← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ لَكائِنٌ مِنْ أمْرِ الساعة والبعث، و"ما" هاهنا مفصولة من "إنَّ"، ولا يجوز أن تكون هاهنا فاصلةً ولا زائدةً، ألا ترى أن في خَبَرِها اللَّامَ المُؤَكِّدةَ لِخَبَرِ "إنَّ"، وحُذفت الهاء لطول الاسم، والتقدير: إنَّ الذي تُوعَدُونَهُ لَواقِعٌ من الحساب والثواب والعقاب (١). ثم ذكر متى يقع ذلك، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ رفع بالابتداء والخبر، وكذلك ما بعدها (٢)؛ أي: ذهب ضَوْؤُها، فصارت بعد الضوء إلَى السَّوادِ، وهي مرفوعة بإضمارِ فِعْلٍ مثلِ هذا؛ لأن "إذا" هاهنا بمنزلة حرف المجازاة، هكذا ذكره الصَّفّارُ (٣)، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾؛ أي: انشقت، وقيل: فتحت فكانت أبوابًا ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾ يعني: قُلِعَتْ من أُصُولِها حتى اسْتَوَتْ الأرضُ كما كانت أوَّلَ مَرّةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. الآية" (٤).

стр. 1682

﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾؛ أي: جُمِعَتْ لِوَقْتِها يوم القيامة، مأخوذ من الوَقْتِ، والهمزة في ﴿أُقِّتَتْ﴾ بدل من الواو المضمومة، وكل واو انضمت، وكانت ضَمَّتُها لازمةً، جاز إبدالها بالهمزة كقولهم: أُجُوهٌ وَأدْؤُرٌ (١). واختلف القُرّاءُ فيه (٢)، فقرأ أبو عمرو: ﴿وُقِّتَتْ﴾ بالواو وتشديد القاف على الأصل، ولَمْ يُبْدِلْ منه لأنه مشتق من الوقت (٣)، وقرأ أبو جعفر بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى بن عمر وخالد بن إلياس (٤): ﴿أُقِتَتْ﴾ بالألف وتخفيف

стр. 1683

القاف، وقرأ الآخرون بالألف وتشديد القاف، وهي اختيار الشيخين أبِي عبيد وأبِي حاتم، والعرب تُعاقِبُ بين الواو والهمزة كقولهم: وَكَّدْتُ وَأكَّدْتُ، وَوَرَّخْتُ الكِتابَ وَأرَّخْتُهُ، وَوِكافٌ وإكافٌ، وَوِسادةٌ وإسادةٌ، فَحُجّةُ مَنْ أقَرَّ الواوَ تَمَسُّكُهُ بالأصل، وَحُجّةُ مَنْ هَمَزَ استثقالُ الضمة على الواو فقلبها همزة (١). وقوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾؛ أي: أُخِّرَتْ، يعني الساعة، ثم بينَ ذلك فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ يعني يوم القيامة، يفصل اللَّه فيه بين أهل الجنة وأهل النار، ثم عَظَّمَ ذلك اليومَ، فقال: ﴿وَمَا﴾ "ما" رفع بالابتداء ﴿أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾ ابتداءٌ وخَبَرٌ، قال الحسن: واللَّهِ ما كان يدري حتى أخبره اللَّه تعالى. ثم ذَكَرَ حالَ الذين كَذَّبُوا بذلك اليومِ، فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ يقول: الوَيْلُ لَهُمْ يومئذ لِما نَزَلَ بِهِمْ من الخِزْيِ، فَيُنادُونَ بالويل والثُّبُورِ، و ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة تُقالُ عند الهلاك، وقيل: هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وسيأتِي ذِكْرُهُ في سورة المطففين، و ﴿وَيْلٌ﴾ حيث وقع في هذه السورة وما شابَهَها مرفوعٌ على

стр. 1684

الابتداء، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف عمل فيه معنى ﴿وَيْلٌ﴾، و ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ الخبر (١). ثم أخْبَرَ اللَّهُ تعالى بِما فَعَلَ بالكفار من الأمم الخالية، فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ يعني: من الأمم الماضية قومِ نوح وعادٍ وثمودَ حين كَذَّبُوا الرُّسُلَ، و ﴿أَلَمْ﴾ بمعنى: قَدْ أهْلَكْناهُمْ، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٢) بمعنى: قَدْ شَرَحْنا لَكَ صَدْرَكَ، يدل على هذا قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (٣). قوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ يعني كفار مكة، قرأ العامة: ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ برفع العين على الاستئناف، فإن قيل: أليس ﴿ثُمَّ﴾ من حروف العطف؟ فَهَلَّا جُزِمَ ﴿نُتْبِعُ﴾ بالعطف على ﴿نُهْلِكْ﴾؟ فالجواب: أن هذا عَطْفُ جُمْلةٍ، فإذا كان كذلك لَمْ يَجِبْ أن يكون إعراب الجملة الثانية كإعراب الجملة الأولَى (٤)، ونصب ﴿الْآخِرِينَ﴾ لأنه مفعول ثانٍ، والهاء والميم في ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ المفعول الأول، وقرأ الأعرج بالجزم (٥) على العطف، قال أبو حاتم (٦): هذا لَحْنٌ

стр. 1685

﴿كَذَلِكَ﴾ يعني الذي فَعَلْنا بِمَنْ تَقَدَّمَ من الأمم ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)﴾ من أهل مكة. ثم ذكر بَدْءَ خَلْقِهِمْ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ يعني النُّطْفةَ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ عني: في الرَّحِمِ ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ يعني مُدّةَ الحَمْلِ، وهو وقت الولادة. ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ يعني: قَدَرْنا خَلْقَهُ كَيْفَ يكون قصيرًا أو طويلًا ذكرًا أو أنثى، وفيه قراءتان: التخفيف والتشديد، قرأ عَلِيٌّ والحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وَطَلْحةُ وَقَتادةُ وابن أبِي إسْحاقَ وَأيُّوبُ وَنافِع والكِسائِي بالتشديد من التقدير، وهي اختيار الكسائي (١)، وقرأ الباقون بالتخفيف (٢) من القُدْرةِ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ (٣)، قال الفَرّاءُ (٤): والمعنى فيهما واحد، نظيره قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ (٥) يُقْرَأُ بالتخفيف والتشديد، ومعنى قوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾؛ أي: المُقَدِّرُونَ.

стр. 1686

ثم بَيَّنَ لهم صُنْعَهُ وَقُدْرَتَهُ لِيَعْتَبِرُوا فَيُوَحِّدُوهُ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ يعني: وِعاءً ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ يعني: أحْياءً على ظهرها، وَأمْواتًا فِي بطنها، وأصل الكَفْتِ في اللغة الجَمْعُ والضَّمُّ، يقال: كَفَتَ الشَّيْءَ: إذا ضَمَّهُ وَجَمَعَهُ. والمعنى: أن الأرض تَكْفِتُهُمْ أحْياءً على ظَهْرِها فِي دُورِهِمْ وَمَنازِلِهِمْ، وَتَكْفِتُهُمْ أمْواتًا فِي بَطْنِها، أي: تَحُوزُهُمْ (١)، وكانوا يُسَمُّونَ بَقِيعَ الغَرْقَدِ كَفْتةً؛ لأنها مَقْبَرةُ تَضُمُّ المَوْتَى (٢)، ونصب ﴿أَحْيَاءً﴾ و"أمْواتًا" على الحال (٣)، وقال صاحب "إنسان العين" (٤): ﴿أَحْيَاءً﴾ مفعول به للمصدر ﴿كِفَاتًا﴾. فصل سُئِلَ يحيى بن معاذ فقيل له: ابن آدم يدري أن الدنيا ليست له بِقَرارٍ، فَلِمَ يَطْمَئِنُّ إليها؟، فقال: لأنه خُلِقَ منها، يعني: من الأرض، فهي أُمُّهُ، وفيها يَنْشَأ، فهي عَيْشُهُ، ومنها رِزْقُهُ، وإليها يَعُودُ، فهي كِفاتُهُ، وهي مَمَرُّ الصالحين إلَى

стр. 1687

الجنة، وأنشد في معناه لأُمَيّةَ بن أبِي الصَّلْتِ: ٤٥٥ - والأرْضُ مَعْقِلُنا وَكانَتْ أُمَّنا... فِيها مَقابِرُنا وَفِيها نُولَدُ (١) قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ يعني: في الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني الجبال ﴿شَامِخَاتٍ﴾ أي: طِوالٍ، وكل شيء عالٍ فهو شامخ، ويقال للمتكبر: شَمَخَ بأنْفِهِ (٢)، والتاء في موضع نصب على النعت لـ ﴿رَوَاسِيَ﴾ ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾ يعني: عَذْبًا، وكل عَذْبٍ فُراتٌ، يُذَكِّرُهُمُ اللَّهُ تعالى بِنِعْمَتِهِ عليهم. ثم ذَكَرَ ما يُقالُ لهم في الآخرة، فقال تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)﴾ في الدنيا أنه كائن، وهي النار ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾؛ أي: فِرَقٍ، وهي شُعَبُ جَهَنَّمَ، يعني: دُخانَها، سمِّيَتْ شُعَبًا لأنها تَمْنَعُ الكُفّارَ من الخروج من جهنم. قال أبو عُمَرَ (٣): حَدَّثَنِي الشَّيْبانِيُّ (٤): إنْ قِيلَ: لِمَ قِيلَ: ﴿ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾؟

стр. 1688

قيل: لأن الفَأْرَ إذا خَرَجَ مِنْ مَحْبسِهِ أخَذَ يَمْنةً أو يَسْرةً أو فَوْقَ، ولا رابِعَ له. وقيل (١): الشُّعَبُ الثَّلَاثُ: اللَّهَبُ والشَّرَرُ والدُّخانُ. ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾؛ أي: لا بارد ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ يعني: مِنْ لَهَبِ جَهَنَّمَ، و ﴿ظَلِيلٍ﴾ خفض على البدل من ﴿ظِلٍّ﴾ (٢)، ومثل هذا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لَا عالِمٍ ولا أدِيبٍ، وَوَرَدْتُ الماءَ لا عَذْبًا وَلا شَرِيبًا، ويجوز الرفع على الابتداء (٣). ثم قال: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ قرأه العامة بفتح القاف وجزم الصاد، وَرُوِيَ عن ابن عباس وسعيذ بن جُبَيْرٍ بكسر القاف وفتح الصاد (٤)، قال أبو حاتِمٍ (٥): ولعلها لُغةٌ، وقيل (٦): أراد أعناق النَّخْلِ، وقيل (٧): أُصُولُ النَّخْلِ

стр. 1689

المَقْلُوعةُ، والقَصْرُ: البِناءُ العَظِيمُ كالحِصْنِ، وَواحِدُ القُصُورِ من الدُّورِ قَصْرٌ، كما تقول: جَمْرةٌ وَجَمْرٌ وَتَمْرةٌ وَتَمْرٌ (١). ثُمَّ شَبَّهَهُ في لَوْنِهِ بِالجِمالَاتِ الصُّفْرِ، فقال: ﴿كَأَنَّهُ﴾ يعني الشَّرَرَ، رَدَّ الكِنايةَ إلَى اللَّفْظِ ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾؛ أي: سُودٌ، وقرأ ابن عباس: "جُمالةٌ" (٢) بضم الجيم من غير ألف أراد: الأشْياءَ العِظامَ المَجْمُوعةَ، وقرأ الباقون بالألف وكسر الجيم على جمع الجِمالِ، و ﴿صُفْرٌ﴾ جَمْعُ الأصْفَرِ يعني لون النار.

стр. 1690

وقال بعض أهل المعانِي (١): أراد: سُودًا، لأن في بعض الأخبار أنَّ شَرَرَ نارِ جَهَنَّمَ أسْوَدُ كالْقارِ -أعاذنا اللَّه منها-، والعرب تُسَمِّي الإبِلَ السُّودَ صُفْرًا، قال الأعشى: ٤٥٦ - تِلْكَ خَيْلِي وَتلْكَ مِنْها رِكابِي... هِيَ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ (٢) وإنما سُمِّيَتْ سُودُ الإبِلِ صُفْرًا لأنها يَشُوبُ سَوادَها شَيْءٌ من صُفْرةٍ، كما قِيلَ لبعض الظِّباءِ: أُدْمٌ لأن بَياضَها تَعْلُوهُ كُدْرةٌ (٣)، وقيل (٤): هي حِبالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُها إلَى بَعْضٍ حتى تكون كَأوْساطِ الرِّجالِ، وقيل (٥): هي قِطَعُ النُّحاسِ.

стр. 1691

قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ يعني: بَيْنَ أهْلِ الجنة والنار ﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾ يعني مُكَذِّبِي هَذِهِ الأُمّةِ ﴿وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾؛ أي: مَعَ الأولين الذين كَذَّبُوا أنْبِياءَهُمْ ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ قال مقاتلٌ: يقول: إنْ كانت لكم حِيلةٌ فاحْتالُوا لأنفسكم، وحُذفت الياءُ، لأن النون صارت عِوَضًا منها، لأنها مكسورة وهي رأس آية (١)، والكَيْدُ: الحِيلةُ. والمعنى: فَإنْ كان لكم حِيلةٌ فاحْتالُوا لأنفسكم، وانْجُوا مِمّا نَزَلَ بكم ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾ بالبعث. ثم ذَكَرَ المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾؛ أي: فِي ظِلالِ الشَّجَرِ وَظِلالِ أكْنانِ القُصُورِ وَعُيُونِ الماءِ، وقرأ الأعرج: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ (٢) على جَماعِ الظُّلّةِ ﴿وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)﴾ ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ في الدنيا بطاعة اللَّه ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ يا محمد ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾ بأعمالهم في الجنة، ونصب ﴿هَنِيئًا﴾ على نعت المصدر المحذوف تقديره: شُرْبًا هَنِيئًا (٣)، وقيل (٤): على الحال. ثم قال لكفار مكة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ يعني: في الدنيا ﴿قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ أي: مُشْرِكُونَ باللَّه مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على النعت لمصدر

стр. 1692

محذوف، أو لظرفٍ محذوفٍ؛ أي: مَتاعًا قَلِيلًا أو وَقْتًا قَلِيلًا إلَى مُنْتَهَى آجالِكُمْ (١) ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾؛ أي: إذا قيل لهم: صَلُّوا الصَّلَواتِ الخَمْسَ لا يُصَلُّونَ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ بالبعث ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ يعني: بَعْدَ القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾؛ أي: يُصَدِّقُونَ، يعني: فَإذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الذي جاء من عند اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِنْ خَلْفِهِ، فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ولا كِتابَ بَعْدَ القُرْآنِ؟ قال أهل المعانِي (٢): وليس قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ تَكْرارًا غير مفيد، بل أراد بكل قول منه غَيْرَ ما أراد بالقول الآخَرَ، فكأنه كُلَّما ذَكَرَ شيئًا قال: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهَذا، فَجَعَلَ هذا الوَيْلَ لَهُمْ على التكذيب الأوَّلِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا. فصل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٣) فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَأنا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ"، وَمَنْ قَرَأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٤) فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَمَنْ قَرَأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) فَلْيَقُلْ: "آمَنّا بِاللَّهِ" (٦)، واللَّه أعلم.

стр. 1693

سورة النبأ مكية وهي سبعمائة وسبعون حرفًا، ومائة وثلاث وسبعون كلمةً، وأربعون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ سَقاهُ اللَّهُ مِنْ بَرْدِ الشَّرابِ يَوْمَ القِيامةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ حُشِرَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَمِيكائِيلَ آمِنًا" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ أصله "عَنْ ما"، فَأُدْغِمَت النونُ في الميم، وَحُذِفَتْ

стр. 1694

ألِفُ "ما" للفرق بين الاستفهام والخبر كقولهم: فِيمَ؟ وَبِمَ؟ (١)، وفعلوا ذلك لبعض أحْرُفٍ من حُرُوفِ الخَفْضِ وهي: "عَلَى" و"إلَى" و"في" و"مِنْ" و"عَنْ" والَّلامُ والباءُ، وَألْحَقُوا بها ثامِنًا من غيرها وهي "حَتَّى" (٢)، والمعنى: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ؟ وذلك أنهم اختلفوا واختصموا فِي أمْرِ محمدٍ ﷺ لَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ، وأخبرهم بتوحيد اللَّه والبَعْثِ بعد الموت، وَتَلا عليهم القرآنَ، فجعلوا يتساءلون بينهم ويقولون: ماذا جاء به محمد؟ فأنزل اللَّه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣). قال الزَّجّاجُ (٤): اللفظ لفظ سؤالٍ واستفهامٍ، والمعنى تفخيمُ القصة، كما تقول: أيُّ شَيْءٍ زَيدٌ؟ وَأيُّ شَيْءٍ زَيدٌ؟ إذا عَظَّمْتَ شَأْنَهُ، قال ابن الأنباري (٥):

стр. 1695

وَفِي ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وجهان، إن شئتَ جعلتَ "عَن" الأولى صِلةً للفعل الظاهر، والثانيةَ صِلةً لفعلٍ مضمرٍ، كأنك قلتَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ؟ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ، قال: فَمِنْ هذا الوجه يَحْسُنُ الوُقُوفُ على ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، والوجه الآخر: أن تجعل "عن" الثانية توكيدًا للأُولَى كما قرأ عبد اللَّه بن مسعود: ﴿وَلِلظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١)، فجعل اللام الثانية توكيدًا للأُولَى، وأنشد الفَرّاءُ (٢): أقُولُ لَها إذا سَألَتْ طَلَاقًا: ... إلَامَ تُسارِعِينَ إلَى فِراقِي (٣) فَأكَّدَ الأولى بالثانية. ثُمَّ بَيَّنَ فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ يعني القرآن في قول عامة المفسرين، وقال الضحاك: يعني نَبَأ يَوْمِ القيامة ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ مِنْ بَيْنِ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ إذا قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وَتَوَفَّتْهُم الملائكةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأدْبارَهُمْ، وهذا وَعِيدٌ من اللَّه على إثْرِ وَعِيدٍ، والوعيد الثانِي: القيامةُ، قرأ العامة بالياء فيهما، وقرأ بعض قُرّاءِ أهْلِ الشامِ بالتاء فيهما (٤). قيل: إنها نزلت في أبِي جَهْلِ بن هشام وأصحابِهِ، كانوا يجتمعون عند رسول اللَّه ﷺ ، فإذا حَدَّثَهُمْ خالفوا حَدِيثَهُ، واسْتَهْزَؤوا به، وَسَخِرُوا منه، فأنزل

стр. 1696

اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم ومصيرهم. ثم ذكر صنعه وقدرته؛ ليتفكروا بعظمته وقوة سلطانه، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ يعني فِراشًا، بَسَطْناها لهم مَسِيرةَ خَمْسِمِائةِ عامٍ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ يعني: لِلأرْضِ لكي لا تتحرك بأهلها، رَوَى عَطاءٌ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لَمّا أراد اللَّه أن يَخْلُقَ الخَلْقَ مَدَّ الأرْضَ حَتَّى بَلَغَتْ ما شاء اللَّهُ من الطُّولِ والعَرْضِ، وكانت هكذا تَمِيدُ -وَأرانِي ابنُ عَبّاسٍ هكذا وهكذا-، قال: فَجَعَلَ اللَّهُ الجِبالَ أوْتادًا، وكان أبو قُبَيْسٍ أوَّلَ جَبَلٍ وُضِعَ فِي الأرض (١). ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ يعني أصنافا ذُكُورًا وَإناثًا، وَقِصارًا وَطِوالًا، وهو منصوب على الحال (٢)، وإن شئت قلت: مفعولٌ ثانٍ (٣) ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ يعني: قَطْعًا لأعمالكم، وَراحةً لأبدانكم، تستريحون بنومكم في لَيْلِكُمْ، تقول العرب: رَجُلٌ مَسْبُوتٌ: إذا كان النَّوْمُ يُغالِبُهُ، والسُّباتُ: أن يَنْقَطِعَ عن الحَرَكةِ والرُّوحُ فِي بَدَنِهِ (٤)، وأصل السَّبْتِ القَطْعُ، فكأنه إذا نامَ انقطع عن الناس (٥).

стр. 1697

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ يعني: سَكَنًا، ألْبَسَكُمْ ظُلْمةَ الليل لتسكنوا فيه؛ لأن الليل يُغَطِّي وَيَسْتُرُ كما يُغَطِّي اللِّباسُ وَيَسْتُرُ ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ كذلك، أراد: لِلْخَلْقِ يَلْتَمِسُونَ فيه مَعاشَهُمْ؛ أي: جعلنا النهار سَبَبًا لِمَعاشِكُمْ والتَّصَرُّفِ فِي مَصالِحِكُمْ، فَسَمّاهُ به كقول الشاعر: ٤٥٧ - وَأخُو الهُمُومِ إذا الهُمُومُ تَحَضَّرَتْ... جُنْحَ الظَّلَامِ وِسادُهُ لَا يَرْقُدُ (١) فَجَعَلَ الوِسادةَ هي التي لا تَرْقُدُ، والمَعْنَى لِصاحِبِ الوِسادةِ (٢). والمَعاشُ: العَيْشُ، وكل شيء يُعاشُ به فهو مَعاشٌ، والمعنى: جَعَلْنا النَّهارَ مُبْتَغَى مَعاشٍ أو مَطْلَبَ مَعاشٍ، قال ابن عباس (٣): يريد: تبتغون فيه من فضل ربكم وما قَسَمَ لكم فيه من رِزْقِهِ، يُذَكِّرُهُم اللَّهُ تعالى نِعْمَتَهُ عليهم فِي لَيْلِهِمْ وَنَهارِهِمْ. ثم ذَكَرَ مُلْكَهُ وَجَبَرُوتَهُ وارتفاعه، فقال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ﴾ نصب على الظرف ﴿سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ يعني السَّماواتِ السَّبْعَ، غِلَظُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرُ خَمْسِمِائةِ عامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مِثْلُ ذلك، نظيرها في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ (٤)، ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾؛ أي: وَقّادًا

стр. 1698

يعني الشمس وَحَرَّها، جعل فيها نورًا يَتَلأْلأُ، قال الزَّجّاجُ (١): الوَهّاجُ: الوَقّادُ. وهو الذي وَهَجَ، يقال: وَهَجَتِ النّارُ تَهِجُ وَهْجًا وَوَهَجًا وَوَهَجانًا، والوَهَجُ يَجْمَعُ النُّورَ والحَرارةَ. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني الرياح ذوات الأعاصير (٢)، و ﴿مِنَ﴾ معناه الباء، كأنه قال: بالمعصرات كقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ﴾ (٣)، وكذلك كان عكرمة يقرؤها: "وَأنْزَلْنا بالْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا" (٤)، وذلك أن الرِّيحَ تَسْتَدِرُّ المَطَرَ، وقيل (٥): هي السحاب. قال الفراء (٦): المُعْصِرُ: السَّحابةُ التِي تتَحَلَّبُ بالمطر، شَبَّهَ السَّحابَ التي قد حان لها أن تُمْطِرَ بِمَعاصِرِ الجَوارِي، والمُعْصِرُ: الجارِيةُ التي قد دَنَتْ من الحَيْضِ، قال أبو النَّجْمِ:

стр. 1699

٤٥٨ - قَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنا إعْصارُها (١) وقوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ يعني مَطَرًا كَثِيرًا مُنْصَبًّا يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، يقال: ثَجَّ الماءُ يَثُجُّ ثُجُوجًا: إذا انْصَبَّ، والثَّجُّ: شِدّةُ انْصِبابِ المَطَرِ والدَّمِ، يقال: مَطَرٌ ثَجّاجٌ وَدَمٌ ثَجّاجٌ: إذا كان شديد الانْصِبابِ (٢)، وفي الخَبَرِ: "أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ" (٣)، فالثَّجُّ: إراقةُ الدِّماءِ، والعَجُّ: رَفْعُ الصوت بالتلبية (٤). وقوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ يعني: بالمطر ﴿حَبًا وَنَبَاتًا (١٥)﴾ فالحبوب: كل

стр. 1700

شيء يُزْرَعُ وَيُحْصَدُ من البُرِّ والذُّرةِ والشَّعِيرِ وسائر الحبوب مما يأكله الناس، والنباتُ: كل شيء يَنْبُتُ في الجبال والصَّحارِي من الشجر والكلأ مما تأكله الأنعام ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ يعني: بَساتِينَ مُجْتَمِعةً مُلْتَفّةً بَعْضُها بِبَعْضٍ، واحدها ألَفُّ في قول نحاة البصرة، قال الثعلبيُّ (١): وليس بالقوي، وفي قول الآخرين: واحدها لِفٌّ -بالكسر- وَلَفِيفٌ (٢). وقال المبرد (٣): واحدها لَفّاءُ وَجَمْعُها لُفٌّ، وَلُفٌّ جَمْعُهُ ألْفافٌ كَحُمْرٍ وَأحْمارٍ (٤)، وقيل (٥): هو جَمْعُ الجَمْعِ، يقال منه: شَجَرةٌ لَفّاءُ وَنَبْتٌ لِفٌّ وَجَنّاتٌ لُفٌّ بضم اللام، ثم تَجْمَعُ اللُّفَّ ألْفافًا.

стр. 1701

﴿إِنَّ يَوْمَ الْ فَصْلِ﴾ يعني يوم القيامة ﴿كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ يعني: مِيعادًا يُقْضَى فيه بين الخَلَائِقِ، ثم أخْبَرَ عن ذلك اليومِ، فقال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾؛ أي: جماعات، واحدها فَوْجٌ، وقيل: زُمَرًا زُمَرًا من كل مكان للحساب والثواب والعقاب، و ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على البدل من الأول، وإن شئت على الظرف، و ﴿أَفْوَاجًا﴾ منصوب على الحال. فصل رُوِيَ أن إسْرافِيلَ ﵇ يَنفخ في الصُّورِ -وهو القَرْنُ- فيقول: أيَّتُها العِظامُ البالِيةُ، وَأيَّتُها العُرُوقُ المُتَقَطِّعةُ، وَأيَّتُها اللُّحُومُ المُتَمَزِّقةُ، وَأيَّتُها الشُّعُورُ السّاقِطةُ، اجْتَمِعِي لأنْفُخَ فِيكِ أرْواحَكِ ويُجازِيكِ رَبُّكِ بأعْمالِكِ، ويُدِيمُ المَلَكُ الصَّوْتَ، فتجتمع الأرواحُ كُلُّها في القَرْنِ، والقَرْنُ طُوَلُهُ كَطُولِ السماوات والأرض، وَعَرْضُهُ كَعَرْضِ السماوات والأرض، فتخرج أرْواحُهُمْ كالنَّحْلِ سُودٌ وَبِيضٌ وَشَقِيُّ وَسَعِيدٌ، فتهبط أرواح المؤمنين بيضاءَ كأمثال النحل من السماء العليا إلَى وادٍ بدِمَشْقَ يقال له: الجابيةُ (١)، وهو خَيْرُ وادٍ في الأرض، وتخرج أرواح الكفارَ من الأرض السُّفْلَى سُودًا مثل الدَّبَى (٢) إلَى وادٍ بِحَضْرَمَوْتَ يقال له: بَرَهُوتٌ (٣)، وهو شَرُّ وادٍ في الأرض، فكل رُوحٍ

стр. 1702

أعْرَفُ بِمَوْضِعِ صاحِبِهِ من أحدكم بِمَنْزِلِهِ، فتأتون أفواجًا، ثم يَنْزِلُ إسرافيلُ ﵇ من فوق السماء السابعة إلَى الأرض، فيجلس على صَخْرةِ بَيْتِ المَقْدسِ، فيأخذ أرْواحَ المؤمنين والكفار كُلَّها البِيضَ والسُّودَ، فيجعلها في القَرْنِ، وَدارةُ فَمِ القَرْنِ مَسِيرةُ خَمْسِمِائةِ عامٍ ما بين السماء والأرض مثل النَّحْلِ، فيذهب كُلُّ رُوحٍ فيقع في جَسَدِ صاحِبهِ، فَيَخْرُجُ الناسُ من قبورهم فَوْجًا فَوْجًا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ (١). ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ لِنُزُولِ الملائكة ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾؛ أي: ذات أبواب، قرأ أهل الكوفة: "فُتِحَت" بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد (٢)، ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبَالُ﴾؛ أي: اقْتُلِعَتْ من أماكنها ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾؛ أي: هَباءً مُنْبَثًّا كالتراب بعد شِدَّتِها وَصَلَابَتِها، والسَّرابُ: الذي يَتَخَيَّلُ لِصاحِبِهِ أنه شيء فَيَتْبَعُهُ وليس بشيء. ثم قال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾ يعني: مَحَلًّا، وقيل: مُعَدّةً، يقال: أرْصَدْتُ لَهُ بكذا: إذا أعْتَدْتَهُ له لِوَقْتِهِ (٣)، والإرْصادُ فِي الشَّرِّ (٤)، وقيل (٥): أرْصَدْتُ وَرَصَدْتُ في الخَيْرِ والشَّرِّ جميعًا.

стр. 1703

ثم بَيَّنَ لِمَنْ أُرْصِدَتْ، فقال: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ يعني الكافرين ﴿مَآبًا (٢٢)﴾ يعني: مَرْجِعًا يَؤُوبُونَ إليه، قيل (١): إن جهنم تَرْصُدُ أهْلَها كما يَرْصُدُ الأسَدُ الوَحْشَ، قيل: نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة. ثم قال تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ يعني: فِي جهنم ﴿أَحْقَابًا (٢٣)﴾ نصب على الظرف يعني أزْمِنةً، قرأ العامة: ﴿لَابِثِينَ﴾ بالألف، وقرأ عَلْقَمةُ وَحَمْزةُ: ﴿لَبِثِينَ﴾ (٢) بغير ألِفٍ، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ، مثل طَمِعٍ وَطامِعٍ وَفَرِهٍ وفارِهٍ (٣)، وهو منصوب على الحال، والأحقاب جمع حُقَبٍ، والحُقْبُ جَمْعُ حُقْبةٍ (٤)، قال مُتَمِّمُ بنُ نُوَيْرةٍ (٥):

стр. 1704

٤٥٩ - وَكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمةَ حُقْبةً... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ: لَنْ يَتَصَدَّعا (١) قال المفسرون (٢): الحُقْبُ الواحد بِضْعٌ وَثَمانُونَ سَنةً، السنة ثلاثمائة وستون يومًا، اليوم سَنةٌ من أيام الدنيا، وقيل (٣): الحُقْبُ سبعون ألف سنة، كل يوم منها ألف سنة مما نَعُدُّهُ، وقيل (٤): الحُقْبُ سَبْعَ عَشْرةَ ألْفَ سَنةً، وقيل (٥): الحُقْبُ: اسم للزمان والدَّهْرِ، وليس له حَدٌّ معلومٌ، ولا يَعْلَمُ عَدَدَ الأحقاب إلا اللَّهُ تعالى، وإنما ذَكَرَ الأحقابَ لأنها أعظم من الأيام، فَدَلَّ ذلك على أنها أحْقابٌ بعد أحْقابٍ إلَى غير نهاية ولا غاية.

стр. 1705

فصل عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "واللَّهِ لا يَخْرُجُ من النار مَنْ دَخَلَها حتى يَمْكُثَ فيها أحْقابًا، والحُقْبُ بِضْعٌ وثمانون سنةً، والسَّنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تَعُدُّونَ، فلا يَتَّكِلْ أحَدٌ على أن يخرج من النار، فلو عَلِمَ أهْلُ النار أنَّهُمْ يَلْبَثُونَ في النار عَدَدَ حَصَى الدنيا لَفَرِحُوا، ولو عَلِمَ أهْلُ الجنة أنهم يَلْبَثُونَ في الجنة عَدَدَ حَصَى الدنيا لَحَزِنُوا" (١). ثم قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ يعني: في جهنم، وقيل: في تلك الأحقاب ﴿بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ يعني رَوْحًا يَنْفَعُهُمْ مِنْ حَرِّها، ولا شَرابًا بارِدًا يَنْفَعُهُمْ مِنْ عَطَشِها، وقال ابن عباس (٢): يريد النَّوْمَ والماءَ، وكذلك قال ثَعْلَبٌ (٣): البَرْدُ هاهنا: النَّوْمُ، ومن أمثال العرب: مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ، يعني النَّوْمَ؛ أي: أصابني من البَرْدِ ما منعني من النوم، وإنما فُسِّرَ البَرْدُ بالنَّوْمِ لأن الإنسان إذا نامَ بَرَدَ فِي النَّوْمِ. قال الشاعر: ٤٦٠ - فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ... وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا وَلا بَرْدا (٤) يعني نومًا.

стр. 1706

ثم استثنى فقال تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ يعني ماءً حارًّا قد انتهى حَرُّهُ ﴿وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ قد انتهى بَرْدُهُ، وهو الزَّمْهَرِيرُ، والغَسّاقُ: البَرْدُ الذي يَقْتُلُ (١)، والغَسّاقُ: ما سالَ من جُلُودِ الكفار في النار كالصديد (٢)، يقال: غَسَقَتْ عَيْنُهُ؛ أي: سالَتْ. وقال شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ (٣): الغَسّاقُ: وادٍ في النار، فيه ثلاثمائة وثلاثون شِعْبًا، في كل شعْبٍ ثلاثمائة وثلاثون بيتًا، في كل بيت أربع زَوايا، في كل زاوية شجاع كأعظم ما خَلَقَ اللَّهُ تعالى من الخَلْقِ، في رأس كل شجاع سُمٌّ -نعوذ باللَّه ونلوذ به من ذلك-، قرأ حَمْزةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ: ﴿غَسّاقًا﴾ بالتشديد، وقرأه الباقون بالتخفيف (٤). ثم قال: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾؛ أي: وافَقَ جَزاءُ أعمالهم ذلك العذابَ وِفاقًا،

стр. 1707

كما تقول: قاتَلَ فُلَانٌ قِتالًا، ذكره الأخفشُ (١)، وقال الفَرّاءُ (٢): هو جمع وِفْقٍ. واللِّفْقُ والوِفْقُ واحدٌ، وهما منصوبان على المصدر (٣)، مجازه: جازَيْناهُمْ جَزاءً وِفاقًا وافَقَ أعْمالَهُمُ الخَبِيثةَ. ثم أخبر عنهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾؛ أي: لا يخافون الحساب، ولا يؤمنون بالبعث ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾؛ أي: كَذَّبُوا بالقرآن تَكْذِيبًا بما فيه من الأمر والنهي، و"فعّالٌ" من مصادر التَّفْعِيلِ، قال الفَرّاءُ (٤): وهي لغة فصيحة يَمانِيّةٌ، تقول: كَذَّبْتُ كِذّابًا، وَخَرَّقْتُ القَمِيصَ خِرّافًا. قيل: نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة وأبي جهل بن هشام. قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾؛ أي: بَيَّنّاهُ في اللَّوْحِ المحفوظ، نظيره قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، و ﴿كِتَابًا﴾ توكيد لـ "أحْصَيْنا"، وهو منصوب على المصدر؛ لأن ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ هو بمعنى: كَتَبْناهُ كِتابًا (٦)، وقيل (٧): بِنَزْعِ الخافض؛ أي: فِي كتاب، وقيل (٨): على الحال، وقيل:

стр. 1708

على التفسير، و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ نصب بإضمار فعل تفسيره ما بعده تقديره: وَأحْصِى كُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ـ ﴿فَذُوقُوا﴾؛ أي: ويُقالُ لهم: ذُوقُوا جَزاءَ أعمالكم ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾. ثم ذكر المتقين وثوابهم، فقال تعالى: ﴿إنَّ لِلمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾ ويعني: سعادة ونجاة من العذاب وَظَفَرًا بما يريدون، يقال: فازَ فُلَانٌ بالأمر: إذا ظَفِرَ به، ثم نعت مالهم من الكرامة فقال: ﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حديقة ﴿وَأَعْنَابًا﴾ جمع عِنَبٍ، يعني: أشجار الجنة وثمارها، وقال طاهر بن أحمد (١): ﴿حَدَائِقَ﴾ بدل من ﴿مَفَازًا﴾، وهو بَدَلُ نَكِرةٍ من نَكِرةٍ، قال: ومثله من الشعر: ٤٦١ - وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحةٍ... وَرِجْلٍ رَمَى فِيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ (٢) ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ مُسْتَوِياتٍ في السِّنِّ، نَواهِدَ قد تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ، واحدتها: كاعِبٌ قال بِشْرُ بنُ أبِي خازِمٍ (٣):

стр. 1709

٤٦٢ - فَهُنَّ رُكُودٌ كالْكَواعِبِ حَوْلَهُ... لَهُنَّ صَرِيرٌ تَحْتَ ظَلْماءَ حِنْدِسِ (١) قوله: ﴿وَكَأْسًا﴾ ويعني: شَرابًا، وهو الخَمْرُ ﴿دِهَاقًا (٣٤)﴾ مُتْرَعةً يعني: مَلْأى، وقيل: مُتَتابعةً، وقيل: صافِيةً ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿لَغْوًا﴾ يعني: باطلًا من الكلام ﴿وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾؛ أي: لا يَكْذِبُونَ على شَرابِهِمْ كما يَكْذِبُ أهْلُ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا. وقرأ الكِسائِيُّ: ﴿كِذابًا﴾ (٢) بالتخفيف، قال الفَرّاءُ (٣): وهو حَسَنٌ، المعنى: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قال أبو عبيدة (٤): الكِذابُ مخفف: مصدر المُكاذَبةِ. وقال أبو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ (٥): هو مصدر "كَذَبَ" كالكِتابِ في مصدر "كَتَبَ"، قال الأعشى:

стр. 1710

٤٦٣ - وَصدَقْتُها وَكذَبْتُها... والمرْءُ يَنْفَعهُ كِذابهْ (١) وإنما خَفَّفَها الكسائيُّ هاهنا لأنها ليست بِمُقَيَّدةٍ بِفِعْلٍ يُصَيِّرُها مَصْدَرًا له، وَشَدَّدَ قَوْلَهُ: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾؛ لأن "كَذَّبُوا" يُقَيِّدُ الكلامَ بالمصدر، هكذا ذكره الثعلبيُّ (٢). قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ يعني كثيرًا كافيًا وافيًا، يقال: أحْسَبْتُ فُلَانًا؛ أي: أعْطَيْتُهُ ما يكفيه حتى قال: حَسْبِي (٣)، قال الشاعر: ٤٦٤ - وَنُقْفِي وَلِيدَ الحَيِّ إنْ كانَ جائِعًا... وَنُحْسِبُهُ إنْ كانَ لَيْسَ بِجائِعِ (٤)

стр. 1711

أي: نُعْطِيهِ حَتَّى يقول: حَسْبِي. ونصب ﴿جَزَاءً﴾ و ﴿عَطَاءً﴾ على المصدر (١)، وقيل (٢): ﴿عَطَاءً﴾ بدل من ﴿جَزَاءً﴾، و ﴿جَزَاءً﴾ نصب على الحال. و ﴿حِسَابًا﴾ نعت لـ ﴿عَطَاءً﴾ (٣)، وقيل: هو اسم أُقِيمَ مُقامَ المصدر ومعناه: كافيًا، من قولهم: حَسْبِي كذا؛ أي: كَفانِي، وقيل (٤): إنه مصدر حَسَبَ لَهُمْ؛ أي: قَدَّرَ لَهُمْ ذَلِكَ. وقرأ ابن عباس: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حَسَنًا﴾ بالنون، وقرأ شُرَيْحُ بن يَزِيدَ: ﴿حِسّابًا﴾ (٥) مشددةً مكسورةَ الحاء. قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قرأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وأبو جعفر وَشَيْبةُ ونافعٌ وأبو عمرو وابن كثير وسلام برفع الباء والنون على الابتداء، وخبره في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ (٦)، وقيل (٧): رفعه على خبر ابتداء محذوفٍ، تقديره:

стр. 1712

هُوَ رَبُّ، وقرأ ابن عامر ويعقوب وعيسى بن عمر وعاصم كليهما (١) خَفْضًا، وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ وحَمْزةُ والكسائيُّ وخَلَفٌ: ﴿رَبِّ﴾ خفضًا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفعًا (٢)، واختاره أبو عبيد، وقال (٣): هذا أعْدَلُها عندي، يُخْفَضُ الأوَّلُ منهما لقربه من قوله: ﴿وجَزَاءً مِن رَّبِكَ﴾، فيكون نعتًا له أو بدلًا منه، ويُرْفَعُ "الرَّحْمَنُ" لِبُعْدِهِ عنه. وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾ لا يملكون يومئذ مُخاطَبةً بالكلام حتى يأذن اللَّه تعالى لَهُمْ، ثم أخْبَرَ مَتَى يكون ذلك، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ قيل (٤): الرُّوحُ خَلْقٌ من خَلْقِ اللَّه على صُورةِ بني آدم ليسوا بِناسٍ ولا ملائكةٍ، لهم رُؤُوسٌ وَأيْدٍ، يأكلون الطعام، يقومون صَفًّا والملائكةُ صَفًّا، هؤلاء جُنْدٌ وهؤلاء جُنْدٌ. وقيل (٥): الرُّوحُ: مَلَكٌ أعْظَمُ من السماوات ومن الجبال، وَأعْظَمُ من

стр. 1713

الملائكة، وهو في السماء الرابعة يُسَبِّحُ اللَّهَ كُلَّ يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يخلق اللَّه من كل تسبيحة مَلَكًا، فإذا كان يَوْمُ القيامة قامَ هُوَ وَحْدَهُ صَفًّا، وقامت الملائكة كُلُّهُمْ صَفًّا واحِدًا، فيكون عِظَمُ خَلْقِهِ مثل صُفُوفِهِمْ. وقيل (١): الرُّوحُ جبريل ﵇، قال ابن عباس (٢): "إنَّ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ نَهَرًا من نُورٍ مثل السماوات السبع والأرَضِينَ السَّبْعِ والبحار السبعة، يدخل جبريل ﵇ كُلَّ سَحَرٍ فيه فيغتسل، فَيَزْدادُ نُورًا إلَى نُورِهِ، وَجَمالًا إلَى جَمالِهِ، وَعِظَمًا إلَى عِظَمِهِ، ثم يَنْتَفِضُ فَيُخْرِجُ اللَّهُ من كل قطرة تقع من رِيشِهِ كذا وكذا ألْفَ مَلَكٍ، يدخل منهم كُلَّ يَوْمٍ سبعون ألْفَ مَلَكٍ البَيْتَ المَعْمُورَ، وفي الكعبة سَبْعُونَ ألْفًا لا يعودون إليه إلَى أن تقوم الساعةُ"، وقيل: هُمْ بَنُو آدَمَ، واللَّه أعلم. ونصب ﴿صَفًا﴾ على الحال، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال، وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ يعني: الخلق كلهم لا يتكلمون أربعين عاما من الخوف ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بالكلام، وهم المؤمنون والملائكة ﴿وَقَالَ﴾ في الدنيا ﴿صَوَابًا (٣٨)﴾ يعني: قَوْلًا حَقًّا؛ أي: شَهِدَ بالتوحيد، وقال: لا إله إلا اللَّه (٣)، ونصب ﴿صَوَابًا﴾ على النعت لمصدر محذوف تقديره: وَقالَ قَوْلًا صَوابًا (٤).

стр. 1714

فصل قال وَهْبُ بن مُنبِّهٍ (١): "إن جبريل ﵇ واقِفٌ بين يدي اللَّه تُرْعَدُ فَرائِصُهُ، يَخْلُقُ اللَّهُ تعالى من كل رِعْدةٍ مائةَ ألْفِ مَلَكٍ، والملائكةُ صُفُوفٌ بين يدي اللَّه ، مُنَكِّسُو رُؤُوسِهِمْ، فإذا أذِنَ اللَّهُ لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا أنت، وهو قوله: ﴿صَوَابًا﴾، يعني: لا إله إلا اللَّه. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ هو يعني يوم القيامة، ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ به، و ﴿الْيَوْمُ﴾ خبره، و ﴿الْحَقُّ﴾ نعته، والحق هو الذي لا ظُلْمَ فيه ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾ يعني: مَرْجِعًا يَؤُوبُ فيه إلَى خَيْرٍ، ويرجع إليه بالأعمال الصالحة. ثم خَوَّفَ كُفّارَ مكة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني العذاب في الآخرة، وَكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ونصب ﴿عَذَابًا﴾ بِنَزْعِ حرف الصفة، تقديره: بعذاب قريب (٢)، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من خيرٍ وشَرٍّ، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ فلم أُبْعَثْ وَلَمْ أُحاسَبْ، وذلك يومَ القيامة، "يَحْشُرُ اللَّهُ تعالى الخَلَائِقَ والدَّوابَّ والوَحْشَ والبَهائِمَ، ثم يَجْعَلُ القِصاصَ بَيْنَ الدَّوابِّ حتى تَقْتَصَّ الجَمّاءُ من القَرْناءِ فَتَنْطَحُها، فإذا فَرَغَ اللَّهُ تعالى من القِصاصِ بَيْنَها قال لها الجَبّارُ: كُونِي تُرابًا، فعند ذلك يقول الكافرُ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٣).

стр. 1715

والكافر هاهنا اسم للجنس، ولهذا عُرِّفَ بالألف واللام، تقول العرب: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، ويريدون به الجِنْسَ، وقال الثعلبيُّ (١): سمعت أبا القاسم بن حبيب (٢) يقول: رأيتُ فِي بعض التفاسير أن الكافر هاهنا إبليسُ -لعنه اللَّه-، وكذلك قال صاحب "إنسان العين" (٣)، وذلك أنه عابَ آدَمَ بأنه خُلِقَ من التراب، وافتخر بأنه خُلِقَ من النار، فإذا عايَنَ يَوْمَ القيامة ما فيه آدَمُ وَبَنُوهُ المؤمنون من الثواب والنعمة والراحة والرحمة، وما هو فيه من الشدة والعذاب والنِّقْمةِ، تَمَنَّى مَكانَ آدَمَ، فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، قال أبو هريرة: "فيقول التُّرابُ لِلْكافِرِ: لَا، وَلَا كَرامةَ لَكَ مِنْ جَعْلِكَ مِثْلِي" (٤). واختلفوا في مؤمني الجِنِّ، فقال اللَّيْثُ بن أبِي سُلَيْمٍ: مؤمنو الجِنِّ يَعُودُونَ تُرابًا، وقال عُمَرُ بن عبد العزيز: مؤمنو الجِنِّ حَوْلَ الجَنّةِ في رَبَضٍ وَرِحابٍ، وليسوا فيها، وقال الضَّحّاكُ: مؤمنو الجِنِّ يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، وقد تقدم ذِكْرُ الخِلَافِ في سورة الأحقاف (٥)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1716

سورة النازعات مكية وهي سبعمائة وثلاثة وخمسون حرفًا، ومائة وسبعون كلمةً، وست وأربعون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورةَ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَزْعَهُ عِنْدَ مَوْتهِ، وَلَمْ تَكُنْ مُدّةُ حِسابِهِ فِي الآخِرةِ إلَّا مِقْدارَ أداءِ الصَّلاةِ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ يَبْعَثُهُ اللَّهُ إلَى الجَنّةِ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ النّازِعاتِ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ الحَسَدَ والغِلَّ والفَقْرَ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ يعني الملائكة تَنْزِعُ أرْواحَ الكُفّارِ عن أبدانهم، وأراد بِالإغْراقِ المُبالَغةَ كما يُغْرِقُ النّازِعُ في القَوْسِ لِيَبْلُغَ

стр. 1717

بِها غايةَ المَدِّ (١)، والغَرْقُ اسم أُقِيمَ مُقامَ الإغْراقِ ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ يعني الملائكة أيضًا يَنْشِطُونَ رُوحَ الكافِرِ مِنْ قَدَمَيْهِ إلَى حَلْقِهِ نَشْطًا، كما يُنْشَطُ الصُّوفُ المَبْلُولُ مِنْ سَفُّودِ الحَدِيدِ، والنَّشْطُ: الجَذْبُ، يقال: نَشَطْتُ الدَّلْوَ نَشْطًا: إذا نَزَعْتُها (٢). وقال عَلِيٌّ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- (٣): "هي الملائكةُ تَنْشِطُ أرْواحَ الكُفّارِ ما بين الجِلْدِ والأظْفارِ حَتَّى تُخْرِجَها مِنْ أجْوافِها بِالكَرْبِ والغَمِّ"، والهُمُومُ تَنْشِطُ بِصاحِبِها (٤). قال الشاعر: ٤٦٥ - أمْسَتْ هُمُومي تَنْشِطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وَطَوْرًا واسِطا (٥)

стр. 1718

وقيل: إنَّها تَنْشِطُ أرْواحَ المؤمنين؛ أي: تَحُلُّ حَلًّا رَفِيقًا، كما يُنْشَطُ العِقالُ مِنْ يَدِ البَعِيرِ؛ أي: يُحَلُّ حَلًّا بِرِفْقٍ، ذكره الغَزْنَوِيُّ، وَرَوَى ذلك عن ابن عباس (١)، وقيل (٢): الناشطات: كلاب في النار تَنْشِطُ لُحُومَ الكفار. ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ قال عَلِيٌّ ﵇ (٣): "هي الملائكة تَسْبَحُ بِرُوحِ المُؤْمِنِ في السماوات لا تُحْجَبُ رُوحُهُ من السماء حتى يَبْلُغَ المَلَكُ عند العَرْشِ عند سِدْرةِ المُنْتَهَى، عندها مَأْوَى أرْواحِ المؤمنين". وقال الكلبيُّ (٤): هم الملائكة يَقْبِضُونَ أرْواحَ المؤمنين، يَسُلُّونَها سَلًّا رَفِيقًا، ثُمَّ يَدَعُونَها حَتُّى تَسْتَرِيحَ كالسّابِحِ في الماء بالشيءِ يَرْفُقُ به. وقيل (٥): هم الملائكة يَنْزِلُونَ من السماء مُسْرِعِينَ كالفَرَسِ الجَوادِ السّابِحِ، يقال لِلْفَرَسِ الجَوادِ: سابِحٌ: إذا أسْرَعَ فِي جَرْيِهِ.

стр. 1719

وقال قتادة (١): هي النُّجُومُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢)، وقال عَطاءٌ (٣): هي السُّفُنُ تَسْبَحُ في الماءِ سَبْحًا. ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ قيل (٤): هي الملائكة سَبَقَتِ ابنَ آدَمَ بِالخَيْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقيل (٥): إنَّها تَسْبِقُ بأرواح المؤمنين إلَى الجنة. وقيل (٦): لأنها تَسْبِقُ كُلَّ شَيْءٍ في السَّيْرِ؛ لأنها تَنْزِلُ من السماء وتصعد في يومٍ واحدٍ مِقْدارَ ألْفِ سَنةٍ، وهي تَسْبِقُ الرِّيحَ. وقيل (٧): إنَّها رُوحُ المؤمن تَسْبِقُ إلَى مَلَكِ الموت، تُبادِرُ الخُرُوجَ إليه شَوْقًا إلَى اللَّه تعالى وَكَرامَتِهِ، وَشَوْقًا إلَى الجنة، وقال العَزِيزِيُّ (٨): هي الملائكة تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلَى الأنبياء، إذْ كانت الشياطينُ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ.

стр. 1720

﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ يعني جبريل وميكائيل ومَلَكَ الموت وإسرافيلَ، يُدَبِّرُونَ أمْرَ اللَّه في أهل الأرض، قال عبد الرحمن بن سابِطٍ (١): يُدَبِّرُ أمْرَ الدنيا أرْبَعةُ أمْلَاكٍ: جِبْرِيلُ وميكائيلُ وَمَلَكُ الموت وَإسْرافِيلُ، فأما جبريل فَوُكِّلَ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأما ميكائيل فَوُكِّلَ بِالقَطْرِ والنَّباتِ، وأما مَلَكُ الموت فَوُكِّلَ بِقَبْضِ الأنْفُسِ، فأما إسرافيل فهو يَنْزِلُ عليهم بالأمر (٢). ومن أوَّلِ السورة إلَى هنا أقْسامٌ أقْسَمَ اللَّه تعالى بِها، وله أن يُقْسِمَ بِما شاء مِنْ خَلْقِهِ، وجوابها محذوف مضمر مجازه: لَتُبْعَثُنَّ وَلَتُحاسَبُنَّ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، وهو قول بعض نحاة الكوفة (٣). وقال بعض نُحاةِ البصرة (٤): جوابها قوله تعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ
следующие страницы →