"وَلِيَ دِينِ" بفتح الياء، وَمِثْلَهُ رَوَى حَفْصٌ عن عاصمٍ، وَهِشامٌ عن أهل الشام، وقرأ غيرهم بِجَزْمِهِ (١).
وَكُسِرَتْ لامُ الجَرِّ مع المضمر -الذي هو الياءُ ضَمِيرُ المتكلم-؛ لأن ما قبل ياء المتكلم لا يكون إلّا مكسورًا، وكذلك هي مع الاسم الظاهر مكسورةٌ، وهي مع سائر المضمرات مفتوحةٌ، وأصلها الفتح؛ لأن الأسماء تَرُدُّ الأشياءَ إلَى أصولها، مثل: لَكَ وَلَهُ وَلَها وَلَهُمْ ونحوه (٢).
و ﴿دِينِ﴾ اسمٌ مبتدأٌ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ فيه الإعرابُ؛ لأنه مضاف إلَى ياء النفس، وأصله: دِينِي، فحُذفت الياء اختصارًا، واجْتُزِئَ بالكسرة منه (٣)، وَخَبَرُهُ في "لِي" الجارِّ والمَجْرُورِ، فحُذفت الياء؛ لأن الآيات بالنون كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٤)، ﴿وَيَسْقِينِ﴾ (٥)، واللَّه أعلم.
стр. 2032
سورة النصر
مدنية
وهي سبعة وسبعون حرفًا، وتسع عشرة كلمةً، وثلاث آيات.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَكَأنَّما شَهِدَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتْحَ مَكّةَ" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ النَّصْرِ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بابَ الخَيْرِ، وَتابَ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ".
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يعني: إذا جاءَكَ يا محمدُ نَصْرُ اللَّه على مَنْ عاداكَ، وهم قريش، والفتح: فَتْحُ مَكّةَ في قول أكثر المفسرين، وقيل: أراد فَتْحَ المَدائِنِ والقُصُورِ، وقد تقدم إعراب نظير ﴿إِذَا
стр. 2033
جَاءَ﴾ في سورة المنافقين والتكوير (١)، فَأغْنَى عن الإعادة.
قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾ يعني أهْلَ اليَمَنِ ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وهو فعلٌ مضارعٌ، ومفعولٌ ثانٍ أو في موضع الحال (٢) ﴿فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾؛ أي: جَماعاتٍ كَثِيرةً، وَزُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، [فَبَعْدَ] (٣) أنْ كانوا يدخلون واحِدًا واحِدًا، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، صارت القبيلة تدخل بِأسْرِها في الإسلام (٤).
ونصب ﴿أَفْوَاجًا﴾ على الحال من المضمر في ﴿يَدْخُلُونَ﴾، وهو العامل فيه، و ﴿أَفْوَاجًا﴾ جَمْعُ فَوْجٍ، وَفَوْجٌ كَرَهْطٍ، لا واحد له، وقياسه: أفْوُجٌ، إلا أن الضمة تُستثقل في الواو، فَشَبَّهُوا "فَعْلًا" بـ "فَعَلٍ"، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ (٥).
стр. 2034
فصل
عن ابن عباس وَأبِي هريرة ﵄ قالا: لَمّا نزلت هذه السورة، قال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّهُ أكْبَرُ، جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وَجاءَ أهْلُ اليَمَنِ قَوْمٌ رَقِيقةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنةٌ طِباعُهُمْ، الإيمانُ يَمانٍ، والفِقْهُ يَمانٍ، والحِكْمةُ يَمانِيّةٌ" (١).
قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ يعني: تَوّابًا لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، والفاء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾ جواب ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، و ﴿تَوَّابًا﴾ خَبَرُ ﴿كَانَ﴾، والباء هاهنا للالتباس والمخالطة كقوله تعالَى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢)؛ أي: مُخْتَلِطةً وَمُلْتَبِسةً به، ومعناه: اجْعَلْ تَسْبِيحَ اللَّهِ مُخْتَلِطًا وَمُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ، وقيل: الباء للتعدية كما يُقال: اذْهَبْ بِهِ؛ أي: خُذْهُ مَعَكَ في الذَّهابِ، كأنه قال: سَبِّحْ رَبَّكَ مَعَ حَمْدِكَ إيّاهُ، ذكره ابن الأثير (٣).
و ﴿كَانَ﴾ هاهنا صلة (٤)؛ لأن معناه: إنَّهُ تَوّابٌ، ومثله: ﴿إِنَّهُ كَانَ
стр. 2035
غَفَّارًا﴾ (١) يعني: إنَّهُ غَفّارٌ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، [. . . . .] (٢)، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٣) [. . .] (٤)، ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٥)؛ أي: مَنْ هُوَ في المَهْدِ صَبيًّا، وما أشْبَهَ ذلك فهو كَثِيرٌ في القرآن، والمعنى: فإنك -يا محمدُ- حَبِيبُهُ لَاحِقٌ بِمَنْ سَلَفَ، وَذائِقُ المَوْتِ كما ذاقَ مَنْ قَبْلَكَ من الرُّسُلِ، وعند الكَمالِ يُرْتَقَبُ الزَّوالُ كما قيل:
٥٦١ - إذا تَمَّ أمْرٌ بَدا نَقْصُهُ... تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ: تَمّ (٦)
قال ابن عباس ﵁: "لَمّا نزلت هذه السورة عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أنه قد نُعِيَتْ إليه نَفْسُهُ" (٧).
стр. 2036
وقال الحَسَنُ (١): "أُعْلِمَ أنه قد اقترب أجله، فَأُمِرَ بالتَّسْبِيحِ والتوبة لِيُخْتَمَ لَهُ في آخِرِ عُمُرِهِ بالزيادة في العمل الصالح، فكان يُكثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ".
قيل (٢): وَعاشَ بعد نزول هذه السورة سَنَتَيْنِ، ما رُئِيَ بَعْدَها ضاحِكًا مُسْتَبْشِرًا.
وهذه السورة تُسَمَّى سورةَ التَّوْدِيعِ، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2037
سورة ﴿تَبَّتْ﴾
مكية
وهي سبعة وسبعون حرفًا، وثلاث وعشرون كلمة، وخمس آيات.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿تَبَّتْ﴾ رَجَوْتُ اللَّهَ ألّا يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أبِي لَهَبٍ فِي دارٍ واحِدةٍ" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿تَبَّتْ﴾ [ساخَتْ] (٢) ذُنُوبُهُ بِالهَواءِ، وَأُجِيرَ مِن النّارِ".
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿تَبَّتْ﴾؛ أي: خابَتْ وَخَسِرَتْ ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بِكُفْرِهِ وجُحُوده في دار الدنيا، والمعنى: تَبَّ هُوَ، فَأخْبَرَ عن يَدَيْهِ والمراد به نفسه، على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كُلِّهِ، كقوله تعالَى: ﴿بِمَا
стр. 2038
كَسَبَتْ﴾ (١)، و ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٢) ونَحْوِها (٣)، وقيل (٤): اليَدُ صلة، تقول العرب: يَدُ الدَّهْرِ، وَيَدُ الرَّزايا والمَنايا، قال الشاعر:
٥٦٢ - لَمّا أكبَّتْ يَدُ الرَّزايا... عَلَيْهِ نادَى ألا مُجِيرُ (٥)
قوله: ﴿وَتَبَّ (١)﴾ قال الفَرّاءُ (٦): الأوَّلُ دُعاءٌ، والثانِي خَبَرٌ، كما تقول: أهْلَكَهُ اللَّهُ، وَقَدْ هَلَكَ. والواو فيه واو الحال (٧)، وقال مقاتل (٨): خَسِرَتْ يَداهُ بِتَزكِ الإيمانِ، وَخَسِرَ هُوَ، والتَّبابُ: الخَسارُ والهَلَاكُ، والواو واو عطف،
стр. 2039
وأُسكنت التاء الأُولَى؛ لأنها مؤنثة، وفُتحت الأخرى لأنه فِعْلُ مُذَكَّرٍ (١).
وهو أبو لَهَبِ بنُ عَبْدِ المُطُّلِبِ، عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ ، وكان شديدَ المعاداةِ له، قال مقاتل (٢): كُنِّيَ بِاللَّهَبِ لِحُسْنِهِ وإشراق وجهه، وكانت وَجْنَتاهُ كَأنَّهُما تَلْتَهِبانِ.
واسمه عَبْدُ العُزَّى، وَكُنِّي أبو لَهَبٍ بِهَذِهِ الكُنْيةِ أشْهَرَ منه بِكُنْيَتِهِ الأُخْرَى، وكُنْيَتُهُ الأُخْرَى: أبو عُتْبةَ، فلذلك لَمْ يُسَمِّهِ (٣)، وقيل (٤): كُنْيَتُهُ هي اسْمُهُ، وقيل (٥): إنما كَنّاهُ اللَّهُ -تعالَى- بِأبِي لَهَبٍ؛ لأنه اشْتَقَّ له هذه الكُنْيةَ من مصيره ومأواه ومثواة.
واختلف القُرّاءُ فيه، فقرأ العامّةُ: ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء، وقرأ أهل مكة بِجَزْمِها (٦)، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا في قوله: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ أنها مفتوحة الهاء، لأنهم راعَوْا فيه رُؤوسَ الآيِ (٧).
стр. 2040
فصل
رُوِيَ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ -تعالَى- القَلَمَ قال له: "اكْتُبْ ما هو كائِنٌ"، فَكَتَبَ فِيما كَتَبَ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (١).
وَرُوِيَ أنه لَمّا نزل قوله تعالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢)، جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَشِيرَتَهُ، وقال: "يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبَ، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، يا عَبّاسُ، يا فاطمةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ: إنِّي لا أُغْنِي عَنْكُمْ من اللَّهِ شَيْئًا"، فعندها قال له أبو لَهَبٍ: ألِهَذا جَمَعْتَنا؟! تَبًّا لَكَ، فنَزَلَ قوله تعالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٣).
وعن ابن عباس ﵁ قال: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ الصَّفا، فقال: "يا صَباحاهُ (٤) "، فاجتمعت إليه قُرَيْشٌ، فقالوا له: ما لَكَ؟ قال: "أرَأيْتُمْ لو أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أو مُمَسِّيكُمْ أما كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟ "، قالوا: بَلَى، قال: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ"، فقال أبو لَهَبٍ: تبًّا
стр. 2041
لَكَ! ألِهَذا دَعَوْتَنا؟، فأنزل اللَّهُ تعالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلَى آخر السورة (١)، رواه البخاري عن محمد بن سلام (٢) عن أبِي معاوية.
وعن طارقٍ المُحارِبِيِّ (٣) أنه قال: "إنِّي بِسُوقِ ذِي المَجازِ، إذا بِشابٍّ يقول: "يا أيُّها النّاسُ قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا"، وإذا رَجُل خَلْفَهُ يَرْمِيهِ قد أدْمَى ساقَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ (٤)، ويقول: يا أيُّها النّاسُ! إنَّهُ كَذّابٌ، فلا تُصَدِّقُوهُ، فقلتُ: مَنْ هَذا؟، قالوا: هذا محمد يَزْعُمُ أنه نَبِيٌّ، وهذا عَمُّهُ يَزْعُمُ أنه كَذّابٌ (٥).
وَرُوِيَ عن أبِي عمرو بن العلاء قال (٦): لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بنُ عَفّانَ ﵁ سَمِعُوا صَوْتَ هاتِفٍ من الجِنِّ يَبْكِي عليه، ويقول:
٥٦٣ - لَقَدْ جاءُوكَ فانْصَدَعُوا... فَما عَطَفُوا وَلَا رَجَعُوا
стр. 2042
وَلَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ... فَتَبًّا لِلَّذِي صَنَعُوا (١)
وَلَمّا أنْذَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بالنار، قال أبو لَهَبٍ: إنْ كان ما تَقُولُهُ حَقًّا فأنا أفْتَدِي بِمالِي وَوَلَدِي، فَنَزَلَ قوله تعالَى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ يعني: ما يُغْنِي عنه، وقيل: أيُّ شَيْءٍ أغْنَى عنه مالُهُ من عذاب اللَّه، ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يعني: وَما وَلَدَ؛ لأن وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ، وأولاده: عُتْبةُ وَعُتَيْبةُ وَمُعَتِّبٌ.
وقرأ الأعمش: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (٢) يعنِي: وما كَسَبَ، وَرُوِيَ ذلك عن ابن مسعود، قالت عائشة ﵂: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ أحَدُكُمْ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" (٣).
و ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَغْنَى﴾، وهو اسمٌ تامٌّ (٤)، وقيل (٥):
стр. 2043
﴿مَا﴾ نفي، ومفعول ﴿أَغْنَى﴾ محذوف، تقديره: ما أغْنَى عَنْهُ مالُهُ وَكَسْبُهُ شَيْئًا، وقيل (١): مَحل ﴿مَا﴾ رفع بالابتداء.
ثم أوْعَدَهُ بالنار، فقال: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ يعني: سَيَدْخُلُ أبو لَهَبٍ نارًا تُلْهَبُ عليه، والسين سينُ "سوْفَ"، وقيل (٢): سين الوعيد، وهو فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ مُخَلَّصٌ للاستقبال بالسين في أوَّلِهِ مرفوعٌ، وإنما لَمْ يَتَبَيَّنْ رَفْعُهُ لأنه معتل اللّام بالألف، فَرَفْعُهُ بسكون آخِرِهِ، وكذلك نصبُهُ، وَجَزْمُهُ بِحَذْفِ آخِرِهِ أيضًا. قرأه العامة بفتح الياء الأُولَى، وقرأ أبو رجاء بضم الياء وتشديد اللّام (٣).
قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ، واسمها صَخْرةُ بنتُ حَرْبِ بنِ أُمَيّةَ، أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بنِ حَرْبٍ، ولقبها فاخِتةُ، وكانت عَوْراءَ، وكان أبو لَهَبٍ أحْوَلَ، وكانت تحمل العِضاهَ والشَّوْكَ فَتَطْرَحُهُ في طريق رسول
стр. 2044
اللَّه ﷺ لِيَعْقِرَهُ (١)، فَيَطَؤُهُ وَطْءَ الحَرِيرِ (٢).
وقيل (٣): إنها كانت تمشي بالنميمة والكذب بَيْنَ الناس، فتلْقِي بينهم العَداوةَ، وَتُهَيِّجُ نارَها، كما تُوقَدُ النّارُ بِالحَطَبِ، قال الشاعر:
٥٦٤ - إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ
هُمُ الوُشاةُ فِي الرِّضا وَفِي الغَضَبْ
عَلَيْهِمُ اللَّعْنةُ تَتْرَى والحَرَبْ (٤)
والنميمة تُسَمَّى حَطَبًا، يُقال: فُلَانٌ يَحْطِبُ على فلان: إذا كان يُغْرِي به (٥)، قال الشاعر:
стр. 2045
٥٦٥ - مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلَى ظَهْرِ لأْمةٍ... وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ (١)
وقيل (٢): إنَّها كانت مُوسِرةً، وكانت لِفَرْطِ بُخْلِها تَحْمِلُ الحَطَبَ على ظَهْرِها، فنَعَى اللَّهُ عليها هذا القَبِيحَ مِنْ فِعْلِها.
واختلف القُرّاءُ فيه، فَقَرَأ العامّةُ: "وامْرَأتُهُ حَمّالةُ الْحَطَبِ" بالرفع فيهما، وهو اختيار الشيخين أبِي عُبَيْدٍ وَأبِي حاتِمٍ، وَلَها وجهان (٣)، أحدهما: سَيَصْلَى نارًا هُوَ وامْرَآتُهُ حَمّالةُ الحَطَبِ، فَعَطَفَهُ على الضمير في ﴿سَيَصْلَى﴾، والفاصل بِمَنْزِلةِ الضَّمِيرِ، والثانِي: أنه مبتدأ؛ أي: وامْرَأتُهُ حَمّالةُ الحَطَبِ فِي النار أيضًا.
وقرأ الحَسَنُ وابنُ أبِي إسْحاقَ وابنُ مُحَيْصِنٍ وعيسى بنُ عُمَرَ والأعْرَجُ
стр. 2046
وَعاصِمُ بنُ أبِي النَّجُودِ وأبو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ بالنصب (١)، وَلَها وجهان أيضًا (٢)، أحدهما: الحال والقطع؛ لأن أصله: وامْرَأتُهُ الحَمّالةُ لِلْحَطَبِ، فلما أُلقيت الألف واللام نُصِبَ الكلامُ، والثانِي: على الذَّمِّ والشَّتْمِ، كقوله تعالَى: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ (٣)، وكما يُقال: قامَ زَيْدٌ الفاسِقَ بالنصب، وقيل (٤): نصب "حَمّالةَ" على الذمِّ، أي: أعْنِي حَمّالةَ الحَطَبِ كما قال:
٥٦٦ - نَحْنُ بَنِي ضَبّةَ أصْحابُ الجَمَلْ (٥)
стр. 2047
وقرأ أبو قِلَابةَ: "وامْرَأتُهُ حامِلةَ الْحَطَب" على "فاعِلةٍ"، وفي قراءة عبد اللَّه: "وَمُرَيْئَتُهُ حَمّالةٌ لِلْحَطَبِ" (١).
والحَطَبُ جَمْعٌ، واحدتها حَطَبةٌ، وقال بعض أهل اللغة (٢): الحَطَبُ هاهنا جَمْعُ الحاطِبِ، وهو الجانِي، يعني: أنها كانت تَحْمِلُهُمْ بِالنَّمِيمةِ على مُعاداتِهِ، ونظيره من الكلام: راصِدٌ وَرَصَدٌ، وَحارِسٌ وَحَرَسٌ، وَطالِبٌ وَطَلَبٌ، وَغائِبٌ وَغَيَبٌ.
والعِلّةُ في تشبيههم النميمةَ بالحَطَبِ أن الحَطَبَ يُوقَدُ ويُضْرَمُ، وكذلك النميمة، قال أكْثَمُ بنُ صَيْفِيٍّ (٣) لِبَنِيهِ: "إيّاكُمْ والنَّمِيمةَ، فَإنَّها نارٌ مُحْرِقةٌ، وَإنَّ النَّمّامَ لَيَعْمَلُ في ساعةٍ ما لا يَعْمَلُهُ السّاحِرُ في شَهْرٍ" (٤)، فنَظَمَهُ الشاعرُ فقال:
٥٦٧ - إنَّ النَّمِيمةَ نارٌ -وَيْكَ- مُحْرِقةٌ... فَفِرَّ عَنْها، وَحارِبْ مَنْ تَعاطاها (٥)
ولذلك قيل: نارُ الحِقْدِ لا تَخْبُو.
стр. 2048
فصل
عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تعالَى الجَنّةَ قال لَها: تَكَلَّمِي، فقالت: سَعِدَ مَنْ دَخَلَنِي، فقال الجَبّارُ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي! لا يَسْكُنُ فِيكِ ثَمانِيةُ نَفَرٍ من النّاسِ، لا يَسْكُنُ فِيكِ مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا مُصِرٌّ عَلَى زِنًا، ولا قَتّاتٌ -وهو النَّمّامُ-، ولا دَيُّوثٌ، ولا الشُّرْطِيُّ، ولا المُخَنَّت، ولا قاطِعُ الرَّحِمِ، ولا الذي يَقُولُ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ لا فَعَلْتُ كَذا، ثُمَّ يَفْعَلُ" (١).
وَرُوِيَ عن كعب الأحبار أنه قال: "أصابَ بَنِي إسرائيل قَحْطٌ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى ﵇ ثَلَاثَ مَرّاتٍ يستسقون، فَلَمْ يُسْقَوْا، فقال موسى: يا رَبِّ! عِبادُكَ قد خرجوا ثلاث مرات فَلَمْ تَسْتَجِبْ دُعاءَهُمْ، فأوحى اللَّهُ تعالَى إليه: يا موسى إنِّي لا أستجيب لك وَلِمَنْ مَعَكَ؛ لأن فيكم رَجُلًا نَمّامًا، قد أصَرَّ على النميمة، فقال موسى: يا رب مَنْ هُوَ حَتَّى نُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِنا؟ فقال اللَّه تعالَى: يا موسى أنْهاكُمْ عن النميمة وَأكُونُ نَمّامًا؟ فتابوا بِأجْمَعِهِمْ فَسُقُوا" (٢).
وَرُوِيَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمةَ أنه قال: باعَ رَجُلٌ غُلَامًا، فقال للمشتري: ليس فيه عيب إلّا أنه نَمّامٌ، فاسْتَحَقَّهُ المُشْتَرِي، فاشتراه على ذلك، فَمَكَثَ الغلامُ أيّامًا، ثم قال لزوجة مولاه: إنَّ زَوْجَكِ لا يُحِبُّكِ، وهو يريد أن يَتَسَرَّى عليكِ، أفَتُرِيدِينَ أن يَعْطِفَ عَلَيْكِ؟، قالت: نعم، قال لَها: خُذِي المُوسِيَّ، فاحْلِقِي شَعَرَتَيْنِ من باطن لِحْيَتِهِ إذا نام، ثم جاء الغلام إلَى الزَّوْجِ، فقال له: إن
стр. 2049
امرأتك قد اتَّخَذَتْ لَها خَلِيلًا، وهي قاتِلَتُكَ، أتُرِيدُ أن تَتَبَيَّنَ ذلك؟ قال: نعم، قال: تَناوَمْ لَها، فَتَناوَمَ فَجاءَت المرأةُ بالمُوسِيِّ لِتَحْلِقَ الشُّعَرَتَيْنِ، فَظَنَّ الزَّوْجُ أنَّها تريد قَتْلَهُ، فأخذ منها المُوسِيَّ فَقَتَلَها، فجاء أوْلِياؤُها فَقَتَلُوهُ، فوقع القتال بين الفريقين.
قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾؛ أي: في عُنُقِها، والجِيدُ: العُنُقُ، وَجَمْعُهُ أجْيادٌ، قال أعْشَى بنُ قَيْسِ بنِ ثَعْلَبةَ:
٥٦٨ - يَوْمَ تُبْدِي لَنا قُتَيْلةُ عَنْ جِيـ... دٍ أسِيلٍ تَزِينُهُ الأطْواقُ (١)
وقال ذو الرُّمّةِ:
٥٦٩ - فَعَيْناكِ عَيْناها وَلَوْنُكِ لَوْنُها... وَجِيدُكِ، إلّا أنَّها غَيْرُ عاطِلِ (٢)
стр. 2050
وقال آخر:
٥٧٠ - فَعَيْناكِ عَيْناها وَجِيدُكِ جِيدُها... وَلَكِنَّ عَظْمَ السّاقِ منْكِ دَقِيقُ (١)
وقوله: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يعني: سِلْسِلةٌ مِنْ حَدِيدٍ في النار، ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا، تدخل مِنْ فِيها، وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِها، ويُلْوَى سائِرُها في عُنُقِها (٢)، وقيل (٣): المَسَدُ: حَبْلٌ مِنْ لِيفِ المُقْلِ، وقيل (٤): هو قلادة من وَدَعٍ، وقيل (٥):
стр. 2051
من شجرٍ يَنْبُتُ في اليَمَنِ يُقال له: المَسَدُ، قال الشاعر:
٥٧١ - أعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي... إلَى مُضاجَعةٍ كالدَّلْكِ بِالْمَسَدِ (١)
وقيل: هو شَجَرٌ يُدَقُّ كما يُدَقُّ الكِتّانُ، فَيُفْتَلُ منه حِبالٌ، قال النابغة الذبيانِيُّ:
٥٧٢ - مَقْذُوفةٌ بِدَخِيسِ النَّحْضِ بازِلُها... لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ القَعْوِ بِالمَسَدِ (٢)
стр. 2052
وأصل المَسْدِ: ما فُتِلَ وَأُحْكِمَ مِنْ أيِّ شَيْءٍ كانَ، مأخوذ من المَسْدِ وهو الفَتْلُ، ويُقال: دابّةٌ مَمْسُودةُ الخَلْقِ: إذا كانت شديدةَ الأسْرِ، وامْرَأةٌ مَمْسُودةٌ: إذا كانت مُلْتَفّةَ الخَلْقِ، ليس في خَلْقِها اضطرابٌ (١)، وواحدته مَسَدةٌ وجمعه أمْسادٌ.
والمعنى: أن السلسلة التي في عُنُقِ امْرَأةِ أبِي لَهَبٍ فُتِلَتْ من الحَدِيدِ فَتْلًا مُحْكَمًا (٢).
فصل
رُوِيَ عن الأصمعي أنه قال: صَلَّى أربعة من الشعراء خَلْفَ إمامٍ اسمه يَحْيَى (٣) فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَتَتَعْتَعَ فيها، فقال أحَدُهُمْ:
سورة الإخلاص
مدنية، وقيل: مكية
وإنما سُمِّيَتْ سورة الإخلاص؛ لأنها خالصة في صفة اللَّه تعالَى، ليس فيها ذِكْرُ جَنّةٍ ولا نارٍ، ولا وَعْدٍ ولا وَعِيدٍ، ولا أمْرٍ ولا نَهْي، غَيْرَ صِفةِ اللَّه ، وهي سبعة وأربعون حَرْفًا، وخَمْسَ عَشْرةَ كلمةً، وأرْبَعُ آياتٍ.
باب ما جاء في فضل قراءتها على الاختصار
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مَرّةً بُورِكَ عليه، وَمَنْ قَرَأها مَرَّتَيْنِ بُورِكَ عَلَيْهِ وعلى أهْلِهِ، وَمَنْ قَرَأها ثَلَاثَ مَرّاتٍ بُورِكَ عليه وعلى أهله وعلى جميع جيرانه، ومن قرأها اثنتي عَشْرةَ مَرّةً بَنَى اللَّهُ لَهُ اثني عَشَرَ قَصْرًا فِي الجَنّةِ، وَتَقُولُ الحَفَظةُ: انْطَلِقُوا بنا نَنْظُرْ إلَى قُصُورِ أخِينا، فَإنْ قَرَأها مِائةَ مَرّةٍ كَفَّرَتْ عنه ذُنُوبَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنةً، ما خَلَا الدِّماءَ والأمْوالَ، فإن قرأها أربعمائة مرة كَفرَتْ عنه ذُنُوبَ أربعمائة سنة، ما خَلَا الدِّماءَ والأمْوالَ، فإن قرأها ألْفَ مَرّةٍ لَمْ يَمُتْ حتى يَرَى مَكانَهُ في الجنة أو يُرَى لَهُ" (١).
стр. 2055
وعن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عن ثواب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقال: "مَنْ قَرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، تَناثَرَ الخَيْرُ على مَفْرِقِ رَأْسِهِ من عَنانِ السماء، وَنَزَلَتْ عليه السَّكِينةُ، وَتَغْشاهُ الرَّحْمةُ، وله دَوِيٌّ تَحْتَ العَرْشِ، وَنَظَرَ اللَّهُ تعالَى إلَى قارِئها، فلا يَسْألُهُ شَيْئًا إلّا أعطاه، ويَجْعَلُهُ فِي كِلَاءَتِهِ وحِرْزِهِ" (١).
ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حين يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ، بَعُدَ الفَقْرُ عن أهل ذلك المَنْزِلِ والجِيرانِ" (٢).
وعن سهل بن سعد قال: جاء رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَشَكا إليه الفَقْرَ وَضِيقَ المَعاشِ، فقال ﵇: "إذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ إنْ كانَ فِيهِ أحَدٌ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أحَدٌ فَسَلِّمْ عَلَيَّ، واقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مَرّةً واحِدةً"، ففعل الرَّجُلُ ذلك، فَأدَرَّ اللَّهُ عليه رِزْقًا حتى أفاض على جِيرانِهِ (٣).
وعن عَلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ -كَرَّمَ اللَّه وَجْهَهُ- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ مَرَّ عَلَى المَقابرِ، فَقَرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرّةً، ثُمَّ وَهَبَ أجْرَها للأموات، أعطِيَ من الأجْرِ بِعَدَدِ الأمْواتِ" (٤).
وقال ﵇: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الصَّمَدِ لَمْ يَفْرُغْ مِنْها حَتَّى تَقَعَ فِي
стр. 2056
يَدِ الجَبّارِ ، وَيَخْلُقَ مِنْها نُورًا كَهَيْئةِ الحُورِيّةِ تَحُومُ تَحْتَ العَرْشِ، تَسْتَغْفِرُ لِقارِئِها إلَى يَوْمِ الدِّينِ" (١).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ رَوَى جابِرٌ وَأُبَيُّ بن كعب ﵄ أن المشركين قالوا لرسول اللَّه ﷺ : انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فأنزل اللَّه : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلَى آخِرِها (٢).
قال الزَّجّاجُ (٣): ﴿هُوَ﴾ كناية عن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالَى، والمعنى: الذي سألتم تَبْيِينَ نِسْبَتِهِ هو اللَّهُ أحَدٌ. قال صاحب إنسان العين (٤): و ﴿أَحَدٌ﴾ على هذا بَدَلٌ من اسم اللَّه تعالَى، والعماد لا يكون مستأنفًا ويَجُوزُ الأمْرُ والشَّأْنُ (٥).
стр. 2057
قال ابن عباس ﵁ (١): هو الواحد الذي ليس كمثله شيء.
ولا فرق بين الواحد والأحَدِ عند أكثر العلماء، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بينهما، فقال بعضهم: الواحِدُ لِلْفَضْلِ والأحَدُ لِلْعامّةِ، وقيل: هو واحِدٌ بِصِفاتِهِ أحَدٌ بِذاتِهِ، وقيل: إن الأحَدَ يَدُلُّ على أزَلِيَّتِهِ وَأوَّلِيَّتِهِ، ولأن الواحد في الأعداد رُكْنُها وَأصْلُها وَمُبْتَدَؤُها، والأحَدُ يَدُلُّ على بَيْنُونَتِهِ من خَلْقِهِ في جميع الصفات ونَفْيِ أبْوابِ الشِّرْكِ عنه (٢).
والأحَدُ بُنِيَ لِنَفْيِ ما يُذْكَرُ معه من العَدَدِ، والواحِدُ اسمٌ لِمُفْتَتَحِ العَدَدِ، فالأحَدُ يَصْلُحُ في الكلام فِي موضع الجُحُودِ، والواحِدُ في موضع الإثبات، تقول: لَمْ يَأْتِنِي مِنْهُمْ أحَدٌ، وَجاءَنِي مِنْهُمْ واحِدٌ، ولا يُقال: جاءَنِي مِنْهُمْ أحَدٌ؛ لأنك إذا قلتَ: لَمْ يَأْتِنِي منهم أحَدٌ، فالمعنى: لا واحِدٌ أتانِي ولا اثنانِ، فإذا قلت: جاءَنِي منهم واحِدٌ، فالمعنى: أنه لَمْ يَأْتِ اثنانِ (٣).
стр. 2058
وقال ابن الأنباري (١): ﴿أَحَدٌ﴾ في الأصل: وَحَدٌ، فأبدلت الهمزة من الواو المفتوحة، كما أُبدلت من الواو المضمومة في قولهم: وُجُوهٌ وَأجُوهٌ، ومن المكسورة في قولهم: وِشاحٌ وَإشاحٌ، وَلَمْ يُبْدِلُوا من المفتوحة إلّا في حرفين: أحَدٌ، وامرأةٌ أناةٌ، والأصل: وَناةٌ من الوَنَى، وهو الفُتُورُ، قال الشاعر:
٥٧٧ - رَمَتْهُ أناةٌ مِنْ رَبِيعةِ عامِرٍ... نَؤُومُ الضُّحَى فِي مَأْتَمٍ أيِّ مَأْتَمِ (٢)
وقال عَطاءٌ (٣): هو المُتَفَرِّدُ بِإيجادِ المَفْقُوداتِ، والمُتَوَحِّدُ بِإظْهارِ المَخْفِيّاتِ.
стр. 2059
واختلف القُرّاءُ فيه، فقرأه العامة: ﴿أَحَدٌ﴾ بالتنوين، وقرأ الحَسَنُ وَنَصْرُ بنُ عاصِمٍ وَأبانُ بنُ عُثمانَ وَهارُونُ بنُ مُوسَى: "أحَدُ" (١) بلا تنوينٍ طَلَبًا لِلْخِفّةِ، وَفِرارًا من التقاء الساكنين، كقراءة مَنْ قَرَأ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ" (٢) بغير تنوين، قال صاحب "إنسان العين" (٣): حَذْفُ التنوين من ﴿أَحَدٌ. اللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين؛ لقرب التنوين من حَرْفِ العِلّةِ.
قوله تعالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ ابتداء وخبر، وقيل (٤): ﴿الصَّمَدُ﴾ نعته، وما بعده خَبَرٌ، والصَّمَذُ في اللغة هو السَّيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه في الحَوائِجِ كُلِّها، ليس فوقه أحَدٌ (٥)، الكامِلُ فِي الصِّفاتِ المَدِيحةِ العالِيةِ، يُقال: صَمَدْتُ صَمْدَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَهُ، وتقول العرب: صَمَدْتُ فُلَانًا أصْمِدُهُ صَمْدًا
стр. 2060
بسكون الميم: إذا قَصَدْتَهُ (١)، ويُقال: بَيْتٌ مَصْمُودٌ وَمُصَمَّدٌ: إذا قَصَدَهُ الناسُ فِي حوائجهم، قال طَرَفةُ:
٥٧٨ - وَإنْ يَلْتَقِ الحَيٌّ الجَمِيعُ تُلَاقِنِي... إلى ذِرْوة البَيْتِ الرَّفِيعِ المُصَمَّدِ (٢)
وقال آخر:
٥٧٩ - سِيرُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ، واعْتَمِدُوا... أنْ لا رَهِينةَ إلّا السَّيِّدُ الصَّمَدُ (٣)
وقيل (٤): الصَّمَدُ: الذي لا جَوْفَ له، وقيل (٥): هو الذي لا يأكل ولا
стр. 2061
يشرب، وقيل (١): هو السيد الذي قد انْتَهَى سُؤْدَدُهُ، وقيل (٢): هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه.
وقال جعفر الصادق (٣): الضمَدُ خَمْسةُ حُرُوفٍ، فالألف دليل على أحَدِيَّتِيهِ، واللام دليل على إلَهِيَّيهِ، والصاد دليل على صِدْقِهِ، والميم دليل على مُلْكِهِ، والدال علامةُ دَوامِهِ فِي أبَدِيَّتِهِ وَأزَلِيَّتِهِ، وقيل: هو الذي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، ولا تَحْوِيهِ الأقْطارُ، ولا تَبْلُغُهُ الأفْكارُ، وكل شيء عنده بِمِقْدارٍ، وقيل (٤): هو الأزَليُّ بلا عَدَدٍ، والباقي بلا أمَدٍ، والقائم بلا عَمَدٍ.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ لَمْ يَلِدْ فَيُورَثَ، وَلَمْ يُولَدْ فَيُشارَكَ، بل هو الأوَّلُ الذي لا أوَّلَ لأوَّليَّتِهِ، والآخِرُ الذي لا آخِرَ لآخِرِيَّتِهِ، وكان قَبْلَ الكَوْنِ وَبَعْدَ الكَوْنِ، لا فَناءَ ولا انْقِضاءَ له.
و ﴿يَكُنْ﴾ مجزوم بـ "لَمْ"، وأصله: يَكُونُ برفع النون، فحُذفت الضمة لِلْجَزْمِ، وحُذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكانت أحَقَّ بالحذف؛ لأن قبلها ما يدل عليها وهي الضمة، فبقي ﴿يَكُنْ﴾.
стр. 2062
والكُفْءُ: هو العِدْلُ والمِثْلُ والشَّبِيهُ والنَّظِيرُ، واللَّه تعالَى بَرِيءٌ من ذلك كُلِّهِ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
واختلف القُرّاءُ فيه، فقرأه حَمْزةُ وَيَعْقُوبُ وَخَلَف: "كُفْأً" ساكنةَ الفاء مهموزةً، وَمِثْلَهُ رَوَى حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وَحَفْصٌ يَقْلِبُ الهمزة واوًا، وَرُويَ عن أهل المدينة بتسكين الفاء وَتَزكِ الهَمْزِ، وقرأ الباقون بضم الفاء مُثَقَّلًا مَهْمُوزًا (٢)، وكلها لغات صحيحة فصيحة (٣).
ومعنى الكُفْءِ: المِثْلُ المُكافِئُ؛ أي: فهو أحَدٌ، وقيل (٤): هو على التقديم والتأخير، مجازه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفْوٌ، فلما تقدم نُصِبَ، ﴿أَحَدٌ﴾ اسم "كانَ"، و ﴿كُفُوًا﴾ خبر "كانَ"، و ﴿لَهُ﴾ مُلْغًى، وقيل: هو الخبر، وهو قياس قول سيبويه (٥)؛ لأنه يَقْبُحُ عنده إلْغاءُ الظرف إذا تقدم، وخالفه المُبَرِّدُ،
стр. 2063
وأجازه على قُبْحٍ، واستشهد بالآية (١).
ولا شاهد لِلْمُبَرِّدِ في الآية؛ لأنه يمكن أن يكون ﴿كُفُوًا﴾ حالًا من ﴿أَحَدٌ﴾ مُقَدَّمًا؛ لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها نُصِبَ على الحال، كما تقول: جاءَنِي مُسْرِعًا رَجُلٌ (٢)، وكما قال الشاعر:
لِمَيّةَ مُوحِشًا طَلَلُ... يَلُوحُ كَأنَّهُ خِلَلُ (٣)
فصل
عن العَلَاءِ بنِ أبِي محمد الثَّقَفِيِّ (٤) قال: سمعتُ أنَسَ بنَ مالك يقول: كُنّا مع رسول اللَّه ﷺ بِتَبُوكَ، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور، لَمْ نَرَها طلعت به فيما مضى، فأتى جبريلُ ﵇ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فقال له: "يا جِبْرِيلُ! ما لِي أرى اليوم الشمسَ طلعت بضياء ونور وشعاع لَمْ أرَها طلعت به فيما
стр. 2064
مضى؟ فقال: ذلك أن معاوية بن معاوية اللَّيْثِيَّ (١) مات بالمدينة اليوم، فَبَعَثَ اللَّهُ إليه سبعين ألف مَلَكِ يُصَلُّونَ عليه، قال: وَفِيمَ ذلك؟ قال: إنه كان يُكْثِرُ من قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فِي الليل والنهار، فِي مَمْشاهُ وَقِيامِهِ وَقُعُودِهِ، فهل لك يا رسول اللَّه أن أقْبِضَ لك الأرضَ فتصَلِّيَ عليه؟ قال: نعم، فَصَلَّى عليه ثم رَجَعَ" (٢).
وعن مقاتل بن حَيّانَ (٣) ﵀ قال: قال اللَّه : "إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ نَسَبًا، وَإنَّ نَسَبِي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، فَمَنْ أتانِي بِها قارِئًا أو مُصَلِّيًا فِي دَهْرِهِ أرْبَعةَ آلَافِ مَرّةٍ ألْزَمْتُ لِواءَهُ إلَى قائِمةِ عَرْشِي، وَشَفَّعْتُهُ فِي اثنَيْ عَشَرَ ألْفًا قد اسْتَوْجَبُوا عُقُوبَتِي، ولولا أنِّي قَضَيْتُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقةُ المَوْتِ ما قَبَضْتُ رُوحَهُ" (٤)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 2065
سورة الفلق
مدنية، وقيل: مكية
وهي ثلاثة وسبعون حرفًا، وثلاث وعشرون كلمةً، وخمس آيات.
باب ما جاء فِي فضل قراءَتِها وقراءةِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
عن أُبَيِّ بن كعب وعن ابن عباس ﵄ قالا: "مَنْ قَرَأ المُعَوِّذَتَيْنِ، فَكَأنَّما قَرَأ جَمِيعَ الكُتُبِ التي أنْزَلَها اللَّهُ تعالى عَلَى الأنْبِياءِ ﵈" (١).
وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الفَلَقِ أمِنَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَلَمْ يُصِبْهُ سِحْرٌ" (٢).
وعن عُقْبةَ بنِ عامِرٍ قال: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فقلتُ: يا رسول اللَّه! أقْرَأُ السُّورةَ التي يُذْكَرُ فيها يُوسُفُ والسُّورةَ التي يُذْكَرُ فيها هُودٌ؟ فقال: "يا عُقْبةُ! إنَّكَ لَنْ تَقْرَأ سُورةً أرْضَى عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أبْلَغَ مِنْ سُورةِ الفَلَقِ" (٣).
стр. 2066
وعن عُقْبةَ بنِ عامِرٍ أيضًا قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "أُنْزِلَ عَلَيَّ آياتٌ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ مِثْلُهُنَّ: المُعَوِّذَتانِ" (١)، رواه مسلم عن ابن نُمَيْرٍ (٢) عن أبيه عن إسماعيل ابن أبِي خالد (٣).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ المُعَوِّذَتَيْنِ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إلّا قالَ: رَبِّ أعِذْهُ مِنْ شَرِّي" (٤).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ الاستعاذة: الاعتصام باللَّه تعالَى والاستغاثة إليه، والمَعاذُ: المَلْجَأُ، يُقال: عاذَ به يَعُوذُ عِياذًا، فكأنه
стр. 2067
قال: اسْتَعِذْ بِرَبِّ الفَلَقِ، قال ابن عباس ﵁ (١): الفلق: سِجْنٌ في جَهَنَّمَ، وقيل (٢): هو بَيْتٌ فِي جَهَنَّمَ إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِنْ حَرِّهِ، وقيل (٣): الفَلَقُ: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقيل (٤): الفَلَقُ: الصُّبْحُ، دليله قوله تعالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ (٥)، قال الشاعر:
٥٨٠ - أرْعَى النُّجُومَ إلَى أنْ نَوَّرَ الفَلَقُ (٦)
وإنما سُمِّيَ الصُّبْحُ الفَلَقَ؛ لأنه يَفْلِقُ اللَّيْلَ؛ أي: يَشُقُّهُ، واللَّه تعالَى فَلَقَهُ؛ أي: أبْداهُ وَأوْضَحَهُ فانْفَلَقَ، وقال تعالَى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ
стр. 2068
وَالنَّوَى﴾ (١)، فانْفَلَقَ الحَبُّ والنَّوَى، وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْفَلِقُ عن شَيْءٍ فَهُوَ فَلَقٌ (٢)، فالأرحام تَنْفَلِقُ عن الحيوان، والحَبُّ والنَّوَى يَنْفَلِقانِ عَمّا فيهما، والإصْباحُ يَنْفَلِقُ عن الليل، واللَّه -سبحانه- رَبُّ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَمَرْبُوبٍ.
قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ من الجن والإنس، و ﴿ومَا﴾ هو بمعنى "الَّذِي"، والضمير مَحْذُوفٌ من الصِّلةِ، وَدَلَّ ذلك على أن اللَّه تعالَى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (٣).
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ الغاسِقُ: اللَّيْلُ إذا أقْبَلَتْ
стр. 2069
ظُلْمَتُهُ من المشرق فدخل في النهار (١)، وأصل الغَسَقِ: الظُّلْمةُ، يقال: غَسَقَ اللَّيْلُ وَأغْسَقَ: إذا أظْلَمَ (٢)، وقيل (٣): سُمِّيَ اللَّيْلُ غاسِقًا؛ لأنه أبْرَدُ من النهار، والغَسَقُ: البَرْدُ.
وقال ثَعْلَبٌ (٤): الغاسِقُ هو القَمَرُ، بدليل ما رُوِيَ عن عائشة ﵂ قالت: أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يَدِي، ثُمَّ نَظَرَ إلَى القَمَرِ، فَقالَ: "يا عائِشةُ! تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إذا وَقَبَ، هَذا الغاسِقُ إذا وَقَبَ" (٥).
والوُقُوبُ: الدُّخُولُ بَعْدَ شَرِّهِ، والمعنى: وَمِنْ شَرِّ مُظْلِمٍ إذا دَخَلَ، وَمَنْ قال: الغاسِقُ: القَمَرُ، فمعنى ﴿إِذَا وَقَبَ﴾؛ أي: إذا انْكَسَفَ، وهو دُخُولُهُ في غَيْرِ أبْراجِهِ (٦).
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ يعني الساحرات اللاتِي يَنْفُثْنَ في عُقَدِ الخَيْطِ حِينَ يَرْقِينَ، والنَّفْثُ يُشْبِهُ النَّفْخَ وهو أقَلُّ من التَّفْلِ (٧)،
стр. 2070
والعُقَدُ جَمْعُ عُقْدةٍ؛ لأن السّاحِرَ يَعْقِدُ عُقَدًا فِي خَيْطٍ، وَيَنْفُثُ عليها بِرِيقِهِ حِينَ يَرْقِي.
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ يعني اليهود؛ لأنهم حَسَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ، والحسد هو الأسَفُ على الخَيْرِ، وهو أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ به اللَّهُ فِي السماء من إبْلِيسَ، وفي الأرض مِنْ قابِيلَ، قال الحَسَنُ بنُ الفَضْلِ (١): جَمَعَ اللَّهُ تعالَى الشُّرُورَ فِي هذه السورة، وَخَتَمَها بِالحَسَدِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ أخَسُّ الطَّبائِعِ.
فصل
قيل: لَمّا أُخْرِجَت العُقَدُ التِي سَحَرَ بِها لَبِيدُ بنُ أعْصَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وكانت إحدى عشرة عُقْدةً فِي وَتَرٍ مَغْرُوزةً بِالإبَرِ، فأنزل اللَّه تعالَى هاتين السورتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيةً انْحَلَّتْ عُقْدةٌ، فَوَجَدَ خِفّةً حَتَّى انْحَلَّت العُقْدةُ الأخِيرةُ، فقال ﵇: "كَأنَّما أُنْشِطتُ مِنْ عِقالٍ"، وَجَعَلَ جِبْرِيلُ ﵇ يقول: بسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شرٍّ يُؤْذِيكَ، مِنْ حاسِدٍ وَعَيْنٍ، واللَّهُ يَشْفِيكَ" (٢).
وعن أبِي أُمامةَ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يَنْفَعُ بِإذْنِ اللَّهِ من الجُنُونِ والجُذامِ والبَرَصِ والعَيْنِ والحُمَّى، يُكْتَبُ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّةِ، وَأسْمائِهِ كُلِّها عامّةً، مِنْ شَرِّ السّامّةِ والهامّةِ، وَمِنْ شرِّ العَيْنِ اللَّامّةِ،