الأصل: دَسَّسْتَ، فَقُلِبَت السينُ ياءً، قال أبو عبيدة (١): والعرب تقلب حروف المضاعفة إلَى الياء. قال قيس بن عمرو (٢):
٥١٧ - فَأنْتَ الذِي دَسَّيتَ عَمْرًا، فَأصْبَحَتْ... حَلَائِلُهُ مِنْهُ أرامِلَ ضُيَّعا (٣)
يعني: أغْوَيْتَ. وقال صاحب "إنسان العين" (٤): أصله: دَسَّسَ أو دَسَّ نَفْسَهُ في الصالحين، وليس منهم، ومعنى ﴿دَسَّاهَا﴾ هاهنا؛ أي: أهْمَلَها وَخَذَلَها وَأخْفَى مَحَلَّها وَلَمْ يَشْهَرْها بالطاعة والعمل الصالح.
فصل
عن عائشة ﵂ قالت: انْتبَهْتُ لَيْلةً فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 1892
- ﷺ يقول: "رَبِّ أعْطِ نَفْسِي تَقْواها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلَاها" (١).
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾؛ أي: بِطُغْيانِها وَعَداوَتها، قرأه العامة بفتح الطاء، وقرأ الحَسَنُ وَحَمّادُ بنُ سَلَمةَ بضم الطاء (٢)، والطَّغْوَى اسمٌ من الطُّغْيانِ كالدَّعْوَى من الدُّعاءِ، والواو بدل الياء كالتَّقْوَى (٣)، وإن كان من: طَغَوْتَ فهو كالدَّعْوَى من: دَعَوْتُ (٤)، وتُرفع الطّاءُ كالفُتْيا (٥)، والمعنى: أن الطُّغْيانَ حَمَلَهُمْ على التكذيب.
стр. 1893
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾؛ أي: انْتُدِبَ وَقامَ بِهِ، يُقالُ: بَعَثْتُهُ عَلَى الأمْرِ فانْبَعَثَ لَهُ، والأشْقَى: عاقِرُ النّاقةِ، وهو مِصْدَع وَقُدارُ بنُ سالِفٍ، لكن "أفْعَلَ" يستوي فيه الواحدُ والجَمْعُ والمُذَكرُ (١)، يقال: هُوَ أفْضَلُ وَهُما أفْضَلُ وَهُمْ أفْضَلُ، والمعنى: أفْضَلُ مِنْ كَذا، فتحذف "مِنْ" وما اتصل بها، كما تقول: أبُوكَ أفْضَلُ، وَأخُوكَ أعْقَلُ؛ أي: أفْضَلُ وَأعْقَلُ مِنْ غَيْرِهِ (٢)، قال الشاعر:
٥١٨ - إذا ما سُتُورُ البَيْتِ أُرْخِينَ لَمْ يَكُنْ... سِراجٌ لَنا إلّا وَوَجْهُكِ أنْوَرُ (٣)
أراد: أنْوَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وذلك لأنه خبر مبتدأ، والخَبَرُ ما أفادَ السّامِعَ، ولا تقع الإفادة إلا بتقدير المحذوف.
стр. 1894
والمعنى: أنُّ عاقِرَ النّاقةِ هُوَ أشْقَى الأوَّلينَ عَلَى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِما رُوِيَ عن صُهَيْبٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لِعَلِيٍّ -كَرَّمَ اللَّه وَجْهَهُ-: "مَنْ أشْقَى الأوَّلينَ؟ " قال: عاقِرُ النّاقةِ، قال: "صَدَقْتَ"، قال: "فَمَنْ أشْقَى الآخِرِينَ؟ " قال: قُلْتُ: لا أعْلَمُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: "الذي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ" (١)، وَأشارَ بِيَدِهِ إلَى يافُوخِهِ.
قوله تعالَى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني: صالِح ﵇ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾ يعني: شِرْبَها وَقِسْمَها مِنَ الماءِ، ونصب ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ على الإغْراءِ؛ أي: احْذَرُوا عَقْرَ ناقةِ اللَّهِ (٢)، وكل تحذير فما بعده نصب عليه، و"سُقْياها" عطف على ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني صالِحًا ﴿فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾؛ أي: أهْلَكَهُمْ رَبُّهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ وَعَقْرِهِم النّاقةَ ﴿فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ يعني: فَسَوَّى الدَّمْدَمةَ عليهم جَمِيعًا وَعَمَّهُمْ بِها، فاسْتَوَتْ عَلَى صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ.
قال المُؤَرِّجُ (٣): والدَّمْدَمةُ: إهْلَاك بِاسْتِئْصالٍ، قال الجَوْهَرِيُّ (٤): يُقال: دَمْدَمْتُ الشَّيْءَ: إذا ألْصَقْتَهُ بِالأرْضِ وَطَحْطَحْتَهُ، وقال العَزِيزِيُّ (٥): أرْجَفَ بِهِم الأرْضَ، وَحَرَّكَها عليهم، وقال الأزهري (٦): أطْبَقَ عَلَيْهِمْ، والكُلُّ معناه:
стр. 1895
أهلكهم، ﴿فَسَوَّاهَا﴾؛ أي: سَوّاها بِالأرْضِ. قال الشاعر:
٥١٩ - فَدُمْدِمُوا بَعْدَما كانُوا ذَوِي نِعَمٍ... وَعِيشةٍ أُسْكِنُوا مِنْ بَعْدِها الحُفَرا (١)
وقرأ عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ: "فَدَهْدَمَ عَلَيْهِمْ" (٢) بالهاء، وهُما لغتان كقولك: امْتُقِعَ واهْتُقِعَ: إذا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ (٣).
قوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ يعني عاقِبَتَها، قرأ أهل المدينة والشام: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ بالفاء، وقرأ الباقون بالواو (٤)، فمن قرأ بالفاء فالفعل للَّهِ (٥)، ومن قرأ بالواو فالفعل لِلْعاقِرِ (٦)، وقيل (٧): للَّهِ تعالَى كالفاء، واللَّه أعلم.
стр. 1896
سورة ﴿وَاللَّيْلِ﴾
مكية وقيل: مدنية
وهي ثلاثمائة وعشرة أحرف، وإحدى وسبعون كلمةً، وإحدى وعشرون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَاللَّيْلِ﴾ أعْطاهُ اللَّه -تَعالَى- حَتَّى يَرْضَى، وَعافاهُ مِنَ العُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ اليُسْرَ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ اللَّيْلِ لَمْ يَسْخَطِ اللَّه عَلَيْهِ أبَدًا" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ يعني: يَغْشَى كُلَّ شَيْءٍ بِظُلْمَتِهِ،
نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدَى من طريق الضلال، واللام لام توكيد دخلت على الهدى، فحُذفت الألف لئلا تشبه "لا" التي للنفي، ولالتصاق اللام بما بعدها (١)، وكذا قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ يعني: الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ يعني: على الكفار، وقرأ عبيد بن عمير: ﴿تَلَظَّى﴾ على الأصل، [وقرأ البَزِّيُّ: ﴿نَارًا تَّلَظَّى﴾ بتشذيد التاء] (٢)، وقرأ غيرهما على الحذف (٣)، وهو فعل مستقبل، والأصل فيه: تتَلَظَّى، فأدغمت التاء بالتاء.
ومعنى ﴿تَلَظَّى﴾: تَوَهَّجُ وَتَلْتَهِبُ وَتَأجَّجُ ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾؛ أي: لا يدخلها ﴿إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾ يعني المشرك ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ كَذبَ بِاللَّهِ وَرُسلِهِ وَكُتُبِهِ، وَتَوَلَّى عن طاعة اللَّه.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ يعني: المُتَّقِي رَبَّهُ التّارِكُ مَحارِمَهُ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ يطلب أن يكون عند اللَّه زاكِيًا رغبةً إليه وَتَقَرُّبًا، لا يطلب رِياءً ولا سُمْعةً ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾؛ أي: لا يُرِيدُ مُكافَأةَ أحَدٍ فَيُجازِيهُ عليها، ولا يَتَصَدَّقُ لِيُكافَأ على صَدَقَتِهِ ولا على نِعْمةٍ أُنْعِمَ بِها عَلَيْهِ ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ
стр. 1902
رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾؛ أي: إلا طَلَبَ ثَوابِ اللَّه الآجِلِ بصفاته الكريمة، الرفيع بسلطانه، المَنِيعِ في شأنه وبرهانه، ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ يعني: بثواب اللَّه تعالَى إذا أدخله الجنة، نزلت هذه الآية أيضًا في أبِي بكر ﵁ (١)، وقيل (٢): في أبِي الدَّحْداحِ (٣).
ونصب ﴿ابْتِغَاءَ﴾ على الاستثناء المنقطع، ودخول اللام على "سَوْفَ" -وهو حرفٌ- دليلٌ أن "سَوْفَ" كجزءٍ من الفعل، وإلا فاللام تدخل على الاسم أو ما ضارَعَهُ من الفعل، هكذا ذكره صاحب "إنسان العين" (٤).
فصل
رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "هَنِيئًا لَكَ يا أبا بَكْرٍ، هذا جِبْرِيلُ ﵇ يُخْبِرُني عن اللَّه أنه يقول لَكَ: يا أبا بكر: أنا راضٍ عَنْكَ، فَهَلْ
سورة ﴿وَالضُّحَى﴾
مكية
وهي مائة وثمانية وخمسون حرفًا، وأربعون كلمةً، وإحدى عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَالضُّحَى﴾ هو كانَ فِيمَنْ يَرْضاهُ اللَّه تعالَى لِمُحَمَّدٍ أنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَيَكْتُبُ لَهُ بعَدَدِ كُل يَتِيمٍ وَسائِلٍ عَشْرَ حَسَناتٍ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: لا مَنْ قَرَأ سُورةَ الضُّحَى هَدَمَتْ ذُنُوبَهُ كَما يَهْدِمُ السَّيْلُ ما مَرَّ بِهِ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أقْسَمَ اللَّهُ تعالَى بالضُّحَى، والمراد به النَّهارُ كُلُّهُ (٣)، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾؛ أيَ: سَكَنَ واسْتَقَرَّ
стр. 1905
ظَلَامُهُ، فَقابَلَهُ بِاللَّيْلِ، يقال: طَرْفٌ ساجٍ، وَلَيْلٌ ساجٍ، وَبَحْرٌ ساجٍ: إذا كان ساكِنًا، قال الراجز:
٥٢١ - يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ
وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ (١)
وقال أعشى بني ثعلبة:
٥٢٢ - فَما ذَنْبُنا أنْ جاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكُمْ... وَبَحْرُكَ ساجٍ ما يُوارِي الدَّعامِصا (٢)
стр. 1906
وتقول: سَجا: إذا سَكَنَ، وَسَجا: إذا غَطَّى كُل شَيْءٍ بظَلامِهِ، وَسَجا: إذا امْتَدَّ بِظَلامِهِ، وَسَجا: إذا أظْلَمَ (١).
والمعروف في لغة العرب أن الضُّحَى ضُحَى النهار، وهو مِنْ أوَّلِ طُلُوعِ الشمس إلَى أنْ تُشْرِقَ، قال محمد بن يزيد (٢): والضُّحا يُكْتَبُ بالألف لا غَيْرُ؛ لأنه من: ضَحا يَضْحُو. وقال الكوفيون (٣): يُكْتَبُ بالياء لِضَمّةِ أوَّلِهِ. قال أبو جعفر (٤): وهذا القول لا يصح في معقول ولا قياس، لأنه إنْ كُتِبَ على اللفظ فَلَفْظُهُ الألف، وَإنْ كُتِبَ على المعنى فهو راجع إلَى الواو.
والضُّحَى جَرٌّ بواو القَسَمِ، و"اللَّيْلِ" عطف عليه، وليست بِواوِ قَسَمٍ، فإن قال قائل: لِمَ لا تكون الواو الثانية قَسَمًا كالأُولَى؟ قيل: لا يصلح ذلك؛ لأنه
стр. 1907
يصلح في موضعها في الثانية "ثُمَّ" والفاءُ في غير القرآن، تقول: والضُّحَى، ثُمَّ اللَّيْلِ إذا سَجا، و"ثُمَّ" والفاءُ لا يكونان لِلْقَسَمِ قَطُّ، فاعرف ذلك، هذا ما ذكره ابنُ خالَوَيْهِ (١).
قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾؛ أي: ما تَرَكَكَ رَبُّكَ يا محمد مُنْذُ اخْتارَكَ، ولا أبْغَضَكَ مُنْذُ أحَبَّكَ، يقال: أسْتَوْدِعُكَ اللَّه غَيْرَ مُوَدَّعٍ؛ أي: غَيْرَ مَتْرُوكٍ، وبهذا سُمِّيَ الوَداعُ، لأنه فِراقٌ وَمُتارَكةٌ (٢)، وَلَمْ يَأْتِ بالتخفيف إلّا في الشعر (٣)، كما قال:
٥٢٣ - لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي، ما الَّذِي... غالَهُ فِي الوُدِّ حَتَّى وَدَعَهْ؟ (٤)
стр. 1908
ويقال: قَلَيْتُهُ أقْلِيهِ قِلًى: إذا أبْغَضْتَهُ، وهذا جوابُ القَسَمِ، والأصل: وَما قَلَاكَ، والعرب تَحْذِفُ من الثّانِي لدلالة الأوَّلِ، تقول: أعْطَيْتُكَ وَأكْرَمْتُ (١).
قال المفسرون: أبْطَأ جِبْرِيلُ ﵇ على النَّبِيِّ ﷺ ، فقال المشركون: قَدْ قَلَاهُ اللَّه وَوَدَّعَهُ، فأنزل اللَّه تعالَى هذه الآيةَ (٢).
قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾؛ أي: وَلَكَ في الآخِرةِ يا محمد من الشرف والكرامة أفْضَلُ مِمّا أعْطَيْتُكَ فِي الدنيا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ يعني: فَتَرْضَى ثَوابَهُ، و"سَوْفَ" و"عَسَى" فِي العِداتِ من اللَّه واجِبٌ.
فصل
عن أنس بن مالك ﵁ قال: دَخَلْتُ على رسول اللَّه ﷺ ، وهو على سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ (٣)، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسادةٌ مِنْ أدَمٍ، حَشْوُها لِيفٌ، وَدَخَلَ عليه عُمَرُ بنُ الخَطّابِ ﵁ وَناسٌ من الصحابة -
стр. 1909
رضي اللَّه عنهم-، فانْحَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ انْحِرافةً، فَرَأى عُمَرُ أثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فقال له: "ما يُبْكِيكَ يا عُمَرُ؟ "، فقال: وَما لِيَ لا أبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعِيثانِ فيما يَعِيثانِ فيه من الدنيا وَأنْتَ على الحالِ الَّتِي أرَى؛ فقال له النَّبِيُّ ﷺ : "يا عُمَرُ، أما تَرْضَى أن تَكُونَ لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ "، قال: بلى، قال: "هو كذلك" (١).
ثم ذَكَرَ اللَّه تعالى نِعَمَهُ عليه، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ يعني: وَجَدَكَ يتيمًا، لا كافِلَ لَكَ وَلَا مُرَبِّيَ، فآواكَ وَضَمَّكَ إلَى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ، فَرَعاكَ وَغَذّاكَ وَعَطَفَ عليك، حتى فَضَّلَكَ على سائر ولده وأهله وأقاربه، مع مُخالَفَتِكَ لِدِينِهِ وَلآلِهَتِهِ.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾؛ أي: فَهَداكَ إلَى دِينهِ الذي بَعَثَكَ به إلَى خَلْقِهِ، قال السُّدِّيُّ (٢): كان النبيُّ ﷺ على أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقيل: وَجَدَكَ ضالًّا عن مَعالِمِ النُّبُوّةِ وأحكام الشريعة غافلا عنها، فَهَداكَ إليها، دليله ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٣)، وقوله تعالَى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (٤)، وهذا قول الضحاك (٥) وأختيار الزجاج (٦).
стр. 1910
وقال سعيد بن المسيب (١): "خَرَجَ ﵇ في قافلةِ مَيْسَرةَ (٢) غُلَامِ خَدِيجةَ، فَبَيْنا هُوَ راكِبٌ ذاتَ لَيْلةٍ ظَلْماءَ ناقةً، جاء إبْلِيسُ -لعنه اللَّه-، فَأخَذَ بِزِمامِ النّاقةِ، فَعَدَلَ به عن الطريق، فجاء جبريلُ ﵇، فنَفَخَ إبْلِيسَ نَفْخةً وَقَعَ منها في الحَبَشةِ، وَرَدَّهُ إلَى القافِلةِ، فَمَنَّ اللَّه عليه بذلك".
وقيل (٣): معناه: وَجَدَكَ ضالًّا لَيْلةَ المِعْراج حين انْصَرَفَ عنك جِبْرِيلُ، لا تعرف الطَّرِيقَ، فَهَداكَ إلَى ساقِ العَرْشِ، وفيه أَقاويل يطول شرحها في هذا المختصر، أضربنا عنها خشية التطويل.
والذي نذهب إليه وَنَدِينُ به أن النبي ﷺ ما أشْرَكَ باللَّه قَطُّ، ولا عَبَدَ صَنَمًا ولا وَثَنًا، بل كان مُوَحِّدًا له مُؤْمِنًا به، كما قيل له: يا رسول اللَّه: مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قال: "كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ" (٤).
قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ يعني: وَجَدَكَ فَقِيرًا لا مالَ لَكَ، فَأغْناكَ بِالعِلْمِ والقُرْآنِ والحِكْمةِ البالِغةِ والكَفالةِ بِمالِ خَدِيجةَ، وفي قراءة عبد اللَّه: "وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَأغْنَى" (٥).
стр. 1911
فصل
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَقَدْ سَألْتُ رَبِّي مَسْألةً وَدِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ سَألْتُهُ، قُلْتُ: أيْ رَبِّ! إنَّهُ قد كانت أنْبياءُ قَبْلِي، منهم مَنْ سَخَّرْتَ له الرّيحَ، وَذَكَرَ سُلَيْمانَ، ومنهم مَنْ كان يُحْيِي المَوْتَى، وَذَكَر عِيسَى، ومنهم ومنهم"، قال: " فَقالَ: ألَمْ أجِدْكَ يتِيمًا فَآويتُكَ؟ " قال: "قُلْتُ: بَلَى إي رَبِّ، قال: ألَمْ أجِدْكَ ضالًا فَهَدَيْتُكَ؟، "قلتُ: "بَلَى إي رَبِّ، قال: ألَمْ أجِدْكَ عائِلًا فَأغْنَيْتُكَ؟ "، قال: "قلتُ: "بَلَى إي رَبّ"، قال: ألَمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ "، قال: "قلتُ: بَلَى إي رَبِّ" (١).
ثم أوْصاهُ باليتامى والفقراء، فقال تعالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ لا تَقْهَرْ حَقَّهُ، ولا تَظْلِمْهُ، وَلَا تَحْقِرْهُ، وَلَا تَكْفَهِرَّ في وَجْهِهِ، فقد ذُقْتَ اليُتْمَ فاعْطِفْ على اليتيم وارْحَمْهُ، وَكُنْ له كالأبِ الشَّفِيقِ.
وقرأ النَّخْعِي والشَّعْبِيُّ: "فَلَا تَكْهَرْ" (٢) بالكاف، وكذلك هو في قراءة عبد اللَّه بن مسعود، والكَهْرُ في اللغة: القَهْرُ والانْتِهارُ، والكَهْرُ: عُبُوسُ الوَجْهِ والشَّتْمُ (٣)، والعرب تُعاقِبُ بَيْنَ الكاف والقاف (٤)، يَدُلُّ عليه حَدِيثُ مُعاوِيةَ بنِ
стр. 1912
الحَكَمِ (١) الذي تكلم في الصلاة: "واللَّه ما كَهَرَني وَلَا ضَرَبَنِي" (٢)، يعني رسول اللَّه ﷺ .
و ﴿الْيَتِيمَ﴾ نصب بـ ﴿تَقْهَرْ﴾، وكذلك قوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ أي: تَزْجُرْ، قال المفسرون (٣): يريد السائل على الباب، يقول: لَا تَنْهَرْهُ إذا سَألَكَ، فقد كُنْتَ فَقِيرًا، فَإمّا أن تُطْعِمَهُ، وإما أن تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا. يقال: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلِمةٍ تَزْجُرُهُ، واليتيم والسائل هما اسمان يدلان على الجنس.
و"أمّا" إذا كانت تَخْيِيرًا كُسِرَتْ، تقول: ارْكَبْ إمّا فَرَسًا وَإمّا حِمارًا، قال اللَّه تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] (٤) فكسرها للتخيير،
стр. 1913
و"أمّا" إذا كانت خَبَرًا فُتِحَتْ، تقول: أمّا عَمْرٌو فَقادِمٌ، وَأمّا زيدٌ فَظاعِنٌ، وهي هاهنا خَبَرٌ (١)، قال الشاعر:
٥٢٤ - تَرَحَّلَ جِيرانِي، فَأمّا خِيارُهُمْ... فَسارُوا، وَأمّا شَرُّهُمْ فَمُقِيمُ (٢)
قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ أي: حَدِّثْ بِما أنْعَمَ اللَّه عَلَيْكَ وَما خَصَّكَ به من النبوة والإسلام والقرآن.
стр. 1914
فصلٌ جامعٌ
عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اليَتِيمَ إذا بَكَى اهْتَزَّ لِبُكائِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، فيقول اللَّه تعالَى لِمَلَائِكَتِهِ: يا مَلَائِكَتِي: مَنْ أبْكَى هَذا اليَتِيمَ الذي غَيَّبْتُ أباهُ فِي التُّرابِ؟ فتقول الملائكةُ: رَبَّنا أنْتَ أعْلَمُ، فيقول اللَّه تعالَى: يا مَلَائِكَتِي: فَإنِّي أُشْهِدُكُمْ أنَّ مَنْ أسْكَتَهُ وَأرْضاهُ أنْ أُرْضِيَهُ يَوْمَ القِيامةِ" (١)، قال: فكان عُمَرُ ﵁ إذا رَأى يَتِيمًا مَسَحَ رَأْسَهُ، وَأعْطاهُ شَيْئًا.
وعن سَلْمانَ الفارِسِيِّ قال: شهِدْتُ يَوْمًا النَّبِيَّ ﷺ إذْ أتاهُ رَجُلٌ يَشْكُو إليه قَساوةَ قَلْبهِ، فقال له: "أتُحِبُّ أنْ يَلِينَ قَلْبُكَ وَتُدْرِكَ حاجَتَكَ؟ " فقال: نَعَمْ، قال: "ارْحَمِ اليَتِيمَ، وامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأطْعِمْهُ مِنْ طَعامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ وَتُدْرِكْ حاجَتَكَ" (٢).
وقال ﵇: "مَنْ مَسَحَ بِرَأْسِ يَتِيمٍ -لَمْ يَمْسَحْهُ إلّا للَّهِ- كانَ لَهُ بِكُلِّ شَعَرةٍ تَمُرُّ عَلَيْها يَدُهُ عَشْرُ حَسَناتٍ، وَمَنْ أحْسَنَ إلَى يَتِيمٍ أوْ يَتِيمةٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أنا وَهُوَ فِي الجَنّةِ كَهاتَيْنِ" (٣)، وَفَرَّقَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ.
стр. 1915
وعن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رَأْسُ اليَتِيمِ يُمْسَحُ مِنْ وَسَطِهِ إلَى ناصِيَتِهِ، وَرَأْسُ مَنْ لَهُ أبٌ يُمْسَحُ مِنْ ناصِيَتِهِ إلَى وَسَطِهِ" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا مِنْ بَيْنِ المُسْلِمِينَ إلَى طَعامِهِ وَشَرابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الجَنّةُ البَتّةَ" (٢).
وعن أنَسِ بن مالك ﵁ قال: "مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا، وَكانَ فِي نَفَقَتِهِ، وَكَفاهُ مُؤْنتَهُ كانَ لَهُ حِجابًا من النار يوم القيامة، وَمَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ كانَ لَهُ بِكُلِّ شَعَرةٍ حَسَنةٌ" (٣).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "لَا يَلِي أحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنَ وِلَايَتَهُ، ويَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إلّا كُتِبَ لَهُ بكُلِّ شَعَرةٍ حَسَنةٌ، وَمُحِيَ عَنْهُ بِكُلِّ شَعَرةٍ سَيِّئةٌ، وَرُفِعَ لَهُ بِكُلِّ شَعَرةٍ دَرَجةٌ" (٤).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتاكَ
стр. 1916
سائِلٌ عَلَى فَرَسٍ باسِطٌ كَفيْهِ فَقَدْ وَجَبَ له الحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ" (١).
وقال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَرُدَّ السّائِلَ وَلَوْ بِظَلْفٍ مُحْرَقٍ" (٢).
وعن النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ لَا يَشْكُرِ النّاسَ لَا يَشْكُرِ اللَّه، وَمَنْ لَا يَشْكُرِ القَلِيلَ لَا يَشْكُرِ الكَثِيرَ، وَإنَّ التَّحَدُّثَ بنِعْمةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإنَّ الجَماعةَ رَحْمةٌ والفُرْقةَ عَذابٌ" (٣).
وعن بَكْرِ بن عبد اللَّه المُزَنيِّ (٤) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أُعْطِيَ خَيْرًا فَلَمْ يُرَ عَلَيْهِ سُمِّيَ بَغِيضَ اللَّهِ مُعادِيًا لِنِعْمةِ اللَّهِ" (٥).
وَرُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ عَظُمَتْ نِعْمةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَظُمَتْ مُؤْنةُ النّاسِ إلَيْهِ، فَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ تِلْكَ المُؤْنةَ عَزضَ تِلْكَ النِّعْمةَ لِلزَّوالِ" (٦)، فنَظَمَ
стр. 1917
هذا الحَدِيثَ أبو العَتاهِيةِ فقال:
٥٢٥ - ما أحْسَنَ الدُّنْيا وَإقْبالَها... إذا أطاعَ اللَّه مَنْ نالَها
مَنْ لَمْ يُواسِ النّاسَ مِنْ فَضْلِهِ... عَرَّضَ لِلإدْبارِ إقْبالَها
فاحْذَرْ زَوالَ المُلْكِ يا جابِرٌ... واعْطِ مِنْ دُنْياكَ مَنْ سالَها
فَإنَّ ذا العَرْشِ جَزِيلُ العَطا... يُعْطِيكَ فِي الحَبّةِ أمْثالَها (١)
وعن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما مَسَّتْ عَبْدًا نِعْمة، فَعَلِمَ أنَّها من اللَّه إلا كَتَبَ اللَّه لَهُ شُكْرَها قَبْلَ أنْ يَحْمَدَهُ، وما عَلِمَ اللَّه مِنْ عَبْدٍ نَدامةً على ذَنْبٍ إلّا غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَشْتَرِي الثَّوْبَ بِالدِّينارِ وَنِصْفِ الدِّينارِ، فَيَحْمَدُ اللَّه، لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يَغْفِرَ اللَّه لَهُ" (٢).
стр. 1918
ويُسَنُّ للقارئ أن يُكَبِّرَ عند فراغه من "الضُّحَى" حتى يَخْتِمَ مع خاتِمةِ كُلِّ سُورةٍ، رُوِيَ ذلك مرفوعًا عن أُبَيِّ بن كعب عن النبي ﷺ ، قيل: إن الأصل فِي ذلك أن الوَحْيَ لَمّا فَتَرَ عن رسول اللَّه ﷺ ، وقال المشركون: قد هَجَرَهُ شَيْطانُهُ وَوَدَّعَهُ، اغْتَمَّ لذلك، فَلَمّا نَزَلَ: ﴿وَالضُّحَى﴾ كَبَّرَ عند ذلك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الوَحْيِ، فاتَّخَذَهُ النّاسُ سُنّةً (١)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1919
سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾
مكية
وهي مائة وثلاثة أحرف، وسبع وعشرون كلمةً، وثماني آيات.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنْ لَقِيَ محمَّدًا ﷺ مُغْتَمًّا فَفَرَّجَ عَنْهُ" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ جُعِلَتْ ذُنُوبُهُ هَباءً مَنْثُورًا، وَلا يُحاسَبُ بِها فِي الآخِرةِ أبَدًا".
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ يعني: ألَمْ نَفْسَحْ لَكَ، وَنُوَسِّعْ وَنُلَيِّنْ قَلْبَكَ يا مُحَمَّدُ بالإيمان والنُّبُوّةِ والعِلْمِ والحِكْمةِ، والشرح: التَّوْسِعةُ، وَكُلُّ ما وَسَّعْتَهُ وَفَتَحْتَهُ فَقَدْ شَرَحْتَهُ، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ لفظه استفهام، ومعناه التقرير
стр. 1920
والوجوب، أي: قَدْ فَعَلْنا ذلك (١)، يَدُلُّ على هذا قوله في النَّسَقِ عليه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ يعني: حَطَطْنا عَنْكَ إثْمَكَ الذي سَلَفَ منك في الجاهلية.
والوِزْرُ: الثِّقْلُ الذي كان قبل الرسالة، فَغَفَرَ اللَّه لَهُ بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٢)، والوِزْرُ: الإثْمُ، وأصله الحِمْلُ الثَّقِيلُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَحْمِلُهُ الرَّجُلُ عَلَى ظَهْرِهِ فهو وِزْرٌ، ومنه سُمِّيَ الوَزِيرُ وَزِيرًا لأنه يَحْمِلُ أثْقالَ صاحِبِهِ، وهو مَحَطُّ الأثْقالِ وَمُسْتَوْدَعُ الأعْباءِ (٣).
ثم وَصَفَ ذلك الوِزْرَ بقوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾؛ أي: أثْقَلَهُ وَأوْهَنَهُ حَتَّى سُمِعَ نَقِيضُهُ؛ أي: صَوْتُهُ (٤)، وهذا مَثَلٌ، يُقال: أنْقَضَ ظَهْرَكَ: أثْقَلَهُ حَتَّى جَعَلَهُ نِقْضًا، والنِّقْضُ: البَعِيرُ المَهْزُولُ الذي أتْعَبَهُ السَّفَرُ والعَمَلُ، فنَقِضَ لَحْمُهُ فَيُقالُ له حينئذ: نِقْضٌ (٥).
стр. 1921
فصل
عن ابن عباس ﵁: قالوا: يا رسول اللَّه: أيَنْشَرِحُ الصَّدْرُ؟ قال: "نَعَمْ"، قالوا: يا رسول اللَّه: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلَامةٌ يُعْرَفُ بِها؟ قال: "نَعَمْ، التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والإنابةُ إلَى دارِ الخُلُودِ، والاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ" (١)، أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى ذَهابِ الشَّواغِلِ التي تَصُدُّ عن حَقِيقةِ الإيمانِ، وذلك أن صِدْقَ الإيمانِ باللَّه وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ تُوجِبُ لِلإنْسانِ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيا والرَّغْبةَ فِي الآخِرةِ والاسْتِعْدادَ لِلْمَوْتِ، فَإنَّهُ بابُ الآخِرةِ.
ثم ذَكَرَ مِنَّتَهُ على نَبِيِّهِ ﷺ ، فقال تعالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ يعني: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي، فَجَعَلْتُ ذِكْرَكَ مَقْرُونًا بذِكْرِي، قال قتادة (٢): وَرَفَعَ اللَّه ذِكْرَهُ في الدنيا والآخِرةِ، فليس خَطِيبٌ يَخْطُبُ، ولا مُتَشَهِّدٌ، ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي بِها: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلّا اللَّه، وَأشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وكذلك رَفَعَ ذِكْرَهُ في الأذانِ، وفي هذا يقول حَسّانُ بنُ ثابِتٍ في مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ :
٥٢٦ - أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوّةِ خاتِمٌ... مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيُشْهَدُ
وَضَمَّ الإلَهُ اسْمَ النَّبِىِّ مَعَ اسْمِهِ... إذا قالَ فِي الخَمْسِ المُؤَذِّنُ: أشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ... فَذُو العَرْشَ مَحْمُودٌ، وَهَذا مُحَمَّدُ (٣)
стр. 1922
ثم وَعَدَهُ اليُسْرَ والرَّخاءَ بَعْدَ الشِّدّةِ، وذلك أنه كان ﷺ بِمَكّةَ في شِدّةٍ، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ والعُسْرُ: الشِّدّةُ والضِّيقُ والفَقْرُ وَشِدّةُ الفاقةِ والمَعاشِ، واليُسْرُ: الغِنَى وَحُسْنُ المَعاشِ.
والفاء فِي الأوَّلِ إشارةٌ إلَى اليُسْرِ بِفَتْحِ المَدائِنِ، حيث عَيَّرَهُ أهْلُ مَكّةَ بالفقر، والثانِي إلَى اليُسْرِ فِي الآخِرةِ، وهو ابتداء، والدليل على ابتدائه تَعَرِّيهِ مِنْ فاءٍ أو واو، والفاء لا تدخل إلّا في عطف أو جواب، وقولك: إنَّ مَعَ الفارِسِ سَيْفًا -مرتين- لا يُوجِبُ تَعَدُّدَ السَّيْفِ، لأن بناء التحذير على التكرار، ولا فاءَ فيه، وظاهر التلاوة عُسْرانِ ويُسْرانِ، إلا أنَّ المُرادَ عُسْرٌ واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليُسْرُ مذكور بلفظ التنكير، وكل واحد منهما غير الآخر (١).
قال الفَرّاءُ (٢): والعرب إذا ذَكَرَتْ نِكِرةً، ثم أعادَتْها بنَكِرةٍ مِثْلِها صارَتا اثنتين، كقولك: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقْ دِرْهَما، فالثانِي غَيْرُ الأَوَّلِ، فإذا أعادتها معرفةً فَهِيَ هِيَ، كقولك: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقِ الدِّرْهَمَ، فالثاني هو الأوَّلُ.
стр. 1923
وَنَحْوَ هذا قال الزَّجّاجُ (١): ذَكَرَ العُسْرَ مع الألف واللام، ثُمَّ ثَنَّى ذِكْرَهُ فصار المعنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
قرأ العامة بتخفيف السين، وقرأ أبو جعفر وعيسى بنُ عُمَرَ بضمهما (٢)، وفي حرف عبد اللَّه: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ مَرّةً واحدةً غَيْرَ مُكَرَّرةٍ (٣)، والمعنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ فِي الدنيا لِلْمُؤْمِنِ يُسْرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليُسْرانِ مَعًا: يُسْرُ الدنيا، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّه تعالَى في الآية الأُولَى، ويُسْرُ الآخِرةِ، وهو ما ذَكَرَهُ في الآية الثانية لقوله ﷺ : "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" (٤)؛ أي: يُسرُ الدُّنْيا والآخِرةِ. والعُسْرُ بَيْنَ يُسْرَيْنِ إمّا فَرَجٌ فِي الدنيا، وإما ثَوابٌ فِي الآخِرةِ (٥).
وَرُوِيَ عن العُتْبِيِّ (٦) أنه قال: كُنْتُ ذات يوم في البادية بحالةٍ من الغَمِّ، فَأُلْقِيَ في رُوعِي (٧) بَيْتُ شِعْرٍ، فقلتُ:
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾؛ أي: فاتْعَبْ، يقال: نَصِبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمعنى: إذا فَرَغْتَ يا محمدُ من الصلاة المكتوبة، فانْصَبْ إلَى رَبِّكَ بالدعاء (١) ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾؛ أي: ارْغَبْ إليه بالمسألة والدعاء، وَتَضَرَّعْ إليه راهِبًا من النار، راغِبًا فِي الجنة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1928
سورة ﴿وَالتِّينِ﴾
مكِّية، وقيل: مدنية
وهي مائة وخمسون حرفا، وأربع وثلاثون كلمة، وثماني آيات.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ التِّينِ أعْطاهُ اللَّه -تعالَى- خَصْلَتَيْنِ: العافِيةَ واليَقِينَ ما دامَ فِي دارِ الدُّنْيا، فَإذا ماتَ أعْطاهُ اللَّه مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَنْ قَرَأ هَذِهِ السُّورةَ صِيامَ يَوْمٍ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ هَذِهِ السُّورةَ -يعني: سورة التين- اسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثِمارُ الأرْضِ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ قال أكثر المفسرين (٣): هو تِينُكُمْ
стр. 1929
هذا الذي تأكلون، وَزَيْتُونُكُم الذي تَعْصِرُونَ منه الزَّيْتَ، وإنما أقْسَمَ اللَّه تعالَى بِالتِّينِ لأنه فاكهة مُخَلَّصةٌ مِنْ شائِبةِ التَّنْغِيصِ، رَوَى أبُو ذَرٍّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في التِّينِ: "لَوْ قُلْتُ: إنَّ فاكِهةً نُزِّلَتْ من الجَنّةِ لقلْتُ: هَذِهِ؛ لأنَّ فاكِهةَ الجَنّةِ بِلَا عَجَمٍ، فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ، وَتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ" (١)، وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كُلُوا التِّينَ، فَإنَّ على كُلِّ ناحِيةٍ مِنْهُ: بِسْمِ اللَّهِ القَوِيِّ".
وأما الزَّيْتُونُ، فإنه يُعْصَرُ مِنْهُ الزَّيْتُ الذي يَدُورُ في أكثَرِ الأطْعِمةِ مَعَ الاصطِباغِ بهِ والادِّهانِ واتِّخاذِ الصّابُونِ، وهو مُبارَكٌ مِنْ شَجَرةٍ مُبارَكةٍ، وقيل (٢): التِّينُ: الجَبَلُ الذي عليه دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ: الجَبَلُ الذي عليه بَيْتُ المَقْدِسِ، وإنما سُمِّيا بِهِما لأنَّهُما يُنْبِتانِهِما.
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ يعني الجَبَلَ الذي كَلَّمَ اللَّه عليه مُوسَى ﵇، وقيل (٣): التِّينُ والزَّيْتُونُ جَبَلَانِ بِالشّامِ يُنْبِتانِ التِّينَ والزَّيْتُونَ، يُقال لهما: طُورُتَيْنا، وَطُورُزَيْتا بالسُّرْيانِيّةِ، وقيل (٤): التين: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ
стр. 1930
بَيْتِ المَقْدِسِ، وَطُورُ سِينينَ: مَسْجِدُ الطُّورِ، وسِينينُ: المُبارَكةُ بِلُغةِ الحَبَشةِ (١)، وقال مقاتل (٢): كُلُّ جَبَلٍ فيه شَجَرٌ مُثْمِرٌ فهو سِينينُ وَسَيْناءُ بلغة النَّبَطِ.
قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (ضضص ٣)﴾؛ أي: الآمِنِ، يعني البَلَدَ الحَرامَ مَكّةَ يَأْمَنُ الخائِفُ فيه في الجاهِلِيّةِ والإسْلَامِ، وَأنْشَدَ الفَرّاءُ (٣):
٥٣٣ - ألَمْ تَعْلَمِي يا أسْمُ -وَيْحَكِ- أنَّنِي... حَلَفْتُ يَمِينًا لَا أخُونُ أمِينِي؟ (٤)
يريد آمِنِي، وهذا عطف على ﴿وَطُورِ﴾، و ﴿الْبَلَدِ﴾ نعت (٥)، و ﴿الْأَمِينِ﴾ نعتُ ﴿الْبَلَدِ﴾.