← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المشركين، قال: "إِنِّي لم أُبْعَثْ لَعّانًا، وَإنَّما بُعِثْتُ رَحْمةً" (١). قوله : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: افْصِلْ بيني وبين مَنْ كَذَّبَنِي بالحق، واللَّه لا يَحكم إلّا بالحقّ، وفيه وجهانِ من التأويل، قال أهلُ التفسير: الحقُّ هاهنا بمعنى: العذاب، كأنه استَعجل العذابَ لقومه، فعذِّبوا يومَ بدر، نظيرُه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ (٢)، وقال قَتادة (٣): كان النبيُّ ﷺ إذا شهد قتالًا قال: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقال أهل المعاني (٤): معناه: ربِّ احكُمْ بحُكمك الحقِّ، فحُذِفَ الحكم وأُقِيمَ الحقُّ مقامَه. واختلف القُرّاء في هذه الآية (٥)، فقَرأَ حفص: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالألف على الخبر، وقرأ الباقون: ﴿قُلْ﴾ على الأمر، وقرأ أبو جعفرٍ: ﴿رَبُّ احْكُمْ﴾ برفع الباء على نداءِ المفرَد (٦)، وقَرأ الضحّاك ويعقوبُ في بعض رواياته: ﴿رَبِّي

стр. 212

أَحْكَمُ﴾ بإثبات الياء على وجه الخبر بأنّ اللَّه سبحانه أحكمُ بالحقِّ من كلِّ حاكم، وهذه قراءةٌ غير مَرْضيّة لمخالفة المصحَف والقُرّاء، وقرأ الباقون: ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ على وجهِ الدعاء. من قرأ: ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ جَزَمَهُ على الأمر، ومن قَرأَ: ﴿رَبِّي احْكُمْ﴾ فمحل ﴿رَبِّي﴾ رفعٌ بالابتداء، و ﴿احْكُمُ﴾: خبرُه، و ﴿رَّبُنا﴾: ابتداءٌ و ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبره و ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾: خبرٌ ثانٍ، وقيل: نعتُه ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ من الكذب والباطل، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 213

سورةُ الحجِّ مكِّيّة (١) غَيْرَ سِتِّ آياتٍ نزلت في المدينة في الذين تبارَزوا يومَ بدر، وهم ثلاثةٌ مؤمنون: عليٌّ وحمزةُ وعُبيدةُ بن الحارث (٢) ﵃، وثلاثةٌ كافرون، وهم: عُتبةُ وشَيْبةُ والوليدُ بن عُتبة، وهي قوله: "هَذانِ خَصْمانِ" (٣) إلى قوله: "وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ" (٤). وعددُ حروفها خمسةُ آلاف ومائةٌ وخمسةٌ وسبعونَ حرفًا، وألفٌ ومائتان وإحدى وتسعونَ كلمةً، وثمانٍ وسبعونَ آيةً. بابُ ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سُورةَ الحجِّ أُعْطِيَ من الأجر كحَجّةٍ حَجَّها وعُمْرةٍ اعْتَمَرَها بِعَدَدِ مَنْ حَجَّ

стр. 214

واعْتَمَرَ فِيما مَضَى وَفِيما بَقِيَ" (١). وهي من أعاجيبِ السُّور، نَزَلت ليلًا ونهارًا، وسَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا وَمَدَنِيًّا، سلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنْسُوخًا، مُحْكَمًا وَمُتَشابِهًا مُخْتَلِفَ العَدَدِ (٢). ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأَ سُورةَ الحَجِّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ يَدْخُلُ البَيْتَ بِكُلِّ واحِدٍ وَحْدَهُ أَلْفَ حَسَنةٍ" (٣). بابُ ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يريدُ أهلَ مكةَ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ احذَروا عقابَه بطاعته، و"يا": نداء و"أَيُّ" منادى، و"ها": تنبيه، "النّاسُ": مرفوع على البدل من "أُيُّها"، وقيل: على النعت لـ "أَيُّ"، والمعنى: يا ناسُ اتقوا ربَّكم ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ يعني: أنه لا يُوصَفُ لِعِظَمِهِ. والزَّلْزَلةُ والزِّلْزالُ: شدةُ الحركة على الحال الهائلة، من قولهم: زَلَّتْ قَدَمُهُ، إذا زالت عن الجهة بسرعة (٤). قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني: تلك الزَّلزَلة ﴿تَذْهَلُ﴾ في ذلك اليوم ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾؛ أي: تنسى وتترُك كلُّ والدةٍ ولدَها، يقال: ذَهَلَ

стр. 215

عن كذا يَذْهَلُ ذُهُولًا: إذا تَرَكه أو شَغَلَهُ عنه شاغلٌ، قال الحسَن (١): تَذهَلُ المُرضِعةُ عن ولدِها لغير فِطام وتضَعُ الحاملُ ما في بطنِها لغير تمام من هول ذلك اليوم ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ يعني: تراهم سُكارى من الغمِّ والهم ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب، وقرأ بعضُهم: ﴿وَتَرَى﴾ (٢) بضم التاء؛ أي: تَظُنُّهُم، قال الفَرّاء (٣): ولهذه القراءةِ وجهٌ جيِّد. ﴿سُكَارَى﴾: جمعُ سكران، وهو نَصْبٌ على الحال (٤)، وقَرأَ حمزةُ والكسائي (٥): ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ بفتح السِّين من غير ألفٍ وبالإمالة، قال الفَرّاء (٦): وهو وجهٌ جيِّد في العربية؛ لأنه بمنزلة: الهَلْكَى والجَرْحَى

стр. 216

والمَرْضَى والزَّمْنَى، والعرب تجعَل "فَعْلَ" علامةً لجمع كلِّ ذي زَمانةٍ وضَرَرٍ وهَلَاكٍ، ولا يُبالُونَ أكان واحدُهُ "فاعلًا" أو "فعيلًا" أو "فَعْلانَ". وقرأ أبو عَمْرو (١): ﴿سُكَارِي﴾ بالإمالة (٢)، وقرأ وَرْشٌ (٣) بين اللَّفظَيْن، وَفَتحَ الباقون. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾، وهذا يدلُّ على أنّ سُكْرَهُمْ من خوف العذاب. فصلٌ عن أَبِي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه يومَ القيامة: يا آدَمُ، قُمْ فابعَثْ بَعْثَ النارِ، فيقول: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، وما بَعْثُ النارِ؟ فيقول: مِنْ كلِّ ألفٍ تسعُمائةٍ وتسعةٌ وتسعون"، قال: "فحينئذٍ يَشِيبُ الولدُ، وتضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرَى النّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بسُكارَى، وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شدِيدٌ"، فقالوا: وأيُّنا ذلك الواحدُ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "تسعُمائةٍ وتسعةٌ وتسعونَ من يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ومنكم واحدٌ"،

стр. 217

فقال الناس: اللَّهُ أكبر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "واللَّه، إنّي لأَرْجُو أن تكونوا رُبعَ أهلِ الجنة، واللَّه إنّي لَأرجو أن تكونوا ثلثَ أهلِ الجنة، واللَّه إنّي لَأرجو أن تكونوا نصفَ أهلِ الجنة"، قال: فَكَبَّرَ الناسُ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أنتم يومَئذٍ في الناس إلّا كالشعرةِ البيضاءِ في الثَّور الأسود، أو كالشَّعرة السَّوداء في الثّور الأبيض". رواه البخاري عن عُمَرَ بن حَفْصٍ (١) عن أبيه، ورواه مسلمٌ عن أبي بكر بن أَبِي شَيْبةَ (٢) عن وَكِيعٍ (٣)، كلاهما عن الأعمش (٤). قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ محلُّ "أَنَّ" رفعٌ: اسمُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٥)، والمعنى: قَضَى اللَّهُ أنه من أطاع إبليسَ ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ ولم يرشدْه

стр. 218

﴿وَيَهْدِيهِ﴾؛ أي: يصيِّرُه ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ ومعنى قوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾؛ أي: فشأنه أنه يضلَّه، على جعل "مَنْ" للشرط، أو على جعله موصولًا، أو على أن الثانيَ تأكيدٌ (١)، أو على معنى: فشأنه أنه يضلَّه (٢)، والفاء كقولهم: زيدٌ فاعلَمْ في الدار، هكذا ذكره صاحبُ إنسانِ العَيْن (٣). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾؛ أي: في شكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: أباكم آدمَ الذي هو أصلُ النَّسل ووالد البشر ﴿ثُمَّ﴾ ذرِّيتَه ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ المَنِيُّ، وأصلها: الماءُ القليل، وجَمْعها: نِطافٌ ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وهي الدَّم الغليظُ الجامد، وجمعها: عَلَق. ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وهي: لَحْمةٌ قليلة قَدْرَ ما يُمْضَغُ ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ قَدْ بَدا فِيها الخَلْقُ (٤) ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ لم تُصَوَّرْ بَعْدُ (٥)، يعني: تامةً وغيرَ تامّة وأراد السِّقْطَ، ومخلَّقةٌ ومخلوقةٌ سواء، غير أن "مُخَلَّقة" فيها علامة التكثير، كما تقول: ضَرَب وضَرَّب: إذا كَثُرَ الفعلُ.

стр. 219

فصلٌ رَوَى عامرٌ عن علقمةَ (١) عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: إنّ النُّطفةَ إذا استقرَّت في الرَّحِم أخَذَها مَلَكٌ بكفِّه، فقال: أيْ ربِّ: مُخَلَّقةٌ أو غيرُ مُخَلَّقةٍ؟ فإن قيل: غيرُ مخَلَّقة قَذَفَتْها الأرحامُ دَمًا ولم تكن نسمةً، وإن قيل: مُخَلَّقةٌ، قال: رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ ما الأَجَلُ؟ وما الأَثَرُ؟ وبِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؟، فيقال: اذهَبْ إلى أُمِّ الكتابِ فإنك تجدُ فيها صفةَ هذه النطفةِ، فيَذْهَبُ فيجدُها في أُمِّ الكتاب، فتُخْلَقُ فتعيشُ في أَجَلِها، وتأكلُ رزقَها، وتَطَأُ أَثَرَها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدُفِنَتْ في المكان الذي كُتِبَ لها، ثم تلا عامر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ [إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ] فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ (٢). وقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ يعني: كمالَ قُدرتنا وحِكمتنا في تصريفِنا أطوارَ الخلق ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ رَوَى المفضَّلُ (٣) عن عاصم انه قَرأَ (٤):

стр. 220

﴿وَنُقِرَّ﴾ بفتح الراء على النَّسَق، وقَرأَ غيره بالرَّفع على معنى: ونحن نقرُّ في الأرحام ما نشاء، فلا نَمَجُّهُ ولا نُسقطُه. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: وقت خروجها من الرَّحِم تامةَ الخلق والمدة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ من بطون أُمّهاتكم ﴿طِفْلًا﴾ يعني: صغارًا، ولم يقل: أطفالًا؛ لأن العربَ تسمي الجمعَ باسم الواحد (١)، قال الشاعر: ١١ - إِنَّ العَواذِلَ لَيْسَ لِي بِأَمِيرِ (٢) ولم يقل: بأُمَراءَ، وقيل (٣): هو مُشَبَّهٌ باسم المصدر، مثل: عَدْلٍ وَزَوْرِ، وقيل (٤): هو مشبَّه بالخَصْمِ والضَّيْفِ، قال الزَّجّاجُ (٥): ﴿طِفْلًا﴾ بمعنى: أطفال، ودَلَّ عليه ذِكْرُ الجماعة. وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ يعني: مَيْتةً يابسةً لا نبات فيها،

стр. 221

وقيل: متغيِّرة. وأصل الهَمْدِ: الدُّرُوسُ، والهامد: الساكن الدارس، ونصب ﴿هَامِدَةً﴾ على الحال؛ لأنها من رؤية العين. وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: ارتفعت وزادت، وقال المبرّد (١): أراد: اهتزَّ ورَبا نباتُها، فحذف المضافَ، والاهتزازُ في النبات أظهَر، يقال: اهتزَّ النبات: إذا طال ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ يعني: من كلِّ صنفٍ حَسَن، والبهجة: حُسْنُ الشيءِ ونضارته، والبهيج: الحَسَنُ، وقد بَهُجَ بَهْجةً، ومنه قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (٢)؛ أي: ذاتَ منظرٍ حسن. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في دين اللَّه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى﴾ ليس معه من ربِّه رشادٌ ولا بيان ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾. نزلت هذه الآيةُ في النَّضر بن الحارث، كان كثيرَ الجدل، وهذا قول أكثر المفسِّرين، وقيل: نزلت في الوليد بن المُغيرة وعُتبةَ بن ربيعةَ، وهو قول ابن عبّاس ﵁، والمعنى: أنه يجادلُ في قدرة اللَّه. قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ (٩)﴾ يعني: النَّضرَ بن الحارث، يعني: مستكبِرًا نَفْسَهُ، تقول العرب: جاء فلانٌ ثانِيَ عِطْفِهِ؛ أي: متبخترًا لتَكَبُّرِهِ وعِزِّهِ (٣). والعِطْفُ: الجانب، وجَمْعه: أعطافٌ. ويقال (٤): ثنى عِطْفَهُ، ونَأَى بجانبه: إذا تَكَبَّرَ. وقيل: شامِخًا بأنفه، وقيل: لاويًا عنُقَه، وقيل: مُعْرِضًا عما يُدْعَى إليه من الكِبْرِ، وقيل: هو أن يُعرِض عن الحق، نظيرُها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا. . .﴾ الآية (٥)، وقولُه - تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ

стр. 222

رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (١)، قال الزَّجّاج (٢): وهذا يوصَفُ به المتكبرُ، والمعنى: ومنَ الناس من يجادلُ في اللَّه متكبرًا. وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآيةَ، يعني: على شكٍّ، وأصلُه: من حرفِ الشيء، وهو طَرَفُه، نحوَ حَرْفِ الجبل والحائط الذي القائمُ عليه غيرُ مستقرٍّ، فالذي يَعبُد اللَّه على حرفٍ كالذي هو على حرفِ جبل أو نحوه يضطربُ اضطرابًا، ويَضْعُفُ قيامُهُ خوفًا من السقوط (٣). وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾؛ أي: إن أصابه رخاءٌ وعافيةٌ وخِصْبٌ وكثرةُ مالٍ ﴿اطْمَأَنَّ﴾ على عبادة اللَّه بذلك الخير، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: اختبارٌ بِجَدْبٍ وقلةِ مالٍ ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾؛ أي: رَجَع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان، وقولُه: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ يعني: هذا الشاكُّ خسرَ دنياه، حيث لم يظفَرْ بما طلب من المال، وخسر آخِرته بارتداده عن الدين، ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: الذي فَعَل ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ يعني: الضَّرَر الظاهر. قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: هذا المرتدُّ ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ إن لم يعبُدْه ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ إن أطاعَه، ﴿ذَلِكَ﴾ الذي فَعَل ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ يريد: عن الحقِّ والرُّشد. قولُه: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ قيل (٤): اللام: صِلةٌ، مجازُها:

стр. 223

"يدعو من ضُرُّه أقربُ من نفعه"، وهكذا قَرأَها ابنُ مسعود (١)، وقال طاهرُ بن أحمد (٢): من قال: اللام هاهنا زائدةٌ ففاسدٌ؛ لأنّها لا تقَعُ أولًا في أقوى مراتبها وتكون زائدةً، وإنّما زيدت وسطًا في قول بعضهم: ١٢ - أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى مِنَ الَّلحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ (٣). . . (٤)

стр. 224

وقال بعضهم (١): هذا على التأكيد، معناه: يدعو لَمن ضُرُّه أقربُ من نفعِه يدعو، ثم حذف "يَدْعُو" الأخيرةُ اكتفاءً بالأولى، ولو قلت: يَضْرِبُ لَمَنْ خَيْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهِ يَضْرِبُ، ثم حذفتَ الأخيرةَ: جاز، وحُكِيَ عن العرب سماعًا: أَعْطَيْتُكَ لَما غَيْرُهُ خَيْرٌ منه (٢). وقيل (٣): "يَدْعُو" تَكرارٌ للأول، و ﴿لَمَنْ﴾ لام الابتداء، و"بِئْسَ": خبرُه، واللام فيه جوابُ قسم محذوفٍ تقديره: يدعو لَلَّذِي ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، واللَّهِ لَبِئْسَ المَوْلَى وَلَبِئْسَ العَشِيرُ، و"مَنْ": منصوبُ المحلِّ في الأقاويل كلها. وقيل (٤): "ذلك": منصوبٌ بـ ﴿يَدْعُو﴾ بمعنى "الَّذِي"، ﴿وَلَبِئْسَ

стр. 225

الْعَشِيرُ (١٣)﴾؛ أي: الصاحب والمُخالِط، يعني: الصَّنم يخالطُ العابدَ له ولصاحبُه. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: أن لن ينصرَ اللَّهُ محمدًا ﷺ حتى يُظهرَه على الدِّين كلِّه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سقفه ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي: لِيَمُدَّ الحَبْلَ حتى ينقطع فيموتَ مختنقًا، والمعنى: فلْيختنِقْ غيظًا حتى يموتَ، فإنّ اللَّه مُظْهِرُهُ ولا يَنْفَعُهُ غيظُهُ، وذلك قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾. قرأ أبو عَمْرٍو وابنُ عامر ووَرْش: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ بكسرِ اللام فيهما، وتابَعَهُمْ قُنْبُلٌ (١) على كسر اللام في ﴿لْيَقْضُوا﴾ فقط، وقَرأَ الباقون بالإسكان فيهما (٢)، وقوله: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ يعني: صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ﴿مَا يَغِيظُ﴾، قيل (٣): "ما": بمعنى "الَّذِي"، مجازه: هل يُذهِبَنَّ كيدُه الذي يَغِيظُه؟ فحذف الهاءَ

стр. 226

ليكون أخفَّ، وقيل (١): إنها بمعنى المصدر، تقديره: هل يُذهِبَنَّ كيدُه غيظَه؟ قولُه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾؛ أي: في دينه وأمره، والخَصْمُ: اسمٌ شبيهٌ بوصف المصدر، والمصدر لا يُثنَّى ولا يُجمَع، يقال: رَجُلٌ خَصْمٌ، ورَجُلَانِ خَصْمٌ، ورِجالٌ خَصْمٌ، وامرأةٌ خَصْمٌ، ونساءٌ خَصْمٌ، يستوي فيه الواحدُ والتثنية والجَمْع والمذكَّر والمؤنَّث؛ لأنه وَصْفٌ بالمصدر، والمصدر لا يُثَنَّى ولا يُجمَع، فأمّا قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ فمعناه: فريقان، فلذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، نظيرها قولُه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (٢)، ومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٣)، وقرأ ابنُ كثيرٍ بتشديد النون (٤). واختلفوا في هذَيْنِ الخصمَيْنِ، من هما؟ فقيل: نزلت هذه الآيةُ في ستةٍ من قريش تبارَزوا يومَ بدر، وهم: عليٌّ وحمزةُ وعُبيدةُ بن الحارث وعُتبةُ وشَيْبة ابنا ربيعةَ والوليدُ بن عُتبة، وقيل (٥): هم أهل الكتاب والمؤمنون، وقيل (٦): هم المؤمنون والكافرون كُلُّهُم من أَيِّ مِلّةٍ كانوا، وقيل (٧): هما الجنّة والنار اختصمتا

стр. 227

فقالت النار: خَلَقَني اللَّه تعالى لعقوبتِه، وقالت الجنّة: خَلَقَني اللَّه تعالى لرحمته. والصَّحيح هو القولُ الأول، وأنّ الآيةَ نزلت في الستّة الذين تقدَّم ذكرُهم، رُوِيَ ذلك عن أبي ذرٍّ، أنه أقسم باللَّه لقد نَزَلت فيهم، رواه البخاري ومسلم (١). قولُه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ قال الأزهَريّ (٢): سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لهم (٣) ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ وهو الماءُ الحارّ ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾؛ أي: يذابُ بالحميم ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من الشُّحوم ﴿وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ فتُشْوَى جُلُودُهم منه، فتَتَساقَطُ مِنْ حَرِّها، يقال: صَهَرْتُ الأَلْيةَ والشَّحْمَ بالنار: إذا أَذَبْتَهُما صَهْرًا (٤)، وقال الشاعر: ١٣ - فَظَلَّ مُرْتَبِئًا لِلشَّمْسِ تَصْهَرُهُ... حَتَّى إِذا الشَّمْسُ مالَتْ جانِبًا عَدَلا (٥) و"ما" في موضع رَفْع بفعلِ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، والجلودُ: عطفٌ على "ما".

стр. 228

فصلٌ رَوَى أبو هريرةَ، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فيَنْفُذُ الجُمْجُمةَ، حَتَّى يَخْلُضَ إِلَى جَنْبِهِ، فيَسِيلُ ما في جَوْفِهِ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ" (١). قوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾؛ أي: سِياطٌ من حديد، واحدتُها: مِقْمَعةٌ، سُمِّيَتْ بذلك لأنه يُقْمَعُ بها المضروبُ؛ أي: يُذَلَّلُ، وأصلها من قولهم: قَمَعْتُ رَأْسَهُ: إذا ضربتَه ضَرْبًا عنيفًا. فصلٌ عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: "لَوْ وُضِعَ مِقْمَعٌ مِنْ حَدِيدٍ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الثَّقَلَانِ ما أَقَلُّوهُ مِنَ الأَرْضِ" (٢). قال الحسن: إنّ النار تَرميهم بِلَهَبِها، حتى إذا كانوا في أعلاها ضُرِبُوا

стр. 229

بمقامعَ فهَوَوْا فيها سبعين خريفًا، فإذا انتَهوا إلى أسفلها ضَرَبهم زَفيرُ لهبِها، فلا يستقرُّون ساعةً، فذلك قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ يعني: كلما حاوَلوا الخروجَ من النار، لِما يَلْحَقُهُمْ من الغمِّ والكَرْب الذي يأخُذ بأنفاسِهم، رُدُّوا إليها بالمقامع، ويقول لهم خَزَنة النار: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ والحريق: اسمٌ من الاحتراق. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يعني: في الجِنان ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وهي: جمعُ سِوار. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾: قَرأَ أهلُ المدينة وعاصمٌ الجَحْدري (١) هاهنا وفي سورة الملائكة: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾، (٢) بالنَّصب على معنى: ويُحَلَّوْنَ لؤلؤًا، واستدَلُّوا بأنها مكتوبةٌ في جميع المصاحف بالألف هاهنا، وقَرأَ الباقون بالخفض: عطفًا على الذهب، ثم اختلفوا في وجهِ إثبات الألف، فقال أبو عَمْرو (٣): أُثبِتت فيه كما أُثبِتت في: قالوا وكالوا. وقال الكِسائي (٤): أثبتوها فيه للهمزة؛ لأنّ الهمزةَ حرفٌ من الحروف، وأمّا يعقوبُ فإنه قَرأَها هاهنا بالنصب، وفي "فاطر": بالخفض رجوعًا إلى المصحف؛ لأنه كُتِبَ في جميع المصاحف هاهنا بالألف وهناك بغير ألف، وأبو بكرٍ يترُك الهمزةَ الأولى من

стр. 230

اللُّؤلؤ، ويحقِّقُ الثانية في جميع القرآن (١). قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا﴾ يعني: في الجنان ﴿حَرِيرٌ (٢٣)﴾ وهو الإِبْرِيسَمُ الذي حُرِّمَ لُبْسُهُ في الدنيا على الرجال، رُوِيَ عن عُمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدنيا لم يلبَسْه في الآخرة، ومن لم يلبَسْه في الآخرة لم يدخُل الجنة؛ لأنّ اللَّه يقول: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ " (٢). ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يريد: لا إلَه إلا اللَّه، والحمدُ للَّه، واللَّهُ أكبر، وقيل: إلى القرآن ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾: أُرْشِدُوا إلى الإسلام، وهو دِينُ اللَّه وطريقُه، والحميدُ: هو المحمودُ في أفعاله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عطفٌ بالمستقبل على الماضي؛ لأنّ الصَّدَّ بمعنى: دوام الصِّفة لهم، ومعنى الآية: وهم يصُدُّون ومِن شأنهم الصَّدُّ، نظيرها قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). وقيل (٤): لفظُه مستقبَلٌ ومعناه المُضِيُّ، أي: وصَدُّوا عن سبيل اللَّه. وقال

стр. 231

الخليل (١): الواو إقحامٌ، ومعناه: يصُدُّون. ويجوزُ أن يكونَ المعنى: إنّ الذين كفَروا فيما مضَى وهم الآن يصُدُّون معَ ما تقدَّم من كفرهم، والمعنى: يمنَعون الناسَ عن طاعة اللَّه ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: وعن المسجد الحرام ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ المُقيم ﴿وَالْبَادِ﴾ الطارئُ المُنْتابُ إليه من غيره. قَرأَ حفصٌ والأعمش: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب بإيقاع الجَعْل عليه؛ لأنّ الجَعْلَ يتعدَّى إلى مفعولَيْن، وقَرأَ الآخَرون: ﴿سَوَاءً﴾ بالرَّفع (٢) على الابتداء، وما بعدَه: خبرُه، وتمامُ الكلام عندَ قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ قال ابنُ الأنباري (٣): ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ وتُرفَعُ ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ بمعنى: ﴿سَوَاءً﴾ كما تقول: رأيتُ زيدًا قائمًا أبوه. ورُوِىَ عن بعض القُرّاء أنه قرأ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ بالخَفْض (٤) على معنى: جَعَلْناه للناسِ: العاكفِ فيه والبادِ (٥)، وقَرأَ أبو عَمْرٍو ووَرْش: ﴿وَالْبادِي﴾ بياءٍ في الوصل فقط، وقَرأَ ابنُ كثيرٍ: بياءٍ في

стр. 232

الحالتَيْن، وقَرأَ الباقونَ بغير ياءٍ في الحالتَيْن (١). قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ يعني: المسجدَ الحرام، نزلت هذه الآيةُ في عبد اللَّه بن أَنيس بن خَطَل (٢)، قَتَلَ رجلًا من الأنصار، وارتدَّ عن الإسلام، وهرب إلى مكةَ كافرًا، فنزلت فيه (٣): ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ شرطٌ وجزاء، يعني: لَجأَ إلى الحرم ﴿بِإِلْحَادٍ﴾؛ أي: بِمَيْلٍ عن الإسلام وبِظُلْمٍ، فيدخل إلى الحرم من أجل القِصاص منه مشركًا ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ جوابُ الشرط، والمعنى: أنه يريد إلحادًا بظلم، وهو الميل إلى الظلم، والباءُ فيه زائدةٌ، كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٤)؛ أي: أنبتت الدهن (٥)، وقيل (٦): معنى ﴿يُرِدْ﴾ أراد به: بأن يُلْحِدَ بظلم، كما قال الشاعر:

стр. 233

١٤ - أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَها فَكَأنَّما... تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ (١) أراد: بأنْ أنسى، ومعنى الإلحادِ في اللُّغة: العدولُ عن القصد. قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ (٢٦)﴾ الآيةَ، ومعنى ﴿بَوَّأْنَا﴾ هاهنا: بَيَّنّا له مكانَ البيت، قال الكَلْبي (٢): بَعَث اللَّه سحابةً على قَدْر البيت فيها رأسٌ يتكلَّم، فقامت بحِيال البيت وقالت: يا إبراهيم: ابْنِ البيتَ على قَدْرِي (٣). قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾؛ أي: أَعْلِمْ ونادِ في الناس: ﴿بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ

стр. 234

رِجَالًا﴾؛ أي: رَجّالةً مُشاة على أرجُلِهم، وهو جَمْع راجِلٍ، مثل: قائِمٍ وقِيامٍ وصائِمٍ وصِيامٍ، وقيل: هو جَمْعُ رَجْلى كعَبْدٍ وعِبادٍ، ورَجْلٌ: جَمْعُ راجِلٍ كراكِبٍ ورَكْبٍ (١)، وهو منصوبٌ على الحال. قوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ أي: ورُكبانًا (٢)، والضامر: البعير المهزول، والمعنى: يأتوك مُشاةً ورُكْبانًا على كل ضامر ﴿يَأْتِينَ﴾ أراد النُّوق ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾؛ أي: طريقٍ بعيد، وإنما جَمَعَهُ لمكان ﴿كُلِّ﴾ (٣)، وفي بعض القراءات: ﴿يَأْتُونَ﴾ (٤) يكونُ للناس، وقال الفَرّاء (٥): ويجوز: ﴿وَتَأْتِي﴾ هو على اللفظ، وفي قراءة عبدِ اللَّه بن مسعود (٦): ﴿يَأْتُونَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ على معنى: يأتوك رَجّالةً يَأْتُونَ (٧). قال ابنُ الأنباري (٨): ويجوز في العربية: يَأْتُوا من كلِّ فجٍّ عميق، بالجَزْم على أنْ تجعلَه تابعًا لـ ﴿يَأْتُوكَ﴾.

стр. 235

فصلٌ قال جماعةُ المفسِّرين: "لَمّا فَرَغَ إبراهيمُ ﵇ من بناء البيت جاءه جِبريل ﵇ فأمرَه أن يؤذِّن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا ربِّ، وما يَبْلُغُ صوتي؟ فقال اللَّه تعالى: أَذِّنْ وعَلَيَّ البلاغُ، فَعَلَا على المقام، فأشرف به حتى صار كأطولِ الجبال، فأدخَل إصبعَيْه في أذُنَيْه، وأَقْبل بوجهه يمينًا وشمالًا وشرقًا وغربًا، فقال: يا أيُّها الناس، كُتِبَ عليكمُ الحجُّ إلى البيت العتيق فأَجِيبوا ربَّكم، فأجابَه مَن كان في أصلاب الرجال وأرحام النِّساء: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ" (١). ورُوِيَ عن ابن عبّاس، أنه قال: "لما أَمَرَ اللَّهُ إبراهيمَ ﵇ أن يناديَ في الناس بالحجِّ صَعِد أبا قُبَيْسٍ، ووضَع إصبعَيْه في أذُنيه وقال: يا أيُّها الناس: أَجِيبوا ربَّكم، فأجابوا بالتلبية من أصلابِ الرجال وأرحام النِّساء، وأولُ من أجابه أهلُ اليمن، فليس أحدٌ يحُجُّ البيتَ إلى أن تقومَ الساعة إلّا من أجاب إبراهيمَ ذلك اليوم، فإنّ ذلك قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، فمن أتى الكعبة حاجًّا فكأنه أتى إبراهيم، لأنه مجيبٌ نداءَه (٢) ". ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنه قال لِبَنِيهِ: يا بَنِيَّ، حُجُّوا من مكةَ مُشاةً حتى ترجِعوا إليها، فإني سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "للحاجِّ الراكبِ بكل خطوةٍ تخطوها

стр. 236

راحلتُه سبعونَ حسنة، وللحاجِّ الماشي بكل خطوءة يخطوها سبعُمائة حسَنةٌ من حسَناتِ الحرم"، قيل: وما حسناتُ الحرم؟ قال: "الحسنة بمائة ألف" (١). وعن أنس، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يباهي بأهل عَرَفاتٍ الملائكةَ، يقول: يا ملائكتي، انظُروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا، أَقْبَلوا يضربون إِلَيَّ من كلِّ فجٍّ عميق، فأُشهدُكم أني قد أَجَبتُ دعاءهم، وشفعت رغبتَهم، ووهبتُ مسيئَهم لمحسنِهم، وأعطَيْت محسنَهم ما سألوني غيرَ التبعات التي بينَهم"، فإذا أفاض القومُ إلى جمع، ووقَفوا وعادوا في الرغبة والطلَب إلى اللَّه، يقول: "يا ملائكتي: عبادي وَقَفوا فعادوا في الرغبة والطلب، فأُشهِدُكم أنّي قد أجبتُ دعاءهم، وشفعت رغبتَهم، ووهبت مسيئَهم لمحسنِهم، وأعطيت محسنَهم جميعَ ما سألوني، وكفَلت عنهم التَبِعاتِ التي بينَهم" (٢). ورُوِيَ في المَعْنَى، عن أبي القاسم بِشْرِ بن محمد بن بِشْرٍ القاضي، أنه قال: رأيتُ في الطواف كهلًا وقد أجهَدتْه العبادة، واصفرَّ لونه، وبيدِه عصًا، وهو يطوفُ معتمدًا عليها، فتقدَّمتُ إليه، وجعلتُ أُسائِلُهُ، فقال: من أين أنتَ؟ فقلتُ: من خُراسانَ، قال لي: من أيِّ ناحيةٍ تكون خراسان؟ -كأنه جَهِلها- فقلتُ: ناحيةٌ من نواحي المشرق، فقال لي: في كم تقطَعون هذه الطريق؟ قلتُ: في شهرَيْنِ وثلاثة أشهر، قال: أفلا تحُجُّون في كل عام وأنتم من جيرانِ هذا البيت؟ فقلتُ: وكم بينَكم وبينَ هذا البيت؟ فقال: مسيرةُ

стр. 237

خمسِ سنين، خرجتُ من بيتي ولم يكن في رأسي ولحيتي شيب، فقلتُ: هذا -واللَّه- الجَهْدُ البَيِّن والطاعةُ الجميلة والمحبّةُ الصادقة، فضحك في وجهي، وأنشأ يقول: ١٥ - زُرْ مَنْ هَوِيتَ وإنْ شَطَّتْ بك الدارُ... وحالَ مِنْ دُونِها حُجْبٌ وأستارُ لا يَمْنَعَنَّكَ بُعْدٌ مِنْ زِيارَتِهِ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يَهْواهُ زَوّارُ (١) قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ يعني: من الأنعام التي تُنْحَرُ، وهو أمرُ إباحة، وليس بواجب، وإنّما قال ذلك لأنّ أهلَ الجاهلية كانوا ينحَرون ويذبحون ولا يأكلون من لحوم هداياهم شيئًا، فأَعْلَمَ اللَّهُ تعالى أن ذلك جائزٌ (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ يعني: الزَّمِنَ الفقيرَ الذي لا شيءَ له، يقال: بَئِسَ الرجلُ يَبْأَسُ بُؤْسًا: إذا اشتدت حاجتُه فهو بائس. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (٢٩)﴾ اختلف القُرّاءُ في هذه اللام (٣)، فكسَرَها بعضُهم، وفَرَّقوا بين ﴿ثُمَّ﴾ والواو والفاء؛ لأن ﴿ثُمَّ﴾ مفصولٌ من الكلام، والواو والفاء كأنّهما من نفس الكلمة، وجَزَمَهما الآخَرون لأنها كلمةٌ لإثبات الأمر.

стр. 238

والتَّفَثُ: مناسكُ الحجِّ كلُّها من: الحَلْق والتنظيف وأخْذ الشارب ونَتْف الإبط وحَلْق العانة وقصِّ الأظفار ولُبْس الثياب ونحوها (١)، وأصل التَّفَثِ في اللغة: الوَسَخُ، تقول للرجل تَسْتَقْذِرُهُ: ما أَتْفَثَكَ! أي: ما أَوْسَخَكَ وأَقْذَرَكَ (٢)، قال أُميةُ بن أبي الصَّلت (٣): ١٦ - شاحِينَ آباطَهُمْ لم يَقْلَعُوا تَفَثًا... وَيَنْزِعُوا عَنْهُمُ قَمْلًا وصِئْبانا (٤) قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ يعني: عبادتَها؛ لأن الأوثانَ كلَّها رجسٌ، قال الزَّجّاجُ (٥): ﴿مِنَ﴾ هاهنا: تخليص جنس من أجناس،

стр. 239

المعنى: فاجتنبوا الرِّجسَ الذي هو وَثَنٌ ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ثم ضَرَب لمن أشرك به مَثَلًا، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾؛ أي: سقط ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾؛ أي: تأخذه بسرعة، من قولهم: خَطِفَ يَخْطَفُ خَطْفًا: إذا سَلَبه، ومنه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (١)، قال ابن عباس: يريد: تخطَفُ لحمَه. ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: تُسقِطه ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ بعيد، يقال: سحُقَ يَسْحُقُ سُحْقًا، فهو سَحِيقٌ. قرأ نافع (٢): ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ بالتشديد (٣)، وقَرأَ الباقون بالتخفيف. قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ يريد: استعظامَ البُدُن واستسمانُها واستحسانَها، والشعائر: جمع الشَّعيرة، وهي: البُدْنُ إذا أُشْعِرَتْ؛ أي: أُعْلِمَتْ بحديدةٍ في صَفْحةِ سَنامِها الأيمنِ ليُعْلَمَ أنها هَدْيٌ ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ يعني: فإنّ تعظيمها، ثم حذَفَ المضاف لدلالة "يُعَظِّمْ" على التعظيم (٤)، وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقةَ التقوى تَقْوَى القلوبِ. قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في الشعائريه ﴿مَنَافِعُ﴾ بركوبها وشرب لبنها

стр. 240

إن احتيج (١) إليه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: إلى أن تُنحَر ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾؛ أي: مَنْحَرُها عند البيت العتيق، يعنِي: أرضَ الحرم كلَّها، نظيره قوله تعالى: "فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا" (٢) يريد: الحرمَ كلَّه. وسُمِّيَ البيتَ العتيقَ لأنّ اللَّه تعالى أعتَقَه من الجبابرة فلم يَظْهَرْ عليه جَبّارٌ قَطُّ، رَوَى ذلك عبدُ اللَّه بن الزُّبير، عن النَّبِيِّ ﷺ (٣). وقيل (٤): سُمِّيَ عتيقًا لقِدَمِهِ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾؛ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكّةَ مُبارَكًا (٥)، وقيل (٦): لِكَرَمِهِ، وقيل (٧): لأنَّهُ أُعْتِقَ يوم الطُّوفان من الغرق. قولُه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ أي: جماعةٍ مؤمنة سَلَفت قبلَكم ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قَرأَ أهلُ الكوفة إلّا عاصمًا بكسرِ السين في الموضعَيْن: على معنى الاسم (٨) مثلَ: المجلِس والمطلِع؛ أي: مَذْبَحًا، وهو موضعُ القربان، وقَرأَ

стр. 241

الباقونَ بالفتح فيهما على المصدر، مثلَ: المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، وهو: إِهْراقُ الدماء وذَبْحُ القرابين. والفتح أَوْلى؛ لأنّ المصدر من هذا الباب بفتح العين (١)، يقال: نَسَكَ يَنْسُكُ: إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، وأصل المَنْسَكِ -في كلام العرب-: الموضعُ المعتاد لعملِ خيرٍ أو شرّ، يقال: إنّ لفلانٍ (٢) منسَكًا؛ أي: مكانًا يغشاه ويألَفُه للعبادة، ومنه مناسكُ الحجِّ لِتَرَدُّدِ الناس إلى الأماكن التي تُعمَلُ فيها أعمال الحج والعمرة (٣). قوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾؛ أي: على نَحْر ما رَزَقَهم ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم إلّا اللَّهَ وحدَه ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾؛ أي: انقادوا وأطيعوا ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ يعني: المتواضعينَ المطمئنِّين إلى اللَّه، ثم وَصَفَهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: إذا خُوِّفوا باللَّه خافوا ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من البلاءِ والمصائبِ في طاعة اللَّه. ومحَلُّ "الَّذِينَ": نصبٌ، نعتٌ للمُخْبِتين، ويجوزُ أن يكون نصبًا على المدح، ويجوز أن يكونَ رفعًا على أنه خبرُ ابتداءٍ محذوف تقديرُه: هم الذين (٤)،

стр. 242

و ﴿الصَّابِرِينَ﴾ عطفٌ على ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ يعني: في أوقاتها، وهو عطفٌ على ما قبلَه في الإعراب، وفيه أيضًا ثلاثةُ أوجه: بالخَفْض على الإضافة وتُحذَفُ النُّونُ لها، ويجوزُ النَّصبُ معَ حذفِ النون؛ لأنّ الألفَ واللام بِمَعْنَى ﴿الَّذِينَ﴾، والوجهُ الثالث: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ على الأصل (١). قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ﴾: نصبٌ بإضمارِ فعل تقديره: وجَعَلْنا البُدنَ ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من أعلام دينِه، وهي جمعُ: بَدَنة، ويجوز ضمُّ الدال مثلَ: ثَمَرةٍ وثُمُر (٢)، وهي: الناقة والبقرة مما يجوز في الهَدْي والأضاحي ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ يعني: النَّفعُ في الدنيا والأجرُ في الآخرة. ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ يعني: عندَ نحرِها، قال ابنُ عباس (٣): هو أن يقول: اللَّهُ أكبر لا إلَه إلّا اللَّه، واللَّهُ أكبر، اللهمَّ منكَ ولك. وقوله: ﴿صَوَافَّ﴾ يعني: قيامًا على ثلاثِ قوائم، قد صَفَّتْ رِجْلَيْها وإحدى يدَيْها، ويدُها اليسرى معقولةٌ (٤)، وقيل (٥): الصَّوافُّ: أن يَعْقِلَ رِجْلَها

стр. 243

اليسرى، وتقوم على ثلاث فيَنْحَرُها كذلك، وهو منصوبٌ على الحال. وتُقْرَأُ: ﴿صَوافِنَ﴾ (١)، وأصلُ هذا الوَصْف في الخَيْل، يقال: صَفَنَ الفرسُ فهو صافنٌ: إذا قام على ثلاثِ قوائم وثَنَى سُنْبُكَ الرابعةِ، والسُّنْبُكُ: طَرَفُ الحافر، والبعيرُ إذا أرادوا نَحْرَهُ تُعْقَلُ إحدى يدَيْه فيقوم على ثلاث قوائم، وتُقرَأ أيضًا: ﴿صَوَافِيَ﴾ (٢)؛ أي: خَوالِصَ للَّه، لا تُشركوا به في التسمية على نحرها أحدًا (٣). قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾؛ أي: سَقَطت بعد النحر، فوَقَعت جُنوبُها على الأرض، وأصل الوجوب: الوقوع، يقال: وَجَبت الشمس: إذا سقطت للمغيب، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمرُ إباحةٍ ورخصة مثلَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٤) وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٣٦)﴾ قيل: القانعُ: الذي يقنَع بما أُعْطِيَ، ويَرْضَى بما عندَه ولا يَسْأَلُ، وقيل: القانع: المتعفِّف الجالس في بيته، والمعترُّ:

стр. 244

السائلُ الذي يسألُك ويعتريك، فعلى هذَيْن التأويلَيْنِ هو مأخوذٌ من القناعة، وهي الرضا والتعفُّف وتركُ السؤال. وقيل (١): القانع: الذي يسألك، والمعترُّ: الذي يتعرَّض لك وترتاب نفسُه ولا يسألك، وعلى هذا القول يكونُ القانعُ من القنوع وهو السؤال، يقال: قنَعَ -بالفتح- يَقْنَعُ بالفتح (٢) قُنُوعًا: إذا سأل، ويقال من القناعة: قَنِعَ -بالكسر- يَقْنَعُ بالفتح قناعةً: إذا رضي، قال الشَّمّاخ (٣): ١٧ - لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فيُغْنِي... مَفاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ القُنُوعِ (٤)

стр. 245

يعني: من السؤال، وقال آخر: ١٨ - وَلا أَحْرِمُ المُضْطَرَّ إِنْ جاءَ قانِعا (١) يعني: سائلًا، وقيل (٢): هو من الأضداد، يقال: قَنع: إذا رضي، وقنع: إذا سأل، وقيل: القانعُ: هو المسكين الذي يطوف فيسأل، والمُعْتَرُّ: الصّديق الزائر الذي يَعْتَر بالبُدْنِ، يقال: عَرَّهُ واعْتَرَّهُ وعَراهُ واعْتَراهُ: إذا أتاه طالبًا منه معروفًا (٣). وقيل (٤): القانع: الذي يَسْأَلُ وتَرُدُّهُ التمرةُ واللُّقْمةُ، والمُعْتَرُّ: الذي لا يَسأل فيُبدَأُ بالصدقة. قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾؛ أي: بسبب ما ظُلِمُوا واعتُدِيَ عليهم بإيذائهم وإخِراجهم من ديارهم، قَرأَ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامر وحمزةُ والكِسائي (٥): ﴿أُذِنَ﴾ بفتح الألف على إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى لتقدُّم ذكرِه، وقَرأَ الباقونَ بضمِّ الألف على المجهول.

стр. 246

وقَرأَ ابنُ عامر ونافعٌ وحفص: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء، وقَرأَ الباقون بكسرِها (١)، وفي الآية محذوفٌ والتقدير: أُذِن لهم أن يقاتِلوا أو: بالقتال. ثم وَعَدَهم بالنَّصر، فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ يعني: المؤمنين. ثم وَصَفهم فقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ محَلُّ ﴿الَّذِينَ﴾: خفضٌ على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ الأول، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾؛ أي: لم يُخرَجوا من ديارهم إلّا بقولهم: ربُّنا اللَّهُ وحدَه، فيكون ﴿أَنْ﴾: أَنْ "في موضع الخفض ردًّا على الباء في قوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢)، ويجوزُ أن يكون في موضع نصبٍ على وَجْه الاستثناء (٣). قال سيبوَيْه (٤): هذا من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكنْ بأنْ يقولوا: ربُّنا اللَّه (٥)؛ أي: أَخرجَوهم بتوحيدهم.

стр. 247

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يُقرَأُ بإثبات الألف وحذفِها (١)، وقد تقدَّم ذكره في سورة البقرة (٢)، وقوله: ﴿لَهُدِمَتْ﴾ يقال: هَدَمتُ البناءَ: إذا نقَضتَه وانهدم، قَرأَ نافعٌ وابنُ كثير بتخفيفِ الدال (٣)، وقَرأَ الباقونَ بالتشديد، وأظهرَ التاءَ نافعٌ وابنُ كثير وعاصم، وأدغَمَها الباقون، والتخفيفُ يكون للقليل والكثير (٤)، والتشديدُ يختص به الكثير. وقوله: ﴿صَوَامِعُ﴾ هي: منازلُ الرُّهبان ﴿وَبِيَعٌ﴾ جَمْع: بَيْعةِ النصارى، ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ يعني: كنائسَ اليهود، وهي بالعبرانيّة صُلُوثا، ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا (٤٠)﴾ يعني: مساجدَ المسلمين من أُمّة محمدٍ ﷺ ، ونَصْبُ ﴿كَثِيرًا﴾ على النَّعت لمصدرٍ محذوف، أراد: ذِكْرًا كثيرًا، ويقال: ومعنى الآية يقولُ: لولا دفاعُ اللَّه الناسَ عن الفساد ببعضِ الناس لهُدِم في شريعةِ كلِّ نبيٍّ المكانُ الذي يُصلَّى فيه، فلولا الدَّفْعُ لَهُدِّمَ في زمن موسى الكنائسُ، وفي زمن عيسى الصَّوامعُ والبِيَعُ، وفي زمن محمدٍ ﷺ المساجدُ.

стр. 248

قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ﴾؛ أي: أمهَلْتُ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وأَخَّرْتُ عقوبتَهم، يقال: أَمْلَى اللَّهُ لفلان في العمُر: إذا أخَّر عنه أجَلَه، وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ يريد: بالعذاب ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾؛ أي: إنكاري بالعذابِ والهلاك؟ وهذا استفهامٌ معناه التقرير، والنكير: اسمٌ من الإنكار، ومحَلُّه رفعٌ؛ لأنَّهُ اسم ﴿كَانَ﴾، قَرأَ ورشٌ: ﴿نَكِيرِي﴾ بياءٍ في الوصل فقط، وقَرأَ الباقونَ بالحذف (١). قوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: فكم من قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ يعني: وأهلُها ظالمون، فنَسَب الظلمَ إلى القرية لقُرب الجِوار. قَرأَ ابنُ كثير (٢): ﴿وَكائِنْ﴾ بالمدِّ، وقد ذَكَر في آل عمران (٣)، وقرأ أبو عَمْرو (٤): ﴿أَهْلَكْتُها﴾ بالتاء، على الفعل الواحد، وهو الاختيارُ، لقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾، وقرأ الباقون: ﴿أَهْلَكْنَهُا﴾ على التعظيم ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ (٤٥)﴾ عطفٌ على قوله: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٥)؛ لأن المعنى: وكم من

стр. 249

بئرٍ معطَّلةٍ وقصرٍ مَشِيد تَرَكوا بعد إهلاكهم، والمُعَطَّلةُ: المتروكةُ من العمل والاستسقاء، ومعنى التعطيل: التركُ من العمل، والمَشِيدُ: المُطَوَّلُ المرفوع، مأخوذٌ من قولهم: شادَ بِناءَهُ: إذا رَفَعه (١)، وقد ذكرنا ذلك في سورة النِّساء في قوله تعالى: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢). ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: في أرضِ اليمن والشام ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ما يرَوْن من العِبَر ممّا نزل بمن كذَّب قبلَهم ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أخبارَ الأُممِ المكذِّبة، قال ابنُ قُتيبة (٣): وهل شَيْءٌ أَبْلَغُ في العِظةِ والعِبْرةِ من هذه الآية؟ ونصْبُ ﴿فَتَكُونَ﴾ على جواب الجحد بالفاء. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ قال الفَرّاء (٤) والزَّجّاج (٥): هذا من التوكيد الذي تزيده العربُ في الكلام، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: عَمِلوا في إبطال آياتنا مغالِبينَ مُشاقِّينَ، وقيل: مسابِقين، وقيل: معانِدين، وقيل: ظانِّينَ أنْ لا

стр. 250

نقدرَ عليهم (١)، وقرأ هاهنا وفي سبأٍ مكيٌّ وأبو عَمْرو (٢): ﴿مُعْجِّزِينَ﴾؛ أي: مُثَبِّطِينَ عن الإيمان، وقيل: مُبَطِّئِينَ، وقيل: فائتين، وهو منصوبٌ على الحال، ثم أَخْبر عن هؤلاءِ أنهم أصحابُ النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾. قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، المُرْسَلُ: الذي يُنزَلُ عليه كتابٌ، وغيرُ المرسَل: الذي يُبعَثُ بغيرِ كتاب. الفَرْقُ بينَ النَّبِيِّ المرسَل وغيرِ المرسَل: أن المرسَل هو: الذي يأتيه جِبريلُ ﵇ بالوحي عِيانًا وشِفاهًا، وغيرُ المرسَل هو: الذي تكون نبوّتُه إلهامًا أو منامًا، فكلُّ رسولٍ نبيّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولًا. قوله ﴿نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾؛ أي: إذا تلا القرآنَ ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (٥٢)﴾؛ أي: تلاوته، وذلك أنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان حريصًا على إيمان قومه، فجلس يومًا في مجلسٍ لهم، وقَرأَ عليهم سُورةَ النَّجم، فلمّا أتَى على قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٣)، ألقى الشّيطانُ في أمنيّتِه حتَّى وَصَل به: تِلكَ الغَرانيقَ (٤) العُلَى، وإنّ شفاعتَهنَّ لَتُرْتَجَى، ففرح المشركونَ
следующие страницы →