الذي لا يَخْرُجُ عن الشيء، قد مُنِعَ من ذلك، ويقال: تَسَيْطَرَ: إذا تَسَلَّطَ، ثم أُبْدِلَ مِنَ السِّينِ صادٌ لأن بعدها طاءً (١).
قيل: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، وقيل: ليست بمنسوخة (٣).
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾ ﴿مَن﴾ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع عما قبله، معناه: لكنْ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ؛ أي: أعْرَضَ عن الإيمان، وكَفَرَ بعد التذكير بالقرآن ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ وهو أن يُدْخِلَهُ النّارَ، ولا عذاب أعظم منها.
وإنما قال: ﴿الْأَكْبَرَ﴾، لأنهم عُذِّبُوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسْرِ، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فإنَّه يُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ (٤).
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ يعني: مرجعهم ومصيرهم ومعادهم إلينا بعد الموت، يقال: آبَ يَئُوبُ أوْبًا وَإيابًا، والأصل: إيْوابٌ، فَأُدغمت الياء فِي الواو، وانقلبت الواو إلَى الياء (٥).
стр. 1857
وقرأ أبو جعفر بتشديد الياء (١)، قال أبو حاتم (٢): وهذا لا يجوز، ولو جاز لجاز في الصيام والقيام، وهو شاذٌّ لَمْ يُجِزْهُ أحَدٌ غَيْرُ الزَّجّاجِ، فإنه قال (٣): يُقالُ: أيّبَ إيّابًا على: فَيْعَلَ فِيعالًا.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ يعني: جزاؤهم بعد المرجع بأعمالهم خيرها وشرها على اللَّه ، قال قتادة (٤): إلَى اللَّه الإياب، وعلى اللَّه الحساب، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1858
سورة الفجر
مكِّية وقيل: مدنيّة
وهي خمسمائة وسبعة وتسعون حرفًا، ومائة وسبع وثلاثون كلمةً، وثلاثون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَالْفَجْرِ﴾ فِي اللَّيالِي العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجّةِ غُفِرَ له، وَمَنْ قَرَأها فِي سائِرِ الأيّامِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الفَجْرِ أتَتْ تَمْشِي ذُنُوبُهُ وَهُمُومُهُ وَكُرُوبُهُ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ أقسم اللَّه تعالى بِفَجْرِ النهار، وهو
стр. 1859
انْفِجارُ الصُّبْحِ كُل يَوْمٍ إذا انْفَجَرَ ضَوْؤُهُ، قال النَّقّاشُ (١): ويُسَمَّى الفَجْرُ فَجْرًا؛ لأنه مأخوذ من انفجار الجُرْحِ، وقيل (٢): أراد بالفجر هاهنا فَجْرَ أوَّلِ يَوْمٍ من المُحَرَّمِ؛ لأن منه تَنْفَجِرُ السَّنةُ، وقيل (٣): هو فَجْرُ ذِي الحِجّةِ؛ لأن اللَّه تعالى قَرَنَ الأيّامَ بِها فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ وهي عَشْرُ ذِي الحِجّةِ فِي قول أكثر المفسرين، والأصل فيها: لَيالِيَ، ولو جاءت على الأصل لقُلْتَ: وَلَيالِيَ يا هذا لأنه لا ينصرف (٤).
قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ يعني بالشفع يومَ النَّحْرِ، وَبِالوَتْرِ يَوْمَ عَرَفةَ، وهذا قول ابن عباس (٥)، وقيل (٦): الشفْعُ: صَلاةُ الغَداةِ والوَتْرُ: صَلاةُ المَغْرِبِ، وقيل (٧): الشَّفْعُ: آدَمُ وَحَوّاءُ والوَتْرُ: اللَّهُ -سبحانه-، وقيل (٨): الشَّفْعُ: كُلُّ زَوْجٍ والوَتْرُ: اللَّه .
стр. 1860
وَرَوَى عِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ (١) عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "هِيَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، فِيها شَفْعٌ وَوَتْرٌ" (٢)، وقيل (٣): الشَّفْعُ: أبْوابُ الجَنّةِ والوَتْرُ أبْوابُ النّارِ، وفيه أقاويلُ كثيرةٌ يطول شرحها هاهنا.
ومعنى الشَّفْعِ في اللغة اثنانِ، والوَتْرُ واحِدٌ (٤)، قرأ أبو جعفر وَشَيْبةُ ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: "الوَتْرِ" بفتح الواو، وقرأ يحيى بن وَثّابٍ والأعمشُ والحسنُ وَحَمْزةُ والكِسائِي بكسر الواو (٥)، وهما لُغَتانِ حَسَنَتانِ.
قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ يعني: إذا سارَ وَذَهَبَ، وقيل: إذا جاء وأقبل، واختلف القُرّاءُ فِي قوله: ﴿يَسْرِ﴾، فقرأ أهلُ المدينة وأبو عمرو وعيسى بنُ عُمَرَ بالياء في الوصل، وَرُوِيَ ذلك عن الكسائيِّ، وقرأ ابنُ عامر وعاصمٌ وَحَمْزةُ بحذف الياء في الوصل والوقف إتْباعًا لِلْخَطِّ، وقرأ ابن كثير ويعقوبُ بالياء في الحالَيْنِ على الأصل (٦).
стр. 1861
قال الزَّجّاجُ (١): والحذف أحَبُّ إلَيَّ لأنها فاصلةٌ، والفواصل تُحْذَفُ منها الياءاتُ وَتَدُلُّ عليها الكَسَراتُ.
وقال صاسما "إنسان العين" في معنى ﴿يَسْرِ﴾ (٢)؛ أي: يُسْرَى فيه، فلما عُدِلَ سَقَطَتْ ياؤُهُ كَبَغِيٍّ من باغِيةٍ، قال: وقد تُحْذَفُ الياءُ بلا عِلّةٍ، كما قال الشاعر:
٥١٢ - كَفّاكَ كفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما (٣)
أي: تُعْطِي.
وكذلك ذكره الثَّعْلَبِيُّ (٤) عن أكثر أهل المعانِي أنهم قالوا: المعنى: يُسْرَى فِيهِ كقولهم: لَيْلٌ نائِمٌ، وَنَهارٌ صائِمٌ، وَسِرٌّ كاتِمٌ.
قال الفَرّاءُ (٥): وقد تَحْذِفُ العَرَبُ الياءَ، وَتَكْتَفِي بِكَسْرِ ما قَبْلَها، وأنشد
стр. 1862
البيتَ المذكورَ. وقال الخليلُ بنُ أحمد (١): إسقاط الياء منه وِفاقًا لِرُؤوسِ الآيِ.
وقال المُؤَرِّجُ (٢): سألتُ الأخفش عن العلة في سقوط الياء من ﴿يَسْرِ﴾، فقال: لا أُجِيبُكَ ما لَمْ تَبِتْ عَلَى بابِ دارِي سَنةً، قال: فَبِتُّ عَلَى بابِ دارِهِ سَنةً، ثُمَّ سَألْتُهُ، فقال: اللَّيْلُ لا يَسْرِي، وإنَّما يُسْرَى فِيهِ، وهو مصروف، فلما صَرَفَهُ بَخَسَهُ حَظَّهُ من الإعراب، ألا تَرَى إلَى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٣) وَلَمْ يَقُلْ: بَغِيّةً؛ لأنه صرفه عن باغية.
قوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما ذُكِرَ ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾؛ أي: مَقْنَعٌ وَمُكْتَفًى في القَسَمِ لِذِي عَقْلٍ وَلُبٍّ، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَمّا لا يَحِلُّ له أي: يَمْنَعُهُ، ولهذا سُمِّيَ حِجْرُ البَيْتِ حِجْرًا لأنه يَمْنَعُ من الطواف فيه، وأصل الحَجْرِ: المَنْعُ، ومنه قولهم: حَجَرَ الحاكِمُ على فلانٍ: إذا مَنَعَهُ من التصرف بِمالِهِ (٤).
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألَمْ تُخْبَرْ ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾ اختلف
стр. 1863
العلماء في معنى ﴿إِرَمَ﴾، فمنهم من قال (١): إرَمُ ذاتُ العِمادِ: دِمَشْقُ، وقيل (٢): هي الإسكندرية، وقيل (٣): هي قبيلة من قوم عاد، كان فيهم المُلْكُ، وكان عادٌ أباهُمْ، فنَسَبَهُمْ إليه، وقال محمد بن إسحاق (٤): إرَمُ هو جَدُّ عادٍ بنِ عَوْصِ ابنِ إرَمَ بنِ سامِ بنِ نُوحٍ ﵇، وقيل (٥): إرَمُ أبُو عادٍ، وهو عادُ بنُ إرَمَ ابنِ سامِ بن نُوحٍ ﵇.
و ﴿إِرَمَ﴾ في موضع خفض على النعت لـ "عادٍ"، أو على البدل، لكنه لا ينصرف، ومعنى ﴿إِرَمَ﴾ القديمة، وَمَنْ جَعَلَ ﴿إِرَمَ﴾ مدينةً قَدَّرَ في الكلام حَذْفًا، تقديره: بِمَدِينةِ عادٍ إرَمَ، وقيل: تقديره: بِعادٍ صاحِبةِ إرَمَ، وإرَم معرفة مؤنثة على هذا القول، فلذلك لَمْ يَنْصَرِفْ.
وانصرف عادٌ لأنه مذكر خفيف وهو اسم لِلْحَيِّ (٦)، وقرأه الضَّحّاكُ:
стр. 1864
"بِعادَ" (١) بغير صَرْفٍ، جعله اسمًا للقبيلة، قال صاحب "إنسان العين" (٢): و"أرِمَ" (٣) بفتح الألف هو العَلَمُ؛ أي: أصْحابِ العَلَمِ؛ أي: أصْحابِ أعْلَامِ هَذِهِ المَدِينةِ، وَأرَمَّ الشَّيءُ: إذا بَلِيَ، من رَمَّ العَظْمُ: إذا بَلِيَ.
وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يعني الطِّوال، يقال: رَجُل مُعَمَّدٌ: إذا كان طويلًا، وقيل: ذات البناء والحصون والأساطين (٤).
ثم وَصَفَهُمْ، فقال: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾؛ أي: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تلك القَبِيلةِ في الطُّولِ والقُوّةِ، وهم الذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (٥)، ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ﴾؛ أي: قَطَعُوا وَخَرَقُوا الصَّخْرَ يعني: الحَجَرَ، واحدتها صخرة ﴿بِالْوَادِ (٩)﴾ يعني: بِوادِي القُرَى، فاتَّخَذُوا فيها بُيُوتًا، كما قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (٦)، ومعنى ﴿جَابُوا﴾؛ أي: قَطَعُوا كما ذكرنا، مأخوذ من: جُيِّبَ القَمِيصُ: إذا قُطِعَ له جَيْبٌ، والمِجْوَبُ: حَدِيد يُجابُ بِها؛ أي: يُقْطَعُ (٧).
وموضوع "ثَمُودَ" خفض عطفا على "عادٍ"، ولم ينصرف؛ لأنه اسم للقبيلة
стр. 1865
وهو معرفة، ومن صرفه جعله اسمًا لِلْحَيِّ، ومن خفضه بغير تنوين حذف التنوين لالْتِقاءِ الساكنين، و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع خفض على النعت، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى: أعْنِي، وفي موضع رفع بمعنى: هُم الذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ (١).
و ﴿جَابُوا﴾ من ذوات الواو، يقال: جابَ الشَّيْءَ يَجُوبُهُ: إذا قَطَعَهُ وَدَخَلَ فيه، وحُذفت الياء من "الوادِ"؛ لأنها رأس آية، والكسرة تدل عليها (٢).
قوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾ سُمِّي ذا الأوتاد، لأنه كان إذا غَضِب على أحَدٍ مَدَّهُ على الأرض، وَأوْتَدَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَرَأْسَهُ على الأرض، وَسَلَّطَ عليه الحَيّاتِ والعَقارِبَ حتى يَمُوتَ (٣).
وقيل (٤): معناه: ذِي الجُنُودِ الكَثِيرةِ المُحْتاجةِ لِضَرْبِ الأوْتادِ في أسفارها، ومحله خفض عطف على ما قبله، ولَمْ ينصرف لأنه اسم أعجمي، و ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ من نعته.
ثم جمع عادًا وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ وَوَصَفَهُمْ، فقال: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾ يعني: طَغَوْا فيها بالمعاصي والقتل، فقتلوا عباد اللَّه، وعبدوا غير اللَّه تعالى ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾ يعني: في البلاد ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ
стр. 1866
عَذَابٍ (١٣)﴾ يعني: لَوْنًا من العذاب، والسَّوْطُ: اللَّوْنُ، والعرب تقول لكل لَوْنٍ من العذاب: سَوْطُ عَذابٍ (١)، وقيل (٢): معناه: قِطْعةَ عَذابٍ. قال أهل المعانِي (٣): وهذا على الاستعارة؛ لأن السَّوْطَ عندهم غايةُ العَذابِ، فَجَرَى ذلك لِكُلِّ عَذابٍ، قال الشاعر:
٥١٣ - ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ دِينَهُ... وَصَبَّ عَلَى الكُفّارِ سَوْطَ عَذابِ؟ (٤)
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾؛ أي: عليه طَرِيقُ العِبادِ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ، والمِرْصادُ والمَرْصَدُ: الطريق، وجمعه مَراصِدُ (٥)، وهذه الآية جواب القسم، وقد اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ وَجَوابِهِ قولُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾.
стр. 1867
فصل
رَوَى مِقْسَمٌ (١) عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية قال: "إنَّ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ سَبْعَ مَحابِسَ، يُسْألُ العَبْدُ عِنْدَ أوَّلِها عن شَهادةِ أنْ لا إله إلا اللَّهُ، فَإنْ جاءَ بِها تامّةً جازَ إلَى الثّانِي، فَيُسْألُ عن الصَّلاةِ، فَإنْ جاءَ بِها تامّةً جازَ إلَى الثالِثِ، فَيُسْألُ عَنِ الزَّكاةِ، فَإنْ جاءَ بِها تامّةً جازَ إلَى الرّابِعِ، فَيُسْألُ عن الصَّوْمِ، فَإنْ جاءَ بِهِ تامًّا جازَ إلَى الخامِسِ، فَيُسْألُ عن الحَجِّ، فَإنْ جاءَ بِهِ تامًّا جازَ إلَى السّادِسِ، فَيُسْألُ عن العُمْرةِ، فَإنْ جاءَ بِها تامّةً جازَ إلَى السّابِعِ، فَيُسْألُ عن المَظالِمِ، فَإنْ خَرَجَ مِنْها وَإلَّا يُقالُ: انْظُرُوا لَهُ، فَإنْ كانَ له تَطَوُّعٌ أكْمَلَ به أعْمالَهُ، فَإنْ فَرَغَ انْطُلِقَ بِهِ إلَى الجَنّةِ" (٢).
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ يعني: اخْتَبَرَهُ بِالغِنَى واليُسْرِ والنِّعْمةِ والتَّوْسِعةِ ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ أكْرَمَهُ بالمال، وَنَعَّمَهُ بما يُوَسِّعُ عليه من الأفضال ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾ فَضَّلَنِي بِما أعْطانِي ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ بالفقر ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾؛ أي: ضَيَّقَهُ عليه، وَجَعَلَهُ على قَدْرِ بُلْغَتِهِ، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ أذَلَّنِي بِالفَقْرِ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر: "فَقَدَّرَ" بالتشديد (٣)، وقرأه
стр. 1868
العامة بالتخفيف، وهما لغتان، وكان أبو عمرو يقول (١): "قَدَرَ" بمَعْنَى "قَتَرَ"، و"قَدَّرَ" هو أن يُعْطِيَهُ ما يَكْفِيهِ.
ثم رَدَّ اللَّه على هذا الكافر، فقال: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: لَيْسَ الأمْرُ كما يَظُنُّ، أي: لَمْ أبْتَلِهِ بالغِنَى لكرامته عَلَيَّ، وَلَمْ أبْتَلِهِ بالفَقْرِ لِهَوانِهِ، فإن اللَّه يُوَسِّعُ على الكافر لا لَكَرامَتِهِ، ويُقَتِّرُ على المُؤْمِنِ لا لِهَوَانِهِ، كما رَوَى عبدُ اللَّه بن مسعود ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيا مَنْ أحَبَّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إلّا مَنْ أحَبَّ، فَمَنْ أعْطاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أحَبَّهُ" (٢).
ثم أخْبَرَ عن الكفار، فقال: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾؛ أي: لا تَبَرُّونَهُ، وَلَا تُحْسِنُونَ إلَيْهِ ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾؛ أي: لا تأمرون بإطعامه، ومن قرأ: "تَحاضُّونَ" بألفٍ أراد: تتَحاضُّونَ، فحذف التاء، والمعنى: لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾ يعني: شَدِيدًا؛ أي: تَلُمُّونَ جَمِيعَهُ في الأكْلِ، يقال: لَمَمْتُ الشَّيْءَ وَألْمَمْتُهُ: إذا أتَيْتَ على آخِرِهِ (٣)، وأصل التُّراثِ: الوِراثُ، فأبدلوا من الواو المضمومة تاءً.
стр. 1869
قوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ﴾ يعني جَمْعَ المالِ ﴿حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ يعني: كثيرًا شديدًا، يقال: جَمَّ الماءُ فِي الحَوْضِ: إذا كَثُرَ واجْتَمَعَ، ومنه: جَمّةُ السَّفِينةِ (١)، قرأ أهل البصرة: "تُحِبُّونَ" وما قبله بالياء في الأربعة كُلِّها، وقرأها الآخرون بالتاء، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: ﴿تَحَاضُّونَ﴾ بالألف وفتح التاء، وَرُوِيَ عن الكِسائِيِّ: "تُحاضُّونَ" بضم التاء، وقرأ الباقون: "تَحُضُّونَ" بغير ألف (٢).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: لا يفعلون ما أُمِرُوا به مِنْ إكْرامِ اليَتِيمِ والحَضِّ على طعام المسكين.
ثم خَوَّفَهُمْ، فقال: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ يعني: مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ، فَتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ على ظَهْرِها، وَدُقَّتْ جِبالُها وَأنْشازُها حَتَّى اسْتَوَتْ مَعَ وَجْهِ الأرض (٣) ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ يعني: جاءَ أمْرُهُ وَقَضاؤُهُ وَظُهُورُ قُدْرَتهِ؛ لأنه -سبحانه- لا يُوصَفُ بِتَحَوُّلٍ مِنْ مَكانٍ إلَى مَكانٍ، وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ
стр. 1870
صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ يريد صفوف الملائكة إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صَفًّا بعد صَفٍّ مُحِيطِينَ في الأرض، وهما منصوبان على الحال، وقيل (١): هما مصدران في موضع الحال.
قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ يعني: يوم القيامة، فَأُبْرِزَتْ لِلْخَلْقِ يَنْظُرُونَ إليها، كقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ (٢)، فَيَراها الخَلْقُ كُلُّهُمْ، قال الضَّحّاكُ: "يُجاءُ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ مِنْ مَسِيرةِ خَمْسِمِائةِ عامٍ، عليها سبعون ألْفَ زِمامٍ، على كل زِمامٍ سبعون ألْفَ مَلَكٍ مُتَعَلِّقٍ بها يَحْبِسُونَها عن الخَلْقِ، وُجُوهُهُمْ مِثْلُ الجَمْرِ، وَأعْيُنُهُمْ مِثْلُ البَرْقِ، فإذا تكلَّمَ أحَدُهُمْ تتَناثَرُ مِنْ فِيهِ النّارُ، بِيَدِ كُلِّ مَلَكٍ مِرْزَبةٌ (٣) عليها اثنتان وسبعون رَأْسًا كأمثال الجِبالِ، وهي أخَفُّ فِي يَدِهِ من الرِّيشِ، ولها رُءُوسٌ كَرُءُوسِ الأفاعِي، وَأعْيُنٌ زُرْقٌ تريد أن تَنْقَلِبَ على الخلائق من غضب اللَّه تعالى" (٤).
وقرأ الكسائي وهشام: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ﴾ بالإشمام (٥).
стр. 1871
فصل
عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: لَمّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعُرِفَ في وَجْهِهِ حتى اشْتَدَّ على أصحابه ما رَأوْا مِنْ حالِهِ، فانطلق بعضهم إلَى عَلِيٍّ ﵁، فقالوا: يا عَلِيُّ! لقد حَدَثَ أمْرٌ قد رَأيْناهُ مِنْ نَبِيِّ اللَّه ﷺ ، فجاء عَلِيٌّ، فاحْتَضَنَهُ من خَلْفِهِ، ثم قَبَّلَ بَيْنَ عاتِقَيْهِ، ثم قال: يا نَبِيَّ اللَّه! بِأبِي أنْتَ وَأُمِّي، ما الذي حَدَثَ اليومَ؟، قال: "جاءَنِي جِبْرِيلُ فَأقْرَأنِي: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، قلتُ: كَيْفَ يُجاءُ بِها؟ قال: يَجِيءُ بِها سبعون ألف مَلَكٍ يقودونها بسبعين ألف زمام، فَتَشْرَدُ شَرْدةً لو تُرِكَتْ لأحْرَقَتْ أهْلَ الجَمْعِ، ثم أتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فتقول: ما لِي وَلَكَ يا محمدُ؟ قد حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيٍّ، فلا يبقى أحدٌ إلا قال: نَفْسِي نَفْسِي، وإن محمَّدًا يقول: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي" (١).
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني أمية بن خلف الجُمَحِيَّ، إذا عايَنَ جَهَنَّمَ ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ وَمِنْ أيْنَ له أن يُقْبَلَ منه الإيمانُ والتوبةُ في ذلك اليومِ؟ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (٢).
﴿يَقُولُ﴾ هذا الكافر ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ يعني: قَدَّمْتُ فِي الدنيا لِحَياتِي في الآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٣) يعني الحياة، وقيل: معناه: قَدَّمْتُ لِحَياتِي مِنَ النّارِ، فَأكُونَ مِنَ الأحْياءِ ﴿فَيَوْمَئِذٍ
وقوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾؛ أي: مع عبادي، وقيل: في جُمْلةِ عبادي الصالحين المُصْطَفَيْنَ، قال صاحب "إنسان العين" (١): وَقُرِئَ: "فِي عِبادِهِ": في أبِي بَكْرٍ أو عُثْمانَ أو حَمْزةَ ﵃، وَرُويَ عن ابن عباس أنه قرأها: "فادْخُلِي فِي عَبْدِي" (٢) على التوحيد ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ يعني: دارَ كَرامَتِي التي جعلتُها ثَوابًا لأوليائي.
قيل: لَمّا نزلت هذه الآيةُ قال أبو بكر الصديق ﵁: إنَّ هَذا الخَيْرَ -وَرَبِّي- لَحَسَنٌ، فقال له النَّبِيُّ ﷺ : "أما إنَّ المَلَكَ سَيَقُولُها لَكَ عِنْدَ المَوْتِ" (٣).
فصل
رُوِيَ عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أنه قال: "إذا تُوُفِّيَ العَبْدُ المُؤْمِنُ
стр. 1874
أرْسَلَ اللَّهُ مَلَكَيْنِ، وَأرْسَلَ إلَيْهِ تُحْفةً من الجَنّةِ، فَيُقالُ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنّةُ، إلَى رَوْحٍ وَريحانٍ، وَرَبٍّ عَنْكِ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ، فَتَخْرُجُ كَأطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ وَجَدَهُ أحَدٌ فِي أنْفِهِ" (١).
وعن سعيد بن جُبَيْرٍ قال: "مات ابنُ عباس بالطائف، فَشَهِدْتُ جِنازَتَهُ، فجاء طائرٌ لَمْ نَرَ على خِلْقَتِهِ، فدخل فِي نَعْشِهِ، ثُمَّ لَمْ يُرَ خارِجًا مِنْهُ، فلما دُفِنَ تُلِيَتْ هذه الآيةُ عَلَى شَفِير القَبْرِ، لَمْ نَدْرِ مَنْ تَلاها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1875
سورة البلد
مكية
وهي ثلاثمائةٌ وَأحَدٌ وثلاثون حرفًا، واثنتان وثمانون كلمة، وعشرون آية.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أعْطاهُ اللَّهُ الأمْنَ مِنْ غَضَبِهِ"، ويُرْوَى: "مِنْ غَضَبِ يَوْمِ القِيامةِ" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ البَلَدِ أقْسَمَ جِبْرِيلُ ﵇ مِنْ تَحْتِ العَرْش: أُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ الصّالِحِينَ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ يعني مكة، و ﴿لَا﴾ صلة
стр. 1876
زائدة، يعني: أُقْسِمُ، والإشارة بـ "هَذا" إلَى مَكّةَ، و ﴿الْبَلَدِ﴾ نعت لـ "هَذا"، أو بَدَلٌ، أو عَطْفُ بَيانٍ (١).
قوله: ﴿وَأَنْتَ﴾ يا محمد ﴿حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾؛ أي: حَلَالٌ، والحِلُّ والحلالُ واحدٌ، وهو ضِدُّ المُحْرِمِ (٢)، وذلك أن اللَّه تعالَى أحَلَّ لِنَبِيِّهِ ﵇ دُخُولَ مَكّةَ يَوْمَ الفَتْح بِغَيْرِ إحْرامٍ حَتَّى قاتَلَ وَقتلَ، وَأحَلَّ ما شاءَ، وَحَرَّمَ ما شاءَ، وقد قال ﷺ : "لَمْ تُحَلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وَلا تُحَلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تُحَلَّ لِي إلّا ساعةً مِنْ نَهارٍ" (٣).
ثم عطف على القَسَمِ بقوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ يعني آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ (٤)، وقيل (٥): إبراهيم ومُحَمَّدٌ ﷺ ، وقيل (٦): أراد محمَّدًا ﵇ وَأُمَّتَهُ، من قوله
стр. 1877
- ﷺ : "إنَّما أنا لَكُمْ مِثْلُ الوالِدِ أُعَلِّمُكُمْ" (١)، وقيل (٢): أرادَ كُلَّ والِدٍ وَمَوْلُودَهُ.
ثم ذكر جواب القَسَمِ، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ يعني: مُنْتَصِبًا قائمًا على قدميه، قال ابن عباس (٣): خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى الأرْضِ عَلَى أرْبَعةٍ إلّا الإنْسانَ، فإنه خُلِقَ مُنْتَصِبًا قائِمًا عَلَى رِجْلَيْنِ.
والكَبَدُ: الاسْتِواءُ والاسْتِقامةُ، وقيل (٤): معنى ﴿فِي كَبَدٍ﴾؛ أي: في نَصَبٍ يُكابِدُ مَصائِبَ الدُّنْيا وشدائد الآخرة، قال ذو الإصْبَعِ العَدْوانِيُّ (٥):
٥١٤ - لِيَ ابْنُ عَمٍّ لَوَانَّ النّاسَ فِي كَبَدٍ... لَظَلَّ مُحْتَجِرًا بِالنَّبْلِ يَرْمِيني (٦)
стр. 1878
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ يعني أبا الأشَدَّيْنِ (١)، وهو رجل من بَنِي جُمَحَ، كان قَوِيًّا شَدِيدَ الخَلْقِ، يقول اللَّهُ : يَظُنُّ مِنْ شِدَّتِهِ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عليه اللَّهُ، فلا يُعاقِبُهُ.
ثم أخْبَرَ عن مقالة هذا الإنسان، فقال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾ وهو المال الكثير بَعْضُهُ على بَعْضٍ (٢)، ومعناه: أهْلَكْتُ في عَداوةِ محمدٍ مالًا كثيرًا (٣)، قال اللَّه تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾؛ أي: أيَظُنُّ أنَّ اللَّه لَمْ يَرَهُ ولا يَسْألُهُ عن ماله من أيْنَ اكْتَسَبَهُ وَأيْنَ أنْفَقَهُ؟
ثم ذَكَّرَهُ النِّعَمَ لِيَعْتَبرَ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾ ذَكَّرَ اللَّهُ تعالَى الإنْسانَ النِّعَمَ التي أنْعَمَ بها عليه لِيَعْتَبِرَ ويشْكُرَ، ثم قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ النَّجْدُ: طَرِيقٌ في ارتفاعٍ، قال الشاعر:
٥١٥ - غَداةَ غَدَوْا فِتْيانُكُمْ بَطْنَ نَخْلةٍ... وَآخَرُ مِنْهُمْ جازِعٌ بَطْنَ كبْكَبِ (٤)
стр. 1879
والمعنى: بَيَّنّا له طريق الخير والشر والحق والباطل والهدى الضلالة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (١).
فصل
عن أبِي حازم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تعالَى يقول: يا ابن آدم! إنْ نازَعَكَ لِسانُكَ فِيما حَرَّمْتُ عَلَيْكَ، فَقَدْ أعَنْتُكَ عَلَيْهِ بِطَبَقَتَيْنِ فَأطْبِقْ، وَإنْ نازَعَكَ بَصَرُكَ إلَى بَعْضِ ما حَرَّمْتُ عَلَيْكَ، فَقَدْ أعَنْتُكَ عَلَيْهِ بِطَبَقَتَيْنِ فَأطْبِقْ، وَإنْ نازَعَكَ فَرْجُكَ إلَى ما حَرَّمْتُ عَلَيْكَ، فَقَدْ أعَنْتُكَ عَلَيْهِ بِطَبَقَتَيْنِ فَأطْبِقْ" (٢).
قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾؛ أي: لَم يَقْتَحِمْها ولا جاوَزَها، قيل: هِيَ عَقَبةٌ بَيْنَ الجَنّةِ والنّارِ، والاقْتِحامُ: الدُّخُولُ في الأمْرِ الشدِيدِ، و"لا" مع
стр. 1880
الماضي بمعنى "لَمْ" مع المستقبل (١)، كقوله ﷺ :
إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا
وَأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا (٢)
أي: أيُّ عَبْدٍ لَكَ لَمْ يُلِمَّ بِذَنْبٍ؟ أخَذَهُ من اللَّمَمِ، وهو من الصغائر.
وَذِكْرُ العَقَبةِ هاهنا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تعالَى لِمُجاهَدةِ النَّفْسِ والهَوَى والشَّيْطانِ في أعمال البرِّ، فجعله كالذي يَتَكَلَّفُ صُعُودَ العَقَبةِ (٣)، يقول: لَمْ يَحْمِلْ عَلَى نَفْسِهِ المَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبةِ والإطْعامِ، وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾؛ أي: ما اقتحام العقبة؟، قال سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ (٤): "كُلُّ شَيْءٍ قالَ اللَّهُ تعالَى:
стр. 1881
﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فإنه أخْبَرَهُ به، يعني النَّبِيَّ ﷺ ، وما قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ".
وقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ يعني أنَّ مَنْ أعْتَقَ رَقَبةً، وَفَكَّها من الرِّقِّ، كانت فِداءَهُ من النار، قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي وأبو رجاء والحَسَنُ: "فَكَّ رَقَبةً" (١)، بفتح الكاف ونصب الرقبة على الفعل، وقرأ غيرهم بالإضافة على الاسم، وهو اختيار الشيخين أبِي عُبَيْدٍ وَأبِي حاتِمٍ (٢)، وهو رفع على إضمار "هِيَ"، أو بدل من العقبة.
فصل
عن سهل بن سعد السّاعِدِيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أعْتَقَ نَسَمةً مُسْلِمةً أعْتَقَ اللَّهُ تعالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْها عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النّارِ" (٣).
وعن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيُّما امْرِئٍ أعْتَقَ أمةً مُسْلِمةً اسْتَنْقَذَ اللَّهُ تعالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْها عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النّارِ" (٤).
стр. 1882
وقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ يعني: مَجاعةٍ، يقال: سَغِبَ يَسْغَبُ سَغَبًا: إذا جاعَ (١)، قيل: "مِنْ مُوجِباتِ المَغْفِرةِ إطْعامُ المُؤْمِنِ السَّغْبانِ" (٢)، قرأ أبو رجاء والحَسَنُ وابنُ كثير وأبو عمرو والكسائي: "أوْ أطْعَمَ" (٣) على الفعل الماضي، وقرأ الباقون: ﴿إِطْعَامٌ﴾ على اسم المصدر.
وقوله: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ يعني: ذا قرابة ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ أي: فاقةٍ قَدْ لَصِقَ بِالتُّرابِ من الفَقْرِ، والمَتْرَبةُ مصدر قولهم: [تَرِبَ] (٤) يَتْرَبُ تَرَبًا وَمَتْرَبةً: إذا افْتَقَرَ حتى لَصِقَ بالتراب ضُرًّا (٥). وقيل (٦): المَتْرَبةُ هاهنا من التُّرْبةِ، وهي شِدّةُ الحالِ، وأنشد الهُذَلِيُّ:
٥١٦ - فَكُنّا إذا ما الضَّيْفُ جاءَ بِلادَنا... سَفَكْنا دِماءَ البُدْنِ فِي تُرْبةِ الحالِ (٧)
стр. 1883
قال عبد الملك بن هشام (١): الحالُ: الطِّينُ الذي يُخالِطُهُ الرَّمْلُ.
ونصب ﴿يَتِيمًا﴾ بـ ﴿إِطْعَامٌ﴾ الذي هو مصدر منون مقدر بـ "أنْ" والفعلِ، أي: أوْ أنْ أطْعَمَ يَتيمًا، ﴿مِسْكِينًا﴾ عطف عليه.
فصل
عن ابن عباس ﵁ قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ بَكَى رسولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَلَيْلةً، وَلَمْ تَرْقَأْ له دَمْعةٌ (٢)، فَقامَ أبو ذَرٍّ فقال: يا رسول اللَّه! أعُوذُ باللَّه من غضب اللَّه وغضب رسوله، هَلَكْنا، وما هذه العَقَبةُ؟ قال: "عَقَبةٌ كَأْداءُ سَوْداءُ فِي نارِ جَهَنَّمَ، مِنْ أسْفَلِها إلَى أعْلاهَا مَسِيرةُ ألْفِ عامٍ، كُلَّما بَلَغُوا أعْلَاها زَلِقُوا (٣)، وهي جَمْرةٌ واحِدةٌ عليها الأفاعِي والعَقارِبُ، تَضْرِبُ الحَيّةُ بِفَقارِها، فَيَتَناثَرُ لَحْمُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ"، قال: فَبَكَى المسلمون، وقالوا: يا رسول اللَّه: ما لَنا مُدْخَلٌ؟ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ هو يا محمد، لا يَنْجُو منها إلّا مَنْ أعْتَقَ رَقَبةً أوْ أطْعَمَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبةٍ يَتيمًا ذا مَقْرَبةٍ أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبةٍ (٤).
стр. 1884
﴿ثُمَّ كَانَ﴾ مع ذلك، يعني: مَعَ إطْعامِ القَرِيبِ أو المسكين ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقيل (١): ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا بمعنى الواو؛ أي: وَكانَ من الذين آمنوا ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على فرائض اللَّه وَأمْرِهِ وَنَهْيِهِ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ يعني: بِالبِرِّ والتَّقْوَى فيما بينهم، والرَّحْمةِ لِلْيَتيمِ والمِسْكِينِ والضَّعِيفِ.
ثم وصفهم فقال: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ وقد تقدم تفسيرهم في سورة الواقعة (٢)، وكذلك تفسير ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ (٣).
وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ يعني: مُطْبَقةٌ على الذين كفروا بآيات اللَّه، وهم أصحاب المَشْأمةِ، قرأ أبو عمرو وَحَفْصٌ وَحَمْزةُ ويعقوبُ وعيسى ابنُ عمر: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ بالهمزة هاهنا وفي سورة الهُمَزةِ (٤)، وقرأ غيرهم بغير هَمْزٍ (٥)، وهما لغتان، يقال: آصَدْتُ البابَ وَأوْصَدْتُهُ: إذا أغْلَقْتَهُ وَأطْبَقْتَهُ (٦)،
стр. 1885
وقيل (١): معنى المُؤْصَدةِ: المُطْبَقةُ، مأخوذ من: آصَدْتُ؛ أي: أطْبَقْتُ.
والْمُوصَدةِ بغير الهمز: المُطْبَقةُ، مأخوذٌ من: أوْصَدْتُ؛ أي: أغْلَقْتُ، ومنه قيل للباب: وَصِيدٌ، والمعنى: أن أبوابها عليهم مُطْبَقةٌ، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غَمٌّ، ولا يدخلُ فيها رَوْحٌ آخِرَ الأبَدِ؛ لا نِهايةَ لَهُ وَلا أمَدَ، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1886
سورة ﴿وَالشَّمْسِ﴾
مكية
وهي مائتان وسبعة وأربعون حرفًا، وأربع وخمسون كلمةً، وخمس عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَالشَّمْسِ﴾، فَكَأنَّما تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الشَّمْسِ، لَمْ تَخْرُجِ الشَّمْسُ حَتَّى تَقُولَ: رَبِّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فُلَانَ، فَيَقُولُ المَلَكُ: قَدْ فَعَلَ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله- : ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ يعني ضَوْءَها في قول مجاهد
стр. 1887
والكلبي (١)، وقال قتادة (٢): هو النهار كله، وقال مقاتل (٣): يريد حَرَّها، كقوله تعالى في ﴿طه﴾: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ (٤)، يعني: وَلَا يُؤْذِيكَ حَرُّها ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ يعني: تَبِعَها، يُقال: تَلا يَتْلُو تُلُوًّا: إذا اتبَعَ، وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غَرَبَت الشمسُ تَلاها القَمَرُ فِي الإضاءةِ، وَخَلَفَها في النُّورِ (٥)، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ يعني: جَلَّى الشَّمْسَ، وَكَشَفَها بِإضاءَتِها، وقيل: جَلَّى الظُّلْمةَ وَكَشَفَها، فجازت الكناية عن الظلمة وَإنْ لَمْ تُذْكَرْ؛ لأن معناها معروف بِذِكْرِ القَمَرِ، وهذا كما يُقال: أصْبَحَتْ بارِدةً، وَأمْسَتْ دَفِيئةً، وَهَبَّتْ شَمالًا؛ لأن المعنى معروف لِما ذُكِرَ في أوَّلِهِ، وهذا قول الفَرّاءِ (٦)، قال الصَّفّارُ (٧): وهو قولٌ بعيدٌ؛ لأن الظُّلْمةَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾؛ أي: يَغْشَى الشَّمْسَ، فَيَذْهَبُ بِضَوْئِها فَتَغِيبُ
стр. 1888
فَتُظْلِمُ الآفاقُ، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾؛ أي: والَّذِي بَناها (١)، وقيل (٢): وَمَنْ بَناها كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤)، "ما" بمعنى "مَنْ"، كقول أهل الحجاز: فَسُبْحانَ ما يُسَبِّحُ لَهُ الرَّعْدُ (٥)، فإن "ما" يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ.
وقال الفَرّاءُ (٦) والزَّجّاجُ (٧): "ما" بمعنى المصدر، تقديره: وَبِنائِها. ويحتاج إلَى تقديرِ حَذْفِ مُضافٍ تقديره: وَصاحِبِ بِنائِها، وهو الأصَحُّ (٨).
стр. 1889
قال بعض النحويين (١): وقد يدخل "ما" لِصفاتِ مَنْ يَعْقِلُ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)؛ لأن الرَّبَّ هو المالِكُ، والمالِكُ صِفةٌ.
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾؛ أي: وَسَّعَها وَبَسَطَها على الماء، وفي "ما" الوجهان أيضًا كما ذكرنا، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾؛ أي: عَدَلَ خَلْقَها، وَسَوَّى أعْضاءَها، وفي "ما" أيضًا الوجهان كما تقدم.
قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ يعني: بَيَّنَ لَها الخَيْرَ والشَّرَّ، وقيل: عَلَّمَها الطاعة والمعصية، والإلْهامُ: التَّلْقِينُ، والالْتِهامُ: الابْتِلَاعُ، يقال: جَيْشٌ لَهامٌ كأنه يَلْتَهِمُ ما يَمُر به، وَفَرَسٌ لِهَمٌّ كأنه يَلْتَهِمُ الأرْضَ (٣)، وقيل: أصله التشريف، واللَّهامِيمُ: الأشْرافُ، هكذا ذكره صاحب إنسان العين (٤).
فصل
عن أبِي هريرة قال: سمعتُ النَّبي ﷺ يقول: "إن اللَّه تعالَى مَنَّ عَلَى
стр. 1890
قَوْمٍ، فَألْهَمَهُم الخَيْرَ، وَأدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وابْتَلَى قَوْمًا، فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ على أفْعالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا غَيْرَ ما ابْتَلَاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ" (١).
وقد رُوِيَ في هذه الآيةِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَأنَّ تفسيرها: "التَّوْفِيقُ مِنَ اللَّهِ لِلْخَيْرِ والخِذْلَانُ لِلشَّرِّ" (٢)، رواه مُسْلِمٌ بإسناده عن عِمْرانَ بنِ الحُصَيْنِ عن النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ يعني: سَعِدَ وَفازَ مَنْ أصْلَحَها وَطَهَّرَها من الذُّنُوبِ، وهذا جواب القسم.
قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ خابَتْ وَخَسِرَتْ نَفْسٌ أضَلَّها اللَّه وَأغْواها، وقيل: المعنى: أفْلَحَ مَنْ زَكّاهُ اللَّه، وَخابَ مَنْ أضَلَّهُ اللَّهُ.
وأصل ﴿دَسَّاهَا﴾: دَدسَّمَمها من التَّدْسِيسِ، وهو إخْفاءُ الشَّيْءِ، لَكِنْ أبْدَلُوا من السين الثانية ياءً، وَقُلِبَتْ ألِفًا لِتَحْرِيكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها (٣)، وقيل (٤):
стр. 1891
الأصل: دَسَّسْتَ، فَقُلِبَت السينُ ياءً، قال أبو عبيدة (١): والعرب تقلب حروف المضاعفة إلَى الياء. قال قيس بن عمرو (٢):
٥١٧ - فَأنْتَ الذِي دَسَّيتَ عَمْرًا، فَأصْبَحَتْ... حَلَائِلُهُ مِنْهُ أرامِلَ ضُيَّعا (٣)
يعني: أغْوَيْتَ. وقال صاحب "إنسان العين" (٤): أصله: دَسَّسَ أو دَسَّ نَفْسَهُ في الصالحين، وليس منهم، ومعنى ﴿دَسَّاهَا﴾ هاهنا؛ أي: أهْمَلَها وَخَذَلَها وَأخْفَى مَحَلَّها وَلَمْ يَشْهَرْها بالطاعة والعمل الصالح.
فصل
عن عائشة ﵂ قالت: انْتبَهْتُ لَيْلةً فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 1892
- ﷺ يقول: "رَبِّ أعْطِ نَفْسِي تَقْواها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلَاها" (١).
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾؛ أي: بِطُغْيانِها وَعَداوَتها، قرأه العامة بفتح الطاء، وقرأ الحَسَنُ وَحَمّادُ بنُ سَلَمةَ بضم الطاء (٢)، والطَّغْوَى اسمٌ من الطُّغْيانِ كالدَّعْوَى من الدُّعاءِ، والواو بدل الياء كالتَّقْوَى (٣)، وإن كان من: طَغَوْتَ فهو كالدَّعْوَى من: دَعَوْتُ (٤)، وتُرفع الطّاءُ كالفُتْيا (٥)، والمعنى: أن الطُّغْيانَ حَمَلَهُمْ على التكذيب.
стр. 1893
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾؛ أي: انْتُدِبَ وَقامَ بِهِ، يُقالُ: بَعَثْتُهُ عَلَى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، والأشْقَى: عاقِرُ النّاقةِ، وهو مِصْدَع وَقُدارُ بنُ سالِفٍ، لكن "أفْعَلَ" يستوي فيه الواحدُ والجَمْعُ والمُذَكرُ (١)، يقال: هُوَ أفْضَلُ وَهُما أفْضَلُ وَهُمْ أفْضَلُ، والمعنى: أفْضَلُ مِنْ كَذا، فتحذف "مِنْ" وما اتصل بها، كما تقول: أبُوكَ أفْضَلُ، وَأخُوكَ أعْقَلُ؛ أي: أفْضَلُ وَأعْقَلُ مِنْ غَيْرِهِ (٢)، قال الشاعر:
٥١٨ - إذا ما سُتُورُ البَيْتِ أُرْخِينَ لَمْ يَكُنْ... سِراجٌ لَنا إلّا وَوَجْهُكِ أنْوَرُ (٣)
أراد: أنْوَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وذلك لأنه خبر مبتدأ، والخَبَرُ ما أفادَ السّامِعَ، ولا تقع الإفادة إلا بتقدير المحذوف.
стр. 1894
والمعنى: أنُّ عاقِرَ النّاقةِ هُوَ أشْقَى الأوَّلينَ عَلَى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِما رُوِيَ عن صُهَيْبٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لِعَلِيٍّ -كَرَّمَ اللَّه وَجْهَهُ-: "مَنْ أشْقَى الأوَّلينَ؟ " قال: عاقِرُ النّاقةِ، قال: "صَدَقْتَ"، قال: "فَمَنْ أشْقَى الآخِرِينَ؟ " قال: قُلْتُ: لا أعْلَمُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: "الذي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ" (١)، وَأشارَ بِيَدِهِ إلَى يافُوخِهِ.
قوله تعالَى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني: صالِح ﵇ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾ يعني: شِرْبَها وَقِسْمَها مِنَ الماءِ، ونصب ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ على الإغْراءِ؛ أي: احْذَرُوا عَقْرَ ناقةِ اللَّهِ (٢)، وكل تحذير فما بعده نصب عليه، و"سُقْياها" عطف على ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني صالِحًا ﴿فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾؛ أي: أهْلَكَهُمْ رَبُّهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ وَعَقْرِهِم النّاقةَ ﴿فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ يعني: فَسَوَّى الدَّمْدَمةَ عليهم جَمِيعًا وَعَمَّهُمْ بِها، فاسْتَوَتْ عَلَى صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ.
قال المُؤَرِّجُ (٣): والدَّمْدَمةُ: إهْلَاك بِاسْتِئْصالٍ، قال الجَوْهَرِيُّ (٤): يُقال: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْصَقْتَهُ بِالأرْضِ وَطَحْطَحْتَهُ، وقال العَزِيزِيُّ (٥): أرْجَفَ بِهِم الأرْضَ، وَحَرَّكَها عليهم، وقال الأزهري (٦): أطْبَقَ عَلَيْهِمْ، والكُلُّ معناه:
стр. 1895
أهلكهم، ﴿فَسَوَّاهَا﴾؛ أي: سَوّاها بِالأرْضِ. قال الشاعر:
٥١٩ - فَدُمْدِمُوا بَعْدَما كانُوا ذَوِي نِعَمٍ... وَعِيشةٍ أُسْكِنُوا مِنْ بَعْدِها الحُفَرا (١)
وقرأ عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ: "فَدَهْدَمَ عَلَيْهِمْ" (٢) بالهاء، وهُما لغتان كقولك: امْتُقِعَ واهْتُقِعَ: إذا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ (٣).
قوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ يعني عاقِبَتَها، قرأ أهل المدينة والشام: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ بالفاء، وقرأ الباقون بالواو (٤)، فمن قرأ بالفاء فالفعل للَّهِ (٥)، ومن قرأ بالواو فالفعل لِلْعاقِرِ (٦)، وقيل (٧): للَّهِ تعالَى كالفاء، واللَّه أعلم.