والمعنى: زوِّجوا أيُّها المؤمنونَ مَن لا زوجَ له من أحرار رجالكم ونسائكم، وهو أَمْرُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ، وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور، وفَسَّرَ بعض الفقهاءِ الآيةَ على الحَتْمِ والإيجابِ، فأَوْجَبَ النكاحَ على من استطاعه.
فصلٌ
قال الشافعيُّ ﵀ (١): "واجِبٌ للمرأة والرجل أن يتزوَّجا إذا تاقتْ أنفسُهُما إلى النكاح؛ لأنّ اللَّهَ -جل ثناه وتقدَّست أسماؤه- أَمَرَ به ورَضِيَهُ ونَدَبَ إليه، فبلَغَنا أنّ النبي ﷺ قال: "تَناكَحُوا تَكْثُرُوا، فإنّي أُباهِي بكم الأُمَمَ، حتى بالسِّقْطِ" (٢).
وقال ﵇: "مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فلْيَسْتَنَّ بسُنَّتي، وهي النكاح" (٣).
ولأنه يَنتفعُ بدعاء وَلَدِهِ مِن بَعْدِهِ، ومَن لم تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ فأَحَبُّ إليَّ أَن يتخلَّى لعبادة اللَّه تعالى، وقد ذكر اللَّه القواعد من النساء وذَكَرَ عَبْدًا أكرمه، فقال -عزَّ من قائل-: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ
стр. 318
الصَّالِحِينَ﴾ (١)، والحَصُورُ: الذي لا يأتي النساءَ، ولا يَحْتاجُ إلى النكاح، فدَلَّ على أن المندوب إليه من يَحْتاجُ إليه" اهـ.
وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أتَى على أُمَّتي مائةٌ وثمانون سنةً فقد حَلَّتْ لهُمُ العُزْبةُ (٢) والعُزْلةُ والتَّرَهُّبُ عَلَى رُءُوسِ الجِبالِ" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "يا معشرَ الشباب، منِ استطاع منكم الباءةَ فلْيتزوَّجْ، فإنه أغَضُّ للبصر وأحصَنُ للفَرْج، ومَن لم يستطع فعليه بالصَّوم، فإنه له وِجاءٌ" (٤).
ويُسْتَحَبُّ له أن يتزوَّج الأبكارَ، ولا يتزوجَ عجوزًا ولا عاقرًا، لما رُوِيَ عن ابن عُمر ﵁ أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "عليكم بالأبكار، فإنّهن أعذَبُ أفواهًا وأَنْتَقُ أرحامًا وأَسمَنُ أَقْبالًا وأرضى باليسير من العمل" (٥).
стр. 319
ومعنى قوله ﵇: "أنتَقُ أرحامًا" يعني: كثيرةَ الولد، يقال: امرأةٌ ناتِقٌ، أي: كثيرةُ الأولاد، قال الشاعر:
٤١ - أَبَى لهُمُ أن يَعْرِفُوا الضَّيْمَ أَنَّهُمْ... بَنُو ناتِقٍ كانتْ كَثِيرًا عِيالُها (١)
وإذا أراد أن يتزوَّج امرأة فلْيسأل عن شَعَرِها كما يسألُ عن وجهها، فإنّ الشَّعَرَ أَحَدُ الجَمالَيْنِ، رُوِيَ ذلك عن النبي ﵇ (٢).
وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أعظمُ نساءِ أُمَّتِي بركةً أَصْبَحُهُنَّ وَجْهًا وأَقَلُّهُنَّ مَهْرًا" (٣).
وعن أبِي الدَّرداء، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بالسَّرارِي، فإنّهنَّ مبارَكاتُ الأرحام" (٤).
وعن أنسٍ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بالوجوه الحِسانِ والحَدَقِ
стр. 320
السُّودِ، فإنّ اللَّهَ يَستحيي أن يعذِّبَ وجهًا مليحًا بالنار" (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ يعني: إماءكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾؛ أي: الزِّنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (٣٢)﴾ يعني: إِذْ أَرَدْنَ، وليس معناه الشرط (٢)؛ لأنه لا يجوزُ إكراهُهنَّ على الزنا إن لم يُردْنَ تحصنًا، نظيرُها قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) يعني: إِذْ كُنْتُمْ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)؛ أي: إِذْ كُنْتُمْ، وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٥)؛ أي: إِذْ شاءَ اللَّهُ.
وقال الواحدي (٦): إنما شَرَطَ إرادةَ التحصُّن لأنّ الإكراه لا يُتَصَوَّرُ إلا عندَ إرادة التحصُّن، فإن لم تُرِدِ المرأةُ التحصنَ باغَتْ بالطبع.
والتحصُّن: التعفُّف والتزويج.
стр. 321
نزلت هذه الآيةُ في مُعاذةَ ومُسَيْكةَ جارِيَتَي عبدِ اللَّه بن أُبَيِّ، كان يُكرِهُهما على الزنا بضريبةٍ يأخذُها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤاجِرون إماءَهم، فلمّا جاء الإسلام قالت مُعاذةُ لمُسَيْكة: إنّ هذا الأمرَ الذي نحن فيه لا يختلف من وجهَيْن، فإن يكُ خيرًا فقد استكثَرْنا منه، وإن يكُ شرًّا فقد آنَ لنا أن ندعَه، فأنزل اللَّه هذه الآية (١).
قوله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: هادي أهلِ السماواتِ والأرض، لا هاديَ فيهما غيرُه، فهم -بنُوره- إلى الحقِّ يهتدون، وبُهداه من حَيْرة الضلالة يَنْجُون، وليس يهتدي مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إلا بِهُدًى منه.
وقيل: معناه: مُزَيِّنُ السماواتِ بالشمس والقمر والنجوم، ومُزَيِّنُ الأرض بالأنبياءِ والعلماء والمؤمنين.
ومعنى النُّور في اللغة: الضِّياء، وهو الذي يُبَيِّنُ الأشياءَ، ويُرِي الأبصارَ حقيقةَ ما تراه، قال بعضُ العلماء: النُّور على أربعة أوجه: نُورٌ مُتَلأْلِئٌ، ونورٌ مُتَوَلِّدٌ، ونورٌ من جهة صفاءِ اللون، ونورٌ من جهة المدح، فالنُّور المتلألئُ مثلُ قُرص الشمس والقمر والكواكب وشعلة السِّراج، والنور المتولِّد هو الذي يتولد من شُعاع الشمس والقمر والسراج فيقعُ على الأرض فتستنير به، والذي هو من صفاءِ اللون مثلُ نور اللآلئ واليواقيت وسائرِ الجواهر وكلِّ شيءٍ له نورٌ صافٍ، والذي هو من جهة المدح قولُ الناس: فلانٌ نُورُ البلد وشمسُ العصر، قال النابغة:
стр. 322
٤٢ - فَإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبُ... إِذا ما بَدَتْ لم يَبْقَ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ (١)
وقال آخَر:
٤٣ - إِذاسارَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ مَرْوَ لَيْلةً... فقدْ سارَ مِنْها نُورُها وجَمالُها (٢)
ويجوز أن يقال: اللَّهُ تعالى نُورٌ من جهة المدح؛ لأنه أَوْجَدَ الأشياءَ، ونُورُ جميعِ الأشياءِ منه دونَ سائر الأوجه؛ لأنّ النُّورَ المحسوسَ -الذي هو ضدُّ الظُّلمة- لا يخلو من شُعاع وارتفاع وسطوع ولُمُوعٍ، وهذه كلها مَنْفيّةٌ عن اللَّه تعالى؛ لأنها من أمارات الحَدَثِ (٣).
وقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قيل: الهاء عائدة إلى المؤمن؛ أي: مثل نوره في قلب المؤمن، حيث جعل الإيمانَ والقرآنَ في صدره، وقيل: أراد بالنور القرآن، وقيل: أراد به محمدًا ﷺ ، أضاف هذه الأنوارَ إلى نفسه تفضيلًا، وقيل: أراد بالنُّور الطاعةَ، سَمَّى طاعتَهُ نُورًا، ولا يجوز أن تكونَ الهاءُ عائدةً إلى اللَّه لأنه لا حدَّ لنُوره (٤).
стр. 323
ثم ضَرَب لهم مثلًا، فقال: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، قال أهل المعانِي: هذا من المقلوب، أي: كمصباح في مشكاة، وهي: الكُوّةُ التي لا مَنْفَذَ لها، فهو أَجْمَعُ للضوء (١)، وأصلُها الوعاءُ يُجْعَلُ فيه الشيءُ، والمِشكاةُ: وعاءٌ من أَدَمٍ يُبَرَّدُ فيها الماءُ، وهي على وزن "مِفْعَلة" كالمِقْراةِ والمِصْفاةِ (٢)، قال الشاعر:
٤٤ - كأَنَّ عَيْنَيْهِ مِشْكاتانِ مِنْ حَجَرٍ... فاضا افْتِياضًا بِأَطْرافِ المَناقِيرِ (٣)
وقرأ الدُّورِيُّ (٤) عن الكسائي (٥): ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ بالإمالة، والمِصباح: السِّراج، وأصلُه الضُّوء ومنه: الصُّبح، ورجلٌ صَبِيحُ الوجهِ ومُصْبِحٌ: إذا كان وضيئًا.
وفَرَّقوا بينَ المِصباح والسِّراج، فقال الخليل (٦): المصباح: السِّراجُ بالمِسْرَجةِ، وقيل: هو موضعُ الفتيلة، والسِّراج: نفسُ السراج.
стр. 324
وقيل: السراج أعظمُ من المصباح؛ لأن اللَّه تعالى سَمَّى الشمسَ سِراجًا فقال: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ (٣)، وقال فى غيرها من الكواكب: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٤).
قوله: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ يعني: القِنديلَ، وهو رَفْعٌ بالابتداء، قال الزَّجّاجُ (٥): النور في الزُّجاجِ وضوءِ النارِ أَبْيَنُ منه في كلِّ شيء، وضوؤه يزيد في الزُّجاجِ.
ثم وَصَف الزُّجاجةَ فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾: رفعٌ بالابتداء ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ وهو المضيء، منسوبٌ إلى أنه كالدُّرِّ في صفائه وضيائه وحُسنه، وإن كان الكوكبُ أكثرَ ضوءًا من الدُّرِّ، ولكنه يَفْضُلُ الكواكبَ بضيائه، كما يَفضُلُ الدُّرُّ سائرَ الحَبِّ (٦). فشَبَّهَ الزَّجاجةَ بأحد النجوم الخمسة، وهي: الزُّهرة وعُطارِدٌ والمشتري وبَهْرامُ وزُحَلُ، كلُّها أنجُمٌ دُرِّيّةٌ؛ أي: مضيئة.
فإن أراد به لونَ الدُّرِّ فهو على قراءة مَن قرأ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بضمِّ الدال من غير
стр. 325
همز، ومن قرأ: ﴿دِرِّيٌّ﴾ بكسر الدال، فهو مِنْ: دَرَأ الكوكبُ: إذا خرج من أُفقٍ إلى أُفق (١)، ولا يجوز أن تُضمَّ الدالُ وتهمز؛ لأنه ليس في الكلام "فُعِّيلٌ" (٢).
ومثال ﴿دُرِّيٌّ﴾: "فُعْلِيٌّ" منسوب إلى الدُّرِّ. ويجوز: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بغير همز، يكون مخففًا من المهموز، وهو بمعنى ﴿دُرِّيٌّ﴾، وكُسِرَ أوله حملًا على وسطه وآخره؛ لأنه ثقل عليه ضمةٌ بعدها كسرة وياء، كما قالوا: كِرْسِيٌّ للكُرْسِيِّ (٣)، ودِرِّيءٌ مهموز: "فِعِّيلٌ" من النجوم الدراري التي تَدْرَأُ أي: تَنْحَطُّ وتسير سيرًا متدافعًا، يقال: دَرَأَ الكوكبُ: إذا تدافع مُنْقَضًّا فتضاعف ضوؤُه، ويقال: تَدارَأَ الرجلان: إذا تدافعا (٤).
قرأ أبو عَمْرٍو والكسائيُّ (٥): "دِرِّيءٌ" بكسر الدال والمدِّ والهمز، وقَرأَ حمزةُ وأبو بكرٍ مثلَهما إلّا أنّهما ضَمّا الدالَ.
стр. 326
وأنكر الفَرّاء (١) والزَّجّاجُ (٢) وأبو العَبّاس المبرّدُ (٣) هذه القراءةَ؛ لأنه ليس في كلام العرب شيء على هذا الوزن، وقرأ الباقون: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بضمِّ الدال وتشديد الياء من غير همزٍ ولا مدٍّ، وقد تقدَّم وجهُ ذلك.
ثم قال: ﴿تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ قرأ نافعٌ وشيبةُ (٤) وأيوبُ وحفصٌ وابنُ عامر: ﴿يُوقَدُ﴾ بالياء مع الضم، وقَرأَ أبو عَمْرو وابنُ كثير والحسنُ وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ ومجاهدٌ وأبو جعفر: ﴿تَوَقَّدَ﴾ بالتاء وفتح حروف الكلمة كلِّها، وهما متقاربتان؛ لأنهما جميعًا للمصباح، فـ ﴿يُوقَدُ﴾ فعلُ مستقبَلٍ من: أَوْقَدَ يُوقِدُ، و ﴿تَوَقَّدَ﴾: فعلُ ماضٍ من: تَوَقَّدَ يتوقَّدُ.
وقرأ نَصْرُ بنُ عاصِمٍ أيضًا: ﴿تَوَقَّدُ﴾، والأصل على قراءته: تتوقَّدُ، حذَفَ إحدى التاءَيْن؛ لأنّ الأخرى تدلُّ عليها، وقَرأَ الكوفيون (٥): ﴿تُوقَدُ﴾ بالتاء وضمِّها، فهاتان القراءتان على تأنيث الزُّجاجة.
стр. 327
وقوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ أي: من زيتِ شجرةٍ مباركة، فحَذَف المضاف، يَدُلُّكَ على ذلك قولُهُ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾.
وأراد بالشجرة المباركة: شجرةَ الزيتون، وهي كثيرةُ البركة، وفيها أنواع المنافع؛ لأنّ الزيتَ يُسْرَجُ منه، وهو إِدامٌ ودِهانٌ ودِباغ، ويُوقَدُ بِحَطَبِ الزَّيْتُونِ وثُفْلِهِ، ورَمادُهُ يُغْسَلُ بِهِ الإِبْرِيسَمُ، ولا يُحْتاجُ في استخراج دُهْنِهِ إلى عَصّارٍ (١).
فصلٌ
عن عُمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ائْتَدِموا بالزَّيت وادَّهِنُوا به، فإنه يَخرُج من شجرةٍ مباركة" (٢).
ثم فسَّرها فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾، وخَصَّها من بين سائر الأشجار لأنّ دُهْنَها أَصْفَى وأَضْوَأُ، وقولُه: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: لم تُصِبْها شمسُ الشرق ولا شمسُ الغرب، قال ثعلبٌ والمبرّد (٣): "معناه: لا شرقيّةٌ كُلُّها ولا غربيّةٌ كُلُّها، هي شرقيّةٌ غربيّةٌ، وهو أحسَنُ ما يكونُ من الشجر، تَطلُعُ عليها الشمسُ،
стр. 328
وتغرُب عليها الشمسُ". و ﴿شَرْقِيَّةٍ﴾: نعتٌ لـ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾، و ﴿لَا﴾ ليست تَحُولُ بين النعت والمنعوت، ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: عطفٌ على ﴿شَرْقِيَّةٍ﴾.
وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يعني: يكاد زيتُ الزَّيتونة يضيءُ المكانَ من صفائه ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ والمعنى: يكاد قلبُ المؤمن يعمَلُ بالهدى قبل أن يأتيَه العلم، فإذا جاءه العلمُ ازداد هدًى على هدًى، وذلك قولُه تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ وهو رَفْعٌ على خبرِ ابتداءٍ محذوف، تقديره: هو نُورٌ على نور.
فصلٌ في معنى المشكاةِ والمِصباح والزَّجاجة والشَّجرة
قيل (١): المِشكاة: إبراهيمُ، والزَّجاجةُ: إسماعيلُ، والمِصباح: محمدٌ صلى اللَّه عليه وعليهم أجمعين، كما يُسَمَّى سِراجًا، والشجرة: آدمُ ﵇، بُورِكَ في نَسْله، فكَثُرَ منه الأنبياءُ والأولياء.
وقيل (٢): المِشكاة: صدرُ محمدٍ ﷺ ، والزُّجاجةُ: قلبُه، والمِصباح: نُورُ النُّبوّة على نُورِ الحِكمة، والشجرة: مِلّةُ الخليل ﵇ لا يهوديّةٌ ولا نصرانيّةٌ.
وقيل (٣): هو مَثَلُ الإيمان، فالمِشكاة: صدرُ المؤمن، والزُّجاجةُ: قلبُه،
стр. 329
والمصباح: نُورُ الاعتقاد على نورِ الإقرار، والشجرةُ: النبيُّ محمدٌ ﵇ لا غُلُوَّ في هَدْيِهِ ولا تَقْصِيرَ، فإنّ في أهل الشرقِ شدّةً، وفي أهل الغرب لِينًا.
ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "المؤمنُ نُورٌ، وكلامُه نُور، وعمَلُه نور، ومدخَلُه في نور، فهو نُورٌ على نُور" (١).
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: لِدِينِهِ الإسلامِ، وإن شئتَ قلت: للقرآن، ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: يبيِّن الأشياءَ للناس تقريبًا إلى الأفهام، وتسهيلًا لسبل دار السلام، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ بأهل النُّور والظلام.
قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ يعني: المساجدَ، أَمَرَ اللَّهُ أن تُبْنَى، والمرادُ برَفْعها: بناؤها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (٢)، وقيل: المعنى: أن تُعَظَّمَ عن الكلام بالخَنا، ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؛ أي: يُوَحَّدَ اللَّهُ فيها ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾؛ أي: يُصَلِّي للَّه في تلك البيوت، يعني: الصَّلواتِ المفروضة ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ يعني: بِالبُكَرِ والعَشايا.
وقرأ ابنُ عامر، وأبو بكرٍ في روايته عن عاصمٍ، والحَسَنُ (٣): ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ بفتح الباء، على الفعل المَجهول، أي: يُصَلَّى للَّهِ فيها بالغدوِّ والآصال، ثم فَسَّرَ مَنْ يُصَلِّي فيها، فقال: ﴿رِجَالٌ﴾ كأنه قيل: مَنْ يُسَبِّحُ فيها؟ فقال: ﴿رِجَالٌ﴾.
стр. 330
فعلى هذه القراءة: ﴿رِجَالٌ﴾: رَفْعٌ على خبرِ ابتداءٍ محذوف، تقديرُه: المُسَبِّحُ: رِجالٌ (١)، وعلى القراءة الأخرى رَفعٌ بفعلِهم، ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾؛ أي: لا تشغَلُهم ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال الواقدي (٢): أراد بالتجارة: الشِّراءَ، نظيرُها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ (٣) يعني بالتجارة: الشِّراء. وقال الفَرّاء (٤): التجارةُ لأهل الجَلَبِ، والبيعُ: ما باعَهُ الرجلُ على يَدَيْهِ.
قوله: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ (٣٧)﴾؛ أي: إقامةِ الصَّلاة، فحُذِفَ الهاءُ الزائدةُ لأجل الإضافة؛ لأن الخافضَ وما خَفَض عندَهم كالحرف الواحد، فاستغنَوْا بالمضاف إليه عن الهاء؛ إذْ كانت الهاءُ عِوضًا عن الواو؛ ولأنّ أصلَ الكلمة:
стр. 331
أَقْوَمْتُ إِقْوامًا، فاستثقَلوا الفتحةَ (١) على الواو فسكَّنوها فاجتمع حرفانِ ساكنان، فأسقَطوا الواوَ، ونقَلوا حركتَها إلى القاف، وأبدلوا من الواو المحذوفة هاءً في آخر الحرف، كما فعلوا في قولِهِمْ: عِدةٌ وزِنةٌ، وأصلهما (٢): وِعْدةٌ ووِزْنةٌ، فلما أُضيفت حُذِفَ الهاءُ، وجُعِلَت الإضافةُ عِوَضًا منهما (٣)، كقول الشاعر:
٤٥ - إنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا السَّيْرَ، وانْجَرَدُوا... وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا (٤)
أراد: عِدةَ الأَمْرِ، فأسقط الهاءَ منها لمّا أضافها.
стр. 332
فصلٌ
عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنّ أهلَ المساجد أوتادُ الأرضِ، الملائكةُ جلساؤهم، [إن غابوا] يفتقدونَهم، وإن مَرِضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجةٍ أعانوهم" (١).
وقال ﵇: "جليسُ المسجد على. ثلاثِ خصال: أَخٍ مستفادٍ، أو كلمةٍ مُحكَمةٍ، أو رحمةٍ منتظَرةٍ" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ السَّراب: الشُّعاع الذي تراه نصفَ النهار في البراري عند شدّة الحرِّ كالماء، فإنِ اقتربَ منه الإنسانُ أَيِسَ فلم يَرَ منه شيئًا، والآلُ: ما رأيتَه في أول النهار وآخِرِهِ، الذي يَرفَعُ كلَّ شيءٍ. قاله العَزِيزِيُّ (٣)، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: رفْعٌ بالابتداء، ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: ابتداءٌ آخَر، ﴿كَسَرَابٍ﴾: خبرُ ابتداءِ الثانِي، وهما جملةٌ فيها خبرُ ابتداءِ الأول.
وسُمِّيَ السَّرابُ سَرابًا لأنه مسروبٌ يجري كالماء، و ﴿قِيعَةٍ﴾ جَمْعٌ القاع، مثل: جارٍ وجِيرةٍ (٤)، وقيل (٥): قِيعةٌ وقاعٌ بمعنًى واحد. والقاعُ هو:
стр. 333
المنبسِط الواسع من الأرض، وفيه يكونُ السراب (١).
وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ للكافر، يحسَبُ أنّ عمَله مُغْنٍ عنه أو نافِعُهُ شيئًا، فإذا أتاه الموتُ احتاج إلى عمله، فلم يجد عملَه أغنى عنه شيئًا ولا نَفَعَهُ.
وقوله: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ يعني: الشديدُ العطش، يقال: ظَمِئَ الرجلُ يَظْمَأُ ظَمَأً فهو ظَمْآنُ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ يعني: جاء إلى السَّرابِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ يعني: شيئًا مما حَسِبَ وقَدَّرَ، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ قال الفَرّاء (٢): يعني: وَجَد اللَّهَ عند عملِه. ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ جازاه بعمله، وهذا في الظاهر خَبَرٌ عن الظمآن، والمرادُ به الخبرُ عن الكفار، ولكنْ لمّا ضُرب الظَّمآنُ مثلًا للكفّار جُعِل الخبرُ عنه كالخبر عنهم ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ سريعُ المجازاة.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ هذا مَثَلٌ آخرُ ضَرَبَهُ اللَّه تعالى لأعمال الكافر أيضًا، يقول: مَثَلُ أعمالهم في خطئها وفسادِها وضلالتهم في جهالتهم وحَيْرتهم ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ وهو: العميقُ الكثيرُ الماء، وذلك أَشَدُّ ظُلْمةً، ولُجّةُ البحرِ: مُعْظَمُهُ.
وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾؛ أي: يعلوه موج ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ متراكمٌ ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾: قَرأَ ابنُ كثير برواية قُنْبُلٍ والفُلَيحِيِّ (٣): ﴿سَحَابٌ﴾ بالرَّفع والتنوين، ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ بالجرِّ: على البدَل من قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾.
стр. 334
وقرأ البَزِّيُّ (١): ﴿سَحَابُ﴾: بالرُّفع من غير تنوين ﴿ظُلُمَاتٍ﴾: بالجرِّ على الإضافة، وقرأ الباقون (٢): ﴿سَحَابٌ﴾. ﴿ظُلُمَاتٌ﴾: خبرُ ابتداءٍ محذوف، تقديره: هذه ظلماتٌ. ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ يعني: ظلمةُ البحر وظلمةُ الموج فوقَ الموج وظلمةِ السحاب، والسحابُ: جمعُ سحابة، والتذكير على اللفظ، يقال: طُفْتُ بين الكوفة؛ لاشتماله على سِكَكٍ، فكذا السَّحاب.
وقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يَقْرُبْ من أن يراها من شدّة الظُّلمات، قال الفَرّاء (٣): "كاد": صِلةٌ، أي: لم يَرَها، كما تقول: ما كِدْتُ أَعْرِفُهُ. وقال المبرِّد (٤): لم يَرَها إلا بعدَ الجُهد، كما يقول القائل: ما كدتُ أراك من الظلمة، وقد رآه، ولكنْ بعدَ بأسٍ وشدّة. وقيل (٥): معناه: قَرُبَ من الرؤية ولم
стр. 335
يَرَ، كما يقال: كاد العروسُ يكونُ أميرًا (١)، وكاد النِّعام يطير (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ يعني: من لم يَهْدِهِ اللَّهُ للإسلام فلا أمانَ له ولا دين، قال مُقاتل: نزلت هذه الآيةُ في عُتبةَ بن ربيعةَ ابن أُميّة، كان يلتمسُ الدّين في الجاهلية، ولُبسِ المُسُوحَ (٣)، ثم كَفَر في الإسلام.
فصلٌ
عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسولُ - اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه تعالى خَلَقني من نُوره، وخَلَق أبا بكرٍ من نُوري، وخَلَق عُمرَ وعائشةَ من نُور أبي بكر، وخَلَق المؤمنينَ من أُمّتي من نُور عُمر، وخَلَق المؤمناتِ من أُمّتي من نُورِ عائشة، فمن لم يُحْبَّنِي ويُحِبَّ أبا بكرٍ وعُمرَ وعائشةَ فما له من نُور"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤).
وعن عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- عن النبي ﷺ أنه قال: "خَلَق اللَّهُ الأرواحَ قبلَ الأجساد بألفَيْ عام، فأُمِرَتْ بالطاعة لِي والسلامِ عَلَيَّ، فأول رُوحٍ آمَنَ بِي وصَدَّقَنِي من الرجال رُوحُ أَبِي بكر، وأَوَّلُ رُوحٍ آمَنَ بِي وَسَلَّمَ عَلَيَّ من النساء رُوحُ عائشة" (٥).
стр. 336
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾؛ أي: ويُسبِّح له الطيرُ صافاتٍ، أي: باسطاتٍ أجنحتَهُنَّ في الهواء، وهو في موضع نَصْبٍ على الحال، وإنما خَصَّ الطيرَ بالذِّكر من جملة الحيَوان؛ لأنها تكونُ بينَ السّماءِ والأرض، فهي خارجةٌ عن جُمْلةِ مَن في السماوات والأرض (١).
وقوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ (٤١)﴾ قال المفسِّرون: الصّلاةُ لبني آدم، والتسبيحُ عامٌّ لغيرهم من الخلق.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾؛ أي: يَسُوقُ سحابًا إلى حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾؛ أي: يَجمَع بين قِطَعِ السحاب المتفرِّقة بعضِها إلى بعض، والسّحابُ جَمْعٌ، وإنما ذَكَّرَ الكنايةَ على اللفظ (٢).
فإن قيل: "بَيْنَ" لا يقَعُ إلّا لاثنَيْنِ فصاعدًا، فكيف جاء ﴿بَيْنَهُ﴾؟ فالجوابُ أنّ ﴿بَيْنَهُ﴾ هاهنا لجماعة السحاب، كما تقول: الشَّجرُ حَسَنٌ وقد جلستُ بينَه. وفيه جوابٌ آخَر، وهو أن يكونَ السحابُ واحدًا، فجاز أن يقال: ﴿بَيْنَهُ﴾؛ لأنه مشتملٌ على قِطَعٍ كثيرةٍ، كما قال الشاعر:
٤٦ -. . . . . . بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ (٣)
стр. 337
فأوقع بَيْنًا على الدَّخُولِ وهو واحد؛ لاشتماله على مواضعَ، هذا قولُ النَّحْويِّين إلّا الأصمعيَّ، فإنه زعم أنّ هذا لا يجوز (١)، وكان يرويه:
. . . . . . بينَ الدَّخُولِ وَحَوْمَلِ (٢)
وقوله: ﴿بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾؛ أي: يَجعَلُ بعضَه على بعضٍ لِيَثْخُنَ وَيغْلُظَ (٣) ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ أي: وسَطِه، وهو الفُرَجُ بين السحاب، هذه قراءة العامة، وقَرأَ ابن عباس (٤): ﴿مِنْ خِلَلِهِ﴾، والخَلَلُ: الفُرْجةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ.
قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾؛ أي: بَرَدٌ، و ﴿مِنْ﴾: صلةٌ (٥)، وقيل (٦): معناه: ويُنزِّلُ من السماء قَدْرَ جبالٍ أو أمثالِ جبال وبَرَدٍ إلى الأرض،
стр. 338
ومفعولُ الإنزال محذوفٌ، التقدير: ويُنَزِّلُ من السماء من جبالِ بَرَدٍ فيها بَرَدًا، فاستغنَى عن ذكرِ المفعول للدِّلالة عليه، فـ ﴿مِنْ﴾ الأولى: للغاية؛ لأنّ ابتداءَ الإنزال من السماء، والثانيةُ: للتبعيض؛ لأن البَرَدَ بَعْضُ الجِبالِ التِي في السماء، والثالثةُ: لتبيين الجِنس؛ لأنّ جنسَ تلك الجبال جنسُ البَرَد، فالأُولَيانِ متعلِّقتان بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾، والثالثة متعلِّقةٌ باستقرارٍ محذوف (١).
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾؛ أي: ضوء برق السحاب ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ من شدة ضوئه وبرقه، والسنا: الضوء وهو مقصور، والسَّناءُ ممدودًا: الرِّفْعةُ (٢).
وقوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يعني: اختلافَهما بالمجيء والذهاب، يأتي بالليل، ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار، ويذهب بالليل، سحابًا مرةً، وصَحْوًا مرةً، وأحيانًا مطرًا، وأحيانًا شمسًا، وحرًّا مرةً، وبردًا مرةً، وضوءًا مرةً، وظُلمةً مرةً، كلُّ ذلك في يوم واحدٍ وفي ليلةٍ واحدة، يقلِّبُ اللَّه الليلَ والنهار ضروبًا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكره من صُنعِه ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ يعني: لَدِلالةً لأهل العقول والبصائر في أمر اللَّه تعالى، وفي قدرته وتوحيده.
فصل
عن أبي هريرةَ، قال: قال اللَّه تعالى: "يؤذْيني ابنُ آدم، يَسُبُّ الدهرَ وأنا
стр. 339
الدهرُ، بِيَدِي الأمرُ، أقلِّبُ الليلَ والنهار" (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يعني: كلَّ حيَوانٍ يُشاهَدُ في الدنيا، ولا يدخُل الملائكةُ والجنُّ في هذا؛ لأنا لا نشاهدُهم. وهذه قراءةُ العامة، وقَرأَ حمزةُ والكسائي (٢): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ﴾ على وزن فاعِل ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ بخَفْض ﴿كُلَّ﴾ على الإضافة.
وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: من نُطفةٍ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيّات والهوامِّ والحيتان ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ (٤٥)﴾ كالبهائم والأنعام، قال المبرّد (٣): قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يريدُ: الناسَ وغيرَهم، وإذا اختَلطَ النوعانِ حُمِلَ الكلامُ على الأغلب، ولذلك قال: ﴿مِنْ﴾ لغيرِ ما يَعقِل.
وقال طاهر بن أحمدَ في شرح الجُمَل (٤): فإنه لمّا وقَع في الآية عمومٌ تَناوَلَ مَنْ يَعْقِلُ وما لا يعقل [غُلِّبَ من يعقل] (٥).
وقال موسى بن أحمدَ (٦) في شرح اللُّمَع: ﴿مِنْ﴾ بفتح الميم: اسمٌ
стр. 340
ناقصٌ مبنيٌّ على فتح الميم وسكونِ النُّون، يُستعمَلُ فيمن يَعقِل خاصةً، وقد يُستعمَلُ نادرًا فيما لا يَعقِل، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾.
ومحَلُّ ﴿مَنْ﴾: رفعٌ في الجميع على خبرِ الصِّفة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: المنافقين ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾؛ أي: مسرِعينَ مطيعينَ مقرِّينَ خاضِعين منقادين لحُكمِه، يعني: النبيَّ ﷺ ، وهو منصوبٌ على الحال، قال الزَّجّاج (١): الإذعان: الإسراعُ مع الطاعة، يقال: أَذْعَنَ لِي بِحَقِّي: أي: طاوَعَنِي لِما كُنْتُ ألتمسُ منه، فأسرع إليه.
أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى أنّ المنافقينَ يُعْرِضُونَ عن حُكْمِ الرسولِ ﷺ لِما يعلمون أنه حُكْمٌ بالحق، فإذا كان لهم على غيرهم أسرَعوا إلى حُكمِه لثقتِهم بأنه كما يَحكُم عليهم بالحقِّ يَحكُم لهم أيضًا بالحق.
ثم أَخْبر اللَّه تعالى بما في قلوبهم من الشكِّ، فقال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شكٌّ ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ يعني: شَكُّوا في القرآن، وهذا استفهام ذَمٍّ وتوبيخ ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ الحَيْفُ: الميل في الحكم، يقال: حافَ الحاكمُ في قَضِيَّيهِ؛ أي: جارَ ومالَ فيما حَكَمَ ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾؛ أي: لا يَظْلِمُ اللَّهُ ورسولُهُ في الحكم، بل هم الظالمون أنفُسَهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول.
стр. 341
ثم نَعَت اللَّهُ الصادقينَ في إيمانهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (٥١)﴾ يقولون: سَمِعنا قولَ النبي ﷺ ، وأطَعْنا أمرَه، وإن كان ذلك فيما يكرهونَه ويَضُرُّهُم، ونَصْبُ القول على خبر ﴿كَانَ﴾، واسمُها في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ومن قَرأَ بالرَّفع (١) جَعَله اسمَ ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ خبَره (٢).
ثم أَثْنى على من أطاعهما، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس: يريد: فيما ساءَهُ وسَرَّهُ ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ في ذنوبه التي عملها ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بَعْدُ، فلم يَعصِه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ شرطٌ وجزاء.
وعدَمُ الإشباع في هاءِ ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ على نيّةِ ثبوتِ الياء، فإنّ الأصل: يتَّقيهِ، والجَزْم لأنّ الحركةَ والإشباع زائدتان، تقول العرب: هَذِهْ أَمةُ اللَّهِ: في الوصل (٣)، وجَزْمُ القافِ تَخْفِيفٌ، نحو: فَخْذٍ وفَخِذٍ (٤).
стр. 342
وقرأه العامة: ﴿وَيتَّقْهِي﴾ موصولةً بياء، وهو الوجهُ؛ لأنّ ما قبلَ الهاء متحرِّك، وحُكمُها إذا تحرَّك ما قبلَها أن تتبَعَها الياءُ في الوصل.
وَرَوَى قالُونُ (١) عن نافع بكسر الهاء مختلَسةً، ولا يَبْلُغُ بها الياءَ؛ لأنّ حركةَ ما قبلَ الهاء ليست تلزم، ألا ترى أنّ الفعلَ إذا رُفِع فقيل: يتقيه، اختير حذفُ الياء بعد الهاءِ مثلَ: عَلَيْهِ (٢)؟
وقَرأَ أبو عَمْرٍ و وأبو بكرٍ عن عاصم: ﴿وَيَتَّقِهْ﴾ جزمًا، وذلك أنّ ما يلحَقُ هذه الهاءَ من الواو والياء زائدٌ، فرُدَّ إلى الأصل، وحُذِفت الزيادة، وقَرأَ حفصٌ ساكنةَ القاف مكسورةَ الهاءِ مختلَسةً (٣).
قال ابنُ الأنباري (٤): وهو على لغة مَن يقول: لم أَرْ زيدًا، ولم أَشْتَرْ طعامًا، ولم يُبِقْ زيدٌ، فيُسقطونَ الياءَ للجزم، ثم يُسكِّنون الحرفَ الذي قبلَها، ومنه قول الشاعر:
стр. 343
٤٧ - قالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنا دَقِيقا (١)
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يعني: المطيعينَ للَّه ورسوله الخائفين المتَّقين، هم الذين نالوا ما طَلَبوا من رضا اللَّه ونَيْل جنَّتِه.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ اللامُ: لامُ جوابِ القسم، و ﴿جَهْدَ﴾: منصوبٌ على مذهبِ المصدر (٢)، تقديره: إقسامًا بليغًا باللَّه لَيَخرُجنَّ إلى الغزو، أو من ديارهم وأموالهم.
وذلك أنّ المنافقينَ كانوا يقولون لرسول اللَّه ﷺ : أينما كنتَ نكنْ معك، إن أقمتَ أقمنا، وإن خَرَجتَ خرَجْنا، وإن جاهدتَ جاهَدْنا معك، فقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ رَفَعَه على خبرِ ابتداءِ محذوف؛ أي: هذه طاعةٌ بالقول واللسان دونَ اعتقادٍ في القلب، فهي معروفةٌ منكم بالكذبِ أنّكم تكذِبون فيها، وقيل: معناه: طاعةٌ معروفةٌ أمثلُ وأفضلُ من هذا القَسَمِ الذي تَحْنِثُونَ فيه، فحذف خبرَ الابتداء للعلم به، قاله الزَّجّاج (٣).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾ يريد: مِن طاعتِكم بالقول، ومخالفتِكم بالفعل.
стр. 344
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لَيُورثنهُمْ أَرْضَ الكفار من العرب والعجم، فيَجعَلُهم ملوكَها وساستَها وسكَّانَها، ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (٥٥)﴾ يعنِي: بَنِي إسرائيلَ، إِذْ أَهْلَكَ الجبابرةَ بِمِصْرَ والشامِ، وأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ.
وإنّما دَخَل اللامُ في قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ لجوابِ اليمين المضمَر؛ لأنّ الوعدَ قولٌ (١)، مجازها: وقولُ اللَّه للذين آمنوا وعملوا الصالحات: واللَّه لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض كما استَخْلفَ الذين من قبلِهم.
ورَوَى أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ (٢): ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ بضم التاء وكسر اللام، ووجهُه: أنه أريد به ما أريد بـ ﴿اسْتَخْلَفَ﴾، وإذا كان المعنى كذلك فالوجهُ قراءةُ العامة.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ هذه لام الأمر، والمعنى: لِيَسْتَأْذِنْكُمْ في الدخول عليكم ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: العبيدَ والإماء، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ يريد: مِن أحراركم من الرجال والنِّساء. ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ نَصبٌ على المصدر (٣)؛ أي: ثلاثَ استئذاناتٍ في ثلاثةِ أوقات، ثم
стр. 345
بيَنَ ذلك، فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ وذلك أنّ الإنسانَ ربما يبيتُ عُريانًا، أو على حالٍ لا يحبُّ أن يراه غيرُه في تلك الحال، ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ يريد: وقتَ المَقِيلِ، وهي مشتقّةٌ من الظهور، وهو ضدُّ الاختفاءِ والاستتار، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ حين يَأوي الرجلُ الى امرأته، ويَخْلو بها.
أَمَرَ اللَّهُ تعالى بالاستئذان في الأوقات التي يَتَخَلَّى الناسُ فيها ويتكشَّفون، وفصَّلها، ثم أَجْمَلَها بعد التفصيل، فقال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. قَرأَ الكوفيُّونَ إلّا حفصًا والأعمشَ (١): ﴿ثَلَاثُ﴾ بالنصب ردًّا على قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ (٢)، ورَفَعه الآخَرون على معنى: هذه الأوقاتُ ثلاثُ عوراتٍ لكم، والمعنى: ثلاثةُ أوقاتٍ (٣) من أوقاتِ العورة، وسُمِّيت هذه الأوقات عوراتٍ لأنّ الإنسانَ يضعُ فيها ثيابَه، فتبدو عورته.
قال السُّدِّي (٤): كان أُناس من الصحابة يُعجبُهم أن يُواقِعُوا نساءهم في هذه الساعات؛ ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم اللَّه تعالى أن يأمروا الغِلمانَ والمملوكينَ أن يستأذِنوا في هذه الثلاثِ الساعاتِ، قال موسى بن أبي
стр. 346
عائشة (١): قلتُ للشَّعبيِّ في هذه الآية: أمنسوخةٌ هي؟ قال: لا، قلت: قد تَرَكَها الناسُ، قال: اللَّه المستعان (٢).
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: المؤمنين الأحرارَ ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: العبيدَ والإماءَ والخَدَمَ والأطفال ﴿جُنَاحٌ﴾ في الدخول عليكم بغيرِ إذنٍ ﴿بَعْدَهُنَّ﴾؛ أي: بعدَ الأوقات الثلاثة التي نُهِيَ عن الدخول فيها بغير إذن.
وقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: هم طَوّافونَ عليكم، يدخلون ويَخرجون ويذهبون ويجيئون، ويتردَّدون في أحو الِهم وأشغالِهم بغيرِ إذن، ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ (٥٨)﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: بعضُكم يَطُوفُ على بعض، وقيل: يَطُوفُ بعضُكم -وهم المماليك- على بعض -وهم الموالِي-.
قيل: هذه الآية منسوخةٌ لا يُعْمَلُ بها اليومَ، وقيل: هي مُحكَمة، والعملُ بها واجبٌ لِما ذكرناه من قول الشَّعبي.
قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: اللاتِي قعَدْنَ عن الأزواج والحَيْض، يعني: المرأةَ الكبيرةَ التي لا تَحيضُ من الكِبَرِ، وهو رفعٌ بالابتداء (٣)، وواحدُ القواعد: قاعِدٌ بغير هاءٍ، وقواعدُ البيت: أساسُه، واحدُها: قاعدةٌ بهاءٍ (٤).
стр. 347
وقوله: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ﴾ محل ﴿أَنْ﴾: نصبٌ بِنَزْعِ الصِّفةِ، تقديره: في أنْ يضَعْن ثيابَهنَّ ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾؛ أي: مُظْهِراتٍ مَحاسِنَهُنَّ بما لا ينبغي أن يُظهِرنَه (١)، وقيل (٢): أصلُ التبرُّج: صعودُ البُرْجِ للإظهارِ أو الكشف، مأخوذٌ من بَرَجِ العَيْنِ، وهو السَّعةُ.
ونَصَبَ غَيْرًا: على الحال من الضمير في ﴿يَضَعْنَ﴾، ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ فلا يضَعْن الجِلبابَ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾؛ أي: هو خيرٌ لهن، وفيه معنى الشرط والجزاء، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لقولكم: ﴿عَلِيمٌ (٦٠)﴾ بما في قلوبكم.
وما بعدَ هذا ظاهرُ الإعراب إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ جَمْع شَتٍّ، وهم المتفرِّقون، وهما منصوبانِ على الحال.
قيل (٣): نَزَلتْ هذه الآيةُ في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلونَ إذا نزل بهم ضيفٌ إلّا معَ ضيفِهم، فرَخَّصَ اللَّهُ تعالى لهم أن يأكلوا كيفما شاءوا، مجتمعينَ أو متفرِّقين.
قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: يُسَلِّمُ بعضُكم على بعض، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤)؛ أي: لا يَقْتُلْ بعضُكم بعضًا (٥)،
стр. 348
فإنْ لم يكن في البيت أحدٌ فليقُل: السَّلامُ علينا من ربِّنا، السَّلامُ علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، السّلامُ على أهل البيت ورحمةُ اللَّه وبركاته.
وقال ابنُ عباس: المرادُ بالبيوت هاهنا: المساجد، قال النَّخَعيُّ (١): فإذا لم يكن في المسجدِ أحدٌ فقُل: السَّلامُ على رسول اللَّه، فإذا لم يكنْ في البيت أحدٌ فقل: السَّلامُ علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، هكذا ذكره صاحبُ الشِّفا بتعريفِ حقوق المصطفى (٢).
وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: نَصْبٌ على المصدر؛ أي: تُحَيُّونَ أنفسَكم بها تحيةً (٣)، وقيل (٤): على الحال، بمعنى: تفعلونها تحيّةً من عند اللَّه ﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، قال ابن عباس: حسَنةً جميلة، وقال الزَّجّاج (٥): أَعْلَمَ اللَّهُ تعالى أن السَّلامَ مُبارَكٌ طَيِّبٌ؛ لِما فيه من الأجرِ والثواب.
стр. 349
فصلٌ
عن جابرٍ ﵁ أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا دخَلتُم بيوتَكم فسَلِّمُوا على أهلها، وإذا طَعِمَ أحدُكم طعامًا فلْيَذْكُرِ اسمَ اللَّه عليه، فإنّ الشيطانَ إذا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ لم يَدْخُلْ بَيْتَهُ، وإذا ذَكَرَ اسمَ اللَّه على طعامه قال: لا مَبِيتَ لكم ولا عَشاء، وإن لم يُسلِّمْ حين يدخل بيتَه، ولم يَذْكُرِ اسمَ اللَّه على طعامه، قال: أَدْرَكْتُم العشاءَ والمَبِيتَ" (١).
وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "السَّلامُ اسمٌ من أسماء اللَّه ، فأَفْشُوهُ بينَكم، فإنّ الرجُلَ المسلم إذا مَرَّ بالقوم فسَلَّمَ عليهم، فرَدُّوا ﵇ كان له عليهم فضلُ درجةٍ بتذكيره إيّاهم بالسَّلام، وإنْ لم يَرُدُّوا عليه رَدَّ عليه من هو خيرٌ منهم وأطيب" (٢).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كَبَيانِهِ في هذه الآية ﴿يُبَيِّنُ [اللَّهُ] لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يفصِّلُ لكم معالمَ دينِكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾؛ أي: لكي تفقَهوا عن اللَّه أمرَه ونهيَه وإرادتَه.
قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ مفعولٌ، أَعْلَمَهُم اللَّهُ تعالى فَضْلَ النَّبِيِّ ﷺ على سائر البَرِيّةِ في المخاطبة، وأَمَرَهُمْ أن يُفَخِّمُوهُ ويُشَرِّفُوهُ ويُعَظِّمُوهُ، ولا يقولوا له عند دعائه: يا محمدُ، يا
стр. 350
ابنَ عبد اللَّه، كما يَدْعونَ بعضَهم بعضًا، بل يقولوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، في لِينٍ وتواضعٍ وخَفْضِ صوتٍ.
و ﴿بَيْنَكُمْ﴾: نَصْبٌ على الظرف، ومن قرأ: ﴿ونَبِيِّكُمْ﴾ (١) بالخَفْض خَفَضَه على البدَل من الرسول.
وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾؛ أي: يَخرُجون من الجماعة واحدًا [واحدًا] (٢)، كقولك: سَلَلْتُ كذا من كذا: إذا أخرجتَه منه، والتسلُّل: الخروج في خُفْيةٍ، يقال: تَسَفلَ فلانٌ من بين أصحابه: إذا خرج من جملتِهم، ومنه: تَسَلُّلُ القَطا.
وقوله: ﴿لِوَاذًا﴾؛ أي: يستتر بعضُكم ببعض، ويروح في خُفْية، قال ابن هشام (٣): اللِّواذُ: الاستتارُ بالشيءِ عند الهرب، قال حسان:
٤٨ - وَقُرَيْشٌ تَفِرُ مِنّا لِواذًا... أَنْ يُقِيمُوا وَخَفَّ مِنْها الحُلُومُ (٤)
واللِّواذُ: مصدر في معنى الحال، أي: مُتَلَاوِذِينَ، وظهرت الواو في قوله: ﴿لِواذًا﴾ على معنى: لَاوَذْتُ لِواذًا، يقال: لَاوَذَ فُلَانٌ بِفَلَانٍ يُلاوِذُ مُلَاوَذةً
стр. 351
ولِواذًا، ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لقال: لِياذا، مثل: القِيامِ والصِّيامِ (١)، ويقال أيضًا: لَاذَ يَلُوذُ لِواذًا ولِياذًا بقلب الواو ياءً (٢).
قيل (٣): نَزَلت هذه الآيةُ في المنافقينَ، كانوا معَ رسول اللَّه ﷺ في حَفْرِ الخندق، وكانوا يذهبون بغير أَمْرِهِ مُخْتَفِينَ، وقيل (٤): كان يَثْقُلُ عليهم خطبةُ النبي ﷺ يومَ الجمُعة فيَلُوذونَ ببعضِ أصحابه، فيَخرُجون من المسجد في استتارٍ من غير استئذان.
ومعنى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ التهديدُ بالمجازاة، ثم حَذَّرَهُم الفتنة والعذاب، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾؛ أي: أَمْرَهُ، و ﴿عَنْ﴾: صلةٌ (٥)، وقيل (٦): معناه: يُعرِضون عن أمره، وينصرفون عنه بغير إذنه، وقيل: معنى قوله: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ يعني: عن أمر اللَّه سبحانه.
وقوله: ﴿أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ يعني: الكفر، وقيل: بلاءٌ في الدنيا ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾؛ أي: وجيع في الآخرة، وقيل: القتل في الدنيا.
стр. 352
ثم عَظَّمَ نَفْسَهُ، فقال: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الخلق عبيده وفي مُلكِه ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الإيمان والنفاق والاستقامة والمخالفة ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ في الآخرة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ من خيرٍ أو شر ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أعمالهم وغيرها ﴿عَلِيمٌ (٦٤)﴾؛ أي: عالِمٌ به، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 353
سورةُ الفرقان
مكّيَة
وهي ثلاثةُ آلافٍ وسبعُمائة وثلاثةٌ وثمانون حرفًا، وثمانِمائة واثنتانِ وتسعون كلمةً، وسبعٌ وسبعون آية.
بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قَرأَ سورةَ الفرقان بُعِثَ يومَ القيامة وهو يؤمن أنّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأنّ اللَّهَ يبعَثُ مَنْ فِي القبور، ودَخَل الجنة بغير حساب" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سورةَ الفرقان فَرَّقَ اللَّهُ بينَه وبين الباطل، وهَداهُ لِمَحابِّهِ، وصَيَّرَهُ في ضَمانِهِ إلى يومِ القِيامة" (٢).
بابُ ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾: محمدٍ ﷺ ،
стр. 354
و ﴿تَبَارَكَ﴾: "تَفاعَلَ" من البركة، ومعناه: تَعالَى وجاء بكل بَرَكةٍ، وقيل: تَعَظَّمَ، وقيل: تَمَجَّدَ، وقيل: ثبت ودام بما لم يَزَلْ ولا يزال.
واشتقاقه من "بَرَكَ الشيءُ": إذا ثَبَتَ، ومنه: بَرَكَ الجملُ، وأصل البركة النماءُ والزيادةُ (١).
وقوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يعني: القرآنَ الذي فَرَّقَ اللَّهُ به بين الحَقِّ والباطلِ، والمؤمنِ والكافرِ، و ﴿الَّذِي﴾ فِي موضع رفع بفعله.
وقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ بالقرآن ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني: الجنَّ والإنس ﴿نَذِيرًا (١)﴾ مُخَوِّفًا من عذاب اللَّه.
ثم عَظَّمَ نفسَه فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يشاركه فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ و ﴿الَّذِي﴾: فِي محل الرفع نعتٌ لـ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٢)، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زَعَمت اليهود والنصارى والمشركون، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ يشاركه فيما خلق، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ هَداهُ لِما يَصْلُحُ له وسَوّاهُ، قال المفسرون: قَدَّر له من الأجل والمرزق، فجَرَتِ المقاديرُ على ما خلق.
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا القرآنُ ﴿إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ محمدٌ، اخْتَلَقَهُ من تلقاء نفسه، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ أي: أعان محمدًا على هذا القرآنِ: عَدّاسٌ مَوْلَى حُوَيْطِبِ بنِ عبدِ العُزَّى وَيَسارٌ غلامُ الحضرميُّ وجَبْرٌ مولى ابنِ عامر، وكانوا من أهل الكتاب، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا
стр. 355
وَزُورًا (٤)﴾ يعني: النَّضر بن الحارث وأصحابه، أي: فقد قالوا شِرْكًا وكذبًا بنِسْبَتِهِمْ كلامَ اللَّه تعالى إِلى الإفك والافتراء.
وهما منصوبان على الحال (١)، يعني: ظالمين وزائرين حين زعموا أن القرآنَ ليس من عند اللَّه، وقال الزَّجّاج (٢): ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾؛ أي: بظلم وزور، وقال غيرُه (٣): المعنى: فقد أتَوْا ظلمًا وزُورًا.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: هذه أساطيرُ الأولين ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ محمدٌ؛ أي: انْتَسَخَها مِنْ عَدّاسٍ وجَبْرٍ وَيَسارٍ، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾؛ أي: تُقْرَأُ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ غدوةً وعشيًّا، نُصِبا على الحال والظرف.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: مشركي مكة ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾؛ أي: هَلّا أُنْزِلَ إليه مَلَكٌ ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾؛ أي: داعيًا، ونَصْبُ "فَيَكُونَ" على جواب الاستفهام.
قوله (٤) : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: أفضلَ من الكَنْزِ والبستان اللَّذَيْنِ ذَكَرُوا، وهو قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني: بساتين فِي الدنيا؛ لأنه قد شاء أن يعطيَه إياها في الآخرة ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾ يعني: بيوتًا مُشَيَّدة، وسُمِّيَ القَصْرُ قَصْرًا لأنه قُصِرَ: أي حُبِسَ ومُنِعَ من الوصول إليه.