سورة الطارق
مكية
وهي مائتان وتسعة وثلاثون حرفًا، وإحدى وستون كلمةً، وسبع عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الطّارِقِ أعْطاهُ اللَّهُ -تعالَى- مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّماءِ عَشْرَ حَسَناتٍ" (١).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ عطف على السماء، أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالكواكب؛ لأنها تَطْرُقُ بِاللَّيْلِ، وَتَخْتَفِى بالنهار، وهذا الاسم يَقَعُ على كل ما طَرَقَ لَيْلًا، ومنه حديث جابر ﵁ قال: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أنْ
تريد: إن أبانا نَجْمٌ في شَرَفِهِ وَعُلُوِّهِ.
قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾ يا محمدُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فقال: ﴿النَّجْمُ﴾ خبر ابتداء محذوف، تقديره: هُوَ النَّجْمُ ﴿الثَّاقِبُ (٣)﴾ يعني المنير المضيء، وهو اسم الجنس، وأُرِيدَ به العمومُ، وقيل (١): أراد به الثُّرَيّا، والعرب تسميه النَّجْمَ، وقيل: إنه زُحَلُ، ومسكنه في السماء السابعة، يقال: ثَقَبَ: إذا ارْتَفَعَ، وَسُمِّيَ زُحَلُ ثاقِبًا لارتفاعه، هذا قول الفَرّاءِ (٢)، وقال غيره (٣): لِطُلُوعِهِ من المشرق، كأنه يَثْقُبُ مَوْضِعَهُ.
وجوابُ القَسَمِ قولُهُ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ رفع بالابتداء ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ أقْسَمَ اللَّهُ بِما ذُكِرَ أنه ما مِنْ نَفْسٍ إلّا عليها حافظٌ من الملائكة، يحفظ عليها أعمالها وقولها وفعلها، ويُحْصِي عليها ما تكسب من خير أو شر.
قرأ الحسنُ وأبو جعفرٍ وعاصمٌ وحَمْزةُ وابنُ عامرٍ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد،
стр. 1825
يعنون: ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عليها حافِظٌ، وهي لغة هُذَيْلٍ (١)، يقولون: نَشَدْتُكَ اللَّهَ لَمّا فَعَلْتَ (٢)، بمَعْنَى: إلّا فَعَلْتَ، وَسَألْتُكَ اللَّه لَمّا قُمْتَ، يعنون: إلّا قُمْتَ، وقرأ الآخرون بالتخفيف (٣)، جعلوا "ما" صلةً، مَجازُهُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ (٤).
فصل
عن أبِي أُمامةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وُكِّلَ بالمؤمن سِتُّونَ وَمِائةُ مَلَكٍ، يَذُبُّونَ عَنْهُ ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، مِنْ ذَلِكَ: لِلْبَصَرِ سَبْعةُ أمْلَاكٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ، كَما يُذَبُّ عَنْ قَصْعةِ العَسَلِ الذُّبابُ، لَوْ وُكِّلَ العَبْدُ إلَى نَفْسِهِ طَرْفةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ" (٥).
стр. 1826
ثم نَبَّهَ على البعث بقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ هذا مِنْ نَظَر القَلْبِ، والمعنى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ تَفَكُّرٍ واسْتِدْلَالٍ، حَتَّى يَعْرِفَ مِنْ أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ رَبُّهُ، وأن الذي ابتدأه من نطفة قادرٌ على إعادته، والأصل: مِمّا خُلِقَ؟ حُذفت الألف لأنه استفهام.
وَتَمَّ الكلام، ثُمَّ بَيَّنَ مِنْ أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فقال: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾؛ أي: مَدْفُوقٍ مَصْبُوبٍ في الرَّحِمِ وهو المَنِيُّ، "فاعِلٌ" بمعنى "مَفْعُولٍ"، قال الفَرّاءُ (١): وأهل الحجاز يَجْعَلُونَ الفاعلَ بِمَعْنَى المفعول في كثيرٍ من كلامهم، كقولهم: سِرٌّ كاتِمٌ، وَلَيْلٌ نائِمٌ، وَنَهارٌ صائِمٌ، وَهَمٌّ ناصِبٌ، وَعِيشةٌ راضِيةٌ.
والدَّفْقُ: صَبُّ الماءِ، يُقال: دَفَقْتُ الماءَ؛ أي: صَبَبْتُهُ، ثم وَصَفَ ذلك الماءَ، فقال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ يعني صُلْبَ الرَّجُلِ وَتَرائِبَ المَرْأْةِ (٢)، والوَلَدُ لا يكون إلا من الماءَيْنِ، والتَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبةٍ، وهي مكان
стр. 1827
الحُلِيِّ على الصَّدْرِ، أراد موضع القلادة من الصَّدْرِ (١)، والمشهور من كلام العرب أنها عِظامُ النَّحْرِ والصَّدْرِ، واحدها تَرِيبةٌ، قال الشاعر:
٥٠٣ - وَبَدَتْ كَأنَّ عَلَى تَرائِبِ نَحْرِها... جَمْرَ الغَضَى فِي ساعةٍ تَتَوَقَّدُ (٢)
وقال امرؤُ القيسِ:
٥٠٤ - مُهَفْهَفةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضةٍ... تَرائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَلِ (٣)
وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ الهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ عائدة على الإنسان، يريد: إنَّ اللَّه تعالى على بَعْثِ الإنسان وإعادته بعد الموت لَقادِرٌ (٤)،
стр. 1828
وقيل (١): عائدة على رَدِّ الماء فِي الصُّلْبِ أو فِي الإحْلِيلِ (٢)، وقيل (٣): هو قادر على رَجْعِهِ بَعْدَ الكِبَرِ إلَى الشَّبابِ، وَبَعْدَ الشَّبابِ إلَى الصِّبا، وَبَعْدَ الصِّبا إلَى النُّطْفةِ، ومعنى الرَّجْعِ: رَدُّ الشَّيْءِ إلَى أوَّلِ حالِهِ.
والقول الأول هو الاختيار؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾؛ أي: تُظْهَرُ وَتُخْتَبَرُ يومَ القيامة، والسَّرائِرُ جمع سَرِيرةٍ، وهي فرائض الأعمال كالصلاة والصوم والزكاة والوضوء وَغُسْلِ الجَنابةِ، هي سَرائِرُ بَيْنَ اللَّه تعالى وبين العَبْدِ؛ لأن الأعمال كُلَّها سرائرُ خَفِيّةٌ، فلو شاء العبد أن يقول: صلَّيْتُ -وَلَمْ يُصَلِّ-، أو صُمْتُ -وَلَمْ يَصُمْ-، أو اغْتَسَلْتُ -وَلَمْ يَغْتَسِلْ- لَفَعَلَ.
و ﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف، والعامل فيه ﴿لَقَادِرٌ﴾ على قول من قال: الهاء في ﴿رَجْعِهِ﴾ عائدة على الإنسان، وعلى قول مَنْ قال: هي عائدة على رَدِّ الماء في الصُّلْبِ أو الإحْلِيلِ نَصَبَ يَوْمًا بفعل مضمر؛ أي: اذْكُرْ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ، ولا يعمل فيه ﴿لَقَادِرٌ﴾ (٤).
стр. 1829
فصل
عن أبِي الدَّرْداءِ ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ضَمِنَ اللَّهُ لِخَلْقِهِ أرْبَعَ خِصالٍ: الصلاة والزكاة وصوم رمضان والغُسْلَ من الجَنابةِ، وهي السرائر التي قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (١).
وعن عبد اللَّه بن عَمْرٍو ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثَلَاثٌ مَنْ حافَظَ عَلَيْهِنَّ فَهُوَ وَلِيُّ اللَّهِ حَقًّا، وَمَنِ اخْتانَهُنَّ فَهُوَ عَدُوُّ اللَّهِ حَقًّا: الصَّلاةُ والصَّوْمُ والجَنابةُ" (٢).
قوله: ﴿فَمَا لَهُ﴾ يعني أبا جهل بن هشام ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ فيمتنع بها من العذاب ﴿وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ ينصره من دون اللَّه.
ثم أقسم اللَّه -سبحانه- بالسماء، فقال -سبحانه-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾ يعني المطر؛ لأنه يجيء ويرجع ويتكرر ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ قال أبو عبيدة (٣) والفَرّاءُ (٤): تتَصَدَّعُ بالنبات؛ أي: تَتَشَفَّقُ عن النبات والأشجار، والصَّدْعُ: الشَّقُّ
стр. 1830
﴿إِنَّهُ﴾ يعني القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾ يفصل بين الحق والباطل، وهذا جواب القسم، ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ بالباطل واللعب، وقيل: بالكذب.
وانقطع الكلام، ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾ بالنبي ﷺ وبالمؤمنين؛ أي: يَحْتالُونَ عليهم ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ يعني: يَكِيدُهُم اللَّهُ تعالى في الدنيا والآخرة، فَيُنْزِلُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ وَعَذابَهُ، ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ وَعِيدٌ من اللَّه وتهديد ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ يعني: قَرِيبًا، وقيل: قَلِيلًا أي: بعد قليل يَنْزِلُ بهم العذابُ، فَقُتِلُوا يوم بدر، ثم نُسِخَ الإمهالُ بآية السيف.
ومعنى "أمْهِلْ" و"مَهِّلْ": أنْظِرْ وَلَا تَعْجَلْ، ونصب ﴿رُوَيْدًا﴾ على المصدر، والرويدُ في هذا الموضع هو الإمْهالُ، وقيل: نصبه على النعت لمصدر محذوف أي: إمْهالًا رُوَيْدًا، قال ابن خالَوَيْهِ (١): "والأول أصَحُّ".
وقال صاحب إنسان العين (٢): هو حال؛ أي: رِفْقًا بِهِمْ، ويجيء أيضًا صفة نحو: سَيْرًا رُويدًا، ومصدرًا نحو: رُويدَكَ، واسمَ فِعْلٍ نحو: رُويدَ زيدا كأنها تصغير "رَوْدٍ" أو "رُودٍ"، قال الشاعر:
стр. 1831
٥٠٥ - كَأنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي عَلَى رُودِ (١)
أو تصغير "أرْوَدَ"، فَحُذِفَت الألِفُ الزائدة، كَسُوَيْدٍ وَزُهَيْرٍ من أسْوَدَ وَأزْهَرَ (٢)، وقد أرْوَدَ به، أي: رَفَقَ به.
وقيل (٣): وُضِعَ موضع الأمر، أي: أرْوِدْ بمعنى: ارْفُقْ على أصله من: رادَتِ الرِّيحُ تَرُودُ: إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكةً خَفِيفةً.
و ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ تخصيص في معرض الاستثناء؛ لأن "مَهِّلْ" أمْرٌ على وجه المبالغة في الإمهال، و ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ أيضًا فِعْلُ أمْرٍ، مجزومٌ للأمْرِ على قول
стр. 1832
الكوفيين، وموقوفٌ على قول البصريين (١)، والهاء والميم كناية عن الكافرين، في موضع نصب، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
стр. 1833
سورة الأعلى
مكية وقيل: مدنية
وهي مائتان وأحَدٌ وسبعون حرفًا، واثنتان وسبعون كلمةً، وتسع عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الأعْلَى أعْطاهُ اللَّهُ -تعالَى- مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تعالَى عَلَى إبْراهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ ﵈" (١).
وعن عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- قال: "كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢)، وَأوَّلُ مَنْ قالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى مِيكائِيلُ ﵇، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "يا جِبْرِيلُ: أخْبِرْنِي عَنْ ثَوابِ مَنْ قالَها فِي صَلَاتِهِ أوْ فِي غيْرِ صَلَاتِهِ، قال: يا مُحَمَّدُ: ما مِنْ مُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنةٍ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ أوْ فِي غَيْرِ سُجُودِهِ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى، إلّا كانَتْ لَهُ فِي مِيزانِهِ أثْقَلَ مِنَ العَرْشِ
стр. 1834
الكُرْسِيِّ وَجِبالِ الدُّنْيا، وَيَقُولُ اللَّهُ سبحانه: صَدَقَ عَبْدِي، أنا الأعْلَى فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ فَوْقِي شَيْءٌ، اشْهَدُوا يا مَلَائِكَتِي أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأدْخَلْتُهُ جَنَّتِي، فَإذا ماتَ العَبْدُ زارَهُ مِيكائِيلُ كُلَّ يَوْمٍ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامةِ حَمَلَهُ عَلَى جَناحِهِ، فَيُوقِفُهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ شَفِّعْنِي فِيهِ، فَيَقُولُ: قَدْ شَفعْتُكَ فِيهِ، اذْهَبْ بِهِ إلَى الجَنّةِ، وَكُنْ رَفِيقَهُ أبَدَ الآبِدِينَ" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الأَعْلَى زِيدَ فِي حَسَناتِهِ مِنْ كُلِّ حَسَنةٍ ألْفُ قِيراطٍ، ومُحِيَ عنه مِنَ السَّيِّئاتِ مِثْلُ ذَلِكَ" (٢).
وعن عُقْبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ قال: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٣)، قال رسولُ اللَّه ﷺ : "اجْعَلُوها فِي رُكُوعِكُمْ"، فَلَمّا نزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قالَ ﷺ : "اجْعَلُوها فِي سُجُودِكُمْ" (٤).
وَرُوِيَ عن عبد الملك بن مَيْسَرةَ (٥) بإسناده متصلًا برسول اللَّه ﷺ أنَّهُ قال: "مَنْ [قام] (٦) مِنْ مَرْقَدِهِ فَقَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ إلَى آخِرِها مَرّةً واحِدةً،
стр. 1835
كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سَبْعَمِائةِ ألْفِ حَجّةٍ"، فاسْتَكْثَرَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ الرّاوِيَ ذَلِكَ، فَقالَ له: سَبْعِينَ ألْفًا أوْ سَبْعَمِائةِ ألْفٍ؟ فقال الرّاوِي: سَبْعَمِائةِ ألْفِ حَجّةٍ مَبْرُورةٍ مَقْبُولةٍ، سَمِعْتُها مِنْ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، رَوَوْها جَمِيعُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ يعني: قُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى، وَإلَى هذا التأويل ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وقال قوم: معناه: نَزِّهْ وَعَظِّمْ رَبَّكَ الأعلى، والتسبيح هو التَّنْزِيهُ للَّهِ تعالى من الشريك والأولاد والأشباه والأنداد، والاسم صِلةٌ، والمعنى نَزِّهْ رَبَّكَ أنْ تُسَمِّيَ بِاسْمِهِ غَيْرَهُ، وقيل: ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِهِ، قال الشاعر:
٥٠٦ - قَبَحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما... سَبَحَ الحَجِيجُ وَكَبَّرُوا تَكْبِيرا (١)
وموضع ﴿الْأَعْلَى﴾ خفض على نعت ﴿رَبِّكَ﴾، قال صاحب النَّظْمِ (٢): فقد احتج بهذا الفصلِ مَنْ يقول: إن الاسم والمُسَمَّى واحدٌ؛ لأن أحدًا لا
стр. 1836
يقول: سُبْحانَ اسْمِ اللَّهِ ولا: سُبْحانَ اسْمِ رَبِّنا، فمعنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: سَبِّحْ رَبَّكَ الأعْلَى، والرَّبُّ أيضًا اسْمٌ، فلو كان غيرَ المُسَمَّى لَمْ يَجُزْ أن يَقَعَ التسبيح عليه، هكذا حكاه الواحِدِيُّ عنه (١). وقرأ أُبَيٌّ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى" (٢)، والأعلى هو القادر على كل شيء العالِي عليه.
فصل
عن أبِي هريرة ﵁ قال: قُلْنا: يا رسول اللَّه: كَيْفَ نَقُولُ في سُجُودِنا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَقُولَ في سُجُودِنا: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى" (٣).
ويُسَنُّ للقارئ إذا قرأ هذه الآية أن يقول: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى، وَإنْ كانَ في غَيْرِ الصَّلاةِ، رُوِيَ ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃، قال ابن عباس ﵁: "مَنْ قَرَأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى" (٤).
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ يعني: خَلَقَ الإنسانَ في بَطْنِ أُمِّهِ من نطفة، ثُمَّ مِنْ عَلَقةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغةٍ، فَسَوَّى خَلْقَهُ، وَأشْهَدَهُ على نفسه بأنه رَبُّهُ، ﴿وَالَّذِي
стр. 1837
قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾؛ أي: قَدَّرَ الأشياءَ، فَهَدَى لِدِينهِ مَنْ شاءَ مِنْ خَلْقِهِ، فحذف "وَأضَلَّ"؛ لأن ذِكْرَ الْهُدَى دَلَّ على ذلك (١).
وقيل: قَدَّرَ فَهَدَى الذَّكَرَ لِيَأْتِيَ الأُنْثَى، فلولا أنه جَبَلَ كُلَّ ذَكَرٍ على معرفة كيف يَأْتِي أُنْثاهُ لَما اهْتَدَى لِذَلِكَ؛ لأن إتْيانَ ذُكْرانِ الحَيَوانِ مُخْتَلِفٌ لاختلاف الصُّوَرِ والخَلْقِ والهَيْئاتِ، هكذا قاله الواحدي عن صاحب النَّظْمِ (٢).
وقال مجاهد (٣): هَدَى الإنسانَ لِسَبِيلِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادةِ والشَّقاوةِ، وَهَدَى الأنْعامَ لِمَراتِعِها، وقال السُّدِّيُّ (٤): قَدَّرَ مُدّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ، ثم هَدَى لِلْخُرُوجِ من الرَّحِمِ، قرأ عَلِيٌّ وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ والكِسائيُّ: "قَدَرَ" بتخفيف الدال (٥)، وقرأ الباقون بالتشديد، وهما بمعنًى واحدٍ.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ يعني الحَشِيشَ، فَأنْبَتَ العُشْبَ مِنْ بَيْنَ أخْضَرَ وَأحْمَرَ وَأبْيَضَ وَأصْفَرَ وما ترعاه النَّعَمُ ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بعد الخُضْرةِ ﴿غُثَاءً﴾ هَشِيمًا بالِيًا كالغُثاءِ الذي تراه فوق السَّيْلِ ﴿أَحْوَى (٥)﴾ أسْوَدَ بعد
стр. 1838
الخُضْرةِ، والأحْوَى: شَدِيدُ الخُضْرةِ، يَضْرِبُ إلَى السَّوادِ لِرِيِّهِ، والحُوّةُ أيضًا: حُمْرةٌ تكون فِي شَفةِ بعض النساء، والعرب تَسْتَحِبُّ ذلك (١)، قال ذُو الرُّمّةِ:
٥٠٧ - لَمْياءُ فِي شَفَتَيْها حُوّةٌ لَعَسٌ... وَفِي اللِّثاتِ وَفِي أنْيابِها شَنَبُ
صَفْراءُ فِي نَعَجٍ بَيضاءُ فِي دَعَجٍ... كَأَنَّها فِضّة قَدْ مَسَّها ذَهَبُ (٢)
و ﴿أَحْوَى﴾ نعت ﴿غُثَاءً﴾، وقيل (٣): هو حال من المَرْعَى؛ أي: أخْرَج المَرْعَى فِي حالِ خُضْرَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً، يعنِي: يابسًا، والغُثاءُ: ما يَبِسَ مِنَ النَّبْتِ، فَحَمَلَتْهُ الأوْدِيةُ والمِياهُ، وَفي الآية تقديَمٌ وتأخير، والتقدير: والذي أخْرَجَ المَرْعَى أحْوَى، فَجَعَلَهُ غُثاءً (٤)، وقيل: لا تقديم في الآية ولا تأخير،
стр. 1839
ومعناها: والذي أخْرَجَ المَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثاءً؛ أي: يابسًا، أحْوَى؛ أي: أسْوَدَ مِنْ قِدَمِهِ، هكذا ذكره العَزِيزِيُّ (١).
قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾؛ أي: سَنَجْعَلُكَ يا محمد قارِئًا بأن نُلْهِمَكَ القُرْآنَ، فلا تَنْسَى ما تَقْرَؤُهُ أبَدًا، و"لا" بمعنى "لَيْسَ"، وهو خَبَرٌ، وليس بِنَهْيٍ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أنْ يُنْهَى الإنْسانُ عن النِّسْيانِ؛ لأنه ليس باختياره (٢)، وقال صاحب "إنسان العين" (٣): هو نَهْيٌ، وإثْباتُ الألِفِ كقول الراجز:
٥٠٨ - إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ
وَلَا تَرَضّاها وَلَا تَمَلَّقْ (٤)
والمعنى: لا تَنْسَ العَمَلَ بِهِ.
стр. 1840
ثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن تَنْساهُ، وهو ما نُسِخَ من القُرْآنِ، و ﴿مَا﴾ في موضع نصب على الاستثناء، أي: لَسْتَ تَنْسَى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ، فَيَرْفَعُهُ مِنْ قَلْبِكَ، وقيل: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَرْفَعَ تِلَاوَتَهُ وَيَنْسَخَهُ بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وقيل: معناه: إلا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَكَ بنَسْخِهِ مِنْ رَفْعِ تِلَاوَتهِ وَحُكْمِهِ، كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. . . الآية. (١)، والإنْساءُ: نَوْعٌ من النَّسْخِ (٢).
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ من القول والعمل ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ منهما، والمعنى: إنه يَعْلَمُ السِّرَّ والعلانية ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾؛ أي: نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الجَنّةِ ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾؛ أي: عِظْ يا مُحَمَّدُ أهْلَ مَكّةَ بالقرآن إنْ نَفَعَت الموعظةُ والتذكيرُ، و ﴿إِنْ﴾ في معنى "قَدْ"؛ أي: فَذَكِّرْ قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى، قال الكِسائِيُّ (٣): سَمِعْتُ العرب تقول: إنْ قامَ زَيْدٌ، وَظَنَنْتُهُ شَرْطًا، قال: فسألتُهُمْ فقالوا: نريد: قَدْ قام زيدٌ، وليس نريد: ما قام زيد.
стр. 1841
وقال الواحِدِيُّ (١): المعنى: إنْ نَفَعَتْ أوْ لَمْ تَنْفَعْ؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ مُبَلِّغًا لِلإعْذارِ والإنْذارِ، فعليه التذكير في كل حالٍ، نَفَعَ أوْ لَمْ يَنْفَعْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الحالةَ الثّانِيةَ كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. الآية. (٢).
وما بعده ظاهرُ الإعرابِ إلَى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾؛ أي: قَدْ سَعِدَ وَفازَ مَنْ زَكَّى عَمَلَهُ بتَقْوَى اللَّهِ تعالَى، وَتَطَهَّرَ من الذُّنُوب بالعمل الصالح، وَأدَّى زَكاةَ مالِهِ.
والزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ الخَيْرِ، ومنه أُخِذَتِ الزَّكاةُ لِنُمُوِّها وَزِيادَتِها، والزكاة في اللغة هي النَّماءُ والزِّيادةُ، وفي الشَّرْعِ: عبارة عن إخراج جُزْءٍ من المال وَتَطْهِيرٍ لِلْباقِي، ويقال: نَمَى المالُ يَنْمِي، وَيَنْمُو لغةٌ ضعيفةٌ (٣)، قال الشاعر:
٥٠٩ - يا حُبَّ لَيْلَى لَا تَغَيَّرْ وازْدَدِ
وانْمِ كَما يَنْمِي الخِضابُ بِالْيَدِ (٤)
стр. 1842
قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّ ى (١٥)﴾؛ أي: وَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وَصَلَّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ، قيل (١): نزلت هذه الآية فِي عثمان بن عفان ﵁.
فصل
عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وَخَلَعَ الأنْدادَ، وَشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، قال: "هِيَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والمُحافَظةُ عَلَيْها حِينَ يُنادَى بِها، والاهْتِمامُ بِمَواقِيتِها" (٢).
قوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ يعني المشركين ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ يعني: من الدنيا لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ تعالَى، لأن الدنيا تَفْنَى وتنقطع، والآخرة لا تَفْنَى ولا تنقطع، قرأ العامة: ﴿تُؤْثِرُونَ﴾، وتصديقهم قراءةُ أبَيٍّ: "بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ"، وقرأ أبو عمرو بالياء (٣) يعني الأشقياء، وَأدْغَمَ اللامَ فِي التاء حَمْزةُ والكِسائِيُّ وَهِشامٌ (٤).
стр. 1843
قال عَرْفَجةُ (١): كُنّا عند ابن مسعودٍ، فَقَرَأ هذه الآيةَ، فقال لنا: "أتَدْرُونَ لِمَ آثَرُوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرةِ؟ قُلْنا: لا، قال: إنَّ الدُّنْيا أُحْضَرَتْ، وَعُجِّلَ لَنا طَعامُها وَشَرابُها وَنِساؤُها وَلَذَّتُها وَبَهْجَتُها، وَإنَّ الآخِرةَ غُيِّبَتْ عَنّا وَزُوِيتْ عَنّا، فَأخَذْنا العاجِلَ، وَتَرَكْنا الآجِلَ" (٢).
فصل
عن أبِي موسى الأشْعَرِيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أحَبَّ دُنْياهُ أضَرَّ بِآخِرَتهِ، وَمَنْ أحَبَّ آخِرَتَهُ أضَرَّ بِدُنْياهُ، فآثِرُوا ما يَبْقَى عَلَى ما يَفْنَى" (٣).
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني الذي ذُكِرَ في هذه السورة ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ يعني الكُتُبَ الأُولَى، واحدتها صحيفة، ثم بَيَّنَ ما هي فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ يعني كُتبًا أُنْزِلَتْ على إبراهيم وَتَوْراةِ مُوسَى، وقال عكرمة (٤): هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى، وقال السُّدِّيُّ (٥): نزلت
стр. 1844
هذه السورةُ كُلُّها على إبراهيم وعلى موسى، ويقال (١): إن في صُحُفِ إبراهيمَ: ينبغي للعاقل أن يكون حافظًا لِلِسانِهِ، عارفًا بِزَمانِهِ، مُقْبلًا على شَأْنِهِ، و ﴿صُحُفِ﴾ خفض على البدل من قوله: ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
فصل
عن أبِي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كَانَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ ﵇ أمْثالًا كُلُّها وَعِبَرًا، أيُّها المَلِكُ المُسَلَّطُ المُبْتَلَى المَغْرُورُ، إنِّي لَمْ أبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيا بَعْضَها إلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوةَ المَظْلُومِ، فَإنِّي لَا أرُدُّها وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ" (٢).
وعنه أيضًا قال: قلتُ: يا رسول اللَّه: كَم الأنْبِياءُ؟ قال: "مِائةُ ألْفٍ وَأرْبَعةٌ وَعِشْرُونَ ألْفًا"، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه: كَم المرسلون منهم؟ قال: "ثَلَاثُمِائةٍ وَثَلَاثةَ عَشَرَ، وَبَقِيَّتُهُمْ أنْبِياءُ"، قلتُ: يا رسول اللَّه: أكانَ آدَمُ نَبِيًّا؟ قال: "نَعَمْ! كَلَّمَهُ اللَّهُ وَخَلَقَهُ بيَدِهِ"، ثم قال: "يا أبا ذر: أرْبَعةٌ من الأنبياء عَرَبٌ: هُودٌ وَصالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ"، قلتُ: يا رسول اللَّه: كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ؟ قال: "مِائةً وَأرْبَعةَ كُتُبٍ، منها على آدَمَ عَشْرَ صُحُفٍ، وَعَلَى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفةً، وعلى أخْنُوخَ -وهو إدْرِيس- ثلاثين صَحِيفةً، وهو أوَّلُ مَنْ خَطَّ بالقلم، وعلى إبراهيم عَشْرَ صَحائِفَ، والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ"، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه
سورة الغاشية
مكية
وهي ثلاثمائة وَأحَدٌ وسبعون حرفًا، واثنتان وتسعون كلمةً، وَسِتٌّ وعشرون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الغاشِيةِ حاسَبَهُ اللَّهُ حِسابًا يَسِيرًا" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الغاشِيةِ خَلَقَ اللَّهُ مِنْها مَلَكًا يَفْرِشُ مَنازِلَهُ فِي الجَنّةِ إلَى يَوْمِ القِيامةِ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾؛ أي: قَدْ أتاكَ، ﴿هَلْ﴾ بِمَعْنَى "قَدْ"، والغاشية: القيامة، سُمِّيَتْ غاشِيةً لأنها تَغْشَى النّاسَ بِأهْوالِها
стр. 1847
وَشَدائِدِها (١)، وقيل (٢): سُمِّيَتْ غاشِيةً لأنها تَرْكَبُ كُل شَيْءٍ، وَكُلُّ ما عَلَا شَيْئًا وَغَطّاهُ فَقَدْ غَشِيَهُ، وقيل (٣): الغاشية: النار لقوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (٤).
ومعنى حَدِيثٍ وخَبَرٍ واحدٌ، وكذلك: حَدَّثَنا وَأخْبَرَنا واحدٌ، يَدُلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (٥)؛ لأن معنى "يُحَدِّثُ" و"يُخْبِرُ" واحدٌ (٦).
قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿خَاشِعَةٌ﴾ يعني: ذليلة خاضعة، و ﴿خَاشِعَةٌ﴾ خبر لـ ﴿وُجُوهٌ﴾، وقوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ معنى النَّصَبِ الدُّؤوبُ (٧) في العمل، والمعنى: عامِلةٌ في الدنيا بمعاصي اللَّه، ناصِبةٌ في النار في الآخرة (٨)، وأراد عَبَدةَ الأوثان وَكُفّارَ أهْلِ الكتاب مِثْلَ الرُّهْبانِ وغيرهم من أهل الطغيان.
стр. 1848
ورفع ﴿عَامِلَةٌ﴾ على إضمار: وهي عاملة، فعلى هذا التأويل تقف على ﴿خَاشِعَةٌ﴾، ويجوز أن يكون ﴿عَامِلَةٌ﴾ خبرًا بعد خبر عن ﴿وُجُوهٌ﴾، وعلى هذا التأويل لا تقف على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ (١).
قوله: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾؛ أي: حارّةً، قد أحْماها اللَّهُ تعالَى لَهُمْ، فهي تتَلَظَّى على أعداء اللَّه، قرأه العامة بفتح التاء، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر بضمها (٢)؛ اعتبارًا بقوله: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ قد انتهى حَرُّها، كقوله تعالَى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (٣) قد انتهى حَرُّهُ، وَبَلَغَ مُنْتَهاهُ، وقرأ هشامٌ: "آنِيةٍ" بِإمالةِ الهمزة (٤).
ثم أخْبَرَ عن طعام الأشقياء، فقال تعالَى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ يعني: لأهل النار ﴿طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ ﴿لَا﴾ بمعنى "لَيْسَ" (٥)،
стр. 1849
والضَّرِيعُ هو نَبْتٌ بالحجاز له شَوْكٌ، يُقال له: الشِّبْرِقُ، وأهل الحجاز يُسَمُّونَهُ الضرِيعَ إذا يَبِس (١)، وهو أخْبَثُ الطعامِ وَأبْشَعُهُ، لا تَرْعاهُ دابّةٌ، وقيل (٢): الضَّرِيعُ: العَوْسَجُ الرَّطْبُ، وهو نبات في النّارِ يُشْبِهُ العَوْسَجَ.
فصل
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأنْتَنُ مِنَ الجِيفةِ، وَأشَدُّ حَرًّا مِنَ النّارِ، سَمّاهُ اللَّهُ ضَرِيعًا" (٣).
وقال أبو الدَّرْداءِ والحَسَنُ: "إن اللَّهَ -تعالَى- يُرْسِلُ على أهل النّارِ الجُوعَ حَتَّى يَعْدِلَ عندهم ما هم فيه من العذاب، فَيَسْتَغِيثُونَ، فَيُغاثُونَ بِالضَّرِيعِ، ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ، فَيُغاثُونَ بِطَعامٍ ذِي غُصّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أنَّهُمْ كانوا يُجِيزُونَ الغُصَصَ فِي الدُّنْيا بِالماءِ، فَيَسْتَسْقُونَ، فَيُعْطِشُهُمْ ألْفَ سَنةٍ، ثُمَّ يُسْقَوْنَ من عَيْنٍ آنِيةٍ
стр. 1850
شَرْبةً لا هَنِيئةً ولا مَرِيئةً، فكلما أدْنَوْهُ من وُجُوهِهِمْ سَلَخَ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ وَشَواها، فإذا وصل إلَى بُطُوبهِمْ قَطَّعَها، فذلك قوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (١).
فلما نزلت هذه الآية قال المشركون: إنَّ إبلَنا لَتَسْمَنُ على الضَّرِيع، وَكَذَبُوا في ذلك، فَإنَّ الإبلَ لا تَرْعاهُ، فأنزل اللَّه تعالَى تكَذيبًا لَهُمْ، فقال تعالَى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ (٢).
ثم وَصَفَ أهل الجنة بقوله تعالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ قال مقاتل: في نعمةٍ وكرامةٍ ﴿لِسَعْيِهَا﴾ في الدنيا ﴿رَاضِيَةٌ﴾ في الآخرة حين أُعْطِيَت الجنةَ بعملها ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ مرتفعة ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿لَاغِيَةً (١١)﴾؛ أي: باطلًا، يقال: لَغا الرَّجُلُ يَلْغُو لَغْوًا: إذا قال كلامًا فاسدًا.
وقوله: ﴿تَسْمَعُ﴾ يُقْرَأُ بالياء والتاء؛ لأن المراد باللاغية اللَّغْوُ (٣)، فالتأنيث على اللفظ والتذكير على المعنى، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لَا يُسْمَعُ﴾ بياء مضمومة ﴿فِيهَا لَاغِيَةً﴾ رفعًا اسمَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، وقرأ نافع: ﴿تُسْمَعُ﴾ بتاء مضمومة ﴿لَاغِيَةً﴾ رفعًا، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر وأبو جعفر
стр. 1851
والأعمش: ﴿لَا تَسْمَعُ﴾ بتاء مفتوحة ﴿لَاغِيَةً﴾ نصبًا (١) على الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ قال الكَلْبِيُّ: لَمْ لم أدْرِ بِماءٍ أو بغيره، وَكُلُّ عُيُونِ الجنةِ جارية، قال ابن عباس: أرْضُ الجَنّةِ فِضّةٌ، وَساعاتُها كالسّاعةِ الَّتِي بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلَى أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، لا شَمْسَ فِيها ولا قَمَرَ، فهي كذا مُنِيرةٌ، وليس فيها حَرٌّ يُؤْذِي ولا بَرْدٌ يُؤْذِي، وَأنْهارُها مُنْسَكِبةٌ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ (٢)، والعين مؤنثة على الصحيح، وقد حُكِيَ تذكيرُها (٣) كما قال الشاعر:
٥١٠ - والعَيْنُ بِالإثْمِدِ الحارِيِّ مَكْحُولُ (٤)
стр. 1852
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ قال ابن عباس: ألواحها من ذَهَبٍ، مُكَلَّلةٌ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ، مُرْتَفِعةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فإذا أراد أن يَجْلِسَ عليها تَواضَعَتْ له حَتَّى يَجْلِسَ عليها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلَى مَواضِعِها (١).
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾؛ أي: أقْداحٌ لا عُرَى لَها ولا آذانَ، موضوعةٌ عندهم مصفوفةٌ لَهُمْ، إذا شاؤوا أخذوها ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾ قد صُفَّ بَعْضُها إلَى بَعْضٍ، والنَّمارِقُ: الوَسائِدُ والمَرافِقُ، واحدتها: نُمْرُقةٌ -بضم النون-، وَرَوَى الفَرّاءُ سَماعًا عن العرب: نِمْرِقةٌ بكسر النون والراء (٢)، قال الشاعر:
٥١١ - كُهُولٌ وَشُبّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهُم... عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفةٍ وَنَمارِقِ (٣)
стр. 1853
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ يعني: مبسوطة، وقيل (١): مُفَرَّقةٌ فِي المَجالِسِ، والزَّرابِيُّ: البُسُطُ والطَّنافِسُ، واحدها زَرْبِيٌّ وَزَرْبِيّةٌ (٢).
فصل
عن عَلِيِّ بن أبِي طالبٍ -كَرَّم اللَّه وَجْهَهُ- أنه ذَكَرَ أهل الجنة، فقال: "يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ، فإذا أساسُ بُيُوتهِم مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعةٌ، وَأكْوابٌ مَوْضُوعةٌ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفةٌ، وَزرابِي مَبْثُوثةٌ، فلولا أن اللَّه قَدَّرَها لَهُمْ لَالْتُمِعَتْ أبْصارُهُمْ (٣) بِما يَرَوْنَ، فَيُعانِقُونَ الأزْواجَ، وَيَقْعُدُونَ على السُّرُرِ، فيقولون: الحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدانا لِهَذا" (٤).
قال قتادةُ (٥): لَمّا نَعَتَ اللَّه ما في الجنة عَجِبَ مِنْ ذلك أهْلُ الضَّلَالةِ، فأنزل اللَّه تعالَى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ الألِفُ ألِفُ التوبيخ في لفظ الاستفهام، سُئِلَ الحَسَنُ عن هذه الآية، وقيل له: الفِيلُ أعْظَمُ في الأُعْجُوبةِ؟ فقال (٦): أمّا الفِيلُ فالعرب بعيدةُ العَهْدِ بها، ثم هي خِنْزِيرٌ، لا يُرْكَبُ ظَهْرُها، ولا يُؤْكَلُ لَحْمُها، ولا يُحْلَبُ دَرُّها، والإبل مِنْ أعَزِّ مالِ العَرَبِ
стр. 1854
وَأنْفَسِهِ، تَأْكُلُ النَّوَى والقَتَّ، وَتُخْرِجُ اللَّبَنَ، ويأخذ الصَّبِيُّ بِزِمامِها ويذهب بِها حيث شاءَ، مع عِظَمِها فِي نفسها.
وَيُحْكَى أن فَأْرةً أخَذَتْ بِزِمامِ ناقةٍ، فَجَعَلَتْ تَجُوهُ، وهي تَتْبَعُها حتى بلغت الجُحْرَ، فَجَرَّت الزِّمامَ فَبَرَكَت النّاقةُ، فَجَرَّت الفَأْرةُ الزِّمامَ، فَقَرَّبَت الناقةُ فَمَها مِنْ جُحْرِ الفَأْرةِ (١)، فسبحان الذي قَدَّرَها وَسَخَّرَها، وقيل (٢): الإبل هاهنا: السَّحابُ، قال الثعلبي ﵀ (٣): وَلَمْ أجِدْ لذلك أصلًا في كتب الأئمة.
قوله: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ يعني: عن الأرض بغير عَمَدٍ حتى لا يَنالُها شَيْءٌ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾ على الأرض مُرْساةً عليها لا تزول ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ يعني: بُسِطَتْ، والسطْحُ: بَسْطُ الشَّيءِ، ويقال لِظَهْرِ البَيْتِ إذا كان مُسْتَوِيًا: سَطْحٌ (٤).
قال أنسُ بن مالك: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ ﵁، فقرأ: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، وكذلك ﴿رُفِعَتْ﴾ و ﴿نُصِبَتْ﴾
стр. 1855
و ﴿سَطَحْتُ﴾ برفع التاء. (١)، وقرأ الحسن: ﴿سُطِّحَتْ﴾ بالتشديد (٢)، وقرأ الباقون بالتخفيف على الفعل المَجْهُولِ، ومعنى الآية: هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ أن يَخْلُقَ مِثْلَ الإبل، أو يَرْفَعَ مِثْلَ السماء، أو يَنْصِبَ مِثْلَ الجِبالِ، أو يَسْطَحَ مِثْلَ الأرض غَيْرِي؟ وهل يفعل مِثْلَ هذا الفِعْلِ أحَدٌ سِوايَ؟
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ يعني: ذَكِّرْ يا محمد عِبادِي حُجَجِي وآياتِي، ليس عليك إلا التذكير والموعظة، وبذلك أُمِرْتَ، وَلِذَلِكَ بُعِثْتَ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ هو أي: بجَبّارٍ ولا مُتَسَلِّطٍ (٣)، وقيل (٤): معناه: لَسْتَ تَرُدُّهُمْ إلَى الإيمان، وَتُكْرِهُهُمْ علىَ الإسلام، ثم نَسَخَتْها آيةُ القتال (٥).
قرأ هشام: ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بالسين، وقرأ هارُونُ: ﴿بِمُسَيْطَرٍ﴾ بالسين أيضًا وفتح الطاء، وهي لغة تميم (٦)، وقرأ حمزة بإشمام الصاد زايًا، وقرأ الباقون بالصاد الخالصة (٧)، وأصله السين، مشتق من السَّطْرِ؛ لأن معنى السَّطْرِ: هو
стр. 1856
الذي لا يَخْرُجُ عن الشيء، قد مُنِعَ من ذلك، ويقال: تَسَيْطَرَ: إذا تَسَلَّطَ، ثم أُبْدِلَ مِنَ السِّينِ صادٌ لأن بعدها طاءً (١).
قيل: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، وقيل: ليست بمنسوخة (٣).
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾ ﴿مَن﴾ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع عما قبله، معناه: لكنْ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ؛ أي: أعْرَضَ عن الإيمان، وكَفَرَ بعد التذكير بالقرآن ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ وهو أن يُدْخِلَهُ النّارَ، ولا عذاب أعظم منها.
وإنما قال: ﴿الْأَكْبَرَ﴾، لأنهم عُذِّبُوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسْرِ، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فإنَّه يُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ (٤).
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ يعني: مرجعهم ومصيرهم ومعادهم إلينا بعد الموت، يقال: آبَ يَئُوبُ أوْبًا وَإيابًا، والأصل: إيْوابٌ، فَأُدغمت الياء فِي الواو، وانقلبت الواو إلَى الياء (٥).
стр. 1857
وقرأ أبو جعفر بتشديد الياء (١)، قال أبو حاتم (٢): وهذا لا يجوز، ولو جاز لجاز في الصيام والقيام، وهو شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ، فإنه قال (٣): يُقالُ: أيّبَ إيّابًا على: فَيْعَلَ فِيعالًا.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ يعني: جزاؤهم بعد المرجع بأعمالهم خيرها وشرها على اللَّه ، قال قتادة (٤): إلَى اللَّه الإياب، وعلى اللَّه الحساب، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1858
سورة الفجر
مكِّية وقيل: مدنيّة
وهي خمسمائة وسبعة وتسعون حرفًا، ومائة وسبع وثلاثون كلمةً، وثلاثون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَالْفَجْرِ﴾ فِي اللَّيالِي العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجّةِ غُفِرَ له، وَمَنْ قَرَأها فِي سائِرِ الأيّامِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الفَجْرِ أتَتْ تَمْشِي ذُنُوبُهُ وَهُمُومُهُ وَكُرُوبُهُ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ أقسم اللَّه تعالى بِفَجْرِ النهار، وهو
стр. 1859
انْفِجارُ الصُّبْحِ كُل يَوْمٍ إذا انْفَجَرَ ضَوْؤُهُ، قال النَّقّاشُ (١): ويُسَمَّى الفَجْرُ فَجْرًا؛ لأنه مأخوذ من انفجار الجُرْحِ، وقيل (٢): أراد بالفجر هاهنا فَجْرَ أوَّلِ يَوْمٍ من المُحَرَّمِ؛ لأن منه تَنْفَجِرُ السَّنةُ، وقيل (٣): هو فَجْرُ ذِي الحِجّةِ؛ لأن اللَّه تعالى قَرَنَ الأيّامَ بِها فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ وهي عَشْرُ ذِي الحِجّةِ فِي قول أكثر المفسرين، والأصل فيها: لَيالِيَ، ولو جاءت على الأصل لقُلْتَ: وَلَيالِيَ يا هذا لأنه لا ينصرف (٤).
قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ يعني بالشفع يومَ النَّحْرِ، وَبِالوَتْرِ يَوْمَ عَرَفةَ، وهذا قول ابن عباس (٥)، وقيل (٦): الشفْعُ: صَلاةُ الغَداةِ والوَتْرُ: صَلاةُ المَغْرِبِ، وقيل (٧): الشَّفْعُ: آدَمُ وَحَوّاءُ والوَتْرُ: اللَّهُ -سبحانه-، وقيل (٨): الشَّفْعُ: كُلُّ زَوْجٍ والوَتْرُ: اللَّه .
стр. 1860
وَرَوَى عِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ (١) عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "هِيَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فِيها شَفْعٌ وَوَتْرٌ" (٢)، وقيل (٣): الشَّفْعُ: أبْوابُ الجَنّةِ والوَتْرُ أبْوابُ النّارِ، وفيه أقاويلُ كثيرةٌ يطول شرحها هاهنا.
ومعنى الشَّفْعِ في اللغة اثنانِ، والوَتْرُ واحِدٌ (٤)، قرأ أبو جعفر وَشَيْبةُ ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: "الوَتْرِ" بفتح الواو، وقرأ يحيى بن وَثّابٍ والأعمشُ والحسنُ وَحَمْزةُ والكِسائِي بكسر الواو (٥)، وهما لُغَتانِ حَسَنَتانِ.
قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ يعني: إذا سارَ وَذَهَبَ، وقيل: إذا جاء وأقبل، واختلف القُرّاءُ فِي قوله: ﴿يَسْرِ﴾، فقرأ أهلُ المدينة وأبو عمرو وعيسى بنُ عُمَرَ بالياء في الوصل، وَرُوِيَ ذلك عن الكسائيِّ، وقرأ ابنُ عامر وعاصمٌ وَحَمْزةُ بحذف الياء في الوصل والوقف إتْباعًا لِلْخَطِّ، وقرأ ابن كثير ويعقوبُ بالياء في الحالَيْنِ على الأصل (٦).