← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ مكية، وقيل: إنها مدنية وهي مائة وتسعة وأربعون حرفًا، وخمس وثلاثون كلمةً، وثماني آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن عَلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ أرْبَعَ مَرّاتٍ كَانَ كَمَنْ قَرَأ القُرْآنَ كُلَّهُ" (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعْدِلُ نِصفَ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ" (٢). وعن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فَكَأنَّما قَرَأ البَقَرةَ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنْ قَرَأ رُبُعَ القُرْآنِ" (٣).

стр. 1962

وَرُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ قالَت الأرْضُ: وَعِزّةِ رَبِّي لأُوسعَنَّ عَلَيْكَ جُهْدِي" (١). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ يعني: إذا حُرِّكَتْ حَرَكةً شَدِيدةً (٢)، فَتَزَلْزَلَتْ بِأهْلِها مِنْ نَواحِيها، وذلك عند قيام الساعة، و ﴿إِذَا﴾ ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٍ في موضع نصب، والعامل فيه ﴿زُلْزِلَتِ﴾، وجاز ذلك لأنها بمعنى الشرط، وما بعدها في تقديرِ مَجْزُومٍ بِها (٣). وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾؛ أي: تَحْرِيكَها، قرأه العامة بكسر الزاي على المصدر،

стр. 1963

وَرُوِيَ عن عاصم أنه قرأ بفتح الزاي (١)، وهو مصدر أيضًا كالوَسْواسِ (٢)، وقيل (٣): الكسر المصدر، والفتح الاسم. قال ثعلب (٤): الزِّلْزالُ بالكسر هاهنا المصدر، والزَّلْزالُ -بالفتح- الاسمُ، مثل: القَعْقاعِ، وهو صَوْتٌ، والقِعْقاعِ، والقَلْقالِ والقِلْقالِ، فهذا النوع المكسورُ منه المصدر، والمفتوح منه الاسم، فإذا جئتَ إلَى "تِفْعالٍ" و"تَفْعالٍ"، فالمكسور منه الاسمُ إلا حرفين، وهما: تِبْيانٌ وَتلْقاءٌ لا غَيْرُ، والمفتوح منه المصدر، قال: والاسم مثل تِقْصارٍ، وهو قِلَادةُ المرأة، وَتِمْثالٍ وما أشبههما، والمصدر مثل تَسْيارٍ وَتَرْحالٍ وما أشبههما. وَحَسُنَ إضافةُ المصدر إلَى الضمير لِتَتَّفِقَ رُءُوسُ الآيِ على ضَمِيرِ لَفْظٍ واحِدٍ (٥). قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ يعني: لَفِظَتْ ما فيها من كُنُوزِها

стр. 1964

وَمَوْتاها (١)، والأثْقالُ جَمْعُ الثِّقْلِ، والموتى أثْقالٌ فِي بَطْنِ الأرْضِ، فإذا كانوا فوقها فهم أثْقالٌ عليها (٢). قوله: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ يعني: يقول الكافر الذي لا يؤمن بالبعث: لأيِّ شَيْءٍ زِلْزالُها؟ و ﴿ومَا﴾ ابتداء استفهام وهو اسم تام، و ﴿لَهَا﴾ الخبر. قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ يعني: تُخْبِرُ الأرْضُ النّاسَ بِما عَمِلُوا عليها من خَيْرٍ وَشَرٍّ، و ﴿تُحَدِّثُ﴾ و"تُخْبِرُ" بمعنًى واحدٍ، ومعنى "حَدَّثَنا" و"أخْبَرَنا" واحدٌ (٣)، ونصب ﴿أَخْبَارَهَا﴾ بِنَزْعِ الخافض؛ أي: بِأخْبارِها (٤). فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ فِي قوله تعالَى:

стр. 1965

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: "أتَدْرُونَ ما أخْبارُها؟ "، قالوا: اللَّه ورسوله أعْلَمُ، قال: "أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ على كُلِّ عَبْدٍ وَأمةٍ بِما عَمِلَ عَلَى ظَهْرِها، تقول: عَمِلَ كَذا وَكَذا فِي يَوْمِ كَذا وَكَذا" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "حافِظُوا عَلَى الوُضُوءِ، وَخَيْرُ أعْمالِكُم الصَّلاةُ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الأرْضِ؛ فَإنَّها أُمُّكُمْ، وَلَيْسَ أحَدٌ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا شرًّا إلّا وَهِيَ مُخْبِرةٌ بِهِ" (٢). وفي حرف أُبَيٍّ: "يَوْمَئِذٍ تُنَبِّئُ أخْبارَها" (٣)، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ قال الفَرّاءُ (٤): تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ الِله وَإذْنِهِ لَها، قال ابن عباس (٥): أذِنَ اللَّهُ لَها لِتُخْبِرَ بِما عُمِلَ عليها، قال الراجز: ٥٣٩ - أوْحَى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ وَشَدَّها بالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ (٦)

стр. 1966

يعني: أوْحَى لَها بالقَرارِ، ويقال أيضًا: وَحَى وَأوْحَى بمعنًى واحدٍ أي: أمَرَ (١)، قاله العَجّاجُ (٢)، مَعناه: أمَرَها بِالقَرارِ فاسْتَقَرَّتْ. واللَّام هاهنا في موضع "إلَى" (٣)، ومجاز الآية: يُوحِي إلَيْها، ومعنى ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾؛ أي: لِأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَها، والوَحْيُ: كُلُّ إفْهامٍ يكون بِغَيْرِ كَلَامٍ. قوله تعالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ يعني: يَرْجِعُ النّاسُ عن يوم الحساب مُتَفَرِّقِينَ، فآخِذٌ ذاتَ اليَمِينِ إلَى الجَنّةِ، وآخِذٌ ذاتَ الشِّمالِ إلَى النّارِ، والأشْتاتُ جَمْعُ شَتٍّ، ومنه قولهم: شَتَّتَ اللَّهُ جَمْعَهُمْ؛ أي: فَرَّقَهُ (٤)، ونصب ﴿أَشْتَاتًا﴾ على الحال.

стр. 1967

وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ خَبَرُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، قرأ العامة بضم الياء، وقرأ الحسن وا لأعرج بفتح الياء (١)، والمعنى: لِيُرَوْا أجْرَ أعمالهم، وذلك أنهم يرجعون عن الموقف فِرَقًا؛ لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهُمْ من الجنة والنار، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْنَ نَمْلةٍ، أصْغَرُ ما يكون من النمل (٢) ﴿خَيْرًا﴾ أي: مِنْ خَيْرٍ ﴿يَرَهُ (٧)﴾ في كتابه يوم القيامة، فَيَفْرَحُ به ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا﴾؛ أي: مِنْ شَرٍّ ﴿يَرَهُ﴾ فِي كتابه، فَيَسُوؤُهُ ذلك، قال الشاعر: ٥٤٠ - إنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إثْمًا... وَزْنَ مِثْقالِ ذَرّةٍ سَيَراهُ وَيُجازَى بِفِعْلِهِ الشَّرَّ شَرًّا... وَبِفِعْل الجَمِيلِ أيضًا جَزاهُ هَكَذا قَوْلُهُ -تَبارَكَ رَبِّي-... فِي "إذا زُلْزِلَتْ"، وَجَلَّ ثَناهُ (٣) ومِثْقالٌ مِفْعالٌ من الثِّقَلِ، و"مَنْ" في موضع رفع بالابتداء، وهو اسمٌ تامٌّ، و ﴿يَعْمَلْ﴾ جزم بالشرط، و ﴿خَيْرًا﴾ منصوب على البيان أو بَدَلٌ من

стр. 1968

﴿مِثْقَالَ﴾، و ﴿يَرَهُ﴾ جواب الشرط، حُذفت الألف منه للجزم (١)، وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، قرأ العامة: "يَرَهْ" بفتح الياء بالحرفين، وقرأ خُلَيْدُ بنُ نُشَيْط وَعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ بضم الياء (٢)؛ لقوله: ﴿لِيُرَوْا﴾، وعن هشام: ﴿خَيْرًا يَرَهْ﴾، ﴿شَرًّا يَرَهْ﴾ (٣) بإسكان الهاء في الوصل فيهما. فصل عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قلتُ: يا رسول اللَّه: إلَامَ يَنْتَهِي النّاسُ يوم القيامة؟ قال: "إلَى أعْمالِهِمْ، مَنْ يَعْمَلْ (٤) مِثْقالَ ذَرّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرّةٍ شَرًّا يَرَهُ" (٥).

стр. 1969

وعن شَدّادِ بنِ أوْسٍ أن النبي ﷺ قال في بعض ما يقول: "ألَا إنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْها البَرُّ والفاجِرُ، وَإنَّ الآخِرةَ أجَلٌ صادِقٌ، يَقْضِي فِيها مَلِكٌ قادِرٌ، وَإنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ بحَذافِيرِهِ فِي الجَنّةِ، وَإنَّ الشَّرُّ كُلَّهُ بِحَذافِيرِهِ فِي النّارِ، فاعْمَلُوا وَأنْتُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَىَ حَذَرٍ، واعْلَمُوا أنَّكُمْ تُعْرَضُونَ عَلَى أعْمالِكُمْ وَأنْتُمْ مُلَاقُو اللَّهِ لا بُدَّ مِنْهُ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١). قال النَّقّاشُ (٢): وواحد الحَذافِيرِ حِذْفارٌ، ومعناه: جَماعةٌ، ويُقال: أخَذْتُ الشَّيْءَ بِحَذافِيرِهِ؛ أي: بِرُمَّتِهِ، وَحَذافِيرُ وَجَزاِميرُ واحدٌ. قال ثعلبٌ (٣): حَذافِيرُها: جَوانِبُها، واحِدُها حُذْفُورٌ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1970

سورة العاديات مدنية، وقيل: مكية وهي مائة وثلاثة وستون حرفًا، وأربعون كلمةً، وإحدى عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ، بِعَدَدِ مَن باتَ بِالمُزْدَلِفةِ والمَشْعَرِ الحَرامِ مِنَ الحاجِّ، وَشَهِدَ جَمْعًا" (١). وعن الحَسَنِ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "العادِياتُ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ" (٢). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ العادِياتِ اسْتَغْفَرَ لَهُ رُوحُ آدَمَ، وقال: نِعْمَ العَبْدُ أنْتَ للَّه" (٣).

стр. 1971

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ قال عامّةُ أهْلِ التفسير (١): هي الخَيْلُ التِي تَعْدُو في سبيل اللَّه تَضْبَحُ، والضَّبْحُ: صَوْتُ أنْفاسِها إذا جَهِدَتْ في الجَرْيِ، فَيَكْثُرُ الرِّيقُ في أجْوافِها مِنْ شِدّةِ العَدْوِ، ألا ترى إلَى الفَرَسِ إذا عَدا يَقُولُ: أُحْ أُحْ (٢)، يقال: ضَبَحَ الفَرَسُ والثَّعْلَبُ وما أشْبَهَهُما، والضَّبْحُ والضَّبْعُ ضَرْبٌ من العَدْوِ (٣)، قال ابن عباس (٤): وليس شَيْءٌ من الدَّوابِّ يَضْبَحُ غَيْرَ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ.

стр. 1972

والضُّباحُ لِلثَّعْلَبِ، فاسْتُعِيرَ في الخَيْلِ، ومنه قول العرب: ضَبَحَتْهُ النّارُ: إذا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ، قال الشاعر: ٥٤١ - لَسْتُ بِالتُّبَّعِ اليَمانِيِّ إنْ لَمْ... تَضْبَحِ الخَيْلُ فِي سَوادِ العِراقِ (١) والعاديات جمع عادِيةٍ، والعادِيةُ جَمْعُ عادٍ (٢)، ونصب ﴿ضَبْحًا﴾ على المصدر، مجازه: والعادِياتِ تَضْبَحُ ضَبْحًا (٣)، أو هو مصدر في موضع الحال (٤). قوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ يريد الخيل تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها، إذا سارَتْ في الحِجارةِ والأرْضِ المَحْصَبةِ (٥) قَدَحَتْ فيها مِثْلَ قَدْحِ الزِّنادِ، ونصب ﴿قَدْحًا﴾ على المصدر أيضًا، وهو مصدر محض، ومَجازُ الآيةِ: فالقادِحاتِ

стр. 1973

قَدْحًا (١)، والمُورِيات غير مهموز لأنه من: أوْريْتُ، لا من: أريْتُ، ومعنى أوْريْتُ: أخْرَجْتُ، كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] (٢) أي: تُخْرِجُونَ (٣)، ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ يعني الخيل أيضًا التي تُغِيرُ بفُرْسانِها على العَدُوِّ عند الصباح، والإغارةُ: كَبْسُ القَوْمِ وهم غارُّونَ لا يَعْلَمُوَنَ (٤)، ونصب ﴿صُبْحًا﴾ على الظرف. قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ يعني: غُبارًا، يُقال: ثارَ الغُبارُ والدُّخانُ، وَأثَرْتُهُ؛ أي: هَيَّجْتُهُ، والنَّقْعُ: الغُبارُ، والمعنى: فَأثَرْنَ بِمَكانِ عَدْوِها نَقْعًا (٥)، وقرأ أبو حَيْوةَ: "فَأثَّرْنَ" (٦) بالتشديد من التَّأْثِيرِ، ونصب ﴿نَقْعًا﴾ لأنه مفعول به بـ "أثَرْنَ". قوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾؛ أي: دَخَلْنَ بهِ وَسْطَهُمْ، يقال: وَسَطْتُ المَكانَ؛ أي: صِرْتُ في وَسَطِهِ، وقرأ قتادة: "فَوَسَّطْنَ" (٧) بالتشديد، يُقال: وَسَطْتُ القَوْمَ

стр. 1974

بالتخفيف، وَوَسَّطْتُهُمْ بالتشديد، وَتَوَسَّطْتُهُمْ، كُلُّها بِمَعْنًى واحِدٍ (١)، ونصب ﴿جَمْعًا﴾ على الحال (٢)، وقيل: على الظرف، قاله ابن خالَوَيْهِ (٣). أقْسَمَ اللَّهُ تعالَى بهذه الأشياء، ثم قال تعالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ وهذا جواب القسم، والإنسان هاهنا: الكافِرُ، والكَنُودُ: الكَفُورُ الجَحُودُ لِنِعَمِ الِله تعالَى (٤)، وقيل (٥): هو الذي يَعُدُّ المَصائِبَ، وَيَنْسَى النِّعَمَ. فنَظَمَهُ الشاعرُ فقال: ٥٤٢ - يا أيُّها الظّالِمُ فِي فِعْلِهِ... والظُّلْمُ مَزدُودٌ عَلَى مَنْ ظَلَمْ إلَى مَتَى أنْتَ وَحَتَّى مَتَى... تَشْكُو المُصِيباتِ وَتَنْسَى النِّعَمْ (٦)

стр. 1975

وأصل الكَنُودِ: المانِعُ، ويُقال لكل مَنْ قَطَعَ شَيْئًا كان يفعله من مَوَدّةٍ أو غَيْرِها: كَنُودٌ، ويقال: كَنَدَ النِّعْمةَ يَكْنُدُها كَنَدًا وَكُنُودًا: إذا كَفَرَها وَجَحَدَها، يُقال منه: رَجُلٌ كَنُودٌ وَكُنُدٌ، وامْرَأةٌ كَنُودٌ وَكُنُدٌ، وجمع الكَنُودِ كُنُدٌ (١)، قال الأعشى: ٥٤٣ - أحْدِثْ لَها تُحْدِثْ لِوَصْلِكَ إنَّها... كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ (٢) فصل عن أبِي أُمامةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ في هذه الآية: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾: "أتَدْرُونَ مَنِ الكَنُودُ؟ "، قالوا: اللَّه ورسوله أعْلَمُ، قال: "الكَنُودُ: الذي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ" (٣). قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ يقول: شهِيدٌ على نَفْسِهِ، إذا قَتَّرَ عَلَيْهِ قالَ: رَبِّي أهانَنِ، فتلك شَهادَتُهُ (٤)، وقيل (٥): معناه: إن اللَّهَ عَلَى كُفْرِهِ

стр. 1976

لَشَهِيدٌ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ الخير هاهنا عند المفسرين هو المال، والشَّدِيدُ: البَخِيلُ، والتقدير -واللَّه أعلم-: وَإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ (١)، ويُقال لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ وَمُتَشَدِّدٌ، قال طَرَفةُ: ٥٤٤ - أرَى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ، وَيَصْطَفِي... عَقِيلةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ (٢) والفاحِشُ: البَخِيلُ أيضًا. قوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾؛ أي: بُحِثَ، وكذلك هو

стр. 1977

في قراءة عبد اللَّه، وَفِي قراءة أُبَيٍّ: "بُحْثِرَ" (١)، و ﴿بُعْثِرَ﴾ و"بُحْثِرَ" واحدٌ (٢)، والألف في قوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ ألف توبيخ فِي لفظ الاستفهام، والمعنى: سَيَعْلَمُ الكافِرُ إذا بُعْثِرَ ما فِي القُبُورِ من المَوْتَى فَأُخْرِجَ ما فيها. ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: جُمِعَ ما في صَحائِفِ الأعْمالِ، والتحصيل: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ (٣)، والمعنى: مُيِّزَ وَبُيِّنَ ما في الصُّدُورِ من الخير والشر، وقرأ عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ وَسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: "وَحَصَلَ" (٤) بفتح الحاء وتخفيف الصاد أي: ظَهَرَ. ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَخَبِيرٌ (١١)﴾؛ أي: عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ خَيْرِها وَشَرِّها، وإنما جمع الكناية؛ لأن الإنسان اسم للجنس، قال الزَّجّاجُ (٥): اللَّهُ خَبِيرٌ بِهِمْ في ذلك اليومِ وفي غَيْرِهِ، ولكن المعنى: إنَّ اللَّهَ يُجازِيهِمْ على كُفْرِهِمْ في ذلك اليومِ.

стр. 1978

والقراءة بكسر الألف (١) لأجل اللام، ولولاها لكانت مفتوحة لوقوع العِلْمِ عليها، وَذُكِرَ أن الحَجّاجَ بن يوسف قرأ على المنبر هذه السورةَ يَحُضُّ النّاسَ على الغَزْوِ، فَجَرَى على لسانه: "أنَّ" بفتح الألف، ثم استدركها من جِهةِ العربية فقال: "خَبِيرٌ"، وَأسْقَطَ اللَّامَ (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1979

سورة القارعة مكية وهي مائة واثنان وخَمْسُونَ حرفًا، وست وثلاثون كلمةً، وإحدى عشرة آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ القارِعةِ ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزانَهُ يَوْمَ القِيامةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ القارِعةِ لَمْ تُصِبْهُ قارِعةٌ أبَدًا" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ ﴿الْقَارِعَةُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ بالرفع، وقال المُبَرِّدُ (٣): معناه: أتَتْكُم القارِعةُ،

стр. 1980

وقال الزَّجّاجُ (١): هو تَحْذِيرٌ، والعرب تُحَذِّرُ وَتُغْرِي بالرفع كما فِي النصب (٢)، قال الشاعر: ٥٤٥ - واحْذَرُوا غِبَّ ما يُحاذَرُ إنْ... قالَ أخُو النَّجْدةِ: السِّلَاحُ السِّلَاحُ (٣) والقارعة: اسم من أسماء يوم القيامة، والقارعة: الداهية أيضًا (٤)، وَسُمِّيَتْ قارعةً؛ لأنها تَقْرَعُ القُلُوبَ بالفزع، وَتَقْرَعُ أعْداءَ اللَّه بالعذاب (٥)، وقوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ تَهْوِيلٌ وَتَعْظِيمٌ. ثم خاطَبَ نَبِيَّهُ ﷺ ، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ تعظيمًا لِشَأْنِها،

стр. 1981

وقد تقدم الكلام فيها وفي نظائرها في الحاقة وغيرِها (١)، فَأغْنَى عن الإعادة هاهنا؛ إذ المعنى واحد. ثم بَيَّنَ مَتَى تكون؟ فقال تعالى ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ القليل فِي يوم القارعة؛ أي: تَقْرَعُ آذانَ الخَلْقِ وَقُلُوبَهُمْ يَوْمَ يكون الناس كالفراش المبثوث، والفَراشُ هو الطَّيْرُ الذي يَتَساقَطُ في النّارِ، والمَبْثُوثُ: المُتَفَرِّقُ، يُقال منه: بَثَّهُ: إذا فَرَّقَهُ، قال الفَرّاءُ (٢): هو كَغَوْغاءِ الجَرادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا من الهَوْلِ، وقيل (٣): الفَراشُ شِبْهُ البَعُوضِ يَتَهافَتُ فِي النار. قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ يعني: كالصُّوفِ المَصْبُوغِ المَنْدُوفِ، شَبَّهَ اللَّهُ تعالى الجِبالَ الصُّمَّ الصِّلَابَ الشَّوامِخَ في ذلك اليوم بِالصُّوفِ المَنْدُوفِ؛ لِرَخاوَتهِ وَتَفَرُّقِ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ، والمعنى: أنها تصير خفيفة في المسير. ثم ذَكَرَ أحوال الناس بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ يعني: رَجَحَتْ حَسَناتُهُ على سَيِّئاتِهِ ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ يعني: مَرْضِيّة في الجنة، ومحل ﴿مَنْ﴾ رفع بالابتداء. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ يعني: رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ على حَسَناتِهِ

стр. 1982

﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ يعني: مَسْكَنُهُ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ، قال قتادة (١): هي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمْرٍ شدِيدٍ قيل: هَوَتْ أمُّهُ، قال الشاعر: ٥٤٦ - هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا... وَماذا يُؤَدِّي اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ (٢) وقال بعضهم (٣): أراد أُمَّ رَأْسِهِ، يعني: أنَّهُمْ يَهْوُونَ في النّارِ على رُؤوسِهِمْ، والهاوِيةُ من أسماء جهنم، وهي المَهْواةُ لا يُدْرَكُ قَعْرُها. وَسُمِّيَتْ هاوِيةً لأنها تَهْوِي بِصاحِبِها، تَخْفِضُهُ مَرّةً، وَتَرْفَعُهُ أُخْرَى، ليس له فيها قَرارٌ، ولا يَضَعُ قَدَمَهُ فيها على شيء (٤). ثم عَظَّمَ شَأْنَها لِشِدّةِ هَوْلِها، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمد، ابتداء وخبر ﴿مَا هِيَهْ (١٠)﴾ يعني الهاوية، لولا أن اللَّه تعالَى أخْبَرَكَ بِها.

стр. 1983

ثم بيَّنَها فقال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ يعني: حارّةٌ قد انْتَهَى حَرُّها، قد أحْماها اللَّهُ تعالَى لِلْكُفّارِ مِنْ يَوْمِ خَلَقَها -أجارنا اللَّه منها-. والهاء في ﴿هِيَهْ﴾ هاءُ وَقْفٍ واستراحة، لا موضع لها من الإعراب، وإنما دخلت للوقف لبيان حركة الياء، و ﴿نَارٌ﴾ رفع على إضمار مبتدأ محذوف؛ أي: هِيَ نارٌ، و ﴿حَامِيَةٌ﴾ نعت لَها. قرأ حمزة: "ما هِيَ" (١) بغير هاء في الوصل، وقرأ الباقون بالهاء، ولا خِلَافَ في الوقف أنه بالهاء. رُوِيَ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنه قال: "إنَّ مَلَكًا مِنْ مَلَائِكةِ اللَّهِ تعالَى مُوَكَّلٌ يَوْمَ القِيامةِ بِمِيزانِ ابنِ آدَمَ، فَيُجاءُ بِهِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ كِفَّتَيِ المِيزانِ، فَيُوزَنُ عَمَلُهُ، فَإنْ ثَقُلَ مِيزانُهُ نادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ جَمِيعُ الخَلَائِقِ بِاسْمِ الرَّجُلِ: ألَا سَعِدَ فُلَانٌ سَعادةً لا يَشْقَى بَعْدَها أبَدًا، وَإنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ نادَى المَلَكُ: ألَا شَقِيَ فُلَانٌ شَقاوةً لَا سَعادةَ بَعْدَها أبَدًا" (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1984

سورة التكاثر مكية وهي مائة وعشرون حرفًا، وثمان وعشرون كلمةً، وثمانِي آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورةَ التَّكاثُرِ، لَمْ يُحاسِبْهُ اللَّهُ بِالنَّعِيمِ الذي أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ فِي الدّارِ الدُّنْيا، وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ ألْفَ آيةٍ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ لَمْ يُحاسَبْ بِها فِي الآخِرةِ أبَدًا" (٢)، وعن أسماء بنت عُمَيْسٍ ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "قارِئُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يُدْعَى في مَلَكُوتِ السَّماواتِ مُؤَدِّيَ الشُّكْرِ" (٣).

стр. 1985

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ يعني: شَغَلَتْكُم المُباهاةُ والمُفاخَرةُ والمُكاثَرةُ بِالأمْوالِ والأوْلَادِ عن طاعة رَبِّكُمْ ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ يعني: حَتَّى أدْرَكَكُم المَوْتُ وَأنْتُمْ على تلك الحال، وَدُفِنْتُمْ في المَقابِرِ. قيل (١): نزلت فِي اليهود حين قالوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، وَبَنُو فُلَانٍ أكْثَرُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، ألْهاهُمْ ذلك، وَشَغَلَهُمْ حتى ماتوا ضُلّالًا، ويدخل فِي هذا كُلُّ من اشتغل بالتكاثر والمفاخرة عن طاعة اللَّه حتى يأتيه الموت وهو على ذلك. فصل رُوِيَ عن مُطَرِّفِ بنِ عبد اللَّه بن الشِّخِّيرِ (٢) عن أبيه قال: انْتَهَيْتُ إلَى رسول اللَّه ﷺ وهو يَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، قال: "يَقُولُ ابنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ؟ " (٣)، رواه مسلم عن بُنْدارٍ عن غُنْدَرٍ عن شعبة عن قتادة عن مُطَرِّفٍ.

стр. 1986

قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ وَعِيدٌ لَهُمْ ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ أكَّدَ ذلك الوعيدَ وَكَرَّرَهُ، قال الفَرّاءُ (١): والكلمة قد تُكَرِّرُها العَرَبُ على التغليظ والتخويف، وهذا من ذلك. والمعنى: سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نَزَلَ بكم الموتُ، ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾؛ أي: عِلْمًا يَقِينًا، فَأضاف العِلْمَ إلَى اليقين كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٢)، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف (٣)، والمعنى: لو تعلمون الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكُمْ ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر. ثم أوْعَدَهُمْ وعيدا آخَرَ، فقال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ، الأولى استئناف، والثانية توكيد، واللام لام القسم، والمعنى: واللَّهِ لَتَرَوُنَّ، و ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ نصب على المصدر؛ لأن المعنى: ثُمَّ لَتُعايِنُنَّها عَيْنًا يَقِينًا. قرأ العامة: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ بفتح التاء في الموضعين، وقرأ الكسائي وابن عامر بضم التاء فِي الأُولَى منهما وَفَتْحِ الأخرى (٤)، والمعنى: لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ بِأبْصارِكُمْ على البُعْدِ منكم، ثم لَتَرَوُنَّها مُشاهَدةً، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ

стр. 1987

النَّعِيمِ (٨)﴾ قال قتادة (١): إن اللَّه تعالَى سائِلٌ كُلِّ ذي نِعْمةٍ على ما أنْعَمَ عليه، وعلى هذا ورد أكثر الأخبار، وقيل (٢): لا يُسْألُ إلا الكُفّارُ وَأهْلُ النار. فصل عن أبِي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قال: "مَنْ أكَلَ خُبْزَ البُرِّ، وَشَرِبَ الماءَ البارِدَ، وَكانَ له ظِلٌّ، فذلك النعيم الذي يُسْألُ عنه" (٣)، ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "طِيبُ النَّفْسِ، من النَّعِيمِ" (٤). وقال أبو الدرداء ﵁: "النعيم المسؤول عنه: خُبْزُ الشَّعِيرِ والماءُ العَذْبُ" (٥). وعن أبِي هريرة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ذات ليلة، فإذا هو بِأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فقال: "ما أخْرَجَكُما مِنْ بُيُوتِكُما هذه السَاعةَ؟ " قالا: الجُوعُ، قال: "وَأنا -والذي نَفْسِي بِيَدِهِ- أخْرَجَنِي الذي أخْرَجَكُما، قُومُوا"، فقاما فأتى رَجُلًا من الأنصار، فإذا هو ليس فِي بَيْتِهِ، فلما

стр. 1988

رَأتْهُ المَرْأةُ قالتْ: مَرْحَبًا وَأهْلًا، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أين فلان؟ "، قالت: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنا من الماء (١)، إذْ جاء الأنصاريُّ، فنَظَرَ إلَى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد للَّهِ، ما أحَدٌ أكْرَمُ أضْيافًا مِنِّي، قال: فانطلق فجاءهم بِعِذْقٍ فيه بُسْرٌ (٢) وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فقال: كُلُوا من هذه، وَأخَذَ المُدْيةَ، فقال له النبي ﷺ : "إيّاكَ والحَلُوبَ"، فَذَبَحَ لهم شاةً، فَأكَلُوا منها ومن ذلك العِذْقِ وَشَرِبُوا، فلما أن شَبِعُوا وَرَوُوا قال رسول اللَّه ﷺ لأبِي بكر وعمر: "والذي نَفْسِي بيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عن هذا النَّعِيمِ يوم القيامة، إذْ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتكُم الجُوعُ، ثُمَّ لَم تَرْجِعُوا حتى أصابَكُمْ هذا النَّعِيمُ"، فقال عُمَرُ: إنّا لَمَسْؤولُونَ عن هذا النعيم يوم القيامة؟ قال: "نَعَمْ، إلّا مِنْ ثَلاثٍ: خِرْقةٍ يُوارِي بِها الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ، أوْ كِسْرةٍ يَسُدُّ بِها جَوْعَتَهُ، أو جُحْرٍ يَدْخُلُ فيه من الحَرِّ والبَرْدِ" (٣). وعن ثابتٍ البَنانِيِّ عن النبي ﷺ أنه قال: "النَّعِيمُ المَسْؤولُ عنه يوم القيامة: كِسْرةٌ تُقَوِّيهِ، وَماءٌ يَرْوِيهِ، وَثَوْبٌ يُوارِيهِ" (٤)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1989

سورة العصر مكية وهي أحَدٌ وسبعون حرفًا، وأربع عشرة كلمةً، وثلاث آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالصَّبْرِ، وَكانَ مَعَ أصْحابِ الحَقِّ يَوْمَ القِيامةِ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ العَصْرِ لَمْ يُكْتَبْ من الخاسِرِينَ، وَكُتِبَ من الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ". باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ هو قَسَمٌ، والواو بدل من الباء، وتقديره: وَرَبِّ العَصْرِ، وكذلك التقدير في كل قَسَمٍ بِغَيْرِ اللَّه (٢).

стр. 1990

والعَصْرُ هو الدَّهْرُ (١)، وقيل (٢): أراد صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى، وقيل (٣): أراد الليل والنهار ويُقال لَهُما: العَصْرانِ، والغَداةُ والعَشِيُّ أيضًا عَصْرانِ، قال حُمَيْدُ بن ثَوْرٍ: وَلَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمًا وَلَيْلةً... إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما (٤) وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾؛ أي: خُسْرانٍ وَنُقْصانٍ، وقيل: هَلَكةٍ وَعُقُوبةٍ، وقرأ الأعرج: "لَفِي خُسُرٍ" (٥) بضمتين، والإنسان: اسم للجنس إذا عرف بالألف واللام كالرجل والمسلم (٦)، وقيل (٧): هو لِلْعَهْدِ دون الجنس،

стр. 1991

والصحيح هو الأول، ألا ترى أنه اسْتَثْنَى منه الجَمْعَ فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وتقول العرب: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، وَهَلَكَ البَعِيرُ والشّاةُ، ويريدون به الجنس. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: صَدَّقُوا اللَّهَ ورسوله، وعملوا بطاعة اللَّه، فإنهم ليسوا في خسر، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم ناقص في موضع نصب على الاستثناء من الإنسان؛ لأنه بمعنى الجماعة. قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ يعني: أوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بالتوحيد والقرآن ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ على أداء الفرائض وإقامة أمر اللَّه وَتَرْكِ مَعاصِيهِ. فصل عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قرأتُ على رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ فقلتُ: بِأبِي وَأُمِّي أنْتَ يا رسول اللَّه ما تفسيرها؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ قَسَمٌ من اللَّه، أقْسَمَ رَبُّكُمْ بآخر النهار، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: أبو جهل بن هشام، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أبو بكر الصديق، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: عُمَرُ بن الخطاب، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: عثمان بن عفان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: عَلِيُّ بن أبِي طالب" (١) ﵃ أجمعين-، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1992

سورة الهُمَزةِ مكية وهي مائة وثلاثون حرفًا وثلاث وثلاثون كلمةً، وتسع آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الهُمَزةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ، بِعَدَدِ مَنِ اسْتَهزَأ بِمُحَمَّدٍ وَأصْحابِهِ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الهُمَزةِ أخْمَدَ النّارَ حَتَّى يُقالَ لَها: اسْجُرِي (٢)، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ أصْحابِكِ". باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ قيل (٣): هو الماشي

стр. 1993

بالنميمة، المُفَرِّقُ بَيْنَ الأحِبّةِ، الباغِي لِلْبُرَآءِ العَيْبَ، وقيل (١): الهُمَزةُ: الطَّعّانُ فِي الناس، واللُّمَزةُ: الطَّعّانُ فِي أنْسابِ الناس، وقيل (٢): معناهما واحدٌ؛ أي: أنه عَيّابٌ، وقيل (٣): الهَمْزُ فِي القَفا، واللَّمْزُ: الغَمْزُ فِي الوَجْهِ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ. وقال عبد الملك بن هشام (٤): الهُمَزةُ: الذي يَشْتُمُ الرَّجُلَ عَلَانِيةً، وَيَكْسِرُ عَيْنَهُ عليه، وَيَغْمِزُ به، قال حَسّانُ بن ثابت: هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ... بِقافِيةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ (٥) وجمعه: همزات، واللُّمَزةُ: الذي يَعِيبُ الناسَ سِرًّا ويُؤْذِيهِمْ، قال رؤبة ابن العجاج: ٥٤٧ - في ظِلِّ عَصْرَيْ باطِلِي وَلَمْزِي (٦) وهذا البيت فِي أُرْجُوزِة له، وجمعه لُمَزاتٌ.

стр. 1994

وقال صاحب "إنسان العين" (١): أصل الهَمْزِ: الكَسْرُ، وهو الطَّعْنُ بِاليَدِ والعَيْنِ، واللَّمْزُ بِاللِّسانِ أو في الوجه والقَفا والأعْراضِ والأنْسابِ. قيل (٢): نزلت فِي الأخْنَسِ بنِ شَرِيقٍ، وقيل (٣): في الوليد بن المغيرة، كان يَغْتابُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ وَرائِهِ، وَيَطْعَنُ عليه في وَجْهِهِ، وقيل (٤): نزلت في أمَيّةَ بن خَلَفٍ الجُمَحِيِّ، وقيل (٥): إنها ليست بِخاصّةٍ، بل في كُلِّ مَنْ كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ. و ﴿وَيْلٌ﴾ رفعٌ بالابتداء وهو الاختيار، ويجوز نصبه على المصدر أو على الإغراء (٦)، وقد مضى شرحه في سورة المطففين (٧). وقوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾؛ أي: جَمَعَهُ مِنْ هاهُنا وَهاهُنا، و ﴿الَّذِي﴾ في موضع خفض على النعت، و ﴿جَمَعَ﴾ يُقْرَأُ بالتخفيف والتشديد، قرأ شَيْبةُ وابنُ كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وَأيُّوبُ بتخفيف الميم، واختاره أبو حاتم، وقرأ ابنُ عامِرٍ وَحَمْزةُ والكِسائِيُّ بالتشديد (٨)، واختاره أبو عُبَيْدٍ،

стр. 1995

واخْتُلِفَ فيه عن يَعْقُوبَ، فَمَنْ خَفَّفَ أرادَ الجَمْعَ، وَمَنْ شَدَّدَ أرادَ الكَثْرةَ. وكذلك قوله: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ يُقْرَأُ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا، قرأه العامّةُ بالتشديد، وَقَرَأهُ الحَسَنُ بالتخفيف (١)، فَمَنْ شَدَّدَ فمعناه: أعَدَّ المالَ ذَخِيرةً له، مأخوذ من العُدّةِ وهي الذَّخِيرةُ، ويُقالُ: "عَدَّدَهُ"؛ أي: كَثَّرَهُ، كما يُقالُ: هذا المالُ عَدَدٌ، والعَدَدُ والعِدّةُ فِي بَنِي فُلَانٍ أي: الكَثْرةُ والسِّلَاحُ فيهم (٢). وَمَنْ خَفَّفَهُما جَمِيعًا أراد: جَمَعَ مالًا وَأحْصَى عَدَدَهُ مَعَ جَمْعِهِ (٣)، وقد جاء مِثْلُ ذلك في الشِّعْرِ، فلما أن أبْرَزُوا التضعيف خَفَّفُوهُ (٤)، قال الشاعر: ٥٤٨ - مَهْلًا أُمامةُ قَدْ جَرَّبْتِ مِنْ خُلُقِي... أنِّي أجُودُ لأقْوامٍ وَإنْ ضَنِنُوا (٥) أي: ضَنُّوا وَبَخِلُوا.

стр. 1996

قوله: ﴿يَحْسَبُ﴾؛ أي: يَظُنُّ ﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾؛ أي: سَيُخْلَدُ فيه حَتَّى يَأْكُلَهُ، وقيل: حَتَّى يَزِيدَ في دَهْرِهِ، فَقَطَعَ اللَّهُ أمَلَهُ فقال: ﴿كَلَّا﴾ رَدٌّ عليه، لا يُخْلِدُهُ مالُهُ. ثم استأنف فقال تعالَى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ يعني المال؛ أي: لَيُلْقَيَنَّ فِي جَهَنَّمَ، وَلَيُطْرَحَنَّ فيها، وهذا الفعل ونظيره مَبْنِيٌّ على الفتح لأجل ملاصقة النون له، وفيه ضمير يعود على ﴿الَّذِي﴾، وقرأ الحسن: ﴿لَيُنْبَذانِّ﴾ على التثنية، رَدَّهُ على المال وصاحبهِ، وَرُوِيَ عنه: ﴿لَيُنْبَذُنَّ﴾ (١) بضم الذال على الجمع، رَدَّهُ على الهُمَزةِ واللُّمَزَةِ والمالِ (٢). والحُطَمةُ من أسماء جهنم، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تَحْطِمُ العَظْمَ، وَتَأْكُلُ اللَّحْمَ حَتَّى تَبْلُغَ القَلْبَ، وَتَحْطِمُ كُلَّ شَيْءٍ؛ أي: تَكْسِرُهُ وَتَأْتِي عليه (٣). ويُقال لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمةٌ (٤)، والحَطْمةُ: السَّنةُ الشديدة أيضًا (٥).

стр. 1997

ثم عَظَّمَ شَأْنَها لِغِلَظِها وَشِدَّتِها على أعداء اللَّه، فقال تعالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمد ﴿مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾ لولا أنَّ اللَّه تعالَى أدْراكَ وَأخْبَرَكَ عنها، فقال: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ يعني: على أهلها، لا تَخْمُدُ أبَدًا، وهي رفع على إضمار مبتدأ؛ أي: هي نار اللَّه الموقدة. ثم نعتها فقال تعالَى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ وهي القلوب، يُقال: اطَّلَعْتُ على فُلَانٍ وَطَلَعْتُ؛ أي: بَلَغْتُ (١)، وواحد الأفئدة فُؤادٌ، والمعنى: أنها تأكلهم حتى تَبْلُغَ الفُؤادَ. وَخُصَّ الفُؤادُ لأن العذاب إذا بَلَغَ إليه مات صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنه فِي حالِ مَنْ يَمُوتُ ولا يَمُوتُ، كقوله تعالَى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (٢)، فإذا بَلَغَتِ القُلُوبَ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَها، وَأُعِيدَ اللَّحْمُ والعِظامُ نحو ما كانت فِي أسْرَعَ مِنْ لَمْحِ البَصَرِ، وهو قوله تعالَى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ (٣) يعني: لَحْمًا ولا عَظْمًا ولا جِلْدًا إلّا أكَلَتْهُ، حتى تُفْضِيَ إلَى النَّفْسِ، فإذا أفْضَتْ إلَى النفس لَمْ تَذَر النَّفْسَ

стр. 1998

تَمُوتُ حَتَّى تُعادَ كما كانت فتأكله، فذلك دَأبُها أبَدًا (١)، -أجارنا اللَّه منها-، ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾؛ أي: مُطْبَقةٌ، وقد تقدم شَرْحُهُ في آخر سورة البلد (٢). وقوله: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾؛ أي: بعَمَدٍ مَمْدُودةٍ (٣)، قرأ أهل الكوفة إلّا حَفْصًا بِضَمَّتَيْنِ، وقرأ غيرهم بالنصب (٤)، وهو الاختيار؛ لقوله تعالَى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (٥)، وقرأ عبد اللَّه: "بِعَمَدٍ"؛ أي: مُؤْصَدةٌ بعَمَدٍ منه مَمْدُودةٍ، وقرأ ابنُ أبِي لَيْلَى: "فِي عُمْدٍ مُمَدَّدةٍ" بالتخفيف (٦)، وهما (٧) جمعان لِلْعَمُودِ مثل: أدِيمٍ وَأدَمٍ وَأفِيقٍ وَأفَقٍ وَقَضِيمٍ وَقَضَمٍ، قاله الفَرّاءُ (٨)، وقال أبو

стр. 1999

عبيد (١): هو جمع عِمادٍ مثل: إهابٍ وَأُهُبٍ. وهي أوتاد الأطباق التي تُطْبِقُ على أهل النار، وَكُل ما كان على وزن "فَعُولٍ" أو "فَعِيلٍ" أو "فِعالٍ"، فجمعه على "فُعُلٍ"، نحو: زَبُورٍ وَزُبُرٍ، وَكِتابٍ وَكُتُبٍ، وَرَسُولٍ وَرُسُلٍ، وَرَغِيفٍ وَرُغُفٍ (٢)، فهذا بِمَنْزِلةِ عَمُودٍ وَعَمَدٍ بالفتح (٣). وقيل: معنى ﴿فِي عَمَدٍ﴾؛ أي: بَيْنَ عَمَدٍ، كما تقول: فُلَانٌ في القوم أي: بَيْنَهُمْ، وقيل: معناه: مَعَ عَمَدٍ، كما قال الشاعر: ٥٤٩ - وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ آخِرُ عَهْدِهِ... ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثةِ أحْوالِ (٤)

стр. 2000

أي: مَعَ ثلاثة أحوال (١). وقوله: ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ هو من صفة العَمَدِ؛ أي: أنها مَمْدُودةٍ مُطَوَّلةٍ، وهي أرْسَخُ من القصيرة، قرأها العامة بالخفض على نعت العَمَدِ، وقرأ عاصم بالرفع (٢)، جعلها نَعْتًا للمُؤْصَدةِ. فصل عن أنَسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ وَقّافٌ ثَبْتٌ لا يَعْجَلُ عالِمٌ وَرِعٌ، والمنافق هُمَزةٌ لُمَزةٌ حُطَمةٌ كَحاطِبِ اللَّيْلِ، لا يَدْرِي مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَ وَفِيمَ أنْفَقَ" (٣). وعن سعيد بن جُبَيرٍ أنه قال: "إنَّ فِي النار لَرَجُلًا فِي شِعْبٍ مِنْ شِعابِها، يُنادِي مِقْدارَ ألْفِ عامٍ: يا حَنّانُ يا مَنّانُ، فيقول رَبُّ العِزّةِ تعالَى: يا جبريل! أخْرِجْ عَبْدِي من النار، فَيَأْتِيها فَيَجِدُها مُطْبَقةً، فَيَرْجِعُ فيقول: يا رَبِّ: إنَّها عليهم مُؤْصَدةٌ، فيقول: يا جبريل: فُكَّها، وَأخْرِجْ عَبْدِي من النار، فَيَفُكُّها ويَخْرُجُ مِثْلَ الخَيالِ، فَيُطْرَحُ على ساحِلِ الجَنّةِ حَتَّى يُنْبِتَ اللَّه له شَعْرًا وَلَحْمًا وَدَمًا" (٤)، واللَّه أعلم.
следующие страницы →