← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فصلٌ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "إنّ وَحْشِيًّا قاتِلَ حَمْزةَ (١) ﵁ كتب إلى رسول اللَّه ﷺ : إنِّي أريد أن أُسلم، ولكنْ منَعَني من الإسلام آيةٌ من القرآنِ أُنزِلت عليك، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، وإنّي قد فعلتُ هذه الأشياءَ كلَّها، فهل لي من توبة؟ فنزلت هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، فكتب بذلك النبيُّ ﷺ إلى وَحْشي، فكتب وَحْشيٌّ إليه: إنّ في الآية لَشرطًا، وهو العمل الصالح، فلا أدري: أأنا أقدِرُ على العمل الصالح أم لا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، فكتب بذلك إلى وَحْشي، فكتب وَحْشيٌ إليه: إنّ في الآية شرطًا، فلا أدري: أيشاء أن يغفر لي أم لا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، فكتب النبي ﷺ بذلك إلى وَحْشي، فلم يجدْ في الآية شرطًا، فقَدِم المدينةَ فأسلم" (٤).

стр. 387

وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خَرَجْتُ ذاتَ ليلةٍ بعدَ ما صلَّيتُ العشاءَ الأخيرةَ مع رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أنا بامرأةٍ منْتقِبة قائمة على الطريق، فقالت: يا أبا هريرة: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ قلت: ما ذنبُكِ؟ قالت: إني زنَيْتُ، وقتلتُ ولدي من الزنا، قال: فقلت لها: هلكتِ وأهلكتِ، واللَّه ما لكِ من توبة، قال: فشَهِقَتْ شَهْقةً، وخرَّت مَغْشيًّا عليها، فقلتُ في نفسي: أُفتي ورسولُ اللَّه ﷺ بين أظهُرِنا؟ فلمّا أصبحتُ غدَوْتُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليك وسلم-: إنّ امرأةً استفتَتْني البارحةَ في كذا وكذا، وإني أفتيتُها بكذا وكذا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون! أنت -واللَّه- هلكتَ وأهلكتَ يا أبا هريرة، أين كنت من هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؟ "، قال: فخرجتُ من عند رسول اللَّه ﷺ وأنا أعدو في سِكك المدينة، وأنا أقول: من يدُلُّني على امرأةٍ استفتَتْني البارحةَ بكذا وكذا؟ والصِّبيان يقولون: نحن يا أبا هريرة، حتى إذا كان في الليل لَقِيتُها في ذلك الموضع، وأعْلَمْتُها بقول رسول اللَّه ﷺ : إنّ لها توبةً، فشَهَقَتْ شَهْقةً من السرور، وقالت: إنّ لي حديقةً، وهي صدَقةٌ للمساكين كفّارةً لذنبي (١). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قيل: أراد الشِّرك باللَّه وتعظيمَ الأنداد، وقيل: شهادةُ الزور، وقيل: أعيادُ المشركين، وقيل: الكذب، وقيل: مجالسُ الباطل، وقيل: الغناءُ، بدليل ما رُوِي عن محمد بن المنكدِر (٢) أنه

стр. 388

قال: بلَغَني أنّ اللَّه يقول يومَ القيامة: "أين الذين كانوا يُنَزِّهُونَ أسماعَهُمْ وأنْفُسَهُم عن اللَّهو ومزامير الشيطان؟ أدخِلوهم رياضَ المِسك"، ثم يقول للملائكة: "أَسْمِعُوا عبادي تحميدي وثنائي وتمجيدي، وأخبِروهم أَنْ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون". وأصلُ الزُّور: تحسينُ الشيء، ووصْفُه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّلَ إلى من يسمعه ويراه بخلاف ما هو فيه، فهو تَموِيهُ الباطلِ بما يُوهِمُ أنه حَقٌّ. قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يعني: المعاصيَ كلَّها ﴿مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾؛ أي: إذا سمعوا من الكفّار الشَّتمَ والأذى أعرَضوا عنه وصَفَحوا، نظيرُه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، والمعنى: مروا مُنَزِّهينَ أنفسَهُم مُعْرِضين عنه، والتقدير: وإذا مَرُّوا بأهل اللَّغو وذَوِي اللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا، فلم يُجارُوهم فيه، ولم يَخوضوا معهم فيه. قال أهل اللغة: وأصلُه من قول العرب: ناقةٌ كريمةٌ، وبقرةٌ كريمةٌ، وشاةٌ كريمةٌ: إذا كانت تُعْرِضُ عند الحَلْبِ تكرمًا، كأنها لا تُبالِي بما يُحْلَبُ منها، ونَصْب ﴿كِرَامًا﴾: على الحال. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾؛ أي: إذا وُعِظوا بالقرآن ﴿رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا﴾؛ أي: لم يَقَعُوا ولم يقيموا ﴿عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ بل يسمعون ما يُذَكَّرون به فيفهَمونَه، ويرَوْن الحقَّ فيه فيتَّبِعونه، وهو منصوبٌ أيضًا على الحال.

стр. 389

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قَرأَ أبو عَمْرٍو وأهلُ الكوفة إلّا حفصًا بغير ألف (١)، وقرأ الباقونَ بالألف، والذُّرِّيّةُ: يكون واحدًا وجمعًا، فكونُها للواحد قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (٢)، وكونُها للجمع قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ (٣)، فمن أفرد في هذه الآية استغنى عن جمعها لَمّا كانت للجمع، ومَن جَمَعَ فلأنّ الأسماءَ التي للجمع قد تُجمع، نحو: قومٍ وأقوام، ورَهْطٍ وأَراهِط (٤). وقوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾؛ أي: بأنْ نراهم مؤمنينَ صالحين مُطيعين لك، ووَحَّدَ القُرّةَ لأنها مصدر، يقال: قَرَّتْ عينُه قُرّةً، وأصلُها من البَرْد، والعرب تتأذَّى من الحرّ وتَسْتَرْوِحُ إلى البرد، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾؛ أي: أئمةً يُقْتَدَى بنا. وقال بعضُهم (٥): هذا من المقلوب؛ أي: واجعَل المتَّقينَ لنا إمامًا، واجعَلْنا مُؤْتَمِّينَ مقتدينَ بهم. ولم يقُلْ: أئمةً؛ لأنّ الإمامَ مصدر، يقال: أَمَّ فلانًا إمامًا مثلَ: الصِّيام والقيام. وقال الفَرّاء (٦): إنما قال: "إمامًا" ولم يقل: "أئمةً"، كما قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ

стр. 390

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ" (١) للاثنَيْن، يعني: أنه من الواحد الذي أُرِيدَ به الجمعُ. قال طاهر بن أحمد (٢): وإمامٌ في الآية جَمْع؛ لأنه المفعول الثاني لـ "جَعَلَ"، والمفعول الأول جمعٌ أيضًا، والثانِي هو الأول، فوجب أن يكون جمعًا واحدُه: آمٌّ؛ لأنه قد سُمِعَ هذا في واحِدِهِ، قال اللَّه -سبحانه-: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (٣)، فهذا جمعُ: آمٍّ مُسَلَّمًا، وقياسُهُ على حدِّ: نائم ونِيامٍ وقائم وقِيامٍ، فأما قولهم: أَئِمّةٌ فجمعُ إمام الذي هو مفرد، على حدِّ: عِنانٍ وأَعِنّةٍ وسِنانٍ وأَسِنّةٍ، والأصل: أَيِمّةٌ فقلبت ألفًا (٤). وقيل: من جَمَعه "أئمةً"، فلأنه قد كثُر حتى صار بمعنى الصِّفة، وقال بعضهم (٥): أراد "أئمةً"، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٦)، وقال الشاعر: يا عاذِلاتي لا تُرِدْنَ مَلامَتِي... إنَّ العَواذِلَ ليسَ لي بِأَمِيرِ (٧) أي: بأُمَراءَ. وقيل (٨): هو جَمْع "آمٍّ"، والجمعُ يَصلُح للواحد والجمع، يقال: دِرْعٌ دِلَاصٌ وأَدْرُعٌ دِلَاصٌ (٩).

стр. 391

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: أهلُ هذه الصِّفات ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ يعني: على دينِهم، وقيل: على أذى المشركين، والغُرفة: كلُّ بناءٍ مرتفع، وأراد: غُرَفَ الجنّة من الزَّبرْجَد والدرِّ والياقوت. قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ يعني: فِي الغرفة ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾، قال الكلبي: يُحَمِّى بعضُهُمْ بَعْضًا بالسلام، ويرسل الربُّ ﵎ إليهم بالسلام. قرأ الكوفيُّون -سوى حفص-: ﴿ويَلْقَوْنَ﴾ بالتخفيف (١)، وقرأ الباقون بالتشديد، فمن شدَّد فحُجته قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٢)، ونَصْب ﴿تَحِيَّةً﴾ على خبرِ ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، ومن خَفَّفَ فحُجته قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣)، ونصَبْ ﴿تَحِيَّةً﴾ على المفعول به، والفرق بين التحية والسلام، قال محمد بن يزيد (٤): التحيّةُ: تكون لكلِّ دعاء، والسلام مخصوص. وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني: مقيمينَ في الغرفة من غير موتٍ ولا زوال، وهو منصوبٌ على الحال، ﴿حَسُنَتْ﴾ الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ نَصْبٌ على التمييز. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾؛ أي: ما يُبالِي بكم، وقيل: ما يصنع،

стр. 392

وقيل: ما يفعَلُ بكم رَبِّي؟ قال أبو عُبيد (١): يقال: ما عَبَأْتُ به شيئًا: أي لم أَعُدَّهُ، فوجودُه وعدمُه سواءٌ، مجازه: أيُّ مقدارٍ لكم؟ وأصل هذه الكلمة تَهْيِئةُ الشيءِ، يقال: عَبَأْتُ الجيشَ وعَبَأْتُ الطِّيبَ أَعْبَؤُهُ عَبْئًا وعُبُوًّا: إذا هَيَّأْتَهُ وعَمِلْتَهُ، قال الشاعر: ٦٢ - كَأَنَّ بِنَحْرِهِ وبِمَنْكِبَيْهِ... عَبِيرًا باتَ تَعبَؤُهُ عَرُوسُ (٢) وقوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يعني: إياه فِي الشدائد، ومعنى الآية: قل ما يعبَأْ بخَلْقِكُم رَبِّي لولا عبادتُكم وطاعتُكم وتوحيدُكم إياه، يعنِي: أنه خَلَقكم لعبادتكَم، نظيرُها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣)، وفي الآية دليلٌ على أنّ من لا يعبد اللَّه ولا يوحِّده ولا يطيعه لا وزنَ له عند اللَّه (٤). وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ يعني: أهلَ مكة؛ أي: أنّ اللَّه دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته، فكذَّبتم الرسول، ولم تُجِيبُوا دعوتَه ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ تهديدٌ لهم، قال الزَّجّاجُ (٥): تأويلُه: فسوف يكون تكذيبكم لزامًا

стр. 393

يلزمكم، فلا تُعْطَوْنَ التوبةَ، وقال غيره: يعني: موتًا، وقيل: قتالًا، وقيل هلاكًا، وقيل: عذابًا دائمًا لازمًا، قال الشاعر: ٦٣ - فإمّا يَنْجُوا مِن خَسْفِ أَرْضٍ... فقَد لَقِيا حُتُوفَهُما لِزاما (١) وقال المفسِّرون في تفسير اللِّزام: إنه يومُ بدر، والمعنى: أنّ كفار مكة قُتِلُوا ببدر، واتَّصل به عذابُ الآخرة لازمًا لهم، فلَحِقَهُمُ الوعيدُ الذي ذكره اللَّه تعالى ببدرٍ (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 394

سورةُ الشُّعراء مكّيةٌ إلّا قولَه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخِر السورة، فإنها مدَنيّةٌ، نزلت في حسّانِ بن ثابت وكعبِ بن مالك وكعبِ بن زُهير وعبدِ اللَّه ابن رَواحةَ، شعراءِ الرسول ﷺ . وهي خمسةُ آلافٍ وخمسُمائةٍ واثنان وأربعونَ حرفًا، وألفٌ ومائتان وسبعٌ وتسعونَ كلمةً، ومائتانِ (١) وسبعٌ وعشرون آيةً. بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قَرأَ سورةَ الشُّعراء كان له من الأجرِ عَشْر حسَنات بعدد من صَدَّقَ بنوحٍ ﵇ وكَذَّبَ به، وهُودٍ وشعَيبٍ وصالحٍ وإبراهيمَ ﵈، وبعددِ من كذَّب بموسى، وصدَّق بمحمد ﷺ " (٢). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قَرأَ سورةَ الشُّعراء كان له من الأَجْر كعددِ أيام الدنيا وعدد النجوم وعدد الرَّمْل" (٣).

стр. 395

بابُ ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولُه : ﴿طسم (١)﴾ قَرأَ حمزةُ والكِسائي وخَلَفٌ وعاصمٌ -في بعض الروايات- بكسرِ الطاء، على الإمالة فيها وفي أُختها، وقَرأَ أهل المدينة بين الكسر والفتح، وهو الاختيار، وقَرأَ غيرُهم بالفتح: على التفخيم (١)، وأظهر النونَ من "طاسِينَ"، هاهنا وفي القَصَص: أبو جعفرٍ وحمزةُ للتبيين والتمكين (٢)، وأخفاها الآخَرون لِمجاورتها حرفَ الفم. وأمّا تأويلُها فهو: اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى أقسم به، وقيل: أقسم اللَّه تعالى بطَوْلِهِ وسَنائه ومُلكه. وقال عَلِيُّ بن أبِي طالب ﵇: لَمّا نزلت هذه الآيةُ ﴿طسم﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "الطاء: طُور سَيْناء، والسِّين: الإسكندرية، والميم: مكّة" (٣).

стр. 396

وقال جعفرُ بن محمد الصّادق ﵇ (١): الطاءُ: شجرةُ طوبَى، والسِّين: سِدرةُ المنتهى، والميم: محمدٌ المصطفى. وقال الحسن: الطاءُ من الطَّوْلِ، والسِّين من السلام، والميمُ من الرحيم، وقيل (٢): معناه: طَرَبُ المشتاقين، وسرورُ العارفين، ومغفرةُ العاصين، وقيل (٣): معناه: الطاهرُ المطلع على الغيوب، السَّميعُ الساتر للعيوب، المَجِيدُ المُنْعِمُ بالسُّيُوبِ (٤)، واللَّه أعلم. وفي محلِّه من الإعراب أوجُهٌ، قيل: هو رَفْع بالابتداء، وقيل: هو رَفْعٌ على خبر ابتداءٍ محذوفٍ تقديره: هذا الكتاب، وقيل: محَلُّه نَصْب بإضمار فعل تقديره: اذكروا أو اقرءوا ﴿طسم﴾، وإن شئتَ قلت: محَلُّه نَصْب بحذف حرف القسم، وإن شئتَ قلت: محَلُّه خفض بإضمارِ حرف القسم (٥). قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾؛ أي: هذه الآياتُ آياتُ ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ يريد: بَيَّنَ حلالَهُ وحرامَهُ وأَمْرَهُ ونَهْيَهُ وناسخَهُ ومنسوخَهُ، وقال الزَّجّاج (٦): يُبَيِّنُ الحقَّ من الباطل والحلالَ من الحرام، وهو مأخوذٌ من "أبان" بمعنى: "ظَهَرَ". وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ (٣)﴾ مفسَّرٌ فِي سورة الكهف (٧)، ومعنى الآية:

стр. 397

لعلك قاتلٌ نفسَك لتركِهم الإيمانَ، ثيم أَعْلَمَ أنه لو أراد أن يُنزِل ما يَضْطرُّهم إلى الطاعة لَقَدَرَ على ذلك فقال: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ شرطٌ وجزاء. قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ يعني: للآية ﴿خَاضِعِينَ (٤)﴾ ولم يقل: خاضعةً - وهو صفةُ الأعناق، قيل (١): معناه: فظلَّ أصحاب الأعناق لها خاضعين، فحَذَف الأصحابَ وأقام الأعناقَ مقامَهم؛ لأنّ الأعناقَ إذا خضَعت فأربابُها خاضعون، قال الشاعر: ٦٤ - فما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قَلْبي... ولكِنْ حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيارا (٢) وقيل: إنما قال: ﴿خَاضِعِينَ﴾ لأَجْلِ رُءُوسِ الآيِ لتكون على نَسَق واحد. وقال عيسى بن عمر (٣): "خاضعين" و"خاضعة" هاهنا واحدٌ. وفيه وجوهٌ يطول شرحها في هذا المختصر، وقَرأَ ابن أبي عَبْلة (٤): ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعَةً﴾ (٥).

стр. 398

قال مجاهدٌ (١): أراد بالأعناق هاهنا: الرؤساءَ والكُبَراء، وقيل (٢): أراد الجماعاتِ والطوائفَ من الناس، يقال: جاءَ القومُ عُنُقًا، أي: طَوائِفَ وعُصَبًا، كقول الشاعر: ٦٥ - أَنَّ العِراقَ وأهْلَهُ... عُنُقٌ إليْكَ فهَيْتَ هَيْتا (٣) قال ابن عباس (٤): نَزَلت هذه الآيةُ فينا وفي بني أُمَيّةَ، فستكون لنا عليهم الدَّولة، فتَذِلُّ لنا أعناقُهم بعدَ صعوبة، وهَوان بعد عِزّةٍ. قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني: المكذِّبين ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا

стр. 399

مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ يعني: من كل صنفٍ ونوع حسؤ في المنظر، والمعنى: من زوجٍ نافعٍ لا يَقدِر على إنباته إلا ربُّ العالمين، ومحَلٌّ ﴿كَمْ﴾ رَفْعٌ بالابتداء (١)، ويجوز أن يكون نصبًا لوقوع ﴿أَنْبَتْنَا﴾ عليه، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني: الذي ذُكِرَ من الإنبات في الأرض ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لَدلالةً على وجودي وتوحيدي وكمال قُدرتي وحكمتي، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾؛ أي: قد سبق في علمي أنّ أكثَرهم لا يؤمنون، قال سيبَويْه (٢): و"كان" هاهنا: صلة. قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾، ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾؛ أي: ألا يَصْرِفُونَ عن أنفسهم عقوبةَ اللَّه بطاعته، و ﴿قَوْمَ﴾: نَصْب على البدل من القوم الأَوّل. قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني: موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾ يريد: بالرسالة ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ بتكذيبهم إِيّايَ ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بالكلام والتبليغ لِلْعُقدةِ التي فيه، قَرأَه العامّةُ بالرَّفع فيهما ردًّا على قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾، ونَصَبَهما يعقوبُ (٣) على معنى: وأن يضيقَ صدري وألا ينطلقَ لسانِي (٤).

стр. 400

وقوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)﴾؛ أي: فأَرْسِلْ معي هارونَ، ﴿إِلَى﴾ بمعنى: "مَعَ"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)؛ أي: مع أموالكم (٢)، وقيل (٣): معناه: فأرسِلْ إلى هارونَ جبريلَ ليكون معي معينًا، وليؤازرَني ويظاهرَني على تبليغ الرسالة، وهذا كقول الرجل: إذا نزلتْ بِي نازلةٌ أرسلتُ إليكَ لِتُعِينَنِي. قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾؛ أي: عندي (٤) ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ يريد: بالقتيل الذي قَتَلَهُ منهم، واسمُه: فاتونُ (٥)، وهو خَبّازُ فرعون، ﴿قَالَ كَلَّا﴾ لن يقتلوك به؛ لأنِّي لن أسلِّطَهم عليك، ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ أي: سامعون ما يقولون وما تُجابُونَ، وإنما أراد اللَّهُ تقويةَ قلوبهما، وإخبارَهُما أنهما بِعَيْيهِ وحِفْظِهِ، وإنما قال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان؛ لأنه على مَذْهَبِ مَن يجعلُ الاثنَيْنِ جماعةً؛ لأنّ معنى الجَمْع ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ، فالاثنانِ فما فوقَهما جماعة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٦). قوله: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾، ولم يقل: رَسُولَا؛

стр. 401

لأنه أراد المصدر، أي: رسالةَ، مَجازُهُ: ذَوا رِسالةِ رَبِّ العالمين، كقول كُثَيِّرِ عَزّةَ: ٦٦ - لقد كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهُمْ... بِسِرٍّ، ولا أَرسَلْتُهُمْ بِرسُولِ (١) أي: برسالة، هكذا قاله الفَرّاء (٢). وقال أبو عُبيد (٣): يجوز أن يكونَ الرسولُ في معنى: الاثنَيْنِ والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، وهذانِ رسولي ووكيلي، وهؤلاءِ رسولي ووكيلي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٤)، قال الشاعر: ٦٧ - أَلِكْنِي إليها، وخَيْرُ الرَسُو... لِ أَعلَمُهُمْ بِنواحي الخَبَرْ (٥)

стр. 402

وقيل (١): معناه: إنّ كُلَّ واحدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾؛ أي: بأنْ أَرسِلْهم معَنا، وأطلِقْهم من الاستعباد، وخَلِّ عنهم، فأَتَياهُ فبَلَّغاهُ الرسالةَ فـ ﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ يعني: صبيًّا صغيرًا، نَصْبٌ على الحال، ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)﴾ قيل: ثمانيَ عشْرةَ سنةً، وقيل: ثلاثينَ سنة، وقيل: أربعينَ سنة، و ﴿سِنِينَ﴾: نَصْبٌ على الظرف. قوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ (١٩)﴾ يعني: قَتْلَ القِبْطِيِّ، قال وَهبُ بن منبِّه: أوحى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇: "وَعِزَّتِي وجَلَالِي، لو أَنَّ النفسَ التي قَتَلتَ أَقَرَّتْ لي ساعةً من نهار بِأَنِّي إِلَهٌ خالقٌ رازق لَأذقتُكَ طعمَ العذاب، وإنّما عفوتُ عنك لأجل ذلك؛ لأنها لم تُقِرَّ لِي ساعةً أَنِّي إِلَهٌ خالقٌ رازق" (٢). و ﴿فَعْلَتَكَ﴾ نَصْبٌ على المصدر، و ﴿الَّتِي فَعَلْتَ﴾ نعتُها: ﴿قَالَ﴾ يعني: موسى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ نَصْب على الظرف (٣)، ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾؛ أي: الجاهلين، لم يأتِني من اللَّه شيء.

стр. 403

قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾، يقال: اسْتَعْبَدْتُ فُلانًا وأَعْبَدْتُهُ وتَعَبَّدْتُهُ وعَبَّدْتُهُ؛ أي: أَخَذْتُهُ عَبْدًا. وفي محلِّ "أَنْ" من الإعراب وجهان، أحدُهما: النَّصب بِنَزْعِ الخافضِ، مَجازُهُ: بِتَعْبِيدِكَ بني إسرائيل، والثاني: الرَّفع على البدل من النعمة (١). قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ ابتداءٌ وخبر، قال محمد بن إسحاق (٢): اسْتَوْصَفَهُ إِلَهَهُ الذي أرسله إليه؛ أي: ما إِلَهُكَ هَذا؟ (٣). و"ما" هاهنا بمعنى: "مَنْ"، قال بعض النَّحْويِّين (٤): قد تدخل "ما" لصفاتِ مَنْ يَعْقِلُ، كقوله تعالى هاهنا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأنّ الربَّ هو المالك، والمِلْكُ صفة. فلما اسْتَفْهَمَ فرعونُ موسى ﵇: مَنْ رَبُّ العالمين؟ أجابه بما يدُلُّ عليه من خَلْقه، مما يَعْجِزُ المخلوقونَ عن أن يأتوا بمثله، فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ أنه خلق ذلك، فلمّا قال موسى ذلك تَحَيَّرَ فرعونُ، وعجَز عن ردِّ الجواب بما ينقُضُ به هذا القولَ، فـ ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)﴾ يريد: ألا تستمعون مقالةَ موسى؟

стр. 404

قوله تعالَى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ يعني: عالِمُكُمْ ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾ هذا وَعيدٌ، واللام دَخَلت على "سَوْفَ" لمعنى التوكيد. قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾؛ أي: لا فسادَ ولا مكروهَ ولا ضررَ علينا فيما ينالُنا في الدنيا من العذاب، معَ ما لنا في الآخرة من المغفرة والثواب، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾ راجعون، يقال: ضَرَّهُ الأمرُ يَضُرُّهُ ضَرًّا، وضارَهُ يَضِيرُه ضَيْرًا، هاتان اللُّغتانِ الغالبتان، ويقال أيضًا: ضارَهُ يَضُورُهُ ضَوْرًا بِمَعْنًى واحد (١). قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: بَنِي إسرائيل ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾؛ أي: عُصبة ﴿قَلِيلُونَ (٥٤)﴾ نَعتُه، قال المبرِّد (٢): الشِّرذمة: القطعةُ من الناس غيرُ الكثير، وجَمْعها: شَراذِمُ، قال الراجز: ٦٨ - جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أَخْلاقْ شَراذِمٌ يَضْحَكُ مِنِّي التَّوّاقْ (٣)

стр. 405

قال الجوهري (١): التَّوّاقُ: اسمُ ابنه. وقيل: أراد التَّوْقَ. وقوله: ﴿قَلِيلُونَ﴾ قال الفَرّاء (٢): يقال: عُصْبةٌ قليلةٌ وقلِيلُونَ، وكثِيرةٌ وكثِيرُونَ. قال ابن مسعود (٣): كان هؤلاءِ الشِّرذمة سِتَّمِائةِ ألفٍ وسبعينَ ألفًا، ولا يُحْصَى عددُ أصحابِ فرعون. قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ يقال: غاظَهُ وأَغاظَهُ وغَيَّظَهُ: إذا أغضَبَه (٤)، والغَيْظ: الغضب، قال اللَّه تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٥). قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ وقَرأَ حمزةُ والكسائيُّ وأبو بكر عن عاصم: ﴿حَاذِرُونَ﴾ (٦). قال الفَرّاء (٧): الحاذِرُ: الذي يَحْذَرُكَ الآنَ، والحَذِرُ: المخلوقُ كذلك لا تلقاه إلّا حَذِرًا. وقال الزَّجّاج (٨): الحاذر: المستعدُّ، والحَذِرُ: المُتيَقِّظُ. وقال أبو عُبيدة (٩): يقال: رَجُلٌ حَذِرٌ وحاذِرٌ.

стр. 406

وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ يعني: فرعونَ وقومه ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ يعني: بساتين ﴿وَعُيُونٍ (٥٧)﴾ أنهارٍ جارية ﴿وَكُنُوزٍ﴾ يعني: الأموالَ الظاهرة من الذهب والفضة، سُمِّيَ كَنْزًا لأنه لم يُعْطَ حقُّ اللَّه منها، وما لم يُعْطَ حَقُّ اللَّه منه فهو كَنْزٌ وإن كان ظاهرًا، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ يعني: المَجلسَ الحسن من مجالس الأُمراء والرؤساءِ التي كانت تَحُفُّ بهم الأتباع. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما وصَفْنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾، وذلك أنّ اللَّهَ ردَّ بني إسرائيلَ إلى مصرَ بعدما أَغْرَقَ فِرعوْنَ وقومَه، وأعطاهم جميعَ ما كان لقوم فِرعونَ من الأموال والعقارِ والمساكن. قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ يعني: قومَ فرعونَ لَحِقوا موسى وقومَه، فأدركوهم وقتَ إشراق الشمس، وهو إضاءتُها، يقال: شَرَقَتِ الشَّمْسُ: إذا طلَعت، وأَشْرَقَتْ: إذا أضاءت (١)، وقَرأَ بعضهم (٢): ﴿مُشْرِقِينَ﴾ بالتشديد، وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ يعني: الماضيَن الأوَّلين، ومحَلُّ ﴿أَنْتُمْ﴾: رَفْعُ توكيد للواو فِي ﴿تَعْبُدُونَ﴾ (٣)،

стр. 407

و ﴿آبَاؤُكُمُ﴾: معطوفٌ عليه، و ﴿الْأَقْدَمُونَ﴾: نعتُه. ثم قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ وَحَّدَ العَدُوَّ لأن معنى الكلام: فإنّ كلَّ معبودٍ عَدُوٌّ لِي، قال الشاعر: ٦٩ - إِذا أنا لم أنفَعْ خلِيلي بِوُدِّهِ... فإنَّ عَدُوِّي لن يَضُرَّهُمُ بُغْضِي (١) وأمّا الوجهُ في وصفِ الجَماد بالعداوة فهو أنّ معنى الآية: فإنهم عَدُوٌّ لِي -لو عَبَدْتُهُم- يومَ القيامة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ (٢)، وقال الفَرّاء (٣): هذا من المقلوب، أراد: فإنّي عدوٌّ لهم؛ لأن مَن عادَيْتَهُ عاداكَ. ثم قال: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ نَصْبٌ بالاستثناء، يعني: فإنّهم عدوٌّ لِي وغيرُ معبودٍ لِي إلا رَبَّ العالمين فإنِّي أعبده. قاله الفراء (٤)، وقيل (٥): هو بمعنى

стр. 408

"لكنْ"، وقال الحسين بن الفَضْل (١): يعني: إلّا مَن عَبَدَ رَبَّ العالمينَ (٢). قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ يعني: إلى الدِّينِ والرُّشْدِ لا إلى ما تعبدون، ومحل ﴿الَّذِي﴾: نَصْب؛ لأنه صفة ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ويحتمل أن يكون نصبًا على المدح، ويحتمل أن يكون رفعًا على خبر ابتداءٍ محذوف تقديره: هو الذي خلقني (٣). قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾؛ أي: ذِكْرًا جميلًا وثناءً حسنًا وقَبولًا عامًّا في الأُمم التي تجيءُ بعدي، فأعطاه اللَّهُ تعالى ذلك، فكلُّ أهل الأديان يَتَوَلَّوْنَ إبراهيمَ ﵇ ويُثنُون عليه، قال القُتَيْبي (٤): [يوضَعُ] اللِّسان موضعَ القول على الاستعارة؛ لأنّ القول يكون به (٥)، والعرب تُسمِّي اللغةَ لسانًا. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾؛ أي: لا تُعذِّبْني يومَ تَبْعَثُ الخَلْقَ، ثم فسَّر ذلك اليومَ، فقال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ يعني: لا ينفَعُ المال والأولاد أحدًا، ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ سَلِمَ من الشِّرك والنفاق،

стр. 409

و ﴿يَوْمَ﴾ الأول: نَصْب على الظرف، واليوم الثاني: نَصْب على البدَل منه، و ﴿مَنْ﴾ منصوبٌ بـ ﴿يَنْفَعُ﴾، وهو مفعولٌ محقَّق. قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ يعنِي: في الجحيم ﴿هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ يعنِي الآلِهةَ والمشركين؛ أي: جُمِعُوا، وقيل: دُهْوِرُوا، وقيل: قُذِفُوا، وقيل (١): طُرِحَ بعضُهم على بعض، وقيل (٢): أُلْقُوا على رءوسهم، وأصله كُبِّبُوا، فكُرِّرَتِ الكافُ، مثلَ قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ (٣) ونَحْوِه، وقيل (٤): هو من قولك: كَبَبْتُ الإناءَ: إذا قَلَبْتَهُ على رأسه، فأبدِلَ الباءُ الوسطى كافًا استثقالًا لاجتماع ثلاث باءات. قوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾ أي: المصدِّقين بالتوحيد، ونَصْب ﴿فَنَكُونَ﴾ على جواب التمنِّي (٥).

стр. 410

قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ قال الزَّجّاج (١): دَخَلت التاءُ -و ﴿قَوْمُ﴾ مذكَّرون- لأنّ المراد بالقوم: الجماعةُ؛ أي: كَذَّبَتْ جَماعةُ قَوْمِ نوحٍ المرسَلين، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (٢). وعنَى بالمرسَلين: نُوحًا وحدَه، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ (٣) يعني النَّبِيَّ ﵇؛ لأنَّ مَن كَذَّبَ رَسُولًا واحدًا مِن رُسُلِ اللَّه فقد كَذَّبَ الجماعة؛ لأنّ كلَّ رسول يأمر بتصديق جميع الرسُل، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ التأنيثُ لمعنى القبيلة؛ لأنه أُرِيدَ بعادٍ: القبيلةُ. قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾؛ أي: علَامةً ﴿تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾؛ أي: تلعبون، والرِّيعُ: الصومعة، والرِّيعُ: التَّلُّ العالِي، وكلُّ مكانٍ مرتفع فهو رِيع، والرِّيع أيضًا: البُرج للحَمامِ (٤) يكون فِي الصحراء (٥)، وفيه لغتان: كسرُ الراء وفتحُها (٦)، وجَمْعُه: رِيعةٌ وأَرْياعٌ (٧)، والمعنى: أنهم كانوا يبنُون بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارّةِ والسّابِلةِ (٨) فيَسْخَرُونَ منهم، ويَعْبَثُونَ بهم.

стр. 411

قوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ يعني: حصونًا، وقيل: قصورًا، واحدُها: مَصْنَعةٌ (١)، قال الشاعر: ٧٠ - تَرَكْنَ دِيارَهُم مِنْهُمْ قِفارا... وهَدَّمْنَ المَصانِعَ والبُرُوجا (٢) وقال قَتادة (٣): المصانعُ: بِرَكُ الماءِ، قال لَبِيد: ٧١ - بَلِينا وما تَبْلَى النُّجومُ الطَّوالعُ... وتَبقَى جِبالٌ بَعْدَنا ومَصانعُ (٤) وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾؛ أي: كأنّكم تَخْلُدُونَ فلا تَمُوتُونَ، و ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ هاهنا بمَعنَى "كَأَنَّكُمْ"، وهي في سائر القرآن بِمعنى "لِكَيْ"، قاله الواقدي (٥)، وقيل: هي هاهنا بمعنى "حَتَّى"، قاله أبو بكرٍ النقّاش (٦).

стр. 412

قوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾؛ أي: سَطَوْتُم وأخَذْتُم ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ يعني: قَتّالِينَ بغير حقٍّ، والجَبّارُ هو: الذي يقتُل ويضرب على الغضب، وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦)﴾ قال مُقاتلٌ: يعني: فيما أعطاهم اللَّهُ من الخير آمِنينَ من الموت والعذاب، ثم أَخْبر عن ذلك، فقال: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ يعني: البساتين ﴿وَعُيُونٍ (١٤٧)﴾ وهي: الأنهار الجارية، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾ يعني: ثَمَرُها مُتراكِبٌ بعضُها على بعضٍ في الكثرة. و ﴿هَضِيمٌ﴾ بمعنى: مهضوم (١)، وهو اللَّطيف شخصُهُ، الصغيرُ حَبُّهُ، وبذلك يُمْدَحُ الطَّلْعُ، فإذا عَظُمَ حَبُّهُ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ، وقيل (٢): ﴿هَضِيمٌ﴾ بمعنى: هاضِمٍ، وهو "فَعِيلٌ" بمعنى: "فاعل"، كأنه -لِمَرارتهِ- يَهْضِمُ الطَّعام، ويقال (٣): الهضيم: اللاصقُ بعضُه ببعض، وهو من قولك: هَضَمَنِي حَقِّي؛ أي: نَقَصَنِي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٤)، وكلُّ مظلوم مهضومٌ، وقيل (٥): الهضيم: المَرِيءُ الناعم. ونَصْب ﴿آمِنِينَ﴾ على الحال.

стр. 413

قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ قَرأَ أهلُ الشام والكوفة: ﴿فَارِهِينَ﴾ بالألف؛ أي: حاذِقين بنَحْتها، وقَرأَ الباقون بغير ألف (١). واختلفوا في معناه، فقيل: أَشِرِينَ، وقيل: بَطِرِينَ، وقيل: معجَبِين بصُنعكم، وقيل: لاعِبين (٢)، وقيل (٣): فَرِحين، والعربُ تعاقِبُ بين الحاء والهاء مثلَ: مَدَحْتُهُ ومَدَهْتُهُ، فالهاء من ﴿فَارِهِينَ﴾ بدلٌ من الحاء، والفَرَحُ في كلام العرب -بالحاء-: الأَشَرُ والبَطَرُ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٤)، ويجوز أن يكون ﴿فَارِهِينَ﴾ و ﴿فرهين﴾ بمعنًى واحد، كقوله تعالى: ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾ (٥) و ﴿ناخِرةً﴾ ونحوهما (٦)، وهو نصبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾؛ أي: لئن لم تسكت ﴿يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾ من بلدتنا، وهو جوابُ الشرط (٧)، ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ يعني:

стр. 414

اللِّواط ﴿مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾؛ أي: المُبْغِضِينَ، يقال: قَلَيْتُهُ أَقْلِيهِ قِلًى: إذا أَبْغَضْتَهُ، واللام في قوله: ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾ لامُ جَرٍّ، ولهذا كُسِرَتْ، والخبر قوله: ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾، والتقدير: إِنِّي من القالِينَ لعملِكم (١). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ وهم قومُ شُعَيْب، وأراد شُعيبًا وحدَه، والأَيْكة: الغَيْضةُ، وفيها لغتان، يقال: الأَيْكةُ ولَيْكةُ، وقد قُرِئَ بهما جميعًا، قَرأَ نافعٌ وابنُ كثير وابن عامر: ﴿لَيْكةَ﴾ بفتح اللام والكافِ (٢) والهاءِ، من غير همز، ومثله في ﴿ص﴾ (٣)، وقرأ الباقون: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ بالهمز والخفض. فمَن فَتح الهاءَ (٤) جَعَله اسمًا للبلدة فلم يصرفْه؛ للتعريف والتأنيث،

стр. 415

ووزنُه: "فَعْلةٌ"، ومَن خَفَض الهاءَ جَعَله معرَّفًا بالألف واللام، فخفضه لإضافة ﴿أَصْحَابُ﴾ إليه. قال أبو عليٍّ الفارسي (١): الأَيْكة: تعريفُ أَيْكةٍ، فإذا خَفَّفْتَ الهمزةَ حَذَفْتَها وألقيتَ حركتَها على اللام، فقلتَ: الَيْكةُ، كما قالوا: الَحْمَرُ، وقَولُ مَن قال: ﴿أَصْحَابُ لَيْكَةَ﴾ مُشكِلٌ؛ لأنه فَتح التاءَ مع لَحاقِ الألفِ واللامِ الكلمةَ، وفي هذا امتناعٌ، كقول من قال: مَرَرْتُ بِلَحْمَرَ ففتح الآخِرَ مع لَحاق لام المعرفة. وأصل (٢) ﴿أَيْكَةَ﴾: اسمٌ لموضع فيه شجرٌ ودَوْمٌ مُلْتَفٌّ، والدَّوم: المُقْلُ (٣)، وكان أكثرُ شجرِهم الدَّوْمَ، وجمعها: أَيْكٌ كما ترى، قال الشاعر: ٧٢ - أفمِنْ بُكاءِحَمامةٍ في أَيْكةٍ... يَرْفَضُّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ المِحْمَلِ (٤) وقال جَرِيرٌ فِي الجَمْع: ٧٣ - طَرِبَ الحَمامُ بِذِي الأَراكِ، فشاقَني... لا زِلْتَ في غَلَلٍ وأَيْكٍ ناضِرِ (٥)

стр. 416

وقيل (١): الأيكةُ: اسمُ القرية. قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧)﴾ ولم يقل: أخوهم شُعيبٌ؛ لأنه لم يكنْ من أصحابِ الأَيكة في النَّسب، فلمّا ذَكَرَ مَدْيَنَ قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (٢)؛ لأنه كان منهم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ نَصْب على الحال، وقد ذكرتُ تفسيرَ نظيرِها في سورة هود والأعراف والبقرة (٣)، فأغنى عن الإعادة. قوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ الجِبِلُّ: الخَلْقُ، قال الشاعر: ٧٤ - والموتُ أَعظَمُ حادِثٍ... مِمّا يَمُرُّ عَلَى الجِبِلُّهْ (٤)

стр. 417

قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ يعني: القرآنَ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ قَرأَ أهل الحجاز وأبو عَمْرو وحفصٌ بتخفيف الزاي ورَفْع الحاء والنون، يعنُون: نَزَلَ به جبريلُ ﵇، وقَرأَ الباقون بالتشديد والنَّصب (١)، وهو الاختيارُ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾، وهو مصدر، فمن قَرأَ بالتخفيف رَفَع الرُّوحَ بفعله، ومَن قَرأ بالتشديد فهو مفعولٌ، والفاعلُ: اللَّه تعالى، نَزَّلَ به ربُّ العالمين الروحَ الأمينَ (٢). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ يعني القرآنَ، قَرأَ ابنُ عامر: ﴿تَكُنْ﴾ بالتاء ﴿آيَةٌ﴾ رفعًا (٣)، وقرأ الباقونَ بالياء ﴿آيَةً﴾ بالنصب على الخبر، قال الزَّجَّاج (٤): قوله: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ (١٩٧)﴾ اسمُ "كان"، و ﴿آيَةً﴾: خبره، والمعنى: أَوَلم يَكُنْ عِلْمُ عُلماءِ بني إسرائيلَ أَنَّ محمدًا نبيٌّ حقٌّ علامةً ودِلالةً على نُبُوَّتِهِ؟ وعلى قراءة ابن عامر قال الفَرّاء والزَّجّاج (٥): جَعَل ﴿آيَةٌ﴾ هي الاسم، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ خبر ﴿تَكُنْ﴾. ووَجْه رفع ﴿آيَةٌ﴾ على أنّ الاسمَ ضميرُ القصة، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في معرض الابتداء، و ﴿آيَةٌ﴾ خبر، وجعلُ المعرفة خبرًا والنكرة اسمًا ضعيفٌ وإن جاء اسمًا (٦)، قال الشاعر:

стр. 418

٧٥ - كأَنَّ سَبِيئةً مِنْ دارِ عُرْسٍ... يكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ (١) قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾ يعني: القرآنَ ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾ هو: جمع الأعجَميِّ (٢)، وقيل (٣): هو: جمعُ أَعْجَمَ، يقال: رَجُلٌ أَعْجَمُ وأَعْجَمِيٌّ أيضًا: إذا كان في لسانه عُجْمةٌ. وقال صاحبُ إنسان العَيْن (٤): ﴿الْأَعْجَمِينَ﴾ كالأَشْعَرِينَ والنُّمَيْرِينَ، وليس كما توهَّم الزَّجّاج أنه جَمْع أَعْجَمَ (٥)، فإنه لا يقال: أَحْمَرُونَ، والأَعْجَمِيُّ:

стр. 419

هو الذي لا يُفْصِحُ ولا يُحْسِنُ العربيةَ، وإن كان منسوبًا إلى العرب، وجَمْعه: عُجْمٌ، وتأنيثُه عَجْماءُ، ومنه قيل للبهائم: عُجْمٌ؛ لأنها لا تتكلَّم، قال النبي ﷺ : "العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ" (١)، فماذا أردتَ أنه منسوبٌ إلى العَجَمِ قلت: عَجَمِيٌّ. قال الفَرّاء (٢): الأعجَميُّ: منسوبٌ إلى نفسه من العُجْمةِ، كما قالوا للأَحْمَرِ: أَحْمَرِيٌّ، وكقوله: ٧٦ - والدَّهْرُ بالإنسانِ دَوّارِيُّ (٣) وإنما هو: دَوّار. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: من أهل قريةٍ بالعذاب في الدنيا

стр. 420

﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى﴾؛ أي: تذكِرةً، محَلُّها نَصْبٌ على الحال عندَ الكِسائي (١)، وعلى المصدر عند الزَّجّاج والفَرّاء (٢)، ولا يتبيَّن فيها الإعراب؛ لأنّ فيها ألفًا مقصورًا، ويجوز: "ذِكْرًا" بالتنوين (٣)، وقيل (٤): محَلُّها رفع؛ أي: تلك ذِكرى، يعني: موعظةً وتذكيرًا، ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾ فنُعَذِّبَ على غير ذنب، ونعاقبَ من غير تذكيرٍ وإنذار. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى وذلك حين دُعي النبيُّ ﷺ دين آبائه، ومعناه: فلا تعبُدْ مع اللَّه إلهًا آخَر ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ قال ابن عباس: يُحَذِّرُ به غيرَهُ، يقول: أنت أكرمُ الخلق عَلَيَّ، ولو اتَّخذتَ من دونِي إِلَهًا لَعَذَّبْتُكَ، ونَصْب ﴿فَتَكُونَ﴾ على جواب النهي بالفاء، كقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ (٥). قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾؛ أي: رَهْطَكَ الأَدْنَيْنَ، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطَّلب خاصةً، أي: حَذِّرْهُمْ عذابَ اللَّه وعقوبتَه.

стр. 421

فصلٌ عن أَبِي هريرةَ ﵁ قال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ حين أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فقال: "يا معشرَ قُريش! اشْتَرُوا أنفسَكم من اللَّه، لا أُغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد مَناف! لا أُغْنِي عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباسُ بنَ عبد المطَّلب! لا أُغني عنك من اللَّه شيئًا، يا صفيّةُ عمةَ رسول اللَّه! لا أُغني عنك من اللَّه شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ محمد! سَلِينِي ما شئتِ لا أغني عنكِ من اللَّه شيئًا" (١)، رواه البخاري عن أبي اليمان (٢)، ورواه مسلم عن حَرْمَلة (٣)، عن ابن وهب (٤)، عن يونس (٥)، عن الزهري (٦).

стр. 422

وعن ابن عباس ﵁: لَمّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ رسولُ اللَّه ﷺ على الصَّفا، فقال: "يا صَباحاهُ" (١)، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال: "أَرَأَيْتَكُم إن أخبرتُكم أن العدو مُصْبِحكم أو مُمْسِيكم ما كنتم تصدقونني؟ "قالوا: بلى، قال: "فإنِّي نذيرٌ لكُم بَيْنَ يَدَيْ عذابٍ شديد"، قال أبو لَهَب: تَبًّا لك، ألهذا دعوتَنا جميعا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢) إلى آخرها (٣). رواه مسلم عن أبي كُريب (٤)، ورواه البخاري عن عمر بن حفص ابن غِياث (٥) عن الأعمش. قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ يعني: شعراءَ المشركين ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾. قرأه العامة: ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ بالتشديد، وقرأ نافع بالتخفيف (٦)،

стр. 423

و ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾: رفع بالابتداء، ومن قرأ بالنصب (١) نصبه بإضمار ما بعده، تقديره: ويتبعُ الشعراءَ يتبعهم الغاوون. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ يقال: هامَ يَهِيمُ هَيَمانًا وهَيْمًا: إذا ذهب على وجهه، قال ابن عباس: في كل فن من الكذب يتكلمون، وفي كل لغو يخوضون ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآيةَ، استثنى اللَّهُ شعراءَ المؤمنين، وهم: حسان بن ثابت وعبد اللَّه بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير، من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وهم شعراء الكفار: عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَى المخزومي وهُبيرة بن أَبي وهب (٢) ومُسافع بن عبد مناف (٣) وعمرو بن عبد اللَّه أبو عَزّة الجُمحي (٤) وأمية بن أَبي الصلت، كانوا يهجون النبي ﷺ فيتبعهم الناس، فأنزل اللَّه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. . .﴾ الآية، وقيل: أراد بالغاوين: الشياطين، دليله قوله تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ (٥).

стр. 424

فصل عن كعب بن مالك، قال: قلت: يا رسول اللَّه: ماذا تقول في الشعر؟ فقال ﵇: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لَكأنَّهُم يَنْضَحُونَهم بالنَّبْل" (١). وعن أُبي بن كعب، قال: قال رسول ﷺ : "إن من الشِّعْرِ لَحِكْمةً" (٢). وعن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "الشعر كلام، فمنه حسن ومنه قبيح، فخُذِ الحسنَ ودَعِ القبيحَ" (٣)، وعن الشعبي قال (٤): كان أبو بكر يقول الشعرَ، وكان عُمَرُ يقول الشعرَ، وكان عَلِيٌّ أَشْعَرَ الثلاثة. وعن حسان بن ثابت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اهْجُهُم - أو: هاجِهِم، ورُوحُ القُدُسِ معك" (٥)، فقال حسان بن ثابت لأبي سفيان (٦) مُجِيبًا عن النَّبِيِّ ﵇:

стр. 425

٧٧ - هَجَوتَ مُحَمَّدًا فأَجَبتُ عنهُ... وعِندَ اللَّهِ في ذاكَ الجزاءُ هَجَوتَ مُبارَكًا بَرًّا حَنيفًا... أَمينَ اللَّهِ شيمتُهُ الوفاءُ فإنَّ أَبي ووالدتي وعِرضي... لِعِرضِ مُحمَّدٍ منكُم وِقاءُ أَتَهجوهُ ولستَ لهُ بِكُفءٍ... فشرُّكما لخيرِكما الفِداءُ فمَن يَهجو رسولَ اللَّهِ مِنكُمْ... ويَمدَحُهُ ويَنصُرُهُ سَواءُ لِساني صارِمٌ لا عَيبَ فيهِ... وبَحري لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ (١) وهذه الأبيات في قصيدة له، أنشدها قبل فتح مكة. قوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ يعني: شعراء المؤمنين لم يشغَلْهم الشعر عن ذكر اللَّه تعالى، ولم يجعلوا الشعر هَمَّهُمْ، و ﴿كَثِيرًا﴾: نعت لمصدر محذوف، تقديره: وذكروا اللَّه ذِكْرًا كثيرًا ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال مقاتل: انتصروا من المشركين؛ لأنهم بَدَءُوا بالهجاء. ثم أَوْعَدَ شعراءَ المشركين، فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: الذين أشركوا وهَجَوْا رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ يعني: أيَّ مَرْجِعٍ يرجِعون إليه بعد مماتهم، قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير، يعني: أنهم ينقلبون إلى نار جهنم يخلدون فيها.
следующие страницы →