← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

أعْمالِهِمْ، فمنهم مَنْ يأخذه إلَى عَقِبَيْهِ، ومنهم مَنْ يأخذه إلَى رُكْبَتَيْهِ، ومنهم مَنْ يأخذه إلَى حِقْوَيْهِ، ومنهم مَنْ يُلْجِمُهُ إلْجامًا" (١)، فرأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُشِيرُ بيَدِهِ إلَى فِيهِ؛ أي: يُلْجِمُهُ إلْجامًا، رواه مسلم عن الحكم بن موسى (٢) عن يَحْيَى ابنِ حَمْزةَ (٣) عن عبد الرحمن بن جابر (٤). وروى القاسم بن أبِي بَزّةَ (٥) أن ابن عُمَرَ قرأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾، حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، قال: فَبَكَى حتى خَرَّ، وامتنع من القراءة (٦).

стр. 1787

قوله: ﴿كَلَّا﴾ هو كلمة رَدْعٍ وَزَجْرٍ وَوَعِيدٍ؛ أي: ليس الأمر كذلك ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ وهي الأرض السابعة السُّفْلَى، فيها أرواح الكفار وأعمالهم (١)، وقيل (٢): سِجِّينٌ: صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء، وخضرة السماء منها، يُجْعَلُ كتابُ الفُجّارِ تحتها، وقال وهب بن منبه (٣): هي آخر سلطان إبليس، وقيل (٤): معنى ﴿سِجِّينٌ﴾: ضَيِّقٌ شَدِيدٌ، قال ابن مقبل: ٤٨٧ - وَرُفْقةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضاحِيةً... ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا (٥)

стр. 1788

وَسِجِّينٌ وَسِجِّيلٌ واحد، وهو "فِعِّيلٌ" من السَّجْلِ، والنون بَدَلٌ من اللّام (١)، وقيل (٢): هو "فِعِّيلٌ" من السَّجْنِ كما يُقال: فِسِّيقٌ من الفِسْقِ. قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ قد تقدم الكلام فيه وفي نظائره في الحاقة وغيرها. فصل عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطًّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مفتوحٌ" (٣)، وعن البَراءِ بن عازب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ" (٤). وعن ابن عباس أنه سَألَ كعبَ الأحبارِ عن قول اللَّه : ﴿إِنَّ كِتَابَ

стр. 1789

الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ فقال: "إنَّ أرْواحَ الفُجّارِ يُصْعَدُ بها إلَى السماء، فَتَأْبَي السماءُ أنْ تَقْبَلَها، ثم يُهْبَطُ بِها إلَى الأرض فَتَأْبَى الأرضُ أن تَقْبَلَها، فتدخل تحت سَبْعِ أرَضِينَ حتى يُنْتَهَى بِها إلَى سِجِّينٍ، وهو موضعُ خَدِّ إبْلِيسَ اللعين" (١). قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾؛ أي: أحاطَ وَطَبَعَ وَغَلَبَ عليها ما كانوا يكسبون من الأعمال الخبيثة، ومحل ﴿مَا﴾ رفع؛ لأنه فاعل، وأصل الرَّيْنِ الغَلَبةُ، يُقال: رانَتِ الخَمْرُ على قَلْبهِ: إذا غَلَبَتْ عليه فَسَكِرَ، وَرانَ عليه النُّعاسُ وَرانَ بهِ؛ أي: غَلَبَ عليه، وَرانَ علَى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ ريْنًا: إذا غَشِيَ على قَلْبِهِ وَغَلَبَ (٢)، قال الشاعر: ٤٨٨ - وَكَمْ رانَ مِنْ ذَنْبٍ عَلَى قَلْبِ فاجِرٍ (٣) أي: غَلَبَ، والرَّيْنُ كالصَّدَأ يَغْشَى القَلْبَ (٤). قال الحَسَنُ (٥): هو الذَّنْبُ على الذَّنْبِ حتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، يقال: رِينَ

стр. 1790

بِالرَّجُلِ: إذا وَقَعَ فيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ منه (١). قرأ نافع وشيبة وأبو عمرو وأبو جعفر: ﴿كَلّا بَرّانَ﴾ بالإدغام وَتَرْكِ الإمالة، وقرأ حَمْزةُ والكسائيُّ، وعاصمٌ في رواية أبِي بكر، والأعمشُ بالإدغام والإمالة، وقرأ الحَسَنُ وابنُ أبِي إسحاق بغير إدغام، وكان حَفْصٌ يَقِفُ على اللام وَقْفةً خفيفةً فِي وَصْلِهِ (٢). فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أذْنَبَ العَبْدُ كانَتْ نُكْتةً سَوْداءَ فِي قَلْبهِ، فإن تابَ واسْتَغْفَرَ صَفا قَلْبُهُ، وَإنْ عادَ زادَتْ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ، وهو الرَّيْنُ الذي قال اللَّه : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ﴾ يعني الكفار ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ في إلآية دليلٌ على أن اللَّه تعالى يُرَى يَوْمَ القيامة، ولولا ذاك ما كان في هذه الآية،

стр. 1791

فائدةٌ، يعني: لَمّا كان الكفار مَحْجُوبِينَ دَلَّ على أن المؤمنين غَيْرُ مَحْجُوبِينَ، بل ينظرون اللَّهَ تعالى بالأبصار في دار القَرارِ، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١)، ومعنى قوله: "مَحْجُوبُونَ"؛ أي: ممنوعون عن رؤيته وكرامته ورحمته، فكما حُجبُوا في الدنيا عن توحيده حُجِبُوا في الآخرة عن رؤيته، ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾؛ أي: لَداخِلُو النّارِ ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا﴾ يعني العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾. ثم أعْلَمَ أيْنَ مَحَلُّ كتاب الأبرار، فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ يعني المتقين ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ يعني السماء السابعة تحت العرش، رَوَى البَراءُ بن عازِبٍ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "عِلِّيُّونَ فِي السَّماءِ السّابِعةِ تَحْتَ العَرْشِ" (٢)، وقال ابن عباس: "هُوَ لَوْحٌ من زَبَرْجَدٍ أخْضَرَ مُعَلَّقٌ تحت العَرْشِ، أعمال الأبرار مكتوبة فيه" (٣). وقال الفَرّاءُ (٤): عِلِّيُّونَ: ارتفاعٌ بَعْدَ ارتفاعِ لا غايةَ له، وهو جمعٌ لا واحد له مِنْ لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ وَقِنَّسْرِينَ، وإعرابَه كإعراب الجمع؛ لأنه على لفظ الجمع، وقال يُونُسُ النَّحْوِيُّ (٥): واحِدُهُ عِلِّيّ وعِلِّيّةٌ، قال صاحب "إنسان العين" (٦): والواو والنون عِوَضُ الهاءِ، نحو الأرَضُونَ، أو لا واحِدَ له، والمراد عُلُوٌّ بَعْدَ عُلُوٍّ،

стр. 1792

أو هو موضوعٌ على صيغة الجمع كثلاثين، قال الشاعر: ٤٨٩ - فَأصْبَحَتِ المَذاهِبُ قَدْ أذاعَتْ... بِهِ الإعْصارُ بَعْدَ الوابِلِينا (١) جمع وابِلٍ. وقيل (٢): إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ صفة الملائكة، ولذلك يُجْمَعُ بالواو والنون، وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾، ثم أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﵇، فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠)﴾؛ أي: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب، قد ثُبَتَتْ حُرُوفُهُ، كُتِبَ بالخير، وَخُتِمَ بالرحمة، مكتوب عند اللَّه، وأنشد أبو العباس (٣): ٤٩٠ - سَأرْقُمُ فِي الماءِ القَراحِ إلَيْكُمُ... عَلَى بُعْدِكُمْ إنْ كانَ لِلْماءِ راقِمُ (٤) معناه: سأكتب.

стр. 1793

ثم قال تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ يعني الملائكة الذين هم في عِلِّيِّينَ، يشهدون؛ أي: يحضرون ذلك المكتوبَ وذلك الكتابَ إذا صُعِدَ به إلَى عِلِّيِّينَ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ إلَى ما أعطاهم اللَّهُ تعالى من النعيم والكرامة ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ إذا رَأيْتَهُمْ عَرَفْتَ أنَّهُم من أهل النعمة مما تَرَى في وجوههم من الحُسْنِ والنُّورِ والبياض، يقال: نضِرَ النَّباتُ: إذا أزْهَرَ وَنَوَّرَ. قرأ العامة: ﴿تَعْرِفُ﴾ بفتح التاء وكسر الراء ﴿نَضْرَةَ﴾ بالنصب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب بضم التاء وفتح الراء (١) على غير تسمية الفاعل ﴿يُسْقَوْنَ﴾ يعني الأبرار ﴿مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ الرَّحِيقُ: الخَمْرُ الصافية، وقيل (٢): المُعَتَّقةُ، قال الشاعر: ٤٩١ - أمْ لَا سَبِيلَ إلَى الشَّبابِ وَذِكْرِهِ... أشْهَى إلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ (٣)

стр. 1794

ومعنى قوله: ﴿مَخْتُومٍ﴾ قال ابن مسعود (١): مَمْزُوجٌ، وقيل (٢): الرَّحِيقُ: شَرابٌ أبْيَضُ يُخْتَمُ به شَرابُهُمْ، وقيل (٣): خُتِمَ فِي الإناء أنْ يَمَسَّها ماسٌّ، وقال الواحدي (٤): هو الشراب الخالص الذي لا غِشَّ فيه، ولا شَيءَ يُفْسِدُهُ، و ﴿مَخْتُومٍ﴾؛ أي: عاقبتُهُ حَسَنةٌ، وخاتمة كل شيء عاقبته، وقيل (٥): هو كالمختوم بالطين؛ أي: مَمْنُوعٌ مِنْ كُلِّ يَدٍ. ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ يعني: رِيحُهُ وَطَعْمُهُ مِسْكٌ، والخِتامُ: المَصْدَرُ، والخاتَمُ: الاسم (٦)، وَخَتْمُ كُلِّ شَيْءٍ: عند فَراغِهِ، ومن ذلك: خَتَمْتُ القُرْآنَ، ويقال: "الأعْمالُ بِخَواتِيمِها" (٧).

стр. 1795

قرأ العامة: ﴿خِتَامُهُ﴾ بتقديم التاء، وقرأ الكسائي: "خاتَمُهُ" (١) بتأخيرها، وهي قراءة عَلِيٍّ وَعَلْقَمةَ، والخاتَمُ والخِتامُ واحد (٢)، قال الفرزدق: ٤٩٢ - فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعاتٍ... وَبِتُّ أفُضُّ أغْلَاقَ الخِتامِ (٣) قوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ يعني: فَلْيَتَشاحَّ المُتَشاحُّونَ، وقيل: فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ، وقيل: فَلْيُسارِعِ المُسارعُونَ بالمبادرة إلَى طاعة اللَّه، ﴿وَمِزَاجُهُ﴾ يعني مَزاجَ شَرابِ الأبرار ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ التَّسْنِيمُ: اسم عَيْنٍ فِي الجنة، وهو شَرابٌ يَنْصَبُّ عليهم من عُلُوٍّ مَن جنة عَدْنٍ، مأخوذ من سَنامِ البَعِيرِ وَتَسْنِيمِ القُبُورِ (٤). وقيل (٥): هو شَرابٌ اسمه تَسْنِيمٌ، وهو من أشرف الشراب، وَسُمِّيَ

стр. 1796

تَسْنِيمًا؛ لأنه يَتَسَنَّمُ فَيَنْصَبُّ عليهم مِنْ فوقهم وَمِنْ غُرَفِهِمْ وَمِنْ مَنازِلِهِمْ، يجري من جنة عَدْنٍ إَلَى أهل الجِنانِ، وقال ابن عباس: "هو خالصٌ لِلْمُقَرَّبِينَ يَشْرَبُونَها صِرْفًا، ويُمْزَجُ منها لِسائِرِ أهل الجنة" (١). وأصل الكلمة مأخوذة من عُلُوِّ المَكانِ والمَكانةِ، فَيُقالُ للشيء المرتفع: سَنامٌ، وللرجل الشريف: سَنامٌ، ويقال: تَسَنَّمَ الفَحْلُ النّاقةَ: إذا عَلَاها، وهو اسمٌ معرفةٌ مثل التَّنْعِيمِ وهو اسم جبل (٢). ونصب "عَيْنًا" على الحال (٣)، وإن شئت قلت: ويُسْقَوْنَ عَيْنًا؛ أي: مِنْ عَيْنٍ (٤)، أو أعْنِي عَيْنًا (٥)، وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ نعت للعين و ﴿بِهَا﴾ بمعنى "مِنْها"، وقد تقدم نظيرها في سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وهو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (٦).

стр. 1797

قال الحَرِيرِيَّ والواسِطِيُّ (١): يشرب بها المقربون صِرْفًا على بساطِ القُرْبِ، في مجلس الأُنْسِ، وَرِياضِ القُدُسِ، بِكَأْسِ الرِّضا على مشاهدةَ الحق -سبحانه-، فِي مقعد صدق عند مليك مقتدر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ يعني كفار قريش ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ يعني: إذا مَرَّ المؤمنون بالكفار ﴿يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾؛ أي: يَتَغامَزُ بِهِم الكفارُ، من الغَمْزِ وهو الإشارة بِالجَفْنِ والحاجِبِ؛ أي: يُشِيرُونَ إليهم بالأعين استهزاءً بهم ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾ يعني الكفار ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ يعني: رَجَعُوا مُعْجَبِينَ بما هُمْ فيه، يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ المؤمنين. قرأه العامة: ﴿فَكِهِينَ﴾ بألف، وقرأه حَفْصٌ: ﴿فَكِهِينَ﴾ (٢) بغير ألف، ونصب ﴿فَكِهِينَ﴾ على الحال، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ يعني الكفار إذا رأوا المؤمنين ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ حين يأتون محمَّدًا، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ يعني الكفار، ما أُرْسِلُوا على المؤمنين حافظين لأعمالهم، مُوَكَّلِينَ بأحوالهم، وهو منصوب على الحال، وإن شئتَ على خَبَرِ (٣) ما لَمْ يُسَمَّ فاعله. قوله: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ جمع أرِيكةٍ، وهو السرير من الدُّرِّ والياقوت، وذلك

стр. 1798

أنُّ لِكُلِّ رَجُلٍ من أهل الجنة كُوّةً يَنْظُرُ منها إلَى أعداء اللَّه كيف يُعَذَّبُونَ في النار، فإذا نَظَرُوا إلَى أهل النار، وما يَلْقَوْنَ فيها من العذاب، حَمِدُوا اللَّهَ تعالى، وَعَرَفُوا أنَّ اللَّهَ قد أكرمهم، ثم يُطْبَقُ على أهل النار، وَيُحالُ بينهم، وَتُسَدُّ تلك الكُوَى (١)، فذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ أي: هل جُوزِيَ الكُفّارُ، وَأُثِيبُوا بِما كانوا يفعلون فِي الدنيا من معاصي اللَّه تعالى، ومعنى الاستفهام ها هنا التقرير. وقرأ حَمْزةُ والكسائيُّ وهشام: "هَل ثُّوِّبَ" بالإدغام (٢)، و ﴿ثُوِّبَ﴾ فعل من الثواب، وأصله ما يَثُوبُ؛ أي: يَرْجِعُ، وَثُوِّبَ وَأُثِيبَ وَأثابَ بِمَعْنًى واحدٍ. فصل رُوِيَ عن عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُؤْمَرُ يَوْمَ القِيامةِ بِناسٍ من النّاسِ إلَى الجَنّةِ، حَتَّى إذا دَنَوْا منها، واسْتَنْشَقُوا رائِحَتَها، وَنَظَرُوا إلَى قُصُورِها وَإلَى ما أعَدَّ اللَّهُ لأهلها فيها، نُودُوا أنِ اصْرِفُوهُمْ، لا نَصِيبَ لَهُمْ فيها، قال: فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرةٍ ما رَجَعَ بِمِثْلِها الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، فيقولون: رَبَّنا: لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أن تُرِيَنا ما أرَيْتَنا مِنْ ثَوابِكَ، وما أعْدَدْتَ فيها لأوليائكَ، كان

стр. 1799

أهْوَنَ علينا، قال: ذَلِكَ أرَدْتُ بِكُمْ، كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بالعَظائِمِ، وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهُمْ مُحْسِنِينَ، تُراءُونَ النّاسَ بِخِلَافِ ما في قُلُوبِكُمْ، هِبْتُمُ النّاسَ ولم تَخافُونِي، وَأجْلَلْتُمُ النّاسَ وَلَمْ تُجِلُّونِي، وَتَرَكْتُمْ لِلنّاسِ وَلَمْ تَتْرُكُوا لِي، فاليَوْمَ أُذِيقُكُمْ ألِيمَ العَذابِ مَعِ ما حَرَمْتُكُمْ مِنَ الثَّواب" (١)، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1800

سورة ﴿انْشَقَّتِ﴾ مكية وهي أربعمائة وثلاثون حرفًا، ومائة وتسع كلمات، وخمس وعشرون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿انْشَقَّتِ﴾، أعاذَهُ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سورةَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ اسْتَغْفَرَتْ لَهُ سَماءُ الدُّنْيا بِما فِيها" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾؛ أي: انْفَطَرَتْ، قال المفسرون (٣): وانشقاقها من علامات القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾؛ أي: سَمِعَتْ لِرَبِّها

стр. 1801

وَأطاعَتْ فِي الانشقاق، مأخوذ من الأُذُنِ وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه ﴿وَحُقَّتْ (٢)﴾؛ أي: حُقَّ لَها أنْ تَسْمَعَ كلامَ خالقها (١). وقد تقدم الكلام فيما يرتفع بعد ﴿إِذَا﴾ فِي سورة ﴿كُوِّرَتْ﴾ (٢)، وأنه على إضمارِ فِعْلِ عند البصريين تقديره: إذا انشقت السماء انشقت، الفعل الثانِي مُفَسِّرٌ للفعل الأَول، وعند الكوفيين هو ابتداء وخبر، والعامل في ﴿إِذَا﴾: اذْكُرْ (٣)، وقيل (٤): العامل فيه ﴿انْشَقَّتْ﴾، وقيل (٥): العامل فيه قوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ (٦). واختلفوا في جواب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فقيل (٧): جوابه متروكٌ؛ لأن المعنى مفهوم، وقيل (٨): جوابه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾، ومجازه: إذا

стр. 1802

السماء انشقت، لَقِيَ كُلُّ كادِحٌ ما عَمِلَهُ، وقيل (١): جوابه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، وتكون الواو زائدةً مقحمةً، معناه: إذا السماء انشقت أذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ. قال ابن الأنباري (٢): وهذا غلط؛ لأن العرب لا تُقْحِمُ الواوَ إلا مع ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٣)، ومع "لَمّا"، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ (٤)، معناه: نادَيْناهُ، فالواو لا تُقْحَمُ مع غير هذين الوجهين. قال (٥): ويجوز أن يكون الجواب فاءً مضمرةً، كأنه قال: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ فَيا أيُّها الإنسان إنَّكَ كادِحٌ. ومعنى قوله: ﴿كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾؛ أي: عامِلٌ واصِلٌ به إلَى رَبِّكَ عَمَلًا، والكَدْحُ: عَمَلُ الإنْسانِ من الخير والشر (٦)، يقال: كَدَحَ فِي كذا: إذا جَدَّ فيه واجتهد، والكادِحُ: الكادُّ الكاسِبُ، ويقال (٧): فُلانٌ يَكْدَحُ على عِيالِهِ وَلِعِيالِهِ؛ أي: يَعْمَلُ وَيَكْتَسِبُ.

стр. 1803

وقال القُتَيْبِيُّ (١): معناه: ناصِبٌ في مَعِيشَتِكَ إلَى لِقاءِ رَبِّكَ، والكَدْحُ: السَّعْيُ والجُهْدُ فِي الأمْرِ حَتَّى يَكْدَحَ ذلك فيه أي: يُؤَثِّرَ، ومنه قول النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ سَألَ وَلَهُ ما يَكْفِيهِ جاءَتْ مَسْألتهُ يَوْمَ القِيامةِ خُدُوشًا أوْ خُمُوشًا أو كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ" (٢)؛ أي: أثَرُ الخَدْشِ، قال ابن مُقْبِلٍ: هَلِ العَيْشُ إلّا تارَتانِ؟، فَمِنْهُما... أمُوتُ وَأُخْرَى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ (٣) وقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾؛ أي: فَمُلَاقٍ عَمَلَكَ وَمُجازًى به خَيْرًا كانَ أو شَرًّا، وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ محذوف تقديره: فَأنْتَ مُلَاقِيهِ، والأصل ضم الياء، فحُذِفَت الضمةُ لثقلها. قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ يعني ديوان أعماله ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ وهو أن يُتَقَبَّلَ منه، ويُتَجاوَزَ عن سيئاته، و ﴿مَنْ﴾ محلها رفع بالابتداء، والفاء وما بعدها الخبر، وكذلك حُكْمُ ضِدِّها فِي الآية التِي بعدها. قوله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ يعني: ينقلب من بين يدي اللَّه تعالى إلَى أهله في الجنة من الحُورِ العِينِ والآدَمِيّاتِ مَسرُورًا فَرِحًا بِما أُوتِيَ من الخير والكرامة، وهو منصوب على الحال.

стр. 1804

فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فيه حاسَبَهُ اللَّهُ حِسابًا يَسِيرًا، وَأدْخَلَهُ الجَنّةَ بِرَحْمَتِهِ"، قالوا: ما هي يا رسول اللَّه؟ قال: "تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ" (١). وعن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيا هَوَّنَ اللَّهُ عليه حِسابَهُ يَوْمَ القِيامةِ" (٢). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الكُتُبُ يَوْمَ القِيامةِ تَحْتَ العَرْشِ، فإذا كان المَوْقِفُ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فَتُطَيِّرُها فِي الأيْمانِ والشَّمائِلِ" (٣). وعنه أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيْسَ أحَدٌ يُعْطَى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ إلّا ضَحِكَ ضِحْكةً يَسْمَعُها جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ". وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ"، قلتُ: يا رسول اللَّه: فإنَّ اللَّه يقول فِي كتابه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، قال: "ذَلِكَ العَرْضُ" (٤)، رواه

стр. 1805

البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأراد بالعرض المَرَّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ . قوله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ قال الكَلْبِي (١): لأن يَمِينَهُ مَغْلُولة إلَى عُنُقِهِ، وتكون يَدُهُ اليُسْرَى خَلْفَ ظَهْرهِ، وقال مقاتل (٢): تُخْلَعُ يَدُهُ اليُسْرَى، فتكون وراء ظهره ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ يُنادِي إذا قَرَأ كِتابَهُ: يا ويلَاهُ! يا ثُبُوراهُ! كقوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (٣)؛ أي: صاحُوا عند ذلك بالويل والهلاك. ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائيُّ بضم الياءِ وتشديدِ اللّام (٤)، واختاره أبو حاتم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (٥)، وقرأ الباقون بنتح الياء والتخفيف، واختاره أبو عبيد؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٦)، فمن قرأ بالضم نصب ﴿سَعِيرًا﴾ على خَبَرِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ (٧)، ومن قرأ بالفتح نصب على المفعول، والمعنى: يُقاسِي حَرَّها وَشِدَّتَها.

стр. 1806

﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ يعني: كان فِي الدنيا مَسْرُورًا باتِّباعِ هَواهُ وَرُكُوبِ شَهْوَتهِ ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾؛ أي: لن يرجع إلَى الآخرة ولن يُبْعَثَ، والحَوْرُ: الرُّجُوعُ إلَى الشيء، قال النبيُّ ﷺ : "أعُوذُ بِكَ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ" (١)، فالحَوْرُ: التَّأخُّرُ والنُّقْصانُ، والكَوْرُ: التَّقَدُّمُ والزيادة، قال ابن عباس (٢): كنتُ لا أدرى ما معنى "يَحُورَ" حتى سَمعْتُ أعْرابِيّةً تدعو بُنَيّةً لها تقول: حُورِي حُورِي؛ أي: ارْجِعِي، قال الشاعر: ٤٩٣ - وَما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وَضَوْئِهِ... يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هُوَ ساطِعُ (٣) ثم قال تعالى: ﴿بَلَى﴾؛ أي: لَيَحُورَنَّ وَلَيُبْعَثَنَّ ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ يعني: بصيرا به مِنْ يَوْمِ خَلْقِهِ إلَى أنْ بَعَثَهُ. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ "لا" زائدة، معناه: فَأُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وهو الحُمْرةُ التِي تَبْقَى بِالأُفُقِ بعد غروب الشمس، وَبِغَيْبُوبَتِهِ يَتَعَلَّقُ أوَّلُ وَقْتِ

стр. 1807

العِشاءِ الآخِرةِ (١)، وقيل (٢): هو البياض، والأول هو الاختيار، قال الشاعر: ٤٩٤ - قُمْ يا غُلَامُ أعِنِّي غَيْرَ مُحْتَشِمٍ... عَلَى الزَّمانِ بِكَأْسٍ حَشْوُها شَفَقُ (٣) وقال آخر: ٤٩٥ - وَقَدْ تَغَطَّتْ فِي كُمِّها خَجَلًا... كالشَّمْسِ غابَتْ فِي حُمْرةِ الشَّفَقِ (٤) وقال آخر: ٤٩٦ - أحْمَرُ اللَّوْنِ كَمُحْمَرِّ الشَّفَقْ (٥)

стр. 1808

قال الفَرّاءُ (١): وسمعتُ بعض العرب يقول: الثَّوْبُ أحْمَرُ كَأنَّهُ الشَّفَقُ. وعن ابن عُمَرَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشَّفَقُ الحُمْرةُ" (٢)، ويقال لِلْمَغْرةِ: الشَّفَقُ (٣) ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾؛ أي: جَمَعَ وَضَمَّ، وذلك أن الليل يَضُمُّ كُلَّ شيء إلَى مَأْواهُ، واسْتَوْسَقَ الشَّيْءُ: إذا اجْتَمَعَ وَكَمُلَ (٤)، ومنه قيل للطعام المجتمع: وَسْقٌ، وهو سِتُّونَ صاعًا، واسْتَوْسَقَتِ الإبِلُ: إذا اجْتَمَعَتْ وانْضَمَّتْ (٥)، قال الشاعر: ٤٩٧ - إنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقا مُسْتَوْسِقاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سائِقا (٦)

стр. 1809

ويقال (١): وَسَقَ الشَّيْءُ: إذا عَلَا، وذلك أن الليل يَعْلُو كُلَّ شَيْءٍ ويُجَلِّلُهُ، ولا يَمْتَنِعُ منه شَيْءٌ، وقيل: هو مأخوذٌ من الوُسُوقِ وهو الحُمْرةُ. وقيل (٢): معناه: وما ساقَ مِنْ ظُلْمَتِهِ إذا أقْبَلَ، والمعنى: ضَمَّ وَحَوَى وَلَفَّ وَجَمَعَ ما كان منتشرًا بالنهار في تَصَرُّفِهِ. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾؛ أي: اجتمع واستوى واستدار وَتَمَّ نُورُهُ، وهو أحسن ما يكون، ويقال: اتَّسَقَ الشَّىْءُ: إذا تَتابَعَ ضِياؤُهُ، وهو "افْتَعَلَ" من الوَسْقِ. وقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ هذا جواب القسم، و ﴿عَنْ﴾ بمعنى "بَعْدَ"، قرأ أهل مكة وأهل الكوفة إلا عاصمًا بفتح الباء (٣)، والمعنى: لَتَرْكَبَنَّ يا محمدُ سماءً بَعْدَ سَماءٍ، وَدَرَجةً بَعْدَ دَرَجةٍ، وَرُتْبةً بَعْدَ رُتْبةٍ، وقرأ الآخرون بضمه وهو الاختيار؛ لأن المعنى بالناس أشبه بالخطاب، والمعنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، ومَنْزِلًا بعد مَنْزِلٍ، وَأمْرًا بَعْدَ أمْرٍ فِي الآخرة. والطَّبَقُ في اللغة هو الحال (٤)، والعرب تقول لِمَنْ وقع في أمرٍ شديدٍ:

стр. 1810

وَقَعَ في بَناتِ طَبَقٍ (١)، قال الشاعر: ٤٩٨ - الصَّبْرُ أَجْمَلُ والدُّنْيا مُفَجِّعةٌ... مَنْ ذا الذِي لَمْ يَذُقْ مِنْ عَيْشِها رَنَقا إذا صَفا لَكَ مِنْ مَسْرُورِها طَبَقٌ... أهْدَى لَكَ الدَّهْرُ مِنْ مَكْرُوبِها طَبَقا (٢) وما بعده ظاهر التفسير إلَى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ يعني كفار مكة، أي: بِما يجمعون فِي قلوبهم من الكفر والتكذيب بالنبي ﷺ ، ويُوعُونَهُ كما يُوعَى المَتاعُ فِي الوِعاءِ، يقال: وَعَيْتُ في قَلْبِي كذا وكذا، وَفُلَانٌ واعٍ، و ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (٣)، وَأوْعَيْتُ المَتاعَ فَأنا مُوعٍ (٤)، ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ يا محمد ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾؛ أي: وَجِيعٍ. ثم اسْتَثْنَى منهم المؤمنينَ، فقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 1811

لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ ﴿غَيْرُ﴾ نعت ﴿أَجْرٌ﴾؛ أي: غير مقطوع ولا منقوص؛ لأن نعيم الآخرة لا ينقطع، و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصبٍ، استثناء من الهاء والميم، ويجوز أن يكون استثناءً منقطعًا ليس من الأول، كما رَوَى عِكْرِمةُ عن ابن عباس فِي قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فقال: هو الشيخ الكبير إذا كَبِرَ وَضَعُفَ، وكان يعمل شيئًا من الخَيْرِ وَقْتَ قُوَّتهِ، كُتِبَ له مِثْلُ أجْرِ ما كان يعمل، ثم قال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ لا يُمَنُّ به عليه (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1812

سورة البروج مكية وهي أربعمائة وثلاثون حرفًا، ومائة وتسع كلمات، واثنتان وعشرون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿الْبُرُوجِ﴾ أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ جُمُعةٍ وَكُلِّ عَرَفةٍ يَكُونُ فِي الدُّنْيا عَشْرَ حَسَناتٍ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿الْبُرُوجِ﴾ اسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثَلَاثُ سماواتٍ بِما فِيها، وَمَنْ قَرَأ سُورةَ الطّارِقِ اسْتَغْفَرَتْ لَهُ بَقِيّةُ السَّماواتِ بِما فِيها" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ يعني منازل النجوم، وهي اثنا عشر بُرْجًا ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢)﴾ يعني يوم القيامة، فيه ميعاد الأولين والآخِرِينَ،

стр. 1813

وَعَدَ اللَّهُ أوْلياءَهُ بالجنة، وَأوْعَدَ أعْداءَهُ بالنار ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يومُ عَرَفةَ، رَوَى ذلك أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، وقيل: الشاهد: محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١)، والمشهود: يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (٢)، وقيل: الشاهد: الحَقُّ، والمشهود الخَلْقُ، وفيه يقول الشاعر: ٤٩٩ - أيا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإلَهُ... أمْ كيْفَ يَجْحَدُهُ الجاحِدُ؟ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيةٌ... تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ الواحِدُ وللَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكةٍ... وَتَسْكِينةٍ أبَدًا شاهِدُ (٣) وهذه أقسام أقْسَمَ اللَّهُ بها، واختلفوا في جواب القسم، فقيل (٤): جوابه:

стр. 1814

﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، وفيه إضمار يعني: لَقَدْ قُتِلَ، وقيل (١): جوابه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (٢)، قال ابن الأنباري (٣): وهذا قبيح؛ لأنه قد طال ما بينهما، وقيل (٤): الجواب محذوف. فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامةِ، والمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعةِ، ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعةِ، فِيهِ ساعةُ لَا يُوافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيها بِخَيْرٍ إلّا اسْتَجابَ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُهُ مِنْ شَرٍّ إلّا أعاذَهُ مِنْهُ" (٥). وقوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾؛ أي: لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، والأُخْدُودُ: الشَّقُّ فِي الأرض بالطُّولِ كالنَّهَرِ، وجمعه أخادِيدُ (٦)، قال الشاعر:

стр. 1815

٥٠٠ - إنْ لَمْ تَكنْ تَرَكَتْ في الخَدِّ أدْمُعُهُ... خَدًّا فَفِي قَلْبِهِ لِلْحُزْنِ أُخْدُودُ (١) وقوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ قرأه العامة بفتح الواو وهو الحَطَبُ، وقرأ أبو رجاء العُطارِدِيُّ بضم الواو على المصدر (٢)، وكذلك قرأ العامةُ: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ بالكسر فيهما على البدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾، وهو بدل الاشتمال، وبدلُ معرفةٍ من معرفة، وهما الأخْدُودُ والنّارُ، وإنما كان بَدَلَ الاشتمال؛ لأن الأُخْدُودَ هو الشَّقُّ من الأرض والنارُ فيها (٣)، فيكون بَدَلَ الاشتمالِ، وقيل (٤): على نعت الأُخْدُودِ، وقرأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بالرفع فيهما (٥)، على معنى: أحْرَقَتْهُم النّارُ ذاتُ الوقود (٦)، وقصة أصحاب الأخدود مشتهرة في كتب التفسير.

стр. 1816

قوله تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦)﴾ يعني: أصحاب الأخدود قعود عند النار، وقيل: على الكَراسِيِّ يُعَذِّبُونَ المؤمنين، ومحل ﴿هُمْ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿قُعُودٌ﴾ خَبَرٌ ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾؛ أي: حُضُورٌ، وهو أيضًا ابتداء وخبر ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: من المؤمنين؛ أي: ما كَرِهُوا منهم ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ إلّا أنَّهُمْ آمَنُوا باللَّه ﴿الْعَزِيز﴾ في انتقامه ﴿الْحَمِيدِ (٨)﴾ في أفعاله ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿مُلْكُ﴾ خبر اللام الزائدة فِي قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾؛ أي: لَمْ يَخْفَ عليه ما صَنَعُوا، وهو خبر الابتداء. ثم أخْبَرَ بما أعَدَّ للكفار، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: أحْرَقُوهُمْ بالنار، يقال: فَتَنْتُ الشَّيْءَ: إذا أحْرَقْتَهُ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (١)؛ أي: يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ، وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يريد: مِنْ فِعْلِهِمْ ذلك وَشِرْكِهِم الذي كانوا عليه ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ بكفرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ بما أحْرَقُوا المؤمنين، قيل (٢): إنَّ النار ارتفعت من الُأخْدُودِ إلَى المَلِكِ وأصحابِهِ، فَأحْرَقَتْهُمْ. ثم ذكر ما أعَدَّ للمؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ ابتداءٌ وخَبَرٌ ﴿الْكَبِيرُ (١١)﴾ نعته. قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾؛ أي: أخْذُهُ بالعقاب والانتقام إذا أخَذَ

стр. 1817

الظَّلَمةَ والجَبابرةَ لَشَدِيدٌ، نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١)، ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾ يُبْدِئُ الخَلْقَ أوَّلًا في الدنيا، ويُعِيدُهُمْ أحْياءً بَعْدَ الموتِ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾؛ أي: الغفور لذنوب المؤمنين من أوليائه وأهل طاعته، الوَدُودُ المُتَحَبِّبُ إلَى عِبادِه ﵎ بإسباغ النِّعَمِ وَدَوامِ العافِيةِ (٢)، والمَوَدّةُ: كَمالُ المَحَبّةِ. وقوله: "وَدُودٌ" له معنيان (٣)، قيل: هو "فَعُولٌ" بمعنى "مَفْعُولٍ" كَحَلُوبٍ وَرَكُوبٍ؛ أي: مَوْدُودٌ، وقيل: هو "فَعُولٌ" بمعنى "فاعِلٍ"؛ أي: يَوَدُّ عِبادَهُ الصالحين، ومنه: شَكُورٌ لِعَبْدِهِ على عَمَلِهِ، والعَبْدُ شَكُورٌ لِنِعَمِ رَبِّهِ، ومنه: اللَّهُ تَوّابٌ على عبده، وَعَبْدُ اللَّهِ تَوّابٌ إلَى رَبّهِ مِنْ ذَنْبِهِ، قال ثعلبٌ (٤): وأصل الوُدِّ: لِينُ الجانِبِ. وقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ يعني الكريم الرفيع العالِي، والمَجْدُ: العُلُوُّ والشَّرَفُ، واختلف القُرّاءُ فيه، فقرأ يحيى وحمزةُ والكسائي وخلفٌ بِجَرِّ الدّالِ (٥) على نعت العرش، وَيَدُلُّ على هذا أن العرش وُصِفَ بِالكَرَمِ في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (٦)، فَجازَ أن يُوصَفَ بِالمَجَيْدِ لأن معناه

стр. 1818

الكمال (١)، والعَرْشُ -على ما ذُكِرَ- أحْسَنُ كُلِّ شَيْءٍ وَأكْمَلُهُ وَأجْمَعُهُ لِصِفاتِ الحُسْنِ، وقيل (٢): لا يجوز أن يكون نَعْتًا لِلْعَرْشِ؛ لأنه من صفات اللَّه ، وإنما هو نعت لِلرَّبِّ في قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وقرأ غيرهم بالرفع على صفة ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٣). وقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾؛ أي: إذا أراد شيئًا أن يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤)، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يريده، ولا يَمْتَنِعُ منه شيءٌ طَلَبَهُ، وهو رفع على إضمار "هُوَ"، أو على أنه خبر بعد خبر، أو على البدل مما قبله وهو قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (٥). فصل عن أبِي السَّفَرِ (٦) قال: دَخَلَ عَلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَوْمٌ

стр. 1819

يَعُودُونَهُ، فقالوا: يا خَلِيفةَ رَسُولِ اللَّهِ: ألَا نَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إلَيْكَ؟ قال: قَدْ نَظَرَ إلَيَّ، قالوا: فَأيُّ شيْءٍ قالَ لَكَ؟ قال: إنِّي فَعّالٌ لِما أُرِيدُ" (١). ثم ذكر خبر الجُمُوعِ الكافرة، فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)﴾ يريد: قَدْ أتاكَ، وهم الذين تَجَنَّدُوا على أنبياء اللَّه، ثم بيَّنَ مَنْ هُمْ؟ فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)﴾ وهما في موضع خفض بدل من الجنود، أو في موضع نصب على إضمار أعْنِي، وهما لا ينصرفان للتعريف والعجمة في ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والتعريفِ والتأنيثِ في "ثَمُودَ" إذْ هو اسمٌ للقبيلةِ (٢). ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك يا محمد ﴿فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ لَكَ وَلِلْقُرْآنِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَنْ كان قبلهم من الكفار ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ عالِمٌ بِهِمْ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أمورهم ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١)﴾ كَرِيمٌ شَرِيفٌ كَثِيرُ الخَيْرِ مُنَزَّلٌ غير مخلوق. قرأ ابن السَّمَيْفَعِ: "بَلْ هُوَ قُرْآنُ مَجِيدٍ" بإضافة "قُرْآنُ" إلَى "مَجِيدٍ" (٣)، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ عند اللَّه، وهو أُمُّ الكتاب، منه نُسِخَ القُرْآنُ والكُتُبُ،

стр. 1820

وهو الذي يُعْرَفُ باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، ومعنى حِفْظِ القُرْآنِ أنه يُؤْمَنُ مِنْ تَحْرِيفِهِ وتبديله وتغييره، فلا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ من ذلك. قرأ يَحْيَى بنُ يَعْمُرَ: "فِي لُوحٍ" بضم اللام (١)؛ أي: أنه يَلُوحُ، وهو ذُو نُور وَعُلُوٍّ وَشَرَفٍ (٢)، وقرأ الباقون بفتح اللام، وقرأ نافعٌ وابنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بضم الظاء (٣) على نعت القرآن، كأنه قيل: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ مَحْفُوظٌ فِي لَوْحٍ، وقرأ الباقون بالكسر على نعت اللوح، قال أبو عُبَيْدٍ (٤): الوجه الخفض؛ لأن الآثار الواردة في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ تُصَدِّقُ ذلك. فصل رُوِيَ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "إنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَكْتُوبًا: لا إله إلا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، دِينُهُ الإسْلَامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ باللَّه ، وَصَدَّقَ وَعْدَهُ، واتَّبَعَ رُسُلَهُ أدْخَلَهُ الجَنّةَ، قال: واللَّوْحُ لَوْح مِنْ دُر بَيْضاءَ، طُولُهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وَعُرْضُهُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وَحافَّتاهُ الدُّرُّ والياقُوتُ، وَدَفَّتاهُ ياقُوتة حَمْراءُ، وَقَلَمُهُ نُورٌ،

стр. 1821

وَكَلَامُهُ نُورٌ، مَعْقُودٌ بِالعَرْشِ، وَأصْلُهُ فِي حِجْرِ مَلَكٍ يُقالُ لَهُ: ماطَرْيُونُ، مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّياطِينِ، فذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، وللَّهِ فيه فِي كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثُمِائةٍ وَسِتُّونَ نَظْرةً، يُحْيِي ويُمِيتُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، وَيَفْعَلُ ما يَشاءُ، وَيَحْكُمُ ما يُرِيدُ" (١). وعن أنَسِ بن مالِكٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ للَّهِ -تعالَى- لَوْحًا مِنْ زُمُرُّدةٍ خَضْراءَ، جَعَلَهُ تَحْتَ العَرْشِ، كَتَبَ فِيهِ: أنا اللَّهُ، لَا إلَهَ إلّا أنا، أرْحَمُ وَأتَرَحَّمُ، خَلَقْتُ بِضْعةَ عَشَرَ وَثَلاثَمِائةِ خُلُقٍ، مَنْ جاءَنِي بِخُلُقٍ مِنْها مَعَ شَهادةِ أنْ لَا إلَهَ إلّا إللّهُ دَخَلَ الجَنّةَ" (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1822

سورة الطارق مكية وهي مائتان وتسعة وثلاثون حرفًا، وإحدى وستون كلمةً، وسبع عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الطّارِقِ أعْطاهُ اللَّهُ -تعالَى- مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّماءِ عَشْرَ حَسَناتٍ" (١). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ عطف على السماء، أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالكواكب؛ لأنها تَطْرُقُ بِاللَّيْلِ، وَتَخْتَفِى بالنهار، وهذا الاسم يَقَعُ على كل ما طَرَقَ لَيْلًا، ومنه حديث جابر ﵁ قال: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أنْ

стр. 1823

يَطْرُقَ الرَّجُلُ أهْلَهُ لَيْلًا حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغَيَّبةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثةُ" (١)، يُقال: طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: إذا زارَ لَيْلًا، قال ابنُ الرُّومِيِّ: ٥٠١ - يا راقِدَ اللَّيْلِ مَسْرُورًا بأوَّلِهِ... إنَّ الحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أسْحارا لا تَفْرَحَنَّ بِلَيْلٍ طابَ أَوَّلُهُ... فَرُبَّ آخِرِ لَيْلٍ أجَّجَ النّارا (٢) وقالت هِنْدٌ يَوْمَ أُحُدٍ: ٥٠٢ - نَحْنُ بَناتُ طارِقْ نَمْشِي عَلَى النَّمارِقْ إنْ تُقْبِلُوا نُعانِقْ أوْ تُدْبِرُوا نُفارِقْ فِراقَ عَبْدٍ آبِقْ (٣)

стр. 1824

تريد: إن أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وَعُلُوِّهِ. قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾ يا محمدُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فقال: ﴿النَّجْمُ﴾ خبر ابتداء محذوف، تقديره: هُوَ النَّجْمُ ﴿الثَّاقِبُ (٣)﴾ يعني المنير المضيء، وهو اسم الجنس، وأُرِيدَ به العمومُ، وقيل (١): أراد به الثُّرَيّا، والعرب تسميه النَّجْمَ، وقيل: إنه زُحَلُ، ومسكنه في السماء السابعة، يقال: ثَقَبَ: إذا ارْتَفَعَ، وَسُمِّيَ زُحَلُ ثاقِبًا لارتفاعه، هذا قول الفَرّاءِ (٢)، وقال غيره (٣): لِطُلُوعِهِ من المشرق، كأنه يَثْقُبُ مَوْضِعَهُ. وجوابُ القَسَمِ قولُهُ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ رفع بالابتداء ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ أقْسَمَ اللَّهُ بِما ذُكِرَ أنه ما مِنْ نَفْسٍ إلّا عليها حافظٌ من الملائكة، يحفظ عليها أعمالها وقولها وفعلها، ويُحْصِي عليها ما تكسب من خير أو شر. قرأ الحسنُ وأبو جعفرٍ وعاصمٌ وحَمْزةُ وابنُ عامرٍ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد،

стр. 1825

يعنون: ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عليها حافِظٌ، وهي لغة هُذَيْلٍ (١)، يقولون: نَشَدْتُكَ اللَّهَ لَمّا فَعَلْتَ (٢)، بمَعْنَى: إلّا فَعَلْتَ، وَسَألْتُكَ اللَّه لَمّا قُمْتَ، يعنون: إلّا قُمْتَ، وقرأ الآخرون بالتخفيف (٣)، جعلوا "ما" صلةً، مَجازُهُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ (٤). فصل عن أبِي أُمامةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وُكِّلَ بالمؤمن سِتُّونَ وَمِائةُ مَلَكٍ، يَذُبُّونَ عَنْهُ ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، مِنْ ذَلِكَ: لِلْبَصَرِ سَبْعةُ أمْلَاكٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ، كَما يُذَبُّ عَنْ قَصْعةِ العَسَلِ الذُّبابُ، لَوْ وُكِّلَ العَبْدُ إلَى نَفْسِهِ طَرْفةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ" (٥).
следующие страницы →