← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقَرأَ ابنُ عامر ونافعٌ وحفص: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء، وقَرأَ الباقون بكسرِها (١)، وفي الآية محذوفٌ والتقدير: أُذِن لهم أن يقاتِلوا أو: بالقتال. ثم وَعَدَهم بالنَّصر، فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ يعني: المؤمنين. ثم وَصَفهم فقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ محَلُّ ﴿الَّذِينَ﴾: خفضٌ على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ الأول، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾؛ أي: لم يُخرَجوا من ديارهم إلّا بقولهم: ربُّنا اللَّهُ وحدَه، فيكون ﴿أَنْ﴾: أَنْ "في موضع الخفض ردًّا على الباء في قوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢)، ويجوزُ أن يكون في موضع نصبٍ على وَجْه الاستثناء (٣). قال سيبوَيْه (٤): هذا من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكنْ بأنْ يقولوا: ربُّنا اللَّه (٥)؛ أي: أَخرجَوهم بتوحيدهم.

стр. 247

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يُقرَأُ بإثبات الألف وحذفِها (١)، وقد تقدَّم ذكره في سورة البقرة (٢)، وقوله: ﴿لَهُدِمَتْ﴾ يقال: هَدَمتُ البناءَ: إذا نقَضتَه وانهدم، قَرأَ نافعٌ وابنُ كثير بتخفيفِ الدال (٣)، وقَرأَ الباقونَ بالتشديد، وأظهرَ التاءَ نافعٌ وابنُ كثير وعاصم، وأدغَمَها الباقون، والتخفيفُ يكون للقليل والكثير (٤)، والتشديدُ يختص به الكثير. وقوله: ﴿صَوَامِعُ﴾ هي: منازلُ الرُّهبان ﴿وَبِيَعٌ﴾ جَمْع: بَيْعةِ النصارى، ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ يعني: كنائسَ اليهود، وهي بالعبرانيّة صُلُوثا، ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا (٤٠)﴾ يعني: مساجدَ المسلمين من أُمّة محمدٍ ﷺ ، ونَصْبُ ﴿كَثِيرًا﴾ على النَّعت لمصدرٍ محذوف، أراد: ذِكْرًا كثيرًا، ويقال: ومعنى الآية يقولُ: لولا دفاعُ اللَّه الناسَ عن الفساد ببعضِ الناس لهُدِم في شريعةِ كلِّ نبيٍّ المكانُ الذي يُصلَّى فيه، فلولا الدَّفْعُ لَهُدِّمَ في زمن موسى الكنائسُ، وفي زمن عيسى الصَّوامعُ والبِيَعُ، وفي زمن محمدٍ ﷺ المساجدُ.

стр. 248

قوله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ﴾؛ أي: أمهَلْتُ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وأَخَّرْتُ عقوبتَهم، يقال: أَمْلَى اللَّهُ لفلان في العمُر: إذا أخَّر عنه أجَلَه، وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ يريد: بالعذاب ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾؛ أي: إنكاري بالعذابِ والهلاك؟ وهذا استفهامٌ معناه التقرير، والنكير: اسمٌ من الإنكار، ومحَلُّه رفعٌ؛ لأنَّهُ اسم ﴿كَانَ﴾، قَرأَ ورشٌ: ﴿نَكِيرِي﴾ بياءٍ في الوصل فقط، وقَرأَ الباقونَ بالحذف (١). قوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: فكم من قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ يعني: وأهلُها ظالمون، فنَسَب الظلمَ إلى القرية لقُرب الجِوار. قَرأَ ابنُ كثير (٢): ﴿وَكائِنْ﴾ بالمدِّ، وقد ذَكَر في آل عمران (٣)، وقرأ أبو عَمْرو (٤): ﴿أَهْلَكْتُها﴾ بالتاء، على الفعل الواحد، وهو الاختيارُ، لقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾، وقرأ الباقون: ﴿أَهْلَكْنَهُا﴾ على التعظيم ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ (٤٥)﴾ عطفٌ على قوله: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٥)؛ لأن المعنى: وكم من

стр. 249

بئرٍ معطَّلةٍ وقصرٍ مَشِيد تَرَكوا بعد إهلاكهم، والمُعَطَّلةُ: المتروكةُ من العمل والاستسقاء، ومعنى التعطيل: التركُ من العمل، والمَشِيدُ: المُطَوَّلُ المرفوع، مأخوذٌ من قولهم: شادَ بِناءَهُ: إذا رَفَعه (١)، وقد ذكرنا ذلك في سورة النِّساء في قوله تعالى: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢). ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: في أرضِ اليمن والشام ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ما يرَوْن من العِبَر ممّا نزل بمن كذَّب قبلَهم ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أخبارَ الأُممِ المكذِّبة، قال ابنُ قُتيبة (٣): وهل شَيْءٌ أَبْلَغُ في العِظةِ والعِبْرةِ من هذه الآية؟ ونصْبُ ﴿فَتَكُونَ﴾ على جواب الجحد بالفاء. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ قال الفَرّاء (٤) والزَّجّاج (٥): هذا من التوكيد الذي تزيده العربُ في الكلام، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: عَمِلوا في إبطال آياتنا مغالِبينَ مُشاقِّينَ، وقيل: مسابِقين، وقيل: معانِدين، وقيل: ظانِّينَ أنْ لا

стр. 250

نقدرَ عليهم (١)، وقرأ هاهنا وفي سبأٍ مكيٌّ وأبو عَمْرو (٢): ﴿مُعْجِّزِينَ﴾؛ أي: مُثَبِّطِينَ عن الإيمان، وقيل: مُبَطِّئِينَ، وقيل: فائتين، وهو منصوبٌ على الحال، ثم أَخْبر عن هؤلاءِ أنهم أصحابُ النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾. قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، المُرْسَلُ: الذي يُنزَلُ عليه كتابٌ، وغيرُ المرسَل: الذي يُبعَثُ بغيرِ كتاب. الفَرْقُ بينَ النَّبِيِّ المرسَل وغيرِ المرسَل: أن المرسَل هو: الذي يأتيه جِبريلُ ﵇ بالوحي عِيانًا وشِفاهًا، وغيرُ المرسَل هو: الذي تكون نبوّتُه إلهامًا أو منامًا، فكلُّ رسولٍ نبيّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولًا. قوله ﴿نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾؛ أي: إذا تلا القرآنَ ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (٥٢)﴾؛ أي: تلاوته، وذلك أنّ رسولَ اللَّه ﷺ كان حريصًا على إيمان قومه، فجلس يومًا في مجلسٍ لهم، وقَرأَ عليهم سُورةَ النَّجم، فلمّا أتَى على قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٣)، ألقى الشّيطانُ في أمنيّتِه حتَّى وَصَل به: تِلكَ الغَرانيقَ (٤) العُلَى، وإنّ شفاعتَهنَّ لَتُرْتَجَى، ففرح المشركونَ

стр. 251

بذلك، وقالوا: قد ذَكَرَ محمدُ آلِهَتَنا بأحسنِ الذِّكْرِ، فأتاه جبريلُ فأَخْبره بما جرى من الغَلَط على لسانه، فاشتدَّ ذلك على رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (١). ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾؛ أي: مِحنةً، واللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ متعلِّقة بقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: لِيجعلَ اللَّهُ (٢) ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شكٌّ ونفاق ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ (٥٣)﴾ وهم الذين لا تَلينُ قلوبُهم بتوحيد اللَّه، ﴿وَالْقَاسِيَةِ﴾: خفضٌ بالعطف على قوله: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، و ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: رَفْعٌ؛ لأنها فاعلٌ، تقديرُه: للذين قَسَت قلوبهم. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: في شَكٍّ مِمّا أَلْقَى الشيطانُ على لسان رسول اللَّه ﷺ ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾؛ أي: فَجْأةً، وهو نَصبٌ على الحال (٣)، ويجوزُ أن يكون نصبًا على المصدر. وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ يريد: يومَ بدر، وسُمِّيَ

стр. 252

عَقِيمًا لأنَّهُ لم يَكُنْ للكفار فيه بركةٌ ولا خَيْرٌ، فهو كالرِّيح العقيم التِي لا تأتي بِخَيْرٍ (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطرَ ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (٦٣)﴾ يعني: بالنبات. ورَفَع ﴿فَتُصْبِحُ﴾ لأنّ ظاهرَ الآية استفهامٌ ومعناه الخبر، مجازها: اعلَمْ يا محمد أنّ اللَّه يُنزِلُ من السماء ماءً فتصبحُ الأرض مخضَرّةً (٢)، وإن شئت قلت: قد رأيتَ أنّ اللَّه أنزل من السماء ماءً، كقول الشاعر: ١٩ - أَلمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَواءَ فيَنْطِقُ... وهلْ تُخْبِرَنْكَ اليَوْمَ بيْداءُ سَمْلقُ؟ (٣)

стр. 253

معناه: قد سألته فنَطَق (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريدُ: قد علمتَ وأيقنتَ ذلك، وهذا استفهامٌ يُراد به التقريرُ ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يعني: ما يجري في السماء والأرض كلُّ ذلك مكتوبٌ في اللوح المحفوظ ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ يعني: عِلمَه بجميع ذلك ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ سهلٌ لا يتعذَّر عليه العلمُ به. قوله تعالى: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ يعني: القرآنَ الذي يُتلى عليهم فيكرهون سماعَه، ثم قال: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: يُصيِّرُهم إليها ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾، وفي رَفْع النار وجهان، أحدُهما: بالابتداء، والثاني: أن تكونَ خبرَ ابتداءٍ محذوف تقديرُه: هو النار (٢)، ومن قرأ: ﴿النَّارِ﴾ بالخفض، فعلى: البدل من قوله: ﴿بِشَرٍّ﴾، ومن قَرأَ بالنَّصب (٣) نَصبَها بإضمار فعل تقديره: وُعِدَ النارَ وعدها. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: المشركين يَدْعُونَ الأصنام، وكانت ثلاثَمائة وستينَ صنمًا حول الكعبة ﴿لَنْ يَخْلُقُوا

стр. 254

ذُبَابًا﴾ مع صِغَره وقلّته ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ مما عليهم، وذلك أنّهم كانوا يَطْلُونَ أصنامَهم بالزَّعفران فتَجِفُّ، فتأتي الذُّباب فتختلسه. وقيل: كانوا يجعَلون للأصنام طعامًا فيقعُ عليه الذُّباب، فيأكل منه فلا يقدِرون أن يستردُّوه من الذباب، فذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ وفي الآية معنى الشَّرط والجزاء. ثم قال تعالى: ﴿مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ قيل: الطالب: الصَّنم، وقيل: المطلوب: الذُّباب، وقيل: الطالبُ: الكافرُ؛ لأنَّهُ طَلَب إلى هذا الصنم التقرُّبَ إليه، والمطلوب: الصَّنم؛ أي: ضَعُف العابدُ والمعبود. ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: ما عظَّموه حقَّ عظَمته حيث جعلوا هؤلاءِ الأصنامَ شُركاءَ له ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ على خَلْقِه ﴿عَزِيزٌ (٧٤)﴾ في مُلكِه. وقوله -تعالى : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ يريدُ: جميعَ أعمال الطاعة، وهو منصوبٌ على المصدر، وحقُّ الجهاد أن يكون بنيّةٍ صادقة خالصة للَّه، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾؛ أي: اختاركم واصطفاكم لديه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾؛ أي: ضِيقٍ، قيل: أراد الرُّخَصَ عند الضرورات كالقَصْرِ والتَّيَمُّمِ وأكل المَيْتة والإفطار عندَ المرض والسفر، وهذا قولُ مُقاتلٍ (١)

стр. 255

والكلبِيِّ، واختيارُ الزَّجّاجِ (١)، وقال ابنُ عباس (٢): الحَرَج: ما جُعِل على بني إسرائيلَ من الإصرِ والشدائد التي كانت عليهم، وَضَعَها اللَّه عن هذه الأُمةِ رحمةً منه وتفضيلًا عليهم ليزدادوا شكرًا. قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: هو نصبٌ على الإغراءِ والأمر؛ أي: الْزَمُوا واتَّبِعُوا مِلّةَ أبيكم إبراهيم، وهذا قولُ الأخفش والمبرّد (٣) والزَّجّاج (٤). وقال الفَرّاء (٥): هو نصبٌ بنَزْع حرفِ الصِّفة؛ أي: كمِلّةِ أبيكم، ومعناه حُرمةُ إبراهيمَ على المسلمين كحُرمة الوالد، كما قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٦)، وقال النَّبِيُّ ﷺ : "أنا لكم مِثْلُ الوالد" (٧)، والخطابُ إن كان للعرب خاصةً فإبراهيمُ ﵇ أبو العرب قاطبةً، وإن كان الخطابُ عامًّا فهو أبو المسلمين كافةً؛ لأنّ حُرمتَه وحقَّه عليهم كحقِّ الوالد، وأُمِرنا باتّباع مِلّته؛ لأنها داخلةٌ في مِلّةِ محمد ﷺ . وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: أنّ اللَّهَ سمّاكم بهذا الاسم من قبلِ إنزال القرآن في الكتُب التي أُنزِلت قبلَه، وقيل: معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾

стр. 256

يريد: في أُمِّ الكتاب، وقال الحَسَن (١): معناه: إبراهيمُ سماكم المسلمينَ بقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (٢)، فإبراهيمُ سأل اللَّهَ هذا الاسم. ﴿وَفي هَذَا﴾ يعني: القرآن ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بالتبليغ ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أنّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهُم، نظيرُها قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . . .﴾ الآيةَ (٣). قوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: سَلُوا رَبَّكُم أن يعصِمَكم من كلِّ ما يَسْخَطُ ويَكْرَهُ، وقيل: تمسَّكوا بدِين اللَّه، وقيل: اتقوا اللَّه، ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصرُكم والذي يتولَّى أمورَكم، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾؛ أي: نعم المولى لكم ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ هو لكم يَنصُرُكم على أعدائكم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 257

سورةُ المؤمنين مكِّيّةٌ وهي أربعةُ آلافٍ وثمانِمائة حرفٍ وحرفان، وألفٌ وثمانِمائة وأربعونَ كلمةً، ومائةٌ وثمانِي عَشْرةَ آيةً. بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأَ سُورةَ المُؤْمِنِينَ بَشَّرَتْهُ المَلَائِكةُ بالرَّوْحِ والرَّيْحان، وما تَقَرُّ به عَيْنُهُ عند نزول مَلَكِ الموتِ بِهِ" (١). وعن عُمَرَ بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ -أنه قال: "مَنْ قَرَأَ مِنْ أَوَّلِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ عَشْرَ آياتٍ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ في الجَنّةِ" (٢)، ورُوِيَ عنه ﵇ أنه قال: "مَنْ قَرَأَها كُتِبَ مؤمنًا مَهْدِيًّا صادقًا عابدًا من: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ " (٣).

стр. 258

بابُ ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه ﵇: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، "قَدْ" حَرْفُ تأكيدٍ (١)، وقال المحقِّقون (٢): معنى "قَدْ": تقريبُ الماضي من الحال، فدَلَّ على أن فلاحَهم قد حصل وهم عليه في الحال، وهذا أبلغُ في الصفة من تجريد ذِكْرِ الفِعْلِ، والمعنى: قد سَعِدَ المُصَدِّقُونَ وَبَقُوا في الجنة، والفلاح: البقاءُ والنجاح، قال عَبِيدٌ (٣): ٢٠ - أَفْلِحْ بِما شِئْتَ، فقَدْ يُرْزَقُ ذُو الْـ... حُمْقِ، وقدْ يُحْرَمُ الأَرِيبُ (٤)

стр. 259

فصل عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جنةَّ عَدْنٍ، وخَلَق فيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، قال لها: تَكَلَّمِي، فقالتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثَلاثًا، ثم قالتْ: أنا حَرامٌ على كُلِّ بَخِيلٍ ومُراءٍ" (١). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ جَنّةَ عَدْنٍ بيده، فخلقها من دُرّةٍ من لَبِنةٍ بَيْضاءَ وياقُوتةٍ حَمْراءَ وزَبَرْجَدةٍ خَضْراءَ، مِلَاطُها المِسْكُ الأَذْفَرُ، وحَشِيشُها الزَّعْفَرانُ، وحَصْباؤُها اللُّؤْلُؤُ، وتُرابُها العَنْبَرُ، فقال لها: انْطِقِي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقال: وَعِزَّتي لا يُجاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ"، ثم تلا: ﴿يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وعن عُمر ﵁ قال: كان إذا نَزَلَ الوحيُ على رسول اللَّه ﷺ يُسْمَعُ له عند وَجْهِهِ كَدَوِّيِّ النَّحْلِ، فمكث ساعةً فاسْتَقْبَلَ القِبْلةَ ورفع يديه، فقال: "اللَّهُم زِدْنا وَلَا تَنْقُصْنا، وَأَكْرِمْنا وَلَا تُهِنّا، وَأَعْطِنا وَلا تَحْرِمْنا، وَآثِرْنا ولا تُؤْثرْ عَلَيْنا، وارْضَ عَنّا"، ثم قال: "لقد أُنْزِلَتْ عَليَّ عَشْرُ آياتٍ، مَنْ أَقامَهُنَّ

стр. 260

دَخَلَ الجَنّةَ"، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى عَشْرِ آياتٍ (١). ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ محَلُّ ﴿الَّذِينَ﴾: رفعٌ على النَّعت للمؤمنين، وإن شئتَ قلت: هو رفعٌ على الابتداء، وإن شئت قلت: محَلُّه نصبٌ على المدح، وما بعدَه ظاهرُ التفسير. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ قال اللَّيث (٢): الفَرْجُ: اسمٌ يَجْمَعُ سَوْآتِ الرجال والنساء، فالقُبُلَانِ وما حَوالَيْهِما كُلُّهُ فَرْجٌ (٣). والمراد بالفَرْجِ هاهنا: فُرُوجُ الرجال خاصةً، قال الكلبيُّ: يعني: يَعَفُّونَ عما لا يَحِلُّ لهم. ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ "عَلَى" هاهنا: بمعنى "مِنْ" في قول الفَرّاء (٤)؛ أي: إلّا من أزواجهم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ و"ما": في مَحَلِّ الخفض، يعنِي: أو مِنْ ما مَلَكت أَيْمانهم ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ على إتيانِ نسائهم وإمائهم. وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾؛ أي: فمن طلب سوى ذلك ﴿فَأُولَئِكَ

стр. 261

هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾؛ أي: العاصُونَ الظالمون المتجاوزون إلى ما لا يحلُّ لهم، ومحل "مَنْ": رفعٌ بالابتداء، وكذلك: "أُوْلَئِكَ": رفعٌ بالابتداء، و"هُم": ابتداءٌ ثانٍ (١)، و"العادُونَ": خبرُ ابتداءِ الثاني، وهذه الجملة خبرُ ابتداءِ الأول. قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾؛ أي: حافظون، وقَرأَ ابن كثير (٢): ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ على التوحيد، وذلك أنه: مصدرٌ واسمُ جِنْسٍ فيقعُ على الكثير وإن كان مفردًا في اللفظ (٣). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ وقرئ: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ (٤)، فمن أَفْرَدَ فَلَأنَّ الصلاةَ في الأصل عَمَلٌ مخصوص، ومَنْ جَمَعَ فلأنه قد صار اسمًا شرعيًّا لانضمام ما لم يكن في أصل اللغة إليها (٥)، ومعنى الآية: والذين هم يحافظون على الصلوات المكتوبة، ويقيمونَها في أوقاتها. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ يعني: الموصوفينَ الذين تَقدَّم ذِكرُهم يَرِثُونَ منازلَ أهل النار من الجنة، ثم ذكر ما يَرِثون فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ مقيمون.

стр. 262

فصل عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وله مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ في الجنة ومَنْزِلٌ فى النار، فإن مات ودَخَلَ النّارَ وَرِثَ أَهْلُ الجنةِ مَنْزِلَهُ، وذلك قوله -تعالَى-: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ " (١). وَرُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "خَلَقَ اللَّهُ ثلاثةَ أَشْياءَ بيده: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِه، وغَرَسَ الفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ: وَعِزَّتِي، لَا يَدْخُلُها مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا دَيُّوثٌ"، قالوا: يا رسول اللَّه: قد عرفنا مُدْمِنَ الخَمْرِ، فَما الدَّيُّوُثُ؟ قال: "الذي يُقِرُّ السُّوءَ لأهْلِهِ" (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني: آدم ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ من الأرض، قيل (٣): إنه سُلَّ من كلِّ تُرْبةٍ، وقيل (٤): أراد بالإنسان: ابن آدم، وهو اسمُ الجنس يقَعُ على الجميع، وقوله: ﴿مِنْ سُلَلَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أراد: من صَفْوةِ ماءِ آدَمَ الذي هو من الطين ومَنِيِّهِ، والعربُ تُسَمِّي نُطْفةَ الرجلِ وَوَلَدَهُ سُلَالةً

стр. 263

وَسَلِيلةً؛ لأنهما مسلولان منه (١)، قال الشاعر: ٢١ - فجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرًا... سُلالةَ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ (٢) وقال آخر: ٢٢ - وَهَلْ كُنْتُ إِلا مُهْرةً عربيّةً... سَلِيلةَ أَفْراسٍ تَجَلُّلَها نَغْلُ (٣) والسُّلالة: كلُّ لطيفٍ يُستخرَجُ من غليظٍ، كالخمرِ من العنب. قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾ يعني: الإنسان ﴿نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ يعني: الرَّحِم مَكَّن فيه الماءَ بأن هيَّأ الاستقرارَ فيه إلى بلوغ أمدِه الذي جُعل له، ﴿ثُمَّ

стр. 264

خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ قَرأَ ابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ كلاهما: ﴿عَظْمًا﴾ على الواحد، وقرأها الباقونَ على الجَمْع (١)، قال الزَّجّاج (٢): التوحيدُ والجَمعُ جائزان، والواحد يدُلُّ على الجمع، كما قال الشاعر: ٢٣ - في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينا (٣) يريد: في حُلوقِكم عظامٌ، والشَّجا: عَظْمٌ يعتَرض في الحلق. وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ أي: خلقناه خلقًا آخر، يعني: لَمّا نَفَخَ فيه الرُّوحَ صار خلقًا آخَر، وهو منصوبٌ على المصدر (٤)، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ المُصَوِّرِينَ والمُقَدِّرِينَ، والخَلْق في اللغة: التقدير، يقال: خَلَقْتُ الأَدِيمَ: إذا قِسْتَهُ لِتَقْطَعَ منه شيئًا (٥).

стр. 265

فصلٌ رَوَى محمدُ بن كعب القُرَظِيُّ (١)، أنه قال: قرأتُ في التوراة -أو قال: في صُحفِ إبراهيمَ الخليلِ- فوجدتُ فيها: يقولُ اللَّه تعالى: "يا ابن آدم: ما أَنْصَفْتَنِي، خَلَقْتُكَ ولم تَكُ شيئًا، خَلَقْتُكَ بَشَرًا سَوِيًّا، خلقتُك من سُلالةٍ من طين، فجعلتُكَ نُطفةً في قرارٍ مَكِين، ثم خلقتُ النُّطفةَ عَلَقةً، فخَلقتُ العَلَقةَ مُضغةً، فخَلَقتُ المُضغةَ عظامًا، فكَسَوْتُ العظامَ لحمًا، ثم أنشأتُكَ خلقًا آخَرَ، يا ابنَ آدم: هل يَقدِرُ على ذلك غيري؟ ثم خَفَّفْتُ ثِقْلَكَ على أُمِّكَ حتَّى لا تتَبَرَّمَ بكَ ولا تتأذَّى، ثم أوحَيْتُ إلى الأمعاءِ أنِ اتَّسِعِي، وإلى الجوارح أن تَفَرَّقِي، فاتَّسَعَت الأمعاءُ من بعدِ ضيقها، وتفرَّقت الجوارحُ من بعد تَشْبيكِها، ثم أوحيتُ إلى المَلَكِ المُوَكَّلِ بالأرحام أن يُخرِجَكَ من بطن أُمِّكَ، فاستَخْلَصْتُكَ على ريشةٍ من جناحِه، فاطَّلَعْتُ عليكَ فإذا أنتَ خَلْقٌ ضعيف، ليس لك سِنٌّ تَقْطَعُ، ولا ضِرْسٌ يَطحَن، فاستخلصَتُ لك في صدر أُمِّك عِرْقًا يُدِرُّ لَبَنًا باردًا في الصَّيف حارًّا في الشّتاء، واستَخلصتُه لك من بين لحم وجلدٍ ودم وعروق، ثم قذفتُ لك في قلبِ والدتكَ الرحمةَ وفي قلبِ أبيك التَّحَنُّنَ، فهما يَكِدّانِ ويَجْهَدانِ ويُرَبِّيانِكَ ويُغَذِّيانِكَ، ولا يَنامانِ حَتَّى يُنَوِّماكَ (٢)، ابنَ آدمَ! أنا فعلتُ ذلك بك، لا لشيءٍ استأهلتَهُ به منِّي، أو لحاجةٍ استعَنْتُ بكَ على قضائها، ابنَ آدم: فلمّا قَطَعَ سِنُّكَ، وطَحَنَ ضِرْسُكَ أطعمتُكَ فاكهةَ الصيف في أوانها

стр. 266

وفاكهةَ الشتاء في أوانها، فلمّا عرفتَ أني ربُّك عصيتَني، فالآنَ إذْ عصيتَنِي فادْعُنِي، فإنّي قريبٌ مجيب، وادعُني فإنّي غفور رحيم" (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني: بعدَ ما ذَكَر من تمام الخلق ﴿لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾ عندَ آجالِكم ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ للجزاء والحساب، والثواب والعقاب. قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ يعني: سبعَ سماوات، غِلَظُ كلِّ سماءٍ مسيرةُ خمسمائة عام، بينَ كلِّ سماءَيْن (٢) مسيرةُ خمسمائة عام. وسمِّيت طرائقَ لتَطارُقِ بعضها فوق بعض (٣)، وواحدُ الطرائق: طريقة. ﴿وَمَا كُنَّا﴾ مع هذه المسافة ﴿عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ بل نسمع أقوالهم، ونرى أفعالهم. قوله تعالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ يعلَمُه اللَّه، وقيل: بقَدْرِ ما يكفيهم للمعيشة، ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ فصلٌ في معنى الآية عن ابن عَبّاس: عن النبيِّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه ﵎ أنزَل من الجنة خمسةَ أنهار: سَيْحُونَ، وهو نهرُ الهند، وجَيْحُونَ، وهو نهرُ بَلْخٍ، ودجلةَ والفراتَ، وهما نهرا العراقِ، والنِّيلَ، وهو نهرُ مِصرَ، أنزَلَها اللَّه من عَيْنٍ واحدة من عيونِ الجنة، من أسفلِ درجةٍ من درجاتها، على جناحَي جِبريل، استَودَعَها الجبال، وأجراها في الأرض، فجَعَل فيها منافعَ للناس في أصناف معايشهم،

стр. 267

فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾، فإذا كان عندَ خروج يأجوجَ ومأجوجَ أرسَل اللَّه جِبريل، فرَفَعَ من الأرض القرآنَ، والعِلْمَ كُلَّهُ، والحَجَرَ الأسودَ من ركن البيت، ومَقامَ إبراهيمَ، وتابوتَ موسى بما فيه، وهذه الأنهارَ الخمسةَ، فيرفع كلَّ ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾، فإذا رُفِعَتْ هذه الأشياء فَقَدَ أهلُها خيرَ الدِّين والدنيا" (١). ثم ذكر اللَّه تعالى ما أنبت بما أنزل من السماء، فقال: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يعني: وأنشأنا لكم ايضًا شجرةً، وهي الزيتون، ويقال (٢): إن الزيتونَ أولُ شجرةٍ نبتت في الدنيا بعد الطُّوفان. و"سَيْناءُ" كان حقُّه أن ينصرفَ كما ينصرفُ عِلْباءٌ وحِرْباءٌ، لكنّه اسمٌ لبقعةٍ أو لأرض، وهو معرفةٌ فلم ينصرفْ للمعرفة والتأنيث (٣)، وقال

стр. 268

الأخفش (١): هو اسمٌ أعجميٌّ معرفة، فهو كامرأةٍ سمَّيتَها بجَعْفَرَ، ومِثلُه "طُورُ سِينِينَ". و"سَيْناءُ" يُقْرَأُ بفتح السِّين وكسرها، قَرأَ نافعٌ وابنُ كثير وأبو عَمْرو بالكسر (٢)، وقَرأَ الباقونَ بالفتح. وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (٢٠)﴾ يعني: الزيت، قَرأَ أكثرُهم بفَتْح التاء الأولى وضمِّ الباء، وقَرأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو ورُوَيْسٌ (٣) بضمِّ التاء وكسر الباء (٤)، ولها وجهان، أحدُهما: أن الباء في ﴿بِالدُّهْنِ﴾ زائدة، كما يقال: أَخَذْتُ بِثَوْبِهِ، وأَخَذْتُ ثَوْبَهُ (٥)، وكقول الراجز: ٢٤ - نَحْنُ بَنُو جَعْدةَ أَرْبابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَزجُو بِالفَرَجْ (٦)

стр. 269

أي: ونرجو الفَرَج، والوجهُ الآخَر: أنَّهُما بِمعْنًى واحدٍ، يقال: نَبَتَ وأَنْبَتَ (١)، قال زُهَيْرٌ (٢): ٢٥ - رأَيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ... قَطِينًا لهُمْ حتَّى إِذا أنْبَتَ البَقْلُ (٣)

стр. 270

وقيل (١): المعنى: تُنْبِتُ ومعَها الدُّهنُ، كما يقال: جاء فلانٌ بالسيف؛ أي: ومعَه السيف، وقيل (٢): البَاءُ متعلِّقةٌ بالمصدر الذي دل عليه الفعل؛ أي: نَباتَها بِالدُّهْنِ. قاله صاحبُ الضِّياء (٣). فصلٌ عن وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ، قال: كان يُسْرَجُ في بيت المقدس كُلَّ ليلةٍ ألفُ قنديل، وكان يَخرُج من طُور سَيْناءَ زيتٌ مثلُ عنُق البعير صافٍ يجري حتَّى يُصبَّ في القناديل من غير أن تمسَّه الأيدي، وكانت تنحدر نارٌ من السماء بيضاءُ حتَّى تُسْرِجَ القَنادِيلَ، وكان القُربان والسُّرُجُ بين ابنَيْ هارونَ: شَبَّرَ وشُبَيْرٍ (٤)؛ لأن

стр. 271

الحُبُورةَ (١) كانت لهارونَ في الأصل، وقد أُمِرا ألّا يُسْرِجا القَنادِيلَ بنار أهل الدنيا، فأبطأت النارُ ذاتَ ليلةٍ على ابنَيْ هارون، فاستعجلا فأَسْرَجا القناديلَ بنار أهل الدنيا، فلمّا جاءت النار أكلت ابْنَي هارُونَ، فصرخ الصّارخُ إلى موسى ﵇، فجاء موسى يدعو ربَّه ويقول: يا رَبِّ! ابنا هارونَ أخي، قد عرفتَ مكانَهما مِنِّي، فأوحى اللَّه تعالى إليه: "يا ابنَ عِمران: هكذا أفعل بأوليائي إذا عصَوْنِي، فكيف بأعدائي؟ " (٢). قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ. . . . (٢٨)﴾ الآيةَ. ومحَلُّ "مَنْ": رفْعٌ بالعطف على "أنت" (٣)، ومحَلُّ "أنت": رفعٌ؛ لأنَّهُ بدلٌ من التاء في قوله: ﴿اسْتَوَيْتَ﴾، ومحَلُّ التاء: رفعٌ لأنه فاعل. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ قرأه العامّةُ بضمِّ الميم وفتح الزاي على المصدر؛ أي: إنزالًا مباركًا، وقَرأ أبو بكرٍ (٤) بفتح الميم وكسرِ الزاي يريد: مَوضِعًا. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ قال ابن عباس: يريد: من السفينة، ولذلك قيل له: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ (٥)، وهذا جوابُ دعائه.

стр. 272

قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ. . . (٣٥)﴾ الآيةَ. قال الزَّجّاج (١): "أَنَّكُمْ": موضعُها نصبٌ على معنى: أيعِدُكم أنَّكم مُخرَجون إذا مِتُّمْ، فلمّا طال الكلام أُعيد ذِكر "أنّكم"، كما قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٢) المعنى: فله نارُ جهنم. وقوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾؛ أي: بعيدٌ بعيدٌ لِما توعَدون، واختلفَ القُرّاءُ فيه، فقَرأَ أبو جعفرٍ (٣) بكسرِ التاءِ فيهما، وقَرأَ نصرُ بنُ عاصم (٤) بالضَّمِّ (٥)، وقَرأَ أبو حَيْوةَ الشامي (٦) بالضمِّ والتنوين (٧)، وقَرأَ الباقونَ بالنَّصبِ من غير تنوين، وكلُّها لغاتٌ صحيحة، فمَن نَصَب جَعَله مثلَ "أَيْنَ" و"كَيْفَ" (٨).

стр. 273

وقيل (١): لأنّهما أداتانِ جُمِعَتا، فصارتا مثلَ: خمسةَ عشَرَ وبَعْلَبَكَّ ونحوِهما، وقال الفَرّاء (٢): نصبُهما كنَصْب قولك: ثُمَّتَ ورُبَّتَ. ومَن رَفَع جعله مثلَ "مُنْذُ" و"قَطُّ" و"حَيْثُ" (٣)، ومَن كَسَرَ جعله مثلَ "أَمْسِ" و"هَؤُلاءِ" (٤)، قال الشاعر: ٢٦ - تَذَكَّرْتُ أَيَّامًا مَضَيْنَ مِنَ الصِّبا... وَهَيْهاتِ هَيْهاتٌ إِلَيْكَ رُجُوعُها (٥) وقال آخر: ٢٧ - لقَدْ باعَدَتْ أُمُّ الحُمارِسِ دارَها... وهَيْهاتِ مِنْ أُمِّ الحُمارِسِ هَيْهاتا (٦)

стр. 274

وفي "هَيْهات" سبعُ لغات: هيهاتَ لك: بفتح التاء، وهيهاتِ لك: بخفض التاء، وهيهاتٍ لك: بالخَفْض والتنوين، وهيهاتُ لك: برفع التاء، وهيهاتٌ: بالرفع والتنوين، وهيهاتًا لك: بالنصب والتنوين، واللغة السابعة: أَيْهاتَ، وأنشَد الفَرّاء (١): ٢٨ - فأَيْهاتَ أَيْهاتَ العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ... وأَيْهاتَ وَصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ (٢) بالنصب (٣). و"هَيْهاتَ" من الأصوات بمنزِلة اسم الفعل، كشتّانَ، ولا محلَّ لها من الإعراب، ومعناه: بَعُدَ الأمرُ جدًّا (٤)، وفاعله ضميرٌ فيه راجعٌ إلى قوله:

стр. 275

﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾؛ أي: بَعُدَ إِخْراجُكُمْ للوعد الذي توعَدون، وهو بعدَ الموت، والأصواتُ بمنزلة الفعل دون المصدر، لا حَظَّ لها من الإعراب كالفعل الماضي المُقْسَمِ به، وهو اسمٌ سُمِّيَ به الفعلُ وهو "بَعُدَ"، كما قالوا: "صَهْ" بمعنى: اسكُتْ، و"مَهْ" بمعنى: لا تفعَلْ، وليس له اشتقاق. واختلفوا في الوقفِ عليها، فكان ابنُ كثيرٍ والكسائيُّ يقفان على "هَيْهاتَ" الثانِي بالهاء (١)، ووَقَف الباقونَ عليها بالتاء، وكذلك الفَرّاء (٢)، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو بن العلاء أنه قال (٣): إذا وَقَفتَ فقُلْ: هَيْهاهْ بهاء، ويدلُّ على هذا ما رُوِيَ عن سيبوَيْه أنه قال: هي بمنزلة عَلْقاةَ (٤)، يعني: في التأنيث، وإذا كان كذلك كان الوقفُ بالهاء. قال الفَرّاء (٥): كان الكِسائيُّ يختارُ الوقفَ بالهاء، وأنا أختار التاءَ. وعندَه أنّ هذه التاءَ ليست بهاءِ التأنيث، ولا خلافَ في الأول أنه بالتاء.

стр. 276

و"هَيْهاتَ": كنايةٌ عن البعد، يقال: هَيْهاتَ ما قلتَ؛ أي: البعيدُ ما قلتَ، وهيهاتَ لِما قلت؛ أي: البُعْدُ لِما قلت (١)، وإنما أُدخلت اللام معَ هَيْهاتَ في الاسم لأنَّها أداةٌ غير مشتقّةٍ من فعل، فأدخَلوا اللام معها في الاسم كما أدخلوها مع قولهم: هَلُمَّ لَكَ (٢). قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾؛ أي: عن قليلٍ، و"ما": صلةٌ لتقليل الفعل، نحو: سَبَبُ ما؛ أي: سَبَبُ وإن قَلَّ، وقوله ﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾ يعني: على تكذيبهم وكفرِهم، واللام: لامُ جوابِ القسم المضمَر، تقديره: واللَّه لَيُصبِحُنَّ نادمينَ، والنُّون: تأكيدٌ لفعل جماعة الرجال، ولهذا ضَمَمتَ ما قبل النون. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ يعنِي: صيحةَ العذاب، صاح بهم جِبْرِيلُ صيحةً واحدة، فماتوا عن آخِرِهِمْ، وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: باستحقاقِهم العذابَ بكفرِهم، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾؛ أي: هَلْكَى كالغُثاء، قال الشاعر: ٢٩ - وإِنَّما أَوْلادُنا بَيْنَنا... أَكْبادُنا تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ (٣)

стр. 277

أي: كأكبادِنا، والغُثاء: هو ما يَحْمِلُ السَّيْلُ من نباتٍ قد يَبِسَ، وكلُّ ما يحمله السيلُ على رأس الماء من قَصَبٍ وحشيشٍ وعِيدانِ شجر فهو غُثاء، والمعنى: صَيَّرْناهُمْ هَلْكَى فيَبِسُوا كما يَيْبَسُ الغُثاء من نبتِ الأرض فهُمِدوا، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾: نصب على المصدر؛ أي: أبعدَهم اللَّه بُعْدًا من الرحمة. قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ "مِنْ" صلةٌ ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ يعني: متَرادِفينَ يتبَعُ بعضُهم بعضًا. قَرأَ أبو جعفرٍ وابنُ كثير وأبو عَمْرو (١): ﴿تَتْرًى﴾ بالتنوين، على تَوَهُّمِ أنَّ الياءَ أصلية، كما قيل: مِعْزَى -بالياء- ومِعْزًى، فأُجرِيت أحيانًا، وتُرِكَ إجراؤُها أحيانًا (٢)، وقرأ الباقون بغير تنوين مثل: غَضْبَى وسَكْرَى، وهو اسم جمع مثل شَتَّى، وأَمالَهُ حمزةُ والكسائيُّ، وقِرأِ وَرْشٌ بينِ اللَّفظين، وفَتَحه الباقون (٣). ومن نَوَّنَ وَقَفَ عليها بالألف عِوَضًا من التنوين، ومن لم يُنَوِّنْ وقف عليها بالياء (٤)، ويقال: ليست بياءٍ ولكنّها ألفٌ مُمالة، وأصله: وَتْرَى على

стр. 278

"فَعْلَى": من المواترة، فأُبدِلت الواو تاءً مثلَ: التقوى والشكوى، كما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ وتُجاهٍ. ويجوزُ في قول الفَرّاء (١) أن تقولَ في الرَّفع: تَتْرٌ، وفي الخَفْض: تَتْرٍ، وفي النصب: تَتْرًا، وتكون الألفُ بدلًا من التنوين، فمن نَوَّنَ جَعَله ملحَقًا بجعفر بوزن فَعْلَل، ومن لم يُنَوِّنْ جَعَلها للتأنيث مثلَ: سَكْرَى، فإذا سَمَّيْتَ بـ "تَتْرًى" على مَنْ نَوَّنَ لم تَصرِفْ في المعرفة وصَرَفْتَ في النكرة، وإن سَمَّيْتَ على الوجه الآخَر لم تَصرِفْ في معرفةٍ ولا نكرة (٢)، وهو في موضع نَصْب على الحال، أو على [صفةِ] المصدر. قال المبرّد (٣): من قَرأ: ﴿تَتْرَى﴾ فهو مثلُ: شكَوْتُ شكوى، ومن قَرأ: ﴿تترًى﴾ فهو مثلُ: شكَوْت شَكْوًى، وعلى القراءتَيْنِ جميعًا التاءُ الأولى بدلٌ من الواو. وأصلها: "وَتْرَى"، و"وَتْرَى": مصدرٌ أو اسم أُقِيمَ مُقامَ الحال؛ لأنّ المعنى: متواترة. وقوله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ يريد بالهلاك؛ أي: أهلكنا بعضَهم في إثرِ بعض، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يعني: مَثَلًا يَتَحدَّث به الناسُ، وهي جَمْع أُحْدُوثةٍ، ويجوز أن يكونَ جَمْعَ حَدِيثٍ (٤)، قال

стр. 279

الأخفَش (١): إنّما يقال هذا في الشرِّ، وأمّا في الخير فلا يقال: جعلناهم أحاديثَ وأُحدوثةً، وإنّما يقال: صار فلانٌ حديثًا. وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾؛ أي: يُصدِّقون، ونَصْب ﴿فَبُعْدًا﴾: على المصدر، وقد تقدم نظيره (٢). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾؛ أي: دِلالةً على قُدرتنا، وكان حقُّه أن يقول: آيتَيْن، واختلف النُّحاة في ذلك، فقال بعضُهم: معناه: وجعَلْنا كلَّ واحدٍ منهما آيةً، كما قال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (٣)؛ أي: آتتْ كُلُّ واحدةٍ منهما أُكُلَها، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ (٤) ولم يقُلْ: أَرْجاسٌ، وقال بعضُهم: معناه: جعَلْنا شأنَهما واحدًا؛ لأنّ عيسى ﵇ وُلِدَ من غير أَبٍ، وأمُّهُ وَلَدَتْهُ من غير مَسِيسِ ذَكَرٍ، وقيل: إنه لم يُثَنِّ ﴿آيَةً﴾ لأنها مصدر، وقيل: إن الآيةَ لهما واحدةٌ، وقيل: معناه: جعلناه آيةً وأُمَّهُ آيةً، فاكتفى بأحدهما، وقيل: هو على التقديم؛ أي: جعلناهُ آيةً وأُمَّه، وقد تقدَّم نظيرُها في سورة الأنبياء (٥). قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا﴾؛ أي: جعلناهما يَأْويانِ: يَرجِعان ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ وهي

стр. 280

المكانُ المرتفع من الأرض، قيل: هي دمشقُ، وقيل: بيتُ المقدِس، وهو أقربُ الأرض إلى السماء بثمانيةَ عشَرَ ميلًا، وقيل: إنّها أرضُ فِلَسطين. وقَرأَ عاصمٌ وابنُ عامر (١): ﴿رَبْوَةٍ﴾ بفتح الراء، والباقون بضمِّها، وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾؛ أي: مستويةٍ يَسْتَقِرُّ عليها ساكنوها، والمعنى: ذاتِ موضعٍ قَرارٍ ﴿وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ يعني: الماءَ الجاريَ الظاهرَ الذي تراه العيون. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ يعني محمدًا ﷺ وحده، على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبةَ الجمع (٢)، ويتضمن هذا أن الرسل جميعًا كذا أُمِرُوا (٣)، وقوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: من الحلال الطيب ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؛ أي: كما أمَرَكم اللَّه به، أطيعوه في أمرِه ونَهْيه ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ لايَخْفَى عَلَيَّ شيءٌ من أعمالكم. قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: مِلَّتُكُمْ مِلّةً واحدةً، وهي دِينُ الإسلام، قَرأَ أهل الكوفة: ﴿وَإِنَّ﴾ بكسر الألف: على الابتداء، وقَرأَ ابنُ عامر بفتح الألف وتخفيف النون، جعل ﴿أنْ﴾ صلة، مجازه: وهذه أمتكم (٤)، وقرأ

стр. 281

الباقون بفتح الألف وتشديد النون (١) على معنى: وبأنَّ هذه أمتكم، ويجوز أن يكون نصبًا بإضمار فعل؛ أي: واعلموا أن هذه أمتكم أمة واحدة (٢). قال الواحدي (٣): ﴿إِنَّ﴾ في قراءة مَن فَتَح الألفَ: محمولةٌ على الجارِّ في قول الخليل وسيبوَيْه (٤)، التقديرُ: ولأنّ هذه أمّتُكم أمةً واحدةً، ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾، ومَن قَرأَ بالتخفيف، فـ ﴿أَنْ﴾ هي: المخفَّفة من المشدَّدة كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)، ومَن كسر مع التشديد فهو على الاستئناف (٦). ونَصْب ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الحال والقطع، ويجوزُ الرَّفعُ (٧) من ثلاثة

стр. 282

أوجه: على إضمارِ مبتدأٍ، وعلى البدَل، وعلى خبرٍ بعدَ خبر. قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ قَرأَ العامّةُ بضمِّ الباء، يعني: كُتُبًا، جمع زَبُورٍ، يعني: أنّ كلَّ فريق منهم دانَ بكتاب غيرِ الكتاب الذي دانَ به الآخرُ، وقيل: معناه: فتفرَّقوا دِينَهُمْ بينَهم كُتبا أحدثوها يحتجُّون بها لمذاهبهم، وهو قولُ مجاهدٍ وقَتادة وابنِ زيد. وقَرأَ بعض أهل الشام بفتح الباء (١)؛ أي: قِطَعًا كقِطَعِ الحديد، قال اللَّه تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ (٢) واحدتُها: زُبْرةٌ (٣)، وقال المبرّد (٤): يعني: فِرَقًا وقِطَعًا مختلفةً، واحدتها: زَبُورٌ، وهي الفِرقة والطائفة، ومثلُه: الزُّبْرةُ وجمعها: زُبَرٌ. وهو نصبٌ على الحال، وقيل: على التفسير، والمعنى: مِثْلَ زُبُرٍ (٥)، و ﴿أَمَرَهُمْ﴾: نصبٌ على المفعول، وقيل: بنَزْع حرفِ الصِّفة تقديرُه: في أمرِهم. قال الكلبي: يعني بالآية مشركي العرب واليهودَ والنصارى تفَرَّقوا أحزابًا،

стр. 283

﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: عندَهم ﴿فَرِحُونَ (٥٣)﴾؛ أي: راضون يرَوْنَ أنهم على الحق. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الذين هم من خَشْية ربِّهم مُشفِقون، وما بعدها من الآيات ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: يبادرون في الأعمال الصالحة ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ يعني: وهم إليها سابقون، قاله الفَرّاءُ (١) والزَّجّاج (٢) كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٣) و ﴿لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤) ونحوهما. قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: القرآن ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾ تتأخَّرون عن الإيمان ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ الكنايةُ تعود إلى البيتِ أو الحَرَمِ أو البلدِ مكةَ في قول الجميع، وهو كنايةٌ عن غيرِ مذكور، والمعنى: مستكبِرينَ بالبيتِ والحَرَمِ؛ لأَمْنِهِمْ فيه معَ خوفِ سائرِ الناس في مواطنِهم، يقولون: نحن أهلُ الحرم فلا نخاف. وقوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ يجوز أن يكونَ من الهِجْرانِ، والمعنى: تَهْجُرُونَ القرآنَ وترفضونه ولا تلتفتون إليه ولا تنقادون له، ويجوزُ أن يكونَ من الهُجْرِ، وهو: القولُ القبيح (٥)، يقال: هَجَرَ يَهْجُرُ هُجْرًا (٦): إذا قال غيرَ

стр. 284

الحق، والمعنى: أنهم كانوا يَسْمُرُونَ في مجالسهم حولَ البيت. والسّامِرُ: هو الذي يَسْمُرُ بالليل، وجَمْعُه: سُمّارٌ وسُمَّرٌ، ووَحَّدَ ﴿سَمِرًا﴾ وهو بمعنى السُّمّارِ لأنَّهُ وقع موقعَ الوقت، أراد به: تَهْجُرُونَ لَيْلًا (١)، وقيل (٢): وَحَّدَه ومعناه: الجَمْع، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٣) ونحوه، ويقال (٤): قَوْمٌ سامِرٌ ورَجُلٌ سامِرٌ مثل: قَوْمٌ زَوْرٌ، ونصب ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ و ﴿سَمِرًا﴾: على الحال. وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عباس ومجاهدٌ بضمِّ التاء وكسر الجيم (٥)؛ أي: تُفْحِشُونَ وتقولون الخَنا، يقال: أَهْجَرَ الرَّجُلُ في كلامه؛ أي: أَفْحَشَ، قيل: إنّ كفّارَ مكةَ كانوا يسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ والقرآنَ والإيمان. ويقال أيضًا في هذا المعنى: أَهْجَر إهجارًا: إذا أفحَش في مَنْطِقِهِ، يقال: قد أَهْجَر الرجل في مَنْطِقِهِ، قال الكُمَيت (٦):

стр. 285

٣٠ - وَلا أَشْهَدُ الهُجْرَ والقائِلِيهِ... إِذا هُمْ بِهَيْنَمةٍ هَيْنَمُوا (١) وقرأ الباقونَ بفتح التاء وضمِّ الجيم؛ أي: تقولون ما لا تعلمون، من قولهم: هَجَرَ الرَّجُلُ في منامه: إذا هَذَى (٢)، قال الشاعر: ٣١ - أُحِبُّ الفَتَى يَنْفِي الفَواحِشَ سَمْعُهُ... كَأَنَّ بِهِ مِنْ كُلُّ فاحِشةٍ وَقْرا سَلِيمَ دَواعِي الصَّدْرِ لا باسِطًا أَذًى... وَلا مانِعًا خَيْرًا وَلا قائِلًا هُجْرا (٣) فالهُجْرُ -بالضم-: الهَذَيان، والهَجْرُ -بالفتح-: التَّرْكُ والإعراض (٤)،
следующие страницы →