ولِواذًا، ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لقال: لِياذا، مثل: القِيامِ والصِّيامِ (١)، ويقال أيضًا: لَاذَ يَلُوذُ لِواذًا ولِياذًا بقلب الواو ياءً (٢).
قيل (٣): نَزَلت هذه الآيةُ في المنافقينَ، كانوا معَ رسول اللَّه ﷺ في حَفْرِ الخندق، وكانوا يذهبون بغير أَمْرِهِ مُخْتَفِينَ، وقيل (٤): كان يَثْقُلُ عليهم خطبةُ النبي ﷺ يومَ الجمُعة فيَلُوذونَ ببعضِ أصحابه، فيَخرُجون من المسجد في استتارٍ من غير استئذان.
ومعنى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ التهديدُ بالمجازاة، ثم حَذَّرَهُم الفتنة والعذاب، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾؛ أي: أَمْرَهُ، و ﴿عَنْ﴾: صلةٌ (٥)، وقيل (٦): معناه: يُعرِضون عن أمره، وينصرفون عنه بغير إذنه، وقيل: معنى قوله: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ يعني: عن أمر اللَّه سبحانه.
وقوله: ﴿أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ يعني: الكفر، وقيل: بلاءٌ في الدنيا ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾؛ أي: وجيع في الآخرة، وقيل: القتل في الدنيا.
стр. 352
ثم عَظَّمَ نَفْسَهُ، فقال: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الخلق عبيده وفي مُلكِه ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الإيمان والنفاق والاستقامة والمخالفة ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ في الآخرة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ من خيرٍ أو شر ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أعمالهم وغيرها ﴿عَلِيمٌ (٦٤)﴾؛ أي: عالِمٌ به، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 353
سورةُ الفرقان
مكّيَة
وهي ثلاثةُ آلافٍ وسبعُمائة وثلاثةٌ وثمانون حرفًا، وثمانِمائة واثنتانِ وتسعون كلمةً، وسبعٌ وسبعون آية.
بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قَرأَ سورةَ الفرقان بُعِثَ يومَ القيامة وهو يؤمن أنّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأنّ اللَّهَ يبعَثُ مَنْ فِي القبور، ودَخَل الجنة بغير حساب" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سورةَ الفرقان فَرَّقَ اللَّهُ بينَه وبين الباطل، وهَداهُ لِمَحابِّهِ، وصَيَّرَهُ في ضَمانِهِ إلى يومِ القِيامة" (٢).
بابُ ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾: محمدٍ ﷺ ،
стр. 354
و ﴿تَبَارَكَ﴾: "تَفاعَلَ" من البركة، ومعناه: تَعالَى وجاء بكل بَرَكةٍ، وقيل: تَعَظَّمَ، وقيل: تَمَجَّدَ، وقيل: ثبت ودام بما لم يَزَلْ ولا يزال.
واشتقاقه من "بَرَكَ الشيءُ": إذا ثَبَتَ، ومنه: بَرَكَ الجملُ، وأصل البركة النماءُ والزيادةُ (١).
وقوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يعني: القرآنَ الذي فَرَّقَ اللَّهُ به بين الحَقِّ والباطلِ، والمؤمنِ والكافرِ، و ﴿الَّذِي﴾ فِي موضع رفع بفعله.
وقوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ بالقرآن ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني: الجنَّ والإنس ﴿نَذِيرًا (١)﴾ مُخَوِّفًا من عذاب اللَّه.
ثم عَظَّمَ نفسَه فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يشاركه فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ و ﴿الَّذِي﴾: فِي محل الرفع نعتٌ لـ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٢)، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زَعَمت اليهود والنصارى والمشركون، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ يشاركه فيما خلق، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ هَداهُ لِما يَصْلُحُ له وسَوّاهُ، قال المفسرون: قَدَّر له من الأجل والمرزق، فجَرَتِ المقاديرُ على ما خلق.
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا القرآنُ ﴿إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ محمدٌ، اخْتَلَقَهُ من تلقاء نفسه، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ أي: أعان محمدًا على هذا القرآنِ: عَدّاسٌ مَوْلَى حُوَيْطِبِ بنِ عبدِ العُزَّى وَيَسارٌ غلامُ الحضرميُّ وجَبْرٌ مولى ابنِ عامر، وكانوا من أهل الكتاب، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا
стр. 355
وَزُورًا (٤)﴾ يعني: النَّضر بن الحارث وأصحابه، أي: فقد قالوا شِرْكًا وكذبًا بنِسْبَتِهِمْ كلامَ اللَّه تعالى إِلى الإفك والافتراء.
وهما منصوبان على الحال (١)، يعني: ظالمين وزائرين حين زعموا أن القرآنَ ليس من عند اللَّه، وقال الزَّجّاج (٢): ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾؛ أي: بظلم وزور، وقال غيرُه (٣): المعنى: فقد أتَوْا ظلمًا وزُورًا.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: هذه أساطيرُ الأولين ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ محمدٌ؛ أي: انْتَسَخَها مِنْ عَدّاسٍ وجَبْرٍ وَيَسارٍ، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾؛ أي: تُقْرَأُ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ غدوةً وعشيًّا، نُصِبا على الحال والظرف.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: مشركي مكة ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾؛ أي: هَلّا أُنْزِلَ إليه مَلَكٌ ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾؛ أي: داعيًا، ونَصْبُ "فَيَكُونَ" على جواب الاستفهام.
قوله (٤) : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: أفضلَ من الكَنْزِ والبستان اللَّذَيْنِ ذَكَرُوا، وهو قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني: بساتين فِي الدنيا؛ لأنه قد شاء أن يعطيَه إياها في الآخرة ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾ يعني: بيوتًا مُشَيَّدة، وسُمِّيَ القَصْرُ قَصْرًا لأنه قُصِرَ: أي حُبِسَ ومُنِعَ من الوصول إليه.
стр. 356
واختلف القُرّاءُ في قوله: ﴿وَيَجْعَلْ﴾، فَرَفَعَ لَامَهُ: ابنُ كثير وابنُ عامر وعاصمٌ برواية أبِي بكرٍ والمُفَضَّلِ: على الاستئنافِ (١)، وجَزَمَهُ الآخَرون: عطفًا على محلِّ الجزاء في قوله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾، وهو في موضع جَزْم، وإن كان لفظه منصوبًا (٢)؛ لأنه جوابُ الشرط، وهو قوله: "إِنْ شاءَ"، وأجاز الفَرّاء النصب على الصَّرف (٣).
قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ يعني: نارَ السعير ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قيل: من مسيرةِ مائة عام ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾؛ أي: غَلَيانًا وفَوْرًا، كالغضبان إذا غَلَى صدرُه من الغضب ﴿وَزَفِيرًا (١٢)﴾ يعني: صوتًا، قال قُطْرُبٌ (٤): التَّغَيُّظُ لا يُسْمَعُ، وإنما المعنى: رأَوْا لها تغيُّظًا، وسَمِعوا لها زفيرًا، قال الشاعر:
٤٩ - وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحا (٥)
стр. 357
أي: وحاملًا رمحًا، قال عُبَيد بن عُمَير (١): إنّ جهنَّم لَتَزْفِرُ زَفْرةً لا يَبْقَى نَبِيٌّ مرسل، ولا مَلَكٌ مقرَّب إلا خَرَّ لوجهه.
قوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قال ابنُ عباس: تضيق عليهم جهنَّم، كما يضيق الزُّجُّ (٢) في الرُّمْحِ، وهو منصوبٌ على الظرف؛ أي: في مكانٍ ضيِّق، وقَرأَ ابن كثير: ﴿ضَيْقًا﴾ بالتخفيف (٣).
وقوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قال ابن عباس: مُصَفَّدِينَ قد قُرِنَتْ أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل والأعناق، وقال مقاتل: مُوثَقِينَ في الحديد قُرِنُوا مع الشياطين، وهو منصوبٌ على الحال، وقوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾
стр. 358
يعني: هلاكًا، أي: صاحوا عند ذلك: واهلاكاه! وهو منصوبٌ على المصدر (١)، وقيل (٢): على المفعول به.
فصلٌ
عن أنسِ بن مالك ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَوَّلُ مَن يُكْسَى يومَ القيامة إبليسُ حُلّةً من النار، فيضعها على حاجبَيْه، فيَسْحَبُها مَنْ خَلْفَهُ -وذُرِّيَّتُهُ خلْفَهُ- وهو يقول: واثُبُوراهُ! وهم ينادُون: يا ثُبُورَهُمْ! حتى يقفوا على النار، فيُنادِي: يا ثُبُوراهُ! وينادُون: يا ثُبُورَهُمْ! فيقول اللَّه: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ يعني: السعير ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وهذا استفهامُ إنكار، وهو ابتداءٌ وخبر، و"أَمْ": عطف على "خَيْرٌ"، وهذه الآية تنبيهٌ على تفاوتِ ما بينَ المنزِلتين، لا على أن في السعير خيرًا.
وقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ يعني الجنة للمتقين ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾؛ أي: ثوابًا ومرجعًا، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾: نصبٌ على الحال ﴿كَانَ﴾ الخلودُ ﴿عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ وذلك أنّ اللَّه وَعَدَ المؤمنين الجنةَ على
стр. 359
لسان الرسُل، فسألوه ذلك الوعدَ في الدنيا، فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ (١)؛ أي: على لسان رسلك (٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ يعني: كفارَ مكةَ ومَن كان يَعْبُدُ غيرَ اللَّهِ، وقَرأَ ابنُ كثير وحفصٌ: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء (٣)، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني الأصنامَ، ثم يَأْذَنُ اللَّهُ تعالى لها فِي الكلام ومُخاطَبَتِه ﴿فَيَقُولُ﴾، وقَرأَ ابن عامر: ﴿فنَقُولُ﴾ بالنون (٤) ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: أمَرْتُموهم بعبادتكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾؛ أي: أخطَأوا الطريقَ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ من أن يكون معه إِلَهٌ يُعْبَدُ ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: أَطَلْتَ لهم العُمُرَ، وأَفْضَلْتَ عليهم، ووَسَّعْتَ لهم فِي الأرزاق ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ يعني: تَركوا الموعِظةَ والإيمانَ بالقرآن ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾؛ أي: هَلْكَى قد غَلَبَ عليهم الشقاوةُ والخِذْلَانُ، قال أبو عُبيد (٥): وأصله من البَوارِ، وهو الكسادُ والفساد، ومنه: بَوارُ الأَيِّمِ وبَوارُ السلعة. وهو اسمُ مصدر، كالزَّوْر، يستوي فيه الواحدُ
стр. 360
والاثنان والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث (١)، قال ابنُ الزِّبَعْرَى (٢) حين أسلم:
٥٠ - يا رَسُولَ المَلِيكِ إِنَّ لِسانِي... راتِقٌ ما فتقْتُ إِذْ أَنا بُورُ (٣)
وقيل (٤): هو جمعُ البائر، يقال: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، وهو: الفاسدُ الذي لا خَيْرَ فيه، ويقال: أَصْبَحَتْ منازلُهم بُورًا؛ أي: خاليةً لا شيءَ فيها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ يا محمَّد ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ (٢٠)﴾ إذا دَخَلت اللام لم يكن في "إنَّ" إلا الكسرُ، ولو لم
стр. 361
يكن اللامُ ما جاز أيضًا إلّا الكسر؛ لأنها مستأنَفةٌ، هذا قولُ جميع النَّحْويِّين (١)، وحُكِيَ عن محمد بن يزيد أنه قال: يجوز الفتح في "إِنَّ" هذه وإن كان بعدَها اللامُ (٢). قال الصفّار (٣): وأظنُّه سهوًا منه.
والحقُّ أنّ اللام لو حُذِفَتْ كان "إنَّ" مكسورةً، نحو: ما قَدِمْتُ عَلَى الأمير إلّا إنه مُكْرِمِي، أي: إلّا وهو مُكْرِمِي حَقًّا، وتقريبُ "إنَّ" بالواو: أَنَّ كليهما يَلِي جملةً مبتدَأةً، والمفتوحة لا يُبْتَدَأُ بها (٤)، قال الشاعر:
٥١ - ما أَعْطَيانِي وَلا سَأَلْتُهُما... إِلّا وإِنِّي لَحاجِزِي كرَمِي (٥)
ولو قال: إلّا وإِنِّي يَصُدُّنِي كَرَمِي لَكَسَرَ أيضًا فافهَمْ.
واللام في الآيةِ والشِّعْرِ جَوابُ القَسَمِ، أي: إِلّا إِنَّهُمْ -واللَّهِ- لَيَأْكُلُونَ، وحذفت الواو في الآية كقول الشاعر:
стр. 362
٥٢ - وما مَسَّ كَفِّي مِن يَدٍ طابَ رِيحُها... منَ النّاسِ إلا رِيحُ كَفَّيْكَ أَطْيَبُ (١)
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ يعني: يومَ القيامة ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: لا بِشارةَ لَهُمْ فِي ذلك اليوم بالجنة والثواب.
ولا يجوزُ أن يكونَ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ منصوبًا بـ ﴿بُشْرَى﴾؛ لأن ما فِي حيِّز النفي لا يعمل فيما قبلَه، ولكنْ فيه تقديران: يجوز أن يكون المعنى: إنهم يُمْنَعُونَ البشارةَ يومَ يرَوْن الملائكة، ودَلَّ على هذا الحذف ما بعدَه، ويجوز أن يكون المعنى: اذْكُرْ يومَ يرَوْن الملائكة (٢).
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ يعني: الملائكةُ يقولون للمجرمين: حِجْرًا مَحْجُورًا؛ أي: حَرامًا مُحَرَّمًا عليكم البُشرى بخير، قال الشاعر:
٥٣ - أَلا أَصْبَحَتْ أَسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا... وأَصْبَحْتُ مِنْ أَدْنَى حُمُوَّتها حَما (٣)
стр. 363
أراد: أَلا أصبحتْ أَسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقيل: معناه: حرامٌ عليكم دخولُ الجنة، وألّا يدخلَها إلّا مَنْ قال: لا إلَه إلا اللَّه. و ﴿حِجْرًا﴾ يُقرَأ بالكسر والفتح والضم (١)، وهو منصوبٌ على المصدر (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾؛ أي: عَمَدْنا وقصَدْنا إلى عمل الكفارِ الذي عملوه في الدنيا، ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ يعني: باطلًا لا ثوابَ له، لأنهم لم يعملوه للَّه، وإنما عملوه للشيطان، والهباء: هو ما يُرَى في الكُوَى من شُعاع الشمس كالغبار، ولا يُمَسُّ بالأيدي، ولا يُرَى في الظل (٣)، والمنثور: المتفرِّق، والمعنى: أنّ اللَّهَ أحبط أعمالَهم حتى صارت كالهباءِ المنثور.
ثم ذَكَر فضلَ أهل الجنة على أهل النار، فقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ القيامة ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أفضلُ مَنْزِلًا في الجنة ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾، مأخوذٌ من القائلة، وهي: الاستكنان في وقتِ انتصاف النهار، قال الأزهري (٤): القَيْلولةُ عند العرب: الاستراحة نصفَ النهار إذا اشتدَّ الحَرّ، وإن لم يكن مع ذلك نَوْمٌ.
والدّليل على ذلك أنّ الجنةَ لا نومَ فيها، قيل فِي التفسير (٥): إنه لا ينتصفُ
стр. 364
النهار يومَ القيامة حتى يستقرَّ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، فتجيءُ القائلةُ وقد فُرِغَ من الأمر، فيَقِيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، وهما منصوبان على التفسير.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾؛ أي: عن الغمام، والباء و"عَنْ" يتعاقَبانِ كما يقال: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعنِ القَوْسِ بمعنًى واحد (١)، وقيل (٢): الباءُ للتعدِية؛ أي: تُشَقِّقُ السماءُ الغمامَ: تُهْوِيها إلى الأرض، وقال أبو عليٍّ الفارسي (٣): تَشقَّق السماءُ وعليها غمام، كما تقول: ركب الأمير بسلاحه وخرج بثيابه؛ أي: وعليه سلاحُه وثيابه.
وإنما تنشقُّ السماء بنزول الملائكة، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾، و ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾، واختلف القُرّاءُ فِي قوله: ﴿تَشَقَّقُ﴾ فقرأ أبو عَمْرو وأهلُ الكوفة بتخفيف الشِّين على الحَذْفِ وتَرْكِ الإدغام والتخفيف، هاهنا وفي سورة ﴿ق﴾ (٤)، وقَرأ الآخَرون بالتشديد فيها، وأدغَموا التاءَ في الشين، على معنى: تَتَشَقَّقُ.
стр. 365
وقوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قرأه العامّة ﴿نُزِّلَ﴾ بنونٍ واحدة مع التشديد على الفعل المجهول، وقرأ ابن كثير (١): ﴿نُنْزِلُ﴾ بنونَيْن مع التخفيف ونَصْبِ الملائكة: منَ الإنْزال، وجَعَلَ الفِعْلَ منَ الإنْزالِ والمَصْدَرَ عَلَى "فَعَّلَ"؛ لأَنَّ "أَنْزَلَ" مِثْلُ: "نَزلَ"، كقوله تعالى ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ القيامة ﴿الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ مبتدأٌ وخبر، وأجاز أبو إسحاقَ نصبَ الحق بمعنى: أُحِقُّ الحقَّ، أو: أعني الحقَّ (٣)، قال ابن عباس: يريدُ أنّ يوم القيامة لا مَلِكَ يقضي فيه غَيْرُهُ ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ عَسُرَ عليهم ذلك اليومُ لشدّتِه ومشقَّتِه، ويُهَوَّنُ على المؤمنين كأَدْنَى صلاةٍ صَلَّوْها في دار الدنيا، وفي الآية تبشيرٌ للمؤمنين، حيث خَصَّ الكافرين بشدة ذلك اليوم وعُسْرِهِ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ يعني: عُقبةَ بنَ أبي مُعَيْط يأكل يدَيْه نَدَمًا وتَحَسُّرًا حتى تذهبا إلى المِرفَقَيْن ثم تَنْبُتانِ، فلا يزال هكذا، كلما نبتت يداه أَكَلَهُما ندامةً على ما فعل، ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي﴾ فَتَح ياءه أبو عَمْرو (٤)، وأسكنه الباقون.
стр. 366
وقوله: ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾؛ أي: اتَّبعتُ محمدًا في الدنيا، واتَّخذت معه سبيلًا إلى الهدى، ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾ يعني: أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ، وكان عُقْبةُ وأُبَيٌّ مُتَخالِلَيْنِ، فأَسلَمَ عُقْبةُ، فقال أُبَيُّ ابن خلف: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرالم إن تابَعْتَ محمدًا، فكَفَرَ وارْتَدَّ، وأَرْضَى خليلَه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (١).
وأُنْشِدَ في المعنى لأبِي وائلٍ عبد الرحمن بن الحسن:
٥٤ - تَجَنَّبْ قَرِينَ السُّوءِ واصْرِمْ حِبالَه... فَإِنْ لمْ تَجِدْ عَنْهُ مَحِيصًا فدارِه
وأَحْبِبْ حَبِيبَ الصِّدْقِ واحْذَرْ مِراءَهُ... تَنَلْ مِنْهُ صَفْوَ الوُدِّ ما لمْ تُمارِهِ
وفِي الشَّيْبِ ما يَنْهَى الحَلِيمَ عنِ الصِّبا... إذا اشْتَعَلَتْ نِيرانُهُ في عِذارِهِ (٢)
وأنشَد أبو بكرِ بن عبد اللَّه الحامِدي:
٥٥ - اصْحَبْ خِيارَ النّاسِ حَيْثُ لَقِيتَهُمْ... خَيْرُ الصَّحابةِ مَنْ يكُونُ عَفِيفا
والنّاسُ مِثْلُ دَراهِمٍ مَيَّزْتَها... فوَجَدْتَ فِيها فِضّةً وزُيُوفا (٣)
стр. 367
فصلٌ
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَثَلُ جَلِيسِ السوءِ كمَثَلِ [صاحب] (١) الكِيرِ، إِنْ لم يُحْرِقْ ثيابَك يَعْبَقْ بِكَ رِيحُهُ" (٢).
وقال مالكُ بن دينار (٣): إنك إنْ تنقُل الحجارةَ معَ الأبرار خيرٌ لك من أن تأكلَ الخَبِيصَ مَعَ الفُجّارِ.
قوله تعالَى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾؛ أي: ويقولُ الرسول محمد ﷺ فِي ذلك اليوم: ﴿الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ يعنِي: قالوا فيه غيرَ الحق، وزعموا أنه شِعرٌ وسحر، مأخوذٌ من الهُجْرِ، وهو القول السيِّئ، وقيل: من الهِجْرانِ؛ أي: أَعْرَضُوا عنه وتركوه، فلم يؤمنوا به، ولمْ يعملوا بِما فيه، قَرأَ نافعٌ وأبو عَمْرو والبَزِّيُّ: ﴿قَوْمِيَ﴾ بفتح الياء (٤)، وأسكنها الباقون.
стр. 368
فصلٌ
عَن أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَعَلَّمِ القُرآنَ وعَلِّمْهُ، ومنْ عَلَّقَ مُصْحَفًا لمْ يَتَعاهَدْهُ ولمْ يَنْظُرْ فِيهِ، جاء يوْمَ القِيامةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يقُولُ: يارَبَّ العالَمِين! عَبْدُكَ هذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ بَيْني وبَيْنَهُ" (١).
وعن حُذَيفةَ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قِراءةُ الرَّجُلِ في غَيْرِ المُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجةٍ، وفي قِراءَتِهِ في المُصْحَفِ يُضاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَلْفَي دَرَجةٍ" (٢).
ثم عَزَّى نَبِيَّهُ ﷺ فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: لا تحزَنْ على ما فَعَلَ قومُكَ، فإنّ الأنبياءَ قبلَك قد لقِيتَ هذا التكذيبَ من قومهم، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ مرشدًا لك ﴿وَنَصِيرًا (٣١)﴾ ناصرًا لك على أعدائك، وهما منصوبانِ على الحال أو التمييز (٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: هلّا نُزِّلَ عليك القرآنُ في وقتٍ واحد، كما أُنزلت التوراة والإنجيلُ والزَّبُورُ؟ فقال اللَّه تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أنزلناه متفرِّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لِنُقَوِّيَ به قلبَكَ فيزدادَ بصيرةً ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾؛ أي: بيَّنّاهُ بيانًا، وفصَّلناه تفصيلًا، والترتيل: التحقيقُ والتبيين، وهو مصدرٌ جاء على غير الصدر، ونَصْب ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾: على الحال.
стр. 369
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يضربونه لك فِي إبطال أمرك ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ لنبطل به كيدهم ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ مما أَتَوْا به من المثل، أي: أحسن بيانًا وكشفًا، والتفسير: "تفعيل"، من الفَسْر، وهو: كَشْفُ ما غُطِّيَ، وهو منصوبٌ على التفسير.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ قال مُقاتلٌ: هم كفارُ مكّة، وذلك أنّهم قالوا لمحمدٍ ﷺ وأصحابِهِ: هم شَرُّ خَلْقِ اللَّه، فقال اللَّه تعالى: ﴿جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ يعني: منزلًا ومصيرًا ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ يعني: دينًا وطريقًا من المؤمنينَ، ونَصْب ﴿مَكَانًا﴾ و ﴿سَبِيلًا﴾: على التمييز.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ (٣٧)﴾ بالطُّوفان، قال الزَّجّاج (١): مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فقد كَذَّبَ جميعَ الأنبياء.
ونَصْب ﴿قَوْمَ نُوحٍ﴾ بإضمار: اذكرْ، أو على العطف على المضمَر في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ (٢)، ويجوز أن يكون معطوفًا على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾ (٣)، وزَعَم الفَرّاء أنه منصوبٌ بـ ﴿أَغْرَقْنَا﴾ (٤)، وهذا لا يحصل؛ لأن ﴿أَغْرَقْنَا﴾ ليس ممّا يتَعدَّى إلى مفعولَيْن، فيعملَ في المضمر (٥).
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ
стр. 370
كَثِيرًا (٣٨)﴾ عطفٌ على ﴿قَوْمَ نُوحٍ﴾ إِذْ كان ﴿قَوْمَ نُوحٍ﴾ منصوبًا على العطف، أو بمعنى ﴿اذْكُرْ﴾، ويجوز أن يكون هذا كله منصوبًا على أنه معطوفٌ على المضمَر الذي في ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، وهو أَوْلى؛ لأنه أقربُ إليه (١).
وقَرأَ حفصٌ وحمزةُ: ﴿ثَمُودَ﴾ بغير تنوين، والباقونَ بالتنوين (٢)، والرَّوسُّ في كلام العرب: كُلُّ محفورٍ، كالبئرِ والمعدِن والقبر ونحوِها، وجَمْعُها: رِساسٌ (٣)، قال الشاعر:
٥٦ - تَنابِلةً يَحفِرونَ الرِّساسا (٤)
وقال أبو عُبيدة (٥): الرَّسُّ في كلام العرب: كُلُّ رَكِيّةٍ لمْ تُطْوَ بالحجارة
стр. 371
والآجُرِّ والخشب. قال الكَلْبيُّ (١): أصحابُ الرَّسِّ أُرْسِلَ إليهم نَبِيٌّ فأكلوه، وهم أولُ من عَمِلَ نساؤُهم بالسحر.
وقال السُّدِّيُّ: الرَّسّ: بئرٌ بأنطاكيةَ قتَلوا فيها حَبِيبًا النجارَ فنُسِبُوا إليها، وهذا قولُ ابن عباس، قال: سألتُ كَعْبًا عن أصحاب الرّسَّ فقال: هم الذين قَتلوا صاحبَ يَس الذي قال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢)، وَرَسُّوهُ فِي بئرٍ لهم يقال لها: الرَّسُّ؛ أي: دَسُّوْهُ فيها.
وقال وَهبٌ: كانوا أهلَ بئرٍ نُزُولًا عليها وأصحابَ مَواشٍ، فكَذَّبُوا شُعَيْبًا فانهارت البئرُ بهم وبمنازلِهم، فهَلَكوا جميعًا.
قوله: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: بيَّنّا لهم أنّ العذابَ نازِلٌ بهم ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾؛ أي: أهلَكْنا بالعذاب إهلاكًا، وكلُّ شيءٍ كَسَّرْتَهُ وفتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ، و ﴿كُلًّا﴾: مفعولٌ مقدَّم، والتقدير: ضربنا كُلًّا، وتبّرنا كلًّا (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ يا محمّدُ ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾، ثم ذكر ما يقولون من الاستهزاء، فقال تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾؟ استفهامُ إنكارٍ، وأراد: بَعَثَهُ اللَّهُ إلينا رسولًا، ومتى كان العائدُ متّصلًا بفعل وهو مفعول، جاز إثباتُه وحذفه، مثلَ: أَعْجَبَ زيدًا ما كَرِهَ عَمْرٌو وما كَرِهَهُ عَمْرٌو، ومتى كان العائدُ متّصلًا بحرف جَرٍّ أو باسمٍ، لم يَحسُن حذفه مثلَ قولك:
стр. 372
يعجبُني الذي مررتَ به والذي أنت ضاربُه؛ لأنّ المضافَ يبقى بلا مضافٍ إليه، وحرفُ الجرِّ يبقى بلا مجرور، فإنْ حذفتَ الجارَّ والمجرور أخلَلْتَ بالاسم. ونَصْب ﴿رَسُولًا﴾ على الحال، وقيل: على المصدر وهو بمعنى: رسالة (١).
قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾؛ أي: يُضلُّنا، واللام هاهنا مقحَمةٌ زائدة، وهي مفتوحة (٢)، والمعنى: لقد كاد محمدٌ أن يصرفَنا عن عبادة آلهتنا ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على عبادتها، وجوابُ "لَوْلَا" (٣) محذوفٌ، دَلَّ عليه ما قبله (٤).
قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ في الآخرة عِيانًا ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾؛ أي: مَنْ أَخْطَأُ طريقًا عن الهُدى، أَهُمْ أم المؤمنون؟ ونَصْب ﴿سَبِيلًا﴾ على التمييز.
قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلّ (٤٥)﴾ معناه: أَلم تَرَ إلى ربِّك كيف مدَّ الظل؟ وقال مُقاتلٌ: معناه: ألم ترَ إلى فعل ربِّك، فحذف المضاف.
стр. 373
وقال الزَّجّاج (١): معناه: ألم تعلَم؟ وهذا من رؤية القلب، وذكروا أن هذا على القلب، تقديرُه: ألم ترَ إلى الظلِّ كيف مَدَّهُ رَبُّكَ؟ وهو: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وإنما جعله ممدودًا لأنه لا شمسَ معه، كما قال في الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (٢)؛ أي: لم تكن معَه شمسٌ.
قال أبو عُبيدةَ (٣): الظِّلُّ: ما تنسَخُه الشمس، وهو بالغَداة، والفَيْء: ما نَسَخَ الشَّمْسَ، وهو بعدَ الزوال، وسُمِّيَ فَيْئًا لأنه فاء من جانب المغرب، أي رَجَع.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾؛ أي: سِتْرًا تستترون به وتسكنون فيه، والمعنى: أنّ ظُلمتَه تَلبَسُ كلَّ شخصٍ وتغشاه كاللباس؛ أي: يشتمل على لابسه.
قوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾؛ أي: راحةً لأبدانكم وقَطْعًا لعملكم، وأصل السُّبات: القَطْعُ، ومنه: يومُ السَّبت والنِّعالُ السَّبْتِيّةُ (٤)، ويُقالُ: أَسْبَتَ الرَّجُلُ: إذا اعْتَرَتْهُ سَكْتة، وسَبَتُوا عُنُقَهُ: إذا قَتَلُوهُ، والسُّباتُ مأْخُوذٌ منَ الإِقامةِ وَلُزُوم المكان (٥).
قوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾؛ أي: يقَظةً وحياةً تنتشرون فيه لأشغالكم وابتغاءِ الرزق، والنُّشورُ هاهنا معناه: التفوق والانبساط بالتصرُّف.
стр. 374
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ وقَرأَ ابن كثيرٍ وحدَه: ﴿الرِّيحَ﴾ على التوحيد (١) ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ هو جَمْع بَشُورٍ، مثلَ: رَسُولٍ ورُسْلٍ (٢)، وهو منصوبٌ على الحال، وقد ذكرتُ نظيرَها فِي سورة الأعراف (٣).
قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾، وهو الطّاهِرُ في نفسه المُطَهِّرُ لغيره، ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ولم يقُلْ: ميِّتة؛ لأنه رَجَع إلى المكان والموضع (٤).
قال كعبُ الأحبار (٥): المطر رُوحُ الأرض، والمعنى: لنُحييَ -بالمطر- بلدةً ليس فيها نباتٌ ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾ قَرأ العامة: ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ بضمِّ النون، ورُوِيَ (٦) عن عاصم بفتح النون، وهي قراءة عُمرَ بن الخطاب ﵁.
والأَناسِيُّ: جَمْع الإنسان (٧)، فتكونُ الياء بدلًا من النون؛ لأنّ أصلَه:
стр. 375
أَناسِينُ -بالنون- مثلَ: سَراحِينَ جَمْع: سِرْحانٍ، فلما أُلْقِيَت النونُ من آخره عُوِّضَت الياءُ، ولو قيل (١): هو جمع "إِنْسِيٍّ"، فهو أيضًا مذهبٌ صحيحٌ، وهو واحدُ الإنس، جَمْعه على لفظه، مثل: كُرْسِيٍّ وكَراسِيَّ. والإنس: جمع الجنس يكونُ بطرح ياء النسبة، مثلَ: رُومِيٍّ ورُوم (٢).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: خَلَطَهما وأجراهما وأفاض أحدَهما في الآخر، وأصلُ المَرْجِ: الخَلْطُ والإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ" (٣)، ﴿هَذَا﴾ يعني: أحد البحرين ﴿عَذْبٌ﴾ طَيِّبٌ، يقال: عَذُبَ الماءُ يَعْذُبُ عُذُوبةً فهو عَذْبٌ ﴿فُرَاتٌ﴾ الفرات: أَعْذَبُ المِياهِ، يقال: فَرُتَ الماءُ يَفْرُتُ فُرُوتةً: إذا عَذُبَ، فهو فُراتٌ، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديدُ المُلوحة، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا﴾ يعني: البحرَيْن، وهما: بَحْرُ فارِسَ وبَحْرُ الرُّومِ ﴿بَرْزَخًا﴾ حاجزًا من القُدرة ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ يعني: سِتْرًا ممنوعًا، كقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٤)، نظيرها في سورة الرحمن (٥).
стр. 376
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ الوحي والقرآن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾، "مِنْ": صلةٌ؛ أي: أَجْرًا ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾.
قال أهل المعانِي (١): هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لَكِنْ مَنْ شاء أن يتَّخذ إلى ربِّه سبيلًا، بإنفاقِهِ مالَهُ في سبيل اللَّه.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾: نَصْبٌ على الحال أو التمييز.
قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، محَلُّ ﴿الَّذِي﴾ من الإعراب: الخفضُ: على نعت ﴿الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وقوله: ﴿أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ قيل (٢): معناه: فاسألْ خبيرًا بالرحمن، وقيل: فاسألْ به خبيرًا وهو اللَّه تعالى، وقيل: جِبريل ﵇، والباءُ بمعنى: "عَنْ" (٣)، أي: فاسألْ عنه، كقول الشاعر عَلْقَمةُ ابنِ عَبَدةَ (٤):
стр. 377
٥٧ - فإنْ تَسأَلوني بِالنِّساءِ فإنَّني... بَصِيرٌ بِأدواءِ النِّساءِ طَبيبُ (١)
وفي رَفْع ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ثلاثةُ أوجه: يجوز أن يكونَ بدلًا من المضمَر الذي في ﴿اسْتَوَى﴾، ويَجوز أن يكون مرفوعًا بمعنى: هو الرَّحمن، ويَجوز أن يكونَ مرفوعًا بالابتداء، وخبره ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، ويجوز الخَفْض، بمعنى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ. . . الرَّحْمَنِ، يكونُ نعتًا، ويجوز النَّصب على المدح (٢).
قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يعني: لكفّارِ مكة ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ما نعرفُ الرَّحمنَ إلّا رَحْمانَ اليمامةِ، يعني: مُسَيْلِمةَ الكذاب، ﴿أَنَسْجُد لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ استفهامُ إنكار؛ أي: لا نسجد للرَّحمن الذي تأمُرُنا بالسجود له.
قَرأَه العامةُ بالتاء، وقَرأَ حمزةُ والكسائي وعبدُ اللَّه بن مسعود والأسودُ ابن يزيد (٣) والأعمَشُ: بالياء (٤)، والمعنى: أنسجُد لما يَأمُرُنا محمدٌ بالسجود
وقيل: هي النجوم الكبار، سُمِّيت بروجًا لظهورها، وقيل: هي الشَّرَجُ، وهي أبواب السماء التي تُسمى المَجَرّةُ (١).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ يعني: في السماء ﴿سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ يعني بالسِّراج: الشمس، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٢)، وقَرأ حمزةُ والكسائي: ﴿سِرَاجًا﴾ على الجمع (٣)، قال الزَّجّاج (٤): أراد: الشمسَ والكواكبَ معها.
ودليلُ هذه القراءة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٥).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أراد: مختلِفةَ الألوان للاعتبار والتفكُّر والتذكر، قال أبو عُبيدة (٦): الخِلْفةُ: كلُّ شيءٍ بعد شيء، الليلُ
стр. 380
خِلْفةٌ للنهار، والنهار خِلْفةٌ لِلَّيْلِ؛ لأنّ أحدَهما يَخْلُفَ صاحبَه، هذا يذهب، وهذا يَجِيءُ، فهما متعاقبان.
وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ قرأه العامة بالتشديد على الإدغام، وقرأ حمزةُ مخفَّفًا (١) على معنى أنه يَذْكُرُ اللَّه ويسبح فيهما، قال الفَرّاء (٢): ويَذْكُرُ ويتذكر يأتيانِ بمعنًى واحد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ واذْكُرُوا ما فِيهِ" (٣)، وفي حرف عبد اللَّه: ﴿وَتَذَكَّرُوا ما فِيهِ﴾ (٤).
وفِي جَعْلِ اللَّهِ تعالى الليلَ والنهارَ مُتَعاقِبَيْنِ يَخْلُفُ أحدُهُما صاحِبَهُ، اعتبارٌ واستدلالٌ على قدرته، ومُتَّسَعٌ لذِكْرِهِ وطاعتِهِ وشكرِهِ، وذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ يقال: شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْرًا وشُكُورًا، قال صاحبُ إنسان العَيْن (٥): والشُّكُورُ: إشارة إليه فِي عمر ابن الخطاب ﵁ لِفَواتِ وِرْدِهِ.
فإنْ فاتَ رَجُلًا من النهار شيءٌ من وِرْدِهِ أَدْرَكَهُ بالليل، وإن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، وذلك قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾؛ أي: رِفقًا بالسَّكينة والوقار والطاعة والتواضع معَ الاستغفار، غيرَ أَشِرِينَ ولا متكبرين ولا
стр. 381
مَرِحِينَ ولا مفسِدين، والهَوْنُ في اللغة: الرُّفق واللين، ومنه قوله ﷺ : "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عسى أن يكون بغيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بغيضَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون حبيبَكَ يومًا ما" (١)، والهَوْنُ: مصدر الهَيِّن في السكينة والوقار، يقال: فلانٌ يمشي هَوْنًا: إذا كان يمشي في اقتصاد وتواضع وسَكِينة ووقار.
قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ يعني: السُّفهاءَ بما يكرهونَه ﴿قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ نَصْبٌ على المصدر؛ أي: سلَّموا عليهم سلامًا، وقال طاهر ابن أحمد (٢): ليس المرادَ بالسلام في الآية الكرامةُ والتحيّة، وإنما المرادُ به التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيةُ؛ لأنه خطابُ المؤمنين للجاهلين، كأنهم قالوا: تَبَرَّأْنا منكم تَبَرُّؤًا، وسُلِّمْنا منكم تَسْلِيمًا، فأَوْقَعَ السلامَ موقعَ التسليم، فانتصب بانتصابه، فلذلك وجب نصبه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ هذا وَصُفُ لَيْلِهِمْ، قال الزَّجّاج (٣): كُلُّ مَنْ أدركه الليل فقد بات يبيت، نام أو لم يَنَمْ، يقال: بات فلانٌ قَلِقًا، والمعنى: يَبيتون لربِّهم بالليل فِي الصلاة سُجَّدًا وقيامًا، قال ابن عباس (٤): مَن صلَّى بالليلَ ركعتَيْنِ أو أكثرَ فقد بات للَّه -سبحانه- ساجدًا وقائمًا، وهما منصوبانِ على الحال.
стр. 382
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾؛ أي: مَلْجَأً دائمًا لازمًا، غيرَ مُفارِقٍ مَن عُذِّبَ به من الكفار، ومنه سُمِّيَ الغَريمُ غريمًا؛ لِطَلَبِهِ حَقَّهُ وإِلْحاحِهِ على صاحبه وملازمتِهِ إِيّاهُ، ويقال: فلانٌ مُغْرَمٌ بفلان: إذا كان مُولَعًا به، لا يصبر عنه، ولا يفارقه (١)، قال الأعشى:
٥٩ - إنْ يُعاقِبْ يكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ... طِ جَزِيلًا فإنَّنا لا نُبالِي (٢)
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا﴾ يعني: جهنَّم ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾؛ أي: بئس موضعَ قرارٍ وإقامة، من: أقام يُقيم، وإذا فُتِحت الميم فهو المجلس، من: قام يقوم، وهما نَصْبٌ على التفسير.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يقال: قَتَرَ الرَّجُلُ على عياله يَقْتُرُ ويَقْتِرُ قَتْرًا، وأَقْتَرَ إقتارًا: إذا ضَيَّقَ عليهم ولم يُنفقْ إلّا قَدْرَ ما يمسك الرَّمق.
قَرأَ نافعٌ وابنُ عامر بضمِّ الياء وكسر التاء، وقَرأ أبو عَمْرو وابنُ كثير بفتح
стр. 383
الياء وكسر التاء (١)، وقرأ الباقونَ بفتح الياء وضم التاء، قال أبو عُبيد (٢): هي ثلاثُ لغات، معناها: لم يُضيِّقوا في الإنفاق.
﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: وكان الإنفاق بين الإسراف والإقتار ﴿قَوَامًا (٦٧)﴾ لا إسرافًا يدخل به في حدِّ التبذير، ولا تضييقًا يصير به فِي حَدِّ المنع لِما يجِبُ، وهذا هو المحمُودُ من النفقة، وقال قَتادة: الإسراف: النفقة في معصية اللَّه، والإقتار: الإمساك عن حقِّ اللَّه، والقَوامُ من العيش: ما أقامك وأغناك.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يعني: هذه الخِصالَ جميعًا ﴿يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾؛ أي: عقوبةً وجزاءً لِما فَعَلَ، وهو شرطٌ ومجازاة، والأثام: الإثم، قال الفَرّاء (٣): أَثَمَهُ اللَّهُ يأثِمُهُ إِثْمًا وأَثامًا؛ أي: جَزاهُ جَزاءَ الإثم، قال عامر بن الطفيل (٤):
стр. 384
٦٠ - ورَوَّيْنا الأَسِنّةَ مِن صُداءٍ... ولاقَتْ حِمْيَرٌ مِنّا أَثاما (١)
وقال المفسِّرون (٢): أثامٌ: وادٍ في جهنَّم من دم وقَيْح.
ثم ذكر ما يُجازَى به، وفَسَّرَ لُقِيَّ الأثام بقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهو بدَلٌ من قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾؛ لأن لُقِيَّ الأثام مضاعفةُ العذاب (٣)، وهو بدَلُ فعلٍ من فعل، قال الشاعر:
٦١ - مَتَى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في دِيارِنا... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا (٤)
стр. 385
مجازُه: متَى تأْتِنا، ومتى تُلممْ بنا؛ لأن الإلمامَ هو: الإتيان، وإنما قال: "تأجَّجا"، ولم يقل: تأجَّجَتْ، والنارُ مؤنَّثة؛ لأنه أراد: وَقودًا ولَهَبًا، والمذكر يغلِب المؤنث.
قوله: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ يعني: في العذاب ﴿مُهَانًا (٦٩)﴾: عطفٌ على قوله: ﴿يُضَاعَفْ﴾، قرأهما العامّةُ بجزم الفاءِ والدال على جواب الشرط، ورفعهما ابنُ عامر وأبو بكر عن عاصم على الابتداء، غيرَ أنّ ابن عامر حذف الألف من ﴿يُضَاعَفْ﴾ هو وشدَّد العين على أصله، وكذلك ابنُ كثير أيضًا يحذف الألف ويشدِّد العين على أصله (١)، وقَرأَ ابنُ كثيرٍ وحفص: ﴿فِيهِي مُهَانًا﴾ بوَصْل الهاء بياء (٢)، وهو منصوبٌ على الحال.
ثم اسْتَثْنَى، فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من ذنبِه ﴿وَآمَنَ﴾ بربِّه ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ فيما بينَه وبينَ اللَّه ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يعني: أهلُ هذه الصفة ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ التبديلُ في الدنيا: طاعة اللَّه بعد عصيانه، وذكر اللَّه بعد نسيانه ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ لذنوب التائبين.
стр. 386
فصلٌ
عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "إنّ وَحْشِيًّا قاتِلَ حَمْزةَ (١) ﵁ كتب إلى رسول اللَّه ﷺ : إنِّي أريد أن أُسلم، ولكنْ منَعَني من الإسلام آيةٌ من القرآنِ أُنزِلت عليك، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، وإنّي قد فعلتُ هذه الأشياءَ كلَّها، فهل لي من توبة؟ فنزلت هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، فكتب بذلك النبيُّ ﷺ إلى وَحْشي، فكتب وَحْشيٌّ إليه: إنّ في الآية لَشرطًا، وهو العمل الصالح، فلا أدري: أأنا أقدِرُ على العمل الصالح أم لا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، فكتب بذلك إلى وَحْشي، فكتب وَحْشيٌ إليه: إنّ في الآية شرطًا، فلا أدري: أيشاء أن يغفر لي أم لا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، فكتب النبي ﷺ بذلك إلى وَحْشي، فلم يجدْ في الآية شرطًا، فقَدِم المدينةَ فأسلم" (٤).
стр. 387
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خَرَجْتُ ذاتَ ليلةٍ بعدَ ما صلَّيتُ العشاءَ الأخيرةَ مع رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أنا بامرأةٍ منْتقِبة قائمة على الطريق، فقالت: يا أبا هريرة: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ قلت: ما ذنبُكِ؟ قالت: إني زنَيْتُ، وقتلتُ ولدي من الزنا، قال: فقلت لها: هلكتِ وأهلكتِ، واللَّه ما لكِ من توبة، قال: فشَهِقَتْ شَهْقةً، وخرَّت مَغْشيًّا عليها، فقلتُ في نفسي: أُفتي ورسولُ اللَّه ﷺ بين أظهُرِنا؟ فلمّا أصبحتُ غدَوْتُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليك وسلم-: إنّ امرأةً استفتَتْني البارحةَ في كذا وكذا، وإني أفتيتُها بكذا وكذا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون! أنت -واللَّه- هلكتَ وأهلكتَ يا أبا هريرة، أين كنت من هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؟ "، قال: فخرجتُ من عند رسول اللَّه ﷺ وأنا أعدو في سِكك المدينة، وأنا أقول: من يدُلُّني على امرأةٍ استفتَتْني البارحةَ بكذا وكذا؟ والصِّبيان يقولون: نحن يا أبا هريرة، حتى إذا كان في الليل لَقِيتُها في ذلك الموضع، وأعْلَمْتُها بقول رسول اللَّه ﷺ : إنّ لها توبةً، فشَهَقَتْ شَهْقةً من السرور، وقالت: إنّ لي حديقةً، وهي صدَقةٌ للمساكين كفّارةً لذنبي (١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قيل: أراد الشِّرك باللَّه وتعظيمَ الأنداد، وقيل: شهادةُ الزور، وقيل: أعيادُ المشركين، وقيل: الكذب، وقيل: مجالسُ الباطل، وقيل: الغناءُ، بدليل ما رُوِي عن محمد بن المنكدِر (٢) أنه
стр. 388
قال: بلَغَني أنّ اللَّه يقول يومَ القيامة: "أين الذين كانوا يُنَزِّهُونَ أسماعَهُمْ وأنْفُسَهُم عن اللَّهو ومزامير الشيطان؟ أدخِلوهم رياضَ المِسك"، ثم يقول للملائكة: "أَسْمِعُوا عبادي تحميدي وثنائي وتمجيدي، وأخبِروهم أَنْ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون".
وأصلُ الزُّور: تحسينُ الشيء، ووصْفُه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّلَ إلى من يسمعه ويراه بخلاف ما هو فيه، فهو تَموِيهُ الباطلِ بما يُوهِمُ أنه حَقٌّ.
قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يعني: المعاصيَ كلَّها ﴿مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾؛ أي: إذا سمعوا من الكفّار الشَّتمَ والأذى أعرَضوا عنه وصَفَحوا، نظيرُه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، والمعنى: مروا مُنَزِّهينَ أنفسَهُم مُعْرِضين عنه، والتقدير: وإذا مَرُّوا بأهل اللَّغو وذَوِي اللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا، فلم يُجارُوهم فيه، ولم يَخوضوا معهم فيه.
قال أهل اللغة: وأصلُه من قول العرب: ناقةٌ كريمةٌ، وبقرةٌ كريمةٌ، وشاةٌ كريمةٌ: إذا كانت تُعْرِضُ عند الحَلْبِ تكرمًا، كأنها لا تُبالِي بما يُحْلَبُ منها، ونَصْب ﴿كِرَامًا﴾: على الحال.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾؛ أي: إذا وُعِظوا بالقرآن ﴿رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا﴾؛ أي: لم يَقَعُوا ولم يقيموا ﴿عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ بل يسمعون ما يُذَكَّرون به فيفهَمونَه، ويرَوْن الحقَّ فيه فيتَّبِعونه، وهو منصوبٌ أيضًا على الحال.
стр. 389
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قَرأَ أبو عَمْرٍو وأهلُ الكوفة إلّا حفصًا بغير ألف (١)، وقرأ الباقونَ بالألف، والذُّرِّيّةُ: يكون واحدًا وجمعًا، فكونُها للواحد قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (٢)، وكونُها للجمع قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ (٣)، فمن أفرد في هذه الآية استغنى عن جمعها لَمّا كانت للجمع، ومَن جَمَعَ فلأنّ الأسماءَ التي للجمع قد تُجمع، نحو: قومٍ وأقوام، ورَهْطٍ وأَراهِط (٤).
وقوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾؛ أي: بأنْ نراهم مؤمنينَ صالحين مُطيعين لك، ووَحَّدَ القُرّةَ لأنها مصدر، يقال: قَرَّتْ عينُه قُرّةً، وأصلُها من البَرْد، والعرب تتأذَّى من الحرّ وتَسْتَرْوِحُ إلى البرد، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾؛ أي: أئمةً يُقْتَدَى بنا.
وقال بعضُهم (٥): هذا من المقلوب؛ أي: واجعَل المتَّقينَ لنا إمامًا، واجعَلْنا مُؤْتَمِّينَ مقتدينَ بهم. ولم يقُلْ: أئمةً؛ لأنّ الإمامَ مصدر، يقال: أَمَّ فلانًا إمامًا مثلَ: الصِّيام والقيام.
وقال الفَرّاء (٦): إنما قال: "إمامًا" ولم يقل: "أئمةً"، كما قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ
стр. 390
رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ" (١) للاثنَيْن، يعني: أنه من الواحد الذي أُرِيدَ به الجمعُ.
قال طاهر بن أحمد (٢): وإمامٌ في الآية جَمْع؛ لأنه المفعول الثاني لـ "جَعَلَ"، والمفعول الأول جمعٌ أيضًا، والثانِي هو الأول، فوجب أن يكون جمعًا واحدُه: آمٌّ؛ لأنه قد سُمِعَ هذا في واحِدِهِ، قال اللَّه -سبحانه-: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (٣)، فهذا جمعُ: آمٍّ مُسَلَّمًا، وقياسُهُ على حدِّ: نائم ونِيامٍ وقائم وقِيامٍ، فأما قولهم: أَئِمّةٌ فجمعُ إمام الذي هو مفرد، على حدِّ: عِنانٍ وأَعِنّةٍ وسِنانٍ وأَسِنّةٍ، والأصل: أَيِمّةٌ فقلبت ألفًا (٤).
وقيل: من جَمَعه "أئمةً"، فلأنه قد كثُر حتى صار بمعنى الصِّفة، وقال بعضهم (٥): أراد "أئمةً"، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٦)، وقال الشاعر:
يا عاذِلاتي لا تُرِدْنَ مَلامَتِي... إنَّ العَواذِلَ ليسَ لي بِأَمِيرِ (٧)
أي: بأُمَراءَ. وقيل (٨): هو جَمْع "آمٍّ"، والجمعُ يَصلُح للواحد والجمع، يقال: دِرْعٌ دِلَاصٌ وأَدْرُعٌ دِلَاصٌ (٩).