باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾؛ أي: جُمِعَتْ، قال الزَّجّاجُ (١): لُفَّتْ كَما تُلَفُّ العِمامةُ، يُقالُ: كُرْتُ العِمامةَ على رَأْسِي أكُورُها كَوْرًا، وَكَوَّرْتُها تَكْوِيرًا: إذا لَفَفْتَها. وقيل (٢): أظْلَمَتْ وَذَهَبَ ضَوْؤُها، ومعنى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾؛ أي: جُمِعَ بَعْضُها إلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لُفَّتْ وَرُمِيَ بِها، يقال منه: طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ (٣).
وأصل التَّكْوِيرِ في كلام العرب: جَمْعُ بعض الشَّيْءِ إلَى بعضه وَلَفُّهُ، قال ابن عباس ﵁: "يُكَوِّرُ اللَّهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ يوم القيامة في البَحْرِ، ثم يَبْعَثُ اللَّهُ عليها رِيحًا فتضْرِمُها، فَتَصِيرُ نارًا" (٤).
﴿الشَّمْسُ﴾ رفع عند البصريين على إضمار فعل (٥)؛ لأن ﴿إِذَا﴾ فيها
стр. 1752
معنى المُجازاةِ، فهي بالفعل أوْلَى، ومثله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ (١) و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ (٢) و ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (٣)، وهو كثير في القرآن، وقال الكوفيون (٤): ما بعد ﴿إِذَا﴾ رفع بالابتداء وما بعده الخبر.
و ﴿إِذَا﴾ في موضع نصب على الظرف، والناصب له جواب ﴿إِذَا﴾، لا الفعل الواقع بعد ﴿إِذَا﴾، وجوابُ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما بغدها قولُهُ تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ (٥)، كما يُقالُ: إذا قام زيدٌ قَعَدَ عَمْرٌو (٦)، وإنما أُسكنت التاءُ في ﴿أَحْضِرَتْ﴾ وفيما أشبهه مما تقدم؛ لأنهم كرهوا كثرة الحركات فأسكنوها.
قوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ يعني: انْتَثَرَتْ كقوله تعالَى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ (٧)؛ أي: تَساقَطَتْ وَتَهافَتَتْ، والإنْكِدارُ: التَّهافُتُ والتَّناثُرُ والسَّيْرُ سَرِيعًا، يقال: كَدَرْتُ عليه الشَّيْءَ أي: صَبَبْتُهُ، وَكَدَرْتُ ما في القَصْعةِ فانْكَدَرَ، ويقال: انْكَدَرَ الطّائِرُ من الهواء: إذا انْقَضَّ.
стр. 1753
قال الكَلْبِيُّ وعطاءٌ (١): تُمْطِرُ السماءُ يومئذ نُجُومًا، فلا يبقى نَجْمٌ في السماء إلا وَقَعَ على الأرض، وذلك أنها مُعَلَّقةٌ في قَنادِيلَ بين السماء والأرض بِسَلَاسِلَ من النور، وتلك السَّلَاسِلُ بأيدي ملائكةٍ، فإذا مات مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض تَساقَطَتْ تلك السَّلَاسِلُ من أيدي الملائكة؛ لأنه مات مَنْ كان يُمْسِكُها.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ يعني: قُلِعَتْ من أُصُولِها، وَسُيِّرَتْ عن وجه الأرض، فصارت هباءً مُنْبَثًّا ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ العِشارُ من النُّوقِ: الحَوامِلُ، واحدتها عُشَراءُ، وهي التي أتَى عليها فِي الحَمْلِ عَشْرةُ أشْهُرٍ، عَطَّلَها أرْبابُها، وَتَرَكُوها من الشُّغُلِ بأنفسهم، فَأهْمَلُوها مِمّا جاءَهُمْ من أهْوالِ يوم القيامة (٢)، وقيل (٣): هي الدُّورُ ماتَ عنها أهْلُها فَتَعَطَّلَتْ.
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾؛ أي: جُمِعَتْ، قال ابن عباس (٤): يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حتى إنَّ الذُّبابَ لَيُحْشَرُ، حتى يَقْتَصَّ بَعْضُها من بعض.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ سُجِّرَ بَعْضُها في بَعْضٍ؛ أي: مُلِئَتْ فصارت بَحْرًا واحدًا مَمْلُوءًا، نظيرها: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ (٥)، قرأ أبو عمرو وابن كثير:
стр. 1754
"سُجِرَتْ" بالتخفيف (١)، وقرأ الباقون بالتشديد، ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال ابن عباس ﵁ (٢): أما أهل الجنة فَزُوِّجُوا الخَيْراتِ الحِسانَ، وأما أهل النار فَيُجْمَعُ بين كُلِّ إنْسانٍ وَشَيْطانٍ، وقال عطاءٌ (٣): زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الكافرين بالشياطين.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ الموءودة هي الجارية المدفونة حَيّةً، وكانت المرأةُ في الجاهلية إذا هي حَمَلَتْ، وكان أوان ولادتها، حَفَرَتْ حَفِيرًا، فَتَمَخَّضَتْ على رأس الحَفِيرةِ، فإن وَلَدَتْ جارِيةً رَمَتْ بِها في الحَفِيرةِ، وإن وَلَدَتْ غلامًا حَبَسَتْهُ (٤)، وَسُمِّيَتْ موءودة لِما يُطْرَحُ عليها من التراب فَيَقْتُلُها، وكذلك كانت العرب في الجاهلية، إذا وُلِدَتْ لأحدهم بِنْتٌ دَفنَها حَيّةً مَخافةَ العار والحاجة، وفيه يقول قائلهم:
٤٧٥ - سَمَّيْتُها إذْ وُلِدَتْ تَمُوتُ
والقَبْرُ صِهْرٌ ضامِنٌ زِمِّيتُ (٥)
стр. 1755
يقال: وَأدَ يَئِدُ وَأْدًا فهو وائِدٌ، ومَوْءُودٌ، فالفاعل وائِدٌ، والفاعلة وائِدةٌ، والفاعلات وائِداتٌ، والمفعول به مَوْءُودٌ (١).
ومعنى قوله: ﴿سُئِلَتْ﴾؛ أي: طُولِبَ بِها، من قولهم: سَألْتُ فُلَانًا؛ أي: طَلَبْتُ منه (٢)، قال الفَرّاءُ (٣): سُئِلَتِ المَوْءُودةُ فَقِيلَ لَها: بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتِ؟ ومعنى سؤالها تَوْبِيخُ قاتِلِها؛ لأنها تقول: قُتِلْتُ بغير ذَنْبٍ، ومَنْ قرأ: "سَألَتْ" (٤) قال: معناه: طَلَبَتْ من صاحبها فِيمَ قَتَلَها؟
وفي سؤالها تَنْبِيهٌ على طَلَبِها بِحَقِّها مِنْ قاتِلِها، والدليل على ذلك قوله: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾، يعني: أنها قُتِلَتْ بغير ذنب، وفي الآية دلالة واضحة على الصبر على البنات، والنَّفَقةِ عليهن وَتَرْبِيَتِهِنَّ، والتحذيرِ من خوف الفقر، قال
стр. 1756
اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (١).
وفي الآية رَدٌّ على مَنْ زَعَمَ أن أطفال المشركين في النار؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾، فكيف يُعَذُّبُ أطفالُ المشركين بغيرِ ذنبٍ؟ رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: "أطْفالُ المشركين في الجَنّةِ، فمن زَعَمَ أنهم في النار فقد كَذَبَ؛ لقوله تعالَى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ (٢)، وَرُوِيَ عن النبي ﷺ أنه سُئِلَ عَنْ أطْفالِ المُشْرِكِينَ فقال: "يَكُونُونَ خَدَمًا لأهلِ الجَنّةِ" (٣)، وَرُوِيَ عنه أيضًا أنه قال: "اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ" (٤).
وأما ما وَرَدَ من الأخبار بأن أطفال المشركين في النار فما رُوِيَ عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الوائِدةُ والموءودة فِي النار" (٥)، وعن عائشة ﵂ قالت: "سَألْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ عن
стр. 1757
وِلْدانِ المُؤْمِنِينَ أيْنَ هُمْ؟ فقال: "هُمْ في الجَنّةِ"، وسألتُ عن وِلْدانِ المشركين، فقال: "إنْ شِئْتِ أسْمَعْتُكِ تَضاغِيَهُمْ فِي النّارِ" (١)، ورُوِيَ أنهم مع آبائهم حيث كانوا (٢).
وعن سَلَمةَ بن يَزِيدَ الجُعْفِيِّ (٣) قال: "جِئْتُ أنا وَأخِي إلَى رسول اللَّه ﷺ فَقُلْنا له: إنَّ أُمَّنا هَلَكَتْ في الجاهلية، وكانت تَقْرِي الضَّيْفَ، وَتَصِلُ الرَّحِمِ، وتفعل وتفعل، فهل ذلك نافِعٌ أُمَّنا؟، قال: "لا"، قلنا: إنها وَأدَتْ أُخْتًا لَنا في الجاهلية لَمْ تَبْلُغ الحِنْثَ، فَهَلْ ذلك نافِع أُمَّنا؟ قال: "لا، الوائِدةُ والمَوْءُودةُ في النار، إلا أن تُدْرِكَ الوائِدةُ الإسْلَامَ فَيُغْفَرَ لَها" (٤).
قلتُ: وهذه الأحاديث تخالف ما رُوِيَ عن ابن عباس، والحديثَ الذي تقدم، واللَّه أعلم.
стр. 1758
فصل
عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَجْمَعُ اللَّهُ أطْفالَ أُمّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يوم القيامة فِي حِياضٍ تحت العرش، فَيَطَّلِعُ اطِّلَاعةً، فيقول: ما لِي أراكم رافِعِي رُؤوسِكُمْ؟، فيقولون: رَأيْنا الآباءَ والأُمَّهاتِ فِي عَطَشِ يَوْمِ القيامة، ونحن فِي هذه الحِياضِ، فَيُوحِي اللَّهُ إليهم أنِ اغْرُفُوا فِي هذه الآنِيةِ من هذه الحِياضِ الماءَ، ثم تَخَلَّلُوا صُفُوفَ يوم القيامة فاسْقُوا الآباءَ والأُمَّهاتِ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ يعني صحائف أعمال بني آدم، تُنْشَرُ لِحِسابِ العِبادِ، لِيُجازَوْا على ما فيها من خير أو شَرٍّ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١) في صحيفته.
قرأ نافع وابن عامر وعاصم: ﴿نُشِرَتْ﴾ (٢) بتخفيف الشين، وقرأ الباقون بالتشديد لقوله: ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ (٣).
فصل
عن أُمِّ سَلَمةَ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول:
стр. 1759
"يُحْشَرُ الناسُ يوم القيامة عُراةً حُفاةً"، قالتْ: قلتُ: يا رسول اللَّه: كَيْفَ النِّساءُ؟ قال: "يُشْغَلُ النّاسُ يا أُمَّ سَلَمةَ"، قالتْ: قلتُ: وما يَشْغَلُهُمْ يا رسول اللَّه؟ قال: "نَشْرُ الصُّحُفِ، فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ وَمَثاقِيلُ الخَرْدَلِ" (١).
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾؛ أي: نُزِعَتْ، فَطُوِيَتْ كما يُكْشَطُ الغِطاءُ عن القِدْرِ، وفي قراءة عبد اللَّه: "قُشِطَتْ" (٢) بالقاف، والمعنى واحد، يقال: كَشَطْتُ الجِلْدَ وَقَشَطْتُهُ بمعنًى واحدٍ: إذا نَزَعْتَهُ، والعرب تقول: كَافُورٌ وَقافُورٌ، وَكَفٌّ وَقَفٌّ، والكَشْطُ والقَشْطُ، والحرفان إذا تَقارَبا فِي المَخرَجِ جاز [تَعاقُبُهُما] (٣) في اللغة (٤).
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾؛ أي: قُرِّبَتْ وَأُظْهِرَتْ وَأُوقِدَتْ لِلْكافِرِينَ، قال قتادة (٥): وَسَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ وَخَطايا بَنِي آدَمَ، قرأ أهل المدينة بالتشديد،
стр. 1760
واخْتُلِفَ فيه عن عاصم وابن عامر وأبِي عمرو، وقرأ غيرهم بالتخفيف (١)، وهو الاختيار؛ لأنها واحدة ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾؛ أي: قُرِّبَتْ وَأُظْهِرَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، قال اللَّه تعالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ (٢).
وجواب هذه الأشياء قولُهُ تعالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ يعني: مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ تُجْزَى به يوم القيامة، قال ابن عباس (٣): في قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ إلَى قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ اثنتا عَشْرةَ خَصْلةً، سِتٌّ في الدنيا، وَسِتٌّ في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ "لا" هاهنا زائدة (٤)، معناه: فَأُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، يعني النجوم تَخْنِسُ بِالنَّهارِ، فَتَخْتَفِي ولا تُرَى، وَتَكْنِسُ في وقت غُرُوبِها؛ أي: تَسْتَتِرُ كما تَكْنِسُ الظَّباءُ فِي كُنُسِها، فهذا خُنُوسُها وَكُنُوسُها (٥)، وأصل الخُنُوسِ الرجُوعُ إلَى وَراءٍ، والكُنُوسُ: أنْ تَأْوِيَ إلَى مَجارِيها كما تَأْوِي الظِّباءُ إلَى مَكانِسِها، وهي المواضع التي يَأْوِي
стр. 1761
إليها الوَحْشُ، قال أوْسُ بن حَجَرٍ:
٤٧٦ - ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّه أنْزَلَ مُزْنةً... وَعُفْرُ الظِّباءِ فِي الكِناسِ تَقَمَّعُ؟ (١)
والمعنى: أنها تَخْفَى بالنهار، وَتَبْدُو بالليل.
وَسُئِلَ عَلِي بن أبِي طالب -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ-: ما الخُنَّسُ الجَوارِ الكُنَّسُ؟ قال: "الكواكب تَخْنِسُ بالنهار، وَتَكْنِسُ بالليل، تَأْوِي إلَى مَجارِيها" (٢)، وهي بَهْرامُ وَزُحَلُ وَعُطارِدُ والزُّهَرةُ والمُشْتَرِي، وَأمالَ أبو عُمَرَ الدُّورِيُّ "الجَوارِ" عن الكسائي، وفتحها الباقون (٣)، و ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ نعت "الخُنَّسِ".
قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ يعني: أقْبَلَ بِظَلَامِهِ، قال الشاعر:
٤٧٧ - حَتَّى إذا ما لَيْلُهُنَّ عَسْعَسا
رَكِبْنَ مِنْ حَدِّ الظَّلَامِ حِنْدِسا (٤)
стр. 1762
وقيل: معناه: أدْبَرَ، قال أهل اللغة (١): هو من الأضداد، يقال: عَسْعَسَ اللَّيْلُ: إذا أقْبَلَ، وَعَسْعَسَ: إذا أدْبَرَ، وَيَدُلُّ على أن المراد هاهنا: أدْبَرَ قولُهُ تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ (٢)؛ أي: امْتَدَّ وارْتَفَعَ، وقيل: أقْبَلَ وَأضاءَ، وقيل: اتَّسَعَ، يقال: أنْتَ فِي نَفَسٍ؛ أي: سَعةٍ، وتقول العرب: عَسْعَسَ اللَّيْلُ وَسَعْسَعَ: إذا أدْبَرَ وَلَمْ يَبْقَ منه إلّا اليَسِيرُ، قال عَلْقَمةُ (٣):
٤٧٨ - حَتَّى إذا الصُّبْحُ لَهُ تَنَفَّسا
وانْجابَ عَنْهُ لَيْلُها وَعَسْعَسا (٤)
стр. 1763
وقال رُؤْبةُ:
٤٧٩ - يا هِنْدُ ما أسْرَعَ ما تَسَعْسَعا
مِنْ بَعْدِ ما كَانَ فَتًى سَرَعْرَعا (١)
وجواب القسم قوله تعالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ يعني جبريل ﵇، نَزَلَ بالقرآن، وَأخْبَرَ به النَّبِيُّ ﷺ عن اللَّه ، وأجاز الكسائيُّ (٢): "أنَّهُ" بالفتح؛ أي: أُقْسِمُ أنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَتابَعَهُ على ذلك محمد بن يزيد (٣).
ثم وَصَفَ اللَّهُ تعالَى جبريلَ ﵇ فقال: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾؛ أي: فيما كُلِّفَ وَأُمِرَ به ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ يعني: في المَنْزِلةِ، وهو نعت ﴿رَسُولٍ﴾، يقال: مَكُنَ فُلَانٌ عند فُلَانٍ مَكانةً ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾؛ أي: في السماوات تُطِيعُهُ الملائكةُ
стр. 1764
﴿أَمِينٍ (٢١)﴾ على الوَحْيِ، وقيل: أمين على سبعين ألف مُحاسِبٍ، و ﴿ثَمَّ﴾ ظرف مكان.
قال المفسرون (١): مِنْ طاعةِ المَلَائِكةِ جِبْرِيلَ أنَّهُ أمَرَ خازِنَ الجَنّةِ ليلة المعراجِ حَتَّى فَتَحَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أبْوابَها، فَدَخَلَها وَرَأى ما فيها، وَأمَرَ خازِنَ جَهَنَّمَ، ففَتَحَ له عنها حَتَّى نَظَرَ إليها، فذلك قوله: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾.
فصل
عن معاوية بن قُرّةَ (٢) قال: قال رسول اللَّه ﷺ لِجِبْرِيلَ ﵇: "ما أحْسَنَ ما أثْنَى عَلَيْكَ رَبُّكَ، فَقالَ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾، فَما كانتْ قُوَّتُكَ؟ وَما كانَتْ أمانتكَ؟ قال: أمّا قُوَّتي فَإنِّي بُعِثْتُ إلَى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي أرْبَعُ مَدائِنَ: سَدُومُ وَصامُوراءُ وَعامُوراءُ وَدامُوراءُ، وَفِي كُلِّ مَدِينةٍ أربعمائة ألف مقاتل سِوَى الذَّرارِي، فَحَمَلْتُهُمْ مِنَ الأرْضِ السُّفْلَى حَتَّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ أصْواتَ الدَّجاجِ وَنُباحَ الكِلَابِ، ثُمَّ هَوَيْتُ بِهِنَّ فَقَلَبْتُهُنَّ، وَأمّا أمانَتِي فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِشَيْءٍ فَعَدَوْتُهُ إلَى غَيْرِهِ" (٣).
قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ رفع اسم "ما" ﴿بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ،
стр. 1765
وهذا الخطاب لأهل مكة، وهو أيضًا من جواب القسم، أقْسَمَ اللَّهُ أنَّ القرآن نَزَلَ به جبريلُ على محمدٍ وما تَقَوَّلَهُ، وكانوا يقولون: إنَّ محمَّدًا مجنون، وهذا الذي يَأْتِي به يَتَقَوَّلُهُ من نفسه.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾؛ أي: البَيِّنِ، يعني: "رَأى محمدٌ ﷺ جبريلَ ﵇ عند مَطْلِعِ الشمس، قد مَلأ الأُفُقَ، له ستمائة جناح، رِجْلَاهُ في الأرض، وَرَأْسُهُ في السماء، وَجَناحٌ له مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ، وَجَناحٌ له مِنْ قِبَلِ المَغْرِبِ، فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَحَوَّلَ جبريلُ ﵇ في صورة البشر، وَضَمَّهُ إلَى صَدْرِهِ، وقال: يا محمد! لا تَخَفْ، فكيف لو رَأيْتَ إسْرافِيلَ وَرَأْسُهُ فِي العَرْشِ وَرِجْلَاهُ فِي تُخُومِ السابعة السُّفْلَى؟ وَإنَّ العَرْشَ لَعَلَى كاهِلِهِ، وإنه لَيَتَواضَعُ أحيانًا مَخافةً من اللَّه ، حتى يَصِيرَ مِثْلَ الوَصْعِ -يعني العُصْفُورَ-، حتى ما يحمل عرش ربك إلّا عَظَمَتُهُ" (١).
قوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ محله رفع اسم "ما" النافية، يعني محمَّدًا ﵇ ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: على الوَحْيِ وَخَبَرِ السماء ﴿بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ قرأ زيدُ بنُ ثابِتٍ وابن عُمَرَ والحَسَنُ والأشْهَبُ والأعْمَشُ وَأهْلُ المدينةِ والشامِ وعاصمٌ وَحَمْزةُ بالضاد، ومعناه: بِبَخِيلٍ، يعني: أنه يَأْتِيهِ عِلْمُ الغَيْبِ ويُخْبِرُ به فَيُفْشِيهِ، ولا يَكْتُمُهُ كما يَكْتُمُ الكاهِنُ حَتَّى يَأْخُذَ عليه حُلْوانًا (٢)، تقول العرب: ضَنِنْتُ بالشيء
стр. 1766
بكسر النون، أضَنُّ به ضِنًّا وَضَنانةً، فَأنا ضَنِينٌ؛ أي: بَخِيلٌ (١)، قال الشاعر:
٤٨٠ - أجُودُ بِمَضْنُونِ التِّلَادِ وَإنَّنِي... بِسِرِّكِ عَمَّنْ سالَنِي لَضَنِينُ (٢)
وقرأ الباقون بالظاء (٣)، وكذلك هو في حرف ابن مسعود وَمُصْحَفِهِ، وهي قراءةُ عبدِ اللَّه وَعُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ وَعُمَرَ بن عبد العزيز وَأبِي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ، وروايةُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابن عباس ﵁ (٤)، ومعناه: بِمُتَّهَمٍ، فـ "فَعِيلٌ" بمعنى "مَفْعُولٍ"، وفيه ضمير مستتر قام مقام ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، يقال: فُلَانٌ ظَنِينٌ بِمالٍ وَرَمِيٌّ بمالٍ أي: مُتَّهَم به، والظِّنّةُ: التُّهْمةُ، قال الشاعر:
стр. 1767
٤٨١ - أما -وَكتابِ اللَّهِ- لا عَنْ شَناءةٍ... هُجِرْتُ، وَلَكِنَّ الظَّنِينَ ظَنِينُ (١)
واختار أبو عبيد هذه القراءة، وقال (٢): إنهم لَمْ يُبَخِّلُوهُ، فنَحْتاجَ إلَى أنْ نَنْفِيَ عنه ذلك البُخْلَ، ولكنْ كَذَّبُوهُ واتَّهَمُوهُ، وقيل: معنى قوله: "بظَنِينٍ"؛ أي: بضَعِيفٍ، حكاه الفَرّاءُ (٣) والمُبَرِّدُ (٤)، يقال: رَجُلٌ ظَنِين؛ أي: ضَعِيفٌ، وَبِئْرٌ ظَنُونٌ: إذا كانت ضعيفةَ الماء.
﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾؛ أي: أنَّ القرآن ليس بِكَهانةٍ ولا شِعْرٍ كما يقولون ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ يا أهل مكة؛ أي: إلَى أيِّ طَرِيقٍ
стр. 1768
تَسْلُكُونَ عن هذا القرآن الذي فيه الشفاء والبيان؟ قال الشاعر:
٤٨٢ - تَصِيحُ بِنا حَنِيفةُ إذْ رَأتْنا... وأيَّ الأرْضِ تَذْهَبُ لِلصِّياحِ؟ (١)
يريد: إلى أيِّ الأرْضِ تَذْهَبُ؟ (٢).
ثم بيَّنَ أن القرآن ما هو؟ فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾؛ أي: مَوْعِظةٌ لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾؛ أي: يُقِيمَ على الحق والإيمان، ويَتْرُكَ الكُفْرَ والطُّغْيانَ.
стр. 1769
قيل (١): لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تعالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾، قال أبو جهل: ذلك إلينا، إنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا، وَإنْ شِئْنا لَمْ نَسْتَقِمْ، فأنزل اللَّه : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ أعْلَمَهُمْ أنَّ المَشِيئةَ في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بِمَشِيئَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ.
رُوِيَ عن وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ أنه قال (٢): الكتب التي أنزلها اللَّه على الأنبياء بِضْعٌ وَتِسْعُونَ كِتابًا، قرأتُ منها بِضْعًا وَثَمانِينَ كِتابًا، فوجدتُ فيها: "مَنْ جَعَلَ إلَى نفسه شَيْئًا من المشيئة فقد كَفَرَ".
وهذا إعْلَامٌ أن الإنسان لا يقدر أن يعمل خَيْرًا إلّا بتوفيق اللَّه ومشيئته ونعمته، ولا شَرًّا إلّا بِخِذْلَانِهِ وَنِقْمَتِهِ، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1770
سورة ﴿انْفَطَرَتْ﴾
مكية
وهي ثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفًا، وثمانون كلمةً، وتسع عشرة كلمةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ بعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرةِ ماءٍ حَسَنةً، وَأصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ القِيامةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ بَرِئَ مِنَ الكُفْرِ، وَكُتِبَ مِنَ المُتَواضِعِينَ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾؛ أي: انشقت ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ يعني: تَساقَطَتْ، قيل (٣): إن الكواكب في قَنادِيلَ مُعَلَّقةٍ
стр. 1771
بَيْنَ السماء والأرض بِسَلَاسِلَ مِنْ نُورٍ، وتلك السلاسل بِأيْدِي ملائكةٍ من نور، فإذا كانت النفخةُ الأُولَى تَناثَرَتْ تلك الكواكبُ، وَتَساقَطَت السلاسلُ التي بأيدي الملائكة الذين يمسكونها، فانتثرت في الأرض.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ فُجِّرَ بَعْضُها فِي بَعْضٍ؟ عَذْبُها فِي مِلْحِها، وَمِلْحُها فِي عَذْبِها فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا (١)، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ (٢) ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ قُلِبَ تُرابُها، وَبُعِثَ الموتى الذين فيها، يقال: بَعْثَرَ يُبَعْثِرُ بَعْثَرةً: إذا قَلَّبَ التُّرابَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ من عمل صالح وطالح ﴿وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ من حسنة وسيئة، وهذا جواب ﴿إِذَا﴾.
فصل
عن حُذَيْفةَ بنِ اليَمانِ قال: قام سائلٌ على عهد النبيِّ ﷺ ، فَسَألَ القَوْمَ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا أعْطاهُ، فَأعْطاهُ القَوْمُ، فقال النبيُّ ﷺ : "مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا فاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أوْزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أوْزارِهِمْ"، ثم تَلا حُذَيْفةُ بنُ اليَمانِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ (٣).
стр. 1772
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ نعت "رِبِّكَ"، يعني: الصَّفُوح، و ﴿مَا﴾ استفهامٌ ابتداء، و ﴿غَرَّكَ﴾ الخبر، والمعنى: ما الذي أمَّنَكَ مِنْ عِقابِهِ؟، يقال: غَرَّهُ بِفُلَانٍ: إذا أمَّنَهُ المَحْذُورَ مِنْ جِهَتِهِ وهو غير مأمون، قيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في أُبَيِّ بن خلف، وقيل: في أبِي الأشَدَّيْنِ كَلَدةَ ابنِ أُسَيْدٍ (١).
وكان عُمَرُ بنُ الخَطّابِ ﵁ إذا قرأ هذه الآية: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ قال: الجَهْلُ يا رَبِّ (٢)، وقيل لِلْفُضَيْلِ بن عِياضٍ: لو أقامَكَ اللَّه يَوْمَ القيامة بين يديه، فقال: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾، ماذا كُنْتَ تَقُولُ؟ قال: أقول: غَرَّنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ (٣)، فنَظَمَهُ محمدُ بنُ السَّمّاكِ (٤) فقال:
٤٨٣ - يا كاتِمَ الذَّنْبِ أما تَسْتَحِي... واللَّه في الخَلْوةِ ثانِيكا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهالُهُ... وَسَتْرُهُ طُولَ مَساوِيكا (٥)
стр. 1773
وقال أبو بكر بن طاهر الأبْهَرِيُّ في هذا المعنى:
٤٨٤ - يا مَنْ غَلَا فِي العُجْبِ والتِّيهِ... وَغَرَّهُ طُولُ تَمادِيهِ
أمْلَى لَكَ اللَّه فَبارَزْتَهُ... وَلَمْ تَخَفْ غِبَّ مَعاصِيهِ (١)
وقال عبد اللَّه بن مسعود: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إَلَّا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القيامة، فَيَقُولُ: "يا ابنَ آدَمَ: ما غَرَّكَ بِي؟ يا ابن آدم: ما عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ يا ابن آدَمَ: ماذا أجَبْتَ المُرْسَلِينَ؟ " (٢).
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾؛ أي: خَلَقَكَ قائمًا معتدلًا حَسَنَ الصورة، قرأ أهلُ الكوفة بتخفيف الدال؛ أي: صَرَفَكَ وَأمالَكَ إلَى أيِّ صورةٍ شاءَ، قبيحًا وجميلًا، وقصيرًا وطويلًا (٣)، وقيل (٤): صَرَفَكَ من الكفر إلَى الإيمان، وقرأ الباقون بالتشديد (٥)؛ أي: قَوَّمَكَ فَجَعَلَكَ مُعْتَدِلَ الخَلْقِ،
стр. 1774
وهو الاختيار لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (١)، ومحل ﴿الَّذِي﴾ خفض على نعت ﴿الكَرِيمِ﴾.
وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ ﴿مَا﴾ صلة لا محل لها، قال مجاهد ومقاتل والكلبي (٢): في أيِّ شَبَهٍ مِنْ أبٍ أو أُمٍّ أو خالٍ أو عَمٍّ، وقال عكرمة وأبو صالِحٍ (٣): إنْ شاءَ في صورة حِمارٍ، وإن شاء في صورة قِرْدٍ، وإن شاء في صورة كَلْبٍ، وإن شاء في صورة خِنْزِيرٍ (٤).
قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ يعني الحساب الذي يَدِينُ اللَّهُ النّاسَ فِيه بأعمالهم، والمعنى: كَلّا لا يؤمن هذا الإنسانُ الكافرُ بالجزاء والحساب، فَيَزْعُمُ أنه غير كائن، قرأ أبو جعفر: "يُكَذِّبُونَ" (٥) بالياء، وقرأه
стр. 1775
العامة بالتاء لقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾؛ أي: رُقَباءَ من الملائكة يحفظون أعمالكم عليكم، ثم نَعَتَهُمْ فقال: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ يعني: كِرامًا على رَبِّهِمْ، كاتبين يكتبون أقوالكم وأعمالكم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ من الخير والشر فيكتبونه، قال الحسن (١): يعلمون ما ظَهَرَ منهم بجوارحهم، ولا يَعْلَمُونَ ما يُحَدِّثُونَ به أنْفُسَهُمْ، قال مجاهد (٢): مع كل إنسان مَلَكانِ: مَلَكٌ عن يَمِينِهِ يكتب الخيرَ، وَمَلَكٌ عن يَسارِهِ يكتب الشَّرَّ.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: إذا أرادَ عَبْدِي أنْ يَعْمَلَ سَيِّئةً، فَلَا تَكْتُبُوها عليه حَتَّى يَعْمَلَها، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها عَلَيْهِ بِمِثْلِها، وَإنْ تَرَكَها مِنْ أجْلِي، فاكْتُبُوها حَسَنةً، وَإذا أرادَ عَبْدِي أنْ يَعْمَلَ حَسَنةً فَلَمْ يَعْمَلْها، فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنة، فَإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها لَهُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلَى سَبْعِمِائةِ ضِعْفٍ" (٣).
قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ يعني المطيعين في الدنيا ﴿لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ وهو الجنةُ في الآخرة ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ يعني الذين كَذَّبُوا محمَّدًا ﷺ ﴿لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ عظيمٍ من النار ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾؛ أي: يدخلونها ﴿يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾ يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾.
стр. 1776
ثُمَّ عَظَّمَ ذلك اليومَ، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾ يعني يوم الحساب، ثم كَرَّرَهُ تفخيمًا لشأنه، فقال: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ ﴿مَا﴾ هنا استفهام فيها معنى التعجب والتعظيم، وقد ذكرتُ نظيرها في سورة الحاقة (١)، فَأغْنَى عن الإعادة هاهنا؛ إذ المعنى واحد، وتكرار ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ لِيُفْهَمَ ثَوابُ الأبْرارِ وَعِقابُ الفُجّارِ.
ثم أخْبَرَ نَبيَّهُ ﷺ عن يوم الدين، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ يعني يوم القيامة ﴿لِلَّهِ (١٩)﴾ المعنى: إنَّ اللَّهَ لا يُمَلِّكُ فِي ذلك اليومِ أحَدًا شَيْئًا من الأمور كما مَلَّكَهُمْ في دار الدنيا.
وقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ قرأ أهل مكة وأهل البصرة برفع الميم (٢) رَدًّا على اليوم الأول بدلًا منه، ويجوز أن يُرفع على إضمار "هُوَ" (٣)، وقرأ غيرهم بالنصب على الظرف؛ أي: في يوم الدين، واختاره أبو عبيد، قال (٤): لأنها إضافة غير محضة، قال ابن الأنباري (٥): وهو في موضع رفع إلّا أنه نصب؛ لأنه مضاف غير محض، كما تقول: أعْجَبَنِي يَوْمَ يَقُومُ (٦) زَيْدٌ، وأنشد أبو العباس:
стр. 1777
٤٨٥ - مِنْ أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِر
أيَوْمَ لمْ يُقدَرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ (١)
فاليومان الثانيان مخفوضان على الترجمة عن اليومين الأولين، إلّا أنهما نُصِبا في اللفظ؛ لأنهما أُضِيفا إلَى غير محض.
وقال قوم: اليوم الثانِي منصوب على المحل، كأنه قال: فِي يومِ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شيئًا، والأمر يومئذٍ للَّه.
* * *
стр. 1778
سورة المطففين
مكية
وهي سبعمائة حرف وثلاثون حرفًا، ومائة وتسع وستون كلمةً، وست ثلاثون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُطَفِّفِينَ سَقاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ يَوْمَ القِيامةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ مِيزَ مِنْ أصْحابِ النّارِ، وَكُتِبَ مِنْ أصْحابِ اليَمِينِ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ يعني الذين يَنْقُصُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ، وأصله من الشيء الطَّفِيفِ، وهو النَّزْرُ القَلِيلُ، وَإناءٌ طَفّانُ: إذا لَمْ
стр. 1779
يَكُنْ مَلآنَ (١)، و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ ابتداء وخبر، قال طاهر بن أحمد (٢): وجاز الابتداء بالنكرة لِما في الكلام من معنى الدعاء، ولأن النكرة إذا قَرُبَتْ من المعرفة جاز الابتداء بها.
والوَيْلُ عند البصريين كلمة مفردة غير مُرَكَّبةٍ، بدليل إعرابها وتنوينها وَتَمَكُّنِها (٣)، وهي عند الكوفيين مُرَكَّبةٌ، فيفتحونها مع المضمر، ويكسرونها مع الظاهر، فيقولون: وَيْلَهُ وَوَيْلِ زَيْدٍ، وأصلها عندهم "وَيْ" (٤).
والمختار في ﴿وَيْلٌ﴾ وشبهه إذا لَمْ يكن مضافًا الرَّفْعُ، ويجوز النصب، فإن كان مضافًا أو مُعَرَّفًا كان الاختيار فيه النصبَ، نحو قوله ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (٥).
﴿وَيْلٌ﴾ أصله مَصدَرٌ من فِعْلٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ (٦)، وقال المُبَرِّدُ في ﴿وَيْلٌ
стр. 1780
لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، وفي ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١) وَشِبْهِهِ (٢): لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأنه ليس بدعاء عليهم، إنما هو إخبار أن ذلك ثَبَتَ لهم.
واختلفوا في ﴿وَيْلٌ﴾ ما هو؟ فقيل (٣): كلمة تُقال عند الهَلَكةِ، وقيل (٤): هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقيل (٥): هو صَدِيدُ أهْلِها، وقيل (٦): هو الهلاك، وقيل (٧): هو النِّداءُ بِالخَسارِ.
وقال الأصمعي (٨): ﴿وَيْلٌ﴾ قُبُوحٌ، و"وَيْسٌ" إستصغار، و"وَيْحٌ" تَرَحُّمٌ،
стр. 1781
وقال غيره (١): "ويْحٌ" كلمةُ رَحْمةٍ ضد ﴿وَيْلٌ﴾، فإنَّها كلمة عذاب.
وقال اليَزِيدِيُّ (٢): هما بمعنًى واحدٍ، تقول: وَيْحٌ لِزَيْدٍ، وَوَيْلٌ لَهُ، ترفعهما على الابتداء، ولك أن تقول: وَيْحًا لِزَيْدٍ، وَوَيْلًا لِزَيْدٍ، فتنصبهما بإضمارِ فعلٍ، كأنك قلت: ألْزَمَهُ اللَّهُ وَيْحًا وَوَيْلًا.
قيل (٣): إن أصله: وَيْ لِفُلَانٍ؛ أي: الحُزْنُ له، فَقُرِنَ بلام الإضافة تخفيفًا.
ثم نَعَتَهُم اللَّهُ، وَذَكَرَ مَساوِئهُمْ، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: من الناس ﴿يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى "مِنْ"، ذَكَرَ أبو عبيدة (٤) وغيره من أهل اللغة (٥): و ﴿عَلَى﴾ و"مِنْ" فِي هذا الموضع يَعْتَقِبانِ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾؛ أي: كالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ، والعرب تقول: كِلْتُكَ طَعامَكَ، وَوَزَنْتُكَ حَقَّكَ، بمعنى: كِلْتُ لَكَ، وَوَزَنْتُ لَكَ، فحُذف اللامُ (٦)،
стр. 1782
قال الفَرّاءُ (١): أنشدنِي القاسمُ بنُ مَعْنٍ (٢):
٤٨٦ - إذا قالَتْ حَذامِ فَأنْصِتُوها... فَإنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حَذامِ (٣)
أراد: فَأنْصِتُوا لَها، فَحَذَفَ اللامَ، وحروف الخفض تُحْذَفُ مِمّا يَتَعَدَّى إلَى مفعولين، أحدُهما بِحَرْفِ جَرٍّ، كما قال الشاعر:
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ... فَقَدْ تَرَكتُكَ ذا مالٍ وَذا نَشَبِ (٤)
وقال آخر:
أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ... رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ القَوْلُ والعَمَلُ (٥)
стр. 1783
قال الفَرّاءُ (١): وهي لغةُ أهْلِ الحجازِ وَمَنْ جاوَرَهُمْ.
ومحل الهاء والميم نصب مفعول، هذا إذا جعلتَ ﴿كَالُوهُمْ﴾ كلمةً واحدةً، فإن جعلتَهما كلمتين فمحل الهاء والميم رفع بالابتداء (٢)، وكذلك يُقْرَأُ على الوجهين، فمنهم من يقرأ: "وإذا كالُوا هُمْ أوْ وَزَنُوا هُمْ"، في فصل بينهما في اللفظ (٣)، ومنهم من يقرأ: ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ على لفظة واحدة، وكذلك "وَزَنُوهُمْ" فيه ما ذكرنا فِي ﴿كَالُوهُمْ﴾، الحُكْمُ فيهما واحدٌ.
فصل
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَمْسٌ بِخَمْسٍ" قالوا: يا رسول اللَّه: وما خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قال: "ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عليهم عَدُوَّهُمْ، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلا فَشا فيهم الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فيهم الفاحِشةُ إلّا فَشا فيهم المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا المِكْيالَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ، وَأُخِذُوا
стр. 1784
بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عنهم القَطْرُ" (١).
قوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ يعني الذين يفعلون هذا ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾ وهو يوم القيامة، فَيُحاسَبُونَ بأعمالهم التي أحصاها اللَّه تعالى عليهم.
ثم أخْبَرَ عن ذلك اليوم، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ المعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم لأمْرِ رَبِّ العالمين، قال الزَّجّاجُ (٢): و ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بقوله: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، المعنى: ألَا يَظُنُّونَ أنهم يُبْعَثُونَ يوم القيامة، ويجوز في العربية خَفْضُهُ على البدل، ورفعه بإضمار مبتدأ (٣).
فصل
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ العَرَقَ لَيَذْهَبُ فِي الَأرض يومَ القيامة سبعين باعًا، وَإنَّهُ لَيَبْلُغُ إلَى أفْواهِهِمْ" (٤) -أو قال: "إلَى آذانِهِمْ" شَكَّ الراوي-.
وعن عبد اللَّه بن عَمْرٍ و قال: تَلَا رسولُ اللَّه ﷺ هذه الآيةَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
стр. 1785
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال ﷺ : "كَيْفَ بِكُمْ إذا جُمِعْتُمْ كَما يُجْمَعُ النَّبْلُ فِي الكِنانةِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنةً لا يُنْظَرُ إلَيْكُمْ؟ " (١).
ويقال (٢): ما طُولُ القِيامةِ على المؤمن إلا كما بَيْنَ الظهر والعصر، قال اللَّه تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ يعني الساعة ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٣).
قيل: مقدار لُبْثِهِمْ كما بَيْنَ صلاة العصر إلَى أن تغيب الشمس، أو كما بَيْنَ طلوع الشمس إلَى أنْ تَدْنُوَ، واللَّه أعلم.
وَرَوَى سُلَيْمُ بن عامر (٤) قال: حَدَّثَنِي المِقْدادُ بن الأسود (٥) قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إذا كان يومُ القيامة أدْنِيَتِ الشَّمْسُ من العباد حَتَّى تكون قَدْرَ مِيلٍ أو مِيلَيْنِ"، قال سُلَيْمٌ: فلا أدري، أمَسافةَ الأرض أم المِيلُ الذي تُكْحَلُ به العَيْنُ؟، ثم قال: "فَتَصْهَرُهُم الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي العَرَقِ كَقَدْرِ
стр. 1786
أعْمالِهِمْ، فمنهم مَنْ يأخذه إلَى عَقِبَيْهِ، ومنهم مَنْ يأخذه إلَى رُكْبَتَيْهِ، ومنهم مَنْ يأخذه إلَى حِقْوَيْهِ، ومنهم مَنْ يُلْجِمُهُ إلْجامًا" (١)، فرأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُشِيرُ بيَدِهِ إلَى فِيهِ؛ أي: يُلْجِمُهُ إلْجامًا، رواه مسلم عن الحكم بن موسى (٢) عن يَحْيَى ابنِ حَمْزةَ (٣) عن عبد الرحمن بن جابر (٤).
وروى القاسم بن أبِي بَزّةَ (٥) أن ابن عُمَرَ قرأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾، حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، قال: فَبَكَى حتى خَرَّ، وامتنع من القراءة (٦).
стр. 1787
قوله: ﴿كَلَّا﴾ هو كلمة رَدْعٍ وَزَجْرٍ وَوَعِيدٍ؛ أي: ليس الأمر كذلك ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ وهي الأرض السابعة السُّفْلَى، فيها أرواح الكفار وأعمالهم (١)، وقيل (٢): سِجِّينٌ: صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء، وخضرة السماء منها، يُجْعَلُ كتابُ الفُجّارِ تحتها، وقال وهب بن منبه (٣): هي آخر سلطان إبليس، وقيل (٤): معنى ﴿سِجِّينٌ﴾: ضَيِّقٌ شَدِيدٌ، قال ابن مقبل:
٤٨٧ - وَرُفْقةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضاحِيةً... ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا (٥)
стр. 1788
وَسِجِّينٌ وَسِجِّيلٌ واحد، وهو "فِعِّيلٌ" من السَّجْلِ، والنون بَدَلٌ من اللّام (١)، وقيل (٢): هو "فِعِّيلٌ" من السَّجْنِ كما يُقال: فِسِّيقٌ من الفِسْقِ.
قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ قد تقدم الكلام فيه وفي نظائره في الحاقة وغيرها.
فصل
عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مفتوحٌ" (٣)، وعن البَراءِ بن عازب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ" (٤).
وعن ابن عباس أنه سَألَ كعبَ الأحبارِ عن قول اللَّه : ﴿إِنَّ كِتَابَ
стр. 1789
الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ فقال: "إنَّ أرْواحَ الفُجّارِ يُصْعَدُ بها إلَى السماء، فَتَأْبَي السماءُ أنْ تَقْبَلَها، ثم يُهْبَطُ بِها إلَى الأرض فَتَأْبَى الأرضُ أن تَقْبَلَها، فتدخل تحت سَبْعِ أرَضِينَ حتى يُنْتَهَى بِها إلَى سِجِّينٍ، وهو موضعُ خَدِّ إبْلِيسَ اللعين" (١).
قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾؛ أي: أحاطَ وَطَبَعَ وَغَلَبَ عليها ما كانوا يكسبون من الأعمال الخبيثة، ومحل ﴿مَا﴾ رفع؛ لأنه فاعل، وأصل الرَّيْنِ الغَلَبةُ، يُقال: رانَتِ الخَمْرُ على قَلْبهِ: إذا غَلَبَتْ عليه فَسَكِرَ، وَرانَ عليه النُّعاسُ وَرانَ بهِ؛ أي: غَلَبَ عليه، وَرانَ علَى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ ريْنًا: إذا غَشِيَ على قَلْبِهِ وَغَلَبَ (٢)، قال الشاعر:
٤٨٨ - وَكَمْ رانَ مِنْ ذَنْبٍ عَلَى قَلْبِ فاجِرٍ (٣)
أي: غَلَبَ، والرَّيْنُ كالصَّدَأ يَغْشَى القَلْبَ (٤).
قال الحَسَنُ (٥): هو الذَّنْبُ على الذَّنْبِ حتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، يقال: رِينَ
стр. 1790
بِالرَّجُلِ: إذا وَقَعَ فيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ منه (١).
قرأ نافع وشيبة وأبو عمرو وأبو جعفر: ﴿كَلّا بَرّانَ﴾ بالإدغام وَتَرْكِ الإمالة، وقرأ حَمْزةُ والكسائيُّ، وعاصمٌ في رواية أبِي بكر، والأعمشُ بالإدغام والإمالة، وقرأ الحَسَنُ وابنُ أبِي إسحاق بغير إدغام، وكان حَفْصٌ يَقِفُ على اللام وَقْفةً خفيفةً فِي وَصْلِهِ (٢).
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أذْنَبَ العَبْدُ كانَتْ نُكْتةً سَوْداءَ فِي قَلْبهِ، فإن تابَ واسْتَغْفَرَ صَفا قَلْبُهُ، وَإنْ عادَ زادَتْ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ، وهو الرَّيْنُ الذي قال اللَّه : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ﴾ يعني الكفار ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ في إلآية دليلٌ على أن اللَّه تعالى يُرَى يَوْمَ القيامة، ولولا ذاك ما كان في هذه الآية،