← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وَبُردٌ أخْلَاقٌ، وحَبْلٌ أرْمامٌ (١)، وَوَصْفُ الجماعة منها كَوَصْفِ الواحد، ومعناه أن ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرَّحِمِ، فيكون الوَلَدُ منهما جميعًا (٢). وقيل (٣): هو اختلاط النطفة بالدم، وماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فما كان مِنْ عَصَبٍ وَعَظْمٍ وَقُوّةٍ فهو من ماء الرجل، وما كان مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ وَشَعَرٍ فهو من ماء المرأة، فَأيُّهُما عَلا ماءَ صاحِبِهِ كان الشَّبَهُ لَهُ. وَتَمَّ الكلام، ثم قال: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾؛ أي: نَخْتَبِرُهُ بالأمر والنهي والدِّينِ ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قال الفَرّاءُ (٤): فيه تقديم وتأخير، المعنى: جَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا لِنَبْتَلِيَهُ، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ يعني: بَيَّنّا له الطرِيقَ طَرِيقَ الهُدَى والضَّلَالةِ والخَيْرِ والشَّرِّ ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ يعني: إما مؤمنًا سعيدًا وإما كافرًا شَقِيًّا، معناه: خلقناه إما كذا وإما كذا، وهما منصوبان على الحال، وقيل: معنى الكلام الجَزاءُ، يعني: بَيَّنّا له الطريق إنْ شاءَ شَكَرَ، وإنْ شاءَ كَفَرَ، وهو اختيار الفَرّاءِ (٥)، وهذا على مذهب الكوفيين، أجازوا أن تكون "ما"

стр. 1647

زائدة، و"إنْ" للشرط، ولا يجوز هذا عند البصريين (١). وقيل (٢): هي حال مقدرة، والتقدير: إمّا أنْ يَحْدُثَ مِنْهُ عند فَهْمِهِ الشُّكْرُ، فهو علامة السعادة، وَإمّا أنْ يَحْدُثَ مِنْهُ الكُفْرُ، فهو علامة الشقاوة، وذلك كُلُّهُ على ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّه فيهم. ثم بَيَّنَ ما أعَدَّ للكافرين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ يعني: في جهنم، كل سلسلة سبعون ذراعًا بذراع الرجل الطويل من الخَلْقِ الأول ﴿وَأَغْلَالًا﴾ يعني: في أيديهم تُغَلُّ إلَى أعناقهم ﴿وَسَعِيرًا﴾ وَقُودًا شديدًا. قرأ أبو جعفر وشيبةُ ونافعٌ، وعاصمٌ برواية أبِي بكر، وهشامٌ والأعمشُ وأيوبُ والكسائيُّ: ﴿سَلَاسِلَ﴾ بإثبات الألف في الوقف والتنوينِ في الوصل،

стр. 1648

وكذلك "قَوارِيرًا. قَوارِيرًا"، وقرأ ضِدَّهُ خَلَفٌ وَحَمْزةُ وحَفْصٌ ويعقوبُ برواية وَرْشٍ (١). وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ مِن العرب مَنْ يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا ينصرف، وهو لغةُ الشعراء، لأنهم اضطروا إليه فِي الشِّعْرِ فَصَرَفُوهُ، فَجَرَتْ على ألسنتهم كذلك (٢). والوجه الآخر: أن هذا الجمع أشْبَهَ الآحادَ؛ لأنهم قالوا: "صَواحِباتُ يُوسُفَ" (٣)، ويقولون: مَوالِياتٌ في جمع المَوالِي، فمن حيث جَمَعُوهُ جَمْعَ الآحادِ المُنْصَرِفةِ، وجعلوه في حكمها، صَرَفُوهُ، وأنشد النحويون للفرزدق: وَإذا الرِّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهُمْ... خُضُعَ الرّقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ (٤)

стр. 1649

وَرَوَوْهُ بكسر السين من نَواكِسِ، وأصله "نَواكِسِينَ"، فَحُذِفَت النونُ للإضافة والياءُ لالتقاء الساكنين، فبقيت السين مكسورةً في اللفظ، فَدَلَّ جَمْعُهُ على أنه يُجْمَعُ كسائر الجموع، والجُمُوعُ كُلُّها منصرفة، فَصُرِفَ هذا أيضًا على ذلك (١). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿قَوَارِيرًا﴾ الأولى بالألف، والثانيةَ بغير ألف (٢)، قال أبو عبيد (٣): رأيتُ في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿قَوَارِيرًا﴾ الأولى بِألِفٍ مُثْبَتةٍ، والثانية كانت بالألف فَحُكَّتْ، وَرَأيْتُ أثَرَها بَيِّنًا هناك. ثم ذَكَرَ ما أعَدَّ للشاكرين فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ يعني المطيعين للَّه، واحدهم: بارٌّ مثل: ناصر والأنصار، وبَرٌّ أيضًا مثل: نَهْرٍ وأنْهارٍ (٤) ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾؛ أي: من إناء فيه خَمْرٌ ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ وَصَفَها اللَّهُ

стр. 1650

بِبَرْدِ الكافُورِ وَرِيحِ المِسْكِ وَطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ليس كَكافُورِ الدنيا، ولا كَمِسْكِ الدنيا، ولا كَزَنْجَبِيلِ الدنيا، ولَكِنْ يُشَبِّهُ ما عنده بما عندكم لكي تَهْتَدِيَ إليها القلوبُ (١)، ويقال (٢): إنَّ فِي الجنة عَيْنًا يُقالُ لها: الكافُورُ تُمْزَجُ بِها الخَمْرِ. فصل عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما مِنْ وَلَدٍ بارٍّ يَنْظُرُ إلَى أبَوَيْهِ نَظْرةَ رَحْمةٍ، إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ نَظْرةٍ حِجّةٌ مَبْرُورةٌ"، قيل: يا رسول اللَّه: وَإنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائةَ مَرّةٍ؟ قال: "نَعَمْ! اللَّهُ أطْيَبُ وَأكْثَرُ" (٣). ثم ذَكَرَ اللَّهُ الكافورَ، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ الباء صلة؛ أي: يَشْرَبُها عِبادُ اللَّه (٤)، يعني: أولياء اللَّه ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ قيل (٥): مَعَهُمْ قُضْبانُ الذَّهَبِ يَضْرِبُونَ بِها حيث شاؤوا، وحيث أمالُوا قُضْبانَهُمْ مالَتْ، يُفَجِّرُونَ بِها

стр. 1651

تلك العَيْنَ، وقيل (١): الباء بمعنى "مِنْ"؛ أي: يَشْرَبُ مِنْها عِبادُ اللَّه، يعني: مِنْ مَنازِلِهِمْ وَقُصُورِهِمْ حيث يريدون، وَيَقُودُونَها حيث شاؤوا، كما يُفَجِّرُ الرَّجُلُ منكم النَّهَرَ يكون له في الدنيا إلَى حيث يريد. ونصب ﴿عَيْنًا﴾ على البَدَلِ من الكافور (٢)، وقيل (٣): على البَدَلِ من ﴿كَأْسٍ﴾ على الموضع، وقيل (٤): على الحال والقطع، وقيل (٥): نصب بإضمار فعل أي: يشربون عَيْنًا، يعني: مِنْ ماءِ عَيْنٍ، ثم حُذِفَ المضافُ، وقال المُبَرِّدُ (٦): انتصب على إضمار "أعْنِي"، وقيل: على المدح، وهو قول الأخفش (٧)، وقال الفراء (٨): هي كالمُفَسِّرِ للكافور، وقال الزَّجّاجُ (٩): الأجود أن يكون المعنى: مِنْ عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه. وكُلُّ هذه الوجوهِ مُحْتَمِلةٌ لَها.

стр. 1652

وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وهذا من صفات الأبرار فِي الدنيا، أي: كانوا في الدنيا كذلك يوفون بطاعة اللَّه من الصلاة والزكاة والحج والعمرة وغيرها من الواجبات، ومعنى النَّذْرِ في اللغة: الإيجابُ، والمعنى: ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عليهم من الطاعات ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ يعني يوم القيامة ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ يعني: طويلًا مُمْتَدًّا، وقيل: فاشِيًا مُنْتَشِرًا، يقال (١): اسْتَطارَ الصَّدْعُ في الزجاجة: إذا امْتَدَّ، واستطار الحَرِيقُ: إذا انتشر، واستطار الفَجْرُ: إذا انْتَشَرَ الضَوْءُ، قال الأعشى: ٤٤١ - فَبانَتْ وَقَدْ أسْأرَتْ فِي الفُؤا... دِ صَدْعًا عَلَى نَأْيِها مُسْتَطِيرا (٢) ويقال: اسْتَطارَ واسْتَطالَ بمعنًى واحدٍ (٣)، وهو يَوْمَ تَنْشَقُّ السَّماءُ، وَتَنْفَطِرُ الأرْضُ، وَتتَناثَرُ النُّجُومُ، وَتَفْزَعُ المَلَائِكةُ، وَتُكَوَّرُ الشَمْسُ والقَمَرُ، فَيَذْهَبُ ضَوْؤُهُما، وَتُزَلْزَلُ الأرْضُ، وَتَنْشَقُّ الجِبالُ فَتَغُورُ المِياهُ، ويُكَسَّرُ كُلُّ شَيْءٍ على

стр. 1653

الأرض من جَبَلٍ أو بناءٍ أو شَجَرٍ، فَفَشا شَرُّ ذلك اليَوْمِ وانْتَشَرَ، ونصب ﴿يَوْمًا﴾ بـ ﴿يَخَافُونَ﴾. قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل (١): الهاء عائدة على الطعام؛ أي: على حُبِّهِمُ الطَّعامَ وَشِدّةِ فاقَتِهِمْ إلَيْهِ، وقيل: الهاء عائدة إلَى اللَّه تعالى، أي: على حُبِّ اللَّه -سبحانه-، قاله أبو سليمان الدّارانِيُّ (٢) ﴿مِسْكِينًا﴾ يعني: الذي لا مال له ﴿وَيَتِيمًا﴾ لا أبَ له ﴿وَأَسِيرًا (٨)﴾ في أيديهم. قيل (٣): نزلت هذه الآية في عَلِيِّ بن أبِي طالب -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ-، أجَّرَ نَفْسَهُ لَيْلةً يَسْقِي نَخْلًا بِشَيءٍ من الشَّعِيرِ، فلما أصْبَحَ وَقَبَضَ الشَّعِيرَ طَحَنَ ثُلُثَهُ، فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه يقال له: الحَرِيرةُ (٤)، فلما تَمَّ إنْضاجُهُ أتَى مِسْكِينٌ فَسَألَ، فأخرجوا إليه الطعامَ، ثُمَّ عُمِلَ الثُلُثُ الثّانِي، فلما تَمَّ إنْضاجُهُ أتَى يَتِيمٌ فَسَألَ فَاطْعَمُوهُ إيّاهُ، ثُمَّ عُمِلَ الثُّلُثُ الباقي، فلما تَمَّ إنْضاجُهُ أتَى أسِيرٌ من المشركين فَسَألَ، فَأطْعَمُوهُ إيّاهُ، وَطَوَوْا يَوْمَهُمْ ذلك، فنَزَلَتْ هذه الآيةُ، وقيل:

стр. 1654

الأسير هو المسجون، وقيل: المملوك، وقال أبو حمزة الثُّمالِيُّ (١): الأسير: المرأة بدليل قوله ﷺ : "اسْتَوْصُوا بالنساء خَيْرًا، فَإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُمْ" (٢)، والعَوانِي: الأسِيراتُ (٣). عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما مِنْ مُسْلِمٍ أطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ إلّا أطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمارِ الجَنّةِ، وما مِنْ مُسْلِمٍ كَسا أخاهُ عَلَى عُرْيٍ إلّا كَساهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنّةِ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا على ظَمَأٍ سَقاهُ اللَّهُ من الرَّحِيقِ المَخْتُومِ" (٤). قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ يعني: للَّه وَلِما يُرْضِيهِ ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ يعني: لا نريد منكم ثَناءً ولا مُكافَأةً، والمعنى واحد لاختلاف اللفظين،

стр. 1655

وهو مصدر كالقُعُودِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ (١). قوله: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ يعني: شديدًا طويلًا، يقال له: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَقُماطِرُ: إذا كان شديدًا كَرِيهًا (٢)، واقْمَطَرَّ اليَوْمُ وازْمَهَرَّ اقْمِطْرارًا وازْمِهْرارًا، وَيَوْمٌ مُقْمَطِرٌّ: إذا كان صَعْبًا شَدِيدًا (٣). واليَوْمُ العَبُوسُ: الذي تَعْبَسُ فيه الوُجُوهُ مِنْ شِدَّتِهِ وكَثْرةِ أهْوالِهِ وَمَكارِهِهِ (٤)، قال الشاعر: ٤٤٢ - فَفِرُّوا إذا ما الحَرْبُ ثارَ غُبارُها... وَلَجَّ بِها اليَوْمُ العَبُوسُ القُماطِرُ (٥) وَأنْشَدَ الفَرّاءُ (٦):

стр. 1656

٤٤٣ - بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا... عَلَيْكُمْ إذا ما كانَ يَوْمٌ قُماطِرُ (١) قوله: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ يعني شَرَّ يَوْمِ القيامةِ ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ نَضْرةً: حُسْنًا وَبَياضًا فِي الوجوه، وَسُرُورًا: في القلوب لا انقطاع له، وذلك أن المؤمن يَخْرُجُ من قَبْرِهِ يوم القيامة فينظر أمامه، فإذا هو بإنسانٍ وَجْهُهُ مثل الشمس يضحك، طَيِّبُ النَّفْسِ، عليه ثِيابٌ بيضٌ، وعلى رأسه تاجٌ، فَيَنْظُرُ إليه حتى يَدْنُوَ منه، فيقول: سَلالم عَلَيْكَ يا وَلِيَّ اللَّهِ، فيقول: وعليك السلام، مَنْ أنْتَ يا عبد اللَّه؟ أنْتَ مَلَكٌ من الملائكة؟، فيقول: لا، فيقول: أنْتَ نَبِيٌّ من الأنبياء؟ فيقول: لا واللَّهِ، فيقول: أنت من المُقَرَّبِينَ؟ فيقول: لا واللَّهِ، فيقول: مَنْ أنْتَ؟ فيقول: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، أُبَشِّرُكَ بالجَنّةِ والنَّجاةِ من النار، فيقول له: يا عبد اللَّه: أبعِلْمٍ تُبَشِّرُني؟ فيقول: نَعَمْ، فيقوَل: ما تُرِيدُ مِنِّي؟ فيقول: ارْكَبِنْي، فيقول: سبحانَ اللَّه! ما يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أنْ يُرْكَبَ عليه، فيقول: بَلَى فَإنِّي طالَما رَكِبْتُكَ في دارِ الدُّنْيا، فَإنِّي أسْألُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ إلّا رَكِبْتَنِي، فَيَرْكَبُهُ فيقول: لا تَخَفْ، أنا دَلِيلُكَ إلَى الجَنّةِ، فَيَقَعُ ذلك الفَرَحُ في وَجْهِهِ حتى يَتَلأْلأ، وَيُرْمَى في وَجْهِهِ النُّورُ، والسُّرُورُ في قَلْبِهِ، فذلك قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٢). ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعته واجتناب معصيته ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾؛ أي: دُخُولَ جَنّةٍ وَلُبْسَ حَرِيرٍ، فَحُذِفَ المُضافُ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ يعني: على السُّرُرِ عليها الحِجالُ، جَمْعُ حَجَلةٍ وهي السُّتُورُ

стр. 1657

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ يُؤْذِيهِمْ حَرُّها، لأن الجنة نُورٌ لا يَحْتاجُونَ فيها إلَى شَمْسٍ تُنِيرُها ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾ ولا يُصِيبُهُمْ بَرْدُ الزَّمْهَرِيرِ؛ لأنه ليس فِي الجنة شِتاءٌ ولا صَيْفٌ، قال النبِيُّ ﷺ : "الجَنّةُ سَجْسَجٌ، لا حَرَّ فيها ولا قُرَّ" (١). قال الفَرّاءُ (٢): ونصب ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على القطع. وهو عند البصريين منصوب على الحال من الهاء والميم، والعامل فيه "جَزاهُمْ"، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿صَبَرُوا﴾؛ لأن ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ إنما هو في الجنة، والصبر في الدنيا (٣)، ويجوز أن يكون منصوبًا على أنه نعت للجنة (٤)، وذلك حَسَنٌ لأنه قد عاد الضمير عليها. وقوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ القول فيه كالقول فِي ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ويكون معناه: غَيْرَ رائِينَ (٥)، والزَّمْهَرِيرُ: البَرْدُ الشَّدِيدُ (٦)، وقيل (٧): هو القَمَرُ

стр. 1658

بِلُغةِ طيِّئٍ، قال شاعرهم: ٤٤٤ - وَلَيْلةٍ ظَلَامُها قَدِ اعْتَكَرْ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ (١) أي: لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ. فصل عن عُمَرَ ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ عن الصبر فقال: "الصَّبْرُ أرْبَعةٌ، أولها: الصَّبْرُ عند الصَّدْمةِ الأُولَى، والصَّبْرُ على الفرائض، والصَّبْرُ على اجْتِنابِ محارم اللَّه، والصَّبْرُ على المصائب" (٢). قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾؛ أي: دانية منهم ظِلَالُ أشْجارِها، وَقَرُبَتَ منهم ثِمارُها حتى ينالها القائمُ والقاعدُ والمُضْطَجِعُ ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ لا يَرُدُّ أيْدِيَهُمْ عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، إنْ قامَ تَطاوَلَتِ الشَّجَرُ، وَإنْ كانَ جالِسًا أوْ مُتَّكِئًا انْخَفَضَتْ وَلانَتْ.

стр. 1659

وفِي نصب "دانِيةً" أوجه، أحدها: العطف على قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ (١)، والثانِي: على موضع قوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾؛ أي: وَيَرَوْنَ دانِيةً (٢)، والثالث: على المدح، وإنما أنَّثَ "دانِيةً"، لأن الظلال جَمْعٌ (٣). وفي قراءة عبد اللَّه: "وَدَانِيًا عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا" (٤) لِتَقَدُّمِ الفعل، و ﴿ظِلَالُهَا﴾ رفع على الاستئناف (٥)، وقيل: لأنه فاعل، لأن معناه: وَتَدْنُو عَلَيْهِمْ ظِلَالُها دانِيةً. فصل عن مجاهد قال: "أرْضُ الجَنّةِ من وَرِقٍ، وَتُرابُها مِنْ مِسْكٍ، وَأُصُولُ شَجَرِها مِنْ ذَهَبٍ، وَوَرَقُ أفْنانِها لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ ويَاقُوتٍ، والثَّمَرُ تَحْتَ ذلك،

стр. 1660

فَمَنْ أكَلَ قائِمًا لَمْ يُؤْذِهِ، وَمَنْ أكَلَ قاعِدًا لَمْ يُؤْذِهِ، وَمَنْ أكَلَ مُضْطَجِعًا لَمْ يُؤْذِهِ، فذلك قوله: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ (١). ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ وهي الكِيزانُ لا عُرَى لَها ولا آذانَ ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ يعني: في بَياضِ الفِضّةِ وَصَفاءِ القَوارِيرِ، وهو الزُّجاجُ ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ على قَدْرِ الكَفِّ (٢)، وقيل (٣): قَدَّرُوا الكَأْسَ على قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ من الرِّيِّ، وهو ألَذُّ الشَّرابِ. قرأ العامة: ﴿قَدَّرُوهَا﴾ بفتح القاف والدال؛ أي: قَدَّرَها لهم السُّقاةُ والخَدَمُ الذين يطوفون بها عليهم، والضمير فِي ﴿قَدَّرُوهَا﴾ يعود على السُّقاةِ، وَرُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ أنه قرأ: "قُدِّرُوها" (٤) بضم القاف وكسر الدال؛ أي: قُدِّرَتْ عليهم، فلا زيادة فيها ولا نقصان. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿كَأْسًا﴾ خَبَرُ ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ، يعني

стр. 1661

خَمْرًا ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾ تُشَوِّقُ وَتُطْرِبُ من غير لَذْعٍ، والعرب تُحِبُّ الزَّنْجَبِيلَ، وَتَسْتَطِيبُهُ وَتَسْتَطِيبُ رائِحَتَهُ (١)، قال شاعرهم: ٤٤٥ - كَأنَّ جَنِيُّا مِنَ الزَّنْجَبِيـ... ل باتا بِفِيها وَأرْيًا مَشُورا (٢) وقال آخر: ٤٤٦ - فَلَاعَبَنِي عَلَى الأنْماطِ لُعْسٌ... عَلَى أفْواهِهِنَّ الزَّنْجَبِيلُ (٣) وقيل (٤): هو عَيْنٌ فِي الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل، وهو قوله: ﴿عَيْنًا

стр. 1662

فِيهَا﴾ يعني: فِي الجنة ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ يعني: سَلِسةً لَهُمْ مُنْقادةً، يُصَرِّفُونَها حيث شاؤوا (١)، وقيل (٢): طَيِّبةَ الطعْمِ والمَذاقِ، تقول العرب: هذا شَرابٌ مُسَلْسَلٌ وَسَلْسالٌ وَسَلْسَبِيلٌ، وقيل (٣): سُمِّيَتْ سَلْسَبيلًا لأنها تَسِيلُ عليهم في الطُّرُقِ وفي منازلهم، تَنْبُعُ من أصل العرش من جَنَّةِ عَدْنٍ إلَى أهل الجِنانِ، وَشَرابُ الجَنّةِ على بَرْدِ الكافور وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ وَرِيحِ المِسْكِ. ومعنى ﴿تُسَمَّى﴾؛ أي: تُوصَفُ، لأن أكثر العلماء على أن ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ صفةٌ لا اسمٌ ونصب ﴿عَيْنًا﴾ على ما تقدم من الوجوه في نظيرها أوَّلا (٤)، ونصب ﴿سَلْسَبِيلًا﴾؛ لأنه مفعول ثانٍ خَبَرُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو اسمٌ أعجميٌّ نكرةٌ، فلذلك انصرف (٥).

стр. 1663

قوله ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾؛ أي: صِبْيانٌ، واحدهم: وَلِيدٌ، و ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مُسَوَّرُونَ مُقَرَّطُونَ بالخِلَدةِ وهي القِرَطةُ، وجمعها: خِلَدٌ (١)، وليس في الجنة وِلَادةٌ، والمعنى: أنهَم في قِدِّ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ، لا يَكْبَرُونَ ولا يَهْرَمُونَ ولا يَشِيبُونَ ولا يَتَغَيَّرُونَ، بل كُلُّهُمْ شَبابٌ مُرْدٌ (٢) ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ شَبَّهَهُم اللَّهُ بِاللُّؤْلُؤِ إذا نُثِرَ من أصْدافِهِ فِي الكَثْرةِ والحُسْنِ والبَياضِ. فصل عن أبِي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ أدْنَى أهْلِ الجَنّةِ مَنْزِلةً الَّذِي له ثَمانُونَ ألْفَ خادِمٍ وَسِتُّونَ زَوْجةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ ويَاقُوتٍ ما بَيْنَ الجابِيةِ إلَى صَنْعاءَ" (٣). قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ نصب على الظرف، يعني: هناك في الجنة، والمعنى: ما ثَمَّ، والعرب تُضْمِرُ "ما" (٤)، وهو ظرف مبني غير معرب لِتَنَقُّلِهِ،

стр. 1664

وقرأ حُمَيْدٌ الأعْرَجُ: "ثُمَّ" (١) بضم الثاء ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ وهذا جواب "إذا"، قال مقاتلٌ والكلبِيُّ (٢): هو أنَّ رَسُولَ رَبِّ العِزّةِ مِنَ الملائكة، لا يدخل عليه إلّا بإذنه. ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ قرأ قتادة ومجاهد وابن سِيرِينَ وعَوْنٌ (٣) وابن مُحَيْصِنٍ وأبو جعفر ونافع والأعمش وحمزة وأيوبُ بإسكان الياء (٤) على أنه

стр. 1665

اسمٌ موصوفٌ بالفعل، تقول: عَلَاهُمْ مِنْ عالِيهِمْ، وهو في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ (١)، وقرأ الباقون بنصب الياء على الصفة؛ أي: فَوْقَهُمْ، وهو نصب على الظرف (٢)، وقيل (٣): على الحال من المضمر فِي "لَقّاهُمْ" أو من المضمر في "جَزاهُمْ"، أعني: الهاء والميم، ومن قرأ: "عَلَيْهِمْ ثِيابُ" فرفعه على الابتداء والخبر. وقوله: ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ اختلف القُرّاءُ فيهما أيضًا، فقرأ ابن كثير وأبو بكر والمُفَضَّلُ بالخفض على نعت السندس ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ بالرفع على نعت الثياب، وقرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بِضِدِّهِ، وهو الاختيار،

стр. 1666

وقرأ نافع وأيوب وحفصٌ كِلَيْهِما (١) بالرفع، وقرأ يحيى والأعمش وحمزةُ والكسائي وَخَلَفٌ كِلَيْهِما بِالجَرِّ (٢). وَقُرِئَ في الشّاذِّ: "وَإسْتَبْرَقَ" (٣) بفتح القاف، وله وجهان (٤)، أحدهما: أراد به الخفض عطفًا على"خُضْرٍ"، فلم يصرفه، ففتحه على موضع الخفض، والآخر: أراد به الماضِيَ من الاستفعال، مأخوذ من البَرِيقِ، فَسُمِّيَ به هذا الجنس، وَقُطِعَتْ ألِفُهُ ليخرج من طريق الفعل إلَى الاسم، وَمَنْ وَصَلَ ألِفَهُ تركه على أصل شأنه. والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ من الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ: ما غَلُظَ منه (٥). وقوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ (٦)، فقيل: الفِضّةُ لِلرِّجالِ، والذَّهَبُ لِلنِّساءِ، وقيل: بَلْ يُسَوَّرُونَ بِسِوارٍ من فضة وسِوارٍ مِنْ ذَهَبٍ وَسِوارٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ. ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ وذلك أنَّ على باب الجنة شَجَرةً يَنْبُعُ

стр. 1667

من ساقها عَيْنانِ، فإذا جازَ الرَّجُلُ الصِّراطَ إلَى العَيْنِ يَدْخُلُ في عَيْنٍ منهما، ويغتسل فيها، فيخرج رِيحُهُ أطْيَبُ من المِسْكِ، طوله سِتُّونَ ذِراعًا فِي السماء في خَلْقِ آدَمَ وَمِيلَادِ عِيسَى ابن مريم، ابنَ ثَلَاثٍ وثلاثين سنةً (١). وأهل الجنة كلهم رجالهم ونساؤهم على قَدْرٍ واحِدٍ، يَكْبَرُ الصَّغِيرُ حتى يكون ابنَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنةً، وَيَنْحَطُّ الشَّيْخُ الكَبِيرُ عن حاله إلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنةً، وَيَشْرَبُ مِن العَيْنِ الأخرى فَيُشْفَى ما في صدره مِنْ غِلٍّ أوْ حَسَدٍ أوْ هَمٍّ أوْ حَزَنٍ، فَيُطَهِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ فِي ذلك الماء، فَيَخْرُجُ على قلب أيُّوبَ، وَلِسانِ مُحَمَّدٍ، وَحُسْنِ يُوسُفَ ﵈. وقيل: يُطَهِّرُهُمْ من الذنوب والأدْناسِ والأنْجاسِ، قال أبو سليمان الدّارانِيُّ في المعنى: سَقاهُمْ رَبُّهُمْ على حاشيةِ بِساطِ الوُدِّ، فَأنْقاهُمْ مِنْ صُحْبةِ الخَلْقِ، وَأراهُمْ رُؤْيةَ الحَقِّ، ثم أقْعَدَهُمْ على مَنابرِ القُدُسِ، وَحَباهُمْ بِتُحَفِ المَزِيدِ، وَأمْطَرَ عليهم مَطَرَ التَّاْييدِ، فَسالَتْ عليهم أَوْدِيةُ الشَّوْقِ، فَكَفاهُمْ هُمُومَ الفُرْقةِ، وَحَباهُمْ بِسُرُورِ القُرْبةِ (٢). وَسُئِلَ أبو يَزِيدَ البِسْطامِيُّ (٣) عن قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، فقال: طَهَّرَهُمْ به من مَحَبّةِ غَيْرِهِ، قال: إنَّ للَّه شَرابًا ادَّخَرَهُ لأفاضل عباده يَتَوَلَّى سَقْيَهُمْ، فإذا شَرِبُوا طاشُوا، فإذا طاشُوا طارُوا، فإذا طارُوا وَصَلُوا،

стр. 1668

فإذا وَصَلُوا اتَّصَلُوا، فَهُمْ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (١). ورُوِيَ عن سهل بن عبد اللَّه أنه صَلَّى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، فَجَعَلَ يُحَرِّكُ فَمَهُ كأنه يَمُصُّ شيئًا، فلما فرغ من صلاته قيل له: أتشرب أم تقرأ؟ فقال: "واللَّهِ لو لَمْ أجِدْ لَذَّتَهُ عند قراءته لَما قَرَأْتُهُ" (٢). فصل رُوِيَ عن ابن عُمَرَ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ أدْنَى أهْلِ الجَنّةِ مَنْزِلةً لَيَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ ألْفَي عامٍ يَنْظُرُ أزْواجَهُ وَسُرُرَهُ وَخَدَمَهُ، وَإنَّ أفْضَلَهُمْ مَنْزِلةً لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللَّه فِي كل يوم مرتين" (٣). ويقال: إن الرجل من أهل الجنة له قَصْرٌ، فِي ذلك القَصْرِ سبعون بَيْتًا، كل بيت من لؤلؤة مُجَوَّفةٍ، وطولها فِي السماء فَرْسَخٌ، وَعُرْضُها فَرْسَخٌ فِي فَرْسَخٍ، عليها أربعة آلاف مِصْراعٍ من ذَهَبٍ، في ذلك البيت سَرِيرٌ مَنْسُوجٌ بِقُضْبانِ الدُّرِّ والياقُوتِ، عن يَمِينِ السَّرِيرِ وعن يَسارِهِ أربعة آلاف كُرْسِيٍّ من ذَهَبٍ، قَوائِمُها من ياقُوتٍ أحْمَرَ، على ذلك السرير سبعون فِراشًا، كل فِراشٍ على لَوْنٍ آخَرَ، وهو جالس فوقها مُتَّكِئًا على يساره، وعليه سبعون حُلّةً من الدِّيباجِ،

стр. 1669

الذي يَلِي جَسَدَهُ حَرِيرةٌ بيضاءُ، وعلى جبهته إكْلِيلٌ مُكَلَّلٌ بِالزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ وَألْوانِ الجَوْهَرِ، كل جوهرة على لونٍ، وعلى رأسه تاج من ذَهَبٍ فيه سبعون ذُؤابةً، فِي كُلِّ ذُؤابةٍ دُرّةٌ تُساوِي مالَ المشرق والمغرب، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾، لا يدخل عليهم رسولُ رَبِّ العالمين إلّا بِإذْنٍ (١). قوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني: الذي وُصِفَ لكم في هذه السورة ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ لأعمالكم ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ يعني: شَكَرَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ في الدنيا، فَأثابَهُمْ بِها فِي الجنة. قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ يعني: فَصَّلْناهُ في الإنزال تفصيلًا آيةً بَعْدَ آيةٍ، وَلَمْ وننزِّلْهُ جُمْلةً واحدةً، و ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ ابتداءٌ وخَبَرٌ، وهما جميعًا خبر "إنَّ"، ويحتمل أن يكون ﴿نَحْنُ﴾ توكيدًا للنون في ﴿إِنَّا﴾ (٢) وإن كان أحدهما كنايةَ المنصوب، لأنه يجوز أن يُؤَكَّدَ المَنْصُوبُ بالمرفوع كقولك: رَأيْتُكَ أنْتَ (٣). ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ حتى يحكم اللَّه بينك وبين أهل مكة ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ يعني بالآثِمِ عُتْبةَ بن رَبِيعةَ، وَبِالكَفُورِ الوَلِيدَ

стр. 1670

ابن المُغِيرةِ، قالا لرسول اللَّه ﷺ : ارْجِعْ عن هذا الأمر وَنَحْنُ نُرْضِيكَ بالمال والتَّزْوِيجِ، وهذا قول مقاتل (١)، وقال قتادة (٢): "الآثِمُ الكَفُورُ الذي نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عن طاعته: أبو جهل بن هشام - لعنه اللَّه، لَمّا فَرَضَ اللَّهُ على النَّبِيِّ ﷺ الصلاةَ -وهو يومئذ بِمَكّةَ- نَهاهُ أبو جهل عنها وقال: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لأطَأنَّ عُنُقَهُ فأنزل اللَّه هذه الآيةَ" (٣). و ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، والألف صلة يعني: "وَكَفُورًا" (٤)، قال جرير: ٤٤٧ - نالَ الخِلَافةَ، أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا... كما آتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ (٥)

стр. 1671

أراد: نالَ الخِلَافةَ، وَكانَتْ له قَدَرًا، وقال آخر: ٤٤٨ - وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأنّيَ فاجِرٌ... لِنَفْسِي تُقاها، أوْ عَلَيْها فُجُورُها (١) وأراد: وَعَلَيْها فُجُورُها، وقال الفَرّاءُ (٢): ﴿أَوْ﴾ بمعنى "لا"، أي: لَا تُطِعْ مَنْ أثمَ وَلا مَنْ كَفَرَ، وهو بمعنى الإباحة، قال الشاعر: ٤٤٩ - لَا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجَدْتُ وَلا... وَجْدُ عَجُولٍ أضَلَّها رُبَعُ أوْ وَجْدُ شَيْخٍ أضَلَّ ناقَتَهُ... يَوْمَ تَوافَى الحَجِيجُ فانْدَفَعُوا (٣) أراد: وَلَا وَجْدُ شَيْخٍ.

стр. 1672

قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾؛ أي: اذكره بالتوحيد في الصلاة ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)﴾ يعني بِالبُكْرةِ صَلاةَ الفَجْرِ، و"أصِيلًا" صَلاةَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقيل: يعني صلاة الغَداةِ والعَشِيِّ، وهو المَغْرِبُ، قيل: "كان النبي ﷺ يصلي الغَداةَ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، فإذا صَلَّى المغرب كَبَّرَ ثَلَاثًا" (١)، وهما منصوبان على الظرف والحال. و ﴿بُكْرَةً﴾ يكون معرفة فلا ينصرف، ويكون نكرة فينصرف، وهي هاهنا نكرة فلذلك صُرِفَتْ؛ لأن بعدها ﴿وَأَصِيلًا﴾، وهو نكرة ولا يكون معرفة إلا أن تدخل فيه الألف واللام (٢) ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني المغرب والعشاء؛ أي: صَلِّ له قَبْلَ أن تَنامَ ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ يعني صلاة التطوع بعد المكتوبة، وهو منصوب على الظرف. قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني كفار مكة ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ يعني الدار العاجلة، وهي الدنيا ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ نصب على الظرف، يعني: أمامهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ عَسِيرًا شَدِيدًا، يعني به يوم القيامة، ووَراءَ هاهنا بمعنى أمامَ وقُدّامَ كقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٣) يعني: أمامَهُمْ وَقُدّامَهُمْ.

стр. 1673

ثم ذَكَرَ قُدْرَتَهُ، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾ يعني: في بطون أمهاتهم وهم نُطَفٌ ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ يعني: خَلْقَهُمْ (١)، والأسْرُ: شِدّةُ الخَلْقِ، يقال: شَدَّ اللَّهُ أسْرَ فُلَانٍ؛ أي: قَوَّى خَلْقَهُ (٢)، وقال الحَسَنُ (٣): يعني: أوْصالَهُمْ بَعْضًا إلَى بَعْضٍ بالعُرُوقِ والعَصَبِ. وقيل: هو الشَّرَجُ، وهو موضع البول والغائط، رُوِيَ ذَلك عن مجاهد (٤)، قال ثَعْلبٌ (٥): لَهُما مَصَرَّتانِ، فإذا جَلَسَ الرَّجُلُ لِقَضاءِ حاجَتِهِ منهما انْفَتَحَ المَصَرَّتانِ، فإذا خَرَجَ الأذَى منهما انْقَبَضَتا كما كانَتا. وأصل الأسْرِ الشَّدُّ، قال لَبِيدٌ: ٤٥٠ - ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ... مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ الكَفَلْ (٦)

стр. 1674

وقال الأخطل: ٤٥١ - مِنْ كُلِّ مُجْتَنَبٍ شَدِيدٍ أسْرُهُ... سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُخْتالا (١) قوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾؛ أي: إذا شِئْنا أهْلَكْناهُمْ، وَأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ، فجعلناهم بدلًا منهم، والتَّبْدِيلُ "تَفْعِيلٌ"، وهو مصدر جاء على غير الصدر زيادةَ توكيدٍ، نظيره: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢) ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ يعني السورة، وقيل: آيات القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تذكيرٌ وَعِظةٌ قد بَيَّنّاها لكم ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾ يعني: طريقًا إلَى الجنة بالإيمان والطاعة. ثم رَدَّ المَشِيئةَ إلَى نفسه، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ أنتم أنْ تتخِذُوا إلَى رَبِّكُمْ سبيلًا ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فَيُهَوِّنُ عليكم عَمَلَ أهْلِ الجَنّةِ، قرأ أهل

стр. 1675

المدينة والشام: ﴿تَشَاءُونَ﴾ بالتاء، وقرأ الكوفيون وأبو عمرو وابن كثير بالياء، وكذلك رُوِيَ عن ابن عامر (١). وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لأنَّ الأمر إليه لا إليكم، وَفي قراءة عبد اللَّه: "إلّا ما يَشاءُ" (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ يعني: عليما بأهل الجنة، حكيما بما حَكَمَ على أهل الشقاء. ثم ذَكَرَ العِلْمَ والقَضاءَ بما إلَيْهِ، فقال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ يعني: في دِيِنهِ الإسلامِ، قال عطاء: مَنْ صَدَقَ في نِيَّتهِ أدْخَلَهُ في جَنَّتِهِ ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ يعني المشركين من أهل مكة ومن دانَ بِدِينِهِمْ من الكفار ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ يعني: وَجِيعًا فِي الآخرة، وَفِي هذه الآية رَدٌّ على القَدَرِيّةِ، ونصب "الظّالِمِينَ" على إضمار فعل؛ أي: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ (٣)،

стр. 1676

وقيل (١): على المُجاوَرةِ، كقولهم: هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. وقرأ أبانُ بن عثمان (٢): "والظّالِمُونَ أعَدَّ لَهُمْ عَذابًا ألِيمًا"، وَفِي قراءة عبد اللَّه: "وَللظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ عَذابًا ألِيمًا" (٣) بتكرير اللام على التوكيد، قال الشاعر: ٤٥٢ - أقُولُ لَها إذا سَألَتْ طَلاقًا... إلامَ تُسارِعِينَ إلى الطَّلاقِ (٤) ذكره صاحب "إنسان العين" (٥)، واللَّه أعلم.

стр. 1677

سورة المرسلات مكية وهي ثمانمائة وستة وعشرون حرفًا، ومائة وإحدى وثمانون كلمةً، وخمسون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ كُتِبَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُشْرِكِينَ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُرْسِلَاتِ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا مَعَ مَلَكِ المَوْتِ يُبَشِّرُهُ بِحُسْنِ الثَّوابِ، ويُهَوِّنُ عَلَيْهِ المَوْتَ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ يعني الرِّياحَ (٣)، وقيل (٤):

стр. 1678

السحاب، وقيل (١): هي الرُّسُلُ تُرْسَلُ بالمعروف، أُرْسِلَتْ مُتَتابِعةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كَعُرْفِ الفَرَسِ، تقول العربُ: النّاسُ إلَى فُلَانٍ عُرْفٌ واحِدٌ: إذا تَوَجَّهُوا إليه وَتَتابَعُوا (٢)، وهو منصوب على الحال، وإن شئتَ نَصَبْتَهُ على المصدر، أو أنه اسمٌ أُقِيمَ مُقامَ المصدر على مقام التفسير؛ أي: أُرْسِلَتْ بِالعُرْفِ (٣). ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾ يعني الرياح أيضًا الشَّدِيدةَ الهُبُوبِ، والفاء دليل إيصال الثانِي بالأول في أوصاف واحدةٍ هو مستقيم به، هكذا ذكره صاحب "إنسان العين" (٤). ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ يعني الرياح اللَّيِّنةَ التي تأتِي بالمطر (٥)، فهي تَنْشُرُ السَّحابَ نَشْرًا، يقال: نَشَرَتِ الرِّيحُ؛ أي: جَرَتْ، قال جرير:

стр. 1679

٤٥٣ - نُشِرَتْ عَلَيْكَ فَذَكُّرَتْ بَعْدَ البِلَى... رِيحٌ يَمانِيةٌ بِيَوْمٍ ماطِرِ (١) وقال آخر: ٤٥٤ - تُذَكِّرُنِي رِيحٌ سَرَتْ مِنْ دِيارِها... زَمانَ وِصالٍ لَيْسَ يَبْلَى جَدِيدُها (٢) فَتُهَيِّجُ الأشْواقَ خُصُوصًا، وَتُمَهِّدُ الأسْبابَ عُمُومًا، وتأتي بآثار الإعْذارِ نَسِيمًا، والإنْذارِ سَمُومًا، وقيل: هي أعمال بني آدم تُنْشَرُ يوم القيامة نَشْرًا، ونصب ﴿عَصْفًا﴾ و ﴿نَشْرًا﴾ على المصدر. ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾ يعني الملائكة التي تأتِي بما يُفَرَّقُ به بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقيل: هي الرِّيحُ أيضًا تُفَرِّقُ بين السحاب فَتُبَدِّدُهُ، وقيل: هي آيُ القُرْآنِ فَرَّقَتْ بين الحق والباطل والحلال والحرام، ونصب ﴿فَرْقًا﴾ على المصدر، ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾ يعني الملائكة، وقيل: يعني جبريل وحده يُلْقِي الذِّكْرَ إلَى الأنبياء ﵈، ونصب ﴿ذِكْرًا﴾ لأنه مفعول به، ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ قيل (٣): ﴿أَوْ﴾ هاهنا بمعنى واو النَّسَقِ، وهو بمعنى الإعْذارِ والإنْذارِ، أي: إعْذارًا من اللَّه وإنْذارًا.

стр. 1680

واختلف القُرّاءُ فيهما، فَخَفَّفَهُما الأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص وخَلَفٌ، وَثَقَّلَهُما الحَسَنُ، وَرُوِيَ ذلك عن عاصم ويعقوب وأهل الشام، وقرأ الباقون بتخفيف العُذْرِ وتثقيل النُّذْرِ (١)، وهما لغتان منصوبان على المصدر، وقيل: نصبهما على المفعول له، أي: للإعذار والإنذار، أو على البدل من ﴿ذِكْرًا﴾ (٢). وقرأ الشُّمُونِيُّ (٣) والبُرْجُمِيُّ (٤) بضم الذال فيهما، جَمْعُ عاذِرٍ ونَذِيرٍ، نصب على الحال (٥)، وقرأ إبراهيم التَّيْمِيُّ: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ من غير ألف بينهما (٦). ومن أوَّلِ السورة إلَى هاهنا أقْسامٌ ذكرها اللَّه تعالى، وجوابها قوله: ﴿إِنَّمَا

стр. 1681

تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ لَكائِنٌ مِنْ أمْرِ الساعة والبعث، و"ما" هاهنا مفصولة من "إنَّ"، ولا يجوز أن تكون هاهنا فاصلةً ولا زائدةً، ألا ترى أن في خَبَرِها اللَّامَ المُؤَكِّدةَ لِخَبَرِ "إنَّ"، وحُذفت الهاء لطول الاسم، والتقدير: إنَّ الذي تُوعَدُونَهُ لَواقِعٌ من الحساب والثواب والعقاب (١). ثم ذكر متى يقع ذلك، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ رفع بالابتداء والخبر، وكذلك ما بعدها (٢)؛ أي: ذهب ضَوْؤُها، فصارت بعد الضوء إلَى السَّوادِ، وهي مرفوعة بإضمارِ فِعْلٍ مثلِ هذا؛ لأن "إذا" هاهنا بمنزلة حرف المجازاة، هكذا ذكره الصَّفّارُ (٣)، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾؛ أي: انشقت، وقيل: فتحت فكانت أبوابًا ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾ يعني: قُلِعَتْ من أُصُولِها حتى اسْتَوَتْ الأرضُ كما كانت أوَّلَ مَرّةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. الآية" (٤).

стр. 1682

﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾؛ أي: جُمِعَتْ لِوَقْتِها يوم القيامة، مأخوذ من الوَقْتِ، والهمزة في ﴿أُقِّتَتْ﴾ بدل من الواو المضمومة، وكل واو انضمت، وكانت ضَمَّتُها لازمةً، جاز إبدالها بالهمزة كقولهم: أُجُوهٌ وَأدْؤُرٌ (١). واختلف القُرّاءُ فيه (٢)، فقرأ أبو عمرو: ﴿وُقِّتَتْ﴾ بالواو وتشديد القاف على الأصل، ولَمْ يُبْدِلْ منه لأنه مشتق من الوقت (٣)، وقرأ أبو جعفر بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى بن عمر وخالد بن إلياس (٤): ﴿أُقِتَتْ﴾ بالألف وتخفيف

стр. 1683

القاف، وقرأ الآخرون بالألف وتشديد القاف، وهي اختيار الشيخين أبِي عبيد وأبِي حاتم، والعرب تُعاقِبُ بين الواو والهمزة كقولهم: وَكَّدْتُ وَأكَّدْتُ، وَوَرَّخْتُ الكِتابَ وَأرَّخْتُهُ، وَوِكافٌ وإكافٌ، وَوِسادةٌ وإسادةٌ، فَحُجّةُ مَنْ أقَرَّ الواوَ تَمَسُّكُهُ بالأصل، وَحُجّةُ مَنْ هَمَزَ استثقالُ الضمة على الواو فقلبها همزة (١). وقوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾؛ أي: أُخِّرَتْ، يعني الساعة، ثم بينَ ذلك فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ يعني يوم القيامة، يفصل اللَّه فيه بين أهل الجنة وأهل النار، ثم عَظَّمَ ذلك اليومَ، فقال: ﴿وَمَا﴾ "ما" رفع بالابتداء ﴿أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾ ابتداءٌ وخَبَرٌ، قال الحسن: واللَّهِ ما كان يدري حتى أخبره اللَّه تعالى. ثم ذَكَرَ حالَ الذين كَذَّبُوا بذلك اليومِ، فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ يقول: الوَيْلُ لَهُمْ يومئذ لِما نَزَلَ بِهِمْ من الخِزْيِ، فَيُنادُونَ بالويل والثُّبُورِ، و ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة تُقالُ عند الهلاك، وقيل: هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وسيأتِي ذِكْرُهُ في سورة المطففين، و ﴿وَيْلٌ﴾ حيث وقع في هذه السورة وما شابَهَها مرفوعٌ على

стр. 1684

الابتداء، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف عمل فيه معنى ﴿وَيْلٌ﴾، و ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ الخبر (١). ثم أخْبَرَ اللَّهُ تعالى بِما فَعَلَ بالكفار من الأمم الخالية، فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ يعني: من الأمم الماضية قومِ نوح وعادٍ وثمودَ حين كَذَّبُوا الرُّسُلَ، و ﴿أَلَمْ﴾ بمعنى: قَدْ أهْلَكْناهُمْ، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٢) بمعنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، يدل على هذا قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (٣). قوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ يعني كفار مكة، قرأ العامة: ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ برفع العين على الاستئناف، فإن قيل: أليس ﴿ثُمَّ﴾ من حروف العطف؟ فَهَلَّا جُزِمَ ﴿نُتْبِعُ﴾ بالعطف على ﴿نُهْلِكْ﴾؟ فالجواب: أن هذا عَطْفُ جُمْلةٍ، فإذا كان كذلك لَمْ يَجِبْ أن يكون إعراب الجملة الثانية كإعراب الجملة الأولَى (٤)، ونصب ﴿الْآخِرِينَ﴾ لأنه مفعول ثانٍ، والهاء والميم في ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ المفعول الأول، وقرأ الأعرج بالجزم (٥) على العطف، قال أبو حاتم (٦): هذا لَحْنٌ

стр. 1685

﴿كَذَلِكَ﴾ يعني الذي فَعَلْنا بِمَنْ تَقَدَّمَ من الأمم ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)﴾ من أهل مكة. ثم ذكر بَدْءَ خَلْقِهِمْ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ يعني النُّطْفةَ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ عني: في الرَّحِمِ ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ يعني مُدّةَ الحَمْلِ، وهو وقت الولادة. ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ يعني: قَدَرْنا خَلْقَهُ كَيْفَ يكون قصيرًا أو طويلًا ذكرًا أو أنثى، وفيه قراءتان: التخفيف والتشديد، قرأ عَلِيٌّ والحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وَطَلْحةُ وَقَتادةُ وابن أبِي إسْحاقَ وَأيُّوبُ وَنافِع والكِسائِي بالتشديد من التقدير، وهي اختيار الكسائي (١)، وقرأ الباقون بالتخفيف (٢) من القُدْرةِ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ (٣)، قال الفَرّاءُ (٤): والمعنى فيهما واحد، نظيره قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ (٥) يُقْرَأُ بالتخفيف والتشديد، ومعنى قوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾؛ أي: المُقَدِّرُونَ.
следующие страницы →