← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقال آخر: ٥٣٢ - إذا الحادِثاتُ بَلَغْنَ المَدَى... وَكادَتْ لَهُنَّ تَذُوبُ المُهَجْ وَحَلَّ البَلَاءُ، وَقَلَّ الرَّجاءُ... فَعِنْدَ التَّناهِي يَكُونُ الفَرَجْ (١) فصل عن ابن عباس ﵁ قال: أُهْدِيَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ بَغْلةٌ، أهْداها لَهُ كِسْرَى، فَرَكِبَها بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ، ثُمَّ أرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سارَ بِي مَلِيًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيَّ فَقالَ لِي: "يا غُلَامُ! " فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فقال: "احْفَظِ اللَّه يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدّةِ، وَإذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّه، وَإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، فَقَدْ مَضَى القَلَمُ بِما هُوَ كائِنٌ، فَلَوْ جَهِدَ الخَلْقُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِما لَمْ يَقْضِهِ اللَّه لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ جَهِدُوا أنْ يَضُروكَ بما لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّه عَلَيْكَ لَما قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَإن اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ بالصَّبْرِ مَعَ اليَقِيَنِ فافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاصْبِرْ، فَإنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى ما تكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، واعْلَمْ أنَّ مَعَ الصَّبْرِ النَّصْرَ، وَأنَّ مَعَ الكَرْبِ الفَرَجَ، وَأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" (٢).

стр. 1927

قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾؛ أي: فاتْعَبْ، يقال: نَصِبَ يَنْصَبُ نَصَبًا: إذا تَعِبَ، والمعنى: إذا فَرَغْتَ يا محمدُ من الصلاة المكتوبة، فانْصَبْ إلَى رَبِّكَ بالدعاء (١) ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾؛ أي: ارْغَبْ إليه بالمسألة والدعاء، وَتَضَرَّعْ إليه راهِبًا من النار، راغِبًا فِي الجنة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1928

سورة ﴿وَالتِّينِ﴾ مكِّية، وقيل: مدنية وهي مائة وخمسون حرفا، وأربع وثلاثون كلمة، وثماني آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ التِّينِ أعْطاهُ اللَّه -تعالَى- خَصْلَتَيْنِ: العافِيةَ واليَقِينَ ما دامَ فِي دارِ الدُّنْيا، فَإذا ماتَ أعْطاهُ اللَّه مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَنْ قَرَأ هَذِهِ السُّورةَ صِيامَ يَوْمٍ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ هَذِهِ السُّورةَ -يعني: سورة التين- اسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثِمارُ الأرْضِ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ قال أكثر المفسرين (٣): هو تِينُكُمْ

стр. 1929

هذا الذي تأكلون، وَزَيْتُونُكُم الذي تَعْصِرُونَ منه الزَّيْتَ، وإنما أقْسَمَ اللَّه تعالَى بِالتِّينِ لأنه فاكهة مُخَلَّصةٌ مِنْ شائِبةِ التَّنْغِيصِ، رَوَى أبُو ذَرٍّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في التِّينِ: "لَوْ قُلْتُ: إنَّ فاكِهةً نُزِّلَتْ من الجَنّةِ لقلْتُ: هَذِهِ؛ لأنَّ فاكِهةَ الجَنّةِ بِلَا عَجَمٍ، فَكُلُوها فَإنَّها تَقْطَعُ البَواسِيرَ، وَتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ" (١)، وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كُلُوا التِّينَ، فَإنَّ على كُلِّ ناحِيةٍ مِنْهُ: بِسْمِ اللَّهِ القَوِيِّ". وأما الزَّيْتُونُ، فإنه يُعْصَرُ مِنْهُ الزَّيْتُ الذي يَدُورُ في أكثَرِ الأطْعِمةِ مَعَ الاصطِباغِ بهِ والادِّهانِ واتِّخاذِ الصّابُونِ، وهو مُبارَكٌ مِنْ شَجَرةٍ مُبارَكةٍ، وقيل (٢): التِّينُ: الجَبَلُ الذي عليه دِمَشْقُ، والزَّيْتُونُ: الجَبَلُ الذي عليه بَيْتُ المَقْدِسِ، وإنما سُمِّيا بِهِما لأنَّهُما يُنْبِتانِهِما. قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ يعني الجَبَلَ الذي كَلَّمَ اللَّه عليه مُوسَى ﵇، وقيل (٣): التِّينُ والزَّيْتُونُ جَبَلَانِ بِالشّامِ يُنْبِتانِ التِّينَ والزَّيْتُونَ، يُقال لهما: طُورُتَيْنا، وَطُورُزَيْتا بالسُّرْيانِيّةِ، وقيل (٤): التين: مَسْجِدُ دِمَشْقَ، والزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ

стр. 1930

بَيْتِ المَقْدِسِ، وَطُورُ سِينينَ: مَسْجِدُ الطُّورِ، وسِينينُ: المُبارَكةُ بِلُغةِ الحَبَشةِ (١)، وقال مقاتل (٢): كُلُّ جَبَلٍ فيه شَجَرٌ مُثْمِرٌ فهو سِينينُ وَسَيْناءُ بلغة النَّبَطِ. قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (ضضص ٣)﴾؛ أي: الآمِنِ، يعني البَلَدَ الحَرامَ مَكّةَ يَأْمَنُ الخائِفُ فيه في الجاهِلِيّةِ والإسْلَامِ، وَأنْشَدَ الفَرّاءُ (٣): ٥٣٣ - ألَمْ تَعْلَمِي يا أسْمُ -وَيْحَكِ- أنَّنِي... حَلَفْتُ يَمِينًا لَا أخُونُ أمِينِي؟ (٤) يريد آمِنِي، وهذا عطف على ﴿وَطُورِ﴾، و ﴿الْبَلَدِ﴾ نعت (٥)، و ﴿الْأَمِينِ﴾ نعتُ ﴿الْبَلَدِ﴾.

стр. 1931

وهذه أقسام، ثم ذكر جواب القسم، فقال تعالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ يعني آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ، خَلَقَهُم اللَّه تعالَى في أحْسَنِ صُورة وَأعْدَلِ قامةٍ، مُتَزَيِّنًا بِالعَقْلِ، مُؤَدِّيًا لِلأمْرِ، مُهَذبًا بِالتمْيِيزِ، مَدِيدَ القامةِ، يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ (١)، ومعنى التقويم: التعديل، يُقال: قَوَّمْتُهُ فاسْتَقامَ. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ يعني: رَدَدْناهُ بَعْدَ الشبابِ وَحُسْنِ الصُّورةِ إلَى أرْذَلِ العُمُرِ حِينَ يَنْقُصُ عُمُرُهُ، وَيَضْعُفُ بَدَنُهُ، وَيَذْهَبُ عَقْلُهُ، وهو نكرة تَعُمُّ الجِنسَ، كما يُقال: فُلَان أكْرَمُ قائِمٍ، فإذا عَرفْتَهُ قلتَ: القائِمِينَ، وفي مصحف عبد اللَّه: ﴿أَسْفَلَ السّافِلِينَ﴾ (٢) بالألف واللام، و ﴿أَسْفَلَ﴾ نصب على الظرف (٣)، و ﴿سَافِلِينَ﴾ خفض بالإضافة، ومعناه: إلَى أرْذَلِ العُمُرِ والْهَرَمِ. فصل عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الحِنْثَ ما عَمِلَ مِن حَسَنةٍ كُتِبَتْ لِوالِدَيْهِ، فَإنْ عَمِلَ سَيِّئةً لَمْ تُكْتَبْ عليه ولا على والِدَيْهِ، فإذا بَلَغَ الحِنْثَ، وَجَرَى عليه القَلَمُ، أمَرَ اللَّه المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ معه يَحْفَظانِهِ وَيُسَدِّدانِهِ، فإذا بَلَغَ أربعين سَنةً فِي الإسلام أمَّنَهُ اللَّه تعالَى من

стр. 1932

البَلَايا الثَّلَاثِ: من الجُنُونِ والجُذامِ والبَرَصِ، فإذا بلغ خمسين سَنةً خَفَّفَ اللَّه حِسابَهُ، وَتَجاوَزَ عن سَيِّئاتِهِ، فإذا بلغ ستين سَنةً أمَّنَهُ اللَّه من الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَرَزَقَهُ الإنابةَ إليه فيما يُحِبُّ، والفَزَعُ الأكْبَرُ هو إطْباقُ بابِ النّارِ حِينَ يُطْبَقُ على أهْلِها، فإذا بلغِ سبعين سَنةً أحَبَّهُ أهْلُ السَّماءِ، فإذا بلغ ثمانين كَتَبَ اللَّه حَسَناتِهِ، وَتَجاوَز عن سَيِّئاتِهِ، فإذا بلغ تسعين غَفَرَ اللَّه لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وَشَفَّعَهُ فِي أهْلِ بَيْتهِ، وكان اسْمُهُ أسِيرَ اللَّهِ فِي أرْضِهِ، فإذا بلغ أرْذَلَ العُمُرِ كي لا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا، كَتَبَ اللَّهُ له مِثْلَ ما كان يَعْمَلُ به فِي صِحَّتِهِ من الخَيْرِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئةً لَمْ تكتَبْ عَلَيْهِ" (١). ثم اسْتَثْنَى الجَماعةَ من الواحد؛ لأن الإنسان اسمُ جِنْسٍ، فقال تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يريد: مِنْهُمْ، فإنه يُكْتَبُ لَهُمْ في حال هَرَمِهِمْ وَخَرَفِهِمْ مِثْلُ الذي كانوا يعملون به في حالِ شَبابِهِمْ وَصِحُّتِهِمْ وَقُوتهِمْ، فذلك قوله -تعالَى-: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ يعني: غير منقوص بغير عمل، لا يُمَنُّ عليهم به، ولا يُنْقَصُونَ من أُجُورِهِمْ إذا بَلَغُوا الهَرَمَ. قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾؛ أي: فما يُكَذِّبُكَ أيها الإنسان بعد هذه الحُجّةِ والبُرْهانِ بالبعث والحساب الذي فيه جَزاءُ الأعمالِ، قيل: نزلت هذه الآية في عُتْبةَ بنِ رَبِيعةَ، وقيل: في الوليد بن المغيرة، وقيل: في أبِي جهل ابن هشام، وقيل: في شَيْبةَ، وقيل: في كَلَدةَ بنِ شَيْبةَ.

стр. 1933

و"ما" حرفٌ لَفْظُهُ لَفْظُ استفهامٍ، ومعناه التقريرُ، ومحله رفعٌ بالابتداء، و ﴿يُكَذِّبُكَ﴾ الخَبَرُ، ومعنى ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾؛ أي: ما الذي يَجْعَلُكَ تُكَذِّبُ بِالمُجازاةِ بَعْدَ هَذِهِ الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾؛ أي: بِأقْضَى القاضِينَ. والألف في ﴿أَلَيْسَ﴾ ألف تقرير في لفظ الاستفهام، و"لَيْسَ" فِعْلٌ يحتاج إلَى اسم وخبر، فـ ﴿اللَّهُ﴾ -سبحانه- اسمُ "لَيْسَ"، و"أحْكَمُ" الخبر، و ﴿الْحَاكِمِينَ﴾ خفضٌ بالإضافة، وإنما انصرف أحْكَمُ وهو على وزن "أفْعَلَ" صفةً؛ لأنه أُضِيفَ، فَخَرَجَ عن شَبَهِ الأفْعالِ؛ لأنها لا تُضافُ، فانصرف إلَى الخفض (١). فصل عن أنس بن مالك ﵁ قال: لَمّا نزلت سورة التين على رسول اللَّه ﷺ فَرِحَ بِها فَرَحًا شديدًا، حتى تَبَيَّنَ لنا شِدّةُ فَرَحِهِ، فَسَألْنا ابنَ عباس ﵁ عن تفسيرها، فقال: "التِّين" بلاد الشام، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ بلاد فِلَسْطِينَ، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ الذي كَلمَ اللَّهُ موسى عليه، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ مَكّةَ، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ محمد ﷺ ، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ عَبَدةُ اللاتِ والعُزى، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبو بكر وَعُمَرُ وَعُثْمانُ وَعَلِيٌّ ﵃، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ بعد هذه الحُجَجِ والبَراهِينِ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ إذْ بَعَثَكَ فيهم نَبِيًّا، وَجَمَعَكَ على التَّقْوَى يا محمدُ" (٢).

стр. 1934

وقال قتادة: بَلَغَنا أن النَّبِيَّ ﷺ كان إذا قرأ هذه الآيةَ قال: "بَلَى! وَأنا عَلَى ذَلِكَ مِن الشّاهِدِينَ" (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1935

سورة العلق مكية وهي مائتان وثمانون حرفًا، واثنتان وسبعون كلمةً، وتسع عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فَكَأنَّما قَرَأ المُفَصَّلَ كُلَّهُ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ خَلَقَ اللَّهُ مِنْها مَلَكًا ساجِدًا، لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَا يَفْتُرُ مِنَ الدُّعاءِ لِقارِئها" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ يعني: خَلَقَ الخَلْقَ كُلَّهُمْ، والباء في ﴿بِاسْمِ﴾ يجوز أن تكون متعلقة بموجود إذا جعلتها معمولة لقولك:

стр. 1936

﴿اقْرَأْ﴾، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف إذا جعلتها حالًا، كأنه قال: اقْرَأْ مُسْتَفْتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، ففي الجارِّ والمجرور على هذا مُضْمَرٌ مرفوعٌ، وليس فيه على التقدير الآخر ضمير مرفوع، بل الضمير المرفوع في قول اللَّه تعالَى: ﴿اقْرَأْ﴾ لا غَيْرُ (١)، والألف من "اسْمِ رَبِّكَ" لازمة فِي الوجهين جميعًا؛ لأنه لَمْ يَكْثُرْ هذا في الاستعمال (٢). قال أبو عبيدة (٣): ومجازه: اقْرَأْ اسْمَ رَبِّكَ، والباء زائدة. وإنما دخلت الباءُ لِتَدُلَّ على الملازمة والتكرير، ومثله: أخَذْتُ بالخِطامِ، فلو قلتَ: اقْرَأْ اسْمَ رَبِّكَ، وَأخَذْتُ الخِطامَ، لَمْ يكن في الكلام ما يدل عَلى لزوم الفعل وتكريره (٤)، والمعنى: اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ، كأنه أُمِرَ أن يَبْتَدِئَ القِراءةَ باسم اللَّه تعالَى تَأْدِيبًا. ثم وصف ذلك فقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ يعني الدَّمَ، واحدها عَلَقةٌ، وإنما جمع لَفْظُ العَلَقِ، والإنسانُ واحد؛ لأنه في معنى الجمع. وهذه السورة أوَّلُ ما نزل من القرآن على رسول اللَّه ﷺ ، وأول ما نزل

стр. 1937

منها خَمْسُ آيات من أولها إلَى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، نزل بها جبريل ﵇ على رسول اللَّه ﷺ وهو قائم على حراء، فَعَلَّمَهُ إيّاهُنَّ (١). قوله: ﴿اقْرَأْ﴾ تكرير للتأكيد، ثم استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ يعني: الحليم عن جهل العباد، لا يَعْجَلُ عليهم بالعقوبة، وهو ابتداء وخبر في موضع حال من المضمر في ﴿اقْرَأْ﴾ (٢). قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ يعني: عَلَّمَ الكِتابَ بِالقَلَمِ، فحذف الكتاب، وهو المراد فِي المعنى ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ مفعول ثانٍ، أي: عَلَّمَ الإنْسانَ خَطًّا بالقَلَمِ، قيل (٣): أراد بالإنسان هاهنا جميعَ الخَلْقِ، وهو قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٤). وقيل (٥): أراد آدَمَ ﵇، عَلَّمَهُ الأسْماءَ كُلَّها، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٦)، وقيل (٧): أراد بالإنسان هاهنا محمَّدًا ﷺ ، وهو

стр. 1938

قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (١). قوله تعالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني أبا جهل بن هشام ﴿لَيَطْغَى (٦)﴾ ويريد: في نِعَمِ اللَّهِ تعالَى عليه، فَيُبَدِّلُ نِعَمَ اللَّهِ كُفْرًا، والطغيان: مجاوزة المقدار، وقيل (٢): الطغيان هاهنا: التكذيب ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ يعني: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، قال الكَلْبِيُّ (٣): يرتفع من مَنْزِلةٍ إلَى مَنْزِلةٍ في اللباس والطعام وغيرهما، قيل (٤): وهذه الهاء في إضمار الإنسان المذكور عائدة على النفس. فصل كان رسول اللَّه ﷺ ويقول: "أعُوذُ بِكَ مِنْ فَقْرٍ يُنْسِي، وَمِنْ غِنًى يُطْغِي" (٥)، وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه قال: "مَنْهُومانِ لَا يَشْبَعانِ: طالِبُ

стр. 1939

عِلْمٍ، وَطالِبُ الدُّنْيا، وَلا يَسْتَوِيانِ، أمّا طالِبُ العِلْمِ فَيَزْدادُ رِضًى لِلرَّحْمَنِ، وَأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَيَزْدادُ في الطُّغْيانِ"، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (١). ثم خَوَّفَهُ اللَّهُ بالرُّجْعةِ، فقال تعالَى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ يعني المرجع إلَى اللَّه تعالى في الآخرة، و ﴿الرُّجْعَى﴾ مصدر على "فُعْلَى" ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩)﴾ يعني أبا جهل بن هشام ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى (٨)﴾ يعني النَّبِيَّ ﷺ ، وذلك أن أبا جهل -لَعَنَهُ اللَّهُ- قال: لَئِنْ رَأيْتُ محمَّدًا يُصَلِّي لأطَأنَّ عُنُقَهُ، فرآه يصلي، فانطلق عَدُوُّ اللَّه إليه، فارْتَدَّ على عَقِبَيْهِ يَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَأتَوْهُ فقالوا له: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ؟ قال: إنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نارٍ وَهَوْلًا وَأجْنِحةً، فقال رسول اللَّه ﷺ : "والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ دَنا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ المَلَائِكةُ عُضْوًا عُضْوًا" (٢)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ تَعَجُّبًا من جهله. وهي كلمةُ تَنْبِيهٍ للمتسائل على ما يَسْألُ عنه، وَتَحُثُّهُ على التَّفَهُّمِ للإجابة، ومعنى ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هاهنا تَعْجِيبٌ لِلْمُخاطَب، وَكَرَّرَ هذه اللَّفْظةَ للتأكيد في التَّعْجِيبِ، وهو قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾ يعني النَّبِيَّ ﷺ ، قال الأخفش (٣): ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانِي بَدَلٌ من الأول، والخبر ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. وهذا

стр. 1940

حَسَنٌ، وقال غيره (١): كل واحد من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بَدَلٌ من الأول، و ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ خَبَرٌ عن هذا كُلِّهِ؛ لأن هذا من التكذيب. قوله: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾ يعني: بالإيمان والإخلاص للَّهِ تعالَى بالتوحيد، يعني: أرَأيْتَ إنْ كان محمد كذلك تَمْنَعُهُ وَتَنْهاهُ مُقَبِّحًا له فِعْلَهُ؟ ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ يعني أبا جهل ﴿وَتَوَلَّى (١٣)﴾ أعْرَضَ عن الإيمان باللَّه ورسوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يعني أبا جهل ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾؛ أي: يَراهُ على ما هو عليه من الكفر والتكذيب والجهالة، قال الحسين بن خالويه (٢): والهمزة في ﴿أَلَمْ﴾ همزة توبيخ وتقرير بلفظ الاستفهام، و"لَمْ" حرف جزم. ثم خَوَّفَهُ فقال -تعالَى-: ﴿كَلَّا﴾ زَجْرًا له وَرَدْعًا ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عن محمد ﷺ وَأذاهُ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾؛ أي: لَنَجْذِبَنَّ بِناصِيَيهِ، وهو شَعَرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وهو شرط وجزاء، واللام فِي الموضعين لام توكيد، والسَّفْعُ: الجَذْبُ الشديد، يقال: سَفَعْتُ بِالشَّيءِ: إذا أخَذْتَهُ وَجَذَبْتَهُ جَذْبًا شَدِيدًا (٣)، قال الشاعر: ٥٣٤ - قَوْمٌ إذاسَمِعُوا الصُّراخَ رَأيْتَهُمْ... مِنْ بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ (٤) والمعنى: لَنَجُرَّنَّ بِناصِيةِ أبِي جَهْلٍ إلَى النار.

стр. 1941

وهذه النون هي نون التأكيد الخفيفة دخلت مع لام القَسَمِ، والوقف عليها إذا انفتحِ ما قبلها بالألف؛ فَرْقًا بينها وبين النون الثقيلة، ولأنها بِمَنْزِلةِ قولك: رَأيْتُ زَيْدًا (١). كما قال الشاعر: ٥٣٥ - فَلَا تَحْمَدِ الشَّيْطانَ، واللَّه فاحْمَدا (٢) وَتُحْذَفُ في الوقف إذا انْضَمَّ ما قبلها أو انْكَسَرَ، وَيُرَدُّ ما حُذِفَ من أجلها، لو قلتَ: الزَّيْدُونَ هَلْ يَقُومُنْ يا هذا؟ بالنون الخفيفة، ثم وقفتَ عليه رَدَدْتَ الواوَ التي هي علامة الضمير، وَتَرُدُّ النُّونَ التي للرفع فتقول:

стр. 1942

هَلْ يَقُومُونَ، وكذلك تقول للمؤنث: هَلْ تَضْرِبِنْ زيدًا؟، فإن وقفتَ رَدَدْتَ الياءَ التي هي علامة التأنيث، وَتَرُدُّ النُّونَ التي هي علامة الرفع فتقول: هَلْ تَضْرِبِينَ؟ (١)، وليس فِي القرآن من مثل هذا إلّا حَرْفٌ في سورة يوسف، وذلك قوله: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (٢). وقوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ يعني صاحِبها أبا جهل كاذب خاطئ، وهي خفض على البدل من الناصية، وهو بدل النكرة من المعرفة (٣). وقوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾؛ أي: أهْلَ نادِيهِ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقامه اتساعًا، كما قال تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤)؛ أي: أهْلَ القَرْيةِ، والمعنى: فَلْيَدْعُ أبُو جَهْلٍ أهْلَ مَجْلِسِهِ، والنادي: المَجْلِسُ الذي يجتمع فيه القوم، وَيَقْضُونَ فيه أُمُورَهُمْ (٥)، قال اللَّه تعالَى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي

стр. 1943

نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ (١) يعني: في مَجْلِسِكُمْ. وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ يعني الملائكة، قال اللَّه تعالَى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ الآية (٢)، وإنما سُمُّوا زَبانِيةً مأخوذٌ من الزَّبْنِ وهو الدَّفْعُ، يُقال: زَبَنَتْهُ النّاقةُ: إذا رَكَضَتْهُ بِرِجْلِها عند الحَلَبِ (٣)، وَفِي الحديث: "إنَّما زَبَنَت النّاقةُ، فَكَسَرَتْ أنْفَ حالِبِها" (٤)، وكأنهم يَدْفَعُونَ فِي أقْفِيةِ الكفار إلَى جهنم، واحدهم: زِبْنِيٌّ (٥)، وقيل: زِبْنِيةٌ، قاله الجَرْمِيُّ (٦)، وهو الرَّجُلُ الجافِي الغَلِيظُ، وهم هاهنا خَزَنةُ النّارِ، والزَّبانِيةُ في الدُّنْيا: أعْوانُ الرَّجُلِ الذين يخدمونه ويُعِينُونَهُ، الواحد زِبْنِيةٌ كما تقدم، قال ابن الزِّبَعْرَى:

стр. 1944

٥٣٦ - مَطاعِيمُ في المِقْرَى مَطاعِينُ في الوَغَى... زَبانِيةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حُلُومُها (١) يريد: أنهم شِدادٌ. وإنما كُتِبَ ﴿سَنَدْعُ﴾ بغير واو على الإدْراجِ، ولا يجوز الوقف عليه (٢)، والأصل: سَنَدْعُو بالواو غير أنها ساكنة، واستقبلتْها اللامُ الساكنة، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين، فَبَنَوا الخَطَّ على اللفظ، وقد حُذِفَتْ واواتٌ كثيرة من المصحف مثل هذا ونحوه (٣). فصل عن ابن عباس ﵁ قال: لَمّا نَهَى أبو جهل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن الصلاة، انْتَهَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال له أبو جهل: أتَنْتَهِرُني يا محمد وَقَدْ عَلِمْتَ ما بِها رَجُلٌ أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي؟، فَواللَّهِ لأمْلأنَّ عَلَيْكَ هذا الوادِيَ -إنْ شِئْتُ- خَيْلًا جُرْدًا وَرِجالًا مُرْدًا، فأنزل اللَّه تعالَى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، فقال ﷺ : "لَوْ دَعا نادِيَهُ لأخَذَتْهُ الزَّبانِيةُ" (٤)، يعني زَبانِيةَ اللَّه.

стр. 1945

ثم قال تعالَى: "كلَّا" أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهل ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ يا محمد فيما ينهاك عنه من الصلاة ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾؛ أي: صَلِّ للَّهِ، واقْتَرِبْ إليه بطاعته؛ فإنه يَعْصِمُكَ ويَمْنَعُ مِنْكَ، وفي الحديث: "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنَ اللَّهِ إذا كانَ ساجِدًا، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُّعاءِ والسُّجُودِ، فَإنَّهُ قَمِنٌ (١) أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ" (٢). فصل رُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا قَرَأ ابنُ آدَمَ السَّجْدةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي، وَيَقُولُ: يا وَيْلَتا، أُمِرَ ابنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ، فَأبَيْتُ فَلِيَ النّارُ" (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1946

سورة القَدْرِ مدنية، وقيل: مكية وهي مائة واثنا عشر حرفًا، وثلاثون كلمةً، وخمس آيات. باب ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ القَدْرِ كانَ كَمَنْ صامَ رَمَضانَ وَأحْيا لَيْلةَ القَدْرِ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ القَدْرِ ضَجُّوا أهْلُ السَّماواتِ وَأهْلُ الأرْضِ مِنْ عَظَمَتِها عِنْدَ الِلّه، وَكَتَبَ لَهُ رَبُّهُ ثَوابَها ألفَ ضِعْفٍ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ يعني القرآن، كناية عن غير مذكور، أُنْزِلَ جُمْلةً واحِدةً في ليلة القَدْرِ من اللُّوْحِ المَحْفُوظِ إلَى سَماءِ الدنيا، ثم فُرِّقَ في السنين بالإنزال على محمد ﷺ ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سورة البَقَرةِ.

стр. 1947

واللَّه تعالَى هو المُنْزِلُ لَهُ، والعرب تُؤَكِّدُ فِعْلَ الواحد، وَتَجْعَلُهُ بلَفْظِ الجَمِيعِ لِيَكُونَ أثْبَتَ وَأوْكَدَ (١). فإن قال قائل: لِمَ كَنَّى عن شيءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؟، فالجواب في ذلك أن العرب قد تُكَنِّي عن الشيء وَإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ إذا كان المعنى مفهومًا، كقولهم: ما عليها أعْلَمُ مِنْ فُلَانٍ، يعنون الأرضَ، قال اللَّه تعالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢)، يعني الشمس (٣). قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ "ما" الأولَى استفهام ابتداء، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ فِعْلٌ، وفيه ضمير الفاعل يعود عليها، والكاف مفعول ﴿أَدْرَاكَ﴾، و"ما" الثانية استفهامٌ أيضًا ابتداءٌ ثانٍ، و ﴿لَيْلَةُ﴾ خَبَرٌ عن الثانِي، والجملة في موضع المفعول الثانِي لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ ومفعولاه خَبَرُ "ما" الأولَى، ومثله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٤)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٥). وَسُمِّيَتْ لَيْلةَ القَدْرِ لأن فيها تَقْدِيرَ الأمور والأحكام، قَدَّرَ اللَّهُ تعالَى في ليلة القدر أمْرَ السَّنةِ من الآجال والأرزاق في عباده وبلاده إلَى السنة المقبلة، قال أكثر المفسرين (٦): وهي التي قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٧).

стр. 1948

وهي مصدر كقولهم: قَدَرَ اللَّهُ الشَّيْءَ قَدْرًا وَقَدَرًا، لغتان كالنَّهْرِ والنَّهَرِ والشَّعْرِ والشَّعَرِ، وَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا بمعنًى واحدٍ (١)، قال ابن السِّكِّيتِ (٢): يُقال: قَدَرَ اللَّهُ الأمْرَ يَقْدُرُهُ قَدْرًا وَقَدَرًا، وأنشد الأخْفَشُ (٣): ٥٣٧ - ألَا يا لَقَوْمِي لِلنَّوائِبِ والقَدْرِ... وَلِلأمْرِ يَأْتِي المَرْءَ مِنْ حَيثُ لَا يَدْرِي (٤) ثم فَسَّرَها فقال تعالَى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ يعني: العمل فيها خَيْرٌ من العمل في ألف شهر لا لَيْلةَ قَدْرٍ فيها (٥). قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ يعني جبريل ﵇ ﴿فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: بِأمْرِ رَبِّهِمْ، قيل: إنَّها تَنْزِلُ من غروب الشمس إلَى طلوع الفجر، وقرأ البَزِّيُّ: "تَّنَزَّلُ" بتشديد التاء (٦)، والأصل: تتَنَزَّلُ، فحُذِفَت التاءُ الأولَى لاجتماع تاءَيْنِ.

стр. 1949

وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾؛ أي: بِكُلِّ أمْرٍ من الخَيْرِ والبَرَكةِ، وهو كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١)؛ أي: بِأمْرِ اللَّه، وَتَمَّ الكَلَامُ، ثُمَّ ابتدأ فقال: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ ابتداء وخبر، يعني أن ليلة القدر سلامة هي، وَخَيْرٌ كُلُّها، ليس فيها شَرٌّ ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ ورُوِيَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "مِنْ كُلِّ امْرِئٍ سَلَامٌ" (٢)، قال ابن الأنباري (٣): فعلى هذه القراءة الوَقْفُ على ﴿سَلَامٌ﴾، والمعنى: مِنْ كُلِّ امْرِئٍ من الملائكة سَلَامٌ عَلَى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. و ﴿حَتَّى﴾ حرف غاية بمعنى "إلَى"، مجازها: إلَى مَطْلَع الفَجْرِ، قرأ يحيى ابن وَثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ وَخَلَف بكسر اللام، وقرأَ غيرهم بالفتح (٤)، وهو الاختيار؛ لأن المَطْلَعَ -بفتح اللام- مصدر بمعنى الطُّلُوعِ، يقال: طَلَعَتِ الشَّمْسُ طُلُوعًا وَمَطْلَعًا، فأما المَطْلِيعُ -بكسر اللام- فإنه مَوْضِعُ الطُّلُوعِ، ولا معنى للاسم في هذا الموضع، إنما هو بمعنى المصدر (٥).

стр. 1950

فصل عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كانَتْ لَيْلةُ القَدْرِ يَنْزِلُ المَلَائِكةُ الذين هُمْ سُكّانُ سِدْرةِ المُنْتَهَى، وَفِيهِمْ جِبْرِيلُ ﵇، فَيَنْزِلُ جِبْرِيلُ وَمَعَهُ ألْوِيةٌ، يَنْصِبُ لِواءً مِنْها عَلَى قَبْرِي، وَلِواءً عَلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَلواءً فِي المَسْجِدِ الحَرامِ، وَلِواءً عَلَى طُورِ سَيْناءَ، وَلَا يَدَعُ فِيها مُؤْمِنًا وَلَا مُؤْمِنةً إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، إلّا مُدْمَنَ خَمْرٍ، وَآكِلَ خِنْزِيرٍ، والمتُضَمِّخَ بِالزَّعْفَرانِ" (١). ورُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه ذَكَرَ يومًا أربعةً من بَنِي إسْرائِيلَ عَبَدُوا اللَّهَ ثَمانِينَ عامًا، لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفةَ عَيْنٍ، فَذَكَرَ أيُّوبَ وَزَكَرِيّا وَحِزْقِيلَ وَيُوشَعَ بنَ نُونٍ، قال: فَعَجِبَ أصحابُ النَّبِيِّ ﷺ ذلك، فَأتاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فقال: "يا مُحَمَّدُ: عَجِبْتَ أنْتَ وَأُمَّتُكَ من عِبادةِ هؤلاء النَّفَرِ ثَمانِينَ سَنةً لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفةَ عَيْنٍ؟ فقد أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ

стр. 1951

الْقَدْرِ﴾، فهذا أفْضَلُ مِمّا عَجِبْتَ أنْتَ وَأُمَّتُكَ مِنْهُ" قال: فَسُرَّ بذلك النَّبِيُّ ﷺ والناسُ معه (١). وعن ابن عباس قال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ حَمَلَ السِّلَاحَ على عاتِقِهِ في سَبيلِ اللَّه ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَجَبًا شَدِيدًا، وَتَمَنَّى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أُمَّتِهِ، فَدَعا رَبَّهُ فقال: "يا رَبِّ! جَعَلْتَ أُمَّتِي أقْصَرَ الأُمَمِ أعْمارًا، وَأقَلَّهُمْ أعْمالًا"، فأعطاه اللَّهُ تعالَى لَيْلةَ القَدْرِ، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أعْطَيْتُكَ هذه اللَّيْلةَ، وَأعْطَيْتُها أُمَّتَكَ فِي كُلِّ سَنةٍ، لَيْلةُ خَيْرٍ لَكَ وَلأُمَّتِكَ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ الَّذِي حَمَلَ فيه السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهِيَ لَكَ وَلأُمَّتِكَ إلَى يَوْمِ القِيامةِ" (٢). وَرُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَنْ صَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ فِي جَماعةٍ، فَقَدْ أخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلةِ القَدْرِ، وَمَنْ قَرَأها فَكَأنَّما قَرَأ رُبُعَ القُرْآنِ" (٣). وألْفُ شَهْرٍ: ثلاثٌ وثمانون سنةً، وأربعةُ أشهرٍ، واللَّه أعلم.

стр. 1952

سورة المُنْفَكِّينَ مدنية، وقيل: مكية وهي ثلاثمائة وستة وتسعون حرفًا، وأربع وتسعون كلمةً، وثمانِي آياتٍ. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ كانَ يَوْمَ القِيامةِ مَعَ خَيْرِ البَرِيّةِ مُسافِرًا وَمُقِيمًا" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ خَطِيئةٌ وَإنْ عَمِلَها، إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ". وعن أنَسٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأُبَيِّ بنِ كعب: "إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: "وَسَمّانِي رَبِّي؟ قال: "نَعَمْ"، فَبَكَى (٢). وعن أبِي الدَّرْداءِ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ ما فِي ﴿لَمْ

стр. 1953

يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، لَعَطَّلُوا الأهْلَ والوَلَدَ والمالَ، وَتَعَلَّمُوها"، فقال رَجُلٌ مِنْ خُزاعةَ: ما فِيها مِن الأجْرِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقال ﷺ : "لَا يَقْرَؤُها مُنافِقٌ أبَدًا، وَلَا عَبْدٌ فِي قَلْبِهِ شَكٌّ فِي اللَّهِ ، واللَّهِ إنَّ المَلَائِكةَ المُقَرَّبِينَ لَيَقْرَؤونَها مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، لا يَفْتُرُونَ مِنْ قِراءَتِها، وَما مِنْ عَبْدٍ يَقْرَؤُها بلَيْلٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَائِكةً يَحْفَظُونَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْياهُ، وَيَدْعُونَ لَهُ بالمَغْفِرةَ والرَّحْمةِ، وَإنْ قَرَأها بِنَهارٍ أُعْطِيَ من الثَّوابِ مِثْلَ ما أضاءَ عليه النَّهَارُ وَأظْلَمَ عليه اللَّيْلُ"، فقال رَجُلٌ من قَيْسِ عَيْلَانَ: زِدْنا يا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ هَذا الحَدِيثِ -فِداكَ أبِي وَأُمِّي-، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَلَّمُوا ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وَتَعَلَّمُوا ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وَتَعَلَّمُوا ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، وَتَعَلَّمُوا ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾؛ فإنكم لو تَعْلَمُونَ ما فِيهِنَّ لَعَطَّلْتُمْ ما أنتم فيه، وَلَتَعَلَّمْتُمُوهُنَّ، وَتَقَرَّبْتُمْ إلَى اللَّهِ بِهِنَّ، فإن اللَّه يَغْفِرُ بِهِنَّ كُلَّ ذَنْبٍ إلّا الشِّرْكَ بِاللَّهِ، واعلموا أن ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تُجادِلُ عَنْ صاحِبِها يَوْمَ القِيامةِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُ من الذُّنُوبِ" (١). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم اليهود والنصارى، كفروا بالقرآن وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ . وإنما كُسِرَت النونُ لِسُكُونِها وسكونِ اللام بعدها، وأصله السكون

стр. 1954

للجزم، وَحُذِفَت الواوُ قبلها لسكونها وسكون النون، وَلَمْ تُرَدَّ الواوُ عند تَحَرُّكِ النون لأن الحركة عارضة لا يُعْتَدُّ بِها، ومثله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ (١)، وهو كثير في القرآن في كل فعل مجزوم أو مَبْنِيٍّ، وَعَيْنُهُ واوٌ أو ياءٌ أو ألِفٌ مُبْدَلةٌ من أحدهما، ولا يَحْسُنُ حَذْفُ النونِ فِي هذا من ﴿يَكُنِ﴾ على لغة من قال: لَمْ يَكُ زَيْدٌ قائِمًا؛ لأنها قد تحركت، وإنما يجوز حذفها إذا كانت ساكنة في الوصل، فتُشَبَّهُ بِحُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ، فَتُحْذَفُ للمشابهة ولكثرة الاستعمال، فأما إذا تحركت زالت المشابهةُ، وامتنع الحذف إلا فِي الشعر، فقد أتى حذفها بعد أن تحركت لالتقاء الساكنين (٢). قوله: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ يعني مُشْرِكِي العَرَبِ، وهم عَبَدةُ الأوْثانِ، عطف على ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ولا يحسن عطف "الْمُشْرِكِينَ" على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛

стр. 1955

لأنه يَنْقَلِبُ المعنى، ويصير المشركون من أهل الكتاب، وليسوا منهم (١). وقرأ الأعمش: "والْمُشْرِكُونَ" رَفْعًا، وفي حرف أُبَيٍّ: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكُونَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنةُ. رَسُولًا مِنَ اللَّهِ" (٢)، بالنصب على القطع والحال، وقرأ الباقون: "رَسُولٌ" بالرفع على التفسير لِلْبَيِّنةِ والخَبَرِ عنها؛ أي: هِيَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ (٣)، يعني النَّبِيَّ ﷺ . ومعنى قوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾؛ أي: حَتَّى أتَتْهُمْ، لفظه مستقبل ومعناه المُضِيُّ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ (٤)؛ أي: ما تَلَتْ (٥)، وقال صاحب إنسان العين (٦): معناه: إلَى أنْ تَأْتِيَهُمْ؛ لأن ﴿حَتَّى﴾ من عوامل الأسماء، فلا بُدَّ من "أنْ" ليصير مع ما بعده مَصْدَرًا.

стр. 1956

والبَيِّنةُ: مُحَمَّدٌ ﷺ ، قال ابن عباس ومقاتل (١): والدليل أن المراد بالبينة محمدٌ ﷺ أنه فَسَّرَها وَأبْدَلَ مِنْها، فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ يعني: ما تتَضمَّنُهُ الصُّحُفُ من المكتوب فيها وهو القرآن، يعني: مطهرة من الباطل والكذب والزور. وقوله: ﴿فِيهَا﴾ يعني: في الصُّحُفِ من الآيات والأحكام ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ أي: عادلة مستقيمة غَيْرُ ذاتِ عِوَجٍ، تُبَيِّنُ الحَقَّ من الباطل. وقوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ خبر ﴿يَكُنِ﴾، يعنى: مُنْتَهِينَ عن كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ (٢)، وقيل (٣): زائِلِينَ، تقول العرب: ما انْفَكَّ فُلَانٌ يَفْعَلُ كَذا؛ أي: ما زالَ، وقيل (٤): معناه: مُنْفَصِلِينَ، وقيل (٥): مُفارِقِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أي: مُتَفَرِّقِينَ، ويدل على هذا التأويل قولُهُ تعالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ وهو مأخوذ من قولهم: قد انْفَكَّ الشَّيْءُ من الشيء: إذا فارَقَهُ وانْفَصَلَ منه، فلا يحتاج إلَى خَبَرٍ إذا كان بمعنى "مُتَفَرِّقِينَ"، ولو كان بمعنى زائِلِينَ احتاج إلَى خَبَرٍ؛ لأنه من أخوات "كانَ".

стр. 1957

وأصل الفَكِّ: الفَتْحُ ومنه: فَكُّ الكِتابِ، وَفَكُّ الخَلْخالِ، وَفَكُّ السّالِمِ، وهي حُرُوفُ القَطَنِ (١)، قال طرفة: ٥٣٨ - فَآلَيْتُ لَا يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطانةً... لِعَضْبٍ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدِ (٢) وقال بعض أهل اللغة (٣): قوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾؛ أي: هالِكِينَ، مأخوذ من قولهم: انْفَكَّ صَلَا المَرْأةِ عند الولادة (٤)، وهو أن يَنْفَصِلَ فلا يَلْتَئِمَ فَتَهْلِكُ، ومعنى الآية: لَمْ يكونوا هالِكِينَ مُعَذَّبِينَ إلّا بعد قيام الحُجّةِ عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: يُوَحِّدُوهُ ويُطِيعُوهُ، وهذه اللام في موضع "أنْ"، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٥)، أي: يريدون أن يطفئوا نور اللَّه، وكقوله تعالَى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ

стр. 1958

لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)؛ أي: أنْ نُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: مُخْلِصِينَ له التَّوْحِيدَ والطّاعةَ من: خَلَصَ الشَّيْءُ يَخْلُصُ خُلُوصًا، وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ يعني: على دِينِ إبراهيمَ ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني الصلاة المكتوبة، وإقامتها: إسْباغُ وُضُوئِها والمُحافَظةُ على مَواقِيتِها وَمَعالِمِها، والقِراءةُ فيها والرُّكُوعُ والسُّجُودُ، ومعنى ﴿حُنَفَاءَ﴾ يعني: مائِلِينَ عن الأديان كُلِّها إلَى دِينِ الإسْلَامِ، وهو دِينُ إبراهيمَ ﵇، و ﴿حُنَفَاءَ﴾ جمع حَنِيفٍ، والحَنِيفُ: المسْتَقِيمُ (٢)، وهو منصوب على الحال، وكذلك ﴿مُخْلِصِينَ﴾. قوله: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ يعني الزكاة المفروضة في أموالهم، يدفعونها لفقراء المسلمين طَيِّبةً بِها أنْفُسُهُمْ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾؛ أي: دِينُ المِلّةِ المُسْتَقِيمةِ، وهو جمع القَيِّمِ، والقَيِّمُ والقائِمُ واحدٌ، و"ذَلِكَ" إشارة إلَى ما تَقَدَّمَ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإنما أضاف الدِّينَ إلَى القَيِّمةِ -وهي نعته- لاختلاف اللفظين، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (٣)، والدار هي الآخرة، فأضافها إلى نَعْتِها (٤)، وَأنَّثَ القَيِّمة؛ لأنه رجع بِها إلَى المِلّةِ

стр. 1959

والشَّرِيعةِ (١)، وقيل (٢): الهاء فيها للمبالغة ومجاز الآية: وَذَلِكَ دِينُ القائِمِينَ بالتوحيد للَّه تعالَى. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ في موضع خفض عطف على ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ويجوز النصب عطفا على ﴿الَّذِينَ﴾. وقوله: ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ في موضع الخبر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مُقِيمِينَ فيها، نصب على الحال، ثم أخبر عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ يعني الخَلِيقة، وهو خبر بعد خبر، ويجوز أن تكون الجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ (٣). قرأ نافعٌ: "البَرِيئةِ" (٤) بالمد والهمز، وَرُوِيَ ذلك عن أهل الشام على الأصل؛ لأنه من قولهم: بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، وَهُمْ بُرَآءُ، قال اللَّه -تعالَى-: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] (٥)، وقرأ الآخرون بالتشديد من غير هَمْزٍ، ولها وجهان، أحدهما: أنه تَرَكَ الهَمْزَ، وَأدْخَلَ التشديدَ عوضًا منه (٦)، والآخر:

стр. 1960

أن تكون "فَعِيلةً" من البَرَى وهو التراب، فمجازه: المَخْلُوقُ من التُّرابِ (١)، وهو أيضًا على هذه القراءة من: بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، والقياس فيها الهَمْزُ، إلا أنه مِمّا تُرِكَ هَمْزُهُ كالنَّبِيِّ والذُّرِّيّةِ، والهَمْزُ فيه كالرَّدِّ إلَى الأصل المرفوض في الاستعمال (٢). ثم ذكر مُسْتَقَرَّ المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وهو ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ يعني: تَرَكَ في الدنيا مَعاصِيَهُ، وَعَمِلَ بِما يُرْضِيهِ.

стр. 1961

سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ مكية، وقيل: إنها مدنية وهي مائة وتسعة وأربعون حرفًا، وخمس وثلاثون كلمةً، وثماني آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن عَلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أرْبَعَ مَرّاتٍ كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرْآنَ كُلَّهُ" (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعْدِلُ نِصفَ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ" (٢). وعن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فَكَأنَّما قَرَأ البَقَرةَ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنْ قَرَأ رُبُعَ القُرْآنِ" (٣).

стр. 1962

وَرُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ قالَت الأرْضُ: وَعِزّةِ رَبِّي لأُوسعَنَّ عَلَيْكَ جُهْدِي" (١). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ يعني: إذا حُرِّكَتْ حَرَكةً شَدِيدةً (٢)، فَتَزَلْزَلَتْ بِأهْلِها مِنْ نَواحِيها، وذلك عند قيام الساعة، و ﴿إِذَا﴾ ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ في موضع نصب، والعامل فيه ﴿زُلْزِلَتِ﴾، وجاز ذلك لأنها بمعنى الشرط، وما بعدها في تقديرِ مَجْزُومٍ بِها (٣). وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾؛ أي: تَحْرِيكَها، قرأه العامة بكسر الزاي على المصدر،

стр. 1963

وَرُوِيَ عن عاصم أنه قرأ بفتح الزاي (١)، وهو مصدر أيضًا كالوَسْواسِ (٢)، وقيل (٣): الكسر المصدر، والفتح الاسم. قال ثعلب (٤): الزِّلْزالُ بالكسر هاهنا المصدر، والزَّلْزالُ -بالفتح- الاسمُ، مثل: القَعْقاعِ، وهو صَوْتٌ، والقِعْقاعِ، والقَلْقالِ والقِلْقالِ، فهذا النوع المكسورُ منه المصدر، والمفتوح منه الاسم، فإذا جئتَ إلَى "تِفْعالٍ" و"تَفْعالٍ"، فالمكسور منه الاسمُ إلا حرفين، وهما: تِبْيانٌ وَتلْقاءٌ لا غَيْرُ، والمفتوح منه المصدر، قال: والاسم مثل تِقْصارٍ، وهو قِلَادةُ المرأة، وَتِمْثالٍ وما أشبههما، والمصدر مثل تَسْيارٍ وَتَرْحالٍ وما أشبههما. وَحَسُنَ إضافةُ المصدر إلَى الضمير لِتَتَّفِقَ رُءُوسُ الآيِ على ضَمِيرِ لَفْظٍ واحِدٍ (٥). قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ يعني: لَفِظَتْ ما فيها من كُنُوزِها

стр. 1964

وَمَوْتاها (١)، والأثْقالُ جَمْعُ الثِّقْلِ، والموتى أثْقالٌ فِي بَطْنِ الأرْضِ، فإذا كانوا فوقها فهم أثْقالٌ عليها (٢). قوله: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ يعني: يقول الكافر الذي لا يؤمن بالبعث: لأيِّ شَيْءٍ زِلْزالُها؟ و ﴿ومَا﴾ ابتداء استفهام وهو اسم تام، و ﴿لَهَا﴾ الخبر. قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ يعني: تُخْبِرُ الأرْضُ النّاسَ بِما عَمِلُوا عليها من خَيْرٍ وَشَرٍّ، و ﴿تُحَدِّثُ﴾ و"تُخْبِرُ" بمعنًى واحدٍ، ومعنى "حَدَّثَنا" و"أخْبَرَنا" واحدٌ (٣)، ونصب ﴿أَخْبَارَهَا﴾ بِنَزْعِ الخافض؛ أي: بِأخْبارِها (٤). فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ فِي قوله تعالَى:

стр. 1965

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: "أتَدْرُونَ ما أخْبارُها؟ "، قالوا: اللَّه ورسوله أعْلَمُ، قال: "أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ على كُلِّ عَبْدٍ وَأمةٍ بِما عَمِلَ عَلَى ظَهْرِها، تقول: عَمِلَ كَذا وَكَذا فِي يَوْمِ كَذا وَكَذا" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "حافِظُوا عَلَى الوُضُوءِ، وَخَيْرُ أعْمالِكُم الصَّلاةُ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الأرْضِ؛ فَإنَّها أُمُّكُمْ، وَلَيْسَ أحَدٌ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا شرًّا إلّا وَهِيَ مُخْبِرةٌ بِهِ" (٢). وفي حرف أُبَيٍّ: "يَوْمَئِذٍ تُنَبِّئُ أخْبارَها" (٣)، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ قال الفَرّاءُ (٤): تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ الِله وَإذْنِهِ لَها، قال ابن عباس (٥): أذِنَ اللَّهُ لَها لِتُخْبِرَ بِما عُمِلَ عليها، قال الراجز: ٥٣٩ - أوْحَى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ وَشَدَّها بالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ (٦)
следующие страницы →