سورة النازعات
مكية
وهي سبعمائة وثلاثة وخمسون حرفًا، ومائة وسبعون كلمةً، وست وأربعون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورةَ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَزْعَهُ عِنْدَ مَوْتهِ، وَلَمْ تَكُنْ مُدّةُ حِسابِهِ فِي الآخِرةِ إلَّا مِقْدارَ أداءِ الصَّلاةِ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ يَبْعَثُهُ اللَّهُ إلَى الجَنّةِ" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ النّازِعاتِ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ الحَسَدَ والغِلَّ والفَقْرَ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ يعني الملائكة تَنْزِعُ أرْواحَ الكُفّارِ عن أبدانهم، وأراد بِالإغْراقِ المُبالَغةَ كما يُغْرِقُ النّازِعُ في القَوْسِ لِيَبْلُغَ
стр. 1717
بِها غايةَ المَدِّ (١)، والغَرْقُ اسم أُقِيمَ مُقامَ الإغْراقِ ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ يعني الملائكة أيضًا يَنْشِطُونَ رُوحَ الكافِرِ مِنْ قَدَمَيْهِ إلَى حَلْقِهِ نَشْطًا، كما يُنْشَطُ الصُّوفُ المَبْلُولُ مِنْ سَفُّودِ الحَدِيدِ، والنَّشْطُ: الجَذْبُ، يقال: نَشَطْتُ الدَّلْوَ نَشْطًا: إذا نَزَعْتُها (٢).
وقال عَلِيٌّ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- (٣): "هي الملائكةُ تَنْشِطُ أرْواحَ الكُفّارِ ما بين الجِلْدِ والأظْفارِ حَتَّى تُخْرِجَها مِنْ أجْوافِها بِالكَرْبِ والغَمِّ"، والهُمُومُ تَنْشِطُ بِصاحِبِها (٤). قال الشاعر:
٤٦٥ - أمْسَتْ هُمُومي تَنْشِطُ المَناشِطا
الشّامَ بِي طَوْرًا وَطَوْرًا واسِطا (٥)
стр. 1718
وقيل: إنَّها تَنْشِطُ أرْواحَ المؤمنين؛ أي: تَحُلُّ حَلًّا رَفِيقًا، كما يُنْشَطُ العِقالُ مِنْ يَدِ البَعِيرِ؛ أي: يُحَلُّ حَلًّا بِرِفْقٍ، ذكره الغَزْنَوِيُّ، وَرَوَى ذلك عن ابن عباس (١)، وقيل (٢): الناشطات: كلاب في النار تَنْشِطُ لُحُومَ الكفار.
﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ قال عَلِيٌّ ﵇ (٣): "هي الملائكة تَسْبَحُ بِرُوحِ المُؤْمِنِ في السماوات لا تُحْجَبُ رُوحُهُ من السماء حتى يَبْلُغَ المَلَكُ عند العَرْشِ عند سِدْرةِ المُنْتَهَى، عندها مَأْوَى أرْواحِ المؤمنين".
وقال الكلبيُّ (٤): هم الملائكة يَقْبِضُونَ أرْواحَ المؤمنين، يَسُلُّونَها سَلًّا رَفِيقًا، ثُمَّ يَدَعُونَها حَتُّى تَسْتَرِيحَ كالسّابِحِ في الماء بالشيءِ يَرْفُقُ به.
وقيل (٥): هم الملائكة يَنْزِلُونَ من السماء مُسْرِعِينَ كالفَرَسِ الجَوادِ السّابِحِ، يقال لِلْفَرَسِ الجَوادِ: سابِحٌ: إذا أسْرَعَ فِي جَرْيِهِ.
стр. 1719
وقال قتادة (١): هي النُّجُومُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢)، وقال عَطاءٌ (٣): هي السُّفُنُ تَسْبَحُ في الماءِ سَبْحًا.
﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ قيل (٤): هي الملائكة سَبَقَتِ ابنَ آدَمَ بِالخَيْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقيل (٥): إنَّها تَسْبِقُ بأرواح المؤمنين إلَى الجنة.
وقيل (٦): لأنها تَسْبِقُ كُلَّ شَيْءٍ في السَّيْرِ؛ لأنها تَنْزِلُ من السماء وتصعد في يومٍ واحدٍ مِقْدارَ ألْفِ سَنةٍ، وهي تَسْبِقُ الرِّيحَ.
وقيل (٧): إنَّها رُوحُ المؤمن تَسْبِقُ إلَى مَلَكِ الموت، تُبادِرُ الخُرُوجَ إليه شَوْقًا إلَى اللَّه تعالى وَكَرامَتِهِ، وَشَوْقًا إلَى الجنة، وقال العَزِيزِيُّ (٨): هي الملائكة تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلَى الأنبياء، إذْ كانت الشياطينُ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ.
стр. 1720
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ يعني جبريل وميكائيل ومَلَكَ الموت وإسرافيلَ، يُدَبِّرُونَ أمْرَ اللَّه في أهل الأرض، قال عبد الرحمن بن سابِطٍ (١): يُدَبِّرُ أمْرَ الدنيا أرْبَعةُ أمْلَاكٍ: جِبْرِيلُ وميكائيلُ وَمَلَكُ الموت وَإسْرافِيلُ، فأما جبريل فَوُكِّلَ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأما ميكائيل فَوُكِّلَ بِالقَطْرِ والنَّباتِ، وأما مَلَكُ الموت فَوُكِّلَ بِقَبْضِ الأنْفُسِ، فأما إسرافيل فهو يَنْزِلُ عليهم بالأمر (٢).
ومن أوَّلِ السورة إلَى هنا أقْسامٌ أقْسَمَ اللَّه تعالى بِها، وله أن يُقْسِمَ بِما شاء مِنْ خَلْقِهِ، وجوابها محذوف مضمر مجازه: لَتُبْعَثُنَّ وَلَتُحاسَبُنَّ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، وهو قول بعض نحاة الكوفة (٣).
وقال بعض نُحاةِ البصرة (٤): جوابها قوله تعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ
стр. 1721
يَخْشَى﴾ (١) وما بعدها (٢) منصوب على المصدر، وقيل (٣): قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ مفعول به، وقيل (٤): هو منصوب بنَزْع حرف الجر؛ أي: بأمْرٍ، حُذفت الباء فتعدى الفعل، وأنشد سيبويه (٥):
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وَذا نَشَبِ (٦)
وقيل (٧): نصب ﴿غَرْقًا﴾ على الحال، وهو اسم للمصدر.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾؛ أي: تَضْطَرِبُ الأرضُ وَتُزَلْزَلُ الجِبالُ، وإنما سُمِّيَت الأراجِيفُ لاضْطِرابِ الأصْواتِ بِها (٨)، والرّاجِفةُ هي الصيحة الأُولَى ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ وهي النفخة الثانية، بينهما أربعون سنة ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾؛ أي: قَلِقةٌ شَدِيدةُ الاضطراب مِنْ خَوْفِ ذلك اليومِ، يقال: وَجَفَ قَلْبُهُ وَجْفًا مِنْ شِدّةِ الحَرَكةِ، وكذلك الوَجِيفُ فِي السَّيْرِ سُمِّيَ بذلك لِشِدّةِ هَزِّهِ واضْطِرابِهِ (٩)، ويقال: وَجَفَ الرَّجُلُ وَأوْجَفَ:
стр. 1722
إذا أكْثَرَ السَّيْرَ، وَوَجَفَ القَلْبُ فهو يَجِفُ وَجِيفًا: إذا اضْطَرَبَ.
﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ يعني: أبْصارُ تِلْكَ القُلُوبِ الواجِفةِ خاشِعةٌ ذَلِيلةٌ خاضِعةٌ، قَدْ نَكَسُوا رُؤوسَهُمْ، وَخَفَضُوا أبْصارَهُمْ عند رؤية النار ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾؛ أي: نُرَدُّ إلَى أوَّلِ أمْرِنا في الدنيا، ومعنى الرَّدِّ في الحافِرةِ: الرُّجُوعُ في الطريق الأوَّلِ، تقول العرب: أتَيْتُ فُلَانًا ثُمَّ رَجُعْتُ على حافِرَتِي أي: رَجَعْتُ مِنْ حَيْثُ جِئْتُ (١)، وهي "فاعِلةٌ" بمعنى "مَفْعُولةٍ"، كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٢)؛ أي: مَدْفُوقٍ، وهو استفهام إنكار، أنكروا البعثَ بعد الموت، وقالوا: نُرَدُّ إلَى الدنيا وَنَصِيرُ أحْياءً كما كُنّا؛ قال الشاعر:
٤٦٦ - آلَيْتُ لَا أنْساكُمُ، فاعْلَمُوا... حَتَّى يُرَدَّ النّاسُ فِي الحافِرَهْ (٣)
والحافِرةُ عند العرب اسمٌ لأوَّلِ الشَّيْءِ وابتداءِ الأمْرِ، ومعنى الآية: أإنّا لَمَرْدُودُونَ إلَى الأرْضِ فنُبْعَثَ خَلْقًا جَدِيدًا؟
стр. 1723
﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾ يعني: بالِيةً، يقال (١): النَّخِرةُ: البالِيةُ، والنّاخِرُ: العَظْمُ المُجَوَّفُ الذي تَمُرُّ فيه الرِّيحُ فَتَنْخَرُهُ، يقال: نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ فهو ناخِرٌ وَنَخِرٌ: إذا بَلِيَ وَتَفَتَّتَ، قال الأخفشُ (٢): هُما لغتان أيَّهُما قَرَأْتَ فَحَسَنٌ، قرأ أهلُ الكوفة إلّا حَفْصًا، وَرُوَيْسٌ عن يعقوبَ: "ناخِرةً" بألف، وهي قراءة عُمَرَ ابن الخطاب (٣) وابْنِهِ وابنِ عَبّاسٍ وابنِ الزُّبَيْرِ وابنِ مَسْعُودٍ وأصحابِهِ ﵃، واختاره الفَرّاءُ (٤) وابنُ جَرِيرٍ (٥) لِوِفاقِ رُؤوسِ الآيِ، وقرأ الباقون: ﴿نَخِرَةً﴾ (٦) بغير ألِفٍ، وهي أختيار أبِي عبيد وأبِي حاتم (٧).
стр. 1724
وهما لغتان في قول أكثر أهل اللسان، مثل الطَّمِعِ والطّامِعِ والبَخِلِ والباخِلِ والفَرِه والفارِه والحَذِرِ والحاذِرِ (١).
وَفَرَّقَ قَوْمٌ بينهما، فقالوا (٢): النَّخِرةُ: البالِيةُ، والنّاخِرةُ: المُجَوَّفةُ، والمعنى: أإنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافِرةِ؛ أي: فِي خَلْقِنا الأوَّلِ خَلْقًا جديدًا إذا كُنّا عِظامًا نَخِرةً.
﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾؛ أي: غَيْرُ كائِنةٍ، أي: لا رَجْعةَ إلَى الحياة بعد الموت، و ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، و ﴿كَرَّةٌ﴾ خبره، و ﴿إذًا﴾ بمعنى: إذا كانَ كَذَلِكَ، قُلِبَتْ ألِفُها نُونًا لِتَدُلَّ على المحذوف بعدها، وهو نصب على الظرف، و ﴿خَاسِرَةٌ﴾ نعت ﴿كَرَّةٌ﴾، ومعنى خاسِرة؛ أي: إنْ رُدِدْنا بعد الموت لَنَخْسَرَنَّ بِما يُصِيبُنا بعد الموت مِمّا يقول محمدٌ.
ثم أعْلَمَ اللَّهُ سُهُولةَ البعث عليه، فقال تعالى تكذيبًا لهم: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ يعني: صَيْحةٌ واحِدةٌ، وهي النفخة الثانية يُصاحُ فيهم ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ واختلفوا فيها، فقيل (٣): السّاهِرةُ: وَجْهُ الأرض، وسُمِّيَتْ ساهِرةً لأن فيها
стр. 1725
سهَرَهُمْ وَنَوْمَهُمْ، وأصلها: مَسْهُورةٌ وَمَسْهُورٌ فيها، فَصُرِفَتْ من "مَفْعُولةٍ" إلَى "فاعِلةٍ" كما قيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ (١)؛ أي: مَرْضِيّة.
وقيل (٢): السّاهِرةُ: أرض القيامة؛ لأنهم يَسْهَرُونَ عليها، فلا يَنامُونَ لِتَصاعُبِ الشُّغُلِ في القِيامةِ، وقيل (٣): هي أرض بالشام، وقيل: هي جهنم، وقيل (٤): السّاهِرةُ في كلام العرب: الأرض الواسعة المَخُوفةُ التي يُسْهَرُ فيها من الخوف، وقيل (٥): السّاهِرةُ: جَبَلٌ عند بيت المَقْدِسِ، وقيل: هي فوق الأرض، وقال ابن عباس (٦): السّاهِرةُ: أرض مكة، قال الشاعر:
٤٦٧ - وَفِيها صَيْدُ ساهِرةٍ وَبَحْرٍ
تَمامُهُ:
وَما فاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ (٧)
أي: لَحْمُ البَرِّ والبَحْرِ.
стр. 1726
قوله تعالى في قصة فرعون وموسى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ يعني موسى ﵇، أرْى فِرْعَوْنَ العَصَى واليَدَ البَيْضاءَ، لها شُعاعٌ كَشُعاع الشَّمْسِ يغشى البصرَ، وهي أكبر الاثنتين ﴿فَكَذَّبَ﴾ بأنها من اللَّه ﴿وَعَصَى (٢١)﴾ نَبِيَّهُ فَلَمْ يُطِعْهُ، ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢)﴾؛ أي: أعْرَضَ عن الإيمان، وَسَعَى في الأرض بالفساد.
﴿فَحَشَرَ﴾؛ أي: جَمَعَ قَوْمَهُ وَجُنُودَهُ ﴿فَنَادَى (٢٣)﴾ لَمّا اجْتَمَعُوا حَوْلَهُ ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾؛ أي: لا رَبَّ فَوْقِي، كَذَبَ -واللَّهِ- عَدُو اللَّهِ، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ أراد بالآخرة والأُولَى كَلِمَتَي فِرْعَوْنَ حين قال في الأُولَى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (١)، والأُخْرَى قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وكان بينهما أربعون سنةً، وقيل: عاقَبَهُ اللَّهُ في الدنيا في الأُولَى بالغَرَقِ، وفي الآخرة بالنار.
و ﴿نَكَالَ﴾ مصدرٌ؛ لأن معنى قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: نَكَّلَ به، فجعل ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ﴾ مصدرًا من معناه، لا من لفظه، كأنه قال: أخَذَهُ اللَّه أخْذًا (٢)،
стр. 1727
وقيل (١): هو نصب بِنَزْعِ حرف الصفة، وقيل (٢): هو مفعول من أجله، وقوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ﴾ يعني: الذي فعل بفرعون حين كَذَّبَ وَعَصَى ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ أي: عِظةً ﴿لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ اللَّهَ.
فصل
عن ابن عباس ﵁ قال: "قال موسى: يا رَبِّ أمْهَلْتَ فِرْعَوْنَ أربعمائة سنة وهو يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ويُكَذِّبُ آياتِكَ، وَيَجْحَدُ رُسُلَكَ، فأوحى اللَّه تعالى إليه: "يا مُوسَى إنَّهُ كان حَسَنَ الخُلُقِ سَهْلَ الحِجابِ، فَأحْبَبْتُ أنْ أُكافِئَهُ" (٣).
ثم خاطَبَ منكري البعث، فقال تعالى ﴿أَأَنْتُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾؛ أي: رَفَعَها فقال لها: كُوني فكانت، وكل شيء ارتفع فوق شيءٍ فهو بِناءٌ، وهو استفهام تقرير، ورفع ﴿السَّمَاءُ﴾ عطفًا على ﴿أَشَدُّ﴾ بـ ﴿أَمِ﴾، والتقدير: أخَلْقُكُمْ بعد الموت أشَدُّ عِنْدَكُمْ أم السَّماءُ في تَقْدِيرِكُمْ؟ وَهُما في قُدْرةِ اللَّه واحِدٌ، فَإنَّ الذي قَدَرَ على خَلْقِ السماء قادِرٌ على إحيائكم بعد الموت، نظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٤).
стр. 1728
ثم وَصَفَ خَلْقَ السماء، فقال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ يعني طُولَها مَسِيرةَ خمسمائة عامٍ بلا عَمَدٍ ﴿فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ يعني: فَسَوَّى خَلْقَها، فلا ترى فيها فَطْرًا ولا وَهْنًا ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ جعله مظلمًا، والغَطَشُ: الظُّلْمةُ، وَرَجُلٌ أغْطَشُ أي: أعْمَى ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ يعني: أبْرَزَ شَمْسَها وَأظْهَرَ نهارها، وإنَّما أضافهما إلَى السماء لأن الظلمة والنور كلاهما يَنْزِلُ من السماء.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ يعني: بَعْدَ خَلْقِ السماء بَسَطَها، مأخوذ من الدَّحْوِ وهو البَسْطُ والمَدُّ، يقال: دَحا يَدْحُو دَحْوًا، وَدَحَى يَدْحَى دَحْيًا لغتان (١)، فمن قال: يَدْحُو قال: دَحَوْتُ، ومن قال: يَدْحَى قال: دَحَيْتُ، قرأ العامة: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ بالنصب على تقدير: دَحا الأرْضَ دَحاها، وقرأ الحسن بالرفع (٢) على الابتداء، وكلا الوجهين شائعان (٣)، ومعناهما البَسْطُ والمَدُّ.
قال ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو ﵄: خَلَقَ اللَّهُ الكَعْبةَ، وَوَضَعَها على الماءِ على أرْبَعةِ أرْكانٍ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الدنيا بِألْفَيْ عامٍ، ثم دَحا الأرْضَ مِنْ تَحْتِ البَيْتِ (٤).
стр. 1729
وقيل (١): معناه: والأرْضَ مَعَ ذلك دَحاها، و ﴿بَعدَ﴾ بمعنى "مَعَ"، كما يقال للرجل: أنْتَ أحْمَقُ، وَأنْتَ بَعْدَ هَذا لَئِيمٌ، أي: مع ذلك، قال اللَّه تعالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (٢)؛ أي: مَعَ ذَلِكَ، قال الشاعر:
٤٦٨ - فَقُلْتُ لَها: عَنِّي إلَيْكِ فَإنَّنِي... حَرامٌ، وَإنِّي بَعْدَ ذاكَ لَبِيبُ (٣)
стр. 1730
يعني: مع ذلك، ودليل هذا التأويل قراءة مجاهد: "والأرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحاها" (١)، وقيل (٢): ﴿بَعْدَ﴾ بمعنى "قَبْلَ"، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (٣)؛ أي: مِنْ قَبْلِ الذِّكْرِ، وهو القرآن.
قوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ يعني: من الأرض ﴿مَاءَهَا وَمَرعَاهَا (٣١)﴾ فَخَرَقَتْها الأنْهارُ والعُيُونُ والبِحارُ، وَأظْهَرَ فيها ما يأكل الناسُ والأنعامُ، ﴿وَالجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ قرأه العامة بالنصب على تقدير: أرْسَى الجِبالَ أرْساها، وقرأ عمرو ابن عبيد بالرفع (٤) على الابتداء ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾؛ أي: خَلَقَ ذلك مَنْفَعةً لكم ولأنعامكم، وهو منصوب على المصدر (٥)، وإن شئتَ على الحال (٦)،
стр. 1731
قال الفَرّاءُ (١): ويجوز الرفع مثل قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ (٢).
قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ يعني النفخة الثانية التي فيها البعث، والطّامّةُ: القيامة سُمِّيَتْ طامّةً لأنها تَطِمُّ على كل شيء، فَتَغْمُرُهُ لِعِظَمِ هَوْلِها (٣)، ومن هذا يُقالُ: "فَوْقَ كُلِّ طامّةٍ طامّةٌ" (٤)، والطّامّةُ عند العرب: الدّاهِيةُ التي لا تُسْتَطاعُ، وإنما أُخِذَ من قولهم: طَمَّ الفَرَسُ طَمًّا: إذا اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ فِي الجَرْيِ (٥).
ثم أعْلَمَ عِبادَهُ مَتَى ذلك، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ أي: ما عَمِلَ من خير وشر ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾ قال مقاتل (٦): يُكْشَفُ عنها الغِطاءُ فَيَنْظُرُ إليها الخَلْقُ.
стр. 1732
ثم ذَكَرَ مأوى الفريقين، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾ يريد: في كُفْرِه، ومحل ﴿مَنْ﴾ رفع بالابتداء ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ على الآخرة ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾؛ أي: وُقُوفَهُ بين يديه ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ يريد: عن المحارم التي تشتهيها ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعني كفار مكة ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ عن القيامة ﴿أَيَّانَ﴾ نصب على الظرف ﴿مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ رفع خبر الظرف؛ أي: متى قيامُها، وليس قيام الساعة كَقِيامِ الإنسان، إنما هو ثَباتُها وَظُهُورُها كما يُقال: قامَ العَدْلُ؛ أي: ظَهَرَ وَثَبَتَ (١).
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾؛ أي: لَسْتَ فِي شيء مِنْ عِلْمِها وذِكْرِها، إنما عِلْمُها عند اللَّه، وحُذفت ألف "ما" كما حذفت من ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢) وشِبْهِهِ، فهو مِثْلُهُ في العِلّةِ والحُكْمِ، وقد تقدم ذِكْرُهُ (٣).
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ رَفْعٌ خبر ﴿إِلَى﴾؛ أي: مُنْتَهَى عِلْمِ الساعة، ولستَ مِنْ عِلْمِها في شَيْءٍ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ قرأه العامة بالإضافة، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن: ﴿مُنْذِرٌ﴾ (٤) مُنَوَّنًا، وَمِثْلَهُ رَوَى العَبّاسُ عن أبِي عمرو، وقال الفَرّاءُ (٥): التنوين وتركه في ﴿مُنْذِرٌ﴾ صوابٌ، كقوله: ﴿بَالِغُ
стр. 1733
أَمْرِهِ﴾ و"بالِغٌ أمْرَهُ" (١) و ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ (٢) و"مُوهِنٌ كَيْدَ"، ومعنى الآية: إنما أنت مُخَوِّفُ مَنْ يَخافُ قِيامَها؛ أي: إنما يَنْفَعُ إنْذارُكَ مَنْ يَخافُها، فأما مَنْ لا يَخافُها لَمْ يَنْفَعْهُ الإنذارُ.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ يعني الساعة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ قيل: في الدنيا، وقيل: في قبورهم، وقيل: في موقف القيامة ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ قال الفَرّاءُ (٣): ليس لِلْعَشِيّةِ ضُحًى، إنما الضُّحَى لِصَدْرِ النهار، ولكن هذا ظاهرٌ من كلام العرب أنْ تقول: آتِيكَ العَشِيّةَ أو غَداتَها، إنما معناه: آخِرَ يَوْمٍ وَأوَّلَهُ، قال: وأنشدنِي بعض بني عُقَيْلٍ:
٤٦٩ - نَحْنُ صَبَحْنا عامِرًا فِي دارِها
جُرْدًا تَعادَى طَرَفَيْ نَهارِها
عَشِيّةَ الهِلالِ أوْ سِرارِها (٤)
стр. 1734
يعني: عَشِيّةَ الهِلالِ أو عَشِيّةَ سِرارِ الهِلَالِ.
فصل
قيل: إنَّ يوم القيامة مِقْدارُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنةً، وإنه يَمْضِي على المؤمن المُخْلِصِ كساعة واحدة، فعليك أيها العاقل بأن تستعين على شدائد الدنيا فِي طاعة اللَّه -سبحانه- لِيُسَهِّلَ عليك شَدائِدَ يوم القيامة، -واللَّه أعلم-.
* * *
стр. 1735
سورة عبس
مكية
وهي خَمسمائة وثلاثة وثلاثون حَرْفًا، ومائة وثلاث وثلاثون كلمةً، واثنتان وأربعون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ "عَبَسَ وَتَوَلَّى" جاءَ وَجْهُهُ يَوْمَ القِيامةِ ضاحِكًا مُسْتَبْشِرًا" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿عَبَسَ﴾ عاشَ حامِدًا مَحْمُودًا، وَماتَ شَهِيدًا مَفْقُودًا" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿عَبَسَ﴾ يعني النبي ﷺ ؛ أي: كَلَّحَ وَكَرَّهَ وَجْهَهُ
стр. 1736
﴿وَتَوَلَّى (١)﴾؛ أي: أعْرَضَ ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ وهو ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ (١)، أتَى النَّبِيَّ ﷺ وعنده رَهْطٌ من أشراف قريش، وهو مُقْبلٌ عليهم يدعوهم إلَى اللَّه تعالى وَإلَى الإسلامِ، وَيَرْجُو أن يُجِيبُوهُ إلَى ذلك، إذْ أَتَى الأعمى فَجَعَلَ يُنادِيهِ، وهو يقول: عَلِّمْنِي يا رَسُولَ اللَّه مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، -ولا يدري أنه مُشْتَغِلٌ عنه بِغَيْرِهِ- حَتَّى ظهرت الكراهة في وَجْهِ رَسُولِ ﷺ لِقَطْعِهِ كَلَامَهُ فَأعْرَضَ عنه، فَأنْزَلَ اللَّه هذه الآياتِ، فكان رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك يُكْرِمُهُ ويقول إذا رَآهُ: "مَرْحَبًا بِمَنْ عاتَبَنِي فيه رَبِّي" (٢).
و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ في موضع نصب مفعول من أجله (٣)، وقيل (٤): في موضع خفض على إضمار اللام تقديره: لأنْ جاءَهُ، أو بأنْ جاءَهُ، وقيل (٥): هي بمعنى: إذْ جاءَهُ الأعمى، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾؛
стр. 1737
أي: يؤمن ويتطهر من ذنوبه بالعمل الصالح، ومحل "ما" رفع بالابتداء، والهاء اسمُ "لَعَلَّ"، وخبره في ﴿يَزَّكَّى﴾، ﴿أَو يَذَّكَّرُ﴾؛ أي: يَتَّعِظُ بالقرآن ﴿فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾؛ أي: الموعظة، قرأه العامة: "فَتَنْفَعُهُ" (١) بالرفع نسقًا على قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ و ﴿يَذَّكَّرُ﴾، والفاء للعطف لا للجواب، والهاء في "تَنْفَعَهُ" نصب؛ لأنه مفعول لِلذِّكْرَى، وقرأ عاصمٌ فِي أكثر الروايات بالنصب على جواب "لَعَلَّ" بالفاء (٢)، وقيل (٣): على إضمار "أنْ"، ويجوز أن يُنصب ما بعدها كما قال الشاعر:
فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما... نُحاوِلُ مُلْكًا أوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرا (٤)
стр. 1738
وأصل ﴿يَذَّكَّرُ﴾ يَتَذَكَّرُ، فأدغمت التاء في الذال ﴿أَمَّا مَنِ﴾ رفع بالابتداء ﴿اسْتَغْنَى (٥)﴾ عن اللَّه في نفسه، وعن الإيمان بِمالِهِ ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ يعني: تَدْعُوهُ وَتتَعَرَّضُ له، وَتُقْبِلُ إلَيْهِ بِوَجْهِكَ، وَتُصْغِي إلَى كَلَامِهِ. والتَّصَدِّي: التَّعَرُّضُ بالوجه، يقال: تَصَدَّى لَهُ، أي: تَعَرَّضَ له (١)، قال الرّاعِي:
٤٧٠ - تَصَدَّى لِوَضّاحٍ كَأنَّ جَبِينَهُ... سِراجُ الدُّجَى تُجْبَى إلَيْهِ الأساوِرُ (٢)
قرأ أهلُ المدينة وأهلُ مكة ويعقوبُ: ﴿تَصَّدَّى﴾ (٣) بالتشديد على الإدغام، والأصل فيه: تتَصَدَّى، فأُدغمت التاءُ في التاء، وأُسْقِطَتْ إحدى التاءين استثقالًا لها في صَدْرِ الكلمة، ومثله: ﴿تَلَهَّى﴾ و ﴿تَلَظَّى﴾ (٤) و ﴿تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ﴾ (٥) وما أشبهه، وقرأ الكوفيون وأبو عمرو وابن عامر: "تَصَدَّى" بحذف التاء والتخفيفِ لِئَلّا يُجْمَعَ بين تاءَيْنِ، واختار أبو عبيد التخفيفَ في ﴿تَصَدَّى﴾ و ﴿يَزَّكَّى﴾ و ﴿يَذَّكَّرُ﴾.
стр. 1739
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾؛ أي: يُسْلِمُ، والمعنى: أيُّ شَيْءٍ عليك في ألّا يُؤْمِنَ ولا يَهْتَدِيَ، إنْ عليك إلا البلاغُ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾ محل ﴿مَن﴾ رفع بالابتداء ﴿وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾ يعني ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، أراد: يَسْعَى في الخير، ويَخْشَى اللَّهَ تعالى ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾؛ أي: تتَشاغَلُ بغيره وَتُعْرِضُ بِوَجْهِكَ عنه، يقال: لَهِيتُ عن الشيء ألْهَى عنه أي: تَشاغَلْتُ عنه، وقرأ البَزِّيُّ: "تَّلَهَّى" (١) بتشديد التاء.
ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: لا تَفْعَلْ ذلك، وهي كلمة ردع وزجر ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ يعني: آيات القرآن موعظة وتبصرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾ ابتداءً؛ أي: فمن شاء اللَّهُ ألْهَمَهُ وَفَهَّمَهُ القرآنَ حتى يَذْكُرَهُ وَيَتَّعِظَ به.
ثم أخبر جلالته عنده، فقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣)﴾ يعني أُمَّ الكتاب الذي نُسِخَ منه القرآن ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ عند اللَّه يعني: فِي السماء السابعة ﴿مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ من كل دَنَسٍ وَكُفْرٍ ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ يعني: كَتَبةٍ، وهم الرسل من الملائكة، واحدهم: سافِرٌ مثل كاتِبٍ وَكَتَبةٍ (٢)، وقيل (٣): سَفِيرٌ وهو الرسول. وَسَفِيرُ
стр. 1740
القوم: هو الذي يَسْعَى بينهم بالصلح (١)، قال الشاعر:
٤٧١ - وَما أدَعُ السِّفارةَ بَيْنَ قَوْمِي... وَما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ (٢)
قال الفَرّاءُ (٣): السَّفَرةُ هاهنا هم الملائكة الذين يَسْفِرُونَ بِالوَحْيِ بين اللَّه ورسله، من السِّفارةِ وهو السَّعْيُ بين القوم، وعن وهب بن مُنبِّهٍ أنه قال (٤): هم أصحاب محمد ﷺ .
ثم أثنى عليهم، فقال: ﴿كِرَامِ﴾ يريد: على ربهم ﴿برَرَةٍ (١٦)﴾ مطيعين، وهو جمع بارٍّ مثل كافِرٍ وَكَفَرةٍ، وَساحِرٍ وَسَحَرةٍ، والبرُّ: العَطْفُ، ومنه: بَرَرْتُ صَدِيقِي أبِرُّةُ بِرًّا، وَبَرَّكَ اللَّهُ؛ أي: وَصَلَكَ اللَّهُ، وخفض كِرَامٍ على النعت لـ ﴿سَفَرَةٍ﴾.
قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ يعني: لُعِنَ الكافرُ، وأراد به اسم الجنس، وقيل: أراد عتبة بن أبِي لهب ﴿مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾؛ أي: ما أشَدَّ كُفْرَهُ باللَّه وَبِنِعَمِهِ مع كثرة
стр. 1741
إحسانه إليه، و ﴿مَا﴾ هاهنا على طريق التعجب معناه: اعْجَبُوا أنتم من كُفْرِهِ (١)، ومحل ﴿مَا﴾ هو رفع بالابتداء، ومحل الهاء نصب على التعجب، وقيل (٢): ﴿مَا﴾ هو استفهام ابتداء، و ﴿أَكْفَرَهُ﴾ هو الخبر، معناه: أيُّ شَيْءٍ حَمَلَهُ على الكفر مع ما يرى من الآيات الدالة على التوحيد؟
ثم بيَّنَ من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم بأن اللَّه خالقه، فقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨)﴾ لفظه استفهام ومعناه التقرير، ثم فَسَّرَ ذلك فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾ يريد: في بطن أمه، ثم أخْرَجَهُ من بطن أمه، قال الكلبي (٣): قَدَّرَ خَلْقَهُ وَرَأْسَهُ وَعَيْنَيْهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ يعني: هَوَّنَ عليه الخروجَ من بطن أمه، ونصب ﴿السَّبِيلَ﴾ بإضمار فعل تقديره: يَسُّرَ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾؛ أي: صَيَّرَهُ ذا قَبْرٍ، وَأمَرَ أنْ يُقْبَرَ، فأما الدّافِنُ فَيُقالُ
стр. 1742
له: قابِرٌ (١)، كما قال الشاعر:
٤٧٢ - لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلَى نَحْرِها... عاشَ، وَلَمْ يُنْقَلْ إلَى قابِرِ (٢)
وقال الفَرّاءُ (٣): معناه: جَعَلَهُ مَقْبُورًا، ولَمْ يجعله مِمَّنْ يُلْقَى لِلسِّباعِ والطَّيْرِ، فالقبر مما أكْرَمَ اللَّهُ به ابنَ آدم ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾؛ أي: أحْياهُ، والتقدير: ثم إذا شاء أنْ يُنْشِرَهُ أنْشَرَهُ، يقال: أنْشَرَهُ اللَّهُ فنَشَرَ فَهُوَ مُنْشَرٌ وَناشِرٌ (٤)، كما قال الشاعر:
٤٧٣ - حَتَّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا... يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ (٥)
стр. 1743
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ من النحويين من يجعل ﴿كَلَّا﴾ تَمامًا في جميع القرآن؛ أي: كَلّا ليس الأمر كما يقول الكافرُ: قد قَضَيْتُ ما عَلَيَّ، ومنهم مَنْ يَجْعَلُها فِي جَمِيعِ القرآن مُبْتَدَأةً، ومنهم مَنْ يُفَصِّلُها (١)، ومعنى الآية: كَلّا لَمْ يفعل ما أمَرَهُ به رَبُّهُ، ولَمْ يُؤَدِّ ما افْتُرِضَ عليه.
وَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَلْقَ ابن آدم ذَكَرَ رِزْقَهُ لِيَعْتَبِرَ، فقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ يعني: كَيْفَ قَدَّرَهُ رَبَّهُ له، وجعله سَبَبًا لحياته، وقيل: معنى قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾: إذا قَضَى حاجته نَظَرَ إلَى حَدَثِهِ وما بَخِلَ به، ويَنْظُرُ إلَى مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ.
وَيَدُلُّ على صحة هذا التأويل ما رُوِيَ عن الضَّحّاكِ بن سفيان (٢) أن النبي ﷺ قال له: "يا ضَحّاكُ: ما طَعامُكَ؟ "، قال: يا رسول اللَّه: اللَّحْمُ واللَّبَنُ، قال: "ثُمَّ يَصِيرُ إلَى ماذا؟ "، قال: إلَى ما قد عَلِمْتَ يا رسول اللَّه، قال: "فَإنَّ اللَّه ضَرَبَ ما يَخْرُجُ من ابن آدم مَثَلًا للدنيا" (٣).
стр. 1744
وعن أبِي الوليد (١) قال: سألتُ ابنَ عُمَرَ عن الرَّجُلِ يَدْخُلُ الخَلَاءَ فَيَنْظُرُ إلَى ما يَخْرُجُ منه، فقال: "إنه يأتيه المَلَكُ فيقول له: انْظُرْ إلَى ما بَخِلْتَ به، إلَامَ صارَ؟ " (٢)، وقال أبو قِلَابةَ (٣): "مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: يا ابن آدم: انْظُرْ إلَى ما بَخِلْتَ به إلَامَ صارَ؟ " (٤).
قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾ يعني الغَيْثَ، قرأ أهل الكوفة ويعقوبُ والأعمشُ: ﴿أَنَّا﴾ بفتح الألف على تكرير الخافض تقديره: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلَى طَعامِهِ إلَى أنّا (٥)، وقيل: هو بدل من طعام، وقرأ غيرهم بالكسر (٦) على
стр. 1745
الاستئناف، قال الزَّجّاجُ (١): الكسر على الابتداء والاستئناف، والفتح على معنى البدل من الطعام.
المعنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلَى أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا، وأراد بِصَبِّ الماءِ المَطَرَ ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ يعني: صَدَعْنا الأرْضَ بالنبات صَدْعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨)﴾ يعني الرَّطْبةَ، وأهل مكة يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ؛ لأنه يُقْضَبُ؛ أي: يُقْطَعُ مَرّةً بعد مَرّةٍ، وكذلك القَصِيلُ؛ لأنه يُقْصَلُ أي: يُقْطَعُ (٢) ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾ تَغْلِبُ بالشجر العِظامِ الغِلَاظِ الرِّقاب، واحدها أغْلَبُ، والغُلْبُ أيضًا: غِلَاظُ الأعْناقِ (٣)، ومنه قيل لِغَلِيظِ الرَّقَبةِ: أَغْلَبُ، يقال: رَجُلٌ أغْلَبُ والمَرْأةُ غَلْباءُ: إذا غَلُظَتْ أعْناقُهُما، و ﴿غُلْبًا﴾ نعت "حَدائِقَ"، والجمع غُلْبٌ مثل أحْمَرَ وَحَمْراءَ وَحُمْرٍ (٤)، وقيل (٥): ﴿غُلْبًا﴾: مُلْتَفّةُ الشَّجَرِ بعضه فِي بعض، وقيل (٦): النَّخْلُ. وكل بستان كان عليه حائط
стр. 1746
فهو حديقة، وإن لَمْ يكن عليه حائط فليس بحديقة (١).
﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ يعني ألوان الفواكه، والأبُّ: المَرْعَى والكلأ الذي لَمْ يَزْرَعْهُ الناسُ مما تأكله الأنعامُ (٢)، قال قتادة (٣): أما الفاكهة فَلَكُمْ، وأما الأبُّ فلأنعامكم، وذلك قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾؛ أي: خَلَقْنا الفاكهةَ لكم والأبَّ لأنعامكم، ويقال (٤): الأبُّ للبهائم كالفاكهة للناس. والأبُّ أيضًا: الاستعداد، قال الشاعر:
٤٧٤ - فَتًى قَدْ طَوَى كَشْحًا وَأبَّ لِيَذْهَبا (٥)
стр. 1747
ونصب ﴿مَتَاعًا﴾ على المصدر.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ يعني صَيْحةَ القيامة التي يَصُخُّ لَها كُلُّ شَيْءٍ؛ أي: يسمع، سُمِّيَتْ صاخّةً لأنها تَصُخُّ كُلَّ شَيْءٍ؛ أي: تَذْهَبُ به (١)، وقيل (٢): سُمِّيَتْ صاخّةً لأنها تَصُخُّ؛ أي: تَصمُّ، يقال: رَجُلٌ أصَخُّ وَأصْلَخُ: إذا كان لا يسمع.
ثم أعْلَمَ عبادَهُ متى ذلك، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ هابِيلُ من أخيه قابِيلَ، والنَّبِيُّ ﷺ من أُمِّهِ، وَإبْراهِيمُ من أبيهِ، وَلُوطٌ من امْرَأتِهِ، وَنُوحٌ من ابْنِهِ كَنْعانَ، مِنْ شِدّةِ أهوال يوم القيامة ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ يقول: شَغَلَهُ عن حَمِيمِهِ وَقَرِيبِهِ وَذِي رَحِمِهِ، وأصل الإغْناءِ الكِفايةُ، قال ثَعْلَبٌ (٣): معناه: يَكْفِيهِ وَيَشْغَلُهُ ما هو فيه.
قال الفَرّاءُ (٤): وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ: "يَعْنِيهِ" (٥) بالعين المهملة، وهو شاذٌّ، وقرأ العامة: ﴿يُغْنِيهِ﴾ بالغين المعجمة.
стр. 1748
فصل
عن سَوْدةَ (١) زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُبْعَثُ النّاسُ يَوْمَ القِيامةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قد ألْجَمَهُمُ العَرَقُ، وَبَلَغَ منهم شُحُومَ الآذانِ"، فقلتُ: يا رسول اللَّه: واسَوْأتاهُ! يَنْظُرُ بَعْضُنا إلَى بَعْضٍ؟ فقال: "قَدْ شُغِلَ النّاسُ عن ذلك"، ثم تلا: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٢). ومثله رُوِيَ عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ (٣).
قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾؛ أي: مُضِيئةٌ حَسَنةٌ، يقال: أسْفَرَ وَجْهُهُ: إذا أضاء، وكذلك: أسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ (٤)، وهو رفع بالابتداء وإن كان نكرةً للفائدة التي فيه، والخبر ﴿مُسْفِرَةٌ﴾، ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾؛ أي: فَرِحةٌ بثَوابِ اللَّه -تعالَى- وَكَرامَتِهِ لَها، و ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ نعت لـ ﴿مُسْفِرَةٌ﴾.
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ سَوادٌ وَكَآبةٌ في وُجُوهِ الكَفَرةِ ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾؛
стр. 1749
أي: تَعْلُوها وَتَغْشاها ظُلْمةٌ وَكُسُوفٌ عند معاينة النار، والفرق بين الغَبَرةِ والقَتَرةِ أنَّ الغَبَرةَ ما كان من أسفل الأرض، والقَتَرةَ ما ارتفع من الغُبارِ فَلَحِقَ بالسماء (١).
﴿أُولَئِكَ﴾ الذين يُصْنَعُ بهم هذا ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ يعني: الجَحَدةُ الظَّلَمةُ، جمع الكافر والفاجر، وتكون ﴿هُمُ﴾ فاصلةً أو مبتدأة، و ﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ خبر، والجملة خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1750
سورة ﴿كُوِّرَتْ﴾
مكية
وهي خمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفًا، ومائة وأربع كلمات، وتسع وعشرون آيةً.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ أعاذَهُ اللَّهُ أنْ يَفْضَحَهُ حِينَ تُنْشَرُ صَحِيفَتُهُ" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ تَناثَرَتْ ذُنُوبُهُ كَما يَتَناثَرُ وَرَدتىُ الشَّجَرِ فِي الشِّتاءِ" (٢).
وعن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلَى يَوْمِ القِيامةِ كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ (٣).
стр. 1751
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾؛ أي: جُمِعَتْ، قال الزَّجّاجُ (١): لُفَّتْ كَما تُلَفُّ العِمامةُ، يُقالُ: كُرْتُ العِمامةَ على رَأْسِي أكُورُها كَوْرًا، وَكَوَّرْتُها تَكْوِيرًا: إذا لَفَفْتَها. وقيل (٢): أظْلَمَتْ وَذَهَبَ ضَوْؤُها، ومعنى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾؛ أي: جُمِعَ بَعْضُها إلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لُفَّتْ وَرُمِيَ بِها، يقال منه: طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ (٣).
وأصل التَّكْوِيرِ في كلام العرب: جَمْعُ بعض الشَّيْءِ إلَى بعضه وَلَفُّهُ، قال ابن عباس ﵁: "يُكَوِّرُ اللَّهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ يوم القيامة في البَحْرِ، ثم يَبْعَثُ اللَّهُ عليها رِيحًا فتضْرِمُها، فَتَصِيرُ نارًا" (٤).
﴿الشَّمْسُ﴾ رفع عند البصريين على إضمار فعل (٥)؛ لأن ﴿إِذَا﴾ فيها
стр. 1752
معنى المُجازاةِ، فهي بالفعل أوْلَى، ومثله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ (١) و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ (٢) و ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (٣)، وهو كثير في القرآن، وقال الكوفيون (٤): ما بعد ﴿إِذَا﴾ رفع بالابتداء وما بعده الخبر.
و ﴿إِذَا﴾ في موضع نصب على الظرف، والناصب له جواب ﴿إِذَا﴾، لا الفعل الواقع بعد ﴿إِذَا﴾، وجوابُ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما بغدها قولُهُ تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ (٥)، كما يُقالُ: إذا قام زيدٌ قَعَدَ عَمْرٌو (٦)، وإنما أُسكنت التاءُ في ﴿أَحْضِرَتْ﴾ وفيما أشبهه مما تقدم؛ لأنهم كرهوا كثرة الحركات فأسكنوها.
قوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ يعني: انْتَثَرَتْ كقوله تعالَى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ (٧)؛ أي: تَساقَطَتْ وَتَهافَتَتْ، والإنْكِدارُ: التَّهافُتُ والتَّناثُرُ والسَّيْرُ سَرِيعًا، يقال: كَدَرْتُ عليه الشَّيْءَ أي: صَبَبْتُهُ، وَكَدَرْتُ ما في القَصْعةِ فانْكَدَرَ، ويقال: انْكَدَرَ الطّائِرُ من الهواء: إذا انْقَضَّ.
стр. 1753
قال الكَلْبِيُّ وعطاءٌ (١): تُمْطِرُ السماءُ يومئذ نُجُومًا، فلا يبقى نَجْمٌ في السماء إلا وَقَعَ على الأرض، وذلك أنها مُعَلَّقةٌ في قَنادِيلَ بين السماء والأرض بِسَلَاسِلَ من النور، وتلك السَّلَاسِلُ بأيدي ملائكةٍ، فإذا مات مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض تَساقَطَتْ تلك السَّلَاسِلُ من أيدي الملائكة؛ لأنه مات مَنْ كان يُمْسِكُها.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ يعني: قُلِعَتْ من أُصُولِها، وَسُيِّرَتْ عن وجه الأرض، فصارت هباءً مُنْبَثًّا ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ العِشارُ من النُّوقِ: الحَوامِلُ، واحدتها عُشَراءُ، وهي التي أتَى عليها فِي الحَمْلِ عَشْرةُ أشْهُرٍ، عَطَّلَها أرْبابُها، وَتَرَكُوها من الشُّغُلِ بأنفسهم، فَأهْمَلُوها مِمّا جاءَهُمْ من أهْوالِ يوم القيامة (٢)، وقيل (٣): هي الدُّورُ ماتَ عنها أهْلُها فَتَعَطَّلَتْ.
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾؛ أي: جُمِعَتْ، قال ابن عباس (٤): يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حتى إنَّ الذُّبابَ لَيُحْشَرُ، حتى يَقْتَصَّ بَعْضُها من بعض.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ سُجِّرَ بَعْضُها في بَعْضٍ؛ أي: مُلِئَتْ فصارت بَحْرًا واحدًا مَمْلُوءًا، نظيرها: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ (٥)، قرأ أبو عمرو وابن كثير:
стр. 1754
"سُجِرَتْ" بالتخفيف (١)، وقرأ الباقون بالتشديد، ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال ابن عباس ﵁ (٢): أما أهل الجنة فَزُوِّجُوا الخَيْراتِ الحِسانَ، وأما أهل النار فَيُجْمَعُ بين كُلِّ إنْسانٍ وَشَيْطانٍ، وقال عطاءٌ (٣): زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الكافرين بالشياطين.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ الموءودة هي الجارية المدفونة حَيّةً، وكانت المرأةُ في الجاهلية إذا هي حَمَلَتْ، وكان أوان ولادتها، حَفَرَتْ حَفِيرًا، فَتَمَخَّضَتْ على رأس الحَفِيرةِ، فإن وَلَدَتْ جارِيةً رَمَتْ بِها في الحَفِيرةِ، وإن وَلَدَتْ غلامًا حَبَسَتْهُ (٤)، وَسُمِّيَتْ موءودة لِما يُطْرَحُ عليها من التراب فَيَقْتُلُها، وكذلك كانت العرب في الجاهلية، إذا وُلِدَتْ لأحدهم بِنْتٌ دَفنَها حَيّةً مَخافةَ العار والحاجة، وفيه يقول قائلهم:
٤٧٥ - سَمَّيْتُها إذْ وُلِدَتْ تَمُوتُ
والقَبْرُ صِهْرٌ ضامِنٌ زِمِّيتُ (٥)
стр. 1755
يقال: وَأدَ يَئِدُ وَأْدًا فهو وائِدٌ، ومَوْءُودٌ، فالفاعل وائِدٌ، والفاعلة وائِدةٌ، والفاعلات وائِداتٌ، والمفعول به مَوْءُودٌ (١).
ومعنى قوله: ﴿سُئِلَتْ﴾؛ أي: طُولِبَ بِها، من قولهم: سَألْتُ فُلَانًا؛ أي: طَلَبْتُ منه (٢)، قال الفَرّاءُ (٣): سُئِلَتِ المَوْءُودةُ فَقِيلَ لَها: بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتِ؟ ومعنى سؤالها تَوْبِيخُ قاتِلِها؛ لأنها تقول: قُتِلْتُ بغير ذَنْبٍ، ومَنْ قرأ: "سَألَتْ" (٤) قال: معناه: طَلَبَتْ من صاحبها فِيمَ قَتَلَها؟
وفي سؤالها تَنْبِيهٌ على طَلَبِها بِحَقِّها مِنْ قاتِلِها، والدليل على ذلك قوله: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾، يعني: أنها قُتِلَتْ بغير ذنب، وفي الآية دلالة واضحة على الصبر على البنات، والنَّفَقةِ عليهن وَتَرْبِيَتِهِنَّ، والتحذيرِ من خوف الفقر، قال