّه ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ يعني: أحَدًا يَدُورُ فِي الأرض فيذهب

стр. 1549

ويجيء، ويقال: ما في الدّارِ دَيّارٌ؛ أي: ما بِها أحَدٌ، قال الشاعر: ٤٠١ - وَبَلْدةٍ [لَيْسَ] بِها دَيّارُ لَا راكِبٌ يُرَى وَلَا سَيّارُ (١) وهو "فَيْعالٌ" من الدوران من: دارَ يَدُورُ، على وزن: قام يقوم، ولا يُتَكَلَّمُ به إلّا في الجحد، يقال: ما في الدار أحَدٌ ولا دَيّارٌ، وأصله: دَيْوارٌ، ثم أُدْغِمَت الواو في الياء مثل القَيّام، أصله: قَيْوامٌ (٢)، وقال القُتَيْبِيُّ (٣): أصله من الدار؛ أي: نازِلٌ دارًا. والمعنى: لا تَدَعْ منهم أحَدًا إلا أهْلَكْتَهُ ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾ شرط ﴿يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ جواب الشرط ﴿وَلَا يَلِدُوا﴾ عطف عليه ﴿إِلَّا فَاجِرًا﴾ خارجًا عن طاعتك ﴿كَفَّارًا﴾ لِنِعَمِكَ، والمعنى: ولا وَلَدُوا كقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ (٤)، معناه: فَلَا آمَنُوا.

стр. 1550

وأصل الفجور المَيْلُ عن الحَقِّ، ويُسَمَّى الكاذِبُ فاجِرًا؛ لأنه مالَ عن الحَقِّ، ولذلك قِيلَ لِلْمائِلِ عن الخَيْرِ: فاجِرٌ، وقال بعض الأعراب لِعُمَرَ بن الخطاب ﵁، وكان أتاه، فَشَكا إليه نَقَبَ إبلِهِ ودَبَرَها، واسْتَحْمَلَهُ فلم يُحْمِلْهُ، فأنشأ يقول: ٤٠٢ - أقْسَمَ بِاللَّهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ ما مَسَّها مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ (١) أي: إنْ كان مالَ عن الصدق (٢). قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ يعني لَمَكَ بنَ مَتُّوشَلَخَ، وشَمْخَى بنت أنُوشَ، وكان أبواه مؤمنين، وقرأ سعيد بن جبير: "وَلِوالِدِي" (٣) على الواحد

стр. 1551

﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ﴾؛ أي: داري، وقيل: مسجدي، وقيل: سفينتي ﴿مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ عامٌّ فِي كُلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه وَصَدَّقَ رُسُلَهُ. وقرأ حَفْصٌ وهِشامٌ: ﴿بَيْتِيَ﴾ بفتح الياء، وأسكنها الباقون (١)، ونصب ﴿مُؤْمِنًا﴾ على الحال، ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني قومه ﴿إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ يعني هلاكًا ودمارًا، والتَّبارُ مشتق من التَّبْرِ وهو الهلاك والكَسْرُ، وتَبَرْتُ الشَّيْءَ وَتبَّرْتُهُ: إذا كَسَّرْتَهُ (٢)، فاستجاب اللَّه دُعاءَهُ فأهلكهم، ثم مكث نوح ﵇ بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين سنةً، وكان بَيْنَ آدم ونوحٍ -عليهما [السلام] - ألفا سنة ومائتا سنة (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1552

سورة الجن مكِّية وهي سبعمائة وتسعة وخمسون حرفًا، ومائتان وخمس وثمانون كلمةً، وثمان وعشرون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الجِنِّ أعْطاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ وشَيْطانٍ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَكَذَّبَ بِهِ عِتْقَ رَقَبةٍ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الجِنِّ ألْقَى اللَّهُ في قُلُوبِ الجِنِّ والشَّياطِينِ الخَوْفَ والرَّهْبةَ مِنْهُ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قيل: إنَّهُمْ كانوا تسعةً،

стр. 1553

وقيل: سبعة من جِنِّ نَصِيبِينَ اسْتَمَعُوا قِراءةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وقد تقدم ذِكْرُهُمْ في سورة الأحقاف (١). و"أنَّ" فِي موضع رفع لأنه مفعولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لـ ﴿أُوحِيَ﴾ (٢)، ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ بَلِيغًا، والمعنى: قُرْآنًا ذا عَجَبٍ يُعْجَبُ منه لِبَلَاغَتِهِ ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ يدعو إلَى الصواب من التوحيد والإيمان وترك الشرك والعصيان، ويَحُثُّ على طاعة الرحمن، ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ يعني بذلك القرآن ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ﴾؛ أي: نَعْدِلَ ﴿بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ مِنْ إنْسٍ ولا جانٍّ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾؛ أي: عَظَمةُ رَبِّنا وجَلَالُهُ ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾ زوجةً ﴿وَلَا وَلَدًا (٣)﴾. قرأ أهل الشام والكوفة إلا أبا بكر: ﴿وَأَنَّهُ﴾ بفتح الهمزة من "أنَّهُ" و"أنّا" في اثني عشر موضعًا متواليةً، أولها: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، وآخرها: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ (٣)، وفَتَحَ أبو جعفر ما كان مردودًا على الوحي، وكَسَرَ ما كان حكايةً عن الجِنِّ، وكَسَرَها كُلَّها الباقون (٤)، فمن فَتَحَ فهو معطوف على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، أو على تقدير: وَآمَنّا أنَّهُ، ومَنْ كَسَرَ فعلى الاستئناف. رَوَى عكرمةُ: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ مهو بكسر الجيم على ضِدِّ الهَزْلِ، وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ: "جَدَى رَبِّنا" (٥)، وهو الجَدْوَى والمنفعة، ومعنى الجَدِّ فِي اللغة:

стр. 1554

العَظَمةُ والارتفاع، يقال: جَدَّ فُلَانٌ في الناس: إذا عَظُمَ فِي عيونهم، وَجَلَّ في صدورهم (١)، والجِدُّ أيضًا: هو الاجتهاد في العمل، والجَدُّ: أبو الأب، والجَدَدُ: الطريق يقال منه: جَدَدْتُ أجِدُّ جَدًّا (٢)، والجِدُّ -بالكسر-: الحَقُّ، يقال: جَدَّ فُلَانٌ فِي الأمر يَجِدُّ جِدًّا: إذا صَحَّحَهُ وحَقَّقَ فيه، والجُدُّ: البِئْرُ فِي طُرُقِ الكَلأ (٣)، والجَدُّ: الحَظُّ والبَخْتُ (٤)، ومنه قيل في القُنُوتِ: "وَلَا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" (٥)، أي: لا يَنْفَعُ ذا الحَظِّ منك الغِنَى، وإنما يَنْفَعُهُ العَمَلُ الصالحُ (٦)، وجَمْعُ الجَدِّ أجْدادٌ.

стр. 1555

قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ يعني: جاهِلُنا، وقيل: إبليس ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)﴾ يعني: كَذِبًا وجَوْرًا، وقيل: عُدْوانًا وقَوْلًا عَظِيمًا بأن للَّه شَرِيكًا، وهو منصوب على المصدر (١)، وقيل (٢): بوقوع القول عليه، وأصل الشَّطَطِ البُعْدُ، أي: ما يَبْعُدُ عن صفاته، من: شَطَّتِ الدّارُ: إذا بَعُدَتْ، والسَّفَهُ: رِقّةُ الحِلْمِ، وثَوْبٌ سَفِيهٌ، أي: رَقِيقٌ. ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾؛ أي: حَسِبْنا ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾ كُنّا نَظُنُّهْمْ صادقين بأن للَّه شريكًا وصاحبةً ووَلَدًا، حتى سَمِعْنا القُرْآنَ. قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ يعني إثْمًا وأشَرًا وسَفَهًا وظُلْمًا، وقيل: ضلالةً، وقيل: خطيئةً، وقيل: طُغْيانًا، وقيل: خوفًا، وهو مفعولٌ ثانٍ، والرَّهَقُ في كلام العرب: الإثْمُ وغِشْيانُ المَحارِمِ، ورَجُلٌ راهِقٌ: إذا كان كذلك (٣)، قال الأعشى: ٤٠٣ - لَا شَىْءَ يَنْفَعُنِي مِنْ دُونِ رُؤْيَتِها... هَلْ يَشْتَفِي عاشِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقا (٤)

стр. 1556

وقال ثَعْلَبٌ (١): معنى قوله: ﴿رَهَقًا﴾ يعني: خَسارًا، وأصل الرَّهَقِ غِشْيانُ الشَّيْءِ، يقال: رَهِقَتْنا الشَّمْسُ: إذا قَرُبَتْ، وراهَقَ الغُلَامُ: إذا دَنا من الاحتلام. فصل عن كَرْدَمِ بن أبِي السّائِبِ الأنصاريِّ (٢) قال: خَرَجْتُ مَعَ أبِي إلى المدينة، وذلك أوَّلَ ما ذُكِرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِمَكّةَ، فَآوانا المَبِيتُ إلى راعِي غَنَمٍ، فلما انتصف الليل جاء ذئب، وَأخَذَ حَمَلًا من الغَنَمِ، فَوَثَبَ الراعي، فنادى: يا عامِرَ الوادي! جارَكَ، فَنادَى مُنادٍ لا نَراهُ، يقول: يا سِرْحانُ (٣) أرْسِلْهُ، فإذا بالحَمَلِ يَشْتَدُّ حتى دخل في الغَنَمِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فأنزل اللَّه تعالى على رسوله ﷺ بمكة: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ " (٤)، وذلك أنَّهُمْ كانوا يزدادون بِهَذا التَّعَوُّذِ طُغْيانًا، يقولون: سُدْنا الإنْسَ والجِنَّ. قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ يعني الجن ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ يا معشر الكفار من الإنس ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾ بعد موته ﴿وَأَنَّا﴾ يعني الجن ﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ هو من الالتِماسِ، وليس هو من اللَّمْسِ، ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ من الملائكة

стр. 1557

﴿وَشُهُبًا (٨)﴾ من النجوم التي يُرْجَمُ بِها الشياطينُ الذين يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، قال أوْسُ بن حَجَرٍ -وكان جاهليًّا-: ٤٠٤ - فانْقَضَّ كَالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ... نَقْعٌ تَخالُ عَلَى أرْجائِها طُنُبا (١) ونصب ﴿حَرَسًا﴾ على التفسير، وإن شِئْتَ على خبر ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ (٢)، و"شُهُبًا" عطف عليه. قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ يريد: من السماء ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ فالآن حِينَ حاوَلْنا الاستماعَ رُمِينا بِالشُّهُب، وذلك قوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ لِيُرْمَى بِهِ، و ﴿مَقَاعِدَ﴾ نصب على الظرف. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ يعني: جَماعاتٍ متفرقين وأهواءً مختلفةً، أهْلُ مِلَلٍ شَتَّى، مؤمنون وكافرون، ويهود

стр. 1558

ونصارى، وواحد الطرائق طريقة، والقِدَدُ: الفِرَقُ، واحدتها قِدّةٌ (١)، وأصلها من القَدِّ وهو القَطْعُ، قال لَبِيدٌ يَرْثِي أخاه إرْبِدَ (٢): ٤٠٥ - لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها... لَيْلةَ تُمْسِي الجِيادُ كالقِدَدِ (٣) وقال آخر: ٤٠٦ - وَلَقَدْ قُلْتُ وَزيدٌ حاسِرٌ... يَوْمَ وَلَّتْ خَيْلُ عَمْرٍو قِدَدا (٤) ويُقالُ لِكُلِّ ما قُطِّعَ من الأدِيمِ: قِدّةٌ، وجمعها قِدَدٌ، ويقال: صارَ القَوْمُ قِدَدًا: إذا تَفَرَّقَتْ حالَاتُهُمْ، قال مجاهد (٥): يعني: مسلمين وكافرين، وقال الحسن (٦): الجِنُّ أمْثالُكُمْ، منهم قَدَرِيّةٌ ومُرْجِئةٌ ورافِضةٌ وشِيعةٌ.

стр. 1559

قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ عَلِمْنا وَأيْقَنّا ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لَنْ نَفُوتَهُ إذا أراد بنا أمْرًا ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾ أن نسبقه ﴿هَرَبًا (١٢)﴾ إنْ طَلَبَنا، يعني: أنه يدركنا حيث كُنّا، وهو منصوب على المصدر الذي هو في موضع الحال (١)، وقيل (٢): على التفسير. قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ يعني القرآن ﴿آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: صَدَّقْنا به ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ﴾؛ أي: يُصَدِّقْ به وبما جاء به رسوله محمد ﷺ ، ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾؛ أي: نَقْصًا ﴿وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾؛ أي: ظُلْمًا في قول الفراء (٣)، وقال الأزهريُّ (٤): الرَّهَقُ: اسم من الإرْهاقِ، وهو أن يَحْمِلَ الإنسانُ على نفسه ما لا يُطِيقُ، يقال: أرْهَقْتُهُ أنْ يُصَلِّيَ؛ أي: أعْجَلْتُهُ عن الصلاة، والرَّهَقُ أيضًا: السَّفَهُ والنَّوْكُ، وهو الحُمْقُ، ورفع ﴿يَخَافُ﴾ على جواب الشرط بالفاء كقولك: مَنْ يُكْرِمْنِي فَأُكْرِمُهُ. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ يعني الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ ، ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ الجائرون العادلون عن الحق، يقال: أقْسَطَ الرَّجُلُ فهو مُقْسِطٌ:

стр. 1560

إذا عَدَلَ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١)، وقَسَطَ يَقْسِطُ قُسُوطًا: إذا جارَ (٢)، قال الشاعر: ٤٠٧ - قَوْمٌ هُمُ قَتَلُوا ابْنَ هِنْدٍ عَنْوةً... عَمْرًا وَهُمْ قَسَطُوا عَلَى النُّعْمانِ (٣) أي: جاروا، وأنشد ابن زيد: ٤٠٨ - قَسَطْنا عَلَى الأمْلَاكِ فِي عَهْدِ تُبَّعٍ... وَمِنْ قَبْلِ ما أرْخَى النُّفُوسَ عِقابُها (٤) وقوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)﴾؛ أي: قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ، وعَمَدُوا وأمُّوا الهُدَى وأتَوْهُ، والمعنى: أصابُوا الرَّشَدَ. والتَّحَرِّي كلمة جامعة للقَصْدِ والتَّعَمُّدِ للشيء، يقال: فُلَانٌ يَتَحَرَّى الخَبَرَ: إذا قَصَدَهُ وطَلَبَهُ، ومنه قولهم: هَذا أحْرَى، بِمَعْنَى أوْجَبُ، وتَحَرَّيْتُ الشَّيْءَ أي: قَصدْتُ الواجِبَ فيه.

стр. 1561

فمن جعله مُشْتَقًّا قال: أصله من الحَرا، وهو مَأْوَى الرَّجُلِ وموضعه الذي يكون فيه، ومَنْ لَمْ يَجْعَلْ له اشتقاقًا يقول: هي كلمة جاءت كما جاء سائر الكلام نُطْقًا، لا مأخوذًا من شيء، وقيل: المُتَحَرِّي: المُتَخَلِّقُ لذلك والمُتَعَمِّدُ له، يقال: فُلَان حَرِيّ بكذا وخَلِيقٌ به وقَمِينٌ به وجَدِيرٌ به وعَشِيٌّ به (١). ويقال (٢): أصل هذا كله من المقاربة للشيء، ومنه: تَحَرِّي القِبْلةِ لِمَنْ عُمِّيَتْ عليه، قال امرؤ القيس: ٤٠٩ - دِيمةٌ هَطْلَاءُ فِيها وَطَفٌ... طَبَقُ الأرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّْ (٣) قوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾ الجائرون الظالمون ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ وَقُودًا للنار فِي الآخرة ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ قرأه العامة بكسر الواو،

стр. 1562

وقرأ يحيى والأعمش بضم الواو (١)، وقوله: ﴿الطَّرِيقَةِ﴾ يعني الحق والإيمان والهدى ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ كثيرًا، وذلك بعدما رُفِعَ عنهم المَطَرُ سَبْعَ سِنِينَ، وقيل: لأعطيناهم مالًا كثيرًا وعَيْشًا رَغَدًا، وإنما ضَرَبَ الماءَ الغَدَقَ مَثَلًا لأن الخير كُلَّهُ والرِّزْقَ يكون بالمطر. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾؛ أي: لِنَخْتَبِرَهُمْ، فنَعْلَمَ كيف شُكْرُهُمْ فيما خُوِّلُوا ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ يعني القرآن ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ يعني: شِدّةَ العَذاب الذي لا راحةَ فيه، وهو شرط وجزاء، قرأ الكوفيون ويعقوب وأيوبُ: ﴿يَسْلُكْهُ﴾ بالياء وهي الاختيار، وقرأ مُسْلِمُ بن جُنْدُبٍ (٢): "نُسْلِكْهُ بضم النون وكسر اللام، وقرأ الآخرون بفتح النون وضَمِّ اللام (٣)، وهما لغتان، يقال: سَلَكَهُ وأسْلَكَهُ بِمَعْنًى واحدٍ (٤)، ومعناه: يُدْخِلْهُ عَذابًا صَعَدًا شاقًّا، والمعنى: ذا صَعَدٍ

стр. 1563

أي: ذا مَشَقّةٍ، ونصب ﴿عَذَابًا﴾ لأنه مفعول ﴿يَسْلُكْهُ﴾، بمعنى: في عذاب (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾؛ أي: الأرضُ للَّه، والمساجد للَّه: السُّجُودُ ومَواضِعُهُ من الأرض، والواحد مَسْجِدٌ بكسر الجيم (٢)، وقيل (٣): المَساجِدُ: الأعضاء واحدها مَسْجَدٌ بفتح الجيم، قال رسول اللَّه ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ على سبعة أعْضاءٍ، ولا أكُفَّ شَعَرًا ولا ثَوْبًا" (٤). وقيل (٥): إنه يعني المسجد الحرام ومَسْجِدَ الخَيْفِ ومَسْجِدَ بَيْتِ

стр. 1564

المَقْدِسِ، يقول: إنما بُنِيَتْ لِيُعْبَدَ اللَّهُ تعالى فيها، وقال الحسن (١): معنى قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ يعني: الصلاة للَّه ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ يعني: لا تقولوا كما تقول اليهود والنصارى، بل قولوا: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. فصل عن عَلِيِّ بن أبِي طالب ﵁ أنه قال: "يَأْتِي على الناس زَمانٌ لا يبقى من الإسلام إلا اسْمُهُ، ولا من القرآن إلّا رَسْمُهُ، يَعْمُرُونَ مَساجِدَهُمْ، وهي خَرابٌ من ذِكْرِ اللَّهِ، شرُّ أهْلِ ذلك الزَّمانِ عُلَماؤُهُمْ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الفتنةُ، وَإلَيْهِمْ تَعُودُ" (٢). وعن الحسن البصري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيَأْتِيَنَّ على الناس زمانٌ يكون حَدِيثُهُمْ فِي مَساجِدِهِمْ فِي أُمُورِ دُنْياهُمْ، ليس للَّه فيهم حاجةٌ، فلا تُجالِسُوهُمْ" (٣)، وعن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ قال: "يُؤْتَى بِالمَساجِدِ يَوْمَ القيامة كَأمْثالِ السُّفُنِ مُكَلَّلةً بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَتَشْفَعُ لأهْلِها". وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَحْشُرُ

стр. 1565

اللَّهُ تعالى مَساجِدَ الدُّنْيا كَأنَّها نُجُبٌ بيضٌ (١)، قَوائِمُها مِنَ العَنْبَرِ، وَأعْناقُها مِنَ الزَّعْفَرانِ، وَرُؤوسُها مِنَ المِسْكِ الأذْفَرِ، وَأزِمَّتُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ الأخْضَرِ، والمُؤَذِّنُونَ يَقُودُونَها، والأئِمّةُ يَسُوقُونَها، فَيَعْبُرُونَ مِنْ عَرَصاتِ القِيامةِ (٢) كالبَرْقِ الخاطِفِ، فَيَقُولُ أهْلُ القِيامةِ: هَؤُلَاءِ المَلَائِكةُ المُقَرَّبُونَ والأنْبِياءُ المُرْسَلُونَ، هَؤُلَاءِ أُمّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ صَلاةَ الجَماعةِ" (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ﴿يَدْعُوهُ﴾ يقول: لا إله إلا اللَّه ﴿كَادُوا﴾ يعني الجِنَّ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ يعني: يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَزْدَحِمُونَ وَيَسْقُطُونَ حِرْصًا منهم على استماع القرآن، وأصل اللِّبَدِ: الجَماعاتُ بَعْضُها فوق بَعْضٍ، ومنه قيل لِلْجَرادِ الكثير: لِبَدٌ (٤)، وتَلَبَّدَ الشَّعَرُ: إذا تَراكَبَ، وسُمِّيَ اللِّبَدُ لِبَدًا لِتَراكُمِهِ، ويقال لِلشَّعَرِ الذي على الأسد: لِبْدةٌ، وجمعها لِبَدٌ (٥)، قال زهير: ٤١٠ - لَدَى أسَدٍ شاكِي السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ (٦) ... لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ (٧)

стр. 1566

وفيه أربع لغات: لِبَدٌ بكسر اللام وفتح الباء، وهي قراءة العامة، واختيار الشيخين أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ، واحدتها لِبْدةٌ بكسر اللام، ولُبَدٌ بضم اللام وفتح الباء، وهي قراءة أبِي حَيْوةَ وهشامٍ، واحدتها لُبْدةٌ (١)، ولُبُدٌ بضم اللام والباء، وهي قراءة مجاهد وإبن محيصن، وإحدتها لُبْدٌ بضم اللام (٢)، و"لُبَّدٌ" بتشديد الباء وفتحها، وهي قراء الحَسَنِ والجَحْدَرِيِّ وأبِي جعفر (٣)، واحدتها لابِدٌ مثل راكِعٍ ورُكَّعٍ وساجِدٍ وسُجَّدٍ (٤).

стр. 1567

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ إنْ عَصَيْتُهُ لَمْ يمنعني منه أحَدٌ ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يعني: مَلْجَأً وجِوارًا وحِرْزًا أميل إليه، والمُلْتَحَدُ معناه في اللغة: مَمالٌ، والمعنى: موضعا أمِيلُ إليه في الالتجاء (١)، ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ فإن فيه الجِوارَ والنَّجاءَ والأمانَ، ونصب ﴿بَلَاغًا﴾ على الاستثناء المنقطع (٢). قال مقاتل: قال كفار قريش للنبي ﷺ إنك أتَيْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ نسمع بمثله، وقد عادَيْتَ النّاسَ كُلَّهُمْ، فارجع عن هذا الأمر، فنحن نُجِيرُكَ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد: في التوحيد ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ جواب الشرط ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ يعني: من العذاب يوم القيامة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ عند نزول العذاب ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ هُمْ أم المؤمنون؟ ﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾ يعني: جُنْدًا، ونصب ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال، و ﴿أَبَدًا﴾ على الظرف، و ﴿نَاصِرًا﴾ و ﴿عَدَدًا﴾ على التفسير. فلما سمعوا هذا، يعني: كفار قريش، قال النضر بن الحارث: ما هذا

стр. 1568

الذي تُوعِدُنا به يا محمد؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾؛ أي: ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ ابتداء وخبر، يعني: من العذاب، وقيل: القيامة ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾ أجَلًا وغايةً وبُعْدًا، قال عطاء: يريد أنه لا يعرف متى يوم القيامة إلّا اللَّهُ وَحْدَهُ. والمعنى: أنَّ عِلْمَ وَقْتِ العَذابِ غَيْبٌ، ولا يعلمه إلا اللَّه، وذلك قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ يعني: غيب كل شيء، لا يعلم ذلك غيره ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾؛ أي: فلا يُطْلِعُ على الغيب الذي يعلمه أحَدًا من الناس. ثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ يعني جبريل ﵇، وقيل (١): يعني الرسل؛ لأنه يُسْتَدَلُّ على نُبُوَّتهِمْ بالآية المُعْجِزةِ بِأنْ يُخْبِرُوا بالغيب، والمعنى: إلّا من ارتضاه للنبوة والرسالة، فإنه يَصْطَفِيهِ ويُطْلِعُهُ على ما يشاء أنْ يُطْلِعَهُ عليه من غَيْبِهِ. وفي هذه الآية دليل على أن من إدَّعَى أن النجوم تَدُلُّهُ على ما يكون من حادث، فقد كفر بما في القرآن (٢). و ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ رفع على نعت الرب تعالى، وقيل: معناه: هو عالِمُ الغَيْبِ، و ﴿مَنِ﴾ في موضع نصب على الاستثناء (٣).

стр. 1569

ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يُطْلِعُ عليه الرسولَ، فقال: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾؛ أي: يجعل بين يديه وخَلْفَهُ رَصَدًا من الملائكة؛ أي: حَفَظةً يحفظون الوحي من الشياطين واستماع الجن، لِئَلّا يَسْتَرِقُوهُ فَيُلْقُوهُ إلى كَهَنَتِهِمْ. وقال مقاتل وغيره (١): كان اللَّه تعالى إذا بعث رسولًا أتاه إبليسُ في صورة جبريل يخبره، فبعث اللَّه تعالى مِنْ بين يديه ومن خلفه رَصَدًا من الملائكة، يحيطون بالرسول ويحرسونه ويطردون عنه الشياطين، فلما جاء الشيطان في صورة مَلَكٍ قالوا: هذا شَيْطانٌ فاحْذَرْهُ، وإذا جاءه مَلَكٌ قالوا: هذا رَسُولُ رَبِّكَ. ونصب ﴿رَصَدًا﴾ على المصدر؛ أي: يَرْصُدُونَهُ رَصَدًا (٢)؛ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ قرأ ابن عباس ويعقوب بضم الياء (٣)؛ أي: ليعلم الناس أن الرسل ﴿قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وقرأ الآخرون بفتح الياء؛ أي: لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ محمدٌ ﷺ أن الرُّسُلَ قبله قد أبْلَغُوا رسالات ربهم كما بَلَّغَ هُوَ (٤)، إذْ كانوا محروسين من الشياطين.

стр. 1570

وقيل (١): الضمير فِي قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ يعود على اللَّه ، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ يعني: عَلِمَ اللَّهُ ما عند الرسل فَلَمْ يَخْفَ عليه شَيْءٌ ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ قال ابن عباس (٢): أحْصَى ما خَلَقَ، وعَرَفَ عَدَدَهُمْ، لَمْ يَفُتْهُ عِلْمُ شَيْءٍ حتى مَثاقِيلَ الذَّرِّ والخَرْدَلِ. ونصب ﴿عَدَدًا﴾ على الحال (٣)، وقيل (٤): على البيان، وقيل (٥): على المصدر أي: عَدَّهُ عَدَدًا، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1571

سورة المُزّمِّل مكية إلّا قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلَى آخر السورة فَمَدَنِيٌّ، وهي ثمانمائة وثلاثون حرفًا، ومائتانِ وخَمْسٌ وثمانون كلمةً، وعشرون آيةً فِي الكوفِيِّ. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ العُسْرَ فِي الدُّنْيا والآخِرةِ" (١)، وَرُوِيَ أنَّ مَنْ قَرَأها هَوَّنَ اللَّهُ عليه شِدّةَ الدُّنْيا والآخِرةِ (٢). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُزُّمِّلِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كانَتْ مِثْلَ عَدَدِ القَطْرِ والحَصَى" (٣). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؛ أي: المُتَلَفِّفُ بِثَوْبِهِ، وقيل: المُتَحَمِّلُ

стр. 1572

أعْباءَ النُّبُوّةِ، قرأه العامة: ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ بتشديد الزاي وكسر الميم، يريد: المُتَزَمِّلُ بِثِيابِهِ مِنَ الرِّعْدةِ والفَزَعِ حين رَأى المَلَكَ، يعني جبريل ﵇، وقرأ عكرمة (١) بتخفيف الزاي وفتح الميم؛ أي: المُحَمَّلُ هذا الأمرَ، ومنه الزّامِلةُ، وأصله المُتَزَمِّلُ، فأدغمت التاء فِي الزاي (٢)، ومنه: ﴿المُدَّثِّرُ﴾، يقال: تَزَمَّلَ وتَدَثَّرَ بِثَوْبِهِ: إذا تَغَطَّى به، وزَمَّلَ غَيْرَهُ: إذا غَطّاهُ، قال امرؤُ القيس: كَأنَّ ثَبِيرًا فِي عَرانِينِ وَبْلِهِ... كَبِيرُ أُناسٍ فِي بِجادٍ مُزَمَّلِ (٣) وقال السُّدِّيُّ (٤): معناه: يا أيها النّائِمُ قُمْ فَصَلِّ، وكان النبيُّ ﷺ قد تَزَمَّلَ للنوم، وإنما خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيةِ في أوِّلِ ما بُدِئَ بالوحي، ولَمْ يَكُنْ قد بُلِّغَ شيئًا قبل ذلك، ثم خُوطِبَ بعد ذلك بالنبي والرسول. وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ قرأه العامة بكسر الميم، وقرأ أبو السَّمّالِ العَدَوِيُّ بضم الميم (٥) ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ نصب على الاستثناء، وكان قيام الليل فريضةً على رسول اللَّه ﷺ ، وتقدير الآية: قُمِ الليل نِصْفَهُ إلا قليلًا، أي: قُمْ نِصْفَ

стр. 1573

الليل، يعني: صَلِّ من الليل النِّصْفَ إلّا قَلِيلًا، ولهذا بَيَّنَهُ فقال: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾ يريد: إلَى الثُّلُثِ، ونصب ﴿نِصْفَهُ﴾ على البدل من ﴿اللَّيْلَ﴾ (١)، وهو نصب على الظرف، وقيل: على إضمار: قُمْ نِصْفَهُ، وهما ظرفا زمانٍ. ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ يريد: على النصف إلَى الثُّلُثَيْنِ ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾، أي: بَيِّنْهُ بَيانًا، والتَّرْتِيلُ في القراءة: التَّبْيِينُ لَها، كأنه يَفْصِلُ بَيْنَ الحَرْفِ والحَرْفِ، ومنه قيل: ثَغْرٌ رَتَلٌ وَرَتِلٌ: إذا كاَن مُفَلَّجًا لا يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا (٢)، وهو مصدر جاء على خلاف اللفظ لتأكيد المعنى، قال الشاعر: ٤١١ - ذِئابٌ تَحْفِرُ التُّرْبَ احْتِفارا (٣) قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ قال قتادة (٤): ثَقِيلٌ -واللَّه- فَرائِضُهُ وحُدُودُهُ، وقيل (٥): ثَقِيلٌ بالوعد والوعيد والحلال والحرام.

стр. 1574

وقيل (١): قَوْلًا ثَقِيلًا لا يَحْمِلُهُ إلّا قَلْبٌ مُؤَيَّدٌ بالتوفيق ونَفْسٌ مُزَيَّنةٌ بالتوحيد، وقيل (٢): معناه: قَوْلًا خَفِيفًا على اللسان ثَقِيلًا فِي الميزان. فصل عن عائشة ﵂ قالت: سأل الحارثُ بن هشام (٣) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! كيف يأتيك الوَحْيُ؟ فقال: "أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّ عَلَىَّ، فَيَنْفَصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ ما قالَ، وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ فِي صُورةِ رَجُلٍ فَأعِي ما يقول"، قالت عائشةُ: "وَلَقَدْ رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عليه فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيَنْفَصِمُ عنه وَإن جَبِينَهُ لَيَرْفَضُّ عَرَقًا" (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ يعني ساعاته كلها، فَكُلُّ ساعة منه ناشِئةٌ،

стр. 1575

سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها تَنْشَأُ، ومنه: نَشَأتِ السَّحابةُ: إذا زادَتْ، وأنْشَأها اللَّهُ (١)، وجمعها ناشِئاتٌ، وقيل (٢): ناشئة الليل هي القيام بعد النوم، وقيل (٣): هي القيام مِنْ آخِرِ الليل، وقال المفسرون (٤): اللَّيْلُ كُلُّهُ ناشِئةٌ. وقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أي: أثْبَتُ قِيامًا، قرأ أبو عمرو وابن عامر وابن محيصن: "وِطاءً" (٥) بكسر الواو ممدودًا على "فِعالٍ" بمعنى المُواطَأةِ والمُوافَقةِ، وهو أن يُوَطِّئَ المُصَلِّي قَلْبَهُ وسَمْعَهُ وبَصَرَهُ ولسانَهُ (٦)، وقرأ الباقون بفتح الواو مقصورًا؛ أي: فَراغًا لِلْقَلْبِ.

стр. 1576

والمعنى: أن صلاة الليل أشَدُّ على المُصَلِّي من صلاة النهار؛ لأن الليل للنوم، وذلك أن الإنسان إذا نامَ لَمْ يَدْرِ مَتَى يَسْتَيْقِظُ (١)، ومنه قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى مُضَرَ" (٢). فمن كَسَرَ الواوَ ومَدَّ نَصَبَهُ على المصدر، يقال: واطَأْتُ فُلَانًا على كذا مُواطَأةً وَوِطاءً: إذا وافَقْتَهُ عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٣)، ومَنْ فَتَحَ الواوَ وقَصَرَ نَصَبَهُ على البيان (٤). قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ يعني: قَوْلًا؛ أي: وَأشَدُّ استقامةً، وأصْوَبُ قِراءةً وعِبادةً، وأتَمُّ إخْلاصًا وبَرَكةً، وهو منصوب على التفسير. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ قرأه العامة بالحاء المهملة غير المعجمة، يعني: فَراغًا وَسَعةً لِنَوْمِكَ وَتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ، وأصل السَّبْحِ: سُرْعةُ الذَّهابِ، ومنه السباحة في الماء لِتَقَلُّبِ السّابِحِ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وفَرَسٌ سابِحٌ: إذا كان شَدِيدَ الجَرْيِ (٥)، قال الشاعر:

стр. 1577

٤١٢ - أباحُوا لَكُمْ شَرْقَ البِلَادِ وَغَرْبَها... فَفِيها لَكُمْ يا صاحِ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ (١) وقال آخر: ٤١٣ - أعَزُّ مَكانٍ فِي الدُّنا سَرْجُ سابِحٍ... وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمانِ كتابُ (٢) وقرأ يحيى بن يَعْمُرَ وعكرمةُ: "سَبْخًا" (٣) بالخاء المعجمة، أراد: خِفّةً وسَعةً واستراحةً للأبدان بالنوم، والتَّسْبِيخُ: توسيع القطن والصوف وَتَنْفِيشُهُما، يُقالُ للمرأة: سَبِّخِي قُطْنَكِ أي: وَسِّعِيهِ وَنَفِّشِيهِ (٤)، ويقال لِقِطَعِ القُطْنِ: سَبائِخُ (٥)، قال الأخطل يَصِفُ القُنّاصَ والكِلَابَ: ٤١٤ - فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ كَما... يُذْرِي سَبائِخُ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتارِ (٦)

стр. 1578

وقال ثَعْلَبٌ (١): السَّبْحُ: التَّرَدُّدُ والاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ والسُّكُوتُ. ومنه قول النبي ﷺ : "الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَسَبِّخُوها بالماءِ" (٢)؛ أي: سَكِّنُوها، والتَّسْبِيخُ أيضًا: التخفيف، يقال: اللَّهُمَّ سَبِّخْ عنه الحُمَّى؟ أي: خَفِّفْها عنه، وسَمِعَ رسولُ اللَّه ﷺ عائشةَ ﵂ تَدْعُو على سارق، فقال: "لا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعائِكِ عَلَيْهِ" (٣)؟ أي: لا تُخَفِّفِي عنه من وِزْرِهِ بدعائك عليه، وقال الخليل ﵀ (٤): التَّسْبِيخُ: النَّوْمُ.

стр. 1579

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ بالتوحيد والتعظيم ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ أي: أخْلِصْ للَّه في الدعاء، وانْقَطِعْ إليه في العبادة انقطاعًا، وهو رفض الدنيا وما فيها، والتِماسُ ما عند اللَّه تعالى. وأصل البَتْلِ في اللغة: القَطْعُ وتَمْيِيزُ الشيء من الشيء، يقال: بَتَلْتُ الشَّيْءَ، أي: قَطَعْتُهُ، وصَدَقةٌ مَبْتُولةٌ أي: مقطوعة عن صاحبها وخارجة إلى اللَّه تعالى، لا قدرة له عليها (١)، وقد نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن التَّبَتُّلِ (٢)، وهو الانقطاع عن النكاح، ومنه قيل لِمَرْيَمَ العَذْراءِ: البَتُولُ لانقطاعها عن الأزواج، وسُمِّيَتْ فاطمةُ ﵂: البَتُولَ، أي: المُنْقَطِعةَ إلى اللَّه تعالى بعبادتها، وقال ثعلبٌ (٣): سُمِّيَتْ بذلك لانقطاعها عن نساء زمانها دِينًا وحَسَبًا وفضلًا، قال امرؤ القيس: ٤١٥ - تُضِيءُ الظَّلَامَ بِالعَشاءِ كَأنَّها... مَنارةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ (٤)

стр. 1580

وتَبْتَيلٌ "تَفْعِيلٌ" منه، يقال: بَتَّلَهُ فَتبَتلَ، ومعنى "تَبَتَّلْ إلَيْهِ"؛ أي: بَتِّلْ إلَيْهِ نَفْسَكَ، فلذلك جاء ﴿تَبْتِيلًا﴾، وهو مصدر جاء على غير الصدر زِيادةَ تَوْكِيدٍ (١). قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ قال وهب بن مُنبَهٍ: رَبُّ المشرق حين تشرق الشمس، ورب المغرب حين تغرب الشمس، قال ابن عباس: تطلع الشمس عند مدينة يقال لها: جابَلْقُ (٢)، لها ألف باب، على كل باب منها ألف حَرَسِيٍّ (٣)، وهم الذين ذكرهم اللَّهُ في كتابه فقال: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ
следующие страницы →