← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

والمعنى: أن صلاة الليل أشَدُّ على المُصَلِّي من صلاة النهار؛ لأن الليل للنوم، وذلك أن الإنسان إذا نامَ لَمْ يَدْرِ مَتَى يَسْتَيْقِظُ (١)، ومنه قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى مُضَرَ" (٢). فمن كَسَرَ الواوَ ومَدَّ نَصَبَهُ على المصدر، يقال: واطَأْتُ فُلَانًا على كذا مُواطَأةً وَوِطاءً: إذا وافَقْتَهُ عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٣)، ومَنْ فَتَحَ الواوَ وقَصَرَ نَصَبَهُ على البيان (٤). قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ يعني: قَوْلًا؛ أي: وَأشَدُّ استقامةً، وأصْوَبُ قِراءةً وعِبادةً، وأتَمُّ إخْلاصًا وبَرَكةً، وهو منصوب على التفسير. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ قرأه العامة بالحاء المهملة غير المعجمة، يعني: فَراغًا وَسَعةً لِنَوْمِكَ وَتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ، وأصل السَّبْحِ: سُرْعةُ الذَّهابِ، ومنه السباحة في الماء لِتَقَلُّبِ السّابِحِ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وفَرَسٌ سابِحٌ: إذا كان شَدِيدَ الجَرْيِ (٥)، قال الشاعر:

стр. 1577

٤١٢ - أباحُوا لَكُمْ شَرْقَ البِلَادِ وَغَرْبَها... فَفِيها لَكُمْ يا صاحِ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ (١) وقال آخر: ٤١٣ - أعَزُّ مَكانٍ فِي الدُّنا سَرْجُ سابِحٍ... وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمانِ كتابُ (٢) وقرأ يحيى بن يَعْمُرَ وعكرمةُ: "سَبْخًا" (٣) بالخاء المعجمة، أراد: خِفّةً وسَعةً واستراحةً للأبدان بالنوم، والتَّسْبِيخُ: توسيع القطن والصوف وَتَنْفِيشُهُما، يُقالُ للمرأة: سَبِّخِي قُطْنَكِ أي: وَسِّعِيهِ وَنَفِّشِيهِ (٤)، ويقال لِقِطَعِ القُطْنِ: سَبائِخُ (٥)، قال الأخطل يَصِفُ القُنّاصَ والكِلَابَ: ٤١٤ - فَأرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرابَ كَما... يُذْرِي سَبائِخُ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتارِ (٦)

стр. 1578

وقال ثَعْلَبٌ (١): السَّبْحُ: التَّرَدُّدُ والاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ والسُّكُوتُ. ومنه قول النبي ﷺ : "الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَسَبِّخُوها بالماءِ" (٢)؛ أي: سَكِّنُوها، والتَّسْبِيخُ أيضًا: التخفيف، يقال: اللَّهُمَّ سَبِّخْ عنه الحُمَّى؟ أي: خَفِّفْها عنه، وسَمِعَ رسولُ اللَّه ﷺ عائشةَ ﵂ تَدْعُو على سارق، فقال: "لا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعائِكِ عَلَيْهِ" (٣)؟ أي: لا تُخَفِّفِي عنه من وِزْرِهِ بدعائك عليه، وقال الخليل ﵀ (٤): التَّسْبِيخُ: النَّوْمُ.

стр. 1579

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ بالتوحيد والتعظيم ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ أي: أخْلِصْ للَّه في الدعاء، وانْقَطِعْ إليه في العبادة انقطاعًا، وهو رفض الدنيا وما فيها، والتِماسُ ما عند اللَّه تعالى. وأصل البَتْلِ في اللغة: القَطْعُ وتَمْيِيزُ الشيء من الشيء، يقال: بَتَلْتُ الشَّيْءَ، أي: قَطَعْتُهُ، وصَدَقةٌ مَبْتُولةٌ أي: مقطوعة عن صاحبها وخارجة إلى اللَّه تعالى، لا قدرة له عليها (١)، وقد نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن التَّبَتُّلِ (٢)، وهو الانقطاع عن النكاح، ومنه قيل لِمَرْيَمَ العَذْراءِ: البَتُولُ لانقطاعها عن الأزواج، وسُمِّيَتْ فاطمةُ ﵂: البَتُولَ، أي: المُنْقَطِعةَ إلى اللَّه تعالى بعبادتها، وقال ثعلبٌ (٣): سُمِّيَتْ بذلك لانقطاعها عن نساء زمانها دِينًا وحَسَبًا وفضلًا، قال امرؤ القيس: ٤١٥ - تُضِيءُ الظَّلَامَ بِالعَشاءِ كَأنَّها... مَنارةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ (٤)

стр. 1580

وتَبْتَيلٌ "تَفْعِيلٌ" منه، يقال: بَتَّلَهُ فَتبَتلَ، ومعنى "تَبَتَّلْ إلَيْهِ"؛ أي: بَتِّلْ إلَيْهِ نَفْسَكَ، فلذلك جاء ﴿تَبْتِيلًا﴾، وهو مصدر جاء على غير الصدر زِيادةَ تَوْكِيدٍ (١). قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ قال وهب بن مُنبَهٍ: رَبُّ المشرق حين تشرق الشمس، ورب المغرب حين تغرب الشمس، قال ابن عباس: تطلع الشمس عند مدينة يقال لها: جابَلْقُ (٢)، لها ألف باب، على كل باب منها ألف حَرَسِيٍّ (٣)، وهم الذين ذكرهم اللَّهُ في كتابه فقال: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ

стр. 1581

مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ (١)، وتغرب الشمس عند مدينة يقال لها: جابَرْسُ (٢)، لها ألف باب، على كل باب منها ألف حَرَسِيٍّ، فيتضاعفون فرقًا منهم، فلولا صِياحُهُمْ لسمعتم وَجِيبَها إذ هي سقطت. قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وحَفصٌ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ بالرفع على الابتداء (٣)، وخبره: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ يعني: كفيلًا بما وَعَدَكَ أنه سيفعله لك، وقيل (٤): هو رفع على إضمار "هُوَ"، وقرأ الباقون بالخفض (٥) على نعت الرب، وقيل: على البدل من قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾. قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ لك يا محمد من التكذيب والأذي

стр. 1582

﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ لا جَزَعَ فيه، وهذه الآية نَسَخَتْها آيةُ القتال (١). قوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾؛ أي: خَلِّ بَيْنِي وبينهم، فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾، واللَّهُ تعالى يفعل ما يشاء لا يَحُولُ بينه وبين ما أراده شَيْءٌ ولا حائِلٌ دونه؟ قيل: إن العرب إذا أرادت أن تأمر الإنسان بإزالة هَمِّهِ تقول: ذَرْنِي فَإنِّي أكْفِيكَهُ، وكذلك قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (٢)، يعني الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه المخزومي، ونصب "المُكَذِّبِينَ" عطفًا على النون والياء أو مفعول معه (٣). وقوله: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ يعني: ذَوِي الغِنَى وكثرة المال، وإنما كُتْبَتْ ﴿أُولِي﴾ بزيادة واو بعد الألف فَرْقًا بينه وبين "إلى" (٤)، ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ تهديد ووعيد، نزلت هذه الآية في صناديد قريش المكذبين المستهزئين، قالت عائشة ﵂: "لَمّا نَزَلَتْ هذه الآيةُ لَمْ يَكُنْ إلا يَسِيرًا حتى كانت وَقْعةُ بَدْرٍ" (٥).

стр. 1583

والنَّعْمةُ -بفتح النون-: سَعةُ العَيْشِ والرّاحةُ والتَّنَعُّمُ والثروة، والنُّعْمةُ بضم النون: المَسَرّةُ، والنِّعْمةُ بكسر النون: المِنّةُ، يقال: نَعْمَ وَنَعْمةَ وَنُعْمةَ عَيْنٍ ونُعْمَى عَيْنٍ (١)، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على النعت لمصدر محذوف أو لظرف محذوف تقديره: إمْهالًا قَلِيلًا أو وَقْتًا قَلِيلًا (٢). قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾؛ أي: عندنا ﴿أَنْكَالًا﴾ يعني: قُيُودًا عِظامًا في أرْجُلِ أهْلِ النار، لا تُفَكُّ أبَدًا، وقيل (٣): الأنْكالُ: الأغلال، واحدها: نِكْلٌ، ﴿وَجَحِيمًا (١٢)﴾ يعني: عظيمًا من النار ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ غير سائِغ يأخذ بالحلق، لا هو نازِلٌ، ولا هو خارِجٌ، وهو الغِسْلِينُ والزَّقُّومُ والضَّرِيعُ، ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ وَجِيعًا.

стр. 1584

فصل عن ابن عُمَرَ ﵁ أن النبي ﷺ سَمِعَ قارِئًا يقرأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾، فَصُعِقَ (١). وعن خُلَيْدِ بن حَسّانَ الهَجَرِيِّ (٢) قال: "أمْسَى الحَسَنُ صائمًا، فلما أُتيَ بإفطاره عَرَضَت له هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾، فَتقَلَصَتْ يَدُهُ عن عَشائِهِ، فقال: ارفعوه فَرُفِعَ، فأصبح صائمًا، فلما أُتِيَ بإفطاره عَرَضَتْ له أيضًا هذه الآية فَرُفِعَ، فلما كانت الليلة الثالثة أُتِيَ بالطعام، فَعَرَضَتْ له. هذه الآيةُ، فانْطَلَقَ ابْنُهُ إلى ثابتٍ البَنانِيِّ ويَزِيدَ الضَّبِّيِّ (٣) ويحيى البَكّاءِ (٤) وناسٍ من أصحابه، فقال: أدْرِكُوا أبي، فإنه لَمْ يَذُقْ طَعامًا منذ ثلاثة أيام، كُلَّما قَرَّبْنا إليه الطعامَ ذَكَرَ هذِهِ الآيةَ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾، فَيَتْرُكُهُ، فَأتَوْهُ فَلَمْ يَزالوا به حتى أسْقَوْهُ شَرْبةً من سَوِيقٍ" (٥).

стр. 1585

ثم أخبر متى يكون ذلك، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ أي: تتحرك وتضطرب بمَنْ عليها، والرَّجْفةُ: الحركة، ونصب ﴿يَوْمَ﴾ على الظرف (١) ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ يعني: رَمْلًا سائِلًا مُتَناثِرًا إذا مَسِسْتَهُ تَتابَعَ، يقال لكل ما أرْسَلْتَهُ من يَدِكَ من رَمْلٍ أو تُرابٍ أو نحو ذلك: قد هِلْتُهُ أهِيلُهُ هَيْلا (٢)، يعني أن الجبال فتتَتْ من زَلْزَلَتِها، حتى صارت كالرمل المُذْرَى، وأصله مَهْيُولٌ "مفعول" من قول القائل: هِلْتُ الرَّمْلَ فأنا أهِيلُهُ هَيْلًا، وذلك أنه إذا تَحَرَّكَ أسْفَلُهُ انْهالَ عليه مِنْ أعلاه (٣)، يقال: مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ ومَكِيلٌ ومَكْيُولٌ ومَعِينٌ ومَعْيُونٌ (٤)، قال الشاعر:

стр. 1586

٤١٦ - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسِبُونَكَ سَيِّدًا... وَإخالُ إنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ (١) قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يعني النبي ﷺ ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ يعني موسى ﵇، ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ يعني موسى ﵇، وهذا محمول على العهد بلا خلاف ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾ يعني فرعون ﴿أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ يعني شديدًا وَخِيمًا صَعْبًا ثَقِيلًا، يقال: ماءٌ وَبِيلٌ أي: وَخِيمٌ لا يُسْتَمْرَأُ وَتَضُرُّ عاقِبَتُهُ، والوَبِيلُ: الوَخِيمُ ضِدُّ المَرِيء، وكذلك يقال: كَلأٌ مُسْتَوْبَلٌ وطَعامٌ مُسْتَوْبَلٌ: إذا لَمْ يُسْتَمْرَأْ، ويقال للمطر الشديد: وابِلٌ (٢)، ومنه ماءُ الوَبالُ (٣)، قالت الخنساء: ٤١٧ - لَقَدْ أكَلَتْ بَجِيلةُ يَوْمَ لَاقَتْ... فَوارِسَ مالِكٍ أكْلًا وَبِيلَا (٤)

стр. 1587

وتقول العرب: لقد أُوبِلَ عليك الشَّرُّ، أي: تُوبِعَ، ومعنى الآية: عاقَبْناهُ عُقُوبةً غَلِيظةً وهو الغَرَقُ، وهذا تخويفٌ لأهل مكة. قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾؛ أي: عذاب يوم ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ يعني شُمْطًا، وَصْفٌ لذلك اليوم من هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ، كما يقال: هذا أمْرٌ يَشِيبُ فيه الوَلِيدُ: إذا كان عظيمًا شديدًا، وهو يوم يَسْكَرُ فيه الكَبِيرُ من غير شراب، ويَشِيبُ فيه الصغير من غير كِبَرٍ، من أهوال يوم القيامة. وهذا مَثَلٌ يُضرَبُ لِشِدّةِ كُلِّ أمْرٍ وُصِفَ بالشدة، كما تقول العرب: حَتى يَبْيَضَّ القارُ وتَشِيبُ النَّواصِي (١). و ﴿شِيبًا﴾ جَمْعُ أشْيَبَ، ونصب ﴿يَوْمًا﴾ بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾، وليس بظرف لـ ﴿كَفَرْتُمْ﴾، لأنهم لا يكفرون ذلك اليومَ (٢)، والمعنى: إذْ كَفَرْتُمْ فِي الدنيا، يعني: لا سبيل لكم إلى التقوى، ولا تنفعكم التقوى إذا وافَيْتُمْ يَوْمَ القيامة. وقرأ ابن مسعود وعَطِيّةُ (٣): "فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا إنْ

стр. 1588

كَفَرْتُمْ" (١) على التقديم والتأخير، وقرأ أبو السَّمّالِ العَدَوِيُّ: "فَكَيْفَ تَتَّقُونِ" (٢) بكسر النون على الإضافة. ثم زاد في وَصْفِ هَوْلِ ذلك اليومِ، فقال: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ابتداء وخبر، يعني: مُنْشَقّةٌ بذَلِكَ اليَوْمِ من هوله لِنُزُولِ الملائكة، كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (٣)، ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ نعت للسماء، وإنما أتى ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ بغير هاء، والسماءُ مؤنثةٌ؛ لأنه بمعنى النَّسَبِ؛ أي: السماءُ ذاتُ انْفِطارٍ (٤)، وقيل (٥): إنما ذَكَّرَ لأن السماء بمعنى السَّقْفِ، والسَّقْفُ مُذَكَّرٌ، وقال الفراء (٦): السماء يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فأتى ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ على التذكير، قال الشاعر: ٤١٨ - فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا... لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ (٧)

стр. 1589

وقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ يعني: كائِنًا بكل ما وَعَدَ من البعث والحساب والثواب والعقاب ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ يعني السورة والآيات ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ موعظة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ بالإيمان والطاعة والتصديق. قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ﴾ يا محمد ﴿تَقُومُ﴾ يعني: إلَى الصلاة ﴿أَدْنَى﴾؛ أي: أقْرَبَ ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾، وقرأ هشام ساكنة اللام (١) ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ نصبه أهل مكة والكوفة على معنى: وَتَقُومُ نِصْفَهُ وثُلُثَهُ، وقيل: مَنْ نَصَبَ عَطَفَهُ على ﴿أَدْنَى﴾، وهو في موضع نصب، وَخَفَضَهُ الباقون (٢) عطفًا على ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾. ثم قال: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ يعني: من المؤمنين، كانوا يقومون معه أيضًا نِصفَهُ وثُلُثَهُ، ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾؛ أي: أنه يعلم مقادير الليل والنهار، فيعلم القَدْرَ الذي يقومونه من الليل ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾؛ أي: لن تطيقوا معرفة ذلك ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: فعاد عليكم، وتَجاوَزَ عنكم بالعَفْوِ والتخفيف ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ يعني: في الصلاة من غير أن يُؤَقِّتَ وَقْتًا، قال الحَسَنُ (٣): هو ما يُقْرَأُ فِي صلاة المغرب والعشاء.

стр. 1590

ثم ذكر عذرهم، فقال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ فلا يُطِيقُونَ قِيامَ اللَّيْلِ، و ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، والهاء مضمرة، و ﴿سَيَكُونُ﴾ الخَبَرُ، تقديره: عَلِمَ أنَّهُ سَيَكُونُ، ومثله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (١)، تأويله: أفلا يعلمون أنه لا يَرْجِعُ إليهم قولًا، وأتى ﴿سَيَكُونُ﴾ على لفظ التذكير لأن تأنيث ﴿مَرْضَى﴾ غير حقيقي. قوله: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: للتجارة ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ أي: يطلبون الرزق ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فلا يطيقون قيام الليل، فهذه رُخْصة من اللَّه تعالى لَهُمْ بعد التشديد و"آخَرُونَ" عطف على ﴿مَرْضَى﴾. قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ يعني: من القرآن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني: أتِمُّوا الصلواتِ الخَمْسَ بوضوئها وركوعها وسجودها والمواظبة عليها فِي مواقيتها ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: أعطوا الزكاة المفروضة من أموالكم، وهما فريضتان واجبتان، لا رخصة فيهما ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ طَيِّبةً بها نُفُوسُكُمْ، يريد صدقةَ التطوِع وصلةَ الرحم وقِرَى الضَّيْفِ ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ يعني من صَدَقةِ فرِيضةٍ أو تَطَوُّعٍ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: تجدوا ثوابه في الآخرة ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ يعني: من الشُّحِّ والتَّقصِير ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ يعني: أفضل أجْرًا من ذلك الذي قَدَّمْتُمُوهُ لو لَمْ تكونوا قَدَّمْتُمُوهُ. ونصب ﴿خَيْرًا﴾ و ﴿أَعْظَمَ أَجْرًا﴾ على أنه مفعول ثانٍ لـ ﴿تَجِدُوهُ﴾، وقيل: على الخبر لـ ﴿تَجِدُوهُ﴾، قاله الخليلُ (٢)، و ﴿أَجْرًا﴾ على التفسير، و ﴿هُوَ﴾ فصل في

стр. 1591

قول البصريين، وعِمادٌ في قول الكوفيين، لا محل له من الإعراب (١) ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من ذنوبكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُور﴾ لذنوب المؤمنين ﴿رَحِيمٌ (٢٠)﴾ بِهِمْ. فصل عن أبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصَّلاةُ عِمادُ الإسْلَامِ، والجِهادُ سَنامُ العَمَلِ، والصَّدَقةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ"، قيل: يا رسول اللَّه: فَأيُّ الصَّدَقةِ أفْضَلُ؟ قال: "أكْثَرُها فَأكْثَرُها"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢)، قيل: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؟ قال: "فَعَفْوُ طَعامِهِ" -يعني: قُوتَهُ-، قيل: فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قال: "يَتَّقِ النّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ"، قيل: فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قال: "يَكُفُّ نَفْسَهُ وَلَا يَظْلِمُ النّاسَ" (٣). وعن أبِي الدَّرْداءِ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما طَلَعَتْ شَمْسٌ إلّا بُعِثَ بِجَنبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ يَسْمَعُهُما أهْلُ الأرْضِ إلّا الثَّقَلَيْنِ، يقولان: أيُّها الناسُ: هَلُمُّوا إلَى رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وَألْهَى، وَمَلَكانِ يُنادِيانِ: اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا وَلِمُمْسِكٍ تَلَفًا" (٤).

стр. 1592

ورُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "السَّخاءُ شَجَرةٌ أصْلُها فِي الجَنّةِ وأغْصانُها مُتَدَلِّياتٌ فِي الدنيا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْها قادَهُ (١) إلَى الجنة، والبُخْلُ شَجَرةٌ أصْلُها فِي النار، وَأغْصانُها مُتَدَلِّياتٌ فِي الدنيا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ منها قادَهُ إلَى النار" (٢). وعن نَزّالِ بن سَبْرةَ (٣) أنه قال: "مَكْتُوبٌ على باب الجنة ثلاثة أسْطُرٍ، أولها: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه ﷺ ، والثانِي: أُمّةٌ مُذْنِبةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، والثالث: وَجَدْنا ما عَمِلْنا، رَبِحْنا ما قَدَّمْنا، خَسِرْنا ما خَلَّفْنا" (٤). ويقال: "مَنْ مَنَعَ خَمْسًا مَنَعَ اللَّهُ منه خَمْسًا، مَنْ مَنَعَ الزَّكاةَ مَنَعَ اللَّهُ منه حِفْظَ المالِ، والثاني: مَنْ مَنَعَ الصَّدَقةَ مُنِعَتْ منه العافِيةُ، والثالث: مَنْ مَنْعَ العُشْرَ مَنَعَ اللَّهُ منه بَرَكةَ أرْضِهِ، والرابع: مَنْ مَنَعَ الدُّعاءَ مُنِعَ الإجابةَ، والخامس: مَنْ تَهاوَن بالصلاة مُنِعَ منه عند المَوْتِ قَوْلُ: لا إله إلّا اللَّه، مُحَمَّدٌ رسول اللَّه ﷺ ". وَرُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "حَصِّنُوا أمْوالَكُمْ بالزَّكاةِ، وداوُوا مَرْضاكُمْ بِالصَّدَقةِ، واسْتَقْبِلُوا أنْواعَ البَلَاءِ بِالدُّعاءِ" (٥)، واللَّه أعَلم.

стр. 1593

سورة المدثر مكية وهي ألف وعشرة أحرف، ومائتان وخمس وخمسون كلمةً، وست وخمسون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أُعطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بمُحَمَّدٍ ﷺ وَكَذَّبَ بِهِ بِمَكّةَ" (١)، وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُدَّثِّرِ كُتِبَ مِنَ الصّابِرِينَ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ المُتَحَمِّلُ لأعْباءِ النُّبُوّةِ، وقيل: المُدَّثِّرُ: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ من الدِّثارِ، وأصله: المُتَدَثِّرُ، ثم أدْغِمَتِ التاءُ فِي الدال؛ لأنهما

стр. 1594

من مخرج واحد، والدال أقوى من التاء، لأنها مجهورة والتاء مهموسة، فَرُدّا بلفظ الأقوى منهما، لأن ذلك تَقْوِية لِلْحَرْفِ، وَلَمْ يُرَدّا بلفظ التاء لأنه إضْعافٌ لِلْحَرْفِ؛ لأن رَدَّ الأقوى إلى الأضعف نَقْصٌ فِي الحَرْفِ، وكذلك أكثر الإدغام فِي الحرفين المختلفين أن يُرَدَّ الأضعفُ منهما إلى لَفْظِ الأقوى (١). قرأ العامة: ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ بكسر الثاء؛ أي: المُتَلَفِّفُ بِثِيابِهِ، وقرأ عكرمة وغيره بفتح الثاء (٢)؛ أي: دُثِّرْتَ هذا الأمْرَ وَكُلِّفْتَهُ وَأُلْزِمْتَهُ، فَقُمْ بِهِ. فصل عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "فَتَرَ عَلَيَّ الوَحْيُ فَتْرةً، فَبَيْنا أنا أمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا من السماء، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّماءِ فَإذا المَلَكُ الذي أتانِي بِحِراءَ قاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السماء والأرض، فَجُئِثْتُ (٣) منه فَرَقًا حَتَّى هَوَيْتُ إلَى الأرْضِ، فَجِئْتُ أهْلِي، فَقُلْتُ: دَثِّرُوني زَمِّلُونِي، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. . الآيات" (٤). وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾؛ أي: أنْذِرْ الخَلْقَ، وَحَذِّرْهُمْ عَذابَ اللَّه، والنَّذارةُ: التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ.

стр. 1595

قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾؛ أي: فَعَظِّمْ، فهو العَظِيمُ فلا أعْظَمَ منه، وهو نصب؛ لأنه مفعول مقدم على الفعل، وكذلك: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، ودخلت الفاء على غير جواب الجزاء، المعنى: قُمْ فَأنْذِرْ، قُمْ فَكَبِّرْ (١)، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾، قال ثعلبٌ (٢): اختلف الناس في ذلك، فقالت طائفة: الثياب هاهنا القَلْبُ؛ أي: طَهِّرْ قَلْبَكَ، فَكَنَّى بالثياب عن القلب. قال عنترة: ٤١٩ - فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ أي: قَلْبَهُ، وتَمامُهُ: لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنا بِمُحَرَّمِ (٣)

стр. 1596

وقال ابن سِيرِينَ (١): اغْسِلْها بالماء، وقال الفَرّاءُ (٢): أصْلِحْ عَمَلَكَ، وقيل: قَصِّرْ ثِيابَكَ، وقالت طائفة (٣): الثِّيابُ هاهنا اللِّباسُ؛ أي: لا تَلْبَسْها على معَصية ولا على دَنَسٍ، وقال الحَسَنُ (٤): معناه: وَخُلُقَكَ فَحَسِّنْهُ، وكذلك قال القُرَيْظِيُّ، دليلها قول الشاعر: ٤٢٠ - وَيَحْيَى لَا يُلّامُ بِسُوءِ خلْقٍ... فَيَحْيَى طاهِرُ الأثْوابِ حُرُّ (٥) أي: حَسَنُ الأخْلَاقِ.

стр. 1597

وقال ابن عباس (١): معناه: لا تَكُنْ غادِرًا، فإن الغادر دَنِسُ الثِّيابِ، قال السُّدِّيُّ (٢): يقال للرجل إذا كان صالحًا: إنه لَطاهِرُ الثِّيابِ، وإذا كان فاجِرًا: إنه لَخَبِيثُ الثِّيابِ، وقال عكرمةُ (٣): البَسْها على غَيْرِ غَدْرٍ وَغَيْرِ فَجْرٍ، وقال: أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشاعر: ٤٢١ - وَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوْبَ فاجِرٍ... لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرِةٍ أتَقَنَّعُ (٤) قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قال جماعة المفسرين (٥): يريد: عبادة الأوثان، قرأ الحَسَنُ وعِكْرِمةُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وأبو جَعْفَرٍ وشَيْبةُ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ:

стр. 1598

﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، وقرأ الباقون بالكسر (١)، واختاره أبو عبيد، وقال: لأنه أفْشَى اللغتين وأكْثَرُهُما، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ (٢)، وقيل (٣): الزاي فيه منقلبة عن السين، والعرب تُعاقِبُ بين السين والزاي لقرب مخرجهما، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٤). والرِّجْزُ في اللغة معناه العَذابُ (٥)، وفيه لغتان: كَسْرُ الراء وَضَمُّهُ كما ذكرنا، وقيل (٦): الرِّجْزُ بكسر الراء: العَذابُ، وبالضم: الصَّنَمُ، وقيل: هما شيء واحد كما تقدم، ومعناهما الإثم والظلم، وهو منصوب بـ "اهْجُرْ"، ولو كان في الأفعال الهاء لكان النصب أوْلَى أيضًا؛ لأن الأمْرَ بالفعل أوْلَى (٧).

стр. 1599

قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ قرأه العامّةُ بإظهار التضعيف، وقرأ أبو السَّمّالِ العَدَوِيُّ: ﴿وَلَا تَمُنَّ﴾ (١) بنون مدغمة مفتوحة ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾، وقرأ الحسن (٢) بالجزم على جواب النهي، وهو رَدِيءٌ؛ لأنه ليس بِجَوابٍ، وقرأ الأعمش بالنصب على توهم لام "كَيْ"، وقرأ الآخرون بالرفع على تقدير: لا تَضْعُفْ يا محمدُ أنْ تَسْتَكْثِرَ من الخَيْرِ، فلما حذفت "أنْ" رُفِعَ، ودليله قراءة ابن مسعود: ﴿وَلَا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ﴾، ورفع لأنه فعل مستقبل في موضع الحال تقديره: مُسْتَكْثِرًا (٣). ومعنى الآية: لَا تُعْطِ شيئًا من مالِكَ لِتَأْخُذَ أكْثَرَ منه (٤)، وقيل (٥): معناه: وَلَا تَمُنَّ بِالنُّبُوّةِ على الناس؛ فَتَأْخُذَ عليها منهم أجْرًا وَعِوَضًا من الدنيا، وهذا لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصّةً، أدَّبَهُ اللَّهُ تعالى بأشرف الآداب. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ لِيَصْبِرَ على الأذى والتكذيب من كفار مكة، والمعنى: لأجل اللَّه؛ أي: لأجل ثوابه فاصبر على البلاء، فإنه يَمْتَحِنُ أحِبّاءَهُ وأصْفِياءَهُ، وقيل: معناه: فاصبر على طاعة اللَّه وفرائضه.

стр. 1600

قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾؛ أي: نُفِخَ في الصُّورِ، وهي النفخة الثانية التي يَنْفُخُ إسرافيلُ ﵇ فيه، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾؛ أي: شديد ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ يعني: غَيْرُ هَيِّنٍ، ويُهَوَّنُ ذلك اليَوْمُ على المؤمنين، و ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ نصب، لأنه مضاف إلَى غير متمكن وهو "إذْ"، وما كان بهذه الصفة فهو نصب، وإن كان موضعه رَفْعًا؛ لأنه خبر ابتداء، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ رَفْعٌ بَدَلٌ من خَبَرِ الابتداء وهو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (١)، و ﴿غَيْرُ﴾ نعت لـ ﴿يَوْمٌ﴾. فصل عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنْعَمُ وَصاحِبُ الصُّورِ قد التَقَمَ الصُّورَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وهو يستمع متى يؤمر فينفخ؟ "، فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : كيف نقول؟ قال: "قُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، على اللَّه تَوَكَّلْنا" (٢). قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾؛ أي: خَلَقْتُهُ في بطن أُمِّهِ وحيدًا فريدًا، لا مال له ولا وَلَدَ، يعني الوليد بن المغيرة، وكان يُسَمَّى الوَحِيدَ في

стр. 1601

قومه (١)، والمعنى: خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فأنا أنفرد بِهَلَكَتِهِ، و"مَنْ" في موضع نصب عطفًا على النون والياء، وقيل: مفعول معه (٢)، ونصب ﴿وَحِيدًا﴾ على الحال. قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ يعني الوليد بن المغيرة؛ أي: سَأُكَلِّفُهُ مَشَقّةً من العذاب، لا راحةَ له فيها، والصَّعُودُ: العَقَبةُ الصَّعْبةُ المُرْتَقَى (٣)، ونصب ﴿صَعُودًا﴾ لأنه مفعولٌ ثانٍ (٤)، وقيل (٥): معناه: سَأُكَلِّفُهُ أنْ يَصْعَدَ صَعُودًا. فصل عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: "هو جَبَلٌ فِي النّارِ مِنْ نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فإذا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذابَتْ، فإذا رَفَعَها عادَتْ، فإذا وَضَعَ رِجْلَهُ عليه ذابَتْ، فإذا رَفَعَها عادَتْ" (٦).

стр. 1602

وعن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: "الصَّعُودُ: جَبَلٌ مِنْ نارٍ، يَتَصَعَّدُ فيه سبعين خَرِيفًا، ثم يَهْوِي فيه كذلك أبَدًا" (١). وقال الكلبي: هو جبل من صخرةٍ مَلْساءَ في النار، يُكَلَّفُ أن يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها حُدِّرَ إلَى أسفلها، ولَمْ يُتْرَكْ أن يَتَنَفَّسَ، ثم يُكَلَّفُ أيضًا أن يصعدها، فذلك دَأبُهُ أبَدًا، يُجْذَبُ من أمامِهِ بِسَلَاسِلِ الحَدِيدِ، ويُضْرَبُ مِنْ خَلْفِهِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، فَيَصْعَدُها فِي أربعين سنة (٢). قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ يعني الوليد أيضًا؛ أي: سأدخله، قيل: هو الباب الخامس من أبواب جهنم، يقال له: سَقَرُ المُهِينةُ، فيها ألوانُ المَهانةِ والهَوانِ، تقول العرب: سَقَرْتُهُ بِلِسانِي؛ أي: أهَنْتُهُ، وهو مفعولٌ ثان، وَلَمْ يصرفه؛ لأنه من أسماء جهنم، وهو اسم لمؤنث، وقيل: لأنه اسم أعجمي، والأول هو الصواب؛ لأن الأعجمي إذا كان على ثلاثة أحرف انصرف، وإن كان متحرك الأوسط، وأيضًا فإنه اسم عَرَبِيى مُشْتَقٌّ، يقال: سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أحْرَقَتْهُ (٣)، وهو اسم علم لا ينصرف للتعريف والتأنيث، وكذلك جَهَنَّمُ ولَظَى -نعوذ باللَّه تعالى منها-. فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سَألَ موسى

стр. 1603

عليه السلام رَبَّهُ فقال: يا رَبِّ: أيُّ عِبادِكَ أفْقَرُ؟ فقال: صاحِبُ سَقَرَ" (١). ثم ذَكَرَ عِظَمَ شأنها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾ وقد تقدم القول فيه؛ لأنه مثل قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٢)، والجملة (٣) في موضع نصب بـ ﴿أَدْرَاكَ﴾؛ لأن (٤) الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (٥). ثم أخبر عنها، فقال: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾؛ أي: لا تُبْقِي أهْلَ النار إذا رَأتْهُمْ حَتَّى تَأْكُلَهُمْ وَلَا تَذَرُهُمْ، إذْ خُلِقُوا لَها حتى تُواقِعَهُمْ، وقيل: لا تُبْقِي مَنْ فيها حَيًّا، ولا تَذَرُ مَنْ فيها مَيْتًا، ولكنها تُحْرِقُهُمْ، كُلَّما أُحْرِقُوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ، ولكل شيء فَتْرةٌ وَمَلَالةٌ إلّا لِجَهَنَّمَ. وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ يعني: لِلْخَلْقِ، ويجوز أن يكون جَمْعَ بَشَرةٍ أي: مُغَيِّرةٌ لِلْجُلُودِ (٦)، تقول العرب: لَاحَتْهُ الشَّمْسُ وَلَوَّحَتْهُ، ولَاحَهُ السُّقْمُ والحُزْنُ: إذا غَيَّرَهُ (٧)، قال ابن عباس: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾: مُذْهِبةٌ لِلْحُسْنِ والبَهاءِ،

стр. 1604

قيل (١): إنها تَلْفَحُ الجِلْدَ لَفْحةً، فَتَدَعُهُ أشَدَّ سَوادًا من الليل. ورفع ﴿لَوَّاحَةٌ﴾ على إضمار مبتدأ أي: هي لَوّاحةٌ (٢)، وقيل: على نعت ﴿سَقَرُ﴾ في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾، وقيل: هو رفع على الذَّمِّ، ومثله: "نَزّاعةٌ لِلشَّوَى" (٣)، وقرأ عَطِيّةُ العَوْفِيُّ: "لَوّاحةً" (٤) بالنصب على الحال، والبَشَرُ جَمْعُ بَشَرةٍ، وجمع البَشَرِ أبْشارٌ، فهو جمع الجمع (٥). ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ من الخَزَنةِ مالِكٌ ومعه ثمانية عشر من الملائكة، أعْيُنُهُمْ كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأنْيابُهُمْ كالصَّياصِي، يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ من أفواههم، ما بَيْنَ مَنْكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرةُ سَنةٍ، يَسَعُ كَفُّ أحَدِهِمْ مِثْلَ رَبِيعةَ وَمُضَرَ، قد نُزِعَتْ منهم الرَّحْمةُ، يَرْفَعُ أحَدُهُمْ سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم (٦).

стр. 1605

فصل رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه نَعَتَ خَزَنةَ النار، فقال: "كَأنَّ أعْيُنَهُم البَرْقُ، وكَأنَّ أنْيابَهُم الصَّياصِي، يَجُرُّونَ شُعُورَهُمْ، لأحدهم مِثْلُ قُوّةِ الثَّقَلَيْنِ، يَسُوقُ أحَدُهُم الأُمّةَ وعلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ، فَيَرْمِي بِهِمْ في النار، ويَرْمِي بِالجَبَلِ فَوْقَهُمْ" (١). وما بعده ظاهر الإعراب إلَى قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ وَنفاقٌ، قاله أكثر المفسرين (٢)، وقال الحسين بن الفضل (٣): المرض هاهنا: الخلاف لا النفاق؛ لأن السورة مكية، ولَمْ يكن بِمَكّةَ نِفاقٌ البَتّةَ ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾، أي: وليقول الكافرون مشركو مكة ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ إن جعلتَ "ما" و"ذا" اسمًا واحدًا كانت في موضع نصب بـ ﴿أَرَادَ﴾، وإن جعلتَ "ذا" بمعنى "الَّذِي" كانت "ما" استفهامًا اسمًا تامًّا رفعًا بالابتداء، و"ذا" الخبر، و ﴿أَرَادَ﴾ صلة "ذا"، والهاء محذوفة منه، يعني: ما الذي أراده اللَّه بهذا؟، على تقدير: أيُّ شَيْءٍ أراده اللَّه بهذا الحديث مثلًا؟ وهو نصب على البيان (٤). ومعنى الآية: ماذا أراد اللَّه بِوَصْفِ عَدَدِ خَزَنةِ جَهَنَّمَ بِتِسْعةَ عَشَرَ؟ وذلك أن أبا جهل بن هشام -لعنه اللَّه- قال: يا معشر قريش! ألا تَرَوْنَ أن محمَّدًا

стр. 1606

يُخَوِّفُكُمْ بِخَزَنةِ جَهَنَّمَ، وزعم أنهم تِسْعةَ عَشَرَ، وأنتم الدُّهْمُ، أفَيُعْجِزُ كُلَّ مِائةٍ منكم أن يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ من خَزَنةِ جهنم، فتخرجوا منها؟، قال أبو الأشَدَّيْنِ -واسمه: أُسَيْدُ بن كَلَدةَ بنِ أُسَيْدِ بنِ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ (١) -: يا معشر قريش: إذا كان يومُ القيامة فأنا أمشي بين أيديكمِ على الصراط، فَأدْفَعُ عَشْرةً بِمَنْكِبِي الأيْمَنِ وَتسْعةً بِمَنْكِبِي الأيْسَرِ في النار، ونَمْضِي نَدْخُلُ الجَنّةَ (٢). وقيل (٣): إنه قال لأبِي جهل: بل أنا أكفيك تسعةً على ظهري، وثمانيةً على صدري، واكْفُونِي أنتم اثنين، وإنما سُمِّيَ أبا الأشَدَّيْنِ لِشِدَّتِهِ، وكنيته أبو الأعور، وكان أعْوَرَ شَدِيدَ البَطْشِ، فلما سَمِعَ المسلمون ما قال أبو جهل وأبو الأشدين قالوا: يَقِيسُ الملائكةَ إلى الحَدّادِينَ؟ (٤) يعني: يقيس الملائكةَ إلَى السَّجّانِينَ من الناس، والعرب تُسَمِّي السَّجّانَ حَدّادًا، وكُلُّ مانِعٍ عند العرب حَدّادٌ (٥)، وفي هذا المعنى يقول الشاعر: ٤٢٢ - إنَّما الفَقْرُ والغِناءُ مِنَ اللَّـ... ه فَهَذا يُعْطَى وَهَذا يُحَدُّ (٦)

стр. 1607

أي: يُمْنَعُ، وقال آخر: ٤٢٣ - لَقَدْ ألَّفَ الحَدّادُ بَيْنَ عِصابةٍ... تَساءَلُ فِي الأقْتادِ ماذا ذُنُوبُها (١) ومنه قيل لِلْبَوّابِ: حَدّادٌ؛ لأنه يَمْنَعُ الدّارَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ أهْلِها (٢)، قال الأعشى: ٤٢٤ - فَقُمْنا وَلَمّا يَصِحْ دِيكُنا... إلى جَوْنةٍ عِنْدَ حَدّادِها (٣) أراد: بَوّابِها، وسُمِّيَ الحَدِيدُ حَدِيدًا لِمَنْعِهِ من السلاح ووصوله إلى لَابِسِهِ. قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كَما أضَلَّ مَنْ أنْكَرَ عَدَدَ الخَزَنةِ، وَهَدَى مَنْ صَدَّقَ ذلك ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ يعني: من الملائكة الذين خلقهم اللَّه لِتَعْذِيبِ أهْلِ النار، لا يعلم عِدَّتَهُمْ إلا اللَّهُ، وهذا جواب لأبِي جهل بن هشام حين قال: أما لِمُحَمَّدٍ أعْوانٌ إلا تسعة عشر؟ والمعنى: أن تسعة

стр. 1608

عشرهم خزنة النار، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلّا اللَّه. فصل عن الأوْزاعِيِّ قال: قال موسى ﵇: "رَبِّ: مَنْ مَعَكَ فِي السماء؟ قال مَلَائِكَتِي، قال: كم عدتهم يا رَبِّ؟ قال: اثنا عشر سِبْطًا، قال: كم عدد كُلِّ سِبْطٍ؟ قال: عَدَدُ التراب" (١). ثم رَجَعَ إلَى ذِكْرِ سَقَرَ، فقال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ يعني: موعظة لِلْعالَمِ، و ﴿هِيَ﴾ رفع ابتداء وخبَرٌ محقق، تقديره: هي ذكرى للبشر ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢)﴾ أقسم -سبحانه- بالقمر، وله أن يقسم بما شاء من خلقه، يعني: حَقًّا والقَمَر ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾ يعني: وَلَّى ذاهِبًا بظلمته. قرأ نافع وحمزة وخلف ويعقوب وحفص وابن محيصن: "إذْ" بغير ألف ﴿أَدْبَرَ﴾ بألف، غير أن وَرْشًا ينقل حركة الهمزة إلى الذال، ويحذف الهمزة، وقرأ غيرهم بِضِدِّهِ (٢) وهما لغتان (٣)، قال الشاعر:

стр. 1609

٤٢٥ - صَدَعَتْ غَزالةُ قَلْبَهُ بِفَوارِسٍ... تَرَكَتْ مَسامِعَهُ كَأمْسِ الدّابِرِ (١) قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ يعني: أضاءَ وَتَنَوَّرَ عن ظلمة الليل، قرأه العامة بالألف على معنى: أضاءَ، وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ: "سَفَرَ" (٢) بغير ألف، وهما لغتان يقال: سَفَرَ وَجْهُ فُلَانٍ وَأسْفَرَ: إذا أضاءَ، وَسُفِرَ البَيْتُ: إذا كُنِسَ، ويقال لِلْمِكْنَسةِ: المِسْفَرةُ (٣)، ويجوز أن يكون من قولهم: سَفَرَ وَجْهُ المَرْأةِ: إذا ألْقَتْ خِمارَها عن وجهها (٤). والليل والصبح خفض بالعطف على القمر بواو القسم (٥). قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ يعني سَقَرَ ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ يعني: لإحدى الأمور

стр. 1610

العِظامِ، وهذا جواب القسم، وأراد بالكُبَرِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ وأبْوابَها، وهي سبعة: جَهَنَّمُ ولَظَى والحُطَمةُ والسَّعِيرُ وسَقَرُ والجَحِيمُ والهاوِيةُ -أعاذنا اللَّه منها-، والكُبَرُ جمع الكُبْرَى، وهي النار مثل الأُولَى والأُوَلِ والصُّغْرَى والصُّغَرِ. قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ يعني: تَذْكِرةً لِلْعالَمِ، قال الزَّجّاجُ (١) والكِسائِيُّ (٢): هو منصوب على الحال من المضمر في قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٣) يريد: قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ. قال ابن الأنباري (٤): وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما. وقيل: هو نصب على القطع من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾؛ لأنها معرفة و ﴿نَذِيرًا﴾ نكرة، وإن شئتَ نَصَبْتَهُ على القطع أيضًا من العائد في ﴿سَقَرَ﴾، قاله ابن الأنباري (٥)، وقال الخليل (٦): النَّذِيرُ مصدر كالنَّكِيرِ، كأنك قلتَ: إنْذارًا للبشر، وقيل (٧): هو منصوب على إضمار فعل؛ أي: صَيَّرَها اللَّهُ

стр. 1611

نَذِيرًا؛ أي: ذات إنذار، فَذَكرَ اللفظ على النَّسَبِ، وقيل (١): هو نصب على إضمار "أعْنِي"، وقرأ إبراهيم بن أبِي عَبْلةَ: "نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ" (٢). ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ بَدَلٌ من قوله: ﴿لِلْبَشَرِ﴾ ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ يعني: يتقدم فِي الخير، أو يتأخر في المعصية، وهذا وعيد وتهديد كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣)، وكقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤). ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ يعني: بِما عَمِلَتْ رَهِينةٌ بعملها فِي جهنم، إلا من اسْتَثْنَى اللَّهُ تعالى فإنهم غير مُرْتَهَنِينَ، وهم أصحاب اليمين، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ يعني المؤمنين، واليمين صفة لكل خير وسعادة، وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وما بعده ظاهر التفسير إلَى قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ يعني كفار قريش حين نَفَرُوا عن القرآن، وأعرضوا عن الإيمان، والتذكرة: التذكير بمواعظ القرآن، ونصب ﴿مُعْرِضِينَ﴾ على الحال (٥)، وقيل: معناه:

стр. 1612

صارُوا مُعْرِضِينَ، فعلى هذا التأويل يكون منصوبًا على الخبر (١). ثم شَبَّهَهُمْ في نُفُورِهِمْ عن القرآن يحُمُرٍ نافِرةٍ، فقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾ قرأ أهل المدينة والشام وأيوبُ بفتح الفاء أي: مُنَفَّرْة مَذْعُورةٌ، وقرأ الآخرون بالكسر (٢)؛ أي: نافِرةٌ، يقال: نَفَرَتْ واسْتَنْفَرَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنشد الفَرّاء (٣): ٤٢٦ - أمْسِكْ حِمارَكَ إنُّهُ مُسْتَنْفَرٌ... فِي إثْرِ أحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِقُرَّبِ (٤)

стр. 1613

والقَرَبُ: طَلَبُ الماءِ، والقارِبُ: هو الطّالِبُ (١)، ويُرْوَى: فِي إثْرِ أحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ و"غُرَّبٌ" اسم جَبَلٍ، ذكره صاحب ديوان الأدب (٢). وقوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ يعني الأسد بلسان العرب، وهو بلسان الحبشة: القَسْوَرةُ، وبلسان فارس: شير، وبلسان النَّبَطِ: أريا (٣). قال ثعلب (٤): اختلف الناس فيه، فقالت طائفة: القسورة هاهنا: الأسد، وهي "فَعْوَلةٌ" من القَسْرِ وهو القَهْرُ، سُمِّيَ الأسد بذلك لأنه يقهر السباع كلها، وكل ضخم شديد عند العرب فهو قَسْوَرٌ وقَسْوَرةٌ، وقالت طائفة: هم الرُّماةُ رِجالُ القَنْصِ، لا واحد له من لفظه، وقالت طائفة: القَسْوَرةُ: سَوادُ أوَّلِ الليل، ولا يُقالُ لِسَوادِ آخِرِ الليل: قَسْوَرةٌ. والمعنى: أن المشركين كانوا إذا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يقرأ القرآنَ هَرَبُوا منه كما تَهْرُبُ الحُمُرُ الوَحْشِيّةُ من الأسد. قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ نصب على خَبَرِ ما لَمْ

стр. 1614

يُسَمَّ فاعله (١)، والصحف: الكتب، واحدتها صحيفة، و ﴿مُنَشَّرَةً﴾ معناها: مَنْشُورة. وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد: بَلَغَنا أن الرجل من بَنِي إسرائيل كان يُصْبِحُ مكتوبًا عند رأسه ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ، فَأْتِنا بِمِثْلِ ذلك، فَكَرِهَ ذلك رسولُ اللَّه ﷺ (٢) فأنزل اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: ليس الأمر كما يريدون ويقولون، وقيل: معناه حَقًّا، وكُلُّ ما وَرَدَ عليك من هذا الباب فهذا وجهه (٣)، والمعنى: كَلَّا لا يُؤْتَوْنَ الصُّحُفَ. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾ لَكِنْ لا يخافون عذاب الآخرة، والمعنى: أنهم لو خافوا النار لَما اقترحوا الآياتِ بعد قيام الأدلة الواضحات ﴿كَلَّا إِنَّهُ﴾ يعني القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾ تذكير وموعظة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾ يعني: فَهِمَهُ وَوَعاهُ واتَّعَظَ به. ثم رَدَّ المشيئة إلَى نفسه، فقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني:

стр. 1615

لا يهتدون إلا مَنْ هَداهُ اللَّهُ، قرأ نافع: "تَذْكُرُونَ" (١) بالتاء على الخطاب للحاضرين، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ يعني الرَّبُّ نَفْسَهُ تعالى، هو أهْلٌ أنْ يُتَّقَى فلا يُعْصَى، وهو أهْلٌ أنْ يَغْفِرَ لِمَنْ تاب إليه. فصل عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقَى، فَلَا يُشْرَكَ مَعِي غَيْرِي، وأنا أهْلٌ لِمَن اتَّقَى أنْ يُشْرِكَ بِي أنْ أغْفِرَ له" (٢). وَرُوِيَ عن محمد بن النَّضْرِ الحارِثيِّ (٣) أنه قال: "يقول اللَّه : "أنا أهْلٌ أنْ يَتَّقِيَنِي عَبْدِي، فَإنْ لَمْ يفعل فأنا أهْلٌ أن أغفر له" (٤)، وقال قتادة: "هُوَ أهْلٌ أنْ تتقَى مَحارِمُهُ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ" (٥)، واللَّه أعلم.
следующие страницы →