← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الباقون بفتح الألف وتشديد النون (١) على معنى: وبأنَّ هذه أمتكم، ويجوز أن يكون نصبًا بإضمار فعل؛ أي: واعلموا أن هذه أمتكم أمة واحدة (٢). قال الواحدي (٣): ﴿إِنَّ﴾ في قراءة مَن فَتَح الألفَ: محمولةٌ على الجارِّ في قول الخليل وسيبوَيْه (٤)، التقديرُ: ولأنّ هذه أمّتُكم أمةً واحدةً، ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾، ومَن قَرأَ بالتخفيف، فـ ﴿أَنْ﴾ هي: المخفَّفة من المشدَّدة كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)، ومَن كسر مع التشديد فهو على الاستئناف (٦). ونَصْب ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الحال والقطع، ويجوزُ الرَّفعُ (٧) من ثلاثة

стр. 282

أوجه: على إضمارِ مبتدأٍ، وعلى البدَل، وعلى خبرٍ بعدَ خبر. قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ قَرأَ العامّةُ بضمِّ الباء، يعني: كُتُبًا، جمع زَبُورٍ، يعني: أنّ كلَّ فريق منهم دانَ بكتاب غيرِ الكتاب الذي دانَ به الآخرُ، وقيل: معناه: فتفرَّقوا دِينَهُمْ بينَهم كُتبا أحدثوها يحتجُّون بها لمذاهبهم، وهو قولُ مجاهدٍ وقَتادة وابنِ زيد. وقَرأَ بعض أهل الشام بفتح الباء (١)؛ أي: قِطَعًا كقِطَعِ الحديد، قال اللَّه تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ (٢) واحدتُها: زُبْرةٌ (٣)، وقال المبرّد (٤): يعني: فِرَقًا وقِطَعًا مختلفةً، واحدتها: زَبُورٌ، وهي الفِرقة والطائفة، ومثلُه: الزُّبْرةُ وجمعها: زُبَرٌ. وهو نصبٌ على الحال، وقيل: على التفسير، والمعنى: مِثْلَ زُبُرٍ (٥)، و ﴿أَمَرَهُمْ﴾: نصبٌ على المفعول، وقيل: بنَزْع حرفِ الصِّفة تقديرُه: في أمرِهم. قال الكلبي: يعني بالآية مشركي العرب واليهودَ والنصارى تفَرَّقوا أحزابًا،

стр. 283

﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: عندَهم ﴿فَرِحُونَ (٥٣)﴾؛ أي: راضون يرَوْنَ أنهم على الحق. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الذين هم من خَشْية ربِّهم مُشفِقون، وما بعدها من الآيات ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: يبادرون في الأعمال الصالحة ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ يعني: وهم إليها سابقون، قاله الفَرّاءُ (١) والزَّجّاج (٢) كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٣) و ﴿لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤) ونحوهما. قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: القرآن ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾ تتأخَّرون عن الإيمان ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ الكنايةُ تعود إلى البيتِ أو الحَرَمِ أو البلدِ مكةَ في قول الجميع، وهو كنايةٌ عن غيرِ مذكور، والمعنى: مستكبِرينَ بالبيتِ والحَرَمِ؛ لأَمْنِهِمْ فيه معَ خوفِ سائرِ الناس في مواطنِهم، يقولون: نحن أهلُ الحرم فلا نخاف. وقوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ يجوز أن يكونَ من الهِجْرانِ، والمعنى: تَهْجُرُونَ القرآنَ وترفضونه ولا تلتفتون إليه ولا تنقادون له، ويجوزُ أن يكونَ من الهُجْرِ، وهو: القولُ القبيح (٥)، يقال: هَجَرَ يَهْجُرُ هُجْرًا (٦): إذا قال غيرَ

стр. 284

الحق، والمعنى: أنهم كانوا يَسْمُرُونَ في مجالسهم حولَ البيت. والسّامِرُ: هو الذي يَسْمُرُ بالليل، وجَمْعُه: سُمّارٌ وسُمَّرٌ، ووَحَّدَ ﴿سَمِرًا﴾ وهو بمعنى السُّمّارِ لأنَّهُ وقع موقعَ الوقت، أراد به: تَهْجُرُونَ لَيْلًا (١)، وقيل (٢): وَحَّدَه ومعناه: الجَمْع، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٣) ونحوه، ويقال (٤): قَوْمٌ سامِرٌ ورَجُلٌ سامِرٌ مثل: قَوْمٌ زَوْرٌ، ونصب ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ و ﴿سَمِرًا﴾: على الحال. وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عباس ومجاهدٌ بضمِّ التاء وكسر الجيم (٥)؛ أي: تُفْحِشُونَ وتقولون الخَنا، يقال: أَهْجَرَ الرَّجُلُ في كلامه؛ أي: أَفْحَشَ، قيل: إنّ كفّارَ مكةَ كانوا يسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ والقرآنَ والإيمان. ويقال أيضًا في هذا المعنى: أَهْجَر إهجارًا: إذا أفحَش في مَنْطِقِهِ، يقال: قد أَهْجَر الرجل في مَنْطِقِهِ، قال الكُمَيت (٦):

стр. 285

٣٠ - وَلا أَشْهَدُ الهُجْرَ والقائِلِيهِ... إِذا هُمْ بِهَيْنَمةٍ هَيْنَمُوا (١) وقرأ الباقونَ بفتح التاء وضمِّ الجيم؛ أي: تقولون ما لا تعلمون، من قولهم: هَجَرَ الرَّجُلُ في منامه: إذا هَذَى (٢)، قال الشاعر: ٣١ - أُحِبُّ الفَتَى يَنْفِي الفَواحِشَ سَمْعُهُ... كَأَنَّ بِهِ مِنْ كُلُّ فاحِشةٍ وَقْرا سَلِيمَ دَواعِي الصَّدْرِ لا باسِطًا أَذًى... وَلا مانِعًا خَيْرًا وَلا قائِلًا هُجْرا (٣) فالهُجْرُ -بالضم-: الهَذَيان، والهَجْرُ -بالفتح-: التَّرْكُ والإعراض (٤)،

стр. 286

و ﴿تُهَجِّرُونَ﴾ بالتشديد: تُعْرِضُونَ إعراضًا بعد إعراض، و ﴿تُهْجِرُونَ﴾ بالتخفيف من الهُجْرِ، وهو الإفحاش في المنطق. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾؛ أي: أجرًا وجُعْلًا علي ما جئتَهم به من الإيمان والقرآن ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: ما يعطيك اللَّهُ من أجر وثواب، ورِزْقُهُ خيرٌ لك ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾ أفضلُ مَنْ أَعْطَى، قَرأَ ابنُ عامر: ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ بغير ألفٍ فيهما، وقَرأَ حمزةُ والكسائي: ﴿خَراجًا﴾ بألفٍ فيهما، وقَرأ الباقون: ﴿خَرْجًا﴾ بغير ألفٍ ﴿فَخَرَاجُ﴾ بالألف (١). وأصلُ الخَرْجِ والخَراجِ: الغَلّةُ والضّريبةُ والإِتاوةُ، كخَراجِ العبد والأرض، قال النَّضر بن شُمَيْلٍ (٢): سألتُ أبا عَمْرِو بن العلاء عن الفَرْق بين الخَراجِ والخَرْجِ، فقال: الخَراجُ: ما لَزِمَكَ ووَجَبَ عليك أداؤُهُ، والخَرْجُ:

стр. 287

ما تَبَرَّعْتَ به من غير وجوب (١)، وقال البِيْوَرْدِيُّ (٢): الخَرْجُ: على الرُّؤُوسِ، والخَراجُ: على الأَرَضِينَ. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ﴾؛ أي: قلْ يا محمدُ لأهل مكة: ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ من الخَلْقِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)﴾ خالقَها ومالكَها ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ أي: يُقِرُّونَ بأنها مخلوقةٌ له ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ أن مَنْ قَدَرَ على خلق الأرض ومن فيها قادرٌ على إحياء الموتى. وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لا خلافَ في الأول أنه ﴿للَّهِ﴾؛ لأنَّهُ مكتوبٌ في جميع المصاحف بغير ألف، وهو جوابٌ مطابقٌ للسؤال في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، واختلفوا فيما بعده في الموضعَيْن، فقرأهما العامّة: ﴿لِلَّهِ﴾، وجعلوا الجوابَ على المعنى دون اللفظ، كقول القائل للرجل: مَن مَولاك؟ فيقول: لفلانٍ؛ أي: أنا لفلان، وهو مَوْلَايَ (٣)، وَأُنْشِدَ في المعنى: ٣٢ - وَأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا... إِذا سارَ النَّواعِجُ لا يَسِيرُ فَقالَ السّائِلُونَ: لِمَنْ حَفَرْتُمْ؟ ... فَقالَ المُخْبِرُونَ لَهُمْ: وَزِيرُ (٤)

стр. 288

فأجاب عن المخفوض بالمرفوع لأنّ معنى الكلام: فقال السائلون: مَنِ الميتُ؟ فقال المخبِرون: الميِّتُ وزيرٌ، فأجاب عن المعنى، وقال آخَر: ٣٣ - إِذا قِيلَ: مَنْ رَبُّ المَزالِفِ والقُرَى... وَرَبُّ الجِيادِ الجُرْدِ؟ قِيلَ: لِخالِدِ (١) وقال الأخفَش (٢): اللامُ زائدةٌ، يعني: اللَّهُ. وقرأ أهلُ البصرة كلَيْهما: ﴿اللَّهُ﴾ بالألف (٣)، وهو ظاهرٌ لا يحتاج إلى التأويل، فيُرْفَعُ على أنه خبرُ ابتداءٍ محذوف تقديره: سيقولون: هو اللَّهُ، وهو في مصاحفِ أهل الأمصار كلِّها: ﴿للَّهِ. . . للَّهِ﴾ إلّا في مصحفِ أهل البصرة، فإنه: ﴿اللَّهُ. . . اللَّهُ﴾ فجَرَى كُلٌّ على مصحفه.

стр. 289

قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ (٩٢)﴾ قَرأَ ابنُ كثير وابن عامر وأبو عَمْرو وحفصٌ: ﴿عَالِمِ﴾ بالجرِّ على نعت ﴿اللَّهِ﴾ في قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقَرأَ غيرهم بالرَّفع (١): على الابتداء، أو على خبرِ ابتداء، وإذا وَصَلَ خَفَضَ (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ﴾؛ أي: يا رَبِّ ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾ يعني: من العذاب والنِّقمة، أراد: القتلَ ببدر ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ﴾؛ أي: معَ القوم ﴿الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾؛ أي: فلا تُهلِكْني بهلاكِهم، والفاءُ في قوله: ﴿فَلَا﴾ جواب لـ ﴿إِمَّا﴾؛ لأنه شرطٌ وجزاء (٣). قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ يعني: الكافر؛ أي: ارْدُدْنِي إلى الدنيا، ولم يقل: ارْجِعْنِي وهو خِطابُ الواحدِ، قيل (٤): ذلك/ على التعظيم؛ لأنّ اللَّه تعالى يخبرُ عن نفسِه بما يُخْبَر به عن الجماعة،

стр. 290

كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ (١) وأمثالِه، فخُوطِبَ على هذا كما ابْتُدِئَ بلفظِ التعظيم. وقال بعضُهم (٢): هذه المسألة إنّما كانت منه للملائكة الذين يقبِضون روحَه، وإنما ابتدأ الكلامَ بخطاب اللَّه ﵇ لأنه استغاث أولًا باللَّه تعالى، ثم رَجَع إلى مسألة الملائكة وطَلَب الرجوعَ إلى الدنيا. قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾؛ أي: تَسْفَعُ، ويقال: تَنْفَحُ بمعناه، إلا أنَّ ﴿تَلْفَحُ﴾ أبلغ بأسًا (٣)، ومعنى ﴿تَلْفَحُ﴾؛ أي: يصيبهم حَرُّها، واللَّفْحُ: الإحراق، يقال: لَفَحَتْهُ النارُ والسَّمُومُ: إذا أحرقتْهُ (٤)، واللَّفْحُ أيضًا: الحرارة، والنَّفْحُ في الريح: الباردُ (٥). وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾؛ أي: عابسون، وهو ابتداء وخبر، ويجوز النَّصبُ في غير القرآنِ على الحال، والكُلُوحُ: بُدُوُّ الأسنان عند العُبُوسِ، وقال الزَّجّاج (٦): الكالحُ في كلام العرب: الذي قد تَشَمَّرَتْ شَفَتاهُ وبَدَتْ أسنانُهُ كما

стр. 291

تُرَى رُؤُوسُ الغَنَمِ. وثَناياهُ خارجةٌ مِنْ فِيهِ، بين شفتَيْه أربعونَ (١) ذراعًا بذراع الرجل الطويل من الخَلْقِ الأول، كلُّ نابٍ له مثلُ جَبَلِ أُحُدٍ، وقد جاء في الحديث، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ بمعنى هذا، قال: "تَحْرِقُ أَحَدَهُمُ النّارُ، فتتقلَّص شفَتُه العليا، حتى تبلغَ وسَطَ رأسه، وتسترخيَ شفَتُه السُّفلى حتى تبلغَ سُرّتَه" (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي (١٠٩)﴾ قال ابن عباس: يريد المهاجرين، والهاءُ في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾: عمادٌ، وتُسمَّى المجهولةَ أيضًا (٣)، قال مجاهدٌ: هم: بلالٌ وخَبّابٌ وصُهَيْبٌ وعَمّارٌ وغيرهم من ضعفاءِ المسلمين، كان أبو جَهْل وأصحابه يَهْزَءُونَ بهم، فنزل قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا (١١٠)﴾. قرأ أهلُ المدينة والكوفة إلّا عاصمًا بضمِّ السِّين، هاهنا وفي سورة ﴿ص﴾ (٤)، وقرأ الباقونَ بكسرها (٥)، قال الخليل وسيبوَيْه (٦): هما لغتانِ، مثل

стр. 292

قول العرب: بحرٌ لُجِّيٌّ ولجِّيٌّ، ودُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ، وكُرْسِيٌّ وكِرْسِيٌّ. وقال الفَرّاء (١) والكسائي (٢): الكسرُ بمعنى: الاستهزاء بالقول، والضمُّ بمعنى: التسخير والاستعباد بالفعل. ولم يختلفوا في سورة الزُّخرف (٣) أنه بالضمِّ؛ لأنه بمعنى: التسخير والاستعباد، [إلّا ما رُوي عن ابن مُحيصِن، أنه كَسَرَهُ] (٤) قياسًا على سائره، وهو غير قَوِيٍّ، وعلى القراءتَيْنِ جميعًا هو مصدرٌ وُصِفَ به، ولذلك أفرد. قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ على استهزائكم وأذاكم في الدُّنيا، والجزاء: مقابلة العمل بما يستحقُّ به عليه من ثواب أو عقاب، وقوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾؛ أي: الناجون، وهو في موضع المفعول الثاني لـ "جَزَيْتُ"، والمعنى: جزَيتُهم اليومَ بِصَبْرِهِم الفوزَ. قَرأَ حمزةُ والكسائيُّ والأعمش (٥): ﴿إِنَّهُمْ﴾ بكسر الألف: على

стр. 293

الاستئناف، وقرأ الباقون بفتحه على معنى "لأَنَّهُمْ"، ويحتمل أن يكون نصبًا بوقوع الجزاء عليه كما ذكرنا أولًا، مجازه: إني جزيتهم اليوم الفوزَ بالجنة (١). قولُه تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾ بفتح النون على أنه جَمْعٌ مُسَلَّمٌ، ومن العرب من يخفضها وينوِّنها (٢)، وقَرأَ ابن كثيرٍ وحمزةُ والكسائيُّ (٣): ﴿قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ على الأمر، وأظهر التاءَ: نافعٌ وابنُ كثير وعاصمٌ، وأدغَمَها الباقون (٤)، وقرأ الأعمش (٥): ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾، ونَصْبُ ﴿عَدَدَ﴾: على البيان في القراءتَيْن جميعًا (٦)، و ﴿كَمْ﴾: في موضع نصبٍ بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾. وقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أنساهم اللَّهُ قَدْرَ لُبْثِهِمْ، فيرَوْنَ أنهم لم

стр. 294

يلبثوا إلّا يومًا أو بعضَ يوم لِعِظَمِ ما هم بصَدَدِهِ من العذاب، وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ يعني: الملائكة، ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: نعتٌ لمصدرٍ محذوف معناه: إلّا لُبْثًا قليلًا (١) ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ قَدْرَ لُبْثِكُمْ في الدنيا؛ لأن مُكْثَهُمْ في القبور -وإن طال- فهو مُتَناهٍ قليلٌ عند طول مُكْثهِمْ في عذاب جهنَّم؛ لأنه خلودٌ لا نهاية له. قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾؛ أي: لعبًا وباطلًا، لا لِحِكْمةٍ، والعبث في اللغة: اللعب والعمل لا لغرضٍ، يقال: عَبَثَ يَعْبَثُ عَبَثًا فهو عابثٌ: لاعبٌ بما لا يعنيه (٢)، وهو منصوبٌ على الحال عند سيبوَيْه (٣) وقُطرُب (٤)، مَجازُهُ: عابِثِينَ، وقال أبو عُبيد (٥): على المصدر (٦)، وبعضٌ نُحاة الكوفة نَصَبَهُ على الظرف، أي: بالعبَث (٧)، وبعض نُحاة البصرة نَصبَه على المفعول له؛ أي: للعبث (٨).

стр. 295

والمعنى: أفحسِبتُم أنكم خُلِقْتُمْ للعبث فتعبَثوا ولا تعمَلوا بطاعةِ اللَّه؟ ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ في الآخِرة للجزاءِ والحساب. وقَرأَ حمزة والكسائي (١): ﴿تَرْجِعُونَ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم. رُوِيَ عن عبد اللَّه بن مسعود، أنه مَرَّ بِمُصاب مُبْتَلًى، فقَرأَ في أذُنه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ حتى خَتَمَ السورةَ فَبَرِئَ، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "ماذا قرأتَ في أذُنه؟ " فأخبره، فقال: "والذي بعثني نبيًّا، لو أن رجلًا مؤمنًا قرأها على جَبَلٍ لَزالَ" (٢). فصلٌ في ذِكْرِ وجوهِ الحكمةِ في خَلْقِ اللَّهِ تعالى الخَلْقَ على الاختصار قال المحقِّقون (٣): خَلَق اللَّه تعالى الخلْقَ ليدلَّ على وجوده وكمال علمِه وقدرته، إذ لو لم يَخلُق الخلقَ لم يكن لوجودهم معنًى. وسُئِلَ جَعْفَرُ بنُ محمدٍ الصادقُ (٤) ﵁: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ تعالى

стр. 296

الخَلْقَ؟ قال: لأن اللَّه كان محسنًا بما لم يزَلْ فيما لم يَزَلْ على ما لم يَزَلْ، فأراد أن يفوِّض إحسانَه إلى خلقه، وكان غنيًّا عنهم، لم يخلُقْهم لِجَرِّ منفعة، ولا لدفع مَضَرّةٍ، ولكنْ خَلَقَهُمْ وأَحْسَنَ إليهم، وأرسل إليهم الرُّسُلَ حتى يفصِلوا بين الحقِّ والباطل، فمن أطاعه كافأه بالجنة، ومن عصاه كافأه بالنار (١). وقال محمد بن عَلِيٍّ الترمذيُّ (٢): إنّ اللَّهَ تعالى خَلَق الخلق عبيدًا ليعبدوه، فيُثِيبَهُمْ على العبادة، ويُعاقِبَهُم على تَرْكها، فإن عبدوه فهم اليومَ عبيدٌ أحرارٌ كرام، وغدًا أحرارٌ وملوكٌ في دار السلام، وإن رفَضوا العبادة فهم اليومَ عبيدٌ أُبّاقٌ سِفْلةٌ لئامٌ، وغدًا أعداءٌ في السجون بين أطباقِ النيران. وقيل (٣): خَلَق اللَّه الملائكةَ للقُدرة، وخَلَق الأنبياءَ للعبرة، وخَلَق آدمَ للمحنة. وقيل: خَلَقهم لإظهار القدرة، ثم رَزَقهم لإظهار الكرم، ثم يميتهم لإظهار القهر والجَبَروت، ثم يُحييهم لإظهار العدل والفضل، والثواب

стр. 297

والعقاب، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. . .﴾ الآية (١). وقال الأَوْزاعي (٢): بَلَغَنِي أنّ في السماء مَلَكًا ينادي كلَّ يوم: ألا ليت الخَلْقَ لم يُخْلَقُوا، وليتَهم إذْ خُلِقُوا عَلِمُوا لماذا خُلِقُوا، وجلسوا فتذاكروا ماذا عملوا. وكان أبو عبد الرحمن الزاهد (٣) يقولُ في مناجاته: إلهي، غيَّبْتَ عَنِّي أَجَلِي، وأحصيتَ عَلَيَّ عملي، ولا أدري إلى أيِّ الدارينِ يُصَيِّرُنِي القَدَرُ إنْ أوقفتَنِي موقفَ المحزونين أبدًا ما أبقيتَنِي. وقال أبو القاسم الحكيم (٤): إنّ اللَّهَ تعالى خَلَق ابنَ آدم بين الهوى

стр. 298

والبَلْوى، فما دام الرَّوح في جسده لا يخلو من البَلْوى، فإذا فارقَت الرُّوح جسدَه صار إلى البِلَى، فأين له السرورُ وهو بين البِلَى والبَلْوَى؟ ومنهم من قال: خَلَقَ اللَّهُ تعالى الخَلْقَ كُلَّهُمْ لأَجْل محمدٍ ﷺ ، يدلُّ عليه ما رُوِيَ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أَوْحَى اللَّهُ إلى عيسى ﵇: "يا عيسى، آمِنْ بمحمدٍ، وأْمُرْ أُمَّتَكَ أن يؤمنوا به، فلولا محمدٌ ما خلقتُ آدمَ، ولولا محمدٌ ما خلقتُ الجنةَ والنار، ولقد خلقتُ العرشَ فاضطرب، فكتبتُ عليه: لا إلَه إلّا اللَّه محمدٌ رسولُ اللَّه، فسَكَنَ" (١)، واللَّه أعلم. ثم أمر اللَّه رسوله ﷺ أن يستغفرَ للمؤمنين، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾؛ أي: وأنت أفضلُ رَحْمةً من الذين يَرْحَمُونَ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 299

سورةُ النُّور مدَنيّة وهي خمسةُ آلافٍ وستُّمائةٍ وثمانونَ حرفًا، وألفٌ وثلاثُمائةٍ وستَّ عشْرةَ كلمةً، وأربعٌ وستونَ آيةً. بابُ ما جاء في فضل قراءتها عن أُبيِّ بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "من قرأ سُورةَ النُّور أُعْطِيَ في الآخرة عَشْرَ حَسَناتٍ بعددِ كلِّ مؤمنٍ فيما مضى وفيما بقي" (١). وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تُنْزِلُوا النساءَ الغُرَفَ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ الكتابةَ، وعَلِّمُوهُنَّ المِغْزَلَ وسورةَ النور" (٢). ورُويَ عنه ﷺ أنه قال: "مَن قَرأَ سُورةَ النُّور نُوِّرَ بفضل نورِه أَلْفُ رَجُلٍ من أهل رَحِمِهِ، فإن نَقَصوا تُمِّمُوا من جيرانِه ومعارفه" (٣).

стр. 300

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ قَرأَه العامّةُ بالرَّفع، بمعنى: هذه سورةٌ؛ لأنّ العربَ لا تبتدئ بالنَّكرة، هذا قولُ الخليل (١) والزَّجّاج (٢)، و ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: صفةٌ لها، وقال الأخفش (٣): ﴿سُورَةٌ﴾ ابتداءٌ، وخبَرُه في ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾، وقَرأَ طلحةُ ابن مصرِّف (٤) والحَسن وعيسى بن عُمر (٥): ﴿سُورَةٌ﴾ بالنَّصبِ (٦) على معنى: أَنْزَلْناها سُورةً، والكنايةُ صلةٌ زائدة (٧)،. . . . . .

стр. 301

وقيل (١): على الإغراء؛ أي: اتَّبِعوا سورةً أنزلناها. والسُّورة مشتقّةٌ من السُّورِ الذي يُحِيطُ بالبَلَدِ؛ لأنها تحيطُ بآياتٍ من القرآن (٢)، وقيل (٣): هي مشتقّةٌ من السُّؤْرِ، وهو البَقِيّةُ، وقيل (٤): من الشَّرف والفخر، قال النابغة: ٣٤ - ألمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطاكَ سُوْرةً... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ (٥)

стр. 302

يريد: شرفًا وفخرًا ومَنْزِلةً، والجمع: سُوَرٌ بفتح الواو، ويجوزُ أن تُجمَع على سُوراتٍ. قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾؛ أي: أوجَبْنا فيها الأحكامَ، وقَرأَ الحسنُ ومجاهدٌ وابنُ كثير وأبو عَمْرو (١): ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ بالتشديد؛ أي: فَصَّلْناها وبَيَّنّاها، وقيل: هو من الفَرْض، والتشديد على التكثير؛ أي: جعلناها فرائضَ مختلفةً، وأوجبناها عليكم وعلى مَنْ بَعْدَكُمْ إلى قيام الساعة، وتصديقُ التخفيف قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)؛ أي: أنزله، وأرادوا أحكام القرآن وفرائض القرآن. قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ من الأمر بالحلال والنَّهي عن الحرام ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾؛ أي: لكي تتَّعِظوا وتعمَلوا بما أمركم اللَّه به، وتنتهوا عما نهاكم اللَّه عنه. وما بعدَه ظاهرُ الإعراب، إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾؛ أي: بالزِّنا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون على صحة ما قالوا ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، رفْعُ ﴿شُهَدَاءُ﴾ على معنى اسم ﴿يَكُنْ﴾، ورَفْعُ ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ على التحقيق؛ لأنهم هم الشهداءُ، ومثله: لا رَجُلَ إلا زيدٌ، فما كان جحدًا لم يكن بعد "إلّا" إلّا مرفوعًا، مثلَ: لا إله إلّا اللَّه وما أشبَه ذلك، هكذا قاله الخليل (٣).

стр. 303

وقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ (٦)﴾ قَرأَ أهل الكوفة إلّا أبا بكر: ﴿أَرْبَعُ﴾ بالرَّفع على خبرِ الابتداء، المعنى: فشهادةُ أحدهم التي تَدْرَأُ حَدَّ القاذف أربعُ شهاداتٍ باللَّه (١)، وقَرأَ الباقون بالنَّصب (٢) على معنى: أن يشهَد أربعَ شهادات. قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ (٧)﴾ قَرأَ نافعٌ (٣): ﴿أَنْ﴾ مخفَّفةً ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بالرَّفع، قال سيبوَيْه (٤): لا تُخفِّف "أَنَّ" في الكلام وبعدها الأسماءُ إلّا وأنت تريد الثقيلةَ، وقال الأخفش (٥): لا أعلمُ الثقيلةَ إلا أجودَ في العربية؛

стр. 304

لأنك إذا خَفَّفْتَ والأصلُ التثقيلُ، فتُخَفِّفُ وتضمرُ الشأنَ، بأن تجيءَ بالأصل ولا تحذفَ شيئًا ولا تُضْمِرَ، أجودُ. وقرأ الباقونَ بتشديد "أَنَّ" ونصبِ اللعنة. قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قَرأه العامّةُ بالرَّفع على الابتداء، وخبَرُه في "أَنَّ"، وكذلك حُكمُ الآية التي قبلَها حُكمُها، فتَرفَعُ "الْخامِسةُ" بـ "أَنَّ"، و"أَنَّ" بالخامسة، وقَرأَ حفصٌ وطلحةُ وأبو عبد الرحمن السُّلمي (١) بالنَّصب (٢)، على معنى: وتَشْهَدُ الشهادةَ الخامسةَ، ولا خلافَ في التي قبلَها (٣)، وقرأ نافعٌ (٤): ﴿أَنْ﴾ بالتخفيف ﴿غَضِبَ اللَّهُ﴾ مثل: سَمِعَ اللَّهُ، على الفعل، وقرأ الباقونَ بتشديد "أَنَّ" ونَصْب الغضب على الاسم. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾؛ أي: سَتْرُه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ وجواب "لَوْلا" محذوفٌ، يعني: لَعاجَلَكُمْ بالعقوبة وفَضَحَكُم، ولكنه سَتَرَ عليكم ورَفَعَ عنكم الحَدَّ باللِّعانِ حِكْمةً منه ورَحْمةً، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ يعود على من رَجَع عن معاصي اللَّه إلى ما يحب بالرحمة ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما فَرَضَ من الحدود.

стр. 305

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ يعني: بالكذب على عائشةَ ﵂. والإفك: أسوأُ الكذب وأقبَحُه، وهو مأخوذٌ من: أَفَكَ الشيءَ: إذا قَلَبَهُ عن وجهه، والإفكُ: هو الحديثُ المقلوبُ عن وجهه. وقوله: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: جماعةٌ منكم، وهو خبر "إِنَّ"، ويجوز النصبُ على الحال (١)، ويكون الخبر: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ قال الفراء (٢): العُصْبةُ: الجماعة من الواحد إلى الأربعين. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ يعني: الإفْك، أي: والذي تَحَمَّلَ مُعْظَمَهُ فبدأَ بالخَوْض فيه منهم ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾. قَرأَ العامة ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف، وقرأ حُميدٌ الأعرج (٣) ويعقوبُ بضمِّ الكاف (٤)، قال أبو عَمْرو ابن العلاء (٥): هو خَطَأٌ؛ لأنّ الكُبْر بالضم في الوَلَاءِ والسِّنِّ، ومنه الحديث:

стр. 306

"الولاءُ للكُبْر" (١) وهو أَقْعَدُ وَلَدِ الرَّجُلِ من الذكور وأقربُهم إليه نسبًا، وقال الكسائي (٢): هما لغتان مثلَ: صِفْر وصُفْر. والكِبْر بالكسر: المأثم، وبضمِّ الكاف: المُعْظَمُ، وقيل (٣): الضمُّ في النَّسَب، والكسرُ في النَّفْسِ، ويقال (٤): كِبْرٌ -بالكسر-: مصدرُ الكبير من الأشياء والأمور، وكُبْرٌ -بالضم-: مصدر الكبير من السن. والذي تولى كِبْرَهُ قيل: هو عبدُ اللَّه بن أُبَيِّ بن سَلُولٍ وأصحابه وحَسّانُ ابن ثابت ومِسْطَحُ بن أُثاثة (٥) وحَمْنةُ بنتُ جحش (٦)، فهم الذين تولَّوا كِبرَه، ثم فشا ذلك في الناس حتى نزلت البراءةُ والوحي في شأن عائشة ﵂ وصفوانَ بنِ المُعَطَّلِ (٧).

стр. 307

قال اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١)، وهو من الأَلِيّةِ، والأَلِيّةُ: اليَمِينُ، قال حسان: ٣٦ - آلَيْتُ ما في جَمِيعِ النّاسِ مُجْتَهِدًا... مِنِّي أَلِيّةَ بَرٍّ غَيْرِ إِفْنادِ (٢) وقوله: ﴿أَنْ يُؤْتُوا (٢٢)﴾ معناه: ألّا يُؤْتُوا، فحذف "لا"، نظيره قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٣)؛ أي: ألا تضلوا، وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ (٤) يريد: ألّا تَقَعَ على الأرض (٥)، قال يزيد بن مُفَرِّغٍ (٦):

стр. 308

٣٧ - لاذَعَرْتُ السَّوامَ في وَضَحِ الصُّبْـ... حِ مُغِيرًا ولا دُعِيتُ يَزِيدا يَوْمَ أُعْطِي مَخافةَ المَوْتِ ضَيْمًا... والمَنايا يَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدا (١) يريد: ألّا أَحِيدا. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أراد: أن الجوارحَ تتكلَّم وتنطق بما عَمِلت في الدنيا، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يريد: يوم القيامة ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾؛ أي: جزاءَهم وحسابهم الحق، يعني: الواجب. قَرأَه العامّةُ بنصبِ القاف، وقرأ مجاهدٌ: ﴿الْحَقَّ﴾ بالرَّفع: على نعت ﴿اللَّهُ﴾، وتصديقه قراءةُ أُبَيٍّ (٢): ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾. قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ. . . الآية﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الطيِّبين والطيبات ﴿مُبَرَّءُونَ﴾؛ أي: مُنَزَّهُونَ ﴿مِمَّا يَقُولُونَ﴾ يعني: مما

стр. 309

يقول الخبيثاتُ والخبيثون، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ في الجنة، يعني عائشةَ ﵂ وصفوانَ، فذَكَرَهُما بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (١)، والمراد: به أخَوانِ (٢). فصلٌ عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: لقد أُعْطِيتُ تسعًا ما أُعْطِيَت امرأةٌ: لقد نَزَلَ جبريلُ ﵇ بصورتي في راحته حين أُمِرَ رسولُ اللَّه ﷺ أن يتزوَّجني، ولقد تزوَّجني بِكرًا وما تَزَوَّجَ بِكْرًا غيري، ولقد تُوُفِّيَ وإنّ رأسَه لَفي حِجْرِي، ولقد قُبِرَ في بيتي ولقد حَفَّتْ الملائكةُ بيتي، وإنْ كان الوحيُ لَيَنْزِلُ عليه في أهلهَ فيتفرَّقون عنه وإنْ كان لَيَنْزِلُ عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنةُ خليفتِه وصِدَّيقِه، ولقد نزل عُذري من السماء، ولقد خُلِقتُ طيِّبةً لعبدٍ طيِّبٍ، ولقد وُعِدْتُ مغفرةً ورزقًا كريمًا (٣). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾: نعت "بُيُوتًا" ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾؛ أي: حتى تستَأْذِنوا، قاله جماعةُ المفسِّرين، قال ابن عباس (٤): أخطأ الكاتبُ في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ إنما هي: حتى تستَأْذِنوا.

стр. 310

وقال أهل المعاني (١): الاستئناس: الاستعلام، يقال: آنَسْتُ منه كذا؛ أي: عَلِمْتُ، والمعنى: حتى تستعلِموا وتنظروا وتتعرَّفوا، ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وهو أن يقول: السلامُ عليكم، أأدْخُلُ؟ ولا يجوز دخولُ الإنسان بيتَ غيرِهِ إلا بالاستئذان لهذه الآية، ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: الاستئذان ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: أفضلُ من أن تدخُلوا بغير إذْنٍ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾؛ أي: لكي تعلَموا أنّ الاستئذانَ خيرٌ لكم فتأُخذوا به. قال عطاءٌ: قلتُ لابن عباس: أَستَأْذِنُ على أُمِّي وأُختي ونحن في بيتٍ واحد؟ قال: أَيَسُركَ أن ترى منهنَّ عورةً؟ قلتُ: لا، قال: فاسْتَأْذِنْ (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (٣٠)﴾؛ أي: يَكُفُّوا، وقيل: ينقصوا من أبصارهم عن النظر إلى ما لا يجوز، يقال: غَضَّ منه: إذا نَقَصَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (٣)؛ أي: انقص منه، قال الشاعر: ٣٨ - فَغُضَّ الطَّزفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ... فلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابا (٤)

стр. 311

و"مِنْ" هاهنا: صلة (١)؛ أي: يَغُضُّوا أَبْصارَهُمْ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وإنّما ظهر التضعيفُ في الثانِي لأنّ لام الفعل من الثانِي ساكنة، ومن الأول متحرِّكة، وهما في موضع جزم على الجواب للأمر (٢). فصلٌ عن عُبادةَ بن الصّامت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اضمَنوا لي ستًّا من أنفسِكم أَضْمَنْ لكم الجنةَ: اصْدُقُوا إذا حَدَّثْتُمْ، وأوفُوا إذا وعدتُم، وَأَدُّوا إذا ائْتُمِنْتُمْ، واحفَظوا فروجَكم، وغضُّوا أبصارَكم، وكُفُّوا أيديَكم، تدخلوا جنةَ ربِّكم" (٣).

стр. 312

وعن عَلِيِّ بن أَبِي طالب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "النَّظرُ إلى محاسنِ المرأة سهمٌ من نِبال الشيطان مسمومٌ، فمن رَدَّ بَصَرَهُ ابتغاءَ ثواب اللَّه أبدَلَهْ اللَّه بذلك ما يَسُرُّهُ" (١). وعن أَبِي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينما رجلٌ يصلِّي إِذْ مَرَّتْ به امرأةٌ، فنظر إليها، فأَتْبَعَها بَصَرَهُ، فذهبت عيناه" (٢). قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ وهم الذين يتْبعونَكم؛ ليصيبوا من فَضْلِ طعامكم، ولا حاجةَ لهم في النِّساء ولا يشتهونَهنَّ، وقيل: هو: الشيخ الهَرِمُ، والعِنِّينُ، والخَصِيُّ، والمَجْبُوبُ، وقيل: هو المخنَّث الذي لا يقوم ذَكَرُهُ (٣). والإِرْبةُ والأَرَبُ: الحاجةُ، يُقالُ: أَرِبْتُ إِلى كَذا آرَبُ أَرَبًا: إِذا احْتَجْتَ إِلَيْهِ، والإِرْبةُ بِالكَسْرِ: الحاجةُ إلى النِّكاح، وفِيهِ لُغاتٌ: إِرْبٌ وِإرْبةٌ ومَأْرُبةٌ (٤)، قال المُطرِّزي: أصلها من الأُرْبة: وهي العُقدة. فكَأَنَّ قلب صاحبها معقودٌ بها. واختلف القُرّاءُ في قوله: ﴿غَيْرِ﴾: فنَصَبه أبو جعفرٍ وابنُ عامر وعاصمٌ

стр. 313

برواية أبي بكر والمفضَّل (١)، وله وجهانِ، أحدُهما: الحال والقطع؛ لأن التابعينَ معرفةٌ و ﴿غَيْرَ﴾ نكرة، والآخَر: أنه استثناءٌ، ويكون ﴿غَيْرَ﴾ بمعنى "إِلّا" (٢)، وقرأ الباقونَ بالخَفْض على نعتِ التابعين. وقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾؛ أي: لم يُكْشَفُوا على عَوْرات النساء فيَطَّلِعُوا عليها، وقيل: معناه: لم يَقْوُوا على الجِماع. والطِّفل يكون واحدًا وجمعًا، وهو موضوعٌ للجنس، ولهذا وَصَفه بلفظ الجمع وعَقَّبَهُ بلفظ الجمع (٣). وسُمِّيت عورةً لأنّ كشفَها يورث العُوارَ. قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾ يعني: النساء ﴿بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ أي: ولا تضرب المرأةُ بِرِجْلِها إذا مَشَتْ ليُسْمَعَ صوتُ خَلْخالِها. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ (٣١)﴾ يعني: عما كنتم تعملون في الجاهلية، والمعنى: راجِعوا طاعتَه فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه. وقوله: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابنُ عامر (٤) بضمِّ الْهاء، ومثله: ﴿يا أَيُّها

стр. 314

السَّاحِرُ﴾ (١) في الزخرف، و ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ (٢) في الرحمن، قال أبو عليٍّ الفارسي (٣): وهذا لا يتَّجه؛ لأن آخرَ الاسم هو الياء الثانية من "أَيُّ"، فينبغي أن يكون المضموم آخرَ الاسم، ولو جاز أن يُضَمَّ الهاءُ -من حيث كان مقترنًا بالكلمة- لَجازَ أن يُضَمَّ الميمُ في "اللَّهُمَّ"؛ لأنه آخر الكلمة، وينبغي ألا يُقرأَ بهذا، ولا يؤخَذَ به. وقرأ الباقون: "أَيُّها" بالألف في الثلاثة، ووقف أبو عَمْرٍو والكِسائيُّ بالألف فيهن، ووقف الباقونَ على الهاء من غير ألف (٤). فصل عن ابن عُمر ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "يا أَيُّها الناس، توبوا إلى ربِّكم، فإنِّي أتوبُ إلى اللَّه في كلِّ يوم مائةَ مَرّةً"، رواه مسلمٌ (٥)

стр. 315

عن أبِي بكر بن أبِي شَيْبة عن غُنْدَرٍ (١) عن شُعبة (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ (٣٢)﴾ هو: جَمْع الأَيِّمِ، وهو: مَن لا زَوْجَ له مِن رَجُلٍ أو امرأةٍ، يقال: رجلٌ أَيِّمٌ وامرأةٌ أَيِّمةٌ (٣)، والفعل منه: آمَتِ المرأةُ تئيمُ أَيْمًا وأيْمة وأُيُومًا، وتأيَّمت تأيُّمًا، ويقال: فلانةٌ أَيِّمٌ: إذا لم يكن لها زوجٌ، بكْرًا كانت أوثَيِّبًا، والجمع: أَيامَى، والأصل: أَيائِمُ فقُلِبت، ورجلٌ أَيِّمٌ: لا امرأةَ له (٤). قال السُّدِّيُّ (٥): مَن لم يكن له زوجٌ من امرأةٍ أو رجل فهو أَيِّمٌ، وهذا قول

стр. 316

جماعة المفسِّرين، قال الشاعر: ٣٩ - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ دِينَهُ... وَسَعْدٌ بِبابِ القادِسِيّةِ مُعْصِمُ فأُبْنا وَقَدْ آمَتْ نِساءٌ كَثِيرةٌ... ونِسْوةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أيِّمُ (١) وقال آخَر: ٤٠ - فإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإنْ تتَأَيَّمِي... وَإنْ كُنْتُ أَفْتَى مِنْكُمُ أَتَأَيَّمُ (٢)

стр. 317

والمعنى: زوِّجوا أيُّها المؤمنونَ مَن لا زوجَ له من أحرار رجالكم ونسائكم، وهو أَمْرُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ، وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور، وفَسَّرَ بعض الفقهاءِ الآيةَ على الحَتْمِ والإيجابِ، فأَوْجَبَ النكاحَ على من استطاعه. فصلٌ قال الشافعيُّ ﵀ (١): "واجِبٌ للمرأة والرجل أن يتزوَّجا إذا تاقتْ أنفسُهُما إلى النكاح؛ لأنّ اللَّهَ -جل ثناه وتقدَّست أسماؤه- أَمَرَ به ورَضِيَهُ ونَدَبَ إليه، فبلَغَنا أنّ النبي ﷺ قال: "تَناكَحُوا تَكْثُرُوا، فإنّي أُباهِي بكم الأُمَمَ، حتى بالسِّقْطِ" (٢). وقال ﵇: "مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فلْيَسْتَنَّ بسُنَّتي، وهي النكاح" (٣). ولأنه يَنتفعُ بدعاء وَلَدِهِ مِن بَعْدِهِ، ومَن لم تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ فأَحَبُّ إليَّ أَن يتخلَّى لعبادة اللَّه تعالى، وقد ذكر اللَّه القواعد من النساء وذَكَرَ عَبْدًا أكرمه، فقال -عزَّ من قائل-: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ

стр. 318

الصَّالِحِينَ﴾ (١)، والحَصُورُ: الذي لا يأتي النساءَ، ولا يَحْتاجُ إلى النكاح، فدَلَّ على أن المندوب إليه من يَحْتاجُ إليه" اهـ. وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أتَى على أُمَّتي مائةٌ وثمانون سنةً فقد حَلَّتْ لهُمُ العُزْبةُ (٢) والعُزْلةُ والتَّرَهُّبُ عَلَى رُءُوسِ الجِبالِ" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "يا معشرَ الشباب، منِ استطاع منكم الباءةَ فلْيتزوَّجْ، فإنه أغَضُّ للبصر وأحصَنُ للفَرْج، ومَن لم يستطع فعليه بالصَّوم، فإنه له وِجاءٌ" (٤). ويُسْتَحَبُّ له أن يتزوَّج الأبكارَ، ولا يتزوجَ عجوزًا ولا عاقرًا، لما رُوِيَ عن ابن عُمر ﵁ أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "عليكم بالأبكار، فإنّهن أعذَبُ أفواهًا وأَنْتَقُ أرحامًا وأَسمَنُ أَقْبالًا وأرضى باليسير من العمل" (٥).

стр. 319

ومعنى قوله ﵇: "أنتَقُ أرحامًا" يعني: كثيرةَ الولد، يقال: امرأةٌ ناتِقٌ، أي: كثيرةُ الأولاد، قال الشاعر: ٤١ - أَبَى لهُمُ أن يَعْرِفُوا الضَّيْمَ أَنَّهُمْ... بَنُو ناتِقٍ كانتْ كَثِيرًا عِيالُها (١) وإذا أراد أن يتزوَّج امرأة فلْيسأل عن شَعَرِها كما يسألُ عن وجهها، فإنّ الشَّعَرَ أَحَدُ الجَمالَيْنِ، رُوِيَ ذلك عن النبي ﵇ (٢). وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أعظمُ نساءِ أُمَّتِي بركةً أَصْبَحُهُنَّ وَجْهًا وأَقَلُّهُنَّ مَهْرًا" (٣). وعن أبِي الدَّرداء، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بالسَّرارِي، فإنّهنَّ مبارَكاتُ الأرحام" (٤). وعن أنسٍ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بالوجوه الحِسانِ والحَدَقِ

стр. 320

السُّودِ، فإنّ اللَّهَ يَستحيي أن يعذِّبَ وجهًا مليحًا بالنار" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ يعني: إماءكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾؛ أي: الزِّنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (٣٢)﴾ يعني: إِذْ أَرَدْنَ، وليس معناه الشرط (٢)؛ لأنه لا يجوزُ إكراهُهنَّ على الزنا إن لم يُردْنَ تحصنًا، نظيرُها قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) يعني: إِذْ كُنْتُمْ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)؛ أي: إِذْ كُنْتُمْ، وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٥)؛ أي: إِذْ شاءَ اللَّهُ. وقال الواحدي (٦): إنما شَرَطَ إرادةَ التحصُّن لأنّ الإكراه لا يُتَصَوَّرُ إلا عندَ إرادة التحصُّن، فإن لم تُرِدِ المرأةُ التحصنَ باغَتْ بالطبع. والتحصُّن: التعفُّف والتزويج.
следующие страницы →