فصلٌ
عن أَبِي هريرةَ ﵁ قال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ حين أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فقال: "يا معشرَ قُريش! اشْتَرُوا أنفسَكم من اللَّه، لا أُغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد مَناف! لا أُغْنِي عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباسُ بنَ عبد المطَّلب! لا أُغني عنك من اللَّه شيئًا، يا صفيّةُ عمةَ رسول اللَّه! لا أُغني عنك من اللَّه شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ محمد! سَلِينِي ما شئتِ لا أغني عنكِ من اللَّه شيئًا" (١)، رواه البخاري عن أبي اليمان (٢)، ورواه مسلم عن حَرْمَلة (٣)، عن ابن وهب (٤)، عن يونس (٥)، عن الزهري (٦).
стр. 422
وعن ابن عباس ﵁: لَمّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ رسولُ اللَّه ﷺ على الصَّفا، فقال: "يا صَباحاهُ" (١)، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال: "أَرَأَيْتَكُم إن أخبرتُكم أن العدو مُصْبِحكم أو مُمْسِيكم ما كنتم تصدقونني؟ "قالوا: بلى، قال: "فإنِّي نذيرٌ لكُم بَيْنَ يَدَيْ عذابٍ شديد"، قال أبو لَهَب: تَبًّا لك، ألهذا دعوتَنا جميعا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢) إلى آخرها (٣). رواه مسلم عن أبي كُريب (٤)، ورواه البخاري عن عمر بن حفص ابن غِياث (٥) عن الأعمش.
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ يعني: شعراءَ المشركين ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾. قرأه العامة: ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ بالتشديد، وقرأ نافع بالتخفيف (٦)،
стр. 423
و ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾: رفع بالابتداء، ومن قرأ بالنصب (١) نصبه بإضمار ما بعده، تقديره: ويتبعُ الشعراءَ يتبعهم الغاوون.
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ يقال: هامَ يَهِيمُ هَيَمانًا وهَيْمًا: إذا ذهب على وجهه، قال ابن عباس: في كل فن من الكذب يتكلمون، وفي كل لغو يخوضون ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآيةَ، استثنى اللَّهُ شعراءَ المؤمنين، وهم: حسان بن ثابت وعبد اللَّه بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير، من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وهم شعراء الكفار: عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَى المخزومي وهُبيرة بن أَبي وهب (٢) ومُسافع بن عبد مناف (٣) وعمرو بن عبد اللَّه أبو عَزّة الجُمحي (٤) وأمية بن أَبي الصلت، كانوا يهجون النبي ﷺ فيتبعهم الناس، فأنزل اللَّه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. . .﴾ الآية، وقيل: أراد بالغاوين: الشياطين، دليله قوله تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ (٥).
стр. 424
فصل
عن كعب بن مالك، قال: قلت: يا رسول اللَّه: ماذا تقول في الشعر؟ فقال ﵇: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لَكأنَّهُم يَنْضَحُونَهم بالنَّبْل" (١).
وعن أُبي بن كعب، قال: قال رسول ﷺ : "إن من الشِّعْرِ لَحِكْمةً" (٢).
وعن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "الشعر كلام، فمنه حسن ومنه قبيح، فخُذِ الحسنَ ودَعِ القبيحَ" (٣)، وعن الشعبي قال (٤): كان أبو بكر يقول الشعرَ، وكان عُمَرُ يقول الشعرَ، وكان عَلِيٌّ أَشْعَرَ الثلاثة.
وعن حسان بن ثابت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اهْجُهُم - أو: هاجِهِم، ورُوحُ القُدُسِ معك" (٥)، فقال حسان بن ثابت لأبي سفيان (٦) مُجِيبًا عن النَّبِيِّ ﵇:
стр. 425
٧٧ - هَجَوتَ مُحَمَّدًا فأَجَبتُ عنهُ... وعِندَ اللَّهِ في ذاكَ الجزاءُ
هَجَوتَ مُبارَكًا بَرًّا حَنيفًا... أَمينَ اللَّهِ شيمتُهُ الوفاءُ
فإنَّ أَبي ووالدتي وعِرضي... لِعِرضِ مُحمَّدٍ منكُم وِقاءُ
أَتَهجوهُ ولستَ لهُ بِكُفءٍ... فشرُّكما لخيرِكما الفِداءُ
فمَن يَهجو رسولَ اللَّهِ مِنكُمْ... ويَمدَحُهُ ويَنصُرُهُ سَواءُ
لِساني صارِمٌ لا عَيبَ فيهِ... وبَحري لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ (١)
وهذه الأبيات في قصيدة له، أنشدها قبل فتح مكة.
قوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ يعني: شعراء المؤمنين لم يشغَلْهم الشعر عن ذكر اللَّه تعالى، ولم يجعلوا الشعر هَمَّهُمْ، و ﴿كَثِيرًا﴾: نعت لمصدر محذوف، تقديره: وذكروا اللَّه ذِكْرًا كثيرًا ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال مقاتل: انتصروا من المشركين؛ لأنهم بَدَءُوا بالهجاء.
ثم أَوْعَدَ شعراءَ المشركين، فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: الذين أشركوا وهَجَوْا رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ يعني: أيَّ مَرْجِعٍ يرجِعون إليه بعد مماتهم، قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير، يعني: أنهم ينقلبون إلى نار جهنم يخلدون فيها.
стр. 426
و ﴿أَيِّ﴾: منصوب بقوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ لا بقوله: ﴿سَيَعْلَمُ﴾؛ لأنه اسم أقيم مقام المصدر (١)، تقديره: ينقلبون انقلابًا، تقدم المصدر على الفعل، والنحويون يقولون: ﴿مُنْقَلَبٍ﴾: ظرف أو مصدر لـ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾، ولا يعمل في الاستفهام ما قبله، والعلة في ذلك أن الاستفهام معنًى، وما قبله معنًى آخر، فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعضُ المعاني في بعض (٢)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 427
سورةُ النمل
مكِّية
وهي أربعة آلاف وسبعمائة وتسعون حرفًا، وألفٌ ومائة وتسع وأربعون كلمةً، وثلاث وتسعون آية.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ "طس سليمان" كان له من الأجر عشْر حسنات، بعَدَدِ مَن صَدَّقَ بسليمان ﵇، وكَذَّبَ به، وهودٍ وشعيبٍ وصالحٍ وإبراهَيمَ صلى اللَّه عليهم أجمعين، ويخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه ﷺ " (١).
ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة سليمان ﵇ استغفر له كلُّ شيء خلقه اللَّه بيده، وقال له: كن فكان، سوى الثقلين، وقَبِلَ اللَّهُ استغفارَهم له" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿طس﴾ قال ابن عباس (٣): هو اسمٌ من أسماء اللَّه
стр. 428
- أقسم به على أن هذه السورة ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ يعني: وآياتُ كتابٍ مبينٍ، وقيل: الطاء من اللطيف، والسين من السميع، وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، وقال مجاهد في الحروف المقطَّعة (١): هي فواتحُ يَفتَتِحُ اللَّهُ بها القرآنَ، وليست من أسمائه.
قوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ بيان: من الضلالة لِمَن عمل به، وبُشْرَى: بما فيه من الثواب للمصدِّقين به أنه من عند اللَّه.
وفي محلهما من الإعراب وجهان، أحدهما: الرفع على خبر الابتداء، أي: هو هُدى، وإن شئت على حذف حرف الصفة، [أي: فيه هدى، ويجوز أن يكون الخبر] (٢) في قوله تعالى: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، والثاني: النصب على القطع والحال، ويحتمل أن يكون نصبًا على المصدر، تقديره: يَهْدِي هُدًى، ويُبَشِّرُ بُشْرَى (٣).
ثم نَعَت المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (٣)﴾ الآية، وفي محل ﴿الَّذِينَ﴾ من الإعراب ثلاثة أوجه، أحدها: الخفض على النعت، والثاني: النصب على المدح، والثالث: الرفع على خبر ابتداءٍ محذوف، تقديره: هم الذين.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يعني: الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾ فـ ﴿هُمُ﴾ الأولى: رفع بالابتداء، والثانية: ابتداء وخبر، و ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾: خبر ابتداء الثانِي، وهما خبر ابتداء الأول.
стр. 429
قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾؛ أي: يُلْقَى عليك القرآنُ وحيًا ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾؛ أي: من عند اللَّه الحكيم العليم، ونصب القرآن على الخبر للفعل المجهول (١).
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ يعني: في مَسِيرِهِ من مَدْيَنَ إلى مِصْرَ، وقد أَصْلَدَ زَنْدُهُ (٢)، قال الزَّجّاج (٣): موضع ﴿إِذْ﴾ نصب، والمعنى: اذكر إذ قال موسى؛ أي: اذكر قصته إِذْ قال لأهله، يعني: لامرأته ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾؛ أي: أَحْسَسْتُ، والإيناس: إِحْساسُ مَأْنُوسٍ به، وقيل (٤): أبصرتُ نارًا، فامكثوا مكانَكم، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، قرأ أهل الكوفة ويعقوب: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ منونًا على البدل من ﴿شِهابٍ﴾، ويحتمل أن يكون نعتًا له، تقديره: بشهابٍ مَقْبُوسٍ، وقرأ غيرهم بالإضافة (٥)، وهو الاختيار.
ووَجْه قراءة من قرأ بالتنوين أنه بمنْزِلة ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٦)، ووجه الإضافة أنه بمنْزِلة "دارُ آجُرٍّ"، قال الزَّجّاج (٧): مَن نَوَّنَ جعل القَبَسَ من صفة الشهاب.
стр. 430
ومن أضاف فقال الفرّاء (١): هو مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف الاسمان، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (٢).
ومعناه: سآتيكم بشعلة من نار أقتبسها منه، والشهاب: كل ذي نور، نحو الكواكب والعود المُوقَدِ، والقبس: اسمٌ لِما يُقْتبَسُ من الجَمْرِ وما أشبهه، والمعنى: بشهاب من قبس، يقال: قَبَسْتُ قَبْسًا، والاسم: القَبَسُ، كما يقال: قَبَضْتُ قَبْضًا، والاسم: القَبَضُ (٣)، ويجوز: بشهابٍ قبسًا في غير القرآن، على أنه مصدر أو بيان أو حال (٤).
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾؛ أي: لكي تستدفئوا من البرد، وكان ذلك في شدة الشتاء، يقال: صَلِيَ بالنّار، واصطلى بها: إذا اسْتَدْفَأَ، وأصل الطاء تاءٌ، فأبدل منها طاءً؛ لأن الطاء مطبِقة، فكان الجمع بينهما حسنًا.
قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: بورِك على مَن في النار، أو فيمن في النار، قال الفراء (٥): والعرب تقول: بارَكَهُ اللَّهُ، وبارَكَ عليه، وبارك فيه بمعنًى واحد. والتقدير: مَن في طَلَبِ النار، وهو موسى، فحذف المضاف (٦).
وهذا تَحِيّةٌ مِن اللَّه تعالى لِمُوسَى ﵇ بالبركة، كما حَيّا إبراهيمَ
стр. 431
عليه السّلام بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه، فقالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (١)، وقيل (٢): ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ هم الملائكة، وذلك أن موسى ﵇ رأى نورًا عظيمًا، وكان فيه ملائكة لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتقديس، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هو موسى ﵇؛ لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها، واللَّه تعالى نادى موسى لَمّا توجَّه إلى النار بأنه قد بارك فيه وفي الملائكة الذين كانوا في ذلك النور الذي رآه موسى ﵇.
وقال صاحب إنسان العين في معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٣): قيل: أراد موسى الذي هو في أمر النار وطلبها، يقال: فيم أنت؟ أي: ما تَطْلُبُ؟ قال الشاعر:
٧٨ - فبُورِكْتَ مولُودًا، وبُورِكْتَ ناشِئًا... وبُورِكْتَ عِنْدَ الشَّيبِ إذْ أنتَ أَشْيَبُ (٤)
وقيل: أراد الملائكةَ كما ذكرنا، وقيل: أراد اللَّهَ سبحانه، والمراد: أَمْرُهُ وكلامُهُ، يقال: قَطَعَ الأميرُ اللصَّ؛ أي: أَمَرَ بقطعه، وقيل: "مَنْ" بمعنى "ما"، يعنى: النور الذي في النار. و"حَوْلَها": منصوب على الظرف.
ثم نَزَّهَ نَفْسَهُ، فقال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾، ثم أخبر اللَّهُ موسى عن نفسه، وتَعَرَّفَ إليه بصفاته وذاته فقال تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ الهاء في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾: عماد، وليست بكناية، وهو اسم لا يظهر،
стр. 432
قاله الفراء (١)، وقيل: الكناية في ﴿إِنَّهُ﴾ هو ضمير الشأن والأمر؛ أي: إن الشأن والأمر أن المعبود أنا.
ثم أراه آيةً على قدرته ليشاهد من قدرة اللَّه ما لم يشاهده قَبْلُ، وهو قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ وفي الآية محذوف تقديره: فألقاها فصارت حيةً (٢) ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ قال الزجاج (٣): صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجانُّ، وهو الحية الأبيض.
وإنما شَبَّهَها بالجانِّ في خفة حركتها، وشَبَّهَها فِي موضع آخرَ (٤) بالثعبان لِعظَمِها (٥) ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ خوفًا من الحية، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ (١٠)﴾؛ أي: ولم يَرْجِعْ (٦)، يقال: عَقَّبَ فلان: إذا رَجَعَ، وكل راجِعٍ مُعَقِّبٌ، وقيل (٧): معناه: ولم يلتفت، وقيل: معناه: ولم يُقْبِلْ بعد أن وَلَّى، قال الشاعر:
стр. 433
٧٩ - طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ (١)
ونصب ﴿مُدْبِرًا﴾ على الحال.
ثم أراه آيةً أخرى، فقال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ يعني: جَيْبَ المِدْرَعةِ (٢) من قِبَلِ صدره، وكانت المِدْرَعةُ مِصْرِيّةً، وقيل (٣): معنى ﴿فِي جَيْبِكَ﴾؛ أي: في قميصك، ولهذا سُمِّيَ القميصُ جَيْبًا؛ لأنه يُجابُ؛ أي: يُقْطَعُ، فكل شيء قطعتَه فقد جَيَّبْتَهُ، فأَدْخَلَ يَدَهُ في جيبه ثم أخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (١٢)﴾؛ أي: بَرَصٍ وآفةٍ، ومحل ﴿بَيْضَاءَ﴾ نصب على الحال.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ يعني: مضيئة بيِّنةً واضحة، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٤)، وهو منصوب على الحال، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذَا﴾؛ أي: هذا الذي نراه عِيانًا ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا﴾ يعني بالآيات، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أنها من عند اللَّه، وأنها ليست بسحر
стр. 434
﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ قال الزَّجّاج (١): التقدير: وجحدوا بها ظلمًا وعلوًّا؛ أي: شِرْكًا وتَكَبُّرًا، وهما منصوبان على الحال مثل: أَحْمَدُ اللَّهَ شُكْرًا، وقيل: هما مصدران في موضع الحال (٢).
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وهو وادٍ بالشام معروفٌ عند العرب (٣)، وقال كعب (٤): هو بالطائف، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ عَرْجاءُ تُسَمَّى مُنْذِرةً، لها جناحان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ كان وجه الكلام أن يقول: ادخلي مَسْكَنَكِ، فلما خاطبها بفعل الآدميِّين أجرى فعلها كفعل الآدميين المُمَيِّزِينَ؛ لاختصاصها بخاصيّة الآدميِّين (٥) كقوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٦)، وقد جاء: أكلوني البراغيث، وقرأ أُبَيٌّ: ﴿ادْخُلُنَ مَسَاكِنَكُنَّ﴾ (٧)، ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ
стр. 435
سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: لا يَكْسِرَنَّكُمْ، لفظه نَهْيٌ، وتأويله جزاء (١)، والحَطْمُ: الكَسْرُ، والحُطامُ: ما تَحَطَّمَ، وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ يريد: بحَطْمِكُم ووَطْئِكُم.
قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ يعني: من قول النملة، والتبسم: أول الضحك، وهو الذي لا صوت له، قال الزَّجّاج (٢): أَكْثَرُ ضَحِكِ الأنبياء ﵈ التَّبَسُّمُ، و ﴿ضَاحِكًا﴾: حال، ومعناه: متبسمًا.
فصل
رُوِيَ فِي بعض الأخبار، أن سليمان ﵇ لَمّا سَمِعَ النملةَ تقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، نَزَلَ عندها وقال: ائتوني بها، فأَتَوْهُ بها فقال لها: لِمَ حَذَّرْتِ النملَ؟ هل سمعتم أني ظالِمٌ؟ أما علمتم أن نَبِيَّ اللَّه عَدْلٌ؟ فلمَ قلتِ: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾؟ فقالت: يا نبيَّ اللَّه: أما سمعتَ قولي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؟ مع أَنِّي لم أُرِدْ بقولِي حَطْمَ النفوس، وإنما أردت حَطْمَ القُلُوبِ، خشيتُ أن يَتَمَنَّيْنَ ما أُعْطِيتَ فيُفْتَنَّ ويُشْغَلنَ بالنظر إليك عن التسبيح، فقال لها: عِظِينِي، فقالت: هل علمتَ لِمَ سُمِّيَ أبوكَ داودَ؟ قال: لا، قالت: لأنَّهُ داوى جُرْحَهُ، وهل تدري لِمَ سُمِّيتَ سليمانَ؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم ولسلامة قلبك، ثم قالت:
стр. 436
أتدري لِمَ سَخَّرَ اللَّهُ لك الريحَ؟ قال: لا، قالت: أَخْبَرَكَ أن الدنيا كلها ريح، فتبسم ضاحكًا من قولها متعجبًا (١).
﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾؛ أي: أَلْهِمْنِي ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ. . . (١٩)﴾ الآية، وعن ابن عباس ﵁ قال: نَهَى رسولىُ اللّهِ ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (٢) والنحلة والنملة (٣).
قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ التَّفَقُّدُ: طَلَبُ ما غاب عنك، والطير: اسم جامع للجنس، وكانت الطير تصحب سليمانَ في سفره تُظِلُّهُ بأجنحتها، والمعنى: أنه طَلَبَ ما فُقِدَ من الطير ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾؛ أي: ما لِلْهُدْهُدِ لا أَراهُ؟ تقولى العرب: ما لِي أَراكَ كَئِيبًا؟ معناه: ما لَكَ؟ ولكنه من القَلْبِ الذي يُوَضِّحُهُ المَعْنَى (٤). والهدهد: طائر معروف.
فتح ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ والكسائيُّ وهشامٌ (٥) وأيوب: ﴿مَا لِيَ﴾ هاهنا وفي
стр. 437
سورة ﴿يس﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ﴾ (١)، وأرسل حمزةُ الياءَ فيهما جميعًا، وأما أبو عمرو فكان يرسل الياء دي هذه، ويفتح في ﴿يس﴾، وكذلك نافع، وفَرَّقَ غيرُهم بينهما؛ لأن هذه التي في النمل استفهام، والأخرى انتفاء (٢).
وقوله: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)﴾ قيل (٣): الميم صلة، وقيل (٤): ﴿أَمْ﴾ بمعنى: بل كان من الغائبين، وقيل (٥): ﴿أَمْ كَانَ﴾ بمعنى: صار؛ أي: صار ممن يغيب عن مركزه.
ثم أوعده على غيبته، فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال المفسرون: تَعْذِيبُهُ إِيّاهُ أَنْ يَنْتِفَ رِيشَهُ، ثم يُلْقِيَهُ في الشمس، فلا يمتنع من نَمْلةٍ ولا من شيء من هَوامِّ الأرض، ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأقطعن عنقه، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ يعني: بحجة بَيِّنةٍ في غيبته، وأصله: لَيَأْتِيَنَّنِي بنونَيْن كما يقرؤه ابن كثير (٦)، ولكنْ حُذفت النون التي قبل ياء المتكلم لاجتماع النونات.
стр. 438
قوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ أي: لم يلبث غيرَ يَسِيرٍ حَتَّى جاء الهُدْهُدُ، و ﴿غَيْرَ﴾ نعت [لظرفٍ محذوفٍ أو] (١) لِمَصْدَر محذوفٍ، تقديره: وَقْتًا غيرَ بعيد أو: مُكْثًا غيرَ بعيد، وقرأ عاصم: ﴿فَمَكَثَ﴾ بفتح الكاف، الباقون بضمها (٢)، ﴿فَقَالَ﴾ الهدهد ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ أي: علمت بما لم تعلم، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾؛ أي: بخَبَرٍ صادِقٍ، قرأ أبو عمرو والبَزِّيُّ: ﴿مِنْ سَبَأَ﴾ غير مصروف، وكذلك: ﴿لِسَبَأَ﴾ (٣) فِي سورتها، وأسكن الهمزةَ فيهما قُنْبُلٌ، وقرأ الباقون بالخفض والتنوين فيهما (٤)، فمن صرف "سبأً" جعله اسمًا لأب أو لحي، ومن لم يصرفه جعله اسمًا لقبيلة أو لِمَدِينةٍ أو لامرأةٍ، فلم يصرفه للتعريف والتأنيث، ومن أسكن الهمزة فعلى نية الوقف.
قال الزَّجّاج (٥): من لم يصرف فلأنه اسم مدينة تُعرَف بِمَأْرِبَ من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، ومن صرف فلأنه اسم البَلد، فيكون مذكرًا سُمي به مذكر. ورُوِيَ فِي الحديث، أن النَّبِيّ ﷺ سُئِلَ عن سبأٍ فقال: "كان رجلًا له عشَرة من البنين" (٦).
стр. 439
وقد تكلمت العرب فيه بالإجراء وغير الإجراء، قال جرير:
٨٠ - الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرا سَبَأٍ (١)
وقال آخر:
٨١ - مِنْ سَبَأَ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ... يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيلِها العَرِما (٢)
قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عبد الرحمن السلميُّ وأبو جعفرٍ
стр. 440
وحُمَيْدٌ الأعرجُ (١) والكسائيُّ، ويعقوبُ برواية وَرْشٍ (٢): ﴿أَلَّا يَا اسْجُدُوا﴾ بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاءِ اسجدوا، جعلوه أَمْرًا من اللَّه تعالى مُسْتَأْنَفًا، وحذفوا "هؤلاء" اكتفاءً بدلالة "يا" عليه.
وحكى الفراء عن العرب: ألا يا ارْحَمُوا، ألا يا اقْصِدُوا علينا، بمعنى: ألا يا هؤلاءِ افعلوا هذا (٣). قال الفرَّاء (٤): أنشدني المفضل، وقال أبو بكر: أنشدنا أبو العباس (٥):
٨٢ - ألا يا اسْلَمِي قَبْلَ الفِراقِ ظَعِينا... تَحِيّةَ مَنْ أَمْسَى إِلَيْكِ حَزِينا
تَحِيّةَ مَن لا قاطِعٌ حَبْلَ واصِلٍ... ولا صارِمٌ قَبْلَ الفِراقِ قَرِينا (٦)
أراد: ألا يا هذه اسلمي.
стр. 441
فعلى هذه القراءة: ﴿اسْجُدُوا﴾: في موضع جزم على الأمر، والوقف عليه: ﴿أَلَا يا﴾ ثم تبتدئ: ﴿اسْجُدُوا﴾، وهي في قراءة عبد اللَّه: ﴿هَلّا يَسْجُدُوا﴾، وفي قراءة أُبَيٍّ: ﴿أَلَّا تَسْجُدُونَ﴾ بالتاء (١).
فهاتان القراءتان حُجّةٌ لِمَنْ خَفَّفَ، لأن قولك: ألا تقوم؟ بمنزلة قولك: قُمْ، وقرأ الباقون: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بالتشديد، على معنى: وَزَيَّنَ لهم الشيطانُ أَعْمالَهُمْ لِئَلّا يَسْجُدُوا، ثم حُذفت اللام (٢)، قال الواحدي (٣): والوجه قراءة العامة، لئلّا تنقطع الصلة بما ليس منها.
و"أَنْ" في موضع نصب (٤)، و"يَسْجُدُوا" نصب بـ "أَنْ"، والوقوف على هذه القراءة: "أَلا"، ثم تبتدئ: ﴿يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ يعنِي: المخبوء ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقال: خَبَأْتُ الشيءَ أَخْبَؤُهُ خَبْئًا، والخَبْءُ: ما خَبَأْتَهُ لوقتٍ (٥)، وقال أكثر المفسرين: خَبْءُ السماواتِ: المَطَرُ، وخَبْءُ الأرضِ:
стр. 442
النباتُ، قال الزَّجّاج (١): وعلى هذا ﴿فِي﴾ يكون بِمَعْنَى "مِنْ"، وكذا هو في قراءة عبد اللَّه (٢).
قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ﴾ فِي قلوبهم ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ بألسنتهم، وقرأ الكسائيُّ وحَفْصٌ فيهما بالتاء (٣)، لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي، وهو قوله: ﴿أَلَا يا اسْجُدُوا﴾، فكذلك هاهنا.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ هو الذي يستحق العبادة لا غيره، فهو رب العرش العظيم لا ملكة سبأ، لأن عرشها -وإن كان عظيمًا- لا يبلغ عرش اللَّه في العِظَم.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾؛ أي: مختوم حَسَنٌ ما فيه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن المكتوب فيه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾؛ أي: لا تتَعَظَّمُوا ولا تتَكَبَّرُوا، يحتمل أن يكون جزمًا على النهي (٤)، ويحتمل أن يكون نصبًا بـ ﴿أَلَّا﴾ (٥)، والمعنى: لا تترفعوا عليَّ
стр. 443
﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ يعني: طائعين مؤمنين منقادين مخلصين بالتوحيد للَّه تعالى، وهو منصوب على الحال.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ وإنما هو إلى سليمان، كما يُخَبَرُ عن الملوك، ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ بقَبُولٍ أَمْ رَدٍّ، والأصل: بِما، حُذِفَت الألفُ فَرْقًا بين الاستفهام والخبر (١)، و ﴿ناظِرةٌ﴾ رفع بالعطف على ﴿مُرْسِلَةٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ يعني الهدهد، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: لا طاقة لهم بها ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ يعني: من قرية سبأ ﴿أَذِلَّةً﴾ نصب على الحال ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ يعني: أذلاء.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ يعني: بِسَرِيرِها، ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ يعني: مصلحين منقادين طائعين، فلا يَحِلُّ لنا أَخْذُهُ بعد إسلامها، ونصب ﴿مُسْلِمِينَ﴾ على الحال.
قوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ. . . (٣٩)﴾ الآية، العِفْرِيتُ: المارد القوي الشديد الغليظ، والعِفْرُ أيضًا: الشديد، يقال: أَسَدٌ عِفْرٌ وعِفْرِيتٌ، ورجل عفريت؛ أي: خبيث، والعَفْرُ: الدهاء، ذكره صاحب إنسان العين (٢).
وفيه لغتان، يقال: عِفْرِيتٌ وعِفْرِيةٌ (٣)، فمن قال: عِفْرِيتٌ جَمَعَهُ عَفارِيتَ،
стр. 444
ومَن قال: عِفْرِيةٌ جَمَعَهُ عَفاري (١)، والتاء فِي عِفْرِيتٍ زائدة كزيادتها في طاغُوت، واختلفوا في اسمه، فقيل: اسمه عمرو، وقيل: اسمه كوذن، وقيل: ذكوان (٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ في الآية محذوف، تقديره: فدَعا آصِفُ بنُ بَرْخِياءَ اللَّهَ تعالى، فأُتِيَ بالعرش، فلما رآه سليمانُ مستقرًّا عنده ثابتًا بين يديه ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ وعطائه ومِنَّتِهِ عَلَيَّ، ونصب ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ على الحال، لأنَّهُ من رؤية العين.
فصل
واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصِفُ بنُ بَرْخِياءَ ما هُو؟ فقيل (٣): هو: يا ذا الجلال والإكرام. وقيل (٤): هو: يا حيُّ يا قيوم. وقيل (٥): قال سليمان
стр. 445
عليه السّلام لصاحب العرش: قد رَأَيْتُكَ تُرَجِّعُ بِشَفَتَيْكَ، فما قُلْتَ؟ قال: قلت: يا إلهي وإلَه كلِّ شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنتَ، ائْتِ به.
قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: منعها الإيمانَ والتوحيدَ الذي كانت تعبد من دون اللَّه، وهو الشمس، قال الفراء (١): معنى الكلام: وصَدَّها من أن تعبد اللَّهَ ما كانت تعبد من دون اللَّه.
و"ما" في محل الرَّفع على هذا القول؛ لأنَّهُ فاعل، وفعله: ﴿صَدَّها﴾. وقال بعضهم (٢): يحتمل أن يكون نصبًا بنزع الصفة تقديره: وصدها سليمانُ عَمّا كانت تعبد من دون اللَّه؛ أي: مَنَعَها، وحالَ بينها وبينه. ولو قيل: وصَدَّها اللَّهُ ذلك بتوفيقها للإسلام، لكان وجهًا صحيحًا (٣). فعلى هذين التأويلَيْن يكون محل "ما" نصبًا.
وقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ استئناف، أخبر اللَّه تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت فيما بينَهم، وقُرِئَ: ﴿إِنَّهَا﴾ بالكسر والفتح (٤)، فمَنْ كَسَرَها فعلى الاستئناف، ومن فتحها فعلى معنى: "لأنَّها" (٥).
стр. 446
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾؛ أي: مؤمنون وكافرون، كل فريق يقول: الحَقُّ معي ﴿قَالَ﴾ يعني: صالِحًا للفريق المكذب ﴿يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: البلاءَ والعقوبة ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ يعني: العافية والرحمة، والاستعجال: طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته، ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾؛ أي: هَلّا تستغفرون اللَّه بالتوبة من كُفْرِكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾ فلا تُعَذَّبُونَ فِي الدنيا.
قوله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾؛ أي: تَشاءَمْنا بك، وأصله: تَطَيَّرْنا بك، ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ وذلك أن المطر أُمْسِكَ عنهم، وقُحِطُوا، فقالوا: أصابنا هذا البلاء من شُؤْمِكَ وشُؤْمِ أصحابك، يعنون صالحًا ﵇ ومن آمن معه من قومه، فـ ﴿قَالَ﴾ لهم صالح: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: الشؤم أتاكم من عند اللَّه بكفركم، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾؛ أي: تُخْتَبَرُونَ بالخير والشر.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: مَدِينةَ ثَمُودَ، وهي الحِجْرُ، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ جَمْعٌ لَا واحِدَ لهُ مِن لَفْظِه (٢) ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَر، ويَنْهَوْنَ عنِ المعروفِ، ويَظْلِمُونَ النّاسَ، ويَتَتَبَّعُونَ مَعايِبَ
стр. 447
النّاسِ، ولا يُقِيلُونَ عَثَراتِهم، ولا يَسْتُرُونَ عَوْراتِهم، وأسماؤُهُم: قُدارُ بنُ سالِفٍ، ومِصْدَعُ بنُ مِهْرَجٍ -وقيلَ: مِهْزَعٌ- وأَسْلَمُ، ودَهْماءُ، ودُهَيْمٌ، ودَعْمَى، ودُعَيْمٌ، وقُتالٌ، وصُدافٌ، رَأْسُهُم قُدارٌ ومِصْدَعٌ، وهُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقةَ (١).
قوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ يعني: التسعةَ الرَّهْطِ؛ أي: تَحالفوا باللَّه، وموضع ﴿تَقَاسَمُوا﴾: جزم على الأمر، وقيل: محله نصب على الفعل الماضي (٢).
وقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾؛ أي: لنهْلِكَنَّهُ ﴿وَأَهْلَهُ﴾ بياتًا يعني ليلًا بالقتل، وأراد صالِحًا وأهله، [وهو] جواب القسم، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ بالتاء (٣) فيهما على فعل خطاب الجماعة، فمن قرأ بالتاء جعل ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أَمْرًا، ومن قرأ بالنون جعل ﴿تَقَاسَمُوا﴾ فعلًا ماضيًا لجمع المذكر (٤)، ولفظ الأمر ولفظ الماضي سواء في جمع "تَفاعَلَ" و"تَفَعَّلَ".
وقوله: "لِوَلِيِّهِ" يعني ذا رَحِمِ صالِحٍ إِنْ يَسْأَلُونا عنه: ﴿مَا شَهِدْنَا مُهْلَكَ
стр. 448
أَهْلِهِ﴾؛ أي: ما ندري مَن قَتَلَ صالحًا وأهله، وما نعرف الذين قتلوه، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ بما نقول.
والْمُهْلَكُ يجوز أن يكون مصدرًا بمعنى: الإهلاك، ويجوز أن يكون الموضع، ورُوِيَ عن عاصمٍ: ﴿مَهْلَكَ﴾ بفتح الميم واللام يريد: الهلاك، يقال: هَلَكَ يَهْلِكُ مَهْلَكًا، ورَوَى حَفْصٌ عنه بفتح الميم وكسر اللام (١)، وهو اسم المكان على معنى: ما شهدنا موضعَ هلاكهم ومكانه.
قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾؛ أي: جازيناهم جَزاءَ مَكْرِهِمْ بتعجيل عقوبتهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ بمكر اللَّه بهم، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾، ﴿عَاقِبَةُ﴾: رفع على اسم ﴿كَانَ﴾، ولم يَحْتَجْ إلى خَبَرٍ؛ لأنَّهُ بمعنى: وَقَعَ وحَدَثَ، ويحتمل أن يكون خبره ﴿كَيْفَ﴾ مقدم على ﴿كَانَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾؛ أي: أهلكناهم، يعني: التسعةَ رهطٍ ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ نَصْب على الحال والقطع والتوكيد، قرأ الحسن وأهل الكوفة والأعمش وابن أبي إسحاق ويعقوب: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ بفتح الألف (٣)، ولها
стр. 449
وجهان، أحدهما: أن يكون ﴿أَنَّا﴾ في محل الرفع رَدًّا على العاقبة (١)، والثاني: النصب على خبر ﴿كَانَ﴾، تقديره: كان عاقبةُ مكرهم التدميرَ، واختار أبو عُبيد هذه القراءة؛ اعتبارًا لحرف أُبَيٍّ: ﴿أَنْ دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وقرأ الباقون: ﴿إِنَّا﴾ بكسر الألف على الابتداء.
قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ يعني: خَرِبةً، قرأه العامة بالنصب على الحال، وقال الفرَّاء والكسَّائي وأبو عُبيدة (٢): على القطع، مجازه: فتلك بيوتهم الخاويةُ، فلما قُطِعَ عن الألف واللام نصب، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ (٣)، وقرأ عيسى بن عمر: ﴿خَاوِيَةٌ﴾ بالرَّفع (٤) على الخبر.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾؛ أي: واذكر لوطًا ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وهي: الفِعْلةُ القبيحة الشَّنيعة ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾ قيل: كانوا يَرَوْنَ بعضُهم بعضًا، وكانوا لا يستترون، عُتُوًّا منهم وتَمَرُّدًا.
стр. 450
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ قد مضى ذِكْرُ نظيره وتفسيره، وكذلك مضى ذكر نظير الآيتَيْن قبلَها فِي سورة الأعراف (١)، فأغنى عن الإعادة هاهنا، إذ المعنى واحد.
قوله : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قيل (٢): الخطاب في قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لِلُوطٍ ﵇، وقيل (٣): لمحمد ﷺ ، و ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قيل: هم الأنبياء ﵈، وقيل: أصحاب محمد ﵇، وقيل: هم أُمَّتُهُ اصطفاهم اللَّه لمعرفته وطاعته، ومعنى السلامِ عليهم: أنهم سَلِموا ممّا عذب اللَّه به الكفار.
ثم قال إلزامًا للحُجة: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ القراءة به ممدودة، وكذلك كل استفهام لَقِيَهُ أَلِفُ وَصْلٍ (٤)، مثلَ قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ (٥) و ﴿آلْآنَ﴾ (٦)، جُعِلَتِ المَدّةُ عَلَمًا بين الاستفهام والخبر، وذلك أنهم لو قالوا: اللَّهُ خيرٌ، بلا
стр. 451
مَدٍّ، لالتبس الاستفهامُ بالخبر، وأنشد الفراء (١):
٨٣ - آلْحَقُّ إِنْ دارُ الرَّبابِ تباعَدَتْ... أوِ انْبَتَّ حَبْلٌ أنَّ قلبَكَ طائِرُ (٢)
وقوله: ﴿أَمّا تُشْركُونَ (٥٩)﴾ محَلُّه: رفع عطف على ﴿آللَّهُ﴾، وهو جواب استفهام ﴿آللَّهُ﴾، أو ﴿أَمْ﴾ بمعنى: ألف الاستفهام؛ أي: أهو خيرٌ أم ما تشركون؟، وكذلك في سائر الآيات.
ومعنى الآية: آللَّهُ الذي صنع هذه الأشياءَ خيرٌ أم ما تشركون يا أهل مكة من الأصنام؟ أي: آللَّه خير لِمَن عَبَدَهُ أم الأصنامُ لِعُبّادِها؟ وهذا إلزامٌ بالحجة على المشركين.
قرأ عاصم وأهل البصرة: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بالياء، وقرأ الباقون بالتاء (٣)، ولا خلاف في الثانِي أنه بالياء (٤)، وكان النَّبِيّ ﷺ إذا قرأ هذه الآية قال: "بل اللَّهُ خَيْرٌ وأبقى وأَجَلُّ وأَكْرَمُ" (٥).
стр. 452
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أبو حاتم (١): فيه إضمارٌ، كأنه قال: أآالِهَتُكُم خيرٌ أم الذي خلق السماوات والأرض (٢)؛ ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾ يعني: بساتين، جمع: حديقة، ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: بدلٌ من ﴿حَدَائِقَ﴾ -أي: ذاتَ منظر حسن، وقيل: ﴿ذَاتَ﴾ نعت لـ ﴿حَدَائِقَ﴾، والبهجة: الحُسْنُ يَبْتَهِجُ به من رآه، قال الفراء (٣): الحديقة: البستان المُحاطُ عليه، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة.
وقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾؛ أي: ما ينبغي لكم ذلك؛ لأنكم لا تقدرون عليها، ومحل "أَنْ": رفع اسم "كان".
ثم قال مستفهمًا منكرًا عليهم: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؛ أي: هل معه معبودٌ سواه، وهو رفع بالابتداء حيث كان (٤)، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ ابتداء وخبر؛ أي: يشركون باللَّه غيرَه، يعني: كفار مكة.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾؛ أي: يرشدكم إلى مقاصدكم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (٦٣)﴾ يعني: قُدّامَ
стр. 453
المطرِ، وهو نَصْب على الحال، وقد تقدم ذكر الخلاف فِي سورة الأعراف (١).
قوله: ﴿قُل﴾ يا محمد ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني: الناس ﴿الْغَيْبَ﴾ يعني: ما غاب عن العباد ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحدَه، نزلت في المشركين، سألوا رسول اللَّه ﷺ عن وقت قيام الساعة، فنزلت هذه الآية، قال الفراء (٢): وإنما رُفِعَ ما بعد "إِلّا" لأن ما قبلها جَحْدٌ، تقول: ما ذهب أحدٌ إلّا أبوك.
قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾؛ أي: متى يكون البعث؟
فصل
رُوِيَ أنه كان عند الحجاج بن يوسف مُنَجِّمٌ، فأَخَذَ الحَجّاجُ حَصًى قد عَرَفَ عَدَدَها، فقال للمنجِّم: كم في يدي؟ فحَسَبَ فأصاب المنجمُ، ثم اعتقله الحجاج فأخذ حَصَياتٍ لم يَعُدَّهُنَّ، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحَسَبَ فأخطأ، ثم حَسَبَ فأخطأ، فقال: أيها الأمير: أظنك لا تعرف عددها في يدك، قال: فما الفرق بينهما؟ قال: إن ذلك أحصيتَهُ فخرج من حَدِّ الغيب، وحَسَبْتُ
стр. 454
فأصبتُ، وِإنَّ هذه لم تعرف عَدَدَها، فصار غَيْبًا، ولا يعلم الغيبَ إلّا اللَّهُ (١).
ورُوِيَ عن عائشة ﵂ أنها قالت: من زعم أنه يعلم ما في غَدٍ، فقد أَعْظَمَ الفِزيةَ، واللَّهُ يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢).
قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قال ثعلبٌ (٣): معناه: تَدارَكَ عِلْمُهُم بالظن أن القيامة تكون أو لا تكون. قال أبو عمرو (٤): "بل": استفهام. وقال غيره (٥): "بل": إيجاب، والاستفهام في هذا الموضع إنكار؛ أي: لم يكن ذلك، كما قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (٦)؛ أي: لم يشهدوا.
قرأ أبو جعفرٍ ومجاهدٌ وحُميد وابن كثير وأبو عَمْرو ويعقوب: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ من الإدراك؛ أي: لم يدركوا علمَ الآخرة، وقرأ الحسن ويحيى بن
стр. 455
وثاب (١) والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بكسر اللام وتشديد الدال؛ أي: تدارك وتتابع علمهم في الآخرة هل هي كائنة أم لا؟ وتصديقُ هذه القراءة أنها في حرف أُبَيٍّ: ﴿أَمْ تَدارَكَ عِلْمُهُمْ في الآخِرةِ﴾ (٢).
والعرب تضع "بَلْ"موضع "أَمْ" و"أَمْ" موضع "بَلْ" إذا كان في أول الكلام استفهام، كقول الشاعر:
٨٤ - فواللَّهِ ما أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ... أَمِ القَوْمُ أو كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ (٣)
أي: بل كلٌّ (٤)، ومعنى الكلام: هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة؛ أي: لم يتتابع، فضَلَّ وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه؛ لأن في الكلام ضربًا من الجَحْد.
стр. 456
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ يعني: الآخرة ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾؛ أي: جَهَلةٌ، واحدُهم: عَمٍ، وهو الأعمى القلبِ.
قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ (٧٢)﴾؛ أي: دَنا وقَرُبَ لكم، وقيل: تَبِعَكُمْ وجاء بعدكم، وقيل: حَضَرَكُم، ويقال (١): رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأَرْدَفْتُهُ: إِذا رَكِبْتَ خَلْفَهُ، والمعنى: رَدِفَكُمْ، فأَدخل اللام فيه كما أُدخل فِي قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٢) و ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣)، وقال الفراء (٤): اللام صلة زائدة كما تقول: نَفَذْتُهُ مِائةً، ونَفَذْتُ لَهُ مِائةً.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾؛ أي: مكتومِ سِرٍّ وخفيِّ أمرٍ ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ إلّا وهو بَيِّنٌ فِي اللوح المحفوظ، وإنما أدخل الهاء فِي ﴿غَائِبَةٍ﴾ على الإشارة إلى الجمع فِي السماء والأرض (٥).
قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: فثِقْ يا محمدُ باللَّه، وذلك حين دُعِيَ
стр. 457
إلى ملة آبائه، فأَمَرَهُ أن يثق باللَّه، ولا يَهُولَهُ قولُ أهل مكة، وقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ يعني: على الدِّينِ البَيِّنِ، وهو الإسلام.
ثم ضرب لكفار مكة مَثَلًا، فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، شَبَّهَ كفارَ مكة بالأموات، يقول: كما لا يَسمع الميتُ النداءَ، كذلك لا تَسمع الكفارُ النداءَ، ولا تفقه ما تقول.
قوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ يعني أن الأَصَمَّ إذا وَلَّى مدبرًا، ثم ناديتَهُ: لم يسمع النداء، كذلك الكافر لا يسمع الإيمان إذا دُعِيَ إليه، وقرأ ابن كثير: ﴿يَسْمَعُ﴾ بياء مفتوحة، وبفتح الميم ﴿الصُّمُّ﴾ بالرَّفع، ومثله في الروم (١)، ونصب ﴿مُدْبِريِنَ﴾: على الحال من المضمر فِي ﴿وَلَّوْا﴾، ومعنى الآية (٢): أنهم -لفَرْطِ إعراضهم عما يُدْعَوْنَ إليه من التوحيد- كالميِّت الذي لا سبيل إلى إسماعه، وكالصمِّ الذين لا يسمعون.
ثم ضرب العَمَى مَثَلًا لهم أيضًا فقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾؛ أي: ما أنت بِمُرْشِدٍ من أعماه اللَّه عن الهدى وأعمى قلبَهُ عن الإيمان، وهذه قراءة العامة، وقرأ حمزة: ﴿تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ بالتاء ونصب ﴿الْعُمْيَ﴾ هاهنا وفي الروم (٣) على الفعل، وحجته قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ
стр. 458
تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ (١)، والمعنى: إنك لا تهديهم عن ضلالتهم لشدة عنادهم (٢)، ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾؛ أي: ما تُسْمِعُ إسماعَ إفهامٍ ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قال مقاتل: إلّا من صَدَّقَ بالقرآن أنه من اللَّه ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ [النمل: ٨١] مخلصون بتوحيد اللَّه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وَجَبَ العذابُ والسُّخط على الكفار ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قرأ العامة بالتشديد: من التكليم، وتصديقها قراءة أُبَيٍّ: ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾، وقرأ أبو رجاء العُطاردي: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ من الكَلْمِ (٣) وهو الجرح؛ أي: تَسِمُهُمْ وتَجْرَحُهُمْ، ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أهل مكة ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾؛ أي: لم يؤمنوا بالقرآن والبعث والثواب والعقاب، قرأ ابن أَبي إسحاق وأهل الكوفة ويعقوب: ﴿أَنَّ﴾ بفتح الألف؛ أي: تُكَلِّمُهُم الدابة بأن الناس، وقرأ الباقون بالكسر (٤)؛ أي: تقول لهم: إن الناس؛ لأن الكلام قولٌ.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ يريد: إلى موقف الحساب ﴿قَالَ﴾ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ نَصْب على المصدر (٥) ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ
стр. 459
تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا فيها، ومحل "ماذا": نصب بوقوع "تَعْلَمُونَ" عليه.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ العامل فِي "يومَ": فعل مضمر تقديره: اذكُرْ يا محمد يومَ يُنفخ في الصور، قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ماتوا لشدة الخوف، كقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، والمعنى: يبلغ منهم الفزعُ إلى أن يموتوا.
قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: أراد بالاستثناء: الشهداءَ، وهم الأحياء عند ربهم يرزقون، وقيل: أراد جبريلَ وميكائيل وإسرافيل وعَزْرائيل، ﴿وَكُلٌّ آتُوهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ يعني: صاغرين، وأصل "آتوهُ": آتِيُوهُ، وهو فعل مستقبَل (٢) على قراءة العامة، وقرأ الأعمش وحمزة وحفص: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ (٣) من غير مَدٍّ، جعلوه فعلًا ماضيًا. ونصب ﴿دَاخِرِينَ﴾ على الحال.
قوله : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾؛ أي: واقفةً مكانَها ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: تسير سَيْرَ السحاب حتَّى تقع على الأرض فتُسَوَّى بها، قال القُتيبي (٤): وذلك أن الجبال تُجْمَعُ وتَسِيرُ، وهي في رُؤْيةِ العين كالواقفة وهي
стр. 460
تسير، وكذلك كل شيء عظيم، وكل جَمْعٍ يَقْصُرُ عنه البصرُ لكثرته وعِظَمِهِ وبُعْدِ ما بين أطرافه فهو -في خيال الناظر- كالواقف [وهو] يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر فِي وصف جيش:
٨٥ - بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أَنَّهُمْ... وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلجُ (١)
وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾؛ أي: فعل اللَّه ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: أَحْكَمَ، وقيل: أَحْسَنَ، وقيل: أَبْرَمَ ما خَلَقَ وأحكمه، ومعنى الإتقان فِي اللغة: الإحكام للأشياء. و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾: نَصْب على المصدر، وقيل: على الأمر؛ أي: أَبْصِرُوا صُنْعَ اللَّهِ (٢)، وقرأ أُبَيٌّ: ﴿صُنْعُ اللَّه﴾ (٣) بضم العين؛ أي: ذلك صنع اللَّه ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ من الطاعة والمعصية، قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو وهشامٌ بالياء (٤)،