← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قوله: ﴿يَحْسَبُ﴾؛ أي: يَظُنُّ ﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾؛ أي: سَيُخْلَدُ فيه حَتَّى يَأْكُلَهُ، وقيل: حَتَّى يَزِيدَ في دَهْرِهِ، فَقَطَعَ اللَّهُ أمَلَهُ فقال: ﴿كَلَّا﴾ رَدٌّ عليه، لا يُخْلِدُهُ مالُهُ. ثم استأنف فقال تعالَى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ يعني المال؛ أي: لَيُلْقَيَنَّ فِي جَهَنَّمَ، وَلَيُطْرَحَنَّ فيها، وهذا الفعل ونظيره مَبْنِيٌّ على الفتح لأجل ملاصقة النون له، وفيه ضمير يعود على ﴿الَّذِي﴾، وقرأ الحسن: ﴿لَيُنْبَذانِّ﴾ على التثنية، رَدَّهُ على المال وصاحبهِ، وَرُوِيَ عنه: ﴿لَيُنْبَذُنَّ﴾ (١) بضم الذال على الجمع، رَدَّهُ على الهُمَزةِ واللُّمَزَةِ والمالِ (٢). والحُطَمةُ من أسماء جهنم، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تَحْطِمُ العَظْمَ، وَتَأْكُلُ اللَّحْمَ حَتَّى تَبْلُغَ القَلْبَ، وَتَحْطِمُ كُلَّ شَيْءٍ؛ أي: تَكْسِرُهُ وَتَأْتِي عليه (٣). ويُقال لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمةٌ (٤)، والحَطْمةُ: السَّنةُ الشديدة أيضًا (٥).

стр. 1997

ثم عَظَّمَ شَأْنَها لِغِلَظِها وَشِدَّتِها على أعداء اللَّه، فقال تعالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمد ﴿مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾ لولا أنَّ اللَّه تعالَى أدْراكَ وَأخْبَرَكَ عنها، فقال: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ يعني: على أهلها، لا تَخْمُدُ أبَدًا، وهي رفع على إضمار مبتدأ؛ أي: هي نار اللَّه الموقدة. ثم نعتها فقال تعالَى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ وهي القلوب، يُقال: اطَّلَعْتُ على فُلَانٍ وَطَلَعْتُ؛ أي: بَلَغْتُ (١)، وواحد الأفئدة فُؤادٌ، والمعنى: أنها تأكلهم حتى تَبْلُغَ الفُؤادَ. وَخُصَّ الفُؤادُ لأن العذاب إذا بَلَغَ إليه مات صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنه فِي حالِ مَنْ يَمُوتُ ولا يَمُوتُ، كقوله تعالَى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (٢)، فإذا بَلَغَتِ القُلُوبَ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَها، وَأُعِيدَ اللَّحْمُ والعِظامُ نحو ما كانت فِي أسْرَعَ مِنْ لَمْحِ البَصَرِ، وهو قوله تعالَى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ (٣) يعني: لَحْمًا ولا عَظْمًا ولا جِلْدًا إلّا أكَلَتْهُ، حتى تُفْضِيَ إلَى النَّفْسِ، فإذا أفْضَتْ إلَى النفس لَمْ تَذَر النَّفْسَ

стр. 1998

تَمُوتُ حَتَّى تُعادَ كما كانت فتأكله، فذلك دَأبُها أبَدًا (١)، -أجارنا اللَّه منها-، ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾؛ أي: مُطْبَقةٌ، وقد تقدم شَرْحُهُ في آخر سورة البلد (٢). وقوله: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾؛ أي: بعَمَدٍ مَمْدُودةٍ (٣)، قرأ أهل الكوفة إلّا حَفْصًا بِضَمَّتَيْنِ، وقرأ غيرهم بالنصب (٤)، وهو الاختيار؛ لقوله تعالَى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (٥)، وقرأ عبد اللَّه: "بِعَمَدٍ"؛ أي: مُؤْصَدةٌ بعَمَدٍ منه مَمْدُودةٍ، وقرأ ابنُ أبِي لَيْلَى: "فِي عُمْدٍ مُمَدَّدةٍ" بالتخفيف (٦)، وهما (٧) جمعان لِلْعَمُودِ مثل: أدِيمٍ وَأدَمٍ وَأفِيقٍ وَأفَقٍ وَقَضِيمٍ وَقَضَمٍ، قاله الفَرّاءُ (٨)، وقال أبو

стр. 1999

عبيد (١): هو جمع عِمادٍ مثل: إهابٍ وَأُهُبٍ. وهي أوتاد الأطباق التي تُطْبِقُ على أهل النار، وَكُل ما كان على وزن "فَعُولٍ" أو "فَعِيلٍ" أو "فِعالٍ"، فجمعه على "فُعُلٍ"، نحو: زَبُورٍ وَزُبُرٍ، وَكِتابٍ وَكُتُبٍ، وَرَسُولٍ وَرُسُلٍ، وَرَغِيفٍ وَرُغُفٍ (٢)، فهذا بِمَنْزِلةِ عَمُودٍ وَعَمَدٍ بالفتح (٣). وقيل: معنى ﴿فِي عَمَدٍ﴾؛ أي: بَيْنَ عَمَدٍ، كما تقول: فُلَانٌ في القوم أي: بَيْنَهُمْ، وقيل: معناه: مَعَ عَمَدٍ، كما قال الشاعر: ٥٤٩ - وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ آخِرُ عَهْدِهِ... ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثةِ أحْوالِ (٤)

стр. 2000

أي: مَعَ ثلاثة أحوال (١). وقوله: ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ هو من صفة العَمَدِ؛ أي: أنها مَمْدُودةٍ مُطَوَّلةٍ، وهي أرْسَخُ من القصيرة، قرأها العامة بالخفض على نعت العَمَدِ، وقرأ عاصم بالرفع (٢)، جعلها نَعْتًا للمُؤْصَدةِ. فصل عن أنَسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ وَقّافٌ ثَبْتٌ لا يَعْجَلُ عالِمٌ وَرِعٌ، والمنافق هُمَزةٌ لُمَزةٌ حُطَمةٌ كَحاطِبِ اللَّيْلِ، لا يَدْرِي مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَ وَفِيمَ أنْفَقَ" (٣). وعن سعيد بن جُبَيرٍ أنه قال: "إنَّ فِي النار لَرَجُلًا فِي شِعْبٍ مِنْ شِعابِها، يُنادِي مِقْدارَ ألْفِ عامٍ: يا حَنّانُ يا مَنّانُ، فيقول رَبُّ العِزّةِ تعالَى: يا جبريل! أخْرِجْ عَبْدِي من النار، فَيَأْتِيها فَيَجِدُها مُطْبَقةً، فَيَرْجِعُ فيقول: يا رَبِّ: إنَّها عليهم مُؤْصَدةٌ، فيقول: يا جبريل: فُكَّها، وَأخْرِجْ عَبْدِي من النار، فَيَفُكُّها ويَخْرُجُ مِثْلَ الخَيالِ، فَيُطْرَحُ على ساحِلِ الجَنّةِ حَتَّى يُنْبِتَ اللَّه له شَعْرًا وَلَحْمًا وَدَمًا" (٤)، واللَّه أعلم.

стр. 2001

سورة الفيل مكية وهي ستة وتسعون حرفًا، وثلاث وعشرون كلمةً، وخمس آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الفِيلِ عافاهُ اللَّهُ أيّامَ حَياتِهِ فِي الدُّنْيا مِنَ الغَرَقِ والقَذْفِ والمَسْخِ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الفِيلِ حُطَّتْ خَطاياهُ، وَجُعِلَتْ عَلَى أصْحابِ الفِيلِ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ يعني الذين قَصَدُوا تَخْرِيبَ الكَعْبةِ من الحَبَشةِ، ومعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألَمْ تَعْلَمْ (٣)،

стр. 2002

وقيل (١): ألَمْ تُخْبَرْ، وقال الحَسَنُ بنُ يَحْيَى صاحب النَّظْمِ (٢): معناه التَّعْجِيبُ، فإنه ﷺ وُلِدَ عامَ الفِيلِ، وَلَمْ يَرَهُمْ، وقيل: إنه وُلِدَ بعده بأربعين سنة. وقوله: ﴿كَيْفَ﴾ ظرف، والعامل فيه ﴿فَعَلَ﴾، ولا يعمل فيه ﴿تَرَ﴾؛ لأن فيه معنى الاستفهام، ولا يعمل فيه ما قبله، وَلِمُشابَهةِ الألِفِ بُنِيَ، وإنما بُنِيَ على الفتح لسكون ما قبله، ولأنه ياء والكسرة بعد الياء ثقيلة (٣). وقوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ يعني مَكْرَهُمْ وَسَعْيَهُمْ ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ يعني: في بُطْلَانٍ وَأباطِيلَ، حتى لَمْ يَصِلُوا إلَى الكَعْبةِ ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)﴾ يعني: كثيرةً مُتَتابِعةً، يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا كالإبِلِ المُؤَبَّلةِ، قال امرؤ القيس: ٥٥٠ - تَراهُمْ إلَى الدّاعي سِراعًا كَأنَّهُمْ... أبابِيلُ طَيْرٍ تَحْتَ دَجْنٍ مَسَخَّنِ (٤) وقال آخر: ٥٥١ - كادَتْ تُهَدُّمِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي... إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالْجُرْدِ الأبابِيلِ (٥)

стр. 2003

قال أبو عبيدة (١): ﴿أَبَابِيلَ﴾: جَماعاتٌ فِي تَفْرِقةٍ، يُقال: جاءَتِ الخَيْلُ أبابيلَ: مِنْ هاهُنا وَهاهُنا، وَلَمْ نَرَ أحَدًا يَجْعَلُ لَها واحِدًا، وكذلك قال الفَرّاءُ (٢): لا وَاحِدَ لَها من لفظها. وقيل (٣): واحدها إبَّوْلٌ كَعِجَّوْلٍ وَعَجاجِيلَ، وقيل (٤): واحدها إبّالةٌ، وقيل (٥):

стр. 2004

إبِّيلٌ كَسِكِّينٍ وَسَكاكِينَ، وقيل (١): إبّالٌ كَدِينارٍ وَدَنانِيرَ، وأصل دينار دِنّارٌ، دليلُه تكرارُ النون في الجمع والتصغير، وقيل (٢): هو جمع لا واحد له، وقيل (٣): هو اسمٌ لِلْجَمْعِ، وهو مشتق من: أبَّلَ عليه: إذا كَثَّرَ وَجَمَّعَ، ومنه سُمِّيَت الإبِلُ لِعِظَمِ خَلْقِها. واختلفوا في صِفَتِها، فقال ابن عباس ﵁: كانت طَيْرًا لَها خَراطِيمُ كَخَراطِيمِ الطَّيْرِ، وَأكُفٌّ كَأكُفِّ الكِلَابِ، وَأنْيابٌ كَأنْيابِ السِّباعِ (٤). وقالت عائشة ﵂: هِيَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخَطاطِيفِ والوَطاوِطِ (٥). وقال قتادة وعطاء وابن عباس (٦): إنَّها كانت طَيْرًا سُودًا جاءت مِنْ قِبَلِ البَحْرِ فَوْجًا فَوْجًا، مع كل طائر ثلاثة أحْجارٍ: حَجَرانِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرٌ فِي مِنْقارِهِ، لا يصيب شَيْئًا إلّا هَشَّمَهُ، فذلك قوله تعالَى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ

стр. 2005

سِجِّيلٍ (٤)﴾ قال ابن مسعود (١): ما وقع منها حَجَرٌ على رَجُلٍ إلّا خَرَجَ من الجانب الآخر، وَإنْ وَقَعَ على رأسه خَرَجَ من دُبُرِهِ. قرأ العامة: ﴿تَرْمِيهِم﴾ بالتاء، يعنون الطَّيْرَ، وقرأ طلحة بن مُصَرِّفٍ وَأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بالياء (٢)، يعنون اللَّه تعالَى، كقوله تعالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣)، والسِّجِّيلُ: حِجارةٌ خَلَطَها الطِّينُ، وقد تقدم نظيره في سورة هود (٤). رُوِيَ عن نَوْفَلِ بنِ معاوية الدِّيلِيِّ (٥) أنه قال: "رأيتُ الحَصَى التِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ، حَصًى مِثْلُ الحِمَّصِ، وَأكْبَرُ من العَدَسِ، حُمْرٌ مُخَتَّمةٌ، كَأنَّها جَزْعُ ظِفارٍ" (٦). وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾؛ أي: كَزَرْعٍ وَتِيْنٍ قد أكَلَتْهُ

стр. 2006

الدَّوابُّ، ثُمَّ راثَتْهُ فَيَبِسَ وَتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ، فَشَبَّهَ تَقَطُّعَ أوْصالِهِمْ وَتَفَرُّقَ أجْزائِهِمْ بِتَفَرُّقِ أجْزاءِ الرَّوْثِ (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 2007

سورة قريش مكية وهي ثلاثة وسبعون حرفًا، وسبع عشرة كلمةً، وأربع آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أُعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَنْ طافَ بِالكَعْبةِ واعْتَكَفَ بِها" (١). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ اختلف القراء فيها، فقرأ عبد اللَّه بن عامر: "لإلَافِ" مهموزًا مُخْتَلَسًا بغير ياء، وقرأ أبو جعفر: "لِيلافِ" بغير همز، وإنما ذَهَبا إلَى طلب الخِفّةِ، وقرأ الباقون: ﴿لِإِيلَافِ﴾ بياء مهموزة مشبعة (٢)، والإيلاف مصدر آلَفْتُ إيلافًا، وَآلَفْتُ بمعنى ألِفْتُ، قال ذو الرمة:

стр. 2008

٥٥٢ - مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلَ أدْماءُ حُرّةٌ (١) واللام متعلقة عند الأخفش بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٢)؛ أي: أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ، وَفَعَلَ ذلك بِهِمْ لإيلاف قريش رِحْلةَ الشتاء والصيف. وفيه بُعْدٌ؛ لإجماع الجميع على جواز الوقف على آخر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ (٣).

стр. 2009

وقيل: اللام متعلقة بفعل مضمر تقديره: اعْجَبُوا لإيلاف قريش رِحْلةَ الشتاء والصيف، وَتَرْكِهِمْ عِبادةَ رَبِّ هذا البيتِ، وهذا مذهب الفَرّاءِ (١)، وقال الخليل (٢): اللّام متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، كأنه قال: لأنْ آلَفَ اللَّهُ قُرَيْشًا إيلَافًا ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. وإنما سُمُّوا قُرَيْشًا من التَّقَرُّشِ، وهو التَّكَسُّبِ والتَّغَلُّبِ والجمعِ والطَّلَبِ (٣)، وقيل: سُمُّوا قُرَيْشًا لِدابّةٍ في البحر يُقال لَها: القِرْشُ، تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وَتْعُلو وَلا تَعْلِى، رُوِيَ ذلك عن ابن عَبّاسٍ (٤)، فقال له معاويةُ: وهل تعرف ذلك العَرَبُ في أشْعارِها؟ قال: نعم، قال: فَأنْشِدْ في ذلك شيئًا، فَأنْشَدَ شِعْرَ الجُمَحِيِّ (٥)، إذْ يقول: ٥٥٣ - وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ... رَ، بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا سُلِّطَتْ بِالْعُلُوِّ فِي لُجّةِ الْبَحْـ... رِ عَلَى سائِرِ الْبُحُورِ جُيُوشا

стр. 2010

تَأْكُلُ الْغَثَّ والسَّمِينَ، وَلَا تَتْـ... رُكُ فِيهِ لِذِي جَناحَيْنِ رِيشا هَكَذا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ... يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أكْلًا كَمِيشا وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمانِ نَبِيٌّ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ والْخُمُوشا تَمْلأُ الأرْضَ خَيْلُهُ وَرِجالُهُ... يَحْشُرُونَ الْمَطِيَّ حَشْرًا كَشِيشا (١) وقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾، وقرئ: "إلْفِهِمْ" و"إلَافِهِمْ" (٢)، يُقالُ: ألِفْتُ الشَّيْءَ

стр. 2011

إلافًا وَإلْفًا، وَآلَفْتُهُ إيلافًا بمعنًى واحدٍ (١)، ويقال: آلَفَتِ الظِّباءُ الرَّمْلَ: إذا ألِفَتْها. و ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ خفض على البدل من الإيلافِ الأوَّلِ؛ لزيادة البيان، كما تقول: سَمِعْتُ كَلَامَكَ كَلَامَكَ زيدًا، و"إيلَافِ" مصدر رباعي، ومن قرأ: "إيلافَهُمْ" (٢) بالنصب فعلى المصدر (٣). وقوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ قيل (٤): كان لقريش رحلتان في كل سنة للتجارة: رحلة في الشتاء إلَى اليَمَنِ، ورحلة في الصيف إلَى الشام، وقيل (٥): كانت رحلة الشتاء إلَى الشامِ، وَرِحْلةُ الصَّيْفِ إلَى اليَمَنِ. و ﴿رِحْلَةَ﴾ نصب بوقوع ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ عليه (٦)، وقيل: على المصدر، وقيل: على الظرف (٧).

стр. 2012

وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾؛ أي: فَلْيُوَحِّدُوا رَبَّ هَذِهِ الكعبة ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾؛ أي: بَعْدَ جُوعٍ، كما تقول: كَسَوْتُكَ مِنْ عُرْيٍ (١)، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ وهو أنهم كانوا يسافرون آمِنِينَ، لا يتعرض لَهُمْ أحَدٌ، وكان غَيْرُهُمْ لا يأمن في سفره ولا في حَضَرِهِ، وقيل (٢): معنى قوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، قيل: قطعةً من هذا، وقطعةً من هذا، فإذا قال: الجوع والخوف، فهما التامّانِ. وقال ابن عباس ﵁ (٣): إنَّهُمْ كانُواْ في ضُرٍّ وَمَجاعةٍ حَتَّى جَمَعَهُمْ هاشِمٌ على الرحلتين، وكانوا يقسمون رِبْحَهُمْ بَيْنَ الفُقَراءِ. والمعنى: حتى كان فقيرهم كغنيهم فلم يكن بَنُو أبٍ أكْثَرَ مالًا ولا أعَزَّ من قريش، وقد قال الشاعر فيهم: ٥٥٤ - الْخالِطِينَ فَقِيرَهُمْ بِغَنِيِّهَمْ... حَتَّى يَكُونَ فَقِيرُهُمْ كالكافِي (٤)

стр. 2013

سورة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مكية، وقيل: مدنية وهي مائة واثنا عشر حرفًا، وخمس وعشرون كلمةً، وسبع آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فَكَأنَّما صامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، وَغَفَرَ اللَّهُ له إنْ كانَ مُؤَدِّيًا لِلزَّكاةِ" (١)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بَرِئَ مِنَ الرِّياءِ، وَوُقِيَ الشُّحَّ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾ يعني: بالجزاء

стр. 2014

والحساب، قيل (١): نزلت فِي العاص بن وائل، وقيل (٢): في أبِي سفيان بن حَرْبٍ، كان يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوع جَزُورينِ، فَأتاهُ يَتِيمٌ فَسَألَهُ شَيْئًا، فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ، فأنزل اللَّه فيه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. ويجوز أن يكون ﴿أَرَأَيْتَ﴾ من رؤية العين، فلا يكون في الكلام حَذْفٌ، وأن يكون من رؤية القلب، فيكون التقدير: أرَأيْتَ الذي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بَعْدَما ظَهَرَ له من البَراهِينِ؟ ألَيْسَ مُسْتَحِقًّا عَذابَ اللَّه؟ (٣). وقوله: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾؛ أي: يَدْفَعُهُ ويَزْجُرُهُ ويَظْلِمُهُ عن حَقِّهِ من ماله وَبِرِّهِ (٤)، والدَّعُّ: الدَّفْعُ بعنف وَجَفْوةٍ، وقرأ أبو رجاء: "يَدَعُ الْيَتِيمَ" (٥) مُخَففًا؛ أي: يَتْرُكُهُ، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾؛ أي: لا يُطْعِمُهُ ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ؛ لأنه يُكَذِّبُ بالجزاء. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ استئناف كلام، ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ والسّاهُونَ خَبَرُ ﴿هُمْ﴾، والجملة صلة ﴿الَّذِينَ﴾، والأصل: ساهِيُونَ، فاستثقلوا الضمة على الياء، فنقلوها إلَى الهاء

стр. 2015

بعد أن حذفوا الكسرة من الهاء، وأسقطوا الياء لالتقاء الساكنين (١). وهذه الآية نزلت في المنافقين الذين لا يرجون لَها ثَوابًا، ولا يخافون عليها عقابًا إن تركوا، فَهُمْ عَنْها غافِلُونَ لاهُونَ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُها، إذا كانوا مع المؤمنين صَلَّوْا رِياءً وَسُمْعةً، وإذا لَمْ يكونوا معهم لَمْ يُصَلُّوا (٢)، فذلك قوله تعالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾. قال أكثر المفسرين (٣): الماعُونُ: اسم لِما يَتَعاوَرُهُ الناسُ بينهم من الدَّلْوِ والفأسِ والقِدْرِ، وما لا يُمْنَعُ كالملح والماء والنار وأشباه ذلك، وهو "فاعُولٌ" مأخوذ من المَعْنِ، والمَعْنُ: المعروف، وهو كل ما كان فيه منفعة (٤). وقيل: الماعون: الزكاة، وهو قول عَلِيِّ بنِ أبِي طالب ﵁ (٥)، قال ثعلب ﵀ (٦): وعليه العمل، وقال الفَرّاءُ (٧): سَمِعْتُ

стр. 2016

بعض العرب يقول: الماعونُ: الماءُ، وأنشد: ٥٥٥ - يَمُجُّ صَبِيرُهُ الْماعُونَ صَبّا (١) الصَّبِيرُ: السَّحابُ. وقال أبو عبيدة (٢) والمُبَرِّدُ (٣): الماعون في الجاهلية: كل منفعة وَعَطِيّةٍ وَعارِيةٍ، وفي الإسلام: الطّاعةُ. قال أبو جعفر (٤): وهذه الأقوال ترجع إلَى أصلٍ واحدٍ، إئما هو الضِّنّةُ بالشيء اليسير الذي يَجِبُ ألّا يُضَنَّ به، مشتق من المَعْنِ، وهو الشيء القليل.

стр. 2017

فصل عن أنس بن مالك ﵁ عن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه! ما الذي لا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟، قال ﷺ : "يا عائشة! خَمْسةُ أشْياءَ لا يُمْنَعْنَ من المؤمنين والمؤمنات، فمن مَنَعَهُنَّ مَنَعَهُ اللَّهُ يوم القيامة خَيْرَهُ: الماء والملح والنار والإبرة والخَمِيرُ"، قالت: يا رسول اللَّه: هذا الماء، فما بال النار والملح والإبرة والخمير؟، قال لَها: "يا عائشةُ! أيُّما أهْلِ بَيْتٍ أعْطَوْا نارًا، فما طُبِخَ به فكأنما تَصَدَّقَ بجميع ما طُبِخَ بتلك النار، وَمَنْ أعْطَى مِلْحًا فكأنما تَصَدَّقَ بجميع ما طُيِّبَ بذلك الملح، وَمَنْ أعْطَى إبْرةً كان له كَحَجّةٍ، وَمَنْ أعْطَى خَمِيرًا فما طُيِّبَ به فكأنما تَصَدَّقَ به، وَمَنْ مَنَعَ هذه الخمسةَ الأشياءِ مَنَعَهُ اللَّهُ تعالَى يوم القيامة خَيْرَهُ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا أو أعطاه وَضُوءًا خَلَقَ اللَّهُ تعالَى من كل قَطْرةٍ مَلَكًا يستغفر له إلَى يوم القيامة، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبةً من ماءٍ حيث يُوجَدُ الماءُ، فكأنما أعْتَقَ سِتِّينَ نَسَمةً" (١). وفي حديثٍ آخَرَ: "وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبةً من ماءٍ والماء موجود، فكأنما أعْتَقَ ستين رَقَبةً من وَلَدِ إسْماعِيلَ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا فِي عَطَشِهِ شَرْبةً من ماءٍ حيث لا يُوجَدُ الماءُ فكأنما أحْيا نَفْسًا، وَمَنْ أحْيا نَفْسًا فكأنما أحْيا الناسَ جَمِيعًا، وَمَنْ مَنَعَ هذه الخَمْسةَ الأشْياءِ مَنَعَهُ اللَّهُ يوم القيامة خَيْرَهُ" (٢)، واللَّه أعلم.

стр. 2018

سورة الكوثر مكية وهي اثنان وأربعون حرفًا، وعشر كلمات، وثلاث آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ سَقاهُ اللَّهُ تعالَى مِنْ أنْهارِ الجَنّةِ، وَأعْطاهُ بِعَدَدِ مَنْ ضَحَّى عَشْرَ حَسَناتٍ" (١). وعن مكحول (٢) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ كانَ لَهُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أبْعِرةٌ، عَلَى كُلِّ بَعِيرٍ كَرارِيسُ، كُلُّ كُرّاسةٍ مِثْلُ الدُّنْيا، وما فيها كُتِبَ له بِدِقّةِ الشَّعْرِ، لَيْسَ فيها إلّا صِفةُ قُصُورِهِ وَمَنازِلهِ فِي الجَنّةِ" (٣)، وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الكَوْثَرِ شَرِبَ مِن الكَوْثَرِ" (٤).

стр. 2019

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ قرأه العامة بالعين، وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّفٍ: ﴿إِنَّا أَنْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) بالنون، وَرُوِيَ ذلك عن أُمِّ سَلَمةَ عن النبي ﷺ أنه قرأ: ﴿إِنَّا أَنْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٢). والكَوْثَرُ: "فَوْعَلٌ" من الكَثْرةِ كَنَوْفَلٍ من النَّفْلِ، وَجَوْهَرٍ من الجَهْرِ (٣)، وهو نَهَرٌ فِي الجنة، وَإنَّما سُمِّيَ الكَوْثَرَ؛ لأن أكثر أنهار الجنة منه، والعرب تسمي كل شيء كثير فِي العدد أو القَدْرِ والخَطَرِ كَوْثَرًا، ويُقال: رَجُلٌ كَوْثَرٌ: إذا كان كثير العطاء (٤)، قال الشاعر: ٥٥٦ - وَأنْتَ كَثِيرٌ -يا ابْنَ مَرْوانَ- طَيِّبٌ... وَكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقائِلِ كَوْثَرا (٥)

стр. 2020

وأصل ﴿إِنَّا﴾ إنَّنا، فحُذفت إحدى النونات لاجتماع الأمثال، والمَحذوفة هي الثانية بدلالة جواز حذفها في "إنَّ"، فتقول: إنْ زَيْدٌ لَقائِمٍ، فتحذف الثانية وتبقي الأولى على سكونها ساكنة، ولو كانت المَحذوفة هي الأولى لبقيت الثانية متحركة؛ لأنها كذلك كانت قبل الحذف، ولا يجوز حذف الثالثة؛ لأنها هي الاسم (١). فصل عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الكَوْثَرُ نَهَرٌ فِي الجَنّةِ، حافَّتاهُ من الذَّهَبِ، وَمَجْراهُ عَلَى الدُّرِّ والياقُوتِ، وَتُرْبَتُهُ أطْيَبُ من المِسْكِ، وَماؤُهُ أحْلَى من العَسَلِ، وَأشَدُّ بَياضًا من الثَّلْجِ" (٢). وقالت عائشة ﵂: "الكَوْثَرُ نَهَرٌ فِي الجَنّةِ يُخَرْخِرُ في الحَوْضِ (٣)، فَمَنْ أحَبَّ أنْ يَسْمَعَ خَرِيرَهُ فَلْيَجْعَلْ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ" (٤).

стр. 2021

وفي حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: مَنْ أدْخَلَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ سَمِعَ خَرِيرَ الكَوْثَرِ، أراد: مثل صوت خرير الكوثر، ذكره ابن الأثير في غريبه (١). وقيل: "الكوثر هو الحوض بعينه، وَصِفَتُهُ على ما جاء فِي الأخبار أن رسول اللَّه ﷺ وَصَفَ حوض الكوثر، فقال: "حَصْباؤُهُ الياقُوتُ الأحْمَرُ والزَّبَرْجَدُ الأخْضَرُ والدُّرُّ والمَرْجانُ، وحَمْأتُهُ المِسْكُ الأذْفَرُ (٢)، وترابه الكافور، ماؤُهُ أشَدُّ بَياضًا من اللَّبَنِ، وَأحْلَى من العَسَلِ، وَأبْرَدُ من الثَّلْجِ، يَخْرُجُ مِنْ أصْلِ السِّدْرةِ، عُرْضُهُ وَطُولُهُ ما بَيْنَ المشرق والمغرب، حافَّتاهُ الزَّعْفَرانُ وَقِبابُ الدُّرِّ والمَرْجانِ، مَنْ دَخَلَهُ أمِنَ من الغَرَقِ، لا يشرب منه أحَدٌ فَيَظْمَأ، ولا يَتَوَضَّأُ منه أحَدٌ فَيَشْعَثَ (٣)، فيه طُيُورٌ أعْناقُها كَأعْناقِ الجُرُزِ (٤) "، فقال أبو بكر وَعُمَرُ ﵄: إنَّها لَناعِمةٌ يا رسول اللَّه، فقال ﵇: "آكِلُها أنْعَمُ" (٥). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لِحَوْضِي أرْبَعةُ أرْكانٍ، فَأوَّلُ رُكْنٍ منها فِي يَدِ أبِي بَكْرٍ، والثانِي فِي يَدِ عُمَرَ، والثالث

стр. 2022

فِي يَدِ عُثْمانَ، والرابع فِي يَدِ عَلِيٍّ، فَمَنْ أحَبَّ أبا بكر وَأبْغَضَ عُمَرَ لَمْ يَسْقِهِ أبو بكر، وَمَنْ أحَبَّ عُمَرَ وَأبْغَضَ أبا بكر لَمْ يَسْقِهِ عُمَرُ، وَمَنْ أحَبَّ عُثْمانَ وَأبْغَضَ عَلِيًّا لَمْ يَسْقِهِ عُثْمانُ، وَمَنْ أحَبَّ عَلِيًّا وَأبْغَضَ عُثْمانَ لَمْ يَسْقِهِ عَلِيٌّ، وَمَنْ أحْسَنَ القَوْلَ فِي أبِي بكر فقد أقامَ الدِّينَ، ومن أحْسَنَ القول فِي عُمَرَ فقد أوْضَحَ السَّبيلَ، ومن أحْسَنَ القَوْلَ فِي عُثْمانَ فقد اسْتَنارَ بِنُورِ اللَّه، ومن أحْسَنَ القَوْلَ فِي عَلِيٍّ فقد استمسك بِالعُرْوةِ الوُثْقَى، ومن أحْسَنَ القَوْلَ فِي أصحابِي فهو مؤمن، ومن أساءَ القَوْلَ فِي أصحابِي فهو منافق" (١). وعن قتادة عن أنَسٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بَيْنا أنا أسِيرُ فِي الجَنّةِ، إذا أنا بِنَهَرٍ حافَّتاهُ اللُّؤْلُؤُ المُجَوَّفُ، فقلتُ: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكَوْثَرُ الذي أعْطاكَ رَبُّك، فَضَرَبَ المَلَكُ بِيَدِهِ فإذا طِينتهُ مِسْكٌ أذْفَرُ" (٢)، رواه البخاري عن هُدْبةَ (٣) عن هَمّامٍ (٤) عن قتادة عن أنَسٍ عن النبي ﷺ . وعن أنس بن مالك قال: لَمّا أُسْرِيَ بالنبي ﷺ أبْصَرَ نَهَرًا في الجَنّةِ،

стр. 2023

فقيل له: هذا الكوثر، فَأصْبَحَ يُحَدِّثُ النّاسَ، ققاك منافقٌ لِصاحِبٍ له: سَلْهُ، فواللَّهِ ما رَأيْنا نَهَرًا قَطُّ إلّا ضلى شَطِّتهِ نَباتٌ، ما نبْتُهُ؟، فقال: يا نَبِيَّ اللَّه: إنه ليس من نَهَرٍ إلّا على شَطِّهِ نَبْتٌ، فما نَبْتُهُ؟ قال: "قُضبان الذَّهَبِ، الرُّطَبُ مُسْتَعْلِيةٌ عليه تُظلُّهُ"، قالوا: إنا لَمْ نَرَ نَبْتًا إلّا وله ثَمَرٌ، فما ثَمَرُهُ؟ قال: "الياقُوتُ واللُؤْلُؤُ والزُّمُرُّدُ"، قالوا: إنا لَمْ نَرَ نَهَرًا إلّا له حَمْأةٌ، فما حَمْأتُهُ؟ قال: "المِسْكُ الأذْفَرُ"، قالوا: فإنا لَمْ نَرَ نَهَرًا قَطُّ إلّا يَجْرِي على رَضْراضٍ، فما رَضْراضُهُ؟ قال: "جَنادِلُ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ والزُّمُرُّدِ" (١)، والرَّضْراضُ: صِغارُ الحَصَى. وفيه يقول الشاعر: ٥٥٧ - يا صاحِبَ الحَوْضِ مَنْ يُدانِيكا... وَأنْتَ حَقًّا حَبِيبُ بارِيكا (٢) قوله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ قال عَلِيٌّ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ-: "لَمّا نزلت هذه السورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، قال النَّبِيُّ ﷺ لِجِبْرِيلَ ﵇: "عَلِّمْنِي ما هذه النَّحِيرةُ التي أمَرَنِي بِها رَبِّي؟ قال: لَيْسَتْ بِنَحِيرةٍ، ولكنه يأمرك إذا تَحَرَّمْتَ لِلصَّلاةِ أنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إذا كَبَّرْتَ، وَإذا رَكَعْتَ، وإذا رَفَعْتَ رَأْسَكَ من الرُّكُوعِ، وإذا سَجَدْتَ، فإنها صَلَاتُنا وَصَلاةُ الملائكة فِي السماوات السبع، وإن لِكُلِّ شَيْءٍ زِينةً، وَزِينةُ الصلاة رَفْعُ الأيْدِي عند كل تَكْبِيرةٍ"، قال رسول اللَّه ﷺ : "رَفْعُ الأيْدِي فِي

стр. 2024

الصَّلاةِ من الاسْتِكانةِ"، قلتُ: وما الاسْتِكانةُ؟ قال: "ألا يَقْرَأ هَذِهِ الآيةَ: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١) قال: "هو الخضوع" (٢). وقيل: معناه: فَصَلِّ لِرَبِّكَ صَلاةَ الغَداةِ المفروضةَ بِجَمْعٍ، وانْحَر البُدْنَ بِمِنًى، وقيل: معناه: وَضَعِ اليَدَ اليُمْنَى على ساعِدِ اليُسْرَى، ثم وَضَعَها تحت صَدْرِهِ، وقيل: معناه: ارْفعْ يَدَيْكَ بالتكبير إلَى نَحْرِكَ. قوله -تعالَى-: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ يعني: إنَّ مُبْغِضَكَ وَعَدُوَّكَ هو الأذَلُّ الأقَلُّ المُنْقَطِعُ دابِرُهُ، نزلت هذه الآية في العاص بن وائل، كان يَمُرُّ بالنَّبِيِّ ﷺ ، فيقول له: إنِّي لأشْنَؤُكَ، وَإنَّكَ لأبْتَرُ من الرجال، فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ مِنْ خَيْرِ الدنيا والآخرة (٣). قال وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ (٤): الأبْتَرُ: الذي ليس له في الجنة نصيب، ويقال: الأبْتَرُ: الصُّنْبُورُ، قال ابن الأعْرابِيِّ (٥): الصُّنْبُورُ: الوَحِيدُ، والصُّنْبُورُ: الضَّعِيفُ، والصُّنْبُورُ: الذي لا عَشِيرةَ لَهُ، والصُّنْبُورُ: الذي لا وَلَدَ لَهُ، واللَّه اعلم.

стр. 2025

سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وهي أربعة وتسعون حرفًا، وست وعشرون كلمةً، وست آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فَكَأنَّما قَرَأ رُبُعَ القُرْآنِ، وَتَباعَدَتْ عَنْهُ مَرَدةُ الشَّياطِينِ، وَبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ، ويُعافَى مِنَ الفَزَعِ الأكبَرِ" (١). وقال رسول اللَّه ﷺ : "مُرُوا صِبْيانَكُمْ، فَلْيَقْرَؤوها فِي المَنامِ، فَلَا يَعْرِضْ لَهُمْ شَيْءٌ" (٢). وقال ابن عباس ﵁: "لَيْسَ فِي القُرْآنِ سُورةٌ أشَدُّ غَيْظًا لإِبْلِيسَ مِنْ هَذِهِ السُّورةِ؛ لأنَّها تَوْحِيدٌ وَبَراءةٌ مِنَ الشِّرْكِ" (٣).

стр. 2026

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ ﴿قُلْ﴾ فِعْلُ أمْرٍ موقوفٌ (١)، أصله: تَقُولُ، فحُذفت التاء من أوله، وحُذفت الضمة من آخِرِهِ للأمر، وبقيت اللام ساكنةً، وقبلها الواو ساكنة، فالْتَقَى ساكنان: اللام والواو، فحُذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكانت أحَقَّ بالحذف لأن قبلها ما يَدُلُّ عليها، وهي الضمة، فبقي ﴿قُلْ﴾. و"يا" حرف نداء يصلح للواحد والتثنية والجمع، و ﴿الْكَافِرُونَ﴾ نعت لـ "أيُّ"، لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لأنه هو المُنادَى في المعنى، ولا يَجُوزُ عند أكثر النحويين نَصبُهُ كما جاز: يا زَيْدُ الظَّرِيفَ بالنصب (٢).

стр. 2027

قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ يعني: لا أعْبُدُ آلِهَتَكُم التي تعبدون اليوم ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ يعني الذي أعْبُدُهُ اليَوْمَ، و ﴿مَا﴾ في الأرْبَعةِ المَواضِعِ نصب بالفعل الذي قبل كل واحدة، وفي بمعنى "الذي"، والهاء محذوفة من الفعل الذي بعد كل واحدة؛ أي: تَعْيُدُونَهُ وَأعْبُدُهُ وَعَبَدْتُمُوهُ (١)، وقيل (٢): ﴿مَا﴾ والفعل مصدرٌ، فلا يحتاجُ على هذا إلَى تقديرِ حَذْفٍ. قيل (٣): نزلت هذه الآيات إلَى آخِرِ السورة في رَهْطٍ من قريش، قالوا: يا محمد! هَلُمَّ فاتَّبِعْ دِينَنا، وَنتَّبِعْ دِينَكَ، وَنُشْوِكْكَ في إمْرِنا كُلِّهِ، تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنةً، وَنَعْبُدُ إلَهَكَ سَنةً، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مَعاذَ اللَّهِ أنْ أُشْرِكَ بهِ غَيْرَهُ"، فأنزل اللَّه -تعالَى-: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآيات،

стр. 2028

ومعنى ﴿مَا أَعْبُدُ﴾؛ أي: مَنْ أعْبُدُ، ولكنه يقابل قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، يعني: مِن الأصنام، فَحُمِلَ الثانِي عليه (١). وأما وجه تكرير الكلام، فمعنى الآية: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحالِ، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الحالِ ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ في الاستقبال، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ في الاستقبال، وهذا خطابٌ لِمَنْ سَبَقَ فيهم علم اللَّه أنَّهُمْ لا يؤمنون، كقوله تعالَى في قصة نُوحٍ ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٢)، وقيل (٣): إنَّما كَرَّرَ هذا اللَّفْظَ لِمَعْنَى التغليظ، كما قال : ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقال أكثر أهل المعانِي (٥): نزل القرآن بلسان العرب، وعلى مَجارِي خِطابِهِمْ، وَمِنْ مذاهبهم التَّكْرارُ إرادةَ التَّوْكِيدِ والإفْهامِ، كما أن مِنْ مذاهبهم

стр. 2029

الاخْتِصارَ إرادةَ التخفيفِ والإيجازِ؛ لأن افْتِنانَ المتكلم والخطيب وَخُرُوجَهُ من شيء إلْى شيء أفْضَلُ من اقتصاره في المقام على شيء واحدٍ، قال اللَّه تعالَى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (١) و ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢) في غَيْرِ موضعٍ في سورةٍ واحدةٍ، وقد يقول القائل: ارْمِ ارْمِ، عَجِّلْ عَجِّلْ. ومنه الحديث أن رسول اللَّه ﷺ صَعِدَ المِنْبَرَ ذاتَ يَومٍ فقال: "إنَّ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَأْذَنُوا أنْ يُنْكِحُوا فَتاتَهُمْ عَلِيًّا، فَلا آذَنُ، فَلَا آذَنُ، إنَّما فاطِمةُ بِضْعةٌ مِنِّي (٣)، يَسُوؤُها ما يَسُوؤُنِي، وَيَسُرُّها ما يَسُرُّنِي" (٤)، ومنه قول الشاعر: ٥٥٨ - هَلَّا سَألْتَ جُمُوعَ كِنْـ... دةَ يَوْمَ وَلَّوْا أيْنَ أيْنا؟ (٥)

стр. 2030

وقال آخر: ٥٥٩ - يا عَلْقَمَهْ يا عَلْقَمَهْ يا عَلْقَمَهْ خَيْرَ تَمِيمٍ كُلِّها وَأكْرَمَهْ (١) وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ يعني: كفركم باللَّه ﴿وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ يعني التوحيد والإخلاص، وقيل (٢): معنى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ تَهْدِيدٌ، كقوله تعالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٣)؛ أي: جَزاؤُكُمْ في الآخرة، فَأخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ اللِّينِ في الحُسْنِ لِلأعْمالِ رَجاءَ أن يُنْصِفُوا عند اللُّطْفِ، كما قال الشاعر: ٥٦٠ - فَمَنْ وَجَدَ الإحْسانَ قَيْدًا تَقَيَّدا (٤) وهذه الآية منسوخة بآية السيف (٥)، قرأ أهل المدينة وعيسى بنُ عُمَرَ:

стр. 2031

"وَلِيَ دِينِ" بفتح الياء، وَمِثْلَهُ رَوَى حَفْصٌ عن عاصمٍ، وَهِشامٌ عن أهل الشام، وقرأ غيرهم بِجَزْمِهِ (١). وَكُسِرَتْ لامُ الجَرِّ مع المضمر -الذي هو الياءُ ضَمِيرُ المتكلم-؛ لأن ما قبل ياء المتكلم لا يكون إلّا مكسورًا، وكذلك هي مع الاسم الظاهر مكسورةٌ، وهي مع سائر المضمرات مفتوحةٌ، وأصلها الفتح؛ لأن الأسماء تَرُدُّ الأشياءَ إلَى أصولها، مثل: لَكَ وَلَهُ وَلَها وَلَهُمْ ونحوه (٢). و ﴿دِينِ﴾ اسمٌ مبتدأٌ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ فيه الإعرابُ؛ لأنه مضاف إلَى ياء النفس، وأصله: دِينِي، فحُذفت الياء اختصارًا، واجْتُزِئَ بالكسرة منه (٣)، وَخَبَرُهُ في "لِي" الجارِّ والمَجْرُورِ، فحُذفت الياء؛ لأن الآيات بالنون كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٤)، ﴿وَيَسْقِينِ﴾ (٥)، واللَّه أعلم.

стр. 2032

سورة النصر مدنية وهي سبعة وسبعون حرفًا، وتسع عشرة كلمةً، وثلاث آيات. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَكَأنَّما شَهِدَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتْحَ مَكّةَ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ النَّصْرِ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بابَ الخَيْرِ، وَتابَ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ". باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يعني: إذا جاءَكَ يا محمدُ نَصْرُ اللَّه على مَنْ عاداكَ، وهم قريش، والفتح: فَتْحُ مَكّةَ في قول أكثر المفسرين، وقيل: أراد فَتْحَ المَدائِنِ والقُصُورِ، وقد تقدم إعراب نظير ﴿إِذَا

стр. 2033

جَاءَ﴾ في سورة المنافقين والتكوير (١)، فَأغْنَى عن الإعادة. قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾ يعني أهْلَ اليَمَنِ ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وهو فعلٌ مضارعٌ، ومفعولٌ ثانٍ أو في موضع الحال (٢) ﴿فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾؛ أي: جَماعاتٍ كَثِيرةً، وَزُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، [فَبَعْدَ] (٣) أنْ كانوا يدخلون واحِدًا واحِدًا، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، صارت القبيلة تدخل بِأسْرِها في الإسلام (٤). ونصب ﴿أَفْوَاجًا﴾ على الحال من المضمر في ﴿يَدْخُلُونَ﴾، وهو العامل فيه، و ﴿أَفْوَاجًا﴾ جَمْعُ فَوْجٍ، وَفَوْجٌ كَرَهْطٍ، لا واحد له، وقياسه: أفْوُجٌ، إلا أن الضمة تُستثقل في الواو، فَشَبَّهُوا "فَعْلًا" بـ "فَعَلٍ"، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ (٥).

стр. 2034

فصل عن ابن عباس وَأبِي هريرة ﵄ قالا: لَمّا نزلت هذه السورة، قال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وَجاءَ أهْلُ اليَمَنِ قَوْمٌ رَقِيقةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنةٌ طِباعُهُمْ، الإيمانُ يَمانٍ، والفِقْهُ يَمانٍ، والحِكْمةُ يَمانِيّةٌ" (١). قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ يعني: تَوّابًا لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، والفاء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾ جواب ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، و ﴿تَوَّابًا﴾ خَبَرُ ﴿كَانَ﴾، والباء هاهنا للالتباس والمخالطة كقوله تعالَى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢)؛ أي: مُخْتَلِطةً وَمُلْتَبِسةً به، ومعناه: اجْعَلْ تَسْبِيحَ اللَّهِ مُخْتَلِطًا وَمُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ، وقيل: الباء للتعدية كما يُقال: اذْهَبْ بِهِ؛ أي: خُذْهُ مَعَكَ في الذَّهابِ، كأنه قال: سَبِّحْ رَبَّكَ مَعَ حَمْدِكَ إيّاهُ، ذكره ابن الأثير (٣). و ﴿كَانَ﴾ هاهنا صلة (٤)؛ لأن معناه: إنَّهُ تَوّابٌ، ومثله: ﴿إِنَّهُ كَانَ

стр. 2035

غَفَّارًا﴾ (١) يعني: إنَّهُ غَفّارٌ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، [. . . . .] (٢)، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٣) [. . .] (٤)، ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٥)؛ أي: مَنْ هُوَ في المَهْدِ صَبيًّا، وما أشْبَهَ ذلك فهو كَثِيرٌ في القرآن، والمعنى: فإنك -يا محمدُ- حَبِيبُهُ لَاحِقٌ بِمَنْ سَلَفَ، وَذائِقُ المَوْتِ كما ذاقَ مَنْ قَبْلَكَ من الرُّسُلِ، وعند الكَمالِ يُرْتَقَبُ الزَّوالُ كما قيل: ٥٦١ - إذا تَمَّ أمْرٌ بَدا نَقْصُهُ... تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ: تَمّ (٦) قال ابن عباس ﵁: "لَمّا نزلت هذه السورة عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أنه قد نُعِيَتْ إليه نَفْسُهُ" (٧).
следующие страницы →