← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

نَذِيرًا؛ أي: ذات إنذار، فَذَكرَ اللفظ على النَّسَبِ، وقيل (١): هو نصب على إضمار "أعْنِي"، وقرأ إبراهيم بن أبِي عَبْلةَ: "نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ" (٢). ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ بَدَلٌ من قوله: ﴿لِلْبَشَرِ﴾ ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ يعني: يتقدم فِي الخير، أو يتأخر في المعصية، وهذا وعيد وتهديد كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣)، وكقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤). ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ يعني: بِما عَمِلَتْ رَهِينةٌ بعملها فِي جهنم، إلا من اسْتَثْنَى اللَّهُ تعالى فإنهم غير مُرْتَهَنِينَ، وهم أصحاب اليمين، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ يعني المؤمنين، واليمين صفة لكل خير وسعادة، وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وما بعده ظاهر التفسير إلَى قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ يعني كفار قريش حين نَفَرُوا عن القرآن، وأعرضوا عن الإيمان، والتذكرة: التذكير بمواعظ القرآن، ونصب ﴿مُعْرِضِينَ﴾ على الحال (٥)، وقيل: معناه:

стр. 1612

صارُوا مُعْرِضِينَ، فعلى هذا التأويل يكون منصوبًا على الخبر (١). ثم شَبَّهَهُمْ في نُفُورِهِمْ عن القرآن يحُمُرٍ نافِرةٍ، فقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾ قرأ أهل المدينة والشام وأيوبُ بفتح الفاء أي: مُنَفَّرْة مَذْعُورةٌ، وقرأ الآخرون بالكسر (٢)؛ أي: نافِرةٌ، يقال: نَفَرَتْ واسْتَنْفَرَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنشد الفَرّاء (٣): ٤٢٦ - أمْسِكْ حِمارَكَ إنُّهُ مُسْتَنْفَرٌ... فِي إثْرِ أحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِقُرَّبِ (٤)

стр. 1613

والقَرَبُ: طَلَبُ الماءِ، والقارِبُ: هو الطّالِبُ (١)، ويُرْوَى: فِي إثْرِ أحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ و"غُرَّبٌ" اسم جَبَلٍ، ذكره صاحب ديوان الأدب (٢). وقوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ يعني الأسد بلسان العرب، وهو بلسان الحبشة: القَسْوَرةُ، وبلسان فارس: شير، وبلسان النَّبَطِ: أريا (٣). قال ثعلب (٤): اختلف الناس فيه، فقالت طائفة: القسورة هاهنا: الأسد، وهي "فَعْوَلةٌ" من القَسْرِ وهو القَهْرُ، سُمِّيَ الأسد بذلك لأنه يقهر السباع كلها، وكل ضخم شديد عند العرب فهو قَسْوَرٌ وقَسْوَرةٌ، وقالت طائفة: هم الرُّماةُ رِجالُ القَنْصِ، لا واحد له من لفظه، وقالت طائفة: القَسْوَرةُ: سَوادُ أوَّلِ الليل، ولا يُقالُ لِسَوادِ آخِرِ الليل: قَسْوَرةٌ. والمعنى: أن المشركين كانوا إذا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يقرأ القرآنَ هَرَبُوا منه كما تَهْرُبُ الحُمُرُ الوَحْشِيّةُ من الأسد. قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ نصب على خَبَرِ ما لَمْ

стр. 1614

يُسَمَّ فاعله (١)، والصحف: الكتب، واحدتها صحيفة، و ﴿مُنَشَّرَةً﴾ معناها: مَنْشُورة. وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد: بَلَغَنا أن الرجل من بَنِي إسرائيل كان يُصْبِحُ مكتوبًا عند رأسه ذَنْبُهُ وكَفّارَتُهُ، فَأْتِنا بِمِثْلِ ذلك، فَكَرِهَ ذلك رسولُ اللَّه ﷺ (٢) فأنزل اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: ليس الأمر كما يريدون ويقولون، وقيل: معناه حَقًّا، وكُلُّ ما وَرَدَ عليك من هذا الباب فهذا وجهه (٣)، والمعنى: كَلَّا لا يُؤْتَوْنَ الصُّحُفَ. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾ لَكِنْ لا يخافون عذاب الآخرة، والمعنى: أنهم لو خافوا النار لَما اقترحوا الآياتِ بعد قيام الأدلة الواضحات ﴿كَلَّا إِنَّهُ﴾ يعني القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾ تذكير وموعظة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾ يعني: فَهِمَهُ وَوَعاهُ واتَّعَظَ به. ثم رَدَّ المشيئة إلَى نفسه، فقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني:

стр. 1615

لا يهتدون إلا مَنْ هَداهُ اللَّهُ، قرأ نافع: "تَذْكُرُونَ" (١) بالتاء على الخطاب للحاضرين، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ يعني الرَّبُّ نَفْسَهُ تعالى، هو أهْلٌ أنْ يُتَّقَى فلا يُعْصَى، وهو أهْلٌ أنْ يَغْفِرَ لِمَنْ تاب إليه. فصل عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقَى، فَلَا يُشْرَكَ مَعِي غَيْرِي، وأنا أهْلٌ لِمَن اتَّقَى أنْ يُشْرِكَ بِي أنْ أغْفِرَ له" (٢). وَرُوِيَ عن محمد بن النَّضْرِ الحارِثيِّ (٣) أنه قال: "يقول اللَّه : "أنا أهْلٌ أنْ يَتَّقِيَنِي عَبْدِي، فَإنْ لَمْ يفعل فأنا أهْلٌ أن أغفر له" (٤)، وقال قتادة: "هُوَ أهْلٌ أنْ تتقَى مَحارِمُهُ، وأهْلٌ أنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ" (٥)، واللَّه أعلم.

стр. 1616

سورة القيامة مكية وهي ستمائة واثنان وخمسون حرفًا، ومائة وتسع وتسعون كلمةً، وأربعون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ القِيامةِ شَهِدْتُ أنا وَجِبْرِيلُ لَهُ يَوْمَ القِيامةِ أنهُ كانَ مُؤْمِنًا بِيَوْمِ القِيامةِ، وَجاءَ وَوَجْهُهُ مُسْفِرٌ عَلَى وُجُوهِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيامةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ لَمْ يَلْحَقْهُ ذَنْبٌ إلّا الشِّرْكُ بِاللَّهِ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ قرأها العامة مقطوعة، والألف ممدودة مهموزة ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ مثلها، وقرأ ابن كثير برواية قُنْبُلٍ

стр. 1617

والحَسَنُ وعبد الرحمن الأعرج: "لَأُقْسِمُ" (١) بغير ألِفٍ موصولةً ليس بين اللام والهمزة مَدٌّ، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ مقطوعة ممدودة، على معنى أنه أقْسَمَ باليوم وَلَمْ يُقْسِمْ بالنفس، والصحيح أنه أقسم بِهِما جميعًا، ولا خلاف في الثانِي أنه ممدود. فإن قيل: ألا يأتون بالنون على هذه القراءة، ولا يحسن في القَسَمِ استعمال اللام بلا نُونٍ، كما لا يحسن استعمال النون بلا لامٍ؟ قيل (٢): المُعَوَّلُ على قراءة الأكثر والجمهور، والقراءة سُنّة مُتَّبَعة، وَوَجْهُها في العربية أنهم استغنوا بأحد التأكيدين عن الآخر، وقد جاء فِي الشعر النونُ بلا لامٍ كما قال: ٤٢٧ - وَقَتِيلِ مُرّةَ أثْأرَنَّ. . . . (٣) أراد: لأثْأرَنَّ.

стр. 1618

ومعنى قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ اختلفوا فيه، فقال بعضهم (١): ﴿لَا﴾ صِلةٌ أي: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة، وقيل (٢): ﴿لَا﴾ تأكيد للقسم كقوله: لَا واللَّهِ، قال الشاعر: ٤٢٨ - فَلَا وَأبِيكِ ابْنةَ العامِرِيِّ... لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ (٣)

стр. 1619

والقَسَمُ بالشيء تَنْبِيهٌ على تعظيمه أو ما فيه من لَطِيفِ الصُّنْعِ وعَظِيمِ النِّعْمةِ، وقال ابن عباس: ﴿لَا﴾ صلة -كقول الأول- كما قال الشاعر: تَذَكَّرْتُ لَيْلَى، فاعْتَرَتْنِي صَبابةٌ... وَكادَ ضَمِيرُ القَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ (١) وقال الفَرّاءُ (٢): ﴿لَا﴾ رَدٌّ على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، ثم ابتدأ القَسَمَ، فقال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، قال: وكل يمين كانت رَدًا لكلام، فلا بُدَّ من تقديم ﴿لَا﴾ قبلها، فتفرق بذلك بين اليمين التي تكون جَحْدًا وبين اليمين التِي تُسْتَأْنَفُ، ألا ترى أنك تقول مُبْتَدِئًا: واللَّهِ إنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، فإذا قلت: لا واللَّهِ إنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، فكأنك أكْذَبْتَ قَوْمًا أنكروه. ومعنى ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: أنه ليس من نَفْسٍ بَرّةٍ ولا فاجِرةٍ إلا وهي تَلُومُ نَفْسَها يوم القيامة، إن كانت عملت خَيْرًا قالت: هَلّا ازْدَدْتُ منه، وإن كانت عملت شَرًّا قالت: لَيْتَنِي لَمْ أعْمَلْهُ (٣)، وجواب القسم محذوف تقديره: لَتُبْعَثُنَّ وَلَتُحاسَبُنَّ (٤)، وقيل (٥): جوابه: ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾.

стр. 1620

فصل قال عُمَرُ بن الخطاب ﵁: "مَنْ شاءَ أن ينظر يَوْمَ القيامة فَلْيَقْرَأْ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، وقال المغيرة بن شعبة: "إنكم لتقولون: يَوْمُ القيامة، وإنما قِيامةُ أحَدِكُمْ مَوْتُهُ" (٢)، فنظمه أحدهم فقال: ٤٢٩ - خَرَجْتُ مِنَ الدُّنْيا وَقامَتْ قِيامَتِي.... غَداةَ أقَلَّ الحامِلُونَ جِنازَتِي (٣) قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني الكافر، وهو عَدِيُّ بن رَبِيعةَ، وقيل: هو أبو جهل بن هشام، أنكر البعث وقال: أوَيَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ البالِيةَ يَوْمَ القيامة يا محمد؟ فقال: "نَعَمْ"، فاستهزأ به، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ (٤)﴾؛ أي: نَقْدِرُ على ذلك وعلى ما هو أعْظَمُ منه، وهو أن نُسَوِّيَ بَنانَهُ فنَرُدَّها كما كانت، وَمَنْ قَدَرَ على جَمْعِ صِغارِ العِظامِ كان على جَمْعِ كِبارِها أقْدَرَ (٤). وقيل: معناه: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحدًا كَخُفِّ البَعِيرِ أو كَحافِرِ الحِمارِ أو كَظَلْفِ الخِنْزِيرِ، أراد: نَجْعَلُ بَنانَهُ مع كَفِّهِ صَحْفةً مُسْتَوِيةً لا

стр. 1621

شُقُوقَ فيها، فلا يمكنه أن يعمل شيئًا، فَيَعْدِمُ الارْتفاقَ بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وغير ذلك، ولَكِنّا فَرَّقْنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء، ويقبضها إذا شاء، ويبسطها إذا شاء، فَحَسَّنّا خَلْقَهُ، وهذا قول عامّةِ المفسرين (١). ونصب ﴿قَادِرِينَ﴾ على الحال من فاعلٍ في فعل مضمرٍ، تقديره: بَلَى نَجْمَعُها قادِرِينَ، وهو قول سيبويه (٢)، وقرأ ابن أبِي عَبْلةَ: ﴿بَلَى قَادِرُونَ﴾ (٣) بالرفع، تقديره: بَلَى نَحْنُ قادرون على أن نُسَوِّيَ بَنانَهُ. ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني عَدِيَّ بن ربيعة، أو أبا جهل بنَ هشام ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ يعني: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبةَ، يقول: اليَوْمَ أتُوبُ، غَدًا أتُوبُ، حتى يأتيه الموت على شَرِّ أحواله وَأسْوَأ أعماله (٤). وقيل (٥): يَرْكَبُ رَأْسَهُ في هَواهُ، ويجري هائما حيث قادته نفسه كالماء، و ﴿أَمَامَهُ﴾ يحتمل أن يكون نُصِبَ على أنه مفعول، ويحتمل أن يكون نَصْبُهُ

стр. 1622

على الظرف تقديره: أنْ يَفْجُرَ في أمامِهِ (١)، وأصل الفجور: المَيْلُ، ومنه قيل للفاجر والكاذب والفاسق والكافر: فاجِرٌ لِمَيْلِهِمْ عن الحق (٢). ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ يقول: مَتَى يكون يوم القيامة؟ تكذيبًا به، و ﴿أَيَّانَ﴾ ظرف زمان بمعنى "مَتَى"، وهو مبني على الفتح، وكان حقه الإسكان لكن اجتمع ساكنان: الألف والنون، ففتحت النون لالتقاء الساكنين، وإنما وجب لـ ﴿أَيَّانَ﴾ البناء؛ لأنها بمعنى "مَتَى"، ففيها معنى الاستفهام، فلما أشبهت حروف الاستفهام بُنِيَتْ، إذ الحروف أصلها البناء (٣). قوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾ يعني: شَخَصَ بَصَرُهُ عند الموت، قرأ نافع وأبو جعفر وابن أبِي إسحاق ونصر بن عاصم: "بَرَقَ" (٤) بفتح الراء؛ أي: لَمَعَ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وشيبة وابن عامر وابن كثير وحمزة والكسائي بكسر الراء؛ أي: حارَ وَفَزِعَ من أمْرِ المَوْتِ وأمْرِ القيامة. وأصل البَرَقِ: الدَّهَشُ، يقال: بَرِقَ الرَّجُلُ يَبْرَقُ بَرَقًا (٥)، قال الشاعر:

стр. 1623

٤٣٠ - وَلَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ... لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كَادَ يَبْرُقُ (١) وقال آخر: ٤٣١ - فَنَفْسَكَ فانْعَ، وَلَا تَنْعَنِي... وَداوِ الكُلُومَ، وَلا تُبْرِقِ (٢) أي: لَا تَفْزَعْ من الكُلُومِ التي بِكَ، والكسر أوْلَى، قاله صاحب "إنسان العين" (٣)، ومن قرأ بالفتح فعلى معنى: شَقَّ عَيْنَيْهِ وَفَتَحَهُما، وأنشد أبو عبيدة (٤): ٤٣٢ - لَمّا أتانِي ابْنُ عُمَيْرٍ راغِبًا... أعْطَيْتُهُ عِيسًا صِهابًا (٥) فَبَرَقْ (٦)

стр. 1624

أي: فَتَحَ عَيْنَيْهِ، والفتح فِي ﴿بَرِقَ﴾ لغة (١)، ويَجُوزُ أن يكون من البَرِيقِ، قاله الثعلبي (٢). قوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ يعني: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ، ويحتمل أن يكون بمعنى: غابَ كقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (٣)، و"خَسَفَ" و"كَسَفَ" سَواءٌ (٤)، وقيل (٥): الخُسُوفُ عِبارةٌ عن القمر، والكُسُوفُ عِبارةٌ عن الشمس، وقرأ بعضهم: "وَخُسِفَ" (٦) بضم الخاء.

стр. 1625

﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ يعني: جُمِعَ بينهما في ذَهابِ الضَّوْءِ كالبَعِيرَيْنِ القَرِينَيْنِ، قال عَلِيُّ بن أبِي طالب ﵁: "يُجْعَلَانِ في نُورِ الحُجُبِ" (١)، وَرُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "الشَّمْسُ والقَمَرُ ثَوْرانِ يُكَوَّرانِ يَوْمَ القيامة" (٢). ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ المُكَذِّبُ بيوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ يعني: أين المَهْرَبُ حَتَّى أُحْرِزَ نَفْسِي؟، فيقول اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾؛ أي: لا مَلْجَأ وَلَا مَفَرَّ ولَا جَبَلَ ولَا حِرْزَ يُلْجَأُ إليه، وحِمْيَرُ تُسَمِّي الجَبَلَ وَزَرًا (٣)، قرأ العامة: ﴿الْمَفَرُّ﴾ بفتح الفاء وهو الاختيار لأنه مصدر، وبالكسر (٤): موضع القرار مثل المَطْلَعِ والمَطْلِعِ (٥).

стр. 1626

قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ يعني: المُنْتَهَى يوم القيامة إلَى اللَّه تعالى، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ يعني: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ، وقيل: بِما قَدَّمَ من المعصية وَأخَّرَ من الطاعة، وقيل: بِما قَدَّمَ من أمواله لنفسه وما أخَّرَ لِوَرَثَتِهِ. قيل (١): "خَمْسُ مَصائِبَ في الدُّنْيا أعْظَمُ من الذنب، أولها: خِذْلَانُ اللَّه لِعَبْدِهِ حَتَّى عَصاهُ، ولو عَصَمَهُ ما عَصاهُ، الثانية: أنْ سَلَبَهُ حِلْيةَ أوْلِيائِهِ، وَكَساهُ لِباسَ أعدائه، الثالثة: أنْ أغْلَقَ عليه باب رحمته، وفَتَحَ عليه باب عقوبته، الرابعة: نَظَرُهُ إليه وهو يَعْصِيهِ، الخامسة: وقوفه بين يده يعرض عليه ما قَدَّمَ وَأخَّرَ من قبائحه، فهؤلاء الخمس في الدنيا أعظم من الذنب". قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ يعني: رُقَباءُ يشهدون عليه بعمله: اليَدانِ والرِّجْلَانِ والعَيْنانِ والأُذُنانِ والذَّكَرُ والسَّمْعُ والبَصَرُ (٢)، وهو ابتداء وخبر (٣)، ودخول الهاء في بَصِير؛ لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح، قال القُتَيْبِيُّ (٤): أقامَ جَوارِحَهُ مُقامَ نَفْسِهِ، فلذلك أنَّثَ. ويجوز أن يكون تأنيثه للإضافة إلَى النفس، كما تقول فِي الكلام:

стр. 1627

ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ (١)، وقيل (٢): معناه: بل الإنسان على نفسه شاهِدٌ، والهاء في "بَصِير" للمبالغة والتوكيد، كما قالوا: رَجُلٌ داهِيةٌ وعَلَّامةٌ ونَسّابةٌ وَشَتّامةٌ ونحو ذلك. و ﴿بَصِيرَةٌ﴾ مرفوعة بِخَبَرِ حرف الصفة، وهي قوله: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾، ويجوز أن يكون نعتا لاسم مؤنث؛ أي: بل الإنسان على نفسه عَيْنٌ بَصِيرةٌ، وأنشد الفراء (٣): ٤٣٣ - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرةً... بِمَقْعَدِهِ أوْ مَنْظَرٍ هُوَ ناظِرُهْ يُحاذِرُ حَتَّى يَحْسِبَ النّاسَ كُلَّهُمْ... مِنَ الخَوْفِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهْ (٤) قال أبانُ بن تَغْلِبَ (٥): البصيرة والبينة والشاهد والدليل واحد.

стр. 1628

قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ يعني: سُتُورَهُ، واحدها مِعْذارٌ، وأهل اليمن يسمون السِّتْرَ المِعْذارَ (١)، يريدون: ولو أرْخَى عليه سُتُورَهُ، وقيل (٢): معناه: اعتذاره؛ أي: لو اعتذر بِحُجَّتِهِ لَمْ ينفعه ذلك، وكان جَسَدُهُ عليه شاهِدًا، قال ثعلب (٣): وَلَمْ أسْمَعْ له بواحد، ولو قيل: مَعْذِرةٌ كان جائزًا. قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ يعني القرآن؛ أي: إن علينا أن نجمعه فِي صدرك حتى تحفظه وَتَعِيَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يعني: فإذا تلاه عليك جبريلُ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾؛ أي: فاتبع ما فيه، وقيل: فاتبع قِراءَتَهُ (٤)، قال الشاعر:

стр. 1629

٤٣٤ - يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنا (١) وقيل: معنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾؛ أي: أنْزَلْناهُ، وقيل: بَيَّنّاهُ، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: فاستمع له، وقيل: اعْمَلْ بِما فيه، وقيل: اتَّج حَلَالَهُ وَحَرامَهُ. قال ابن عباس ﵁: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا نَزَلَ عليه القُرْآنُ تَعَجَّلَ به لِشِدَّتِهِ عليه، فكان يُحَرِّكُ به لِسانَهُ يريد أن يحفظه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. . الآية. فكان بعد هذا إذا نزل عليه جبريل أطْرَقَ، فإذا ذَهَبَ قَرَأ كما وَعَدَهُ اللَّهُ" (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ نُبَيِّنُ لك حَلَالَهُ من حَرامِهِ ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ

стр. 1630

الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾ يعني: كفار مكة يحبون الدنيا ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١)﴾؛ أي: تختارون الحياة الدنيا على الآخرة، قرأ أهل المدينة والكوفة: ﴿تُحِبُّونَ﴾ و"تَذَرُونَ" بالتاء، وقرأ غيرهم بالياء (١)، نظيرها في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (٢). ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة ﴿نَاضِرَةٌ﴾ حَسَنةٌ مُضِيئةٌ مُسْفِرةٌ ناعِمةٌ غَضّةٌ، يقال: شجرة ناضرة ورَوْضٌ ناضِرٌ، ويقال: نَضَرَ وَجْهُهُ يَنْضُرُ، وَنَضِرَ يَنْضُرُ، وَنَضَرَهُ اللَّهُ وَأنْضَرَهُ، ويقال: نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَ فُلَانٍ نَضْرةً وَنَضارةً (٣)، قال رسول اللَّه ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها" (٤)، ونظير هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (٥). وقال صاحب ضياء الحلوم (٦) في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾؛ أي:

стр. 1631

لِرَحْمةِ رَبِّها مُنْتَظِرةٌ، وقال الشاعر: ٤٣٥ - إنِّي إلَيْكِ لِما وَعَدْتِ لَناظِرٌ... نَظَرَ الفَقِيرِ إلَى الغَنِيِّ المُوسِرِ (١) وقيل: معنى ﴿نَاظِرَةٌ﴾ في الآية من نَظَرِ العَيْنِ؛ أي: تَنْظُرُ إلَى ثواب اللَّه تعالى، تَلْتَذُّ بذلك، وقيل: ناظرة إلَى اللَّه مُشاهِدةٌ له. قال (٢): وذلك لا يَصِحُّ لأن النظر لا يقع إلا عن مقابلة إلَى عَيْنٍ، واللَّه تعالى مُتَعالٍ عن ذلك، ويقال: انْظُرْ إلَيَّ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْكَ؛ أي: ارْحَمْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (٣)، ويقال: نَظَرَ الدَّهْرُ إلَى القَوْمِ: إذا هَلَكُوا، ويقولون: إذا نَظَرَ إلَيْكَ الجَبَلُ؛ أي: ظَهَرَ لَكَ". هكذا ذَكَرَهُ (٤)، وهذا مخالف لِمَذْهَبِ أهْلِ السُّنّةِ والجماعة، وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ أي: هَذِهِ ناظِرةٌ، يعني: تَنْظُرُ إلَى رَبِّها عِيانًا بلا حَدٍّ وَلَا كَيْفِيّةٍ وَلا مُلَامَسةٍ، كما نَطَقَ القُرْآنُ، وَتَواتَرَتْ به الأخْبارُ والآثارُ عن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله المصطفين الأخيار. فصل عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ أدْنَى أهْلِ الجَنّةِ مَنْزِلةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلَى جِنانِهِ وَأزْواجِهِ وَسُرُرِهِ وَنَعِيمِهِ مَسِيرةَ ألْفِ عامٍ، وإنَّ

стр. 1632

أكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّه تعالى لَمَنْ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهِ ﵎ غُدْوةً وَعَشِيّةً"، ثم قرأ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١). وعن جابِرٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَتَجَلَّى لَنا رَبُّنا حَتَّى نَنْظُرَ إلَى وَجْهِهِ، فَيَخِرُّونَ للَّه سُجَّدًا، فيقول: ارْفَعُوا رُؤوسَكُمْ، فَلَيْسَ هذا بِيَوْمِ عِبادةٍ" (٢). وعن صُهَيْبٍ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنّةِ الجَنّةَ يَقُولُ اللَّهُ تعالى: تُرِيدُونَ شيئًا أزِيدُكُمْ؟ فيقولون: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنّةَ وَتُنْجِنا مِنَ النّارِ؟ قال: فَيَكْشِفُ الحِجابَ، فما أُعْطُوا شيئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ من النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ" (٣). وَرَوَى الحَسَنُ عن عَمّارِ بن ياسر قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ النَّظَرَ إلَى وَجْهِكَ، والشَّوْقَ إلَى لِقائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرّاءَ مُضرّةٍ، وَلَا فِتْنةٍ مُضِلّةٍ" (٤).

стр. 1633

قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ يعنِي: كالِحةٌ عابِسةٌ كَئِيبةٌ مُتَغَيِّرةٌ مُسْوَدّةٌ مُغْبَرّةٌ ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾؛ أي: داهية، والفاقِرةُ: الداهية العظيمة والأمر الشديد، وأصلها من الفِقْرةِ والفَقارةِ وهما شيء واحد، وَسُمِّيَتْ فاقِرةً لأنها تَكْسِرُ فَقارَ الظَّهْرِ (١). فمن قال: فَقارةٌ فَجَمْعُها فَقارٌ، ومن قال: فِقْرةٌ فَجَمْعُها فِقَرٌ (٢)، فكأن ﴿فَاقِرَةٌ﴾: داهِيةٌ تقطع فَقارَ ظَهْرِهِ، وهو خَرَزةُ الصُّلْبِ (٣)، واحدها فَقارةٌ، تقول: فَقَرْتُ الرَّجُلَ: إذا كَسَرْتَ فَقارَهُ، كما تقول: رَأسْتُهُ: إذا ضَرَبْتَ رَأْسَهُ (٤). قوله: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: لا يُؤْمِنُ الكافرُ بهذا ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ يعني: إذا بلغت النَّفْسُ أو الرُّوحُ الحُلْقُومَ، كناية عن غير مذكور، والتَّراقِي جمع تَرْقُوةٍ، وهي عَظْمُ وَصْلٍ بين ثُغْرةِ النَّحْرِ والعاتق (٥)، ويُكَنَّى بِبُلُوغِ التَّراقِي عن الإشْفاءِ على الموت.

стр. 1634

قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ كان حَفْصٌ يقف على النون من قوله: ﴿مَنْ﴾ وَقْفةً، ثم يبتدئ: ﴿رَاقٍ﴾ (١)، والمعنى: مَنْ يَصْعَدُ بِرُوحِهِ إلَى السماء؟ مَلَائِكةُ الرَّحْمةِ أم مَلَائِكةُ العَذابِ؟ (٢). وقيل (٣): معناه: هَلْ مِنْ طَبِيبٍ يَرْقِي؟ هَلْ مِنْ مُداوٍ شافٍ؟ قال قتادة (٤): التَمَسُوا له الأطِبّاءَ، فلم يُغْنُوا عنه من قَضاءِ اللَّه شيئًا، ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾؛ أي: عَلِمَ أنه الخروج من الدنيا، كما قال بعضهم: ٤٣٦ - فِراقٌ لَيْسَ يُشْبِهُهُ فِراقُ... قَدِ انْقَطَعَ الرَّجاءُ عَنِ التَّلَاقِي (٥) فصل عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن العبد لَيُعالِجُ كُرَبَ المَوْتِ وَسَكَراتِهِ، وَإنَّ مَفاصِلَهُ يُسَلِّمُ بَعْضُها على بَعْضٍ، تقول:

стр. 1635

عَلَيْكَ السَّلَامُ تُفارِقُنِي وَأُفارِقُكَ إلَى يوم القيامة" (١). قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ يعني شِدّةَ الدنيا وَشِدّةَ الآخرة، وما في الآخرة من النَّكالِ والزَّلَازِلِ والأهوال، ومعنى "التَفَّتْ": التَصَقَتْ، من قولهم: امْرَأةٌ لَفّاءُ: إذا التَصَقَتْ فَخِذاها (٢)، ويقال: هو من التِفافِ ساقَيِ الرَّجُلِ عند السِّياقِ، يعني: عند سَوْقِ رُوحِ العبد إلَى رَبِّهِ، يقال: التَفتِ السّاقُ بِالسّاقِ مثل قولهم: شَمَّرَتِ الحَرْبُ عن ساقِها: إذا اشْتَدَّتْ (٣)، قال الشاعر يصف حَرْبًا: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا وَجَدَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا (٤) وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ يعني: النهاية والمرجع إلَى اللَّه تعالى في الآخرة، وهو رفع خبر ﴿إِلَى﴾، وإن شئت قلت: رفعه على الابتداء، وخبره ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ مقدم عليه. قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ يعني أبا جهل بن هشام، إذْ لَمْ يُصَدَّقْ بالقرآن، ولا صَلَّى له ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾ بالقرآن ﴿وَتَوَلَّى (٣٢)﴾؛ أي: أعْرَضَ عن الإيمان باللَّه ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ يعني: يَتبَخْتَرُ، يقال: جاءَ يَمْشِي المُطَيْطاءَ، وهي

стр. 1636

مِشْيةٌ يَتَبَخْتَرُ فيها وَيَمُدُّ مَطاهُ فِي مَشْيِهِ، وأصله من المَطا وهو الظَّهْرُ (١)، وقيل (٢): أصله: يَتَمَطَّطُ؛ أي: يَتَمَدَّدُ، والمَطُّ: المَدُّ، فَجُعِلَتْ إحدى الطاءين ياءً، كما قيل: يَتَظَنَّى وأصله: يَتَظَنَّنُ. وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ هذا وعيد وتهديد على إثْرِ وعيد وتهديد من اللَّه تعالى إلَى أبِي جهل -لعنه اللَّه-، قالت الخنساء: ٤٣٧ - هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ... فَأوْلَى لِنَفْسِي، أوْلَى لَها (٣)

стр. 1637

و ﴿أَوْلَى﴾ كلمة تُقالُ للرجل يصيبه مَكْرُوهٌ يستوجبه، وقيل (١): هي كلمة تقولها العرب لِمَنْ قارَبَهُ المَكْرُوهُ، وأصله من الوَلى وهو القُرْبُ، قال الشاعر: ٤٣٨ - فَصالُوا صَوْلةً فِيمَنْ يَلِيهِمْ... وَصُلْنا صَوْلةً فِيمَنْ يَلِينا (٢) والعرب تقول للرجل إذا قارَبَ العَطَبَ: أوْلَى لَكَ أي؛ كِدْتَ تَذْهَبُ (٣)،

стр. 1638

و ﴿لَكَ﴾ في هذا الموضع بمعنى "بكَ"؛ لأن العرب تضع هذه اللام موضع الباء، تقول: لِما صَبَرُوا، والمعنى: أولَى لَكَ فَأوْلَى، فَكَرَّرَهُ على وجه التأكيد (١). وقال بعض أهل اللغة (٢): جاء ﴿أَوْلَى﴾ غَيْرَ مُنَوَّنٍ؛ لأن تقديره "أفْعَلُ"، مثل: أعْمَى وَأعْشَى، ومعناه من الوَيْلِ، ويُقالُ (٣): إن الوَيْلَ مُشْتَقٌّ من فعل قد مات فِعْلُهُ، ومنه قول جَرِيرٍ: ٤٣٩ - يَضْرِبْنَ بِالأكْبادِ وَيْلًا وائِلا يَتْرُكْنَ أطْرافَ الخُصَى جَلاجِلا (٤)

стр. 1639

فتقدير ﴿فَأَوْلَى﴾: "أفْعَلُ" من الوَيْلِ، وكان يجب أن يكون أويلَ، إلّا أن عين الفعل جُعِلَتْ موضع اللام، وَجُعِلَت اللامُ موضع اللام، كما قالوا: قَوْسٌ وَقِسِيٌّ. ومعنى الآية: كأنه يقول لأبِي جَهْلٍ: الوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَجِيءُ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَمُوتُ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تُبْعَثُ، والوَيْلُ لَكَ يَوْمَ تَدْخُلُ النّارَ، وَرُوِيَ أن النَّبِيَّ ﷺ كان يقول: "لِكُلِّ أُمّةٍ فِرْعَوْنٌ، وَإن فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمّهِ أبو جهل - لَعَنَهُ اللَّهُ" (١). وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني أبا جهل ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾؛ أي: مُهْمَلًا فلا يُؤْمَرَ بخَيْرٍ، ولا يُنْهَى عن شَرٍّ، ولا يُحاسَبَ بِعَمَلِهِ في الآخرة، كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (٢)، يُقالُ: أسْدَيْتُ حاجَتِي؛ أي: ضَيَّعْتُها، وَإبِلٌ سُدًى: تَرْعَى حيث شاءَتْ بلا راعٍ، و ﴿سُدًى﴾ فِي موضع نصب على الحال (٣)، وإن شئت على خَبَرِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ (٤)، وقرأ أهل الكوفة: "سُدَى" بالإمالة فِي حال الوقف (٥).

стр. 1640

قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ يُمْنِيها الرَّجُلُ في الرَّحِمِ أي: يَصُبُّها، قرأ الحسن وابن مُحَيْصِنٍ ويعقوبُ وسَلَّامٌ: ﴿يُمْنَى﴾ بالياء، وهي رواية حَفْصٍ والمُفَضَّلِ عن عاصم واختيار أبِي عُبَيْدٍ لأجل المَنِيِّ، وقرأ الباقون بالتاء (١) لتأنيث النُّطْفةِ، وهو اختيار أبِي حاتم. ومعنى قوله: ﴿يُمْنَى﴾؛ أي: تُقَدَّرُ وَتُخْلَقُ، والمَنِي مُشَدَّدٌ وهو الذي يخرج بالشهوة مُتَتابعًا، والذي يخرج بعد البول: الوَدْيُ، وهو مُخَفَّفٌ، وَحُكِيَ بالتشديد أيضًا (٢). قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾ يعني: بَعْدَ النُّطْفةِ، والعَلَقةُ: الدَّمُ ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)﴾ يعني: فَسَوَّى خَلْقَهُ ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾ يعني: مِنَ الدَّمِ ﴿الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ الذَّكَرُ زَوْجٌ، والأُنْثَى زَوْج، وهما بَدَلٌ من ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾، و ﴿فَجَعَلَ﴾ هاهنا بمعنى "خَلَقَ"، فلذلك تعدى إلَى مفعول واحد (٣). قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ يعني الذي فعل هذا ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ وهذا تقريرٌ لَهُمْ؛ أي: مَنْ قَدَرَ على الابتداء أقْدَرُ على البعث بعد الموت، وفي هذه

стр. 1641

الآية رَدٌّ على الدَّهْرِيّةِ وأصحابِ [عبد اللَّهِ بنِ] (١) معاوية والنَّصارَى الذين يزعمون أن الأجساد لا تُبْعَثُ (٢). ولا يجوز الإدغام في الياءين عند النحويين كما لا يجوز إذا لَمْ يُنصب الفعل؛ لأنك لو أدغمت لالتَقَى ساكنانِ، إذ الثانِي ساكنٌ، والأول لا يُدْغَمُ حَتَّى يُسَكَّنَ، وكذلك كل حَرْفٍ أدْغَمْتَهُ فِي حرف بعده، لا بدَّ من إسكان الأول، وقد أجمعوا على منع الإدغام فِي حال الرفع، فأما فِي حال النصب فقد أجازه الفَرّاءُ لأجل تَحَرُّكِ الياء الثانية (٣)، وهو لا يجوز عند البصريين (٤)؛ لأن الحركة عارضة ليست بأصل.

стр. 1642

فصل عن البَراءِ بن عازِبٍ ﵁ قال: لَمّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، قال الرسولُ ﷺ : "سُبْحانَكَ، بَلَى" (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: من قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] (٢) إمامًا كان أو غَيْرَهُ، و ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، فقال: سُبْحانَكَ، وَبَلَى، غُفِرَ لَهُ" (٣)، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 1643

سورة الإنسان مدنية، وقيل: مكية وهي ألف وأربعة وخمسون حرفًا، ومائتان واثنتان وأربعون كلمةً، وإحدى وثلاثون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ كانَ جَزاؤهُ عَلَى اللَّهِ جَنّةً وَحَرِيرًا" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ فِي الجَنّةِ أعْلَى مِنْهُ إلّا نَبِيٌّ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يعني آدَمَ ﵇، وهو أوَّلُ مَنْ

стр. 1644

سُمِّيَ به، ﴿هَلْ﴾ هاهنا خَبَر بمعنى "قَدْ"، وليس باستفهام (١)، وقيل (٢): هو إستفهام، والإنسان عامٌّ. وقوله: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ وَقْتٌ من الدهر ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ بأمْرٍ وَلَا نَهْيٍ ولا شَرَفٍ ولا غَيْرِهِ، قال ابن عباس (٣): الإنسان: آدم، والحِينُ: أَربعون سنةً، كان جَسَدُهُ مُلْقًى من طين على باب الجنة قبل أن يُنْفَخَ فيه الروحُ، وقيل (٤): كان مُلْقًى بين مكة والطائف، وقال صاحب "إنسان العين" (٥): تسعة أشهر، والإنسان عامٌّ. وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني وَلَدَ آدَمَ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني مَنِيَّ الرَّجُلِ ومَنِيَّ المرأة، وكُلُّ ماءٍ قَلِيلٍ فِي وِعاءٍ فهو نُطْفةٌ كقول عبد اللَّه بن رَواحةَ الأنصاريِّ:

стр. 1645

٤٤٠ - هَلْ أنْتِ إلّا نُطْفةٌ فِي شَنَّهْ (١) وجمعها: نِطافٌ وَنُطَفٌ، وأصلها من: نَطَفَ: إذا قَطَرَ (٢). وقوله: ﴿أَمْشَاجٍ﴾؛ أي: أخْلَاطٍ، وهو من نعت النُّطْفةِ، واحدها: مِشْجٌ ومَشِيجٌ مثل خِدْنٍ وخَدِينٍ، يقال: مَشَجْتُ هذا بِهَذا: إذا خَلَطْتَهُ فهو مَمْشُوجٌ وَمَشِيجٌ مثل مَخْلُوطٍ وخَلِيطٍ (٣). قال أهل المعانِي (٤): وَبِناءُ الأمْشاجِ بِناءُ جَمْعٍ، وهي في معنى الواحد؛ لأنه نعت النطفة، وهذا كما يُقالُ: بُرْمة أعْشارٌ، وَجَفْنةٌ أكْسارٌ، وَثَوْب أسْمالٌ،

стр. 1646

وَبُردٌ أخْلَاقٌ، وحَبْلٌ أرْمامٌ (١)، وَوَصْفُ الجماعة منها كَوَصْفِ الواحد، ومعناه أن ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرَّحِمِ، فيكون الوَلَدُ منهما جميعًا (٢). وقيل (٣): هو اختلاط النطفة بالدم، وماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فما كان مِنْ عَصَبٍ وَعَظْمٍ وَقُوّةٍ فهو من ماء الرجل، وما كان مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ وَشَعَرٍ فهو من ماء المرأة، فَأيُّهُما عَلا ماءَ صاحِبِهِ كان الشَّبَهُ لَهُ. وَتَمَّ الكلام، ثم قال: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾؛ أي: نَخْتَبِرُهُ بالأمر والنهي والدِّينِ ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قال الفَرّاءُ (٤): فيه تقديم وتأخير، المعنى: جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا لِنَبْتَلِيَهُ، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ يعني: بَيَّنّا له الطرِيقَ طَرِيقَ الهُدَى والضَّلَالةِ والخَيْرِ والشَّرِّ ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ يعني: إما مؤمنًا سعيدًا وإما كافرًا شَقِيًّا، معناه: خلقناه إما كذا وإما كذا، وهما منصوبان على الحال، وقيل: معنى الكلام الجَزاءُ، يعني: بَيَّنّا له الطريق إنْ شاءَ شَكَرَ، وإنْ شاءَ كَفَرَ، وهو اختيار الفَرّاءِ (٥)، وهذا على مذهب الكوفيين، أجازوا أن تكون "ما"

стр. 1647

زائدة، و"إنْ" للشرط، ولا يجوز هذا عند البصريين (١). وقيل (٢): هي حال مقدرة، والتقدير: إمّا أنْ يَحْدُثَ مِنْهُ عند فَهْمِهِ الشُّكْرُ، فهو علامة السعادة، وَإمّا أنْ يَحْدُثَ مِنْهُ الكُفْرُ، فهو علامة الشقاوة، وذلك كُلُّهُ على ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّه فيهم. ثم بَيَّنَ ما أعَدَّ للكافرين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ يعني: في جهنم، كل سلسلة سبعون ذراعًا بذراع الرجل الطويل من الخَلْقِ الأول ﴿وَأَغْلَالًا﴾ يعني: في أيديهم تُغَلُّ إلَى أعناقهم ﴿وَسَعِيرًا﴾ وَقُودًا شديدًا. قرأ أبو جعفر وشيبةُ ونافعٌ، وعاصمٌ برواية أبِي بكر، وهشامٌ والأعمشُ وأيوبُ والكسائيُّ: ﴿سَلَاسِلَ﴾ بإثبات الألف في الوقف والتنوينِ في الوصل،

стр. 1648

وكذلك "قَوارِيرًا. قَوارِيرًا"، وقرأ ضِدَّهُ خَلَفٌ وَحَمْزةُ وحَفْصٌ ويعقوبُ برواية وَرْشٍ (١). وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ مِن العرب مَنْ يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا ينصرف، وهو لغةُ الشعراء، لأنهم اضطروا إليه فِي الشِّعْرِ فَصَرَفُوهُ، فَجَرَتْ على ألسنتهم كذلك (٢). والوجه الآخر: أن هذا الجمع أشْبَهَ الآحادَ؛ لأنهم قالوا: "صَواحِباتُ يُوسُفَ" (٣)، ويقولون: مَوالِياتٌ في جمع المَوالِي، فمن حيث جَمَعُوهُ جَمْعَ الآحادِ المُنْصَرِفةِ، وجعلوه في حكمها، صَرَفُوهُ، وأنشد النحويون للفرزدق: وَإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهُمْ... خُضُعَ الرّقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ (٤)

стр. 1649

وَرَوَوْهُ بكسر السين من نَواكِسِ، وأصله "نَواكِسِينَ"، فَحُذِفَت النونُ للإضافة والياءُ لالتقاء الساكنين، فبقيت السين مكسورةً في اللفظ، فَدَلَّ جَمْعُهُ على أنه يُجْمَعُ كسائر الجموع، والجُمُوعُ كُلُّها منصرفة، فَصُرِفَ هذا أيضًا على ذلك (١). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿قَوَارِيرًا﴾ الأولى بالألف، والثانيةَ بغير ألف (٢)، قال أبو عبيد (٣): رأيتُ في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿قَوَارِيرًا﴾ الأولى بِألِفٍ مُثْبَتةٍ، والثانية كانت بالألف فَحُكَّتْ، وَرَأيْتُ أثَرَها بَيِّنًا هناك. ثم ذَكَرَ ما أعَدَّ للشاكرين فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ يعني المطيعين للَّه، واحدهم: بارٌّ مثل: ناصر والأنصار، وبَرٌّ أيضًا مثل: نَهْرٍ وأنْهارٍ (٤) ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾؛ أي: من إناء فيه خَمْرٌ ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ وَصَفَها اللَّهُ

стр. 1650

بِبَرْدِ الكافُورِ وَرِيحِ المِسْكِ وَطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ليس كَكافُورِ الدنيا، ولا كَمِسْكِ الدنيا، ولا كَزَنْجَبِيلِ الدنيا، ولَكِنْ يُشَبِّهُ ما عنده بما عندكم لكي تَهْتَدِيَ إليها القلوبُ (١)، ويقال (٢): إنَّ فِي الجنة عَيْنًا يُقالُ لها: الكافُورُ تُمْزَجُ بِها الخَمْرِ. فصل عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما مِنْ وَلَدٍ بارٍّ يَنْظُرُ إلَى أبَوَيْهِ نَظْرةَ رَحْمةٍ، إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ نَظْرةٍ حِجّةٌ مَبْرُورةٌ"، قيل: يا رسول اللَّه: وَإنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائةَ مَرّةٍ؟ قال: "نَعَمْ! اللَّهُ أطْيَبُ وَأكْثَرُ" (٣). ثم ذَكَرَ اللَّهُ الكافورَ، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ الباء صلة؛ أي: يَشْرَبُها عِبادُ اللَّه (٤)، يعني: أولياء اللَّه ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ قيل (٥): مَعَهُمْ قُضْبانُ الذَّهَبِ يَضْرِبُونَ بِها حيث شاؤوا، وحيث أمالُوا قُضْبانَهُمْ مالَتْ، يُفَجِّرُونَ بِها
следующие страницы →